الفصل الرابع
رومة تحت حكم الملوك
وعبر نهر التيبر حوالي عام 1000 ق.م جماعة مهاجرون من فلانوفا واستقروا في لاتيوم Latium؛ ولا يعرف أحد هل غلَبَ هؤلاء المهاجرون من وجدوهم في تلك البلاد من السكان الأصليين الذين كانت ثقافتهم في ذلك العهد لا ترقى عن ثقافة أهل العصر الحجري، أو أبادوهم، أو اكتفوا بالاختلاط بهم والزواج منهم. ومهما يكن ما فعلوه بهم فقد أخذت القرى الزراعية التي كانت قائمة في هذا الإقليم التاريخي العظيم بين نهر التيبر وخليج نابلي Naples تجتمع وينضم بعضها إلى بعض حتى تكون منها عدد قليل من دويلات المدن المستقلة المتحاسدة التي لم تكن تتحد بعضها مع بعض إلا في الأعياد الدينية السنوية أو فيما كان يقوم بينها من حروب. وكان أكبر هذه المدن هي ألبا لنجا Alba Longa القائمة عند سفح جبل ألبان Mt. Alban، والراجح أن موضعها كان في موضع قصر جندلفو Castel Gandolfo الذي يأوي إليه البابا في أيام الصيف في الوقت الحاضر. ومن أبا لنجا تحرك جماعة من اللاتين -ولعل ذلك كان في القرن الثامن قبل الميلاد- مدفوعين بحب الغزو أو بازدياد عددهم لكثرة من ولدهم من الحفدة والأبناء، تحركوا قرابة عشرين ميلاً نحو الشمال الغربي، وأنشئوا المدينة التي صارت في بعد أعظم مدن العالم وأوسعها شهرة.
ولسنا نعرف عن نشأة روما أكثر مما ذكرناه في الفقرة السابقة التي ليس فيها إلا ما هو فروض غير موثوق بصحتها. ولكن القصص الرومانية تروي عن ذلك الشيء الكثير. ذلك أنه لما حرق الغاليون المدينة في عام 390 ق.م احترقت في أغلب الظن معظم سجلاتها التاريخية، فاتسع المجال
أمام خيال أهليها، وأغرتهم وطنيتهم إلى تصوير أصل المدينة في صورة مطلقة من كل القيود، فحددوا تاريخ بنائها في اليوم الذي يوافق اليوم الثاني والعشرين من شهر أبريل عام 753 ق.م، وأخذوا يؤرخون الحوادث من "عام تأسيس ا لمدينة" A.U.C. anno urbis conditae؛ وأخذت مائة قصة وألف قصيدة تصف خروج إينياس Aeneas بن أفرديتي -فينوس (الزهرة Aphrodite-Venus من طروادة المحترقة، ومجيئه إلى إيطاليا بآلهة مدينة برام Priam
ولم يكشف علم الآثار شيئاً يؤيد هذه القصص التي تروى عن نشأة روما وعهدها الأول؛ ولعل في هذه القصص شيء من الحقيقة، فليس ببعيد أن يكون اللاتين قد أرسلوا نفراً منهم ليشيدوا مدينة روما لكي يتخذوها حصناً يقيهم شر التسكان الذين كانوا يوسعون رقعة بلادهم في ذلك الاتجاه. وكان موقع المدينة على بعد عشرين ميلاً من شاطئ البحر، ولم يكن موقعاً ملائماً للتجارة البحرية، ولكنه كان من المستحب في تلك الأيام أيام القرصان المغيرين النهّابين أن تكون مواقع المدن بعيدة عن شاطئ البحر قليلاً. أما من حيث التجارة الداخلية فقد كانت روما عند ملتقى طريقي التجارة، طريق النهر والطريق البري الممتد من الشمال إلى الجنوب. ولم يكن موقعها بالموقع الصحي، فقد كانت الأمطار وفيضانات الأنهار، ومياه العيون، تملأ المناقع الكثيرة في السهل المحيط بالمدينة، ومن ثم كانت شهرة التلال السبعة وتقول الرواية أن أول ما استوطنه المهاجرون من هذه التلال هو تل بلاتين Palatine، ولعل سبب هذا أن جزيرة قرب سفح هذا التل قد يسرت للمستعمرين عبور نهر التيبر وإقامة جسر عليه. ثم استوطنوا بعدئذٍ سفوح التلال المجاورة واحداً في أثر واحد، وما لبثوا أن عبروا النهر وشدوا الفاتيكان Vatican والجانكيولوم Janiculum
وتقول القصة القديمة بعدئذٍ أن رميولوس أراد أن يأتي بأزواج لرجاله، فأعد ألعاباً عامة دعا إليها السبنيين وغيرهم من رجال القبائل الأخرى، وبينما كان السباق جارياً في مجراه إذ انقض الرومان على نساء السبنيين فاستولوا
عليهن، وطردوا الرجال من حلبة السباق، فما كان من تيتس تاتيوس Titus Tatius ملك قبيلة الكيوريين Curites إلا أن شن الحرب على روما، وسار بجيوشه لغزوها. وفتحت تربيا Tarpeia ابنة الوماني الموكل بإحدى القلاع القائمة على الكبتولين باب القلعة إلى الغزاة. وقد جازوها على عملها بأن دقوا عظامها بدروعهم؛ وأطلقت الأجيال التي جاءت من بعد اسمها على "صخرة تربيا" التي كان يلقى من فوقها المقضي عليهم بالإعدام ليلقوا حتفهم. ولما اقترب جنود تاتيوس من تل البلانين سعت نساء السبنيين -اللاتي كنّ يشعرن بنعم الأسر- إلى عقد هدنة بين الطرفين، وحجتهن في هذا أنهن سيخسرن أزواجهن إذا انتصر الكيوريون؛ وسيخسرن أخوتهن أو آباءهن إذا انهزموا. ونجح النساء في سعيهن وأقنع رومليوس تاتيوس ملك السبنيين بأن يشاركه ملكه، وأن تنضم قبيلته إلى اللاتين، فتصبح من مواطني روما؛ ومن ذلك الوقت سمي أحرار روما بالكيوريين أو الكويريين (Quirites Curites)(30). ولعل في هذه القصة الخيالية كلها هي الأخرى بعض الحقائق -أو لعل النعرة الوطنية قد صاغتها لتخفي بها فتح السبنيين مدينة روما.
وحكم رميولوس وما زمناً طويلاً رفع بعدها إلى السماء في عاصفة، واتخذ من بعد ذلك إلهاً من آلهة الرومان المحببين، يعبدونه باسم كويرينوس Quirinus(31). ولما مات تاتيوس أيضاً اختار رؤساء الأسر الكبيرة رجلاً من السبنيين يدعى نوما بمبيليوس Numa Pompilius ملكاً على روما. والراجح أن السلطة السياسية الحقيقية فيما بين تأسيس روما وسيطرة التسكان عليها كانت في أيدي هؤلاء الرؤساء أو السناتوريين، على حين أن أعمال الملك كانت كأعمال الأركون باسليوس Archon basileus في مدينة أثينا في هذا الوقت عينه، ولا تخرج عن أعمال الكاهن الأكبر(32). وتصور الأقاصيص الملك نوما السبيني في صورة شبيهة بالإمبراطور ماركس أورليوس Marcus Aurilius تصوره فيلسوفاً وقديساً معاً. ويقول عنه ليفي Livi إنه:
"عمل على أن يبعث في قلوب الشعب الخوف من الآلهة، ويجعل ذلك الخوف أقوى أثرًا في قلوب... الأقوام الهمج. وإذ كانت جهوده في هذه السبيل لا توصله إلى الهدف الذي يسعى إليه إلا إذا كان مرجعها إلى حكمة غير حكمة البشر، فقد ادعى أنه كان يلتقي في الليل بإيجيريا Egeria الحورية المقدسة، وإنه يعمل بنصيحتها حين ينظم الطقوس والمراسم الدينية التي هي أحب الطقوس إلى السماء، ويعين الكهنة لكل إله من كبار الآلهة(33).
ولما أفلح توما في توحيد دين قبائل روما المختلفة، وإزالة ما بينها من فروق في العبادات، قوّى بذلك وحدة الدولة وزادها استقراراً(33)؛ ويقول شيشرون إن نوما، حين وجه اهتمام الرومان المولعين بالحرب والقتال إلى شئون الدين، نشر لواء السلام بين شعبه مدى أربعين عاماً(34).
وأعاد خليفته تلس هستليوس Tallus Hostilius إلى الرومان حياتهم العادية التي ألفوها من قبل "ولما رأى أن قوى الدولة آخذة في الانحلال لطول عهدها بالخمول أخذ يتطلع إلى حجة يتذرع بها لإيقاد نار الحرب"(35). واختار عدوًا له مدينة ألبا لنجا التي كانت هي أصل مدينة روما ومنشأها، فغزاها ودمرها عن آخرها. ولما نكث ملك ألبا بوعده أن يحالفه أمر به تلس فشُد إلى عربتين سارتا في اتجاهين متضادين فمزق جسمه إربًا(36). ولم يرَ خليفته أنكس مارتيوس Ancus Martius بأسًا في اتباع هذه الفلسفة العسكرية، فقد كان أنكس يعلم كما يقول ديو كاسيوس Dio Cassius:
أنه لا يكفي من ينشدون السلم أن يمتنعوا عن أذى الناس... بل أنه كلما اشتدت رغبة الإنسان في السلم اشتد تعرضه للأذى. وكان يرى أن الرغبة في الهدوء لا تحمي الإنسان من الأذى إلا إذا صاحبها استعداد للحرب؛ وكذلك كان يعتقد أن الابتهاج بالبعد عن المشاكل الخارجية سرعان ما يقضي على الذين يسرفون في حماستهم لهذا البعد(37).
الفصل الخامس
سيطرة التسكانيين
وتروي الأقاصيص بعدئذٍ أن دمراتس Demaratus، وهو تاجر ثري نفي من كورنث، جاء ليعيش في تاركويناي حوالي عام 665 ق.م؛ وتزوج بامرأة تسكانية(38). ثم هاجر ابنه لوسيوس تاركوينيوس Lucius Tarquinius إلى روما وارتفعت مكانته فيها؛ ولما مات أنكس اغتصب العرش أو رفعه عليه حلف من الأسر التسكانية في المدينة، والاحتمال الثاني أرجح من الأول. ويقول ليفي Livy إنه أول ملك سعى إلى التاج وألقى خطبة يطلب فيها معونة السوفة أي المواطنين الذين لا يستطيعون أن يثبتوا انتسابهم إلى الآباء الذين أسسوا المدينة. وزاد سلطان الملكية على الأشراف في عهد تاركوينيوس برسكس Tarquinius Priscus، كما زاد نفوذ التسكانيين في شئون روما السياسية والهندسية والدينية والفنية. وحارب تاركون السبنيين وانتصر عليهم، وأخضع لاتيوم Latium كلها لسلطانه، ويقال أنه استخدم موارد روما ليجمل بها تاركونياي وغيرها من المدن الإترورية، ولكنه جاء أيضًا بالفنانين التسكانيين واليونان إلى عاصمة ملكه وزينها بالهياكل الفخمة
وحكم تاركون الأول ثمانية وثلاثين عامًا ثم قتله الأشراف غيلة لأنهم أرادوا
أن يحدوا من سلطان الملكية ويفرضوا عليها سلطان الدين؛ ولكن تناكويل Tanaquil أرملة تركون تولت الأمر بنفسها، واستطاعت أن ترفع ابنها سرفيوس تليوس Servius Tallius على العرش. ويقول شيشرون إن سرفيوس هذا هو أول ملك روماني استطاع "أن يتولى الملك دون أن يختاره الشعب"(41) أي أن تختاره الأسر الكبيرة. وحكم هذا الملك البلاد حكماً صالحاً، وأنشأ حول روما خندقاً وسوراً ليحميها من الغارات؛ ولكن كبار الملاك لم يرضوا عن حكمه ودبروا المؤامرات لخلعه، فقابل هذا بأن تحالف مع الأثرياء من العامة (Plebs) وأعاد تنظيم الجيش والناخبين ليقي بذلك مركزه، فبدأ بإحصاء السكان والأملاك، وقسّم الأهلين طبقات على أساس ثروتهم لا على أساس مولدهم، فترك بذلك طبقة الأشراف القديمة محتفظة بكيانها، ولكنه رفع تجاهها طبقة من الإكويتي equites ومعناها الفرسان -أي الرجال الذين كان في مقدور كل منهم أن يعد له جوادًا وسلاحًا نخرط بهما في سلك فرقة الفرسان في الجيش
هو حفيد تاركوينيوس برسكس Taquinius Priscus واتهم سرفيوس بأنه يحكم حكماً غير شرعي، استفتى سرفيوس الشعب فنال "ثقته الاجتماعية" كما يقول ليفي Livy(42)؛ غير أن تاركوين لم تقنعه نتيجة هذا الاستفتاء فعمل على اغتيال سرفيوس، ونادى بنفسه ملكاً على روما
وأصبحت الملكية في عهد تاركوينيوس سوبربس Tarquinius Superbus "المتكبر" مطلقة السلطان، كما أصبح للتسكانيين النفوذ الأعلى في البلاد. ولكن الأشراف كانوا من قبل يرون أن الملك Rex إن هو إلا السلطة التي يكل إليها مجلس الشيوخ Senate تنفيذ أحكامه، وأنه الكاهن الأكبر للدين القومي ولذلك لم يستطيعوا أن يصبروا طويلاً على سلطانه غير المحدود. ومن أجل هذا قتلوا تاركوينيوس برسكس ولم يحاولوا الدفاع عن سرفيوس. ولكن هذا الملك الجديد كان شراً من الملك الأول؛ فقد أحاط نفسه بحرس خاص وحقر الأحرار بأن فرض عليهم السخرة شهوراً طوال، وأمر بصلب المواطنين في السوق العامة، وقتل عدداً كبيراً من زعماء الطبقات العليا في البلاد، وحكم حكماً وحشياً ساخراً أغضب جميع أصحاب الرأي فيها
الفصل السادس
مولد الجمهورية
وهنا تستحيل الرواية التاريخية أدباً، ويمتزج نثر السياسة بشعر الغرام. أنظر مثلاً إلى ما يقوله ليفي وهو أن سكستس تاركوين Sextus Tarquin ابن الملك كان في معسكر أبيه في إحدى الليالي يناقش لوسيوس تاركوينيوس كلاتنس Lucius Tarquinius Collatinus أحد أقربائه في فضائل زوجتيهما وأيهما خير من الأخرى، فعرض عليه كلاتنس أن ينطلقا على ظهر جواديهما إلى روما ويفاجئا زوجتيهما بزيارتهما في أواخر الليل. فوجدا زوجة سكستس في وليمة مع بعض صاحباتها، أم لكريشيا Lucritia زوجة كلاننس فكانت تغزل الصوف لتنسج منه ثياباً لزوجها. وتاقت نفس سكتس ليجرب وفاء لكريشيا ويستمتع بحبها، فما كان منه إلا أن عاد في السر بعد بضعة أيام من ذلك الوقت إلى بيت لكريشيا وتغلب عليها بدهائه وقوته. وأرسلت لكريشيا تستدعي أباها وزوجها، وأخبرتهما بما حدث لها، ثم انتحرت بطعنة خنجر. وعلى أثر ذلك أهاب لوسيوس جونيوس بروتس Lucius Junius Brutus أحد أصدقاء كلاتنس بجميع الصالحين من الرجال أن يطردوا آل تاركوين كلهم من روما. وكان هو نفسه ابن أخ الملك، ولكن تاركوين كان قد قتل أباه وأخاه، وتظاهر هو بالجنون حتى يبقي تاركوين على حياته فيثأر لمقتل أبيه وأخيه، ولذلك سمي بروتس Brutus أي الأبله. فلما وقعت هذه الحادثة ركب مع كلاتنس إلى العاصمة ليقص قصة لكريشيا على مجلس الشيوخ، وما زال به حتى أقنعه بوجوب إخراج الأسرة المالكة كلها من روما. وكان الملك في أثناء ذلك قد ترك الجيش وعاد مسرعاً إلى العاصمة، وعلم بروتس بهذا فسار إلى الجيش على جواده وقص عليه مرة أخرى
قصة لكريشيا، وكسب بذلك معونته وتأييده. وفر تاركوين إلى بلاد إتروريا وطلب إلى أهلها أن يعدوه إلى عرشه
ودعيت في روما وقتئذٍ جمعية من أهلها الجنود فاختارت بدل الملوك الذين كانوا يختارون مدى الحياة قنصلين
وأهم نتائج هذه الثورة اثنتان: أولاهما أنها حررت روما من سلطان التسكانيين، والثانية أنها استبدلت بحكم الملوك حكم الأشراف الذي ظلوا يحكمونها إلى عهد قيصر. أم الفقراء من المواطنين فلم تنصلح أحوالهم بعد الثورة بل ساءت عما كانت عليه؛ فقد طلب إليهم أن ينزلوا عن الأراضي التي وهبها لهم سرفيوس
وخسروا ذلك القسط الضئيل من الحماية من سلطان الأشراف وهو الذي كان لهم في عهد الملكية(47). وقال الظافرون إن الثورة كانت نصراً مؤزراً للحرية، ولكن الحرية في لغة الأقوياء لا يقصد بها في بعض الأحيان إلا التحرر من القيود التي تحول دون استغلال الضعفاء.
وكان إخراج آل تاركوين من روما، مضافاً إلى هزيمة التسكانيين على يد المستعمرين اليونان في كومية Cumae عام 524 نذيراً بزوال زعامة التسكانيين من وسط إيطاليا. ومن أجل هذا فإنه لما لجأ إليهم تاركوين، استجاب لدعوته لارس بورسنا Lars Porsena، أكبر الحكام في كلوزيوم Clusium فحمع جيشاً كبيراً من مدن إتروريا المتحدة وزحف به على روما. ودبرت في روما نفسها وفي الوقت نفسه مؤامرة ترمي إلى إعادة آل تاركوين إلى عرشها. وقبض على المتآمرين، وكان من بينهم ابنا بروتس، وضرب هذا القنصل لكل من جاء بعده من الرومان أحسن الأمثلة في الجلد والخضوع لحكم القانون؛ إذ شهد بعينه ولديه يجلدان ثم يضرب رأسهما وهو صامت لا ينبس ببنت شفة -أو لعل هذه قصة تروى وليست حقيقة واقعة. ودمر الرومان الجسر العام على نهر التيبر قبل أن يصل إليهم بورسنا. وقد خلد هوراشيس ككليز Horatius Cocles اسمه في الأغاني اللاتينية والإنجليزية بدفاعه عن رأس هذا الجسر
مدى جيل من الزمان، ولكن ما خلفته الثورة من نتائج ظل باقيًا دائم الأثر.
وقضت هذه الثورة على قوة التسكانيين، ولكن آثار النفوذ التسكاني ودلائله ظلت باقية في الحضارة الرومانية إلى آخر أيامها. ولعل أقل هذا النفوذ أثراً هو ما كان في اللغة اللاتينية؛ بيد أن الأرقام الرومانية هي في أغلب الظن أرقام تسكانية(50)، ولعل لفظ رومه نفسه مشتق من اللفظ التسكاني رومون Rumon ومعناه نهر(51). وكان الرومان يعتقدون أنهم أخذوا عن إتروريا الاحتفالات التي كانت تقام عند عودة قائد روماني منتصر، والأثواب الموشاة بإطار أرجواني، والمقعد العاجي (الشبيه بمقاعد العربات) الذي يجلس عليه الحكام، والعصى والفؤوس التي كان يحملها أمام كل قنصل اثنا عشر ضابطاً، والتي كان يرمز بها إلى حقه في ضرب الناس وقتلهم
وجاء الممثلون الأولون إلى رومه كما جاء إليها اسمهم historiones من إتروريا. وإذا جاز لنا أن نصدق ليفي فإن تاركوينيوس برسكس هو
الذي بنى أول ساحة كبرى Circus Maximus، واستورد خيول السباق والمصارعين للألعاب الرومانية من إتروريا. والتسكانيون هم الذين أدخلوا في رومه المصارعات الوحشية، ولكنهم هم الذين وضعوا النساء فيها في منزلة لم تكن لهن في بلاد اليونان. وهم الذين استحالت على أيديهم من مناقع وخمة إلى حاضرة محمية متمدينة. وأخذت رومه عن إتروريا معظم مراسمها الدينية، كما أخذت عنها عادات زجر الطير والعرافة والإنباء بالغيب. ولقد ظلت وظيفة المتنبئ بالغيب جزءاً مقرراً في كل جيش روماني إلى أيام الإمبراطور يوليان Julian (أي إلى عام 363 ب.م) وكان الاعتقاد السائد أن رميولوس Romulus قد خطط حدود رومه حسب المراسم والطقوس التسكانية. وعن إتروريا أخذ الرومان حفلات عرسهم وما فيها من رموز إلى عادة الأسر القديمة وحفلات جنائزهم كما أخذوا عنها موسيقاهم وآلات طربهم(56). وكان معظم فناني رومه من التسكانيين، كما كان الشارع الروماني الذي يعمل فيه الفنانون يسمى Vicus Tuscus (البيوت التسكانية)، ولعل الفنانين أنفسهم قد تسربوا إلى رومه عن طريق لاتيوم من إغريق كمبانيا Campania. وكان فن النحت في رومه متأثراً أعمق الأثر بأقنعة الموتى التي كانت تغطى بها صور الأسر- وهي عادة أخذت من إتروريا.
وزين المثالون التسكانيون هياكل رومه وقصورها بالتماثيل البرنزية وبالصور المجسمة على الآجر والمحفورة فيه. وخلف مهندسو البناء التسكانيون في رومه "طرازاً تسكانياً" لا يزال حتى اليوم باقياً في كنيسة القديس بطرس. ولعل ملوك رومه التسكانيين هم الذين شادوا فيها أولى العمارات الكبيرة وحولوها من طائفة من الأكواخ الطينية أو العشش الخشبية إلى مدينة مشيدة من الخشب والآجر والحجارة. ولم تشهد رومه مثل ما شهدته من المباني في عهد التسكانيين إلا في عهد قيصر.
ولكن ينبغي لنا ألا نغلو في هذا الوصف. فمهما يبلغ ما أخذته رومه عن جيرانها من الكثرة فقد ظلت في جميع مظاهر الحياة الأساسية محتفظة بطابعها الخاص. وليس في التاريخ التسكاني ما يوحي بمميزات الخلق الروماني، وهي التأديب الذاتي وما فيه من جد، ووقار؛ والقسوة، والجرأة، والوطنية، والإخلاص، والصفتان الأخيرتان هما اللتان استطاع بهما الرومان على طول الزمن أن يفتحوا بلاد البحر الأبيض المتوسط، وأن يحكموها فيما بعد. فلما تحررت رومه من سيطرة التسكانيين انفسح المجال أمامها لتمثيل تلك المسرحية الفذة مسرحية عظمة الوثنية ثم اضمحلالها في العالم القديم.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق