الفصل السادس
بمبي
ولما عاد كراسس وبمبي من هذه الحملة لم يسرحا جنودهما أو يجرداهم من سلاحهم عند أبواب رومه استجابة لرغبة مجلس الشيوخ وإطاعة للقانون، بل عسكرا بهم خارج أسوار المدينة، وطالباً أن يؤذن لهما بأن يرشحا نفسيهما للقنصلية دون أن يدخلا المدينة- وخالفا بذلك مرة أخرى كل السوابق المألوفة. وزاد بمبي على ذلك أن طلب أرضاً لجنوده وموكب نصر لنفسه. ولكن مجلس الشيوخ لم يجبه إلى طلبه، وكان يرجو أن يفرق بين القائدين ويثير كلا منهما على الآخر. غير أن كراسس وبمبي اتفقا فيما بينهما، وعقدا حلفاً فجائياً مع الطبقات الدنيا ومع رجال الأعمال، ونجحا بفضل الرشا السخية في أن يختارا قنصلين في عام 70 ق.م وقد ناصرهما رجال الأعمال لغرضين أولهما رغبتهم في أن يستعيدوا ما كان لهم من سلطان في مناصب المحلفين الذين يحاكمونهما، وثانيهما أن يستبدلوا بلوكس Lucullus- الذي كان يحكم الشرق حكماً صالحاً لا نفع فيه لهم رجلاً من طبقتهم يعمل بمبادئهم. وقد وجدوا في بمبي ضالتهم المنشودة.
وكان بمبي وقتئذ في الخامسة والثلاثين من عمره ولكنه كان جندياً ضرسته الحروب وخاض معارك كثيرة. وكان من أسرة غنية من طبقة الفرسان، نال إعجاب مواطنيه لشجاعته واعتداله وحذقه كل ضروب الألعاب وفنون الحرب. وكان قد طهر صقلية وإفريقيا من أعداء صلا ولقبه الفكه بلقب "العظيم" جزاء له على زهوه وانتصاره في الحروب. وقد أحرز بعض النصر وهو شاب أمرد(33). وقد بلغ
من الجمال حدا أنطق فلورا Flora إحدى سراري ذلك الوقت بقولها إنها لم تكن تستطيع أن تفارقه قط دون أن تعضه(34). وكان مرهف الشعور، شديد الحياء، يحمر وجهه من شدة الخجل إذا اضطر إلى خطابة في اجتماع عام، أما في الحرب فقد كان في تلك الأيام باسلاً مقداماً يخوض غمارها ولا يبالي بما يتعرض له من الأخطار. ولما تقدمت به السن أثر حياؤه كما أثرت بدانته في قدرته على القيادة، وكان تردده سبباً في هزائمه. ولم يكن ألمعياً سريع الخاطر أو عميق التفكير؛ ولم يكن هو الذي يرسم الخطط التي يسير عليها، بل يضعها غيره- كان يضعها له في أول الأمر السياسيون من طبقته العامة ثم الأثرياء من الشيوخ. وكان ثراؤه الواسع سبباً في انتشاله من المغريات السياسية الدنيئة؛ فكان وهو في وهدة الفساد والأنانية التي يتردى فيها أهل زمانه علماً في الوطنية والاستقامة؛ ويلوح أنه كان في أعماله يستهدف الصالح العام مع صالحه الخاص. وكان أبرز عيوبه غروره وكبرياؤه، ومنشأ ذلك أن انتصاراته الأولى قد جعلته يغالي في تقدير مواهبه، وكان مما يعجب له ولا يستطيع فهمه أن تتلكأ رومه هذا التلكؤ الطويل في أن تجعله يستمتع بكل ما يستمتع به الملوك إلا الاسم وحده.
ولما تسنم صنيعتا صلا منصب القنصلية أخذا يعملان ما في وسعهما لتقويض أركان الدستور الذي وضعه ولي نعمتهما. وأراد بمبي وكراسس أن يوفيا بما عليهما من دين للعامة فأقرا مشروع قانون يهدف إلى إرجاع ما كان للتربيون من سلطات، ووطدا دعائم حلفهما مع رجال الأعمال فأمرا لوكلس أن يخول الملتزمين الإشراف التام على جباية الضرائب في بلاد الشرق، وأيدا التشريع الذي يقضي بأن توزع مناصب المحلفين بالتساوي بين أعضاء الشيوخ وطبقتي الفرسان ورجال المال. ومضى على كراسس خمسة عشر عاماً قبل أن يلقى جزاءه- وهو أن يصب الذهب في جوفه صبا في بلاد آسيا. أما بمبي فقد نال جزاءه في عام 67 حين خولته الجمعية سلطة تكاد أن تكون مطلقة من كل قيد في
تأديب قراصنة قليقية. ذلك أن جزيرة رودس قد استطاعت في الأيام السالفة أن تطهر بحر إيجة من هؤلاء القراصنة؛ فلما أن ذلت رودس وافتقرت على يد رومه وديلوس لم يكن في مقدورها أن تحتفظ بالعمارة البحرية التي تمكنها من هذا العمل، ولم يكن الأشراف ملاك الأراضي المسيطرون على مجلس الشيوخ شديدي الحرص على أن تبقى مسالك التجارة البحرية آمنة من الأخطار. أما التجار والعامة فقد تأثروا بهذه الحال أشد التأثر، فقد تعذرت التجارة أو كادت في بحر إيجة بل وفي القسم الأوسط من البحر الأبيض المتوسط، ونقص المستورد من الحبوب نقصاً سريعاً ارتفع بسببه ثمن القمح في رومه حتى بلغ عشرين سسترس لكل موديس
وأراد جابينيوس Gabinias صديق بمبي أن يعالج هذا الموقف، فتقدم بمشروع قانون يجعل له السيطرة التامة مدى ثلاثة سنوات على جميع الأساطيل الرومانية وعل جميع الأشخاص المقيمين على مدى خمسين ميلاً من شاطئ البحر الأبيض المتوسط. وعارض كل الشيوخ، ما عدا قيصر، هذا الإجراء العجيب، ولكن الجمعية أجازته في حماسة بالغة ووافقت على أن تمد بمبي بجيش مؤلف من 125.000 مقاتل وأسطول مؤلف من 500 سفينة، وأبلغت خزانة
الدولة أن تضع تحت تصرفه 144.000.000 سسترس. وكان هذا المشروع في واقع الأمر سلباً للسلطة من مجلس الشيوخ، وختاماً لعودة "صلا" إلى الحكم، وإقامة لملكية مطلقة مؤقتة كانت فاتحة لملكية قيصر ومثلاً له يحتذيه.
وكانت نتيجة هذا العمل مؤيدة لهذه السابقة الخطيرة، فلم يمض على تنصيب بمبي إلا يوم واحد حتى أخذ ثمن القمح في الانخفاض، وقبل أن يمضي عليه في هذا المنصب ثلاثة شهور أتم العمل الذي أنيط به- فاستولى على سفن القراصنة ومعاقلهم وأعدم زعماءهم وإن لم يسيء استعمال السلطة غير العادية التي وضعت بين يديه. وتشجع التجار فنشطت التجارة الخارجية، ومخرت السفن عباب البحار، وتدفق على رومه سيل من الحبوب.
وقبل أن يعود بمبي من قليقية صديقه منليوس Manilius على الجمعية مشروع قانون بنقل قيادة الجيوش وحكم الولايات التي كان يقودها ويحكمها لوكلس(66) إلى بمبي، وإطالة الفترة التي حددها قانون جابينيوس لسلطاته المتعددة, وعارض مجلس الشيوخ في هذا المشروع، ولكن التجار والمرابين أيدوا الاقتراح تأييداً قوياً، ذلك أنهم كانوا يؤملون أن يكون بنبي أقل ليناً من لوكلس لمدينتهم في آسيا، وأن يعيد إلى الملتزمين حق جباية الضرائب، وأنه لن يكتفي بفتح بثينيا وبنتس بل سيفتح كذلك كبدوكيا وسوريا وبلاد اليهود. وأن هذه الحقول الغنية ستُفتح أبوابها إلى التجارة والأموال الرومانية تحت حماية الجيوش الرومانية. وقام "رجل جديد" هو ماركس تليوس شيشرون Marcus Tullius Cicero كان قد اختير بريتورا في ذلك العام بمعونة رجال الأعمال فأيد "قانون منليوس، وهاجم العصبة المالية الحاكمة في مجلس الشيوخ بفصاحة وتهور لم يسمع بمثلهما في رومه من أيام أبني جراكس، وبصراحة لم تعهد قط في السياسيين". ومن أقواله في هذا الهجوم:
"إن جميع النظم الخاصة بالمال والائتمان التي تسير عليها رومه ترتبط بخراج
الولايات الأسيوية ارتباطاً لا انفصام له، فإذا ما حجز هذا الخراج انهارت جميع نظم المال والائتمان في هذه البلاد.. وإذا ما خسر بعض الناس أموالهم كلها جرّوا معهم كثيرين غيرهم. فأنقذوا الدولة من هذه الكارثة... وابذلوا في الحرب على مثرداتس كل ما استطعتم من جهود حتى تحتفظوا بشرف رومه وسلامة أحلافنا، وبأثمن جزء من مواردنا، وبثروة عدد لا يحصى من المواطنين".
وأجازت الجمعية من فورها مشروع القانون، ولم يكن ذلك لأن العامة يعنون أقل عناية بأموال الماليين، بل لأنهم كان يسرهم أن يجدوا في تخويل قائد من القواد سلطات واسعة غير محدودة وسيلة لإلغاء تشريعات "صلا" والقضاء على سلطان مجلس الشيوخ عدوّهم القديم.
ومن ذلك اليوم أخذ أجل الجمهورية ينصرم، وأخذت حياتها تقترب من نهايتها. ذلك أن الثورة الرومانية مستعينة بفصاحة عدوها الألد، كانت قد خطت خطوة أخرى نحو طغيان قيصر.
لفصل السابع
شيشرون وكاتلين
يقول أفلوطرخس إن ماركس تليوس إنما سمي شيشرون لأن أحد أجداده كانت له على أنفه ثؤلولة تشبه الحمصة الجبلية (cicer). ولكن أرجح من هذا التعليل أن آباءه قد اكتسبوا هذا اللقب لما كانوا ينتجونه من حمص ذائع الصيت. ويصف شيشرون في كتاب "القوانين" وصفاً رقيقاً يخلب اللب بيته الصغير المتواضع الذي شهد مولده بالقرب من أربينوم Arpinum في منتصف المسافة بين رومه ونابلي على التلال المتصلة بجبال أبنين Appenine. وكان لمولده من الثروة ما يكفيه لأن يعلم ولده خير تعليم يستطيع أن يناله في ذلك الوقت، فاستأجر الشاعر اليوناني أركباس Archias ليعلم ماركس الأدب واللغة اليونانية، ثم أرسله ليدرس القانون مع كونتس موسيوس أسكيفولا Quinuts Mucius Scaevola أعظم رجال القانون في عصره.
وكان شيشرون يستمع في شوق وانتباه إلى المحاكمات والمناقشات التي تدور في السوق العامة، وسرعان ما أتقن الفنون والأساليب المتبعة في الخطب القانونية. وقد قال في إحدى المناسبات: "من أراد النجاح في القانون فعليه أن يتخلى عن جميع مسراته، ويتجنب كل ضروب اللهو. ويودع التسلية والألعاب والطرب، وأكاد أقول إن عليه أن يقطع صلاته بأصدقائه(26)".
وسرعان ما كان هو نفسه يشتغل بالقانون ويلقى خطباً رنانة حوت من البلاغة والشجاعة ما أكسبه شكر الطبقات الوسطى والدنيا. وقد قاضى أحد صنائع صلا وشهر بما كان يرتكبه من الاضطهاد حين كان حكم الإرهاب
الذي أقامه صلا على أشده (80 ق.م)(27). ثم سافر بعد قليل من ذلك الوقت إلى بلاد اليونان، ولعله سافر إليها فراراً من غضب ذلك الطاغية، وظل في تلك البلاد يدرس الفلسفة وفن الخطابة. وبعد أن قضى ثلاث سنين في أثينا هنيئاً سعيداً انتقل إلى رودس حيث استمع إلى محاضرات أبولونيوس Appollonius بن مولون Molon في البلاغة، والى محاضرات بوسيدونيوس Poseidonius في الفلسفة، وتعلم من أولهما تراكيب الجمل المتعاقبة وعفة اللفظ وهما الصفتان اللتان كان يمتاز بهما أسلوبه؛ وتعلم من ثانيهما تلك الرواقية المعتدلة التي نادى بها بعدئذ فيما كتبه من مقالات عن الدين وفن الحكم والصداقة والشيخوخة.
ثم عاد إلى رومه في سن الثلاثين وتزوج ترنشيا Terentia واستطاع ببائنتها السخية أن تشتغل بالسياسية، وعلا شأنه ونبه ذكره بعدله وحسن إدارته حين كان كوسترا في صقلية عام 75 ق.م ولك عاد إلى الاشتغال بالمحاماة في عام 70 ق.م وأهاج عليه طبقة الأشراف إذ قبل أن يوكل في قضية أقامتها مدن صقلية على كيوس فيرس Caius Verrs عضو الشيوخ، واتهمته فيها بأنه وهو صاحب الخراج في تلك الجزيرة (73-71) كان يبيع المناصب والأحكام. ويخفض الضرائب بنسبة ما يناله من الرشا، وأنه لم يكن يبقى في سرقوسة شيئاً من تماثيلها، وأنه وهب إيراد مدينة بأكملها إلى إحدى سراريه، وأسرف في الظلم، وابتزاز الأموال والسرقات حتى غادر الجزيرة وهي أكثر خراباً مما كانت بعد حربين من حروب الرقيق. وشر من هذا كله أن فيرس قد اختص نفسه ببعض ما كان يختص به الملتزمون عادة، وناصر رجال الأعمال شيشرون في اتهاماته، أما هرتنسيوس الزعيم الأرستقراطي للمحامين الرومان فقد تولى زعامة المدافعين عن فيرس، وأجيز لشيشرون أن يقضي في صقلية حوالي مائة يوم يجمع فيها الأدلة؛ ولكنه اكتفى منها بخمسين يوماً، وعرض في خطبته الافتتاحية من الأدلة الدامغة ما جعل هرتنسيوس- وكان قد زين حدائقه ببعض ما نهبه
فيرس من التماثيل- يتخلى عن موكله. وحكم على فيرس بغرامة قدرها أربعون مليون سسترس، ففر إلى خارج البلاد، ونشر شيشرون بعدئذ الخمس الخطب الإضافية التي كان قد أعدها، وكانت كلها هجوماً عنيفاً على فساد الحكم الروماني في الولايات. وبلغ ما أحرزه من تأييد الشعب بجده وشجاعته أنه حين رشح نفسه للقنصلية في عام 63 ق.م انتخب بحماسة بالغة منقطعة النظير.
وكان شيشرون من أبناء طبقة الفرسان، ولذلك كانت ميوله بطبيعة الحال مع الطبقة الوسطى، وكانت تشمئز نفسه من كبرياء الأشراف ويستنكر امتيازاتهم سوء حكمهم، ولكنه كان يخشى أشد خشية أولئك الزعماء المتطرفين، فقد كان يرى أن منهجهم، بوضعه أزمة الحكم في أيدي الغوغاء، يعرض الملكية لأشد الأخطار. ولهذا كانت الخطة السياسية التي وضعها لنفسه حين تولى الحكم أن يقيم "حلفاً من الطبقات"- أي تعاوناً بين الأشراف ورجال الأعمال، يحول دون عودة تيار الثورة الجارف.
على أن أسباب التذمر وقواه كانت أعمق وأكثر من أن يقضي عليها بسهولة، فقد كان كثيرون من الفقراء يستمعون إلى الخطباء ينادون بوجوب قيام دولة مثالية، وكان بعض من يستمعون إليهم على استعداد لأن يستخدموا أساليب العنف في تحقيقها. وكان يعلو عن هؤلاء قليلاً جماعات من العامة خسروا أملاكهم لعجزهم عن أداء ما عليها من رهون. وكان بعض جنود صلا القدامى قد عجزوا عن استغلال أراضيهم استغلالاً مربحاً، وكانوا مستعدين للاشتراك في أي اضطراب يتيح لهم فرصة لانتهاب المال بلا كد. وكان بين الطبقات العليا طائفة من المدنيين المفلسين العاجزين عن أداء ديونهم، والمضاربين الذين فقدوا كل أمل أو رغبة في الوفاء بالتزاماتهم، ومنهم من كانت لهم مطامع سياسية ولكنهم وجدوا سبل الرقي تسدها عليهم طائفة من المحافظين طالت آجالهم فوق ما ينبغي لها أن تطول. وكان إلى جانب هؤلاء كلهم عدد قليل من الثوار المخلصين لمثلهم العليا الذين
لا يخالجهم شك في أنه لا سبيل إلى تلطيف ما تئن منه الدولة الرومانية من فساد وظلم إلا بانقلاب كامل وثورة جارفة.
ولم يحاول أحد جمع هذه الطوائف المشتقة وضمها كلها في قوة سياسية مؤتلفة إلا رجل واحد هو لوسيوس سرجيوس كاتلين Lucius Sergius Catiline، وهو رجل لا نعرف عنه إلا ما يصفه به أعداؤه- أي ما نستقيه من تاريخ حركته كما كتبها سلست Sallust الغني صاحب الملايين، وما نقرأه من اتهامات ومثالب مقذعة في خطب شيشرون ضد كاتلين. فأما سلست فيصفه بأنه "روح ملطخ بالإجرام، هو والآلهة والناس على طرفي نقيض، لا يجد الراحة في نومه ولا في يقظته لأن ضميره قد قسا عليه فأتلف عقله المضني المنهوك. وكان هذا سبباً في صفرة وجهه، وحمرة عينيه، وهرجلته في مشيه، فتارة يسرع وتارة يبطئ؛ وملاك القول أن وجهه ونظراته لا تترك مجالاً للشك في أن بعقله خبالاً"(38). ذلك وصف يوحي بالصورة التي يرسمها لأعدائهم في الحرب أقوام يكافحون في سبيل الحياة والسلطان؛ حتى إذا ما وضعت الحرب أوزارها هذبت الصورة شيئاً فشيئاً. أما صورة كاتلين فلم تهذب قط؛ فقد اتهم في شبابه بافتراع عذراء فستية، وهي أخت غير شقيقة لزوجة شيشرون الأولى، وبرأت المحكمة العذراء من هذه التهمة ولكن ألسنة السوء لم تبرئ منها كاتلين، بل فعلت عكس هذا إذ أضافت إلى التهمة الأولى تهمة ثانية هي أنه قتل ابنه ليرضى بقتله عشيقته الغيور(39). ولسنا نجد ما تعارض به هذه القصص إلا قولنا إن عامة الناس في رومه- "الغوغاء اليائسين الجياع" كما يسميهم شيشرون- ظلوا أربع سنين بعد وفاة كاتلين ينثرون الأزهار على قبره(40). وينقل لنا سلست هذه الفقرة وهي كما يلوح فحوى خطبة له:
"منذ وقعت الدولة في قبضة عدد قليل من أقوياء الرجال... أصبح لهم فيها كل النفوذ والمنزلة والثروة، ولم يتركوا لنا فيها إلا الخطر والهزيمة والمحاكمات
والفقر.. وماذا بقي لنا في الحياة إلا الأنفاس التي تتردد في صدورنا؟... أليس خيراً لنا أن نموت شجعاناً من أن نفقد حياتنا اليائسة الذليلة بعد أن تصير لعبة في أيدي السفهاء"(41).
وكانت الخطة التي يريد أن يضعها لضم عناصر الثورة المتعارضة خطة سهلة بسيطة تتلخص في كلمتين هما "سجلات جديدة"، ويقصد بهما إلغاء الديون كلها إلغاء تاماً بلا قيد ولا شرط. وأخذ يعمل لهذه الغاية بهمة لا تعادلها إلا همة قيصر؛ والحق أنه نال إلى حين عطف قيصر إذا لم يكن قد نال في السر معونته. وقد قال شيشرون: "لم يكن ثمة شيء لا يستطيع فعله، ولم تكن ثمة آلام لا يقاسيها في سبيل تعاون عناصر الثورة ويقظتها وكدحها. وكان في وسعه أن يتحمل البرد والجوع والعطش"(42). ويقول لنا أعداؤه إنه نظم فرقة قوامها أربعمائة رجل عهد إليها قتل القنصلين والاستيلاء على أزمة الحكم في أول يوم من عام 65 ق.م فلما حل ذلك اليوم لم يحدث شيء غير هادي، وفي عام 64 ق.م رشح كاتلين نفسه للقنصلية ضد شيشرون وشن عليه حملة انتخابية شديدة
ولما وجد كاتلين أبواب السياسة موصدة أمامه ولى وجهه شطر الحرب، فجهز أتباعه سراً جيشاً في أتروريا من عشرين ألف مقاتل، وجمعوا في رومه عصبة من المتآمرين كان فيها ممثلون لجميع الطبقات من الشيوخ إلى الرقيق. وكان فيها
بريتوران هما سثيجس Sefhegus ولنتولس Lentulus، وتقدم كاتلين للقنصلية مرة أخرى في شهر أكتوبر التالي.
ويقول لنا المترجمون له من المحافظين إنه أراد أن يضمن لنفسه النجاح في هذا الانتخاب، فدبر قتل منافسه في أثناء الحملة، واغتيال شيشرون في الوقت عينه. وادعى شيشرون أنه علم بهذا التدبير فملأ "ميدان المريخ" بحرس مسلح، وأشرف بنفسه على عملية الانتخاب، وهزم كاتلين للمرة الثانية رغم تأييد الطبقات الدنيا وتحمسهم له. ويحدثنا شيشرون أنه في اليوم السابع من نوفمبر طرق بابه عدد من المتآمرين، ولكن حراسه صدوهم عنه وأبصر شيشرون في اليوم الثاني كاتلين في مجلس الشيوخ فأخذ يكيل له ذلك السباب الذي كان كل تلميذ ينطق به في وقت من الأوقات. وبينما كان الخطيب يصب اللعنات على كاتلين خلت المقاعد التي حوله واحداً بعد واحد حتى لم يبق في المجلس غيره. وتحمل وهو صامت سيل التهم الجارف والألفاظ المقذعة القاسية تنصب انصباب السياط على رأسه.
وأخذ شيشرون يستثير كل عاطفة من عواطفه، فشبه الأمة بالأب العام وشبه كاتلين بقاتل أبيه، واتهمه غمزاً وضمناً بغير دليل بأنه يأتمر بالدولة، وبالسرقة، والزنى، والأفعال الجنسية الشاذة، وتوجه آخر الأمر إلى جوف Jove أن يقي رومه السوء، وأن يصب عذابه السرمدي على كاتلين.
ولما أتم شيشرون خطبته خرج كاتلين من المجلس دون أن يعترضه أحد، وانضم إلى قواته في إتروريا. وأرسل قائده لوسيوس منليوس Lucius Manlius آخر نداء له إلى مجلس الشيوخ وقال فيه:
إنّا لنُشهد الآلهة والناس على أننا لم نمتشق الحسام لنقاتل به بلدنا، أو نهدد به سلامة بني وطننا. وكل الذي يدفعنا نحن المعدمين البائسين الذين تضافر علينا عنف المرابين وقسوتهم فشردونا من أوطاننا، وحكم علينا
بالفاقة والحرمان، وأصبحنا سخرية للساخرين- كل الذي يدفعنا إلى ما نحن فاعلوه هو رغبتنا في أن نحمي أنفسنا من الظلم. وأما المال وأما السلطان، وهما أكبر أسباب النزاع بين بني الإنسان، فلا مأرب لنا فيهما، بل كان الذي نطلبه هو الحرية، ذلك الكنز الذي لا يفرط فيه الإنسان إلا حين يسلم الروح. وإنــّا لنتوسل إليكم أيها الشيوخ أن تستشعروا الرحمة على بني وطنكم المعذبين(44)!.
وخطب شيشرون في اليوم الثاني خطبة وصف فيها أتباع منافسه العاصي بأنهم طائفة ملتفة حول عصبة من الضالين المارقين المتعطرين، وأطلق العنان لعبقريته فاخترع كل ما أسعفته به من سخرية وسباب، وختم خطبته مرة أخرى بنغمة دينية. وعرض على مجلس الشيوخ في الأسابيع التالية ما زعم أنه براهين تثبت أن كاتلين قد حاول أن يشعل نار الثورة في بلاد الغاليين، وأفلح في اليوم الثالث من ديسمبر أن يقنع أولي الأمر بالقبض على لنتولس، وسثيجس وخمسة غيرهما من أتباع كاتلين. وصرح في خطبة ثالثة له بالجريمة التي ارتكبوها، وأعلن أنهم قد زجوا في السجن، وأبلغ المجلس والشعب أن المؤامرة قد أخفقت، وأن في وسعهم أن يعودوا إلى بيوتهم آمنين مطمئنين. وفي اليوم الخامس من ديسمبر دعا مجلس الشيوخ إلى الاجتماع وسأله عما يفعله بالمعتقلين، فاقترح سلانوس أن يقتلوا، وأشار قيصر أن يكتفي بسجنهم، وذكر الشيوخ بأن قانون سمبرونيوس يحرم إعدام المواطن الروماني. ونصح شيشرون في خطبة له رابعة أن يعدموا، وكان في هذه المرة رقيقاً في نصحه، غير عنيف في عرضه. وأيد كاتو بفلسفته هذا الرأي، ورجحت كفة القائلين بالإعدام. وحاول بعض الشبان من الأشراف أن يغتالوا قيصر وهو خارج من قاعة المجلس ولكنه نجا من شرهم.
وذهب شيشرون ومعه رجال مسلحون إلى السجن الذي كان فيه المعتقلون، وهناك نفذ الحكم على الفور، ثم أرسل ماركس أنطونيوس زميل شيشرون في القنصلية، ووالد ماركس أنطونيوس الذائع الصيت- أرسل على رأس جيش
روماني للقضاء على قوة كاتلين. ووعد مجلس الشيوخ أن يعفو عن كل رجل يترك صفوف الثوار، وأن يمنحه فوق ذلك مائتي ألف ستسرس. ولكن "أحداً لم يفر من معسكر كاتلين" على حد قول سلست. ودارت رحى القتال بين الجيشين في سهول بستويا Pistoia (61). وقاتل الثوار، وكانوا ثلاثة آلاف رجل، قتال الأبطال، ودافعوا عن أعلامهم- نستور ماريوس- العزيزة عليهم إلى آخر رجل منهم رغم ما كانوا عليه من قلة بالنسبة لأعدائهم. ولم يستسلم واحد منهم أو يفر من الميدان، بل ماتوا جميعاً في المعركة كما مات بينهم كاتلين نفسه.
وإذ كان شيشرون من رجال الفكر لا من رجال العمل، فقد أدهشه وأثر فيه ما أظهره من المهارة والشجاعة في القضاء على هذه الفتنة الصماء. ومن أقواله في مجلس الشيوخ: "إني ليخيل إليّ أن تدبير هذا العمل العظيم يتطلب حكمة فوق حكمة الآدميين"(45) وشبه نفسه برميولوس، ولكنه قال إن حفظ رومه أعظم من تشييدها(46).
وتبسم الشيوخ وكبار الموظفين ضاحكين من قوله، ولكنهم كانوا يعلمون أنه هو الذي أنجاهم، وهتف له كاتو وكاتلس ولقباه بأبي الوطن Pater Patriae. ويحدثنا هو عن نفسه بقوله إنه لما اعتزل منصبه في عام 63 ق.م قدمت له جميع الطبقات ذوات الأملاك شكرها، ولقبته بالرجل الخالد، وسارت من حوله إلى بيته(47). ولم يشترك صعاليك المدينة في هذه المظاهرة، ذلك أنهم لم يغفروا له اعتداءه على قوانين رومه بقتله المواطنين دون أن يتيح لهم فرصة استئناف حكم الإعدام، وأحسوا بأنه لم يحاول قط إزالة أسباب ثورة كاتلين أو تخفيف أعباء الفقر عن جمهرة الشعب، ومنعوه أن يخطب في الجمعة في آخر يوم من حكمه، وكانوا يستمعون له وهم غضاب حين أقسم أنه قد حافظ على المدينة. والحق أن الثورة لم ينقض عهدها في ذلك الوقت بل اندلعت نيرانها فيما بعد حين أصبح قيصر قنصلاً.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق