الباب التاسع
قيصر
100-44 ق.م
الفصل الأول
الرقيع
يقول يوليوس قيصر إنه ينتمي إلى يولوس أسكانيوس Iulus Ascanius ابن إينياس Aeneas ابن فينوس Venus الزهرة) ابنة جوبتر: أي أنه بدأ حياته إلهاً واختتمها إلهاً. وكال آل يوليوس من أقدم الأسر في إيطاليا وأعلاها شرفاً، وإن كان الدهر قد عدا عليها فذهب بمالها وأفقرها. فقد كان أحد أفراد هذه الأسرة يوليوس قنصلاً في عام 489، كان منها قنصل آخر في عام 482، وكان فوبسكس يوليوس Vopiscus Julius قنصلاً في عام 473، وسكستس يوليوس Sextus Julius في عام 157، وآخر في عام 91(1). وقد ورث عن عم لزوجته يدعى ماريوس- كما يرث الناس في بعض الأحيان عن أعمامهم- ميلاً إلى المبادئ السياسية المتطرفة. وكانت أمه أورليا سيدة وقورة حكيمة مقتصدة في تدبير شؤون بيتها الصغير، وكان هذا البيت
الباب التاسع
قيصر
100-44 ق.م
الفصل الأول
الرقيع
يقول يوليوس قيصر إنه ينتمي إلى يولوس أسكانيوس Iulus Ascanius ابن إينياس Aeneas ابن فينوس Venus الزهرة) ابنة جوبتر: أي أنه بدأ حياته إلهاً واختتمها إلهاً. وكال آل يوليوس من أقدم الأسر في إيطاليا وأعلاها شرفاً، وإن كان الدهر قد عدا عليها فذهب بمالها وأفقرها. فقد كان أحد أفراد هذه الأسرة يوليوس قنصلاً في عام 489، كان منها قنصل آخر في عام 482، وكان فوبسكس يوليوس Vopiscus Julius قنصلاً في عام 473، وسكستس يوليوس Sextus Julius في عام 157، وآخر في عام 91(1). وقد ورث عن عم لزوجته يدعى ماريوس- كما يرث الناس في بعض الأحيان عن أعمامهم- ميلاً إلى المبادئ السياسية المتطرفة. وكانت أمه أورليا سيدة وقورة حكيمة مقتصدة في تدبير شؤون بيتها الصغير، وكان هذا البيت
في حي سابورة- وهو حي من الطراز القديم، ومن الأحياء التي تكثر فيها الحوانيت والحانات والمواخير. في هذا البيت ولد قيصر في عام 100ق.م، وكان مولده نتيجة لجراحة هي التي كانت سبباً في تسميته باسمه الأول
ويقول سيوتونيوس Suetnius فيما نقله عنه هلند Holland إن قيصر هذا كان شخصاً مطيعاً سلس القياد إلى حد يدعو للعجب، كما كان الميل إلى التعلم". وكان المعلم الذي يتولى تعليمه اللغتين اللاتينية واليونانية وعلوم البلاغة رجلاً من الغاليين. وشرع قيصر مع هذا المعلم يعد نفسه على غير علم منه للفوز بأعظم فتوحه كلها. ذلك أن الشاب أظهر استعداداً عظيماً للخطابة، وبدأ في شبابه يكتب ويؤلف. ثم أنقذه من هذه النزعة تعيينه ياوراً حربياً لماركس ثرمس Marcus Thermus في آسيا. وأحبه نقوميدس Nicomedes والى بيثينيا Bithynia حباً دفع شيشرون وغيره من الثرثارين المغتابين إلى أن يعيروه بأنه "أسلم عذرته لملك"(2). ولما عاد إلى رومه في عام 84 تزوج كوساتيا Cossutia استجابة لرغبة أبيه. فلما أن توفي والده بعد زواجه منها بزمن قليل طلقها وتزوج كرونليا Cornelia ابنة سنا Cinna الذي تولى قيادة الثورة بعد ماريوس. ولما تولى صلا زمام السلطة أمر قيصر أن يطلق كورنليا، فلما أبى أن يطيع هذا المر صادر صلا أملاكه التي ورثها عن أبيه كما صادر بائنة كورنليا وسجل اسمه في المحكوم عليهم بالإعدام.
ولما علم قيصر بذلك هرب من إيطاليا وانضم إلى الجيش المحارب في قليقية، حتى إذا مات صلا عاد إلى رومه (75). ولما رأى أن أعداءه هم أصحاب الأمر والنهي فيها غادرها مرة أخرى إلى آسيا. وأسره القراصنة في الطريق واقتادوه إلى كمين لهم في قليقية، وعرضوا عليه أن يطلقوا سراحه نظير فدية قدرها عشرون
نتا (72.000 ريال أمريكي)، فلما سمع ذلك لاسهم على أنهم لم يقدروه حق قدره، وعرض عليهم هو نفسه أن يعطيهم خمسين تالنتا. وأرسل خدمه ليأتوه بالمال، وأخذ في هذه الأثناء يسلي نفسه بكتابة القصائد وقراءتها على آسريه. فلما لم تعجبهم قصائده سماهم برابرة همجاً، وأوعدهم بأنه سيشنقهم في أول فرصة تتاح له. ولما جاءه الفداء أسرع بالذهاب إلى ميليطس Miletus وأعد السفن والملاحين، وطارد القراصنة وقبض عليهم، واستعاد منهم الفداء، وصلبهم؛ ولكنه وهو الرجل الشفيق الرحيم قطع رقابهم أولاً(3). وذهب بعدئذ إلى جزيرة رودس ليدرس فيها البلاغة والفلسفة.
ولما عاد إلى رومه وزع جهوده بين السياسة والحب. وكان وسيم الوجه وإن كان سقوط شعر رأسه في هذه السن المبكرة أخذ يشغل باله. ولما توفيت كرنليا في عام 68 تزوج بمبا ابنة حفيدة صلا. وإذ كان هذا الزواج زواجاً سياسياً محضاً فإنه لم يتورع عن العلاقات الجنسية غير المشروعة حسب عادة ذلك الوقت؛ ولكن هذه العلاقات بلغت من الكثرة ومن التنوع الشاذ حداً جعل كوريا Curia (والد قائده الأخير) يصفه بقوله إنه "زوج كل امرأة وزوجة كل رجل ommium mulierum vir et ommium virorum mulier" (4). وظل يتبع هذه العادات نفسها في حروبه فيبعث مع كيلوبطرة في مصر، ومع الملكة إيونو Eunoe في نوميديا، ومع كثيرات من النساء في غالة، حتى كان جنوده يلقبونه في مزاحهم بلقب "الزاني الأصلع". ولما تم له النصر في بلاد الغاليين أخذ جنوده ينشدون بيتين من الشعر المقفى يحذرون فيهما جميع الأزواج بقولهم إن عليهم أن يغلقوا الأبواب على زوجاتهم ما دام قيصر في المدينة. وكان الأشراف يحقدون عليه لسببين أولهما أنه قضى على امتيازاتهم، وثانيهما أنه أفسد زوجاتهم؛ وطلق بمبي زوجته لاتصالها بقيصر، ولم تكن كراهية كاتو الشديدة له منبعثة عن أسباب فلسفية خالصة بل كان من أسبابها أن أختاً له غير شقيقة تدعى
سرفليا Servilia كانت أحب عشيقات قيصر له. ولما ارتاب كاتو في صلات قيصر بكاتلين وظنه شريكاً له في مؤامراته طلب إليه في مجلس الشيوخ أن يقرأ جهرة رسالة جئ بها إليه في تلك اللحظة، فما كان من قيصر إلا أن أوصلهما إليه دون تعليق عليها، فإذا هي رسالة حب بعثت بها إليه سرفليا(5). وظلت تهيم بحبه طوال حياته؛ وكانت ألسنة السوء القاسية تتهما في أخريات أيامها بأنها أسلمت ابنتها ترشيا Tertia إلى قيصر لتشبع شهواته. وحدث في مزاد علني أثناء الحرب الأهلية أن باع قيصر إلى سرفليا ضياعاً صادرها من جماعة من الأشراف المعاندين بثمن أسمى زهيد. ولما أظهر بعضهم دهشته من ضآلة الثمن قال شيشرون في سخرية لاذعة كانت خليقة بأن تطيح برأسه إنه tertia deducta، وهي عبارة تحتمل معنيين فقد يكون معناها أن الثمن "ينقص ثلثه" وقد تكون إشارة منه إلى الإشاعة الرائجة وقتئذ وهي أن سرفليا قد جاءت بابنتها ترشيا إلى قيصر. وأصبحت ترشيا فيما بعد زوجاً ليكيوس القاتل الأول لقيصر، وهكذا يختلط عشق الخلائق بالفتن التي تندلع نيرانها في الدول.
ولعل هذه الظروف قد ساعدت على رفع قيصر إلى أعلى الدرجات، ولعلها أيضاً قد عانت على سقوطه. فقد كانت كل امرأة فاز بحبها صديقة له عظيمة النفع، وخاصة في معسكرات الأعداء؛ وقد حافظت معظمهن على وفائهن له حتى بعد أن هدأت عاطفة حبه لهن وأضحت لا تزيد على المجاملات المألوفة من الرجال إلى النساء. من ذلك أن كراسس أقرض قيصر أموالاً طائلة ليستخدمها في الدعاية لنفسه وهو يطالب بالقنصلية فيرشو بها الشعب، ويقيم له الألعاب، وذلك على الرغم مما كان يشاع وقتئذ من أن زوجته ترتلا كانت تعشق قيصر.
وحسبك دليلاً على مقدار هذه الأموال أن قيصر كان يوم ما مديناً له بثمانمائة تالنت (2.800.000 ريال أمريكي). ولم يكن الباعث على هذه القروض هو الكرم والصداقة، بل كانت بمثابة اشتراك من أصحابها في الحملات
تود إليهم في صورة مساعدات سياسية أو غنائم حربية؛ فقد كان كراسس- كما كان أتكس- في حاجة إلى من يحمي ملايينه وتتيح له فرص استثمارها. وكان معظم الساسة الرومان في ذلك الوقت ينوءون بمثل هذه "الديون". فقد كان ماركس أنطونيوس مثلاً مديناً بنحو 40.000.000 سسترس، وشيشرون بستين مليوناً، وميلو Milo بسبعين مليوناً على أن من الجائز أن تكون هذه الأرقام افتراء على هؤلاء الساسة.
وجملة القول أن علينا أن نتمثل في أول حياته في صورة السياسي الذي لا ضمير له، والرقيع المستهتر، الذي بدلته السنون والتبعات شيئاً فشيئاً فجعلته من أقدر رجال الحكم وأرعاهم للحرمات في تاريخ العالم. وينبغي لنا- ونحن نطرب من عيوبه ونقائصه- ألا ننسى أنه كان رجلاً عظيماً على الرغم من هذه العيوب والنقائص. وليس في وسعنا أن نسوي بين أنفسنا وبين قيصر بقولنا إنه كان يضلل بالنساء، ويرشو الزعماء، ويؤلف الكتب.
الفصل الثاني
القنصل
بدأ قيصر حياته السياسية بأن تحالف مع كاتلين سراً واختتمها بأن أعاد الحياة إلى رومه. ذلك أنه لم يكد يمضي عام واحد على موت صلا حتى قدم للمحاكمة نيوس دلابلا Gnaeus Dolabella أحد العاملين في حركة صلا الرجعية، وكان قرار المحلفين على غير ما يشتهيه قيصر، ولكن العامة هللت له حين هاجم ذلك القرار في خطبة بليغة ردد فيها المبادئ الديمقراطية. نعم إنه لم يكن يضارع شيشرون في تحمسه وفكاهته، أو في جمله الموزونة القوية، أو في حدة لسانه. والحق أن قيصر كان يبغض أسلوب شيشرون "الأسيوي" لأنه اعتاد من أول الأمر ذلك الأسلوب الموجز القوي ذا البساطة الصارمة التي امتازت بها فيما بعد "تعليقاته" على الحربين الغالية والأهلية. على أنه رغم هذا كله لم يلبث أن صار أفصح الفصحاء في رومه إذا استثنينا شيشرون نفسه(6).
واختير قيصر كوسترا في عام 68، وأرسل للعمل في أسبانيا حيث تولى قيادة الحملات العسكرية التي سيرت لتأديب القبائل الوطنية، فخرب مدنها، ونهب من الأموال ما استطاع أن يوفي به بعض ما عليه من الديون. على أن هذه المدن قد حمدت له في الوقت نفسه أن خفض فوائد قروضها من الماليين الرومان، ولما قدم إلى مدينة جادز وشاهد فيها تمثالاً للإسكندر الأكبر أخذ يلوم نفسه على أنه لم يعمل إلا القليل في مثل السن التي فتح الفتى المقدوني حين بلغها نصف عالم البحر الأبيض المتوسط.
ثم عاد بعدئذ إلى رومه واندفع في الصراع القائم وقتئذ في سبيل المنصب والسلطان. فاختير إيديلا أو مشرفاً على المباني العامة في عام 65، وأنفق أمواله-
أي أموال كراسس- في تزيين السوق العامة بما أقامه فيها من المباني والأعمدة الجديدة؛ وأخذ يتودد إلى العامة بما كان ينفقه عن سعة على الألعاب. وكان صلا قد أزال من الكبتول ما جمعه فيه ماريوس من شارات النصر كالأعلام والصور والمغانم التي تمثل صفات الرجل المتطرف القديم وانتصاراته، فأعادها كلها قيصر إلى مواضعها واغتبط بعودتها جنود ماريوس القدامى أشد الاغتباط، وأظهر بهذا العمل وحدة سياسته المناقضة لسياسة ماريوس. واحتج المحافظون على هذه السياسة، وعرفوا من ذلك الوقت أنه رجل يجب عليهم أن يعملوا للقضاء عليه.
وكان في عام 64 ق.م رئيساً لإحدى اللجان التي عينت للنظر في بعض قضايا القتل، فاستدعى للمثول أمام اللجنة من كان حياً من عمال صلا الذين عاونوه على وضع قوائم من حكم عليهم هذا القنصل، وقضى على الكثيرين من هؤلاء العمال بالنفي أو الإعدام. وفي عام 63 ق.م اقترع في مجلس الشيوخ ضد إعدام من اشتركوا مع كاتلين، وقال في عرض خطابه إن الشخصية البشرية لا بقاء لها بعد الممات(7)؛ ويلوح أن قوله هذا كان الجزء الوحيد من خطابه الذي لم يسيء فيه إلى أحد. واختير في تلك السنة نفسها رئيساً أعلى الدين الروماني pontifex maximus ثم اختير في عام 62 بريتورا praetor وأمر في ذلك العام بمحاكمة أحد زعماء المحافظين لاختلاسه بعض الأموال العامة. وفي عام 61 عين والياً على أسبانيا ولكن دائنيه حالوا بينه وبين السفر إليها، وأقر في ذلك الوقت أنه في حاجة إلى 25.000.000 سسترس إذا أراد ألا يمتلك شيئاً قط، فتقدم كراسس لمعونته وضمنه في جميع ديونه. وبذلك استطاع أن يسافر إلى أسبانيا، ويشن حملات حربية مروعة على القبائل الثائرة ذات النزعة الاستقلالية. وعاد بعدها إلى رومه ومعه من الغنائم ما يكفي لأداء ديونه وملء خزائن الدولة بالمال، فما كان من مجلس الشيوخ إلا أن اقترح أن يقام له احتفال بنصره العظيم. ولعل
الأشراف قد أظهروا بعملهم هذا كثيراً من الهاء وحصافة الرأي، فقد كانوا يعرفون أن قيصر سيرشح نفسه لمنصب القنصلية، وأن القانون ينص على ألا يرشح لها من كان غائباً عن البلاد، وأن من يقام له احتفال بالنصر يحب أن يظل بحكم القانون بعيداً عنها إلى يوم الاحتفال- وحرص مجلس الشيوخ على أن يحدده بعد موعد الانتخاب. ولكن قيصر استبق يوم الاحتفال بنصره، ودخل المدينة وأدار المعركة الانتخابية بجد ومهارة عجز معارضوه عن مقاومتها.
وكان سبب نجاحه مهارته في ضم بمبي إلى قضية الحرية. وكان بمبي قد عاد تواً من بلاد الشرق بعد أن قام فيها بسلسلة من الأعمال الحربية والسياسية المجيدة، فقد طهر البحر من القراصنة، وأمن بذلك سبل التجارة في البحر الأبيض المتوسط، وأعاد الرخاء إلى المدن التي كان رخاؤها يعتمد على هذه التجارة. وكان قد أرضى أصحاب المال في رومه بفتح بيثينيا وبنتس وسوريا، وكان قد خلع ملوكاً وأجلس على العرش آخرين، وأقرضهم الأموال من غنائمه الحربية بفوائد باهظة، وقبل رشوة كبيرة من ملك مصر الذي دعاه إلى القدوم إليها لإخماد فتنة اندلع لهيبها في تلك البلاد. ثم عاد فامتنع ما اتفق عليه بحجة أنه عمل غير مشروع(9)؛ ونشر لواء السلام في ربوع فلسطين وجعلها ولاية خاضعة لنفوذ رومه، وأنشأ تسعا وثلاثين مدينة جديدة، وأقر حكم القانون والنظام والسلام. وقصارى القول أنه كان قد سلك قبل ذلك الوقت مسلك السياسي الحكيم والحاكم القدير وأن مسلكه عاد على البلاد بالمال الوفير. فلما رجع إلى رومه حمل إليها ثروة عظيمة من الضرائب، والخراج، والبضائع التي غنمها في حروبه، ومن الأموال التي افتدى بها الأرقاء أو بيعوا بها، فاستطاع بذلك أن يعمر خزانة الدولة بمائتي مليون سسترس، وأن يضمن لها إيراداً سنوياً قدره ثلاثمائة وخمسون مليوناً، وأن يوزع على جنوده ثلاثمائة وأربعة وثمانين مليوناً، وأن يستبقي لنفسه رغم هذا كله من المال ما ينافس به كراسس فيكون أحد رجلين هما أغنى أغنياء رومه.
وكان خوف مجلس الشيوخ من هذه الأعمال أكثر من سروره منها، فلما علم أن بمبي قد نزل في برندزيوم(62) ومعه جيش يدين له بالولاء والإخلاص، ويستطيع بكلمة من قائده أن يجعله حاكماً بأمره على البلاد، لما علم مجلس الشيوخ ذلك تملكه الرعب. ولكن بمبي كان رجلاً كريماً عظيماً، فسرح جنوده ودخل رومه وليس معه إلا أتباعه الأخصاء. ودام الاحتفال بنصره يومين كاملين، ولكن هذه الفترة على طولها لم تكف لعرض الحفلات التي تصور انتصاراته وتظهر مغانمه.
وكان مجلس الشيوخ حقوداً ضنيناً، فرفض طلبه القاضي بتوزيع الأرض على جنوده، ولم يقر الاتفاقات التي عقدها مع الملوك المغلوبين، وأعاد النظم التي أقامها من قبله لوكلس في بلاد الشرق والتي أغفلها بمبي. وكانت نتيجة هذه العمال أن تمزق اتفاق شيشرون المعروف بحلف الطبقات Concordi ordinum، وأن ألقى بمبي والرأسماليين في أحضان الطبقات الدنيا واغتنم قيصر هذه الفرصة السانحة فألف منه ومن بمبي وكراسس الحكومة الثلاثية الأولى(63) وتعهدوا جميعاً أن يقاوموا كل تشريع لا يرضى عنه أي واحد منهم. واتفق بمبي أن يساعد قيصر في أن ينتخب قنصلاً، كما تعهد قيصر، إذا ما اختير لهذا المنصب، أن ينفذ الاقتراحات التي عرضها ورفضها مجلس الشيوخ.
وكانت الحملة الانتخابية شديدة مريرة استخدمت فيها الرشوة من كلا الجانبين. ولما سمع كاتو زعيم المحافظين أن حزبه يبتاع أصوات الناخبين تحلل من مبادئه الأولى ووافق على هذا العمل بحجة أنه وسيلة إلى غرض نبيل، واختار العامة قيصر كما اختار الأشراف ببياوس Pibulus.
وما كاد قيصر يتسلم مقاليد منصبه (59) حتى عرض على مجلس الشيوخ
المطالب التي تقدم بها بمبي: وهي توزيع الأرض على عشرين ألفاً من المواطنين الفقراء ومنهم جنود بمبي، والتصديق على الاتفاقات التي عقدها بمبي في بلاد الشرق، وتخفيض المبالغ التي تعهد الملتزمون بجمعها من ولايات آسيا بمقدار ثلثها.
ولما عارض المجلس كل مطلب من هذه المطالب بجميع ما لديه من وسائل فعل قيصر ما فعله ابنا جراكس، فعرضها على الجمعية مباشرة. واستطاع المحافظون أن يقنعوا ببيلوس، كما أقنعوا العرافين بأن يعلنوا أن الحظ غير موات لإجابتها. ولم يأبه قيصر لأقوال العرافين، وحمل الجمعية على أن تتهم ببيلوس بالخيانة، وقام رجل متحمس من العامة فأفرغ وعاء من البراز على رأس ببيلوس.
ثم وافقت الجمعية على مشروعات قيصر، وكانت تجمع، كما تجمع مشروعات ابني جراكس، بين السياسة وخطة مالية ترضي رجال الأعمال. وأعجب بمبي بوفاء قيصر بعهده، واتخذ يوليا ابنته زوجة رابعة له، وأصبح الاتفاق بين العامة والطبقة الوسطى رابطة حب وصداقة. وتعهد أعضاء الحكومة الثلاثية للنجاح المتطرف من أتباعهم أن يؤيدوا ببيلوس كلوديوس Publius Clodius في أن ينتخب تربيوناً في خريف عام 59، وأخذوا يعملون من ذلك الحين للمحافظة على رضاء الناخبين بما يقدمونه لهم من ضروب اللهو والألعاب الكثيرة.
وتقدم قيصر بمشروعه الثاني الخاص بتوزيع الأراضي في شهر إبريل من ذلك العام نفسه. وكان هذا المشروع يقضي بتوزيع الأراضي التي تملكها الدولة في كمبانيا على من كان له ثلاثة أبناء من المواطنين الفقراء؛ وتجاهل قيصر مجلس الشيوخ مرة أخرى، وأجازت الجمعية المشروع، وبذلك تمت الموافقة على سياسة ابني جراكس بعد جهود دامت مائة عام كاملة. ولزم ببليوس Bibulus في ذلك الوقت بيته واكتفى بأن أخذ يصدر من حين إلى حين تصريحات يقول فيها إن الطوالع غير مواتية للتشريعات الجديدة. أما قيصر يصرف الشؤون العامة
من غير أن يستشيره فيها، وبلغ من إهماله إياه أن كان الفكهون من أهل المدينة يصفون هذا العام بأنه "قنصلية يوليوس وقيصر". وأراد أن يفرض رقابة الشعب على مجلس الشيوخ، فأنشأ أول صحيفة إخبارية، بأن جعل الكتبة يسجلون أعمال الشيوخ وغيرهم، مضافة إلى الأخبار اليومية، ثم تعلق هذه "الأعمال اليومية" ويحملها إلى جميع أجزاء الإمبراطورية رُسل يخصصون لهذا العمل.
وقبل أن تنتهي فترة هذه القنصلية التاريخية أفلح قيصر في أن يعين والياً على بلاد الغالة الجنوبية وغالة ناربونة في الخمس السنين التي تلي سنة القنصلية. وإذ كان القانون يحرم إقامة الجنود في إيطاليا نفسها فإن قيادة الفيالق المقيمة في شمال إيطاليا قد جعلت لصاحبها السيطرة العسكرية على شبه الجزيرة بأكملها. وأراد قيصر أن يستوثق من بقاء تشريعاته السابقة، فعمل على أ ينتخب صديقاه جابنيوس Gabinius وبيزو Piso قنصلين في عام 58، وتزوج كلبيرنيا Calpurnla ابنة بيزو؛ ولكي يضمن استمرار العامة على تأييده بذل جهوده الموفقة لانتخاب كلوديوس تربيوناً في عام 58. ولم يحز لنسفه أن تتأثر مشروعاته بطلاقة الحديث لزوجته الثالثة بمبيا بسبب ارتيابه في صلاتها غير المشروعة بكلوديوس.
الفصل الثالث
الأخلاق والسياسة
كان ببليوس كلوديوس بلشر Publiws Claudius Pulcher أيببليوس كلوديوس الجميل فرعاً من دوحة آل كلوديوس. وكان شاباً أرستقراطياً باسلاً لا يهاب الردى ولا يتورع من الناحية الخلقية عن اقتراف أية موبقة. وقد نزل من مرتبته السامية، كما نزل منها كاتلين وقيصر، ليقود العامة في كفاحهم ضد الأغنياء، وأراد أن يكون من حقه أن يختار تربيوناً فأقنع إحدى الأسر الفقيرة في أن تتبناه، وأراد أن يعيد توزيع الثروة التي تجمعت في أيدي بعض الطبقات في رومه، وأن يقضي على شيشرون- وكان قد استطال في عرض أخته كلوديا وأخذ يدليع عن حرمة الملكية- فعمل جندياً عادياً تحت إمرة قيصر حتى يستطيع أن يستولي على زمام السلطة. وكان يعجب بخطط قيصر ويعشق زوجته، واحتال للوصول إليها بأن تزيى بزي امرأة ودخل بيت قيصر، ثم تزيى بزي كاهن واشترك في المراسم الدينية التي يقيمها النساء وحدهن إلى الآلهة الطيبة Bona Dea. ثم افتضح سره ووجهت إليه تهمة الاعتداء على حرمة الإلهة وأسرارها، وحوكم على هذه التهمة. ولما نودي على قيصر ليشهد عليه قال إنه لا يوجه تهمة ما إلى كلوديوس. فلما سأله المدعي العمومي عن سبب طلاقه بمبيا قال إن سبب هذا الطلاق هو "أن زوجتي يجب أن تكون بعيدة عن الشبهات".
وكانت هذه إجابة لبقة تسيء إلى ذلك العون السياسي القيم، ولا تسيء إليه هو، وشهد كثيرون من الشهود بأن كلوديوس من الشهود كان على اتصال بكلوديا، وأنه ضاجع أخته ترشيا بعد زواجها من لوكس: واحتج كلوديوس بانه كان غائباً عن رومه في ذلك اليوم الذي يعزى إليه فيه ذلك الاتهام المزعوم الدنيء، ولكن شيشرون شهد بان كلوديوس كان معه في رومه في ذلك اليوم نفسه. وظن الشعب أن المسألة كلها مؤامرة من مجلس الشيوخ للقضاء على زعيم من زعمائه، وأخذ يطالب ببراءته من التهمة الموجهة إليه. ورشا كراسس عدداً من القضاة- بتحريض قيصر كما يقول بعضهم- ليحكموا في صالح كلوديوس، واستطاع المتطرفون للمرة الأولى أن يقدموا من المال أكثر مما يقدمه المحافظون، وبرئ كلوديوس. ولم يدع قيصر هذه الفرصة السانحة تفلت من يده فاستبدل بزوجة من أبناء المحافظين ابنة أحد الشيوخ المناصرين لقضية الشعب.
ولم يكد قيصر يعتزل منصبه حتى اقترح بعض المحافظين إلغاء كل التشريعات التي أصدرها إلغاء تاماً. ولم يكتم رايه في هذه "القوانين اليوليوسية" وطلب بمحوها من سجلات القوانين الرومانية. وتردد مجلس الشيوخ في الاستجابة إلى هذا التحدي الصريح لقيصر ومن ورائه الجحافل الرومانية، ولكلوديوس المسيطر على التربيونية. وكان كاتو في عام 63 قد خطب ود الشعب وحاول ضمه إلى جانب المحافظين بإعادة النظام القاضي بتوزيع الغلال على الأهلين بثمن بخس. وأراد كلوديوس أن يكون أكثر منه استرضاء للعامة فأخذ يوزع الغلال من غير ثمن على كل من يطلبها، وأقرت الجمعية بناء على طلبه مشروعات قوانين تحرم رفض الإجراءات التشريعية بالاستناد إلى الحجج الدينية وتجعل تأليف الهيئات النقابية من الحقوق المشروعة، وكان مجلس الشيوخ قد حاول من قبل حلها. وقد أعاد هو تنظيم هذه الهيئات وجعل لها حق الاقتراع مجتمعة، وكسب بذلك ولاءها وإخلاصها له، فعينت له من أعضائها حرساً مسلحاً. وإذ كان يخشى أن يحاول كاتو وشيشرون، بعد أن تنتهي فترة توليه منصبه، إلغاء ما قام به قيصر من الأعمال فقد أقنع الجمعية بتعيين كاتو مندوباً رومانياً في قبرص وإصدار قرار يقضي بنفي كل من يتسبب في قتل أي مواطن روماني دون أن يحصل على موافقة الجمعية، كما تتطلب ذلك قوانين الدولة. ورأى شيشرون أنه هو المقصود بهذا القانون، ففر إلى
بلاد اليونان حيث أخذت المدن والشخصيات الكبيرة تتنافس في تكريمه والاحتفاء بمقدمه. وكان رد الجمعية على هذا القرار أن قررت مصادرة أملاك شيشرون، وهدم بيته القائم على تل البلاتين Palatine.
وكان من حسن حظ شيشرون أن كلوديوس قد غمره ما ناله من نصر، فأخذ يهاجم بمبي وقيصر، ويحاول الانفراد بزعامة الشعب. وكان جواب بمبي على خطط كلوديوس أن أيد الطلب الذي تقدم به كونتس Quintus أخو شيشرون بالسماح لخطيب رومه أن يعود إليها. ودعا مجلس الشيوخ جميع المواطنين الرومان إلى الاجتماع في عاصمة الدولة ليبدوا رأيهم في هذا الاقتراح. وجاء كلوديوس بعصابة مسلحة إلى ميدان المريخ لتشرف على عملية الاقتراع، واستخدم بمبي رجلاً فقيراً من الأشراف يدعى أنيوس مليو Annius Milo لتنظيم عصابة أخرى لمناوأتها، وكانت نتيجة ذلك حدوث شغب واضطراب سفكت فيه الدماء، فقتل عدد كبير من الناس ولم ينج كونتس نفسه من القتل إلا بمعجزة من المعجزات. على أنه أفلح فيما كان يرمي إليه، وعاد شيشرون ظافراً إلى رومه بعد نفي دام عدة شهور (57)، وحيته في طريقه من برنديزيوم إلى رومه جماهير غفيرة بلغت من الكثرة حداً تظاهر معه شيشرون بالخوف من أن يتهم بأنه قد دبر أمر نفيه ليحظى بهذا التكريم العظيم عند عودته(11).
ويلوح أنه قد تعهد بمناصرة بمبي، ولعله أيضاً قد تعهد بمناصرة قيصر، نظير سماحمها بعودته. وشاهد ذلك أن قيصر أقرضه أموالاً كثيرة لينظم بها شؤونه المالية من جديد، وأبى أن يتقاضى عليها فائدة(12). وظل شيشرون بعد عودته عدة سنين المدافع عن أقطاب الحكومة الثلاثية والناطق بلسانهم مجلس الشيوخ.
ولما لاح في أفق رومه خطر نقص الحبوب مرة أخرى (57) استطاع أن
يحصل لبمبي على تفويض عجيب، هو أن تكون له السلطة الكاملة مدى ست سنين على كل موارد الطعام في رومه، وعلى جميع الدولة وتجارتها الخارجية. واستطاع بمبي مرة أخرى أن يفيد من هذه السلطة أعظم إفادة، ولكن دستور الجمهورية أصيب مرة أخرى بطعنة نجلاء، وظل حكم الأفراد يحل محل حكم القانون. وكذلك استطاع شيشرون أن يقنع مجلس الشيوخ بالموافقة على اقتراح عرض عليه بتقديم مبلغ كبير من المال لأداء مرتبات جنود قيصر في غالة. وفي عام 54 أفلح في دفاعه عن حكم أولس جابنيوس Aulus Gabinius، حاكم إحدى الولايات وصديق رجال الحكومة الثلاثية، حتى برئ من تهمة ابتزاز أموال الولايات واستخدام العنف في الحصول عليها. وفي عام 55 خسر كل ما كسبه من عطف قيصر ومعونته بهجومه العنيف على وال روماني آخر يدعى كلبيرنيوس بيزو Calpurnius Piso. ذلك أنه لم ينس قط أن بيزو هذا كان من الذين اقترعوا على نفيه، ونسي أن ابنة بيزو كانت زوجة قيصر.
ولما عاد كاتو من قبرص عام 57 ق.م بعد أ أعاد تنظيم شؤونها على خير وجه شرع المحافظون يلمون شعثثهم ويعيدون تنظيم صفوفها، وكان كلوديوس قد أضحى وقتئذ عدو بمبي الألد فقبل ما عرضه عليه الأشراف من أن يعيرهم محبة الشعب وعصاباته السفاحة. واتجه الأدب من ذلك الوقت وجهة معادية لقيصر وأخذت قصائد كلفس Clavus وكاتلس Catullus الهجائية تصّوب كالسهام المسمومة معسكر الحكومة الثلاثية. وكلما توغل قيصر في بلاد الغاليين، وتواترت أنباء ما كان يلاقيه فيها من الأخطار الكثيرة، أخذ الأمل يدب من جديد في صدور الشخصيات النبيلة، وقال شيشرون وقتئذ إن "من لم يمت بالسيف مات بغيره".
وإذا جاز لنا أن نصدق ما قاله قيصر، فإن عدداً من المحافظين قد أخذوا يأتمرون مع أربوفستس Ariovistus القائد الجرماني على اغتيال قيصر(13). وسارع دميتوس Domitius يرشح نفسه للقنصلية، ويعلن أنه إذا ما فاز بها فسيقترح من فوره على المجلس استدعاء قيصر- أي أن قيصر سيتهم ويحاكم. وتلونّ شيشرون بلون الزمان، فاقترح أن ينظر مجلس الشيوخ في يومي 25، 26 من شهر مايو في إلغاء قوانين قيصر الخاصة بالأراضي الزراعية.
--اكتب هنا--
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق