الخميس، 8 يوليو 2010

من قصة الحضارة : فولتير الشاب













 الفصل الأول

فرنسا الوصاية




1715-1723




1- فولتير الشاب




1694-1715




لم يكن اسمه بعد فولتير، بل كان حتى إطلاق سراحه من الباستيل في 1718 يدعى فرانسوا ماري آرويه. وقد ولد بباريس في 21 نوفمبر 1694، وأصبح خلاصتها المصفاة حتى 1778. أما الرجل الذي يفترض أنه أبوه، واسمه فرانسوا آرويه، فكان محمياً ميسور الحال، عرف الشاعر بوالو والغانية نينون دلانكلو، وكتب وصيتهما، وعرف المسرحي بيير كورني، ووصفه بأنه "أثقل من لقي من الناس ظلاً(1)". وأما أمه، ماري مارجريت دومار، فكان يجري في عروقها قدر طفيف من الدم النبيل، وكانت ابنه موظف في "البرلمان" وأخت المراقب العام للحرس الملكي، ومن طريقهما استطاعت الوصول إلى بلاط لويس الرابع عشر. وقد جعلت حيويتهما وذكاؤها المرح من بيتها صالوناً صغيراً. وذهب فولتير إلى أنها ملكت كل ما وهبت أسرته من ذكاء، كما ملك أبوه كل ما أوتيت من دراية مالية، وقد استوعب الابن الموهبتين جميعاً فيما ورثه. وماتت أمه في الأربعين وهو لم يجاوز السابعة. وكان أكبر أبنائها الخمسة أرمان، الذي كان غيوراً على لاهوت الجانسنيين حريصاً على ميراث الأسرة. أما أصغر الأبناء فرانسوا ماري، فكان معتلاً في عامه الأول، حتى أن أحداً لم يصدق أن ستكتب له الحياة. وقد ظل حتى الرابعة والثمانين يتوقع موته المبكر ويذيعه على الناس.
وكان من بين أصدقاء الأسرة عدة "آباء" abb(s وهو لقب كان يخلع على أي كنسي علماني، سواء كان قسيساً مرسوماً أو لم يكن. وقد أصبح كثير من هؤلاء الآباء رجال دنيا لا دين، لمعوا في المجتمع رغم تمسكهم برداء الكهنوت، ومنهم من ألفوا المشاركة المسافرة في
مجالس خلت من الوقار، ومنهم من عاش كما يشتهي متستراً وإن حافظ على مظهر لقبه. مثال ذلك الأبيه دشاتو نوف، آخر عشاق نينون دلانكلو وأول معلم لفولتير. وكان رجلاً واسع الثقافة، رحب الأفق، وقد أشرب تلميذه وثنية نينون وارتيابه مونتيني. وفي رواية قديمة مشكوك فيها أنه قدم للصبي ملحمة هازلة تدعى "الملحمة الموسوية" كانت تتداول في مخطوطات سرية، ومؤداها أن الدين، إذا استثنينا الإيمان بكائن أعظم، ليس إلا ذريعة يتذرع بها الحكام لإخضاع المحكومين وإرهابهم(2).
بدأ تعليم فولتير حين اصطحبه معلمه "الأبيه" في زيارة لنينون، وكانت الغانية الشهيرة يومها (1704) في الرابعة والثمانين. ووجدها فرانسوا "يابسة كالمومياء" ولكنها ما زالت فياضة برقة المرأة وعطفها. وقد تذكر في تاريخ لاحق صنيعها فقال "لقد طاب لها أن تذكرني في وصيتها، فتركت لي ألفي فرنك لأشترى بها كتباً(13)". وماتت بعد ذلك بقليل.
ورغبة في موازنة هذا الغذاء ألحق الصبي وهو في العاشرة طالباً مقيماً بكلية لوي-لجران اليسوعية على شاطئ باريس الأيسر، التي اشتهرت بأنها أفضل مدرسة في فرنسا. وكانت تضم بين تلاميذها الألفين من أبناء الأشراف كل من أطاق أن يتعلم، وفي السنوات السبع التي أنفقها فولتير في مدرسته صنع الكثير من الأصدقاء الأرستقراطيين الذين احتفظ طوال حياته بالألفة الطبيعية معهم. وقد تلقى تدريبات حسناً في الدراسات الكلاسيكية، والأدب، ولا سيما المسرحية، ومثل في مسرحيات عرضت هناك، وكتب هو نفسه تمثيلية وهو بعد في الثانية عشرة. وكان متقدماً في دراسته، وظفر بجوائز كثيرة وأبهج معلميه وأفزعهم. فلقد أعرب عن عدم إيمانه بالجحيم، وسمى السماء "عنبر نوم الدنيا الكبير(4)". وتنبأ أحد معلميه في حزن بأن هذا الفكر الصغير سيحمل لواء الربوبية الفرنسية-أي الدين الذي يرفض كل لاهوت تقريباً فيما عدا الأيمان بالله. على أنهم احتملوه بما عهد فيهم من صبر وأناة، وبادلهم هذا الصنيع باحتفاظه-طوال هرطقاته كلها-باحترام وعرفان بالجميل

دافئين لليسوعيين الذين راضوا عقله على الوضوح ودربوه على النظام كتب وهو في الثانية والخمسين يقول:
"تلقيت العام سبع سنين على يد رجال بذلوا جهود مضنية لم ينالوا عليها جزاء ليربوا عقول الشباب وأخلاقهم... ولقد أشربوني ميلاً إلى الأدب، وعواطف ستكون عزاء لي إلى نهاية عمري. وما من شيء سيمحو من قلبي ذكرى الأب بوريه، الذي هو عزيز بالمثل على كل من أخذوا عنه العلم. فإن أحداً من المعلمين لم يحبب تلاميذه في الدرس والفضيلة كما فعل ذلك الأب... وقد أسعدني الحظ بتلقي العلم على أكثر من أب يسوعي جملته أخلاق الأب بوريه.. فما الذي رأيته خلال السنين السبع التي قضيتها مع اليسوعيين؟ أكثر ضروب الحياة جداً وقصداً وتنظيماً، أوقاتهم كلها قسمة بين رعاية يبذلونها لنا وممارسات لمهنتهم الشاقة. وأني لأستشهد بالآلاف الذين علموهم كما علموني وليس بين هؤلاء فرد يكذبني(5)".
وبعد أن تخرج فرانسوا نوى أن يجعل الأدب مهنته، ولكن أباه أصر على أن يدرس القانون، محذراً أياه من احتراف الأدب الذي هو كلمة المرور السحرية إلى الفقر والعوز. وظل فرانسوا ثلاث سنين "يدرس قوانين تيودوسيوس وجستنيان سبيلاً لمعرفة مهنة المحاماة الباريسية" على حد قوله. وقد كره "كثرة الأشياء عديمة الجدوى التي أرادوا أن يشحنوا بها ذهني؛ إن شعاري هو: التركيز على صميم الموضوع(6)". وبدلاً من أن يستغرق في مجموعات القوانين والسوابق القانونية، سعى لصحبة جماعة من شكاك الأبيقوريين كانوا يجتمعون في التأميل-وهو بناء تخلف من دير قديم لفرسان الهيكل (الداوية) في باريس. وكان أمامهم فيليب دفاندوم، كبير رؤساء أديار فرنسا، صاحب الموارد الكنسية الضخمة والإيمان الديني الهزيل، ومعه الآباء سيرفيان، ودبوسي، ودشوليو، ومركيز دلافار، وأمير كونتي، وغيرهم من الأعيان الذين يتمتعون بدخل ميسر وحياة مرحة... وكان الأبيه دشوليو يجهر بأن الخمر والنساء أطيب النعم التي جادت بها على الإنسان طبيعة حكيمة خيرة(7). وقد لائم فولتير بين نفسه وبين هذا النظام دون عناء، وصدم أباه بالسهر خارج




ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق