الباب الرابع والعشرون
اليقظة الهلنستية
الفصل الأول
مصر الرومانية
كان خليقاً بمصر أن تكون أسعد بلدان الأرض قاطبة، لأن النيل يرويها ويغذّيها، ولأنها أكثر بلاد البحر الأبيض المتوسط قدرة على الإكتفاء بخيراتها- فهي غنية بالحب والفاكهة، وتنتج أرضها ثلاث غلات في العام، ولم يكُن يعلو عليها بَلَد آخر في صناعاتها، وكانت تصدّر الغلات والمصنوعات إلى مائة قطر وقطر، وقلما كان يزعجها ويقلق بالها حرب خارجية أو أهلية. ولكن يبدو أن "المصريين" برغم هذه الأسباب- أو لعلّهم لهذه الأسباب- "لم نعموا بالحرية يوماً واحداً في تاريخهم كلهم"(1) على حد قول يوسفوس. ذلك أن ثروتهم كانت تغري بهم الطغاة أو الفاتحين واحداً في إثر واحد مدى خمسين قرناً من الزمان كانوا فيها يستسلمون لأولئك الطغاة والفاتحين
ولم تكن روما تعد مصر ولاية تابعة لها، بل كانت تعدّها من أملاك الإمبراطور نفسه، وكان يحكمها حاكم مسئول أمامه وحده. وكان موظفون من اليونان المتمصّرين يديرون أقسامها الثلاثة- مصر السفلى، ومصر الوسطى، ومصر العليا، ومقاطعاتها الست والثلاثين، وبقيت اللغة اليونانية في ذلك العهد هي اللغة الرسمية- ولم تبذل محاولة ما لتحضير السكان، فقد كانت وظيفة مصر في الإمبراطوريّة أن تكون المورد الذي تستمد منه روما ما يلزمها من الحبوب، ولهذا السبب انتزعت من الكهنة مساحات واسعة من الأرض وأعطيت للممولين الرومان أو الإسكندريين، وجُعلت ضياعاً واسعة يعمل فيها الفلاحون ويستغَلّون بلا رحمة. وظلت الرأسمالية الحكومية كما كانت في عهد البطالمة، وإن كانت في صورة أخف من عهدها السابق؛ لقد كانت تنظم كل خطوة من خطوات الأعمال الزراعية وتشرف على تنفيذها: فكان موظفون حكوميون مطردو الزيادة يعينون ما يزرع من المحاصيل، ومقدار ما يزرع منها، ويوزعون البذور على الزراع في كل عام، ويستولون على المحصولات ويودعونها في مخازن حكومية (thesauroi)، ويُصدّرون منها حصة روما، ويقتطعون الضرائب منها عينا، ويبيعون ما يتبقى بعد ذلك في السوق. وكان القمح والكتان محتكرين للحكومة من البذر إلى البيع؛ وكذلك كان شأن الطوب، والروائح العطرية وزيت السمسم في الفيّوم إن لم يكن في غيرها من الأقاليم، أما غير هذه من الميادين الاقتصادية فكان يُسمح فيها بمشروعات الاستغلال الخاصة، على أن يكون هذا الاستغلال خاضعاً لأنظمة دقيقة شاملة. وكانت مصادر الثروة المعدنية كلها ملكاً للدولة، وكان قطع الرخام واستخراج الحجارة الكريمة امتيازاً خاصاً للحكومة.
واتسع نطاق الصناعات المنزلية فانتشرت في المُدن- وكان قد مضى على قيامها في مصر زمن طويل، فاشتهرت بها مدائن بطليموئيس Ptolemais، ومنفيس وطيبة، وأكسيرهنكس Oxyrhynchus، وصان، وبسطة، ونقراطيس،
وهليوبوليس (عين شمس)؛ وكانت هذه الصناعات في الإسكندرية المورد الذي تعتمد عليه نصف حياة العاصمة الصاخبة. ويبدو أن صناعة الورق كانت قد بلغت وقتئذ المرحلة الرأسمالية، فإن استرابون يحدثنا أن أصحاب مزارع البردي حددوا محصوله ليرفعوا سعره(3). وكان الكهنة يقيمون المصانع في حرم الهياكل، ويخرجون فيها نسيجاً رقيقاً من التيل، يصنعون منه ملابسهم، ويبيعون بعضه في الأسواق. وقلّما كان يوجد أرقّاء في مصر يعملون في غير الخدمات المنزلية، لأن العمّال "الأحرار" لم يكونوا يؤجرون أكثر مما يكفي لستر عورتهم وسد رمقهم. وكان هؤلاء العمال يضربون عن العمل (anachoresis) في بعض الأحيان- فكانوا يمتنعون عنه ويجتمعون بالهياكل حتى يخرجوا منها بتأثير الجوع أو الألفاظ المعسولة. وكان يحدث أحياناً أن ترفع الاجور، فترتفع الأثمان، وتعود الأمور كما كانت من قبل. وكان يُسمح بإنشاء النقابات الطائفية، ولكنها كانت في الأغلب الأعم خاصة بالتجار ومديري الأعمال، وكانت الحكومة تستخدمها في جباية الضرائب وفي تنظيم أعمال السخرة كإقامة السدود، وحفر الترع وتطهيرها، وإقامة المباني العامة.
وكانت التجارة الداخلية نشطة ولكنها بطيئة. فقد كانت الطرق رديئة، وكانت وسائل النقل البري هي الحمّالين، والحمير، والجمال- التي حلّت وقتئذ محل الخيل للجر والحمل في أفريقية. وكان جزء كبير من التجارة الداخلية يُنقل في نهر النيل أو القنوات. وكانت قناة كبرى يبلغ عرضها مائة وخمسين قدماً وتمت في عهد تراجان، تربط البحر الأبيض المتوسط بالمحيط الهندي عن طريق النيل والبحر الأحمر. فكانت السفن تخرج في كل يوم من الثغور الواقعة على هذا البحر مثل أرسنوئي، وميوسهرموس Muos Hormos ويرنيس في طريقها إلى أفريقية أو الهند. وكان النظام المصرفي الذي يموّل الإنتاج خاضعاً بأكمله للرقابة الحكومية، وكان في حاضرة كل إقليم
مصرف للدولة، يتسلّم الضرائب، وتودع فيه الأموال العامة. وكانت القروض تعقد للزراع وتشجيع الصناعة والتجارة والأعمال المالية، تقرضها الحكومة أو الكهنة من خزائن الهياكل، أو هيئات الإقراض غير الحكومية(4). وكانت الضرائب تفرض على جميع المنتجات، والعمليات الاقتصادية، والبيع، والإصدار، والاستيراد، بل وعلى القبور ودفن الأموات؛ وكانت قروض إضافية تُقرر من حين إلى حين، وتُجبى عيناً من الفقراء أو خدمات من الأغنياء. وكانت البلاد- أو كان سادتها- من عهد أغسطس إلى تراجان في رخاء؛ ثم أخذ هذا الرخاء، بعد أن وصل إلى ذروته في ذلم العهد، يفارقها بتأثير الخراج الذي لم يكن يُعرف له حد، والضرائب الفادحة، وما يعقبهما من كساد ونضوب في موارد البلاد، وما يؤدي إليه الاقتصاد المجند من تراخٍ وإهمال.
وبقيت مصر في خارج الإسكندرية ونقراطيس محتفظة بمصريتها عابسة صامتة، وقلّما اصطبغ فيها شيء بالصبغة الرومانية بعيداً عن مَصاب النيل؛ وهي مدينة الإسكندرية نفسها، التي كانت أعظم المدائن اليونانية، أخذت في القرن الثاني بعد الميلاد تصطبغ بصبغة الحواضر الشرقية في أخلاق أهلها ولُغاتهم وفي جوّها الشرقي. وكان يسكن عاصمة مصر 800.000 من جميع سكان البلاد البالغ عددهم 8.500.000(5) (وكان عدد سكانها في عام 1930 نحو 573.000)، ولم يكن يزيد عليها في عدد السكان سوى روما نفسها. أما من حيث الصناعة والتجارة فقد كانت أولى المُدن في الإمبراطوريّة. وقد ورد في خطاب يُعزى إلى هدريان- وإن كنا نشك في صحة نسبته إليه- أن كل شخص في الإسكندرية يعمل، وأن لكل إنسان فيها حرمة، وحتى العرج والعمى يجدون لهم عملاً فيها(6). وكان من بين مئات الصناعات القائمة في المدينة صناعة الزجاج، والورق، ونسج الكتان. وكانت هذه المصنوعات موفورة الإنتاج، وكانت الإسكندرية مركز صناعة الكساء والأزياء العصرية المستحدثة في ذلك الوقت، فكانت
هي التي تضع طراز الملابس وهي التي تصنعها. وكان لمرفئها العظيم تسعة أرصفة، يخرج منها أسطولها التجاري ليمخر عباب عدة بحار. وكانت المدينة فوق ذلك مركزاً للسياح، فيها الفنادق، والأدلاء، والمترجمون لاستقبال الزائرين القادمين إليها لمشاهدة الأهرام والهياكل الفخمة في طيبة. وكذلك شارعها الرئيسي يبلغ عرضه سبعة وستين قدماً، وتقوم على جانبيه العُمَد، والبواكي، والحوانيت المغرية تعرض أجمل التحف التي تنتجها الصناعات القديمة. وكان عند كثير من ملتقى الشوارع ميادين واسعة أو دوائر يسمونها الطرق "الواسعة" (Plateai)- ومنها اشتقّت الكلمة الإيطاليّة Piazza والكلمتان الإنجليزيتان Place, Plaza. وكانت مباني ذات روعة تزين الشوارع الرئيسية- دار تمثيل كبرى، ومصفق، وهياكل لبسيدن، وقيصر، وزُحل، وسرابيوم أو هيكل لسرابيس ذائع الصيت، وطائفة من مباني الجامعة اشتهرت في العالم كله باسم المتحف (الميوزيوم Museum أو بيت ربات الفن Muses). وكانت المدينة مقسمة خمسة أقسام، خصّ قسم منها بأكمله تقريباً بقصور البطالمة، وحدائقهم، ومباني الإدارات الحكومية، وكان يقيم فيه في العصر الروماني حاكم المدينة. وفي هذا القسم دُفنت جثة الاسكندر الأكبر مؤسس المدينة في ضريح جميل الشكل، وقد وُضِعت في تابوت من الزجاج وحُفِظت من البلى في العسل.
وكان سكان المدينة خليطاً من اليونان، والمصريين، واليهود، والإيطاليين، والعرب، والفينيقيين، والفرس، والأحباش، والسوريين، والليبيين، والقليقيين، والسكوذيين، والهنود، والنوبيين، ومن شعوب البحر الأبيض كلّهم تقريباً. وكان يتألف منهم جميعاً خليط سريع الذوبان بعضه في بعض، سريع الالتهاب أيضاً، متشاحن، سيئ النظام، عظيم المهارة والذكاء، فكه غير محتشم، لا يستحي من فحش القول، متشكك، منحرف، غير مستمسك بالخلق الكريم، مرح، شديد الولع بالتمثيل، والموسيقى، والألعاب العامة. ويصف ديوكريستوم
الحياة في المدينة بأنها (قصف دائم... للراقصات، والمصفرين، والقتلة"(8). وكانت القنوات غاصة على الدوام بمحبي المرح والطرب، يستقلون القوارب الصغيرة أثناء الليل، يقطعون فيها مسافة الأميال الخمسة التي توصلهم إلى كنوبس Canopus ضاحيتها المليئة بالملاهي وأسباب التسلية. وكانت تقام فيها مباريات موسيقية لا تقل عن سباق الخيل إثارة للمشاعر والتصفيق والضجيج.
وإذا جاز لنا أن نصدق فيلو(9) فيما يقوله عن سكان المدينة، فقد كان أربعون في المائة منهم من اليهود، وكانت كثرة يهود الإسكندرية تعمل في الصناعة والتجارة، وتعيش في فقر مدقع(10)، وكان كثيرون منهم تجاراً، وعدد قليل منهم مرابين، وبلغ بعضهم من الثراء درجة استطاعوا بها أن يحصلوا على مناصب يُحسدون عليها في الحكومة؛ وبعد أن كانوا في أول الأمر لا يشغلون إلا خُمس مساحة المدينة أصبحوا في الوقت الذي نتحدّث عنه يُشغلون خمسيها. وكانوا يحاكمون بمقتضى قوانينهم الخاصة على أيدي كبرائهم، وأيدت روما الامتيازات التي منحها إياهم البطالمة والتي يحق لهم بمقتضاها أن يتجاهلوا أي قانون يتعارض مع أوامر دينهم. وكانوا يفخرون بكنيسهم المركزي الفخم وهو باسقاً ذات عُمَد، بلغ من الاتساع حداً كان لابد معه من استخدام نظام للإشارات يضمن بها استجابة المصلين الذين لا يستطيعون- لبعدهم عن المحراب- أن يسمعوا صوت الحاخام(11). ويُستفاد من أقوال يوسفوس أن الحياة الأخلاقية ليهود الإسكندرية كانت مضرب المثل في الاستقامة إذا قيست إلى حياة السكان "الوثنيين" الشهوانية الطليقة(12). وكانت لهم ثقافة ذهنية نشيطة، كما كان لهم حظ كبير من الدراسات الفلسفية والتاريخية والعلمية في ذلك الوقت. وكانت المدينة تضطرب من حين إلى حين بالعداء العصري؛ وشاهد ذلك أننا نجد في النُبذة التي كتبها يوسفوس ضد أبيوق (وهو زعيم معادٍ للساميّة) جميع الأسباب، والحجج، والخرافات التي تعكّر العلاقات بين اليهود وغيرهم من أصحاب الأديان الأخرى في
هذه الأيام. وقد حدث في عام 38م. أن هاجم الغوغاء من اليونان معابد اليهود وأصرّوا على أن يضعوا في كل منها تمثالاً لكلجيولا ليتخذوه إلهاً. كذلك حرّم أفليوس فلاكس حاكم المدينة الروماني اليهود من حق المواطنية الإسكندرية وأمر من كانوا يعيشون منهم خارج القسم اليهودي الأصلي أن يعودوا إليه في خلال بضعة أيام من صدور الأمر، فلما انقضى الأجل المحدد لهذه العودة أحرق الغوغاء اليونان أربعمائة من بيوت اليهود، وقتلوا من كان منهم خارج ذلك الحي؛ وقبض على ثمانية وثلاثين من أعضاء الجروزيا (مجلس الشيوخ اليهودي، وجلدوا علناً في إحدى دور التمثيل، وطُرِد آلاف من اليهود من بيوتهم أو من أعمالهم أو حُرموا ما كانوا يدخرونه من أموالهم. وعَرَضَ الحاكم الذي خَلَفَ فلاكس أمرهم على الإمبراطور، وسافر إلى روما (عام 40م) وفدان مستقلان- أحدهما يتألّف من خمسة من اليونان والآخر من خمسة من اليهود- ليعرض كل منهما قضيته على كلجيولا، ولكن الإمبراطور قضى نحبه قبل أن يصدر حكمه، فلمّا جلس كلوديوس على العرش أعاد إلى يهود الإسكندرية ما كان لهم من حقوق، وأكّد لهم مواطنيتهم في المدينة، وأصدر أمراً مشدداً إلى الطائفتين المتنازعتين ألا تعكّرا صفو السلام.
الفصل الثاني
فيلو
كان رئيس الوفد اليهودي إلى كليجولا هو الفيلسوف فيلو، وكان أخوه مدير تجارة الصدار اليهودية في الإسكندرية. ويصفه يوسيبوس Eysebius بأنه من أسرة عريقة من رجال الدين(13). ولا نكاد نعرف شيئاً غير هذا عن حياته ولكن تقواه وكرم أخلاقه يظهران واضحين في المؤلفات الكثيرة التي وضعها في شرح الدين اليهودي للعالم اليوناني. وقد نشأ الرجل في جوديتي، فكان شديد الوفاء لشعبه، ولكنه افتتن بالفلسفة اليونانية، فجعل هدفه في الحياة أن يوفق بين الكتاب المقدّس وعادات اليهود من جهة، والآراء اليونانية وبخاصة فلسفة أفلاطون "أقدس القدّيسين" من جهة أخرى. ولكي يصل إلى غرضه هذا لجأ إلى المبدأ القائل إن جميع الحادثات، والأخلاق، والعقائد، والشرائع المنصوص عليها في العهد القديم ذات معنيين أحدهما مجازي والآخر حرفي، وأنها ترمز إلى حقائق أخلاقية أو فلسفة؛ وكان في وسعه بهذه الطريقة أن يبرهن على صحة أي شيء يريد البرهنة على صحّته. وكان يكتب باللغة العبرية بأسلوب لا بأس به. ولكن أسلوبه في اليونانية بلغ من الجودة حداً جعل المعجبين به يقولون إن "أفلاطون كان يكتب كما يكتب فيلو"(14).
وكان فيلو فيلسوفاً أكثر مما كان رجل دين، وكان صوفياً استبقت تقواه الشديدة تقوى بلوتينس وعقلية العصور الوسطى. وكان الله في كتابات فيلو هو الكائن الجوهري في العالم، وهو كائن غير مجسّد، أزلي سرمدي، يجلّ عن الوصف؛ في وسع العقل أن يدرك وجوده، ولكنه لا يستطيع أن يخلع عليه صفة ما، لأن كل صفة تعني التحديد. والذين يتصوّرونه في صورة بشرية إنما
يفعلون ذلك لتقريبه من خيال البشر الحسّي. والله موجود في كل مكان: "وهل ثمة مكان يستطيع الإنسان أن يجده وليس الله فيه؟"(15) ولكنه ليس كل شيء، فالمادة أيضاً سرمدي، وغير مخلوقة؛ ولكنها لا تكون لها حياة، ولا حركة، ولا صورة، حتى تنبعثُ فيها القوّة الإلهية.
ولكي يخلق الله العالم بأن يشكّل المادة، ويوجد الصلات بينه وبين الإنسان، إستخدم لذلك جمعاً من الكائنات الوسطى يسميها اليهود ملائكة ويسميها اليونان شياطين diamones ويسميها أفلاطون أفكاراً. ويقول فيلو إن في وسعنا أن نتصوّر هذه الكائنات في صورة أشخاص، وإن كانت في واقع الأمر لا وجود لها إلا في العقل الإلهي بوصفها أفكار الله وقواه(16) وهي مجتمعة تكون ما يسميه الرواقيون الكلمة أو العقل الإلهي خالق العالم وهاديه. وكان فيلو يتأرجح بين الفلسفة واللاهوت، وبين التجريد والتجسيد، ولهذا كان يفكر في العقل الإلهي مرة كأنه شخص وفي ساعة من ساعات نشوته الشعرية يسميه أول ما ولد الله"(17). وغبن الله من الحكمة العذراء(18)، ويقول إنه عن طريق الكلمة كشف الله عن نفسه للإنسان. وإذا كانت الروح في رأيه جزءاً من الله، فإن في وسعها أن تسمو عن طريق العقل فترى الكلمة رؤيا صوفية، وإن كانت لا ترى الله نفسه؛ وربما كان في وسعنا إذا تحررنا من دنس المادة والحس، وتدرّبنا على الزهد والتفكير الطويل، أن نصبح في ساعة من الساعات روحاً خالصة، وأن نرى الله نفسه في لحظة من لحظات النشوة(9).
ولقد كانت "عقيدة العقل الإلهي" التي يقول بها فيلو من الآراء ذات الأثر الأكبر في تاريخ التفكير البشري. ولرأيه هذا سابقات واضحة في فلسفة هرقليطس وأفلاطون، والرواقيين؛ وأكبر الظن أنه كان يعرف الآداب اليهودية التي نشأت في العصر القريب من عصره، والتي جعلت من حكمة الله بوصفه خالق الكون شخصاً محدداً مميزاً، وما من شك في أنه قد انطبعت في عقله لك العبارات الواردة في سِفْر الأمثال (8:22) وما بعدها، والتي تقول فيها الحكمة، "الرب قناني أول طريقه من قبل أعماله منذ القدم. منذ الأزل مُسِحَت منذ البدء، منذ أوائل الأرض. إذ لم يكن غمر أبدئت إذ لم تكن ينابيع كثيرة المياه. من قبل أن تقررت الجبال قبل التلال أبدئت إذا لم يكن قد صنع الأرض بعد".
وكان فيلو معاصراً للمسيح ويلوح أنه لم يسمع قط عنه، ولكنه قد أسهم على غير علم منه في تكوين اللاهوت المسيحي. ولم يكن أحبار اليهود راضين عن تفسيراته المجازية للكتاب المقدّس، لظنهم أن هذه التفسيرات قد تُتّخذ حجة لنبذ الطاعة الحرفية للشريعة اليهودية؛ وكانوا يرتابون في عقيدة الكلمة ويعدّونها ارتداداً عن عقيدة التوحيد، كما كانوا يرون في هيام فيلو بالفلسفة اليونانية نذيراً بضياع ثقافتهم، وفقدان الجزء الأكبر من خصائصهم العنصرية، وما ينشأ عن هذا وذاك من اختفاء اليهود المشتتين في بقاع الأرض. ولكن آباء الكنيسة المسيحية كانوا يعجبون بورع هذا الرجل اليهودي المنبعث عن تفكير عميق، وكثيراً ما كانوا يلجئون إلى آرائه وتعبيراته المجازية ليردّوا بها على من يتصدّون لنقد التوراة العبرية، وانضموا إلى جماعة العارفين
الفصل الثالث
تقدم العلوم
كانت الإسكندرية زعيمة العالم الهلنستي في العلوم لا ينازعها في هذه المكانة منازع، ومن أكبر علمائها في ذلك العصر كلوديوس بطليموس الذي يُعَد بلا جدال من أعظم علماء الفلك الأقدمين، وذلك لأن العالم لا يزال على الرغم من كشوف كوبرنيق يتكلّم في الفلك بلغة بطليموس. وكان مولد هذا العالم في بلدة بطليموئيس على شاطئ النيل (ومنها اشتق اسمه)، ولكنه عاش معظم حياته في الإسكندرية، وظل يرصد فيها الأجرام السماوية من عام 127م إلى عام 151م. وأهم ما يذكره به العالم إنه رفض نظرية أرستاركس القائلة بأن الأرض تدور حول الشمس. وقد دوِّنت هذه الفلسفة الخالدة في كتاب بطليموس المعروف باسم النظام الرياضي Mathematike` Syntaxis للنجوم. وكان العرب إذا تحدّثوا عنه نعتوه بإسم التفضيل اليوناني المجسطي Al.megiste` "الأعظم". وحرّف الناس في العصور الوسطى هذا اللفظ فصارت الماجست Almagest وهو الاسم الذي يُعرف به الكتاب في التاريخ. وظلّت لهذا الكتاب السيطرة على السماء حتى قَلَبَ كوبرنيق العالم رأساً على عقب. ومع هذا فإن بطليموس لم يدّعِ أنه فعل أكثر من تنظيم أعمال من سبقوه من علماء الفلك وأرصادهم، وأخصهم بالذكر هباركس. وقد صوّر الكون في شكل كروي يدور مرة في كل يوم حول أرض كروية ثابتة لا تتحرك. ومع أن هذا القول يبدو لنا غريباً (وإن كنا لا نعرف ما سوف يفعله كوبرنيق آخر في المستقبل ببطالستنا المحدثين)، فإن النظرية القائلة بأن الأرض مركز الكون قد يسّرت في ضوء
المعلومات الفلكية المعروفة في ذلك العصر تحديد مواضع النجوم والكواكب تحديداً أدق مما كانت تستطيعه النظرية القائلة بأن الشمس هي مركز العالم(20). وعرض بطليموس فوق هذا لنظرية (الانحرافات) ليفسر بها أفلاك الكواكب، واستطاع أن يكشف انحراف فلك القمر. وقاس بُعد القمر عن الأرض بطريقة الزيغان
وقد لخّص بطليموس في كتابه الموجز الجغرافي جميع ما كان يعرفه الأقدمون عن سطح الأرض، كما لخّص في نظامه الرياضي ما كانوا يعرفونه في الفلك وصاغه في صيغته الأخيرة. وهنا أيضاً أخطأ أخطاء جسيمة في أزياجه التي بذل فيها جهداً كبيراً والتي حدد فيها خطوط الطول ودوائر العرض لكبريات المُدن على سطح الأرض، وكان سبب هذا الخطأ قبوله تقدير بسيدونيوس حجم الأرض بأقل من حقيقته. ولكن هذه الغلطة المشجعة التي نقلها عنه بطليموس هي التي يرجع إليها الفضل في اعتقاد كولمبس أن من المستطاع الوصول إلى جزائر الهند في وقت قصير بالسير في اتجاه الغرب(21). وكان بطليموس أول من استعمل لفظي "متوازيات" (Parallela) و "خطوط الزوال" meridians في علم الجغرافية، وقد نجح في أن يصوّر على خرائطه جسماً كروياً على سطح مسوٍ. ولكنه كان في الواقع عالماً رياضياً أكثر منه فلكياً أو جغرافياً؛ وكان أهم جزء من عمله هو صياغته القوانين الرياضية. وقد وضع في كتاب النظام زيجاً دقيقاً
لقياس الأقواس، وذلك بأن قسّم نصف قدر الأرض ستين قسماً أولي صغيرة Partes minutae primal، هي التي صارت الدقائق عندنا، ثم قسّم كل واحدة من هذه الدقائق "أقساماً صغيرة ثانية" "الثواني" عندنا.
ووقع بطليموس في أخطاء كثيرة، ولكنه كان له بلا ريب مزاج العلماء الحقيقيين وصبرهم. وقد حاول أن يعتمد في استنتاجاته على الأرصاد وقلما كان هو صاحبها وقد قام في أحد الميادين بسلسلة طويلة من التجارب، ووُصِفَ كتابه البصريات Optica وهو دراسة في انكسار الضوء بأنه "أعظم البحوث التجريبية في التاريخ القديم"(22). ومما هو جدير بالذكر أن هذا الرجل الذي يُعَد من أعظم العظماء في الفلك والجغرافية والرياضيات في عصره قد كتب أيضاً "أربعة كتب" Tetrabiblios فيما للنجوم من سلطان على حياة بني الإنسان.
وفي هذه الأثناء كان أرخميدس أصغر يهيئ للعالم القديم فرصة ثانية للقيام بانقلاب صناعي. وكان هذا الرجل مخترعاً أو جامعاً بارعاً وإن كنا لا نعرف عنه إلا اسمه الوحيد هيرون Hero. وقد أصدر هذا لرجل وقتئذ
سهلة، والجمع بينها؛ ومن هذه الأدوات العجلة، ومحورها، والرافعة، والبكرة والاسفين، واللولب. ودرس في كتابة الهوائيات Pneumatica ضغط الهواء في سبع وثمانين تجربة معظمها من الحيل والالاعيب؛ منها أنه عرض كيف يمكن جعل كل من النبيذ أو الماء يخرج من فتحة صغيرة واحدة في قاع وعاء وذلك بسد ثقب أو آخر في أعلى الوعاء المقسّم قسمين.
ثم تدرّج من هذه اللعب المسلّية لصنع مضخة رافعة، ومضخة لآلة إطفاء الحريق ذات مكبس وصمّامات، وساعة مائية، وأرغن مائي، وآلة بخارية. وفي هذا المخترع الأخير كان البخار الناشئ من الماء المسخّن ينتقل من خلال أنبوبة إلى كرة تدور في اتجاه مضاد لاتجاه البخار المطرود. وقد حال إحساس هيرون الفكاهي الشديد بينه وبين ترقية هذا المُخترَع حتى يمكن الاستفادة منه في الأغراض الصناعية. ومن أعماله أيضاً أنه استخدم البخار لوقف كرة في الهواء ومنعها من السقوط، وجعل طائر آلي يغرّد، وتمثال ينفخ في بوق. ودرسَ في كتابه المرايا Catoptrica انعكاس الضوء، وشرح كيف تصنع المرايا التي يستطيع الناظر فيها أن يرى ظهره، أو يظهر فيها ورأسه إلى أسفل، أو له ثلاث أعين، أو أنفان الخ. وعلّم المشعوذين كيف يقومون بالألعاب بأجهزة مخبأة عن الأعين. وقد جعل الماء يخرج من حوض إذا وُضِعت قطعة من النقود في فتحة فيه. وصنع آلة مخبأة تجعل الماء المسخن يفيض إلى جردل، ويفتح أبواب هيكل بما يزيد من وزنه، وبوساطة مكبرات. وبفضل هذه الأساليب ومائة أخرى من نوعها استطاع هيرون أن يكون مشعوذاً بارعاً، ولكنه عجز عن أن يكون مخترعاً من طراز جيمس وت James Watt.
وكانت الإسكندرية منذ زمن بعيد أهم مركز لدراسة الطب. نعم إنه كانت في مرسيليا، وليون، وسرقسطة، وأثينة، وأنطاكية، وكوس،
وإيفوس، وأزمير، وبرجوم مدارس طب شهيرة ولكن طلاب الطب كانوا يهرعون إلى الإسكندرية من جميع ولايات الإمبراطوريّة، بل إنّا لَنَجد أميناس مرسلينس Ammianus Marcellinus في القرن الرابع الميلادي، حين أخذت مصر تسير في طريق الاضمحلال، يتحدّث عن الإسكندرية بقوله:
"حسب الطبيب تنويهاً ببراعته أن يقول إنه قد تعلّم في الإسكندرية"(24). وكان التخصص في الطب يسير قدما، وشاهد ذلك ما يقوله فلستراتس (حوالي 225م): "لا يستطيع إنسان أن يكون طبيباً لكل مرض، بل يجب إن يكون هنا أخصائيون في الجروح، والحميّات، والعلون، والسل"(25). وكان تشريح الجثث الميّتة يحدث في الإسكندرية، ويبدو أنه كان يجري فيها أياً تشريح للأحياء(26).
ولم تكن الجراحة في القرن الأول الميلادي أقل رُقيّاً في الإسكندرية منها في أي مكان في أوربا قبل القرن التاسع عشر. ولم تكن الطبيبات نادرات؛ وقد كتبت واحدة منهنّ تدعى مترودورا Metrodora رسالة في أمراض الرحم لا تزال باقية إلى اليوم(27). ويزدان تاريخ الطب في هذا العصر بأسماء عظيمة: منها روفس الافسوسي الذي وصف العين، وميّز أعصاب الحركة من أعصاب الحس، وحسّن طرق وقف النزيف في الجراحة، ومنها مرينس Marinus الإسكندري الذي اشتهر بجراحات الجمجمة، وأنتيلس Antylus أعظم الرمديين في عصره. وقد كتب ديوسكريدز Dioscorides القليقيائي (من 40 إلى 90م) كتاباً في العقاقير وصف فيه وصفاً علمياً ستمائة من النباتات الطبيّة وصفاً بلغ من الدقّة حداً أوصى في هذا الكتاب باستخدام "الصوفات) لمنع الحمل(8). وقد استخدم للتخدير وصفه لنبيذ البيروج Mandragora استخداماً ناجحا في عام 1874.
ونشر سورانس الافسوسي حوالي عام 116م رسالة في أمراض النساء، وفي مولد الأطفال والعناية بهم، ولا يعلو عن هذه الرسالة من المؤلفات الطبية القديمة الباقية إلى اليوم سوى مجموعات أبقراط ومؤلفات جالينوس. ويصف المؤلف فيها منظاراً مهبلياً وكرسياً للتوليد، ويصف الرحم من الناحية التشريحية أجود وصف، ويقدم نصائح عملية وغذائية لا تكاد تختلف عما يقدمه الأطباء في هذه الأيام، منها غسل عيني الطفل الحديث الولادة بالزيت(30)، ويذكر أسماء نحو مائة وسيلة لمنع الحمل معظمها أدوية للمهبل(31)، وهو يجيز الإجهاض إذا كان الوضع يعرض حياة الأم للخطر (على عكس ما يراه أبقراط)(32).
وقصارى القول أن سورانس كان أعظم الأخصائيين في طب النساء في الزمن القديم، ولم يفقه أحد في هذا العلم حتى جاء باريه Pare` بعده بخمسة عشر قرناً؛ ولو أن رسائله الأربعين قد بقيت إلى هذا اليوم لوضعاه في أكبر الظن في منزلة جالينوس.
وكان أعظم أطباء ذلك العصر ابن مهندس معماري من برجموم، وقد سماه جلينوس Galenus أي الهادئ المسالم، لأنه كان يأمل ألا يتخلّق بأخلاق أمه(33). ولما بلغ الشاب الرابعة عشرة من عمره شغف لأول مرة بالفلسفة، ولم يتحرر قد من غوايتها الخطرة؛ وفي السابعة عشرة تحوّل عنها إلى الطب، ودرسه في قليقية، وفينيقية، وفلسطين، وقبرص، وكريد، وبلاد اليونان والإسكندرية (وكان هذا الانتقال في طلب العلم من طبيعة العلماء الأقدمين)، ثم اشتغل جراحاً في مدرسة المجالدين في برجموم، ومارس صناعته فترة من الزمن (من 164 إلى 168م) في روما. وفي هذه المدينة أقبل عليه أغنياء المرضى لنجاحه في صناعته، كما أقبل عليه كثيرون من علية القوم ليستمعوا إلى محاضراته، وذاعت شهرته ذيوعاً جعل الناس يكتبون إليه من كافة الولايات يطلبون إليه النصائح الطبية، فكان يصف لهم العلاج الناجع بالبريد، وكان والده الصالح قد نسي ما كان يدور بخلده حين اختار له اسمه فنصحه ألا ينضم إلى شيعة أو حزب، وأن يكون صادقاً في كل ما يقول، وصدع جالينوس بأمر أبيه، وأخذ يُشهّر بجهل كثيرين من أطباء روما وشرههم حتى اضطر بعد سنين قلائل إلى الفرار من أعدائه. ولكن ماركس أورليوس إستدعاه ليعنى بكمودس الصغير (126)، وحاول أن يأخذه معه في إحدى الحملات المركمونية، ولكن جالينوس كان مت الدهاء بحيث استطاع أن يعود مسرعاً إلى روما. ومن هذا الوقت لا نعرف عنه غير مؤلفاته.
وتكاد هذه المؤلفات أن تبلغ من الكثرة ما بلغته مؤلفات أرسطو، وقد بلغت خمسمائة أو نحوها، وبقي منها 118 كتاباً تحوي عشرين ألف صفحة، تشتمل على جميع فروع الطب وعلى عدد من ميادين الفلسفة، وليس لهذه الكتب قيمة طبية في هذه الأيام. ولكنها تشتمل في مواضع منها متفرقة على معلومات تافهة، وتكشف عن روح قوية ذات حيوية عظيمة، مولعة بالبحث والجدل. وقد عوده ولعه بالفلسفة عادة سيئة هي استخلاصه نتائج كبرى من معلومات قليلة، وكثيراً ما ساقه إيمانه بعلمه وقواه إلى تعسّف لا يليق بعقلية العلماء، وكان سلطانه على من جاء بعده سبباً في بقاء أخطائه الشنيعة ذائعة قروناً عدة. لكنه كان على رغم هذه الأخطاء دقيق الملاحظة، كما كان أكثر الأطباء الأقدمين اعتماداً على التجارب العلمية. ومن أقواله في هذا المعنى: "إني لأعترف بذلك المرض الذي قاسيت منه الأمرّين طوال حياتي وهو أني لا أثق... بأي قول حتى أجرّبه بنفسي على قدر استطاعتي"(34). ولما حرّمت عليه الحكومة الرومانية أن يشرّح أجسام الآدميين أحياء كانوا أو أمواتاً، عمد إلى تشريح الحيوانات الحية والميّتة، وكثيراً ما كان يتعجّل فيطبّق على تشريح الجسم الآدمي ما تسفر عنه دراسته للقردة، والكلاب، والبقر، والخنازير.
وقد أفاد علم التشريح من جالينوس رغم قصوره أكثر مما أفاده من أي
مشاهد آخر في التاريخ القديم؛ ذلك أنه وصف بغاية الدقة عظام الجمجمة والعمود الفقرة، والجهاز العضلي، والأوعية اللبنية، والغدة اللسانية، والغدة اللعابية تحت الفك الأسفل، وصمّامات القلب؛ وأثبت أن القلب إذا فُصِل عن الجسم يمكن أن يظل ينبض في خارجه، وبرهن على أن الأوردة تحتوي دماً لا هواء (كما ظلّت مدرسة الإسكندرية تعلم الناس مدى أربعمائة عام)، لكنه قد فاته أن يسبق هارفي إلى كشف الدورة الدموية، فقد ظن أن معظم الدم يسير في الأوردة إلى أجزاء الجسم المختلفة ثم يعود فيها أيضاً؛ وأن البقية الباقية منه التي تختلط بهواء الرئتين تسير في الشرايين إلى أجزاء الجسم وتعود منه في الشرايين نفسها. وكان هو أول من شرح الجهاز التنفسي، ودلّ على حصافة وبراعة حين قال إنه يظن أن العنصر الفعال في الهواء الذي نستنشقه هو نفسه العنصر الفعال في الاحتراق(35)؛ وميّزَ التهاب الرئة، ووصف الورم الوعائي
دون أن يوجّه إليه أسئلة(37). وكان كثير الاعتماد على التغذية، والرياضة، والتدليك ولكنه كان خبيراً في العقاقير، كثير الأسفار للحصول على الأدوية النادرة. وندّدَ باستخدام البراز والبول في العلاج، وكان ذلك لا يزال شائعاً عند بعض معاصريه(38)، وأوصى باستعمال الكداس الجاف
لكنه لوّث سجلّه الحافل بالتجارب وشهرته فيها بسيل من النظريات التي تعجّل في وضعها. وكان يسخر من السحر والرقى، ويقبل التنبؤ بالغيب عن طريق الأحلام، ويظن أن أوجه القمر تؤثر في أحوال المرضى؛ وصدّق فكرة أبقراط عن الأخلاط الأربعة (الدم، والبلغم، والسائل الصفراوي الأسود الأصفر)
أجزائها، وأما الكائن العضوي فإنه يشتمل أيضاً على الإشراف الغائي على جميع أجزاء الكل. وكما أن الغاية وحدها هي التي مكن بها تفسير منشأ الأعضاء وتركيبها، ووظيفتها؛ فكذلك يرى جالينوس أن الكون لا يمكن أن يُفهَم إلا على أنه تعبير عن خطّة إلهية وأداة لتنفيذ هذه الخطّة. لكن الله لا يعمل إلا بوساطة قوانين طبيعية، وعلى هذا ليس ثمة معجزات، وخير وحي هو الطبيعة نفسها.
وأحبّ المسيحيون جالينوس لإيمانه بالغائية وبالوحدانية في الدين، كما أحبه المسلمون بعدئذ لهذا السبب عينه؛ وقد فقدت أوربا كل كتاباته تقريباً في أثناء الفوضى التي أعقبت غزوات البرابرة، ولكنّ علماء العرب حفظوها لبلاد الشرق، ثم ترجمت هذه المؤلفات من اللغة العربية إلى اللاتينية في القرن السابع والقرون التي تلته، وأصبح جالينوس بعدئذ المرجع المعترف به الذي لا يوجّه إليه نقد، فكان هو أرسطو الطب في العصور الوسطى.
واختتم آخر عصر مبدع من عصور العلم اليوناني ببطليموس وجالينوس، ومن بعدهما انتهى عصر التجارب وساد عصر العقائد التحكّمية؛ وانحطّ علم الرياضة فأصبح مجرّد ترديد للهندسة، كما انحطّ علم الأحياء فأصبح ترديداً لأقوال أرسطو، وإنحطّت العلوم الطبيعية فأصبحت ترديداً لأقوال بلني؛ ووقف الطب جامداً حتى جاء أطباء العرب واليهود في العصور الوسطى فجددوا هذا العلم الذي يعدّ أشرف العلوم على الإطلاق.
الفصل الرابع
الشعراء في الصحراء
تقع بلاد العرب في الناحية الشرقية من البحر الأحمر؛ وقد عجز الفراعنة، والأكمينيون، والسلوقيون، والبطالمة، والرومان عن فتح تلك الجزيرة الغامضة العجيبة، ولذلك ظلّت صحراء العرب لا تعرف إلا العرب البدو، لكن في جزئها الجنوبي الغربي سلسلة جبلية تسيل فيها عدّة مجارٍ مائية فتلطّف حرارتها، وتنبت فيها أشجار الفاكهة وتخلق منها بلاد العرب السعيدة Arabia Felix أو بلاد اليمن كما يسمونها في هذه الأيام. وقد قامت في خبايا تلك البلاد مملكة سبأ الصغيرة التي ورد ذكرها في التوراة
وكان أهم الطرق التجارية الممتدّة من مأرب إلى الشمال يخترق الطرف الشمالي
الغربي من جزيرة العرب، المعروف عند الأقدمين باسم بلاد العرب البطرية نسبة إلى عاصمتها بطرة التي تبعد عن أورشليم بنحو أربعين ميلاً جهة الجنوب. وكان السبب في إطلاق هذا الاسم على المدينة أنا كانت قائمة وسط دائرة من الصخور الوعرة جعلتها أمنع من عقاب الجو. وفي هذا الجزء أقام العرب في القرن الثاني مملكة أخذت تزداد ثراءاً على مر الأيام حتى امتد سلطانها من لوس كوم Leuce Come على البحر الأحمر إلى دمشق، واشتملت على الجزء المصاقب لحدود فلسطين الشرقية وجراسا Gerasa وبُصرى.وبلغت هذه المملكة ذروة مجدها تحت حكم الملك أرتاس الرابع Aretas (9 ق.م 40م)، وأضحت بطرة في أيامه بلدة هلنستية، لغتها آرامية، وفنّها يوناني، وشوارعها في عظمة شوارع الإسكندرية. وتنتمي إلى هذا العصر القبور الضخمة المنقورة في الصخور القائمة في خارج المدينة، وهي ذات واجهات ساذجة خشنة ولكنها تُنئ عن القوّة، وعُمَد يونانية مزدوجة، يبلغ ارتفاعها في بعض الأحيان مائة من الأقدام. وبعد أن ضمّ تراجان المملكة الشمالية إلى إمبراطوريته (106) جعل بُصرى عاصمة ولاية بلاد العرب، فشادت تلك المدينة العمائر التي ترمز إلى ثرائها وسلطانها. واضمحلّت برطة بعد أن أصبحت طرق القوافل التجارية تلتقي عند بُصرى وتدمر Palmyra، وإنحطّ شأن المقابر العظيمة حتى أضحت "مذاود ليلية لقطعان البدو"(41).
وكان ابرز مظاهر الإمبراطوريّة العظيمة كثرة مدائنها العامرة بالسكان، ولم تنشأ مُدن في عصر من العصور التالية لذلك العصر، إذا استثنينا القرن الحالي، بالكثرة التي أنشئت بها في ذلك العهد، فقد كان لوكلس، وبمبي، وقيصر، وهيرود، والملوك الهلنستيون، والأباطرة الرومان يفاخرون بما يُنشئون من المُدن الجديدة وبتزيين المُدن القديمة، حتى لقد كان يصعب على الإنسان وهو ينتقل نحو الشمال محاذياً للشاطئ الشرقي للبحر الأبيض المتوسط أن يسير عشرين ميلاً
دون أن تلقاه مدينة رَفَح (رافيا)، وغزّة، وعسقلان، ويافا (جبا)، وأبلونيا، والسامرة، وقيصريّة. وكانت هذه المُدن رغم وجودها في فلسطين نصف يونانية في سكانها، تسودها لغة اليونان وثقافتهم وأنظمتهم. فكانت والحالة هذه بمثابة جسور تنتقل عليها الهلنستية في غزوها الوثني لبلاد اليهود. وأنفق هيرود أموالاً طائلة في جعل مدينة قيصرية خليق بأغسطس الذي سميّت باسمه، فأنشأ لها مرفأ صالحاً جميلاً، ومعبداً شامخاً، وملهى ومدرجاً، وأقام فيها قصوراً فخمة وصروحاً كثيرة من الحجر الأبيض(42). وأنشئت في داخل البلاد مُدن أخرى يونانية فلسطينية ليفياس Livias، وفلادلفيا، وجراسا، وجندارا (قطة Katra). وفي جراسا مائة عمود هي كل ما بقي من العُمَد التي كانت قائمة على جانبي شوارعها الرئيسية؛ وإن خرائب هياكلها، وملهاها، وحمّاماتها، ومجرى مائها لتنطق بما كانت عليه المدينة من الثراء في القرن الثاني بعد الميلاد.
وكانت جدارا، التي تتردد في خرائب ملهاها صدى ذكريات المسرحيات اليونانية، تشتهر بمدارسها، وأساتذتها، ومؤلفيها. وفيها عاش في القرن الثالث قبل الميلاد منبس Menippus الفيلسوف والفكاهي الكلبي الذي يعلم بهجائه أن كل شيء عدا الحياة الصالحة باطل، والذي كان مثالاً احتذاه لوسليوس، وفارو، وهوراس. وفي هذه المدينة "أثينة سوريا" أنشأ مليجر، أنكريون زمانه، قبل ميلاد المسيح بنحو ألف عام تلك المقطوعات الشعرية المصقولة التي كان يتغزّلُ فيها بجمال النساء والغلمان. وظلّ يكتب قصائد الحب حتى كلّ قلمه:
| "ما أحلى ابتسام الكأس للحبيب العزيز، بعد أن مسّها فم |
| زنوفيلا Zenophila الجميل. وما أسعدني إذا وضعت شفتيها |
| الورديتين على شفتيَّ، وعبت روحي عباً في عناق طويل"(43). |
وكان لهيب من هذا النوع، خبا قبل الأوان، يشتعل قوياً في ذاكرته ذلك هو هليودورا Heliodora التي أحبّها في صور:
| سأجدلُ البنفسج الأبيض، والآس الأخضر، سأجدل النرجس، |
| والزنبق اللامع؛ سأجدل الرعفران الحلو، والسنبل البري |
| الأزرق؛ وسأجدل آخر الأمر الورد رمز الحب الأكيد، حتى |
| يتألف منها جميعا تاج من الجمال خليق بأن يزيّن غدائر هليودورا |
| الحلوة(44). والآن وقد اختطفها الموت ولوّث الثرى زهرتها |
| الناظرة، فإني أتوسّل إليكِ يا أمنا الأرض أن تكوني رحيمة |
| حين تضمينها إلى صدركِ(45). |
وقد خلّد مليجر اسمه بأن جمع في "إكليل" (Sle`phamos) ما قاله شعراء اليونان في الرثاء من أيام سابفو Sapphs إلى أيام مليجر. ومن هذه المجموعة وأمثالها من المجموعات نشأت دواوين الشعر اليوناني
ومن هذه الأبيات ما يحيي ذكرى بعض الموتى من عظماء الرحال، ومنها ما يخلّد ذكى تماثيل مشهورة، أو أقارب فارقوا هذه الدار. ومنها قبريات ذاتي، إذا صحّ ذلك التعبير. فقد كتبت إمرأة، ماتت وهي تلد ثلاثة أطفال في وقت واحد، تقول تلك المقالة السديدة: "وبعد هذا فلتطلب النساء
الأبناء"(46). ومنها ما هو سهام موجّهة إلى صدور الأطباء، والنساء السليطات، ومجهّزي الموتى للدفن، ومعلّمي الأحداث، والديوثين، أو إلى صدر البخيل الذي أفاق من إغماءة لما شم رائحة فلس؛ أو النحوي الذي ظهر حفيدٌ له ذكراً ثم أنثى ثم شيئاً آخر هو ذكر وأنثى معاً(47)؛ أو الملاكم المحترف الذي اعتزل حرفته، وتزوّج، فكالت له زوجته ضربات أكثر مما كانت تكال له في حلبة الملاكمة؛ أو القزم الذي اختطفته بعوضة فظنّ أنه يعاني الآلام من اختطاف جلميدي. وثمّة مقطوعة تشيد بمدح "المرأة الشهيرة التي لم تضاجع إلا رجلاً واحداً"؛ ومقطوعات أخرى تقدّم بها القرابين للأرباب: ففي واحدة منها تُعلق ليس Lais مرآتها بعد أن أصبحت عديمة النفع لأنها لا تظهرها بالصورة التي كانت عليها من قبل، وفي أخرى نرى نيسياس Nicias تسلّم راضية منطقتها إلى فينوس بعد أن قضت في خدمة الرجال خمسين عاماً. وتمجّد بعض المقطوعات أثر النبيذ في توسع الشرايين وتقول إن هذا أحكم من الحكمة؛ ومنها واحدة تمجّد الزاني الذي يجمع في وقت واحد بين إثنتين والذي دُفن تحت الأنقاض بين ذراعي عشيقته؛ ومنها مراثي وثنية تصف قصر الحياة؛ ومنها توكيدات مسيحية ليوم البعث السعيد. ومعظمها، بطبيعة الحال، يمتدح جمال النساء والغلمان، ويتغنّى بنشوة الحب الموجعة. وإنك لَتَجد هنا كل ما ورد في الأدب بعد ذلك العصر عن آلام العاشقين وتجده موجزاً كاملاً، فيه من الأفكار أكثر مما في الشعر الإنجليزي في عصر إليزابث. من ذلك أن مليجر يتخذ بعوضة قوادة له، ويحملها رسالته إلى السيدة التي كان يحبها في تلك الساعة. وها هو ذا فلوديمس Philodemus ابن بلدته، والفيلسوف الذي يسدي النصح لشيشرون، يغنّي لمحبوبته زنثو Xantho أغنية حزينة فيقول:
| الشجي، والعينين اللتين تعشّشُ فيهما ربات الفن، والشفتين |
| الحلوتين اللتين تفيضان بأكمل اللذات... غنّي لي أغنيتك |
| يا زنثو يا ذات الوجه الشاحب غنّي... ما أسرع ما تنقطع |
| الموسيقى. أعيدي النغمة الحلوة الحزينة مرة بعد مرة، ومسّي الوتر |
| بأصابعكِ العطرة؛ يا بهجة الحب، يا زنثو الشاحبة غنّي(48). |
الفصل الخامس
السوريّون
تقوم على شاطئ البحر الأبيض المتوسط في جزئه الشمالي مُدن فينيقيا القديمة التي كانت هي وفلسطين جزءاً من ولاية سوريا الرومانية. وقد ظلّت هذه المُدن حية طوال الحقبة التي دامت ألف عام مليئة بالأحداث الجسام وذلك بفضل عمالها المجدّين البارعين في الصناعات اليدوية، وبفضل موقعها الذي جعل فيها على مر الأيام مرافئ تجارية هامة، وتجّارها المهرة الأغنياء الذين كانوا يرسلون سفنهم وعمّالهم إلى كل مكان معروف على ظهر الأرض. وكان في صور مبانٍ أعلى من مباني روما(49). وأحياء أقذر من أحيائها تفوح منها روائح مصانع الصباغة الكريهة، ولكنها كانت تُعزّي نفسها باعتقادها أن العالم كله يبتاع منسوجاتها ذات الألوان المتعددة الجميلة، وبخاصة حريرها الارجواني. والراجح أن صيدا قد كشفت طريقة صنع الزجاج بالنفخ، وأنها تخصصت وقتئذ في صناعة الزجاج والبرنز، واشتهرت برنيس (بيروت) بمدارس للطب والبلاغة والقانون، وأكبر الظن أن أبيان وبابنيان المشترعين العظيمين قد تخرّجا في جامعتها ثم انتقلا منها إلى روما.
ولم يكن في الإمبراطوريّة كلها ولاية تفوق سوريا في صناعاتها ورخائها، وكان يعمرها في زمن تراجان عشرة ملايين من الأنفس وإن كان سكانها الآن لا يزيدون على ثلاثة ملايين ولا يكادون يجدون ما يكفيهم من أسباب العيش(50). وكان في الولاية نحو خمسين مدينة تستمتع بالماء النقي، والحمّامات العامة، والمجاري الممتدة تحت الأرض، والأسواق النظيفة، ومدارس التدريب الرياضي، وساحات الألعاب، والمحاضرات، والموسيقى والمدارس، والحياكل، والباسلقات، والأروقة المعمّدة، والأقواس، والتماثيل العامة، ومعارض الفن العمومية، وهي
المظاهر التي كانت تمتاز بها المُدن الهلنستية في القرن الأول بعد الميلاد(51). وكانت أقدم هذه المُدن كلّها مدينة دمشق القائمة وراء جبال لبنان المواجهة لصيدا، وكانت تحميها الصحراء المحيطة بها. وقد أحالتها إلى حديقة غناء روافد وفروع لذلك المجرى الذي سمّاه الأقدمون "نهر الذهب" اعترافاً منهم بفضله. وكانت تلتقي عندها كثير من طرق القوافل، وتفرّغ في أسواقها غلات قارات ثلاث.
وإذا عاد المسافر في هذه الأيام فعبر تلال لبنان الصغرى واتجه نحو الشمال في طرق متربة أدهشه أن يجد في قرية بعلبك الصغيرة بقايا هيكلين فخمين ومدخل عظيم، كانت في يوم من الأيام مما تفخر به هليوبوليس مدينة الشمس اليونانية - الرومانية - السوريّة. وأسكن أغسطس في ذلك المكان جالية رومانية صغيرة، ثم نمت المدينة وازدهرت وصارت مركز عبادة بعل إله الشمس وملتقى الطرق الذاهبة إلى دمشق، وصيدا، وبيروت، وأقام المهنسون والبنّاءون الرومان، واليونان، والسوريّون في مكان هيكل بعل الفينيقي القديم مزاراً فخماً لجوبتر الهليوبوليسي، أقاموا كل جدار من جدرانه من حجر واحد ضخم قطعوه من محجر يبعد عن موضعه مسافة ميل. وكانت إحدى كتله الحجرية تبلغ اثنتين وستين قدماً في الطول وأربع عشر في العرض، وإحدى عشرة في الارتفاع، وفيها من المادة الحجرية ما يكفي لبناء بيت رحب. وكانت إحدى وخمسون درجة من الرخام يبلغ عرض الواحدة منها مائة وخمسين قدماً تؤدي إلى المدخل الكورنثي العظيم، فإذا اجتاز الإنسان البهو الأمامي والبهو الذي يليه المعمّدين وجد البناء الرئيسي للهيكل، وقد بقي منه حتى الآن ثمانية وخمسون عموداً تعلو في الجو اثنتين وستين قدما. وبالقرب من هذا الهيكل الكبير بقايا هيكل أصغر منه، يُقال أحياناً إنه كان هيكل فينوس وأحياناً باخوس، وأحياناً دمتر. وقد أبقى الزمان على تسعة عشر عموداً من عُمَده، وعلى باب جميل دقيق النقش. وتتألق هذه العُمَد الفخمة المنعزلة في شمس السماء الصافية، وهي من أجمل ما بقي من
مخلّفات العصور السالفة. وإن المرء حين يشاهدها ليحس، أكثر مما يحس حين يشاهد أي أثر من آثار روما، بعظمة الإمبراطوريّة الرومانية، وبما فيها من ثراء، وشجاعة، ومهارة، وذوق جميل أمكنها بها أن تشيّد في مُدنها الكثيرة المتفرّقة هياكل أعظم وأكثر فخامة مما عرفته العاصمة المزدحمة في أي عصر من عصورها.
وتقع على منظر كهذا عين السائح الذي يتجه نحو الشرق ويعبر الصحراء من حمص، إمسا Emessa القديمة، إلى تَدمُر التي ترجم اليونان اسمها إلى بلميرا Palmyra أي المدينة ذات الألف نخلة. وقد كانت أرضها الخصبة المحيطة بعينين نضاختين، وموقعها الحسن على الطريقين الممتدّين من حمص ودمشق إلى نهر الفرات، سبباً في ثرائها، فلم تلبث أن أصبحت من أكبر مدائن الشرق؛ وقد أمكنها بُعدها عن غيرها من المحلات أن تحتفظ باستقلالها الفعلي رغم تبعيّتها الاسمية للملوك السلوقيين أو للأباطرة الرومان. وكان على جانبي شارعها الأوسط الرئيسي أروقة ظليلة تحتوي على 454 عموداً، وفي مواضع تقاطعه الأربعة أقواس فخمة بقي منها واحد حتى الآن شاهداً على ما كانت عليه بقية هذه الأقواس من عظمة وجلال. وكان أجمل مباني المدينة كلها وأعظمها هيكل الشمس الذي شُيّد في عام 30م. للثالوث الأعظم بعل، وبرهبول (الشمس) وأجلبول (القمر). وكان حجمه أطراداً لتقاليد الأشوريين في الضخامة، وكان بهوه، وهو أكبر الأبهاء في الإمبراطوريّة الرومانية، يحتوي على صف من العُمَد لا مثيل له في بلد من بلادها، طوله أربعة آلاف قدم، وكان الكثير منها عُمَداً كورنثية مرتّبة صفوفاً في كل منها أربعة. وكان في داخل البهو والهيكل رسوم ملوّنة ومنحوتة يدلّ ما بقي منها على اقتراب تدمر من بارثية في الفن كقربهما في المكان.
ويبدأ من تدمر طريق رئيسي يتجه نحو الشرق ويصل إلى نهر الفرات عند دورا - أوربس Dura-Europus. وهنا اقتسم التجار (عام 100م)
مكاسبهم مع الثالوث التدمري بأن شيدوا له هيكلاً كان مزيجاً من الفن اليوناني والهندي؛ وزيّن مصور شرقي جدرانه بمظلمات تدل أوضح دلالة على أن الفن البيزنطي والفن المسيحي الأول من أصل شرقي(52). وكان على النهر الأعظم شمال هذه المدينة مدينتان أخريان ذواتا شأن عند مُلتقى طريقين بريين كبيرين وهما مدينتا ثبساكس Thapsacus وزجما Zeugma. وإذا اتجه المسافر من ثبساكس نحو الغرب مرّ بمدينتي بروئيا Beroea (حلب) وأباما Apamea ووصل إلى البحر الأبيض المتوسط عند لأوديسيا Laodicea - التي لا تزال تحتفظ باسمها القديم اللاذقية مع تحريف قليل فيه، ولا تزال أيضاً ثغراً ناشط الحركة. وبين هذه البلدة وأباميا يتجه نهر العاصي نحو الشمال وتمتدّ على شاطئيه ضياع غنية حتى يصل إلى إنطاكية عاصمة سوريا في ذلك الوقت. وكان النهر تعاونه شبكة عظيمة من الطرق البرية يحمل بضائع الشرق إلى إنطاكية، بينما كانت سلويا سبيريا Selluce Spieria ثغر البلاد الواقع على البحر الأبيض على بُعد أربعة عشر ميلاً من إنطاكيا نحو مصب النهر تأتي إليها بحاصلات الغرب. وكان الجزء الأكبر من المدينة يقوم على سفح الجبل ويشرف على نهر العاصي الذي يجري من تحته. وكانت المدينة ذات موقع جميل استطاعت إنطاكية بفضله أن تنافس رودس في أن تكون أجمل مدائن الشرق الهلنستي. وكانت شوارعها تضاء بالليل فتكسبها بهجة وجمالاً، وتؤمن سكانها على أنفسهم وأموالهم، وكان شارعها الرئيسي البالغ طوله أربعة أميال ونصف ميل مرصوفاً بالحجر الأعبل، ويقوم على جانبه صفّان من العُمَد المسقّفة، فكان في وسع الإنسان أن يسير راجلاً من أحد طرفي المدينة إلى طرفها الآخر وهو آمن من المطر وحر الشمس. وكان الماء النقي يصل بمقادير موفورة إلى كل بيت من بيوتها. وقد اشتهر سكانها البالغ عددهم 600.000 والذين كانوا خليطاً من اليونان، والسوريين، واليهود بإفراطهم في اللهو والمرح، يعبون اللذات عباً، ويسخرون من الرومان
المتباهين الذين جاءوا ليحكموهم، والذين يقضون أوقاتهم بين حلبة الألعاب، والمدرج، والمواخير، والحمّامات، ويستمتعون بكل ما يتيحه لهم دافني Daphne بستانهم الشهير القائم في ضاحية المدينة. وكان للأهلين أعياد كثيرة، تستمتع أفرديتي بنصيب فيها كلها. وفي عيد بروماليا Brumalia الذي كان يدون معظم شهر ديسمبر، كانت المدينة كلها، كما يقول كاتب معاصر، تبدو كأنها حالة واحدة، وكانت الشوارع تعجّ طول الليل بالغناء والقص والمرح(52). وكان فيها مدارس لتعليم البلاغة، والفلسفة، والطب، ولكنها لم تكن مركزاً علمياً، ذلك أن أهلها كانوا يقضون يومهم كله في العمل، فإذا احتاجوا للذين لجأوا إلى المنجّمين، والسحرة، وصنّاع المعجزات، والمشعوذين.
والصورة التي تطالعنا لسوريا تحت حكم الرومان هي صورة البلد الرخي رخاء أدوَم من رخاء أي ولاية أخرى من ولايات الدولة الرومانية. وكان معظم أهلها من الأحرار إلا مَن كان يقوم منهم بالخدمة في البيوت. وكانت الطبقات العليا مصطبغة بالصبغة اليونانية، أما الطبقات الدنيا فقد احتفظت بطابعها الشرقي. وكان الفلاسفة اليونان يختلطون في المدينة الواحدة بعاهرات الهياكل والكهنة الفنيين، وقد ظلّ الأطفال حتى أيام هدريان يُضحّى بهم قرباناً للآلهة(54). وكانت التماثيل المنحوتة والصور الملونة ذوات وجوه وأشكال نصف شرقية، وعليها طابع العصور الوسطى. وكانت اللغة اليونانية اللغة السائدة في دور الحكومة وفي الأدب، ولكن لغات البلاد -وأهمّها الآرامية - لغة التخاطب بين الأهلين. وكان العلماء فيها كثيرين، وقد طبقت شهرتهم العالم كله فترة قصيرة من الزمان. فقد كان منهم نقولوس الدمشقي الناصح الأمين لأنطونيوس وكليوبطرة، وهيرود، والذي أخذ على عاتقه ذلك الواجب الثقيل المُمِل واجب كتابة تاريخ عام، وهو واجب يُشفق منه هرقول نفسه، على حد قوله(55). وقد أشفق الدهر عليه فدفن كل مؤلّفاته، كما سيدفن مؤلّفاتنا هذه على مهل.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق