الخميس، 8 يوليو 2010

من قصة الحضارة : قيصر و المسيح -اصل الرومان6









اكتب هنا

 
الفصل الخامس



الزراعة


قلما كان الرومان في تلك العصور يحتاج إلى الطب، لأن حياته النشيطة في الزراعة والجندية تكسبه صحة وقوة. وكان يجدُّ في فلح الأرض كما يجد اليوناني في خوض عباب البحر؛ وكانت الزراعة أساس حياته، يقيم المدن لتكون مجتمعاً للزراع يتبادلون فيها محصولات أرضهم، وينظم جيوشه ودولته على أساس استعداده للدفاع عن أملاكه وتوسيع رقعتها، ويفكر في آلهته على أنها أرواح الأرض الحية والسماء المغذية.
ونجد الملكية الفردية قائمة في رومه من أقدم العصور المعروفة(50)؛ على أن بعض الراضي كانت تعد من الأملاك العامة ager publicus التي تستولي عليها الدولة عن طريق الفتح وتحتفظ لنفسها بملكيتها. وكانت أسرة الزراع في عهد الجمهورية الباكر تمتلك فدانين أو ثلاثة أفدنة، يشتغل فيها جميع أفرادها وعبدها إن كان لها عبد، وتعيش عيشة متقشفة على ما تنتجه من الغلات. وكانوا يفترشون القش(51)، ويصحون من نومهم مبكرين، ويخرجون إلى عملهم ونصف جسمهم العلوي عار من الملابس، ليحرثوا الأرض ويمهدوها خلف ثيران تسمدها بفضلاتها، وتتخذ لحومها قرابين دينية وطعاماً في الأعياد والولائم. وكانت فضلات الآنية تتخذ هي الأخرى سماداً، ولكن المخصبات الكيمائية كانت نادرة في إيطاليا قبل عهد الإمبراطورية. وقد استورد في ذلك العهد كتباً في الزراعة العملية من بلاد اليونان ومن قرطاجنة. وكانت الأرض تزرع حباً ثم خضراً، ثم تترك من حين إلى حين لتكون مراعي حتى لا يستنفد خصبها. وكانت الفاكهة والخضر موفورة، وكانت بعد البقول أهم غذاء للأهلين، وكان
أملاكهم؛ ولم يكونوا هم أنفسهم يقومون فيها بعمل من الأعمال، بل كانوا يعيشون عيشة الملاك الغائبين عن أملاكهم في منازل ذات حدائق في الريف، أو في قصور في رومه. وقد بدأ هذا الاتجاه الجديد قبل القرن الرابع، حتى إذا حل القرن الثالث قبل الميلاد نشأت في الريف طائفة من المستأجرين الذين أثقلتهم الديون، وفي العاصمة طائفة من الصعاليك الذين لا ملك لهم، وانتشرت بينهم التذمر والغضب من وضعهم. وما لبث هذان التذمر والغضب أن قضيا على الجمهورية التي أقامها كدح الفلاحين.
الفصل السادس


الصناعة


لم تكن أرض إيطاليا غنية بمعادنها- وكان لفقرها في هذه المعادن أكبر الأثر في تاريخ إيطاليا الاقتصادي والسياسي؛ فلم يكن في البلاد ذهب قط، وكانت الفضة جد نادرة، وكان فيها قدر لا بأس به من الحديد، كما كان بها بعض النحاس، والرصاص، والقصدير، والخارصين، بكميات قليلة لا تكفي لقيام الصناعات. وكانت جميع المناجم في الإمبراطورية كلها ملكاً للدولة، ولكنها كانت تؤجرها للأفراد يستغلونها استغلالاً مجزياً على أيدي آلاف من العبيد. ولم تتقدم صناعة التعدين أو الفنون الصناعية في البلاد إلا قليلاً؛ ولكن البرنز في ذلك العهد كان لا يزال أكثر استعمالاً من الحديد؛ ولم تكن الآلات الرافعة والدلاء ذات السلاسل التي أقامها أركميدس Archimedes وغيره من العلماء في صقلية ومصر تستخدم إلا في خير المناجم الإيطالية وأحدثها. وكان الخشب أهم أنواع الوقود تقطع له الأشجار كما تقطع أيضاً لاستخدامها في بناء البيوت وصنع السفن والأثاث؛ ومن أجل هذا أخذت الغابات تتناقص مساحتها وتنعدم شيئاً فشيئاً من سفوح الجبال، حتى وصل التقطيع إلى الحد الأعلى الذي لا تنمو فوقه الأشجار. وكانت أروج الصناعات وأكثرها ازدهاراً صناعة الأسلحة والعدد في كمبانيا. ولم يوضح قط نظام للمصانع إذا استثنينا مصانع الأسلحة والفخار، ولم يكن الفخرانيون يصنعون الصحاف وحدها بل كانوا يصنعون معها الآجر، والقرميد، والأنابيب، والقنوات التي تجر الماء إلى البيوت. وكانوا في أريتيوم وغيرها يقلدون النماذج اليونانية ويتعلمون صناعة الآنية الفنية. ولم يحل القرن السادس قبل الميلاد حتى كانت صناعة النسيج قد تخطت المرحلة المنزلية في نقش 

التيل والصوف وإعدادها وصبغهما، وذلك على الرغم من أن صناعة الغزل كان يقوم بها النبات والأزواج والعبيد. أما النساجون الأحرار وغير الأحرار فقد جمعوا في مصانع صغيرة لا تنتج للأسواق المحلية وحدها بل تنتج كذلك ما يلزم منها لتجارة القصدير.
أما الإنتاج الصناعي للاستهلاك غير المحلي فقد كانت تعطله صعاب النقل. ذلك أن الطرق كانت رديئة والقناطر غير مأمونة، والعربات التي تجرها الثيران بطيئة، والنزل في الطرق نادرة، وكان اللصوص كثيرون، ومن ثم اتجهت حركة النقل إلى القنوات والأنهار؛ أما المدن الساحلية فكانت تستورد حاجتها من البضائع بطريق البحر لا من المدن الواقعة خلفها بطريق البر. وما أن حلت سنة 202 ق. م حتى كان الرومان قد أنشئوا ثلاثة من الطرق "القنصلية العظيمة"، وقد سميت قنصلية لأنها كانت تسمى عادة باسم القناصل أو الرقباء الذين كانوا يبدءونها. وما لبث هذه الطرق العامة أن فاقت في صلابتها واتساعها الطرق الفارسية والقرطاجنية التي اتخذها الرومان نماذج لهم في بادئ الأمر. وكان أقدم هذه الطرق طريق فيا لاتينا via Latina الذي خرج به الرومان حوالي 370 ق.م إلى تلال ألبان. وبدأ أبيوس كلوديوس Appius Claudius الضرير في عام 312 طريق فيا أبيا via Appia أو الطريق الأبياوي الذي يصل رومه بكبوا Capua واستخدم في إنشاءه آلافاً من المجرمين(55)، ثم مدد هذا الطريق فيما بعد إلى بنفنتم، وفنوزيا Venusia، وبرنديزيوم Brundisium، وتارنتم. وكان هذا الطريق البالغ طوله 333 ميلاً إنجليزياً يربط ساحلي شبه الجزيرة الشرقي والغربي، وييسر التجارة مع بلاد اليونان والشرق، كما كان هو وغيره من الطرق عاملاً كبيراً في توحيد إيطاليا. وفي عام 241 ق.م شرع أورليوس كوتا Aurilius Cotta في إنشاء الطريق الأوريلي الممتد من رومه إلى أنتيبيس Antibes مخترقاً مدينتي بيزا Pisa، 

وجنوى Genoa. وافتتح كيوس فلامينوس Caius Flaminus في عام 220 الطريق الفلاميني المؤدي إلى أرمينوم Ariminnm، ثم أنشئ حوالي ذلك الوقت نفسه الطريق الفليري Valerian بين تيبور Tipur وكرفينيوم Corfinium. وهكذا أخذت شبكة الطرق الفخمة تتسع شيئاً فشيئاً: فصعد الطريق الإميلي Aemilian نحو الشمال من أرمينيوم مخترقاً بونونيا Bononia وموتينا Mutina إلى بلاسنتيا Placentia (عام 187)، وربط الطريق البستومي Postumian جنوى بفرونا Veronoa (148) ومسار طريق بويليا Via Popilia من أرمينيوم مخترقاً رافنا Ravenns إلى بدوا Padua (132) ثم أنشئت الطرق في القرن التالي من إيطاليا إلى خارجها- إلى يورك York، وفينا Vienna، وثسلونيكا، Thessalonica، ودمشق، كما امتدت على طول ساحل إفريقية الشمالي. وأفادت هذه الطرق في الدفاع عن الإمبراطورية وتوحيدها، وبعث الحياة فيها، وذلك بمساعدتها الجيوش على سرعة الحركة ونشر الأنباء والعادات والأفكار في ربوعها، كما أضحت مسالك عظيمة للتجارة، وكان لها شأن أيما شأن في تعمير إيطاليا وأوربا وزيادة ثرائهما.
لكن التجارة لم ترج في إيطاليا على الرغم من هذه الطرق الكبرى رواجها في شرقي البحر الأبيض المتوسط. ذلك أن رجال الطبقات العليا كانوا ينظرون بعين الاحتقار إلى الشراء بأثمان بخسة والبيع بأثمان مرتفعة، ولذلك تركوا التجارة الداخلية لليونان والمحررين من أبناء الشرق؛ هذا في المدن، أما الريف فقد كان أهله يكتفون بالأعياد التي تقام من حين إلى حين، وبأسواق اليوم التاسع في المدن.
كذلك لم تبلغ التجارة الخارجية شأناً عظيماً لأن النقل البحري كان معرضاً للأخطار، فقد كانت السفن صغيرة الحجم لا تزيد سرعتها على ستة أميال في الساعة سواء أكانت تسير بالشراع أم بالمجاديف، ولم تكن تبعد عن الشاطئ 

ولا يجرؤ معظمها على الخروج من الموانئ من شهر نوفمبر إلى شهر مارس. كذلك كانت قرطاجنة تسيطر على غربي البحر الأبيض المتوسط والممالك الإغريقية تسيطر على شرقيه، وكان لصوص البحار ينقضُّون من مكامنهم من حين إلى حين على التجار الذين هم أكثر منهم شرفاً إلى حد ما.
وفوق هذا كله كان نهر التيبر دائب العمل على طمر مصبه وسد مدخل ميناء عند أستيا Ostia؛ وقد حدث أن غرقت مائتا سفينة في هذا الميناء على أثر عاصفة هوجاء. يضاف إلى هذا وذاك أن التيار كان قوياً بحيث يجعل سير السفن صاعدة فيه إلى رومه عملاً لا يوازي ما يتطلبه من مشقة وما يتكلفه من مال، ومن أجل هذا بدأت السفن حوالي عام 200 ق.م ترسو عند بتيولي على بعد مائة وخمسين ميلاً جنوبي رومه، ومنها تنتقل حمولتها براً إلى العاصمة.
وكان لابد لتيسير هذه الحركة التجارية الداخلية والخارجية من وضع نظام للنقود، والمقاييس، والمكاييل، والموازين، مضمون من الدولة .
لقد ظلت الماشية حتى القرن الرابع قبل الميلاد تتخذ وسيلة للتبادل، وذلك لما لها من قيمة عند جميع الناس، ولأنها كان يسهل نقلها من مكان إلى مكان. فلما اتسع نطاق التجارة استخدمت قطع من النحاس، خشنة الصنع غير مهذبة تسمى الإيس Aes (حوالي 330 ق.م). وقد اشتقت الكلمة الإنجليزية الدالة على القيمة estimate من كلمتي Aes timare أي تقويم النحاس. وكانت الوحدة المستعملة في تقويم الأشياء هي الآس As (الواحد) وكان وزنها رطلاً من النحاس، ولما أن سكّت 


الدولة عملة نحاسية حوالي عام 335 ق.م كانت تطبع عليها في الغالب صورة ثور، أو شاة، أو خنزير، ومن ثم سميت بيكونيا pecunia (من بيكس pecus أي ماشية).
ويقول بلني إنه لما شبت الحرب البونية الأولى "ولم تجد الجمهورية من الأموال ما يفي بحاجاتها، خفضت وزن الآس إلى أوقيتين من النحاس، وبهذه الوسيلة اقتصدت 5slash6 قيمته، وأفلحت في تصفية الدين العمومي(56)". وما أن وافى عام 202 حتى كان وزن الآس قد نقص إلى أوقية واحدة، ثم خفض في عام 87 إلى نصف أوقية لتستعين الدولة بذلك على تمويل الحرب الاجتماعية. وفي عام 269 سكًت قطعتان من النقود الذهبية أولاهما الديناريوس Denarius وكان يساوي عشرة آسات، أي قيمة الدرخمة الأثينية في صورتها الهيلينية المخفضة، والأخرى السترتيوس ومقدارها آسان ونصف آس أو ربع ديناريوس. وفي عام 217 ظهرت أول عملة ذهبية رومانية- الأوري aurei- وكانت قيمته عشرين أو أربعين أو ستين سترتيوس.
أما من حيث قيمة المعادن التي تحتويها كل قطعة من هذه النقود فقد كان في الآس ما قيمته 2slash100 والسستر 5slash100 والديناريوس 20slash100 من الريال الأمريكي.
وإذ كانت المعادن الثمينة أقلّ كثيراً في هذه الأيام، وكانت قيمتها الشرائية لهذا السبب أضعاف قيمتها في الوقت الحاضر(57)، فإن في وسعنا إذا غضضنا النظر عن تقلبات الأثمان في عهد نيرون أن نقوم الآس والسستريوس والتالنت (6000 ديناريوس) في عهد الجمهورية الرومانية ب 6slash100، 15slash100، 60slash100، 3.600 ريال أمريكي على التوالي حسبما كانت قيمة الريال في عام 1942 .




وكان إصدار هذه العملة المضمونة عاملاً مهماً في تدعيم الأعمال المالية في البلاد، فقد كان الرومان الأولون يستخدمون الهياكل في أعمال المصارف، كما نتخذ نحن المال إلهاً لنا والمصارف هياكل نعبده فيها من دون الله. وقد ظلت الدولة تتخذ الأضرحة القوية البناء مستودعات للأموال العامة، ولعلها كانت ترى أن الدين قد يلقى الرعب في قلوب اللصوص فلا يقدمون على السرقة. وكان إقراض المال من أقدم الأعمال في رومه، وشاهد ذلك أن الألواح الأثني عشر تحرم الربا إذا زاد على 8 1slash3% في السنة(60). ثم خفض سعر الفائدة القانوني في عام 347 إلى خمسة في المائة، ثم حرم الربا على الإطلاق في عام 342 ق.م.
ولكن المرابين كان في وسعهم أن يروغوا من هذا التحريم الأرسطاطيلي، وكان أقل سعر للفائدة يتقاضونه فعلاً لا يقل عن 12%. فضلاً عن هذا فقد كان الربا الفاحش (الذي يزيد على 12%) واسع الانتشار، وكان يحدث من حين إلى حين أن يتخلص المدينون من ديونهم بالإفلاس أو التشريع. وحدث في عام 352 ق.م أن استخدمت الحكومة وسيلة جد حديثة للتخفيف عن المدينين: ذلك أنها تكفلت هي بالرهون التي كان الوفاء بها مرجحاً أكثر من غيرها، وأقنعت الراهنين بأن يقبلوا عن الرهون الأخرى فوائد أقل من التي تعاقدوا عليها(61)، وأصبح أحد الشوارع المجاورة للسوق العامة Forum هي رجال المصارف، وازدحمت فيه حوانيت المقرضين (argentarii) والصيارفة مبدلي النقود (trapezitae). وكان في وسع الأهلين أن يقترضوا المال بضمان الأرض والمحاصيل الزراعية والأوراق المالية، والعقود الحكومية، كما كان في وسعهم أن يقترضوا لتمويل المشروعات التجارية والرحلات البحرية، وكان يحل محل التأمين الصناعي السائد في أيامنا الحاضرة نظام الإقراض التعاوني؛ وكان يحدث أن يشترك عدد من أصحاب المصارف في تقديم الأموال اللازمة لمشروع ما بدل أن ينفرد واحد منها بتمويله. وكانت هناك شركات مساهمة أشهر ما كانت تقوم به من الأعمال تنفيذ
العقود الحكومية التي يبرمها الرقيب بعد أن تقدم إليه عنها عطاءات. وكان أصحاب هذه العطاءات يحصلون على المال اللازم لقيامهم بهذه الأعمال ببيع ما لديهم من الأسهم والسندات للجمهور في صورة "أجزاء صغيرة" أي أسهم particular أو (partes). وقد اضطلعت هذه الشركات المؤلفة من رجال يقومون بالمشروعات العامة أو مشروعات الدولة بعمل خطير في تموين الجيش والأسطول في الحرب البونية الثانية بما يحتاجانه من المؤن والعتاد ونقلها إليهما، ولم يفتها في هذا العمل أن تحاول ما يحاوله غيرها من الشركات، وهو أن تخدع الحكومة(62)، وكان رجال الأعمال equites هم الذين يديرون هذه المشروعات الكبرى، أما ما كان أصغر منها فكان يديره الأرقاء المحررون. وكانت المشروعات غير الحكومية يديرها مديرو الأعمال negotiatunes وكان هؤلاء يدبرون لأنفسهم ما يلزمها من المال.
وكانت الصناعة في أيدي صناع مستقلين يشتغل كل منهم في حانوته الخاص، وكان معظم هؤلاء الصناع ممن الأحرار ولكن كان إلى جانبهم عدد من المحررين ومن الأرقاء أخذ يتزايد على مر الأيام. وكانت الأعمال التي يقوم بها هؤلاء الصناع مختلفة كل الاختلاف، وكان أكثر ما ينتجون للسوق لا للعميل الخاص. وقد أدى التنافس بين العمال الأحرار والأرقاء إلى خفض أجور الأولين، فانحط مستوى العمال إلى درجة من البؤس لا تقل عن بؤس أفقر عمال المدن الذين يعيشون في أقذر الأحياء في هذه الأيام. ولم يكن إضراب هؤلاء العمال عن العمل ذا فائدة لهم ولذلك كان نادر الحدوث(63)؛ غير أن الفتن بين الأرقاء كانت كثيرة؛ ولم تكن "حرب الأرقاء الأولى" (139 ق.م) أولى هذه الفتن. ذلك أن التذمر إذا اشتد وضاق الناس ذرعاً بمعيشتهم، كان من السهل تلمس سبب للحرب تهيئ أعمالاً للمتعطلين، وتيسر انتشار النقود المنخفضة القيمة، وتوجه غضب الشعب نحو عدو خارجي يطعم الرومان من أرضه إذا انتصروا،
أو تستقبلهم هذه الأرض موتى أو أسرى إذا هزموا(64). وكان للأحرار من العمال اتحادات أو جماعات طائفية (Collegia). ولكنها قلما كانت تعنى بمسائل الأجور أو ساعات العمل أو ظروفه. وتعزو الروايات المتواترة إلى نوما Numa فضل إنشاء هذه الاتحادات أو الاعتراف بمشروعيتها. وسواء صح هذا أو لم يصح فإننا نعرف أنه كان القرن السابع قبل الميلاد منظمات للزمارين، والصائغين، والنحاسين، وطارقي الحديد، والحذائين، والفخرانيين ، والصبّاغين والنجارين(65). وكانت جماعات "الفنانين الديونيزيين" Dionysian Artists -الممثلين والموسيقيين- من أكثر الجماعات انتشاراً في العالم القديم. وقد كان في رومه قبل بداية القرن الثاني قبل ميلاد المسيح جماعات طائفية للطباخين، ودابغي الجلود، والبنائين، وصناع البرونز، والحدادين، وصانعي الحبال، والنسّاجين؛ ولكن الراجح أن هذه الطوائف كانت قديمة قدم الطوائف السالفة الذكر. وكان أهم أهداف هذه الاتحادات وأمثالها مجرد السرور الذي تبعثه الصلات الاجتماعية في قلوب أعضائها. وكان الكثير منها جمعيات تعاونية تكفل نفقات دفن الموتى.
ولم تكن الدولة تنظم شئون هذه الاتحادات والجماعات الطائفية وحسب، بل كانت تنظم كذلك كثيراً من النواحي في حياة رومه الاقتصادية؛ فكانت تشرف على استغلال المناجم وعلى غيرها من الامتيازات والعقود التي كانت تبرمها الحكومة، وكانت تهدئ الاضطرابات التي يثيرها العامة باستيراد الطعام وتوزيعه بأثمان اسمية على الفقراء أو على كل من يطلبه. وكانت تفرض الغرامات على الاحتكارات؛ وقد أممت صناعة تعدين الملح لتقضي بذلك على احتكار هذه الصناعة، بعد أن ارتفع ثمن الملح بسبب هذا الاحتكار ارتفاعاً جعله في غير متناول طبقة العمال. وكانت رومه تتبع سياسة حرية التجارة، ولذلك فإنها لما تغلبت على قرطاجنة فتحت غرب البحر المتوسط لتجارة الأمم جميعها؛ وقررت حماية يتكا Utica ثم ديلوس مشترطة عليهما في نظير هذه الحماية أن يظلا ميناءين
حرين تدخل فيهما البضائع وتخرج منهما دون أن تؤدي لهما رسوماً. على أنها كانت في بعض الأحيان تحرم تصدير السلاح، والحديد، والخمر، والزيت، والحبوب. وكانت تفرض على معظم الغلات التي تدخل رومه عوائد جمركية تقدر عادة باثنين ونصف في المائة من قيمتها، ثم امتدت هذه الضريبة القليلة فيما بعد إلى غيرها من المدن، وظلت حتى عام 147 ق.م تفرض ضريبة على الأملاك (tributum) في جميع أنحاء إيطاليا. ويمكن القول بوجه عام إن إيرادات الدولة لم تكن كثيرة وإن أهم ما كانت تستخدم فيه هو نفقات الحرب، شأنها في هذا شأن غيرها من الدول المتحضرة(66).

الفصل السابع


المدنية


أصبحت رومه في عام 202 ق.م من كبريات المدن الواقعة على البحر الأبيض المتوسط، بفضل ما كان يدخل خزائنها من الضرائب والغرامات التي تفرضها على أعدائها، وبفضل من كان يفد إليها من الخلائق ليسكنوا فيها.
وقد سجل فيها الإحصاء الذي أجرى في عام 234 قبل الميلاد 270.713 من المواطنين- أي من الذكور الراشدين الأحرار. ثم نقص هذا العدد نقصاً فجائياً خلال الحرب الكبرى، ولكنه ارتفع في عام 189 إلى 258.318 والى 322.000 في عام 147، وفي وسعنا أن نقدر سكان دولة المدينة في عام 189 ق.م بما يقرب من 1.100.000، ولربما كان 275.000 من هؤلاء يسكنون داخل أسوار رومه. وكان في إيطاليا جنوب الروبيكون Rubicon نحو 5.000.000 من السكان(67). وكانت الهجرة وامتصاص الشعوب المغلوبة، وتدفق السكان، وتحرير الأرقاء ومنحهم الحقوق السياسية- كانت هذه العوامل كلها قد أخذت تحدث في رومه تلك التغيرات العبقرية التي جعلتها في عهد نيرون نيويورك الزمن القديم، نصف سكانها من البلاد الأصليين والنصف الآخر خليط من كافة الأجناس.
وكان في المدينة شارعان رئيسيان متقاطعان يقسمانها إلى أحياء منفصلة، لكل منها موظفوه الإداريون وأربابه الواقون. وقد شيدت إلى آلهة ملتقى الطرق Lares Compitales معابد عند ملتقى الطرق الهامة وأقيمت لها تماثيل عند ملتقى الطرق الأقل من هذه أهمية- وهي عادة لطيفة لا تزال متبعة في
إيطاليا. وكانت معظم الطرق بحالها الطبيعية، وكان بعضها مرصوفاً بحجارة ملساء مستخرجة من أقواع الأنهار ككثير من مدن البحر الأبيض المتوسط في هذه الأيام. وقد دامت هذه الحال حتى شرع الرقيب حوالي عام 174 يغطى أرض الشوارع الكبرى بكتل من الحمم البركانية. وقد بنى أبيوس كلوديوس الأعمى في عام 312 أولى القنوات المعروشة لجر المياه العذبة إلى المدينة التي ظلت حتى ذلك الوقت تعتمد على العيون والآبار ومياه التيبر العكرة.
وأقام الأشراف صهاريج تستمد الماء من هذه القنوات، ومدت منها الأنابيب في بيوتهم، وركبت عليها الصنابير، فاستطاع الأشراف أن يستحموا بمائها أكثر من مرة في الأسبوع؛ ثم افتتحت رومه حماماتها الأولى التابعة للبلدية بعد هزيمة هنيبال بزمن قليل. وشاد المهندسون الرومان أو التسكان في وقت غير معروف المجرى الأكبر Cloaca Maxima لنقل مياهها القذرة، وقد بلغت العقود الحجرية الضخمة لهذا المجرى درجة من الاتساع تسمح بمرور عربة محملة بالدريس من تحتها(68). ثم أنشئت مجاري صغرى لصرف مياه المناقع التي كانت تحيط برومه وتغير عليها في بعض الأوقات. وكانت مياه الأمطار والمياه القذرة تجري من فتحات في الشوارع إلى هذه المصارف، ثم تنتقل منها إلى نهر التيبر. وقد ظلت مياهه الملوثة مشكلة المشاكل في الحياة الرومانية.
وربما كانت المعابد هي مظاهر الزينة الوحيدة التي كانت في المدينة. ذلك أن البيوت ظلت مستمسكة بالطراز التسكاني البسيط الذي وصفناه من قبل، لا يفترق عنه إلا في شيء واحد وهو أن جدرانها الخارجية كانت تبنى في الغالب من الآجر أو تطلى بمسحوق الجبس الناعم؛ وكثيراً ما كانت هذه الجدران تشوه بما يخدش عليها من الشعر أو النثر في ذكر حادث من الحوادث التافهة التي لا يلبث الناس أن ينسوها بعد وقوعها. ولم يكونوا يقصدون بكتابتها إلا أن يدلوا على ازدياد نسبة من يعرفون
منهم القراءة والكتابة. وكانت الهياكل تبنى في الغالب من الخشب، وكانت واجهاتها وزينتها من الطين المحروق، وكان طرازها هو الطراز التسكاني. وقد أقيمت على تل الكبتولين هياكل لجوبتر، ويونو، ومنيرفا، وأقيم هيكل آخر لديانا على الأفنتين Aventine، وأقيمت هياكل غيرها (قبل عام 201 ق.م) ليونو، والمريخ، ويانوس Janus، والزهرة، وللنصر، والحظ السعيد، والأمل وما إليها. وفي عام 303 ق.م أضاف كيوس فابيوس إلى اسم عشيرته لقب بكتور Pictor أي المصور، وذلك لأنه عمل مظلمات في هيكل الصحة القائم على الكبتولين. وأقام المثالون اليونان في رومه تماثيل للآلهة الرومانية والأبطال الرومانيين من الآجر، والرخام، والبرنز؛ وقد أقاموا في عام 293 على الكبتول تمثالاً لجوبتر بلغ من ضخامته أن كان يراه الواقف عند تلال ألبان Alban التي تبعد عنه عشرين ميلاً. وفي عام 296 أقام الأيديلون (الموظفون الرومان المشرفون على المباني العامة والألعاب وغيرها) تمثالاً من البرنز لذائبة أضاف إليه الفنانون فيما بعد صورتين لرميولوس وريموس. ولسنا نعرف أهذه هي المجموعة التي جاء وصفها على لسان شيشرون أم أنها مجموعة أخرى، وإن لم تكن فهل هذه أو تلك هي بعينها "ذئبة الكبتول" التي لا تزال باقية إلى هذا اليوم. ومهما يكن من شيء فإن هذا التمثال الأخير آية فنية أوفت على الغاية في الإتقان، فهي تمثال من الجماد ينبض بالحياة في كل عضلة من عضلاته وكل عصب من أعصابه.
وبينا كان الأشراف يخلدون انتصارهم ويمتدحون أسلافهم كان العامة يتأسون بسماع الموسيقى، وبالرقص، والمسرحيات المضحكة، والألعاب. وكانت طرقات إيطاليا وبيوتها تردد أصداء الأغاني الفردية والجماعية، فكان الرجال يغنون في المآدب والأولاد والبنات يرددون الترانيم في المواكب الدينية، وكانت حفلات الزواج لا تخلو قط من الأناشيد كما كانت الأغاني تصحب جنازات الأموات. وكان المزمار أكثر آلات الطرب شيوعاً ولكن القيثارة أيضاً كان


لها من يهواها حتى أضحت الآلة المحبوبة التي ينشد على نغماتها الشعر الغنائي. وكان الرومان في أيام الأعياد الكبرى يجتمعون في المدرجات وساحات اللعب يكتوون بنار الشمس، بينا كان المستأجرون والأسرى والمجرمون والأرقاء يعدون، أو يقفزون، أو يقتتلون، ويموتون. وكان الاقتتال والموت أحب إلى الجماهير من العدو والقفز. وكان في المدينة مدرجان كبيران هما الساحة الكبرى (ويقال إن الذي أنشأها هو تاركوين الأول) وساحة فلامينوس (221 ق.م)- وكان يدخلهما من غير أجر كل من يصل إليهما من الرجال والنساء في الوقت الذي يمكنهم من أن يجدوا فيهما مكاناً. وكانت الدولة في بادئ الأمر هي التي تتكفل بالإنفاق على الملعبين، ثم تكفل بهما بعدئذ الإيديلون، أما في العهد المتأخر من حياة الجمهورية فكان ينفق عليهما المرشحون لمنصب القناصل؛ وأخذت هذه النفقات تزداد جيلاً بعد جيل حتى أضحت في واقع الأمر سداً منيعاً يحول بين الفقراء وبين التقدم لمناصب القناصل.
ولعل من واجبنا أن نضم إلى هذه الألعاب "حفلات النصر" التي كانت تقام للقواد العائدين من ميادين القتال. ولم تكن هذه الحفلات تقام إلا لمن انتصروا منهم في حرب قتل فيها من الأعداء خمسة آلاف أو يزيدون. أما القائد المنحوس الذي انتصر ولكنه لم يقتل من أعدائه هذا العدد كله فلم يكن يلقى هذا النوع من الترحيب، ولم يكن يضحي له بثور بل بشاة ovis. وكان الناس ينتظمون في الموكب خارج المدينة، وكان يطلب إلى القائد هو وجنوده عند حدودها أن يلقوا أسلحتهم، ثم يدخلها الموكب من تحت قوس نصر، اتخذ فيما بعد طرازاً لعشرات المئات من الآثار. وكان النافخون في الأبواق يتقدمون الموكب، ثم تأنى من بعدهم أبراج أو أرماث تمثل المدن التي استولى عليها، وصور تدل على ما قام به المنتصرون من أعمال البطولة. ثم تكركر من بعدها عربات مثقلة بالذهب والفضة، ومنتجات الفن وغيرها من الأسلاب. وقد اشتهر 

موكب النصر الذي أقيم لمرسلس بما كان فيه من التماثيل المسروقة من سرقوسة (212)؛ وعرض سبيو الإفريقي في عام 207 أربعة عشر ألف رطل من الفضة، وفي عام 202 مائة وثلاثة وعشرين رطلاً استولى عليها في أسبانيا وقرطاجنة، وتبعها سبعون ثوراً أبيض تسير إلى مصرعها سير الفلاسفة، ومن ورائها زعماء العدو المأسورون ثم الجلادون، والضاربون على القيثار، والزمارون، وحاملو آنية البخور. ومن بعد هؤلاء كلهم يمر القائد نفسه في عربة زاهية مزينة ويلبس جبة أرجوانية، وعلى رأسه تاج من الذهب، وفي يده صولجان من العاج وغصن من شجر الغار، وهما رمز النصر، وشعار جوف jove. وكان يركب معه في العربة أحياناً أبناؤه، ويركب في عربة تسير بجوارها أقاربه؛ ثم يأتي من خلفهم أمناء سره من المدنيين والعسكريين. ويأتي في آخر الموكب الجنود يحمل بعضهم ما نالوه من الأعطية، وعلى رأس كل منهم تاج، يمتدحون قوادهم، وبعضهم يسخرون منهم. ذلك أن التقاليد المرعية التي لا يمكن خرقها كانت تترك للجنود في هذه الفترات القصيرة كامل الحرية في أن ينطقوا بما يريدون أن ينطقوا به دون أن يعاقبوا عليه، وذلك لكي يذكروا المنتصرين المزهوين بنصرهم أنهم كسائر الناس معرضون للأخطاء. وكان القائد يصعد الكبتول إلى هياكل جوبتر، ويونو، ومنيرفا، ويضع قدمه عند أقدام الآلهة، ويضحي بحيوان ما؛ وكان يأمر عادة بأن يذبح الزعماء من الأسرى مبالغة في شكر الآلهة. وكان هذا الموكب منظماً تنظيماً يثير في النفس المطامع العسكرية، ويجزي القواد والجند أحسن الجزاء على جهودهم الحربية؛ ذلك أن زهو الإنسان لا يخضعان إلا للجوع والحب.


الفصل الثامن


بعد الموت


لقد كانت الحرب أروع النواحي الروائية في حياة الرجل الروماني، ولكنها لم يكن لها ذلك الشأن الخطير الذي تحدثنا عنه صحف المؤرخين الرومان. ولعل حياة الرومان كانت تدور كلها حول أسرته وبيته أكثر مما تدور حولهما حياة الرجل من في هذه الأيام. وكانت أخبار العالم لا تصل إليه إلا متأخرة، ومن أجل هذا لم يكن ما يتجمع في العالم من اضطراب يستثير عواطفه في كل يوم، ولم تكن الحوادث العظمى التي تمر به في حياته هي السياسة والحرب، بل كان أهم ما يعنى به مولد الأطفال وحفلات الزواج وأخبار الموت المحزنة.
ولم يكن كبير السن تلازمه تلك الوحشة والهجران اللذان ينغصان على الكبار حياتهم في العصور التي تشيع فيها الفردية. ذلك أن الصغار كانوا يرون أن من الفروض الواجبة عليهم أن يعنوا بالكبار، وقد ظل هؤلاء إلى آخر عهود الجمهورية أجدر الناس بالرعاية وأعظمهم سلطاناً، وكانت قبورهم بعد وفاتهم مواضع التكريم ما دام لهم أبناء أو أحفاد على قيد الحياة. ولم تكن الجنائز تقل فخامة وتعظيماً عن مواكب الأفراح، فكان يسير في طليعتها جماعة من النادبات المأجورات فلما تغالين في عويلهن وهوسهن قيد هذا الغالي بنص في الألواح الاثني عشر(71) يحرم عليهن اقتلاع شعرهن. ويتلو هؤلاء النسوة الزمارون وقد حدد القانون عددهم باثني عشر، ثم الراقصون يمثل الميت واحد منهم. ويأتي من بعد هؤلاء عرض عجيب لجماعة من الممثلين يلبسون أقنعة الموت أو وجوهاً من الشمع في صور آباء الميت الذين شغلوا مناصب ذات شأن في الدولة. ثم تتلو هؤلاء جميعاً جثة الميت محوطة بمظاهر تبلغ من الفخامة ما يبلغه موكب القائد المنتصر، وعليها كامل 
اللباس المخصص لأعظم منصب شغله صاحبها في حياته، وموضوعة في نعش بسطت عليه أغطية مطرزة باللونين الأرجواني والذهبي، ومن حولها الأسلحة والدروع التي غنمها ممن قتلهم من الأعداء. ويسير خلف النعش أبناء المتوفى وعليهم أثواب وأقنعة سوداء، وبناته سافرات، وأقاربه وأبناء عشيرته وأصدقاؤه ومواليه وعبيده. فإذا وصلت الجنازة إلى السوق العامة وقفت ورثى الميت أحد أبنائه أو أقاربه. لقد كانت الحياة في تلك الأيام خليقة بأن يحياها الإنسان ولو لم ينل منها إلا هذا التكريم بعد الوفاة.
وكان الموتى من أهل رومه في القرون الأولى من حياتها يحرقون، ثم جرت العادة بعدئذ بأن يدفنوا وإن كان بعض المحافظين من أبنائها ظلوا يفضلون إحراق موتاهم. وسواء اتبعت هذه السنة أو تلك فقد كانت بقايا الميت تدفن في قبر أضحى فيما بعد مزاراً ومكاناً للعبادة، كان الأتقياء من أبناء الميت وأحفاده يضعون عليه من حين إلى حين طاقات الزهر وقليلاً من الطعام. وكان لعبادة الأسلاف والاعتقاد بأن أرواحهم تحيا في مكان ما وترقب الأحياء أكبر الأثر في استقرار الأخلاق والمجتمع الروماني، كما كان لهما نفس الأثر في بلاد اليونان والشرق الأقصى. وكان الموتى حسب الأساطير الرومانية التي اصطبغت بالصبغة الهلينية ينتقلون إلى جنات النعيم أو إلى جزائر المقيمين؛ على أنهم كلهم تقريباً كانوا ينزلون إلى الأرض ليستقروا في مملكة الأشباح التي يسيطر عليها أوركوس Orcus وبلوتون Pluto. وكان ثانيهما- وهو الصورة اليونانية للإله هيديز Hades اليوناني- يحمل في يده مطرقة يضرب بها الميت حتى يغيب عن وعيه. أما أوركوس (وهو الاسم الذي اشتقت منه الكلمة الإنجليزية ogre أي الغول) فكان هو الهولة التي تلتهم جثة الميت بعدئذ. وإذ كان بلوتو أعظم الأرباب في باطن الأرض وأعلاها مقاماً، وإذ كانت الأرض هي المورد الأخير للثروة؛ وهي في كثير من الأحيان مستودع ما يتجمع من الطعام والسلع، فقد كان بلوتو يعبد
أيضاً على أنه إله الثروة والأثرياء، وأضحت زوجته- برسبربينا Prosperpina الضالة- ابنة سيريز Ceres إلهة الحب النامي. وكان الرومان يتمثلون الجحيم في بعض الأحيان على أنها موضع العقاب(72)، وكانوا يصورونها في الأغلب الأعم على أنها مسكن الأشباح النصف المجردة التي كانت في حياتها رجالاً لا يمتاز بعضهم عن بعض بثواب أو عقاب بل يعانون كلهم على السواء عذاب الظلام الأبدي والنسيان النهائي. "وهنالك" كما يقول لوسيان Lucian "يجد الإنسان في آخر الأمر الديمقراطية المنشودة(73)".

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق