المجلد الرابع
عصر الإيمان
مقدمة الترجمة
بسم الله الرحمن الرحيم
باسم الله نبدأ الجزء الأول من المجلد الرابع من مجلدات قصة الحضارة السبعة، وقد صدر منها بعد هذا مجلد خامس في حضارة عصر النهضة. أما هذا المجلد فيروي قصة حضارة العصور الوسطى من قسطنطين إلى دانتي، وهي فترة دامت أكثر من ألف عام. وقد أطلق المؤلف على هذا العهد اسم عصر الإيمان لأنه كان عصر العقيدة الدينية القوية، ولأن فيه أضحت المسيحية دين الدولة الرومانية، وفيه ظهر الدين الإسلامي وانتشر في آسية وأفريقية وأوربا، وبلغت الحضارة الإسلامية فيه ذروة مجدها في الشرق والغرب على السواء.
وهذا المجلد الرابع- وإن لم يشمل من الزمن إلا هذه الفترة القصيرة من تاريخ العالم- من أكبر مجلدات هذه القصة؛ فهو في الأصل الإنجليزي يبلغ نحو ألف ومائتي صفحة مقسمة إلى خمس "كتب" سنصدرها باللغة العربية في ستة أجزاء.
وهذه الفترة من أهم الفترات وأبقاها أثراً في تاريخ العالم، وحسبنا أن نعيد ما قلناه من قبل وهو أن فيها ثبتت دعائم المسيحية، وظهر الإسلام، وقام الصراع بين اليهودية والمسيحية. وفيها بدأت أوربا تتشكل، وتحطمت الإمبراطورية الرومانية وظهرت الأمم الأوربية الحديثة، ونشبت الحروب الصليبية، وظهر الإسلام وعم نوره الآفاق، ولاحت تباشير عصر النهضة
وسيجد القارئ ذلك كله مفصلاً في هذا الجزء والأجزاء التالية إن شاء الله.
ونرى مرة أخرى أن نكرر الشكر للإدارة الثقافية لجامعة الدول العربية وللجنة التأليف والترجمة والنشر وللقراء الكرام الذين كان إقبالهم على الأجزاء السابقة أكبر مشجع لنا على مواصلة الجهد في ترجمة هذا المجلد الضخم ونرجو ألا يطول انتظارهم لبقية الأجزاء.مقدمة
إلى القارئ
إن الغرض الذي أبغيه من تأليف هذا الكتاب هو أن أعرض على القارئ قصة حضارة العصور الوسطى من عام 325 م إلى عام 1300 كاملة بقدر ما تتسع لها صفحاته، بعيدة عن الهوى بقدر ما تسمح له الطبيعة البشرية، والطريقة التي اتبعتها في تأليفه هي النظر إلى التاريخ كله على أنه وحدة شاملة يكمل بعضه بعضاً، أي تصوير جميع مظاهر حضارة من الحضارات أو عصر من العصور في صورة جامعة شاملة، وإيراد قصة تلك الحضارة وذلك العصر بهذه الطريقة عينها. ولذلك كان اضطرارنا إلى الإحاطة بجميع النواحي الاقتصادية، والسياسية، والقانونية، والحربية، والأخلاقية، والاجتماعية، والدينية، والتربوية، والعلمية، والطبية، والفلسفية، والدبية، والفنية لأربع حضارات متباينة- البيزنطية، والإسلامية، واليهودية، والأوربية الغربية، مما جعل وحدة المنهج والإيجاز من اشق الأمور. فأما من حيث الوحدة فإن التقاء الحضارات الأربع واصطراعها أيام الحروب الصليبية قد خلع على هذا المنهج شيئاً منها، وأما الإيجاز ففي وسع القارئ المتعب، الذي يرهقه طول الكتاب، أن يجد شيئاً من العزاء إذا علم أن المخطوط في صورته الأصلية كان يزيد على هذا النص الذي بين يديه بقدر نصف طوله
على أن في وسع القارئ غير المتخصص أن يمر ببعض الفقرات العويصة
دون أن يقف عندها طويلاً، ولن يخل هذا بسياق القصة أو يشوه الصورة. وهذا المجلد هو القسم الرابع من قصة الحضارة التي ستكون بعد تمامها مؤلفة من ستة أقسام
والخطة التي اتبعناها في هذه الأقسام الستة هي أن يكون كل منها وحدة مستقلة بذاتها، ولكن القراء الذين درسوا "القيصر والمسيح" سيجدون أن من السهل عليهم أكثر من غيرهم أن يمسكوا بخيوط القصة التي نرويها في هذا الكتاب. وسيضطرنا تاريخ الحوادث وتسلسلها إلى أن نبدأه بأقل ما يعني به الناس عادةً من نواحي حضارة العصور الوسطى الرباعية وهو الحضارتان البيزنطية
والإسلامية؛ وسيدهش القارئ المسيحي من كثرة الصحف التي اختصصنا بها الثقافة الإسلامية كما أن العالم الذي درس حضارة الإسلام سيأسف أشد الأسف للحيز الضيق الذي خصصنا به حضارة المسلمين الزاهرة في العصور الوسطى ولاضطرارنا إلى اختصار تاريخها هذا الاختصار الشديد. ولقد بذلنا جهدنا على الدوام في أن نكون بعيدين عن الهوى والتحيز، وأن ننظر إلى كل دين وكل ثقافة كما ينظر إليهما أهلهما؛ ولكنا مع هذا لا ندعي العصمة من الهوى، ولا ننكر انه قد بقي في قصتنا شيء من التحيز في اختيار مادة الكتاب وفي توزيع صحفه على موضوعاته المختلفة إن لم يكن في غير هاتين الناحيتين. ذلك أن العقل كالجسم سجين في جلده لا يستطيع الفكاك منه.
ولقد أعدنا كتابة المخطوط ثلاث مرات، وكنا في كل مرة نكشف فيه عن أخطاء جديدة، وما من شك أنه ما يزال به كثير منها، غير أننا قد ضحينا بتحسين الجزء بغية إكمال الكل، وإنا لنرحب بكل ما يبلغ إلينا من هذه الأخطاء.
ولقد كان من الواجب أن نهدي هذا الكتاب إلى زوجتي كما أهديت إليها الكتب السابقة، فلقد ظلت سبعة وثلاثين عاماً تحبوني في صبر جميل بقدر من تسامحها، وحمايتها، وإرشادها، وإلهامها لا تفي به هذه المجلدات جميعها. ولكنها هي التي أشارت عليَّ بأن أهدي هذا الكتاب إلى ابنتنا، وإلى زوجها، وإلى حفيدنا.
ول ديورانت
في الثاني والعشرين من نوفمبر سنة 1949
الكتاب الأول
الدولة البيزنطية في أوج مجدها
325 - 565
الباب الأول
يوليان المرتد
632-63
الفصل الأول
تراث قسطنطين
لما أحس الإمبراطور قسطنطين بدنو أجله جمع حوله في عام 335 أبناءه وأبناء أخيه وقسم بينهم حكم الإمبراطورية الضخمة التي استولى عليها، وكان عمله هذا مثلاً من أمثلة الحمق الذي تدفع إليه معزة الأبناء. وقد خص ابنه الأكبر قسطنطين الثاني بالغرب -بريطانيا، وغالة، وأسبانيا؛ وخص ابنه قنسطنطيوس Constantius بالشرق -بآسية الصغرى، وسوريا، ومصر؛ وخص ابنه الأصغر قنسطانس Constans بشمالي أفريقية وإيطاليا، وإليركُم، وتراقية بما في ذلك العاصمتان الجديدة والقديمة -القسطنطينية وروما- وأعطى ابني أخ له أرمينية ومقدونية وبلاد اليونان. وكان الإمبراطور المسيحي الأول قد بذل حياته وحيوانات كثيرة غير حياته، إعادة الملكية، وتوحيد العقيدة الدينية في الدولة الرومانية؛ فلما مات في عام 337 تعرض هذا كله للخطر الشديد، ولم يكن أمامه إلا واحدة من اثنتين ليس فيهما حظ لمختار، فإما أن تقسم حكومة البلاد وإما أن تتعرض لخطر الحرب الأهلية؛ ذلك أن حكمه لم يدم حتى يخلع عليه القداسة طول الزمن، ولم يكن يضمن والحالة هذه أن تنعم البلاد بالسلم إذا خلفه
على العرش وارث واحد، ولهذا بدا له أن شر تقسيم البلاد بين عدة حكام أهون من شن الحرب الأهلية.
غير أن البلاد مع هذا لم تنج من الحرب الأهلية، ويسر الاغتيال حل مشكلة التقسيم. ذلك أن الجيش رفض كل سلطان عدا سلطان أبناء قسطنطين، واغتيل جميع الذكور من أقارب الإمبراطور السابق عدا جالس Dallus ويوليان Julian ابني أخيه، فأما جالس فكان عليلاً يرجى أن لا يطول حياته كثيراً، وأما يوليان فكان في سن الخامسة، ولعل سحر الطفولة هو الذي رقق قلب قنسطنطيوس الذي تعزو إليه الروايات المتواترة، ويعزو إليه أمنيوس، هذه الجرائم(1). وأوقد قنسطنطيوس مرة أخرى نار الحرب مع بلاد الفرس وهي حلقة من النزاع القديم بين الشرق والغرب، ذلك النزاع الذي لم تخمد جذوته في واقع الأمر من أيام مرثون، وأجاز لاخوته أن يبيد بعضهم بعضاً بسلسلة من الاغتيالات الأخوية. ولما أنفر بالملك (353) عاد إلى القسطنطينية، وحكم الدولة التي وجدت من جديد حكماً بذل فيه كل ما أتصف من عجز يصحبه الإخلاص، واستقامة شديدة، ولم يكن يهنأ له عيش لارتيابه في الناس وسوء ظنه يهم، ولا يحبه أحد لقسوته، ولا يرقى إلى مصاف العظماء لكبريائه وغروره.
وكانت المدينة التي سماها قسطنطين روما الجديدة Nova Roma، والتي سميت باسمه في أثناء حياته، قد أقامها على مضيق البسفور جماعة من المستعمرين اليونان حوالي عام 657 ق.م، وظلت ما يقرب من ألف عام تعرف باسم بيزنطية، وسيظل لفظ بيزنطى عنواناً لحضارتها وفنها على مر الأيام، ولم يكن ثمة موضع آخر في الأرض كلها أصلح منها لإقامة عاصمة لدولة ما. وقد أطلق عليها نابليون في تلزت Tilsit عام 1807 اسم إمبراطورية العالم، وأبى أن يسلمها إلى الروسيا التي كانت تتوق إلى السيطرة عليها مسوقة إلى هذا باتجاه ما يخترق بلادها من أنهار. وتستطيع الدولة المسيطرة عليها أن تغلق
في أي وقت تشاء باباً رئيسياً بين الشرق والغرب، وفيها تجتمع تجارة ثلاث قارات، وتفرغ غلات مائة من الدول، وهنا يستطيع جيش أن يصمد ليصد الفرس المتحضرين، والهون الهمح الشرقيين، وصقالبة الشمال، وبرابرة الغرب. وتحميها المياه الدافقة من جميع الجهات إلا جهة واحدة يستطاع حمايتها بالأسوار المنيعة، وتستطيع الأساطيل الحربية والسفن التجارية أن تجد في القرن الذهبي -وهو خليج صغير من خلجان البسفور- مرفأ أميناً يقيها هجمات السفن المعادية والأعاصير المدمرة. ولعل اليونان قد سموا هذا الخليج قرناً Keras لشكله الذي يشبه القرن، أما وصفه بالذهبي فقد أضيف إليه فيما بعد ليوحي إلى سامعيه بما ينعم به هذا المرفأ من ثروة عظيمة يأتي إليه بها السمك والحبوب والتجارة. ورأى الإمبراطور المسيحي أنه واجد في هذا المكان، بين السكان الذين تدين كثرتهم بالمسيحية، والذين طال عهدعم بالملكية والأبهة الشرقيتين، من تأييد الشعب ما لا يستطيع أن يجده في روما: وما يضن به عليه مجلس شيوخها المتغطرس وسكانها الوثنيين. وهنا عاشت الدولة الرومانية ألف عام بعد وفاته رغم هجمات جحافل البرابرة التي أغرقت روما فيما بعد، فقد هدد القوط، والهون، والوندال، والأفار، والفرس، والعرب، والبلغار، وللروس العاصمة الجديدة، وعجزوا جميعاً عن الاستيلاء عليها، ولم تسقط في تلك القرون العشرة إلا مرة واحدة، وكان سقوطها في أيدي الصليبيين المسيحيين الذين كان حبهم للذهب يزيد قليلاً على حبهم للدين. وظلت بعد ظهور الإسلام ثمانية قرون تصد جيوش المسلمين التي اكتسحت أمامها آسية وإفريقية، وأسبانيا. وفيها ظلت الحضارة اليونانية قائمة لا ينضب معينها تحتفظ للعالم بشعلة أنقذته فيما بعد من الهمجية، وعضت بالنواجذ على كنوزها القديمة، حتى أسلمتها آخر الأمر إلى إيطاليا في عصر النهضة، ومنها إلى العالم الغربي.
وفي عام 324 سار قسطنطين الأكبر على رأس جماعة من قواده الجند،
والمهندسين والقساوسة، وانتقل بهم من مرفأ بيزنطية، واجتاز ما حوله من التلال، ليرسم حدود العاصمة التي كان يعتزم إنشاءها. ولما عجب بعضهم من اتساع رقعتها رد على هؤلاء بقوله: "سأواصل السير حتى يرى الله الذي لا تدركه الأبصار أن من الخير أن أقف(2)". وكانت هذه سنته التي جرى عليها طوال حكمه، فلم يكن يتردد قط في القيام بأي عمل، أو النطق بأي لفظ، يمكن أن تنال به خططه أو دولته ذلك التأييد القوي الذي ينبعث من عاطفة الشعب الدينية وولائه للكنيسة المسيحية.
ثم جاء "إطاعة لأمر الله"(3)بآلاف الصناع والفنانين لإقامة أسوار المدينة، وحصونها، ودور المصالح الحكومية، وقصورها، ومنازل سكانها. وزين الميادين والشوارع بالفساقي، والأبهاء ذات العمد، وبالنقوش التي جاء بها من مختلف المدن في دولته الواسعة بلا تمييز بينها؛ وهداه حرصه على تسلية العامة وإيجاد متنفس ينصرف فيه شغبها واضطرابها، فأنشأ مضماراً للسباق تستطيع فيه الجماهير أن تشبع غريزة اللعب والمقامرة على نطاق لم يُر له مثيل إلا في روما أيام انحلالها. وأعلنت روما الجديدة عاصمة للدولة الشرقية في اليوم الحادي عشر من شهر مايو سنة 330: واتخذ ذلك اليوم بعدئذ عيداً يحتفل به في كل عام بأعظم مظاهر الأبهة والفخامة. وكان ذلك إيذاناً بانتهاء عهد الوثنية من الجهة الرسمية وبداية العصور الوسطى عصور انتصار الإيمان من الوجهة الرسمية أيضاً إذا صح ذلك التعبير. وبذلك انتصر الشرق في معركته الروحية على الغرب الظافر بقوته المادية الجسمية، وسيطر على الروح الغربية مدى ألف عام.
وما كان يمضي على اتخاذ القسطنطينية عاصمة للدولة حتى أصبحت أغنى مدائن العالم وأجملها وأعظمها حضارة، وظلت كذلك مدى عشرة قرون كاملة. وبينما كان عدد سكانها في عام 337 لا يزيد على 50.000 نسمة إذا هم يبلغون في عام 400 حوالي مائة ألف، وفي عام 500 ما يقرب من مليون(4). وثمة وثيقة
رسمية (يرجع تاريخها إلى حوالي عام 450) تقول إنه كان بالمدينة وقت كتابة هذه الوثيقة خمسة قصور إمبراطورية وستة قصور لسيدات الحاشية، وثلاثة لعظماء الدولة، و4388 من الدور الفخمة، و322 شارعاً، 52 مدخلاً ذا عمد؛ هذا فضلاً عن نحو ألف حانوت، ومائة مكان للهو، وكثير من الحمامات الفخمة، والكنائس المزدانة بالنقوش الجميلة، والميادين الواسعة العظيمة التي كانت متاحف حقه لفن العالم القديم(5). وقد أنشئت على التل الثاني من التلول التي كانت تعلو بالمدينة فوق ما يحيط بها من المياه سوق قسطنطين، وهي ساحة رحبة إهليلجية الشكل يدخل الإنسان إليها من كلا جانبيها تحت قوس من أقواس النصر. وكان يحيط بالساحة مداخل ذات عمد ، وتماثيل، وكان من ناحيتها الشمالية بناء فخم لمجلس الشيوخ، وفي وسطها عمود من حجر السماق يعلو فوق الأرض 120 قدماً، ويتوجه تمثال لأبلو، ويقال إن هذا العمود من صنع فدياس نفسه
وكان يمتد من السوق العامة في اتجاه الغرب طريق وسط تقوم على جانبيه قصور وحوانيت، وتظلله طائفة من العمد، ويخترق المدينة إلى الأوغسطيوم Augusteum، وهو ميدان واسع طوله ألف قدم وعرضه ثلاثمائة، وسمي بهذا الاسم نسبة إلى هلينا Helena أم قسطنطين بوصفها Augusta (العظيمة). وعند الطرف الشمالي من هذا الميدان قامت في صورتها الأولى كنيسة أيا صوفيا Sophia -أي كنيسة الحكمة القدسية. وكان عند طرفه الشرقي قاعة ثانية لمجلس الشيوخ؛ وعند طرفه الجنوبي شيد القصر الرئيسي للإمبراطور، كما شيدت حمامات زيوكسبس Zeuxippus الضخمة التي كانت تحتوي على مئات من التماثيل المنحوتة من الرخام، أو المصبوبة من البرنز. وعند الطرف الغربي للطريق الأوسط كان يقوم بناء ضخم مكون من عقود -يعرف باسم المليون Million
أو شاخص الميل- ومنه تتشعب الطرق العظيمة الكثيرة (التي لا يزال بعضها باقياً للآن)، والتي تربط عاصمة الدولة بمختلف ولاياتها. وهنا أيضاً في غرب الأوغسطيوم أنشئ ميدان السباق العظيم، وبينه وبين كنيسة أياصوفيا كان يمتد القصر الإمبراطوري أو القصر المقدس، وهو بناء معقد من الرخام تحيط به مائة وخمسون فداناً من الحدائق والأبواب ذات العمد. وانتشرت في أنحاء مختلفة من المدينة وضواحيها بيوت الأشراف. وفي الشوارع الجانبية الضيقة الملتوية المزدحمة بالسكان كانت حوانيت التجار ومساكن العامة على اختلاف أنواعها. وكان الطريق الأوسط ينتهي عند طرفه الغربي "بالباب الذهبي" في سور قسطنطين، ويطل من هذا الباب على بحر مرمرة. وكانت القصور تقوم على الشواطئ الثلاثة وتضطرب ظلالها الفخمة في أمواج البحار.
وكان جل أفراد الطبقة العليا من سكان المدينة من الرومان، أما الكثرة الساحقة من غير هذه الطبقة فكانوا من اليونان. وكان هؤلاء وأولئك وغيرهم من السكان يسمون أنفسهم "يونانا". وكانت اللاتينية لغة الدولة الرسمية، ولكن اليونانية ظلت لغة الشعب حتى حلت قبيل مستهل القرن السابع محل اللاتينية في المصالح الحكومية نفسها. وكانت تلي طبقة كبار الموظفين وأعضاء مجلس الشيوخ طبقة من الأشراف قوامها ملاك الأراضي الذين يقيمون في المدينة تارة وفي ضياعهم في الريف تارة أخرى. وكانت هناك طبقة أخرى هي طبقة التجار تحتقرها الطبقات السالفة الذكر ولكنها تنافسها في الثراء. وكان هؤلاء التجار يستبدلون ببضائع القسطنطينية والإقليم الذي من خلفها غلات بلاد العالم. ويلي طبقة التجار في المدينة طبقة أخرى مطَّردة الزيادة من موظفي الحكومة، ومن تحتهم أصحاب الحوانيت ورؤساء الصناع الذين يعملون في مختلف الحرف، وتليهم طبقة يعد أفرادها عمالاً أحراراً من الوجهة الرسمية الشكلية، لا حق لهم في الانتخابات العامة، جبلوا على الشغب والاضطراب، أذلهم الجوع وخضعوا
عادة لرجال الشرطة، يشترى هدوؤهم بالألعاب وسباق الخيل، وبما يوزع عليهم في كل يوم من الخبز أو الحبوب التي تبلغ ثمانين ألف مكيال، ليظلوا هادئين مسالمين. وكانت أحط طبقات المجتمع في القسطنطينية، كما كانت أحطها في سائر أنحاء الإمبراطورية، طبقة الأرقاء، وكان عددهم وقتئذ أقل من عددهم في روما أيام قيصر، وكانوا يلقون من المعاملة خيراً مما كانوا يلقونه في أيامه بفضل شرائع قسطنطين وتأثير الكنيسة التي خففت عن كاهلهم كثيراً من الأعباء، وأشعرت سادتهم الرحمة بهم والإشفاق عليهم.
وكان السكان الأحرار يخرجون من أعمالهم في مواسم معينة، ويجتمعون في ميدان السباق، فَيَغُص بهم على سعته. وكان في هذا الميدان مدرج طوله خمسمائة وستون قدماً وعرضه ثلثمائة وثمانون، وتتسع القاعدة لعدد من النظارة يتراوح بين ثلاثين ألفاً وسبعين(7)، يحميهم عن المجتلد خندق ذو شكل إهليلجي؛ وكان في وسعه خلال الفترات التي بين الألعاب أن يتنزهوا في طريق ظيل ذي خطار من الرخام طوله 2766 قدماً(8). وكان يخترق مضمار السباق جدار منخفض يمتد في وسطه في أكبر طوليه من إحدى نهايتيه إلى الأخرى ويسمى الأسبينا Spina أو عموده الفقري؛ وقد صفت التماثيل على جانبيه، وقامت في وسطه مسلة من مسلات الملك تحتمس الثالث جيء بها من مصر. وكان في طرفه الجنوبي عمود مكون من ثلاث جهات من البرنز ملتوية بعضها على بعض. أقيم في بادئ الأمر في دلفي تخليداً لذكرى معركة بلاثيه Plataea (479 ق.م)؛ ولا تزال المسلة والعمود قائمين حتى الآن. وقد ازدانت الكاثزما Rathisma أي مقصورة الإمبراطور في القرن الخامس بتماثيل لأربعة جياد من البرنز المذهب من عمل ليسيوس في الزمن القديم. وفي هذا المضمار كان يحتفل بالأعياد القومية العظيمة فتسير فيه المواكب، وتقام المباريات الرياضية، والألعاب البهلوانية، وتقتتل الحيوانات وتصاد، وتعرض الوحوش والطيور الأجنبية الغريبة. وبفضل التقاليد
اليونانية والعاطفة المسيحية كانت أسباب التسلية واللهو في القسطنطينية أقل قسوة من نظائرها في روما، وشاهد ذلك أننا لا نسمع في العاصمة الجديدة عن قتال المجالدين؛ ومع هذا فإن أشواط سباق الجياد والعربات البالغة أربعة وعشرين شوطاً، وهي الجزء الأهم من منهاج الاحتفالات كانت تثير في نفوس الجماهير ما تثيره حفلات الأعياد الرومانية في نفوس الرومان من حماسة بالغة. وكان ركاب الخيل والعربات المحترفون يقسمون إلى فئات زرق، أو خضر، أو حمر، أو بيض حسب من يستخدمونهم من أصحاب الخيل والعربات؛ وحسب ما يرتدون من ثياب؛ وعلى هذا النحو أيضاً يسقم النظارة، بل وينقسم سكان المدينة على بكرة أبيهم. وكان الحزبان الرئيسيان -الزرق والخضر- يقتتلان بالخناجر في المضمار وبالخناجر أحياناً في شوارع المدينة. ولم يكن في وسع السكان أن يعبروا عن مشاعرهم إلا في أثناء هذه الألعاب والمباريات، ففيها كانوا يطالبون بحقهم في أن ينالوا رعاية الحكام، أو في ما يريدونه من ضروب الإصلاح، أو في الشكوى من ظلم الحكام، كانوا في بعض الأحيان يعتبون على الإمبراطور نفسه وهو جالس في مقعده الأمين الرفيع الذي كان يتصل بقصره بمخرج يقوم عليه حراس مدججون بالسلاح.
أما فيما عدا هذا فقد كانت جمهرة السكان لا حول لها ولا طول من الناحية السياسية. ذلك أن دستور قسطنطين، الذي لم يكن في واقع الأمر إلا استمراراً لدستور دقلديانوس، كان دستور دولة ملكية مطلقة سافرة. وقد كان في وسع مجلسي الشيوخ في القسطنطينية وفي روما أن يناقشا المسائل المعروضة عليهما، وأن يشرعا، ويفصلان في بعض القضايا، ولكن هذا كله كان يخضع لحق الرفض المخول للإمبراطور. وقد استحوذ على حقوقهما التشريعية مجلس الحاكم الاستشاري المعروف باسم المجلس التشريعي الأعلى المقدس. يضاف إلى هذا أنه كان من حق الإمبراطور أن يسن القوانين بمراسيم يصدرها بنفسه، كما أن إرادته كانت هي
القانون الأعلى. وكان الأباطرة يرون أن الديمقراطية قد أخفت في تحقيق أغراضها، وأنها قد قضت على الإمبراطورية التي ساعدت هي على إقامتها. نعم أنه قد يكون في وسعها أن تحكم المدينة، ولكنها عجزت عن حكم مائة ولاية مختلفة الأوضاع. ولقد أسرفت في الحرية حتى جعلتها إباحية، ثم أسرفت في الإباحية حتى أصبحت فوضى، وحتى هددت حروبها الأهلية وحروب الطبقات الحياة الاقتصادية والسياسية لعالم البحر المتوسط، وانتهى دقلديانوس وقسطنطين إلى أن النظام لا يمكن أن يعود إلا بقصر المناصب العليا على الأشراف ما بين كنت Conites ودوق Duces. لا يختارون على أساس مولدهم، بل يعينهم الإمبراطور الذي يتحمل تبعة الحكم كاملة، ويستمتع بالسلطة كاملة، والذي تحيط به هالة رهيبة من المهابة، والترفع، والعزلة عن الشعب والأبهة الشرقية، وما تخلعه عليه الكنيسة من مراسم التتويج، والتقديس، والتأييد. ولعل هذا النظام كان له ما يبرره من الظروف المحيطة بالدولة في ذلك الوقت، ولكنه لم يفرض على إرادة الحاكم قيوداً إلا مشورة أعوان يهمهم أن يرضوه، وإلا خوفه من الموت المفاجئ. نعم إن هذا النظام قد أوجد أداة إدارية وقضائية قديرة إلى أقصى حدود القدرة، وأطال حياة الإمبراطورية البيزنطية نحو ألف عام كاملة، ولكنها اشترت هذه الحياة بالركود السياسي وبالجمود في كل مناحي الحياة العامة، وبمؤامرات الحاشية، ودسائس الخصيان، وحروب الوراثة، وبعشرات الثورات التي شبت نارها في القصر، والتي رفعت إلى العرش أباطرة كفاة في بعض الأحيان، ولكنها قلما رفعت إليه أباطرة ذوي استقامة خلقية؛ وما أكثر من رفعت إليه من المغامرين الذين لا ضمير لهم، أو من العصابات الألجركية، أو من الحمقى البلهاء.
الفصل الثاني
المسيحيون واليهود
في القرن الرابع الميلادي كانت الشؤون الكنسية، في عالم البحر المتوسط الذي تعتمد فيه الدولة اعتماداً كبيراً على الدين، قلقة مضطربة إلى حد شعرت الحكومة معه أن لا بد لها من أن تتدخل في أسرار الدين وخفاياه. ذلك أن مجمع نيقية الذي عقد في عام 325 لم يضع حداً للنقاش الحاد الذي احتدم أواره بين أثناسيوس وأريوس، بل ظل كثير من الأساقفة -كانوا هم الكثرة الغالبة في الشرق(9)- يناصرون أريوس، سراً أو جهراً؛ أي أنهم كانوا يرون أن المسيح ابن الله، ولكنه لا يشترك مع الأب في مادته ولا في خلوده. ولم يستنكف قسطنطين نفسه، بعد أن قبل قرار المجمع، وطرد أريوس من البلاد، أن يدعوه إلى اجتماع شخصي معه (331)؛ فلما أجتمع به لم يجد في أقواله ما يستطيع أن يعده خروجاً على الدين، وأوصى بأن ترد إلى أريوس وأتباعه كنائسهم. واحتج أثناسيوس على ذلك، فاجتمع في صور مجلس من أساقفة الشرق وقرر خلعه من كرسي الإسكندرية الديني (335)، وظل عامين طريداً في غاله. أما أريوس فقد زار قسطنطين مرة أخرى، وأعلن قبوله للعقيدة التي قررها مؤتمر نيقية بعد أن أضاف إليها تحفظات دقيقة لا ينتظر من إمبراطور أن يفهمها. وآمن قسطنطين بأقواله، وأمر الإسكندر بطريق القسطنطينية أن يقبله في العشاء الرباني. وفي هذا يقص سقراط المؤرخ الكنسي هذه القصة المحزنة المؤلمة:
"كان ذلك يوم السبت، وكان أريوس يتوقع أن يجتمع بالمصلين في اليوم الذي يليه، ولكن القصاص الإلهي عاجله فأحبط عمله الإجرامي الجريء. ذلك
أنه لما خرج من القصر الإمبراطوري... واقترب من العمود السماقي المقام في سوق قسطنطين، تملكه الرعب، وأصيب بإسهال شديد... خرجت فيه أمعاؤه من بطنه، وأعقبه نزيف حاد، ونزلت أمعؤه الدقاق. ومما زاد الطين بلة أن طحاله وكبده قد انفصلا من جدة النزيف ومات لساعته(10)".
ولما بلغ هذا التطهير العاجل مسامع قسطنطين بدأ يسأل نفسه: ألم يكن أريوس في واقع الأمر كافراً زنديقاً؟ لكنه لما مات في السنة التالية تلقى مراسيم التعميد على يد صديقه ومشيره يوسبيوس أسقف نقوميديا، وهو من أتباع أريوس نفسه.
وعني قسطنطين بشؤون الدين عناية أكثر جدية من عناية أبيه، فشرع يبحث بنفسه أبوة المسيح، وخرج من هذا البحث باعتناق مذهب أريوس، وشعر بأن واجبه الأدبي يحتم عليه أن يعرض هذه الآراء على جميع العالم المسيحي. وطرد أثناسيوس من كرسي الإسكندرية مرة أخرى (339)، وكان قد عاد إليه بعد موت قسطنطين. ودعيت مجالس الكنائس تحت إشراف الإمبراطور الجديد، وأيدت تشابه المسيح والأب دون اتحادهما في المادة. وأخرج الكهنة الذين استمسكوا بعقائد مجمع نيقية من كنائسهم، وكان الغوغاء في بعض الأحيان هم الذين يخرجونهم منها، وأتى على المسيحية نصف قرن من الزمان لاح فيه أنها ستؤمن بالتوحيد وتتخلى عن عقيدة ألوهية المسيح. وكان أثناسيوس في هذه الأيام العصيبة يقول عن نفسه أنه يقف وحده في وجه العالم كله، فقد كانت جميع قوى الدولة تقاومه، بل إن أتباع كنيسة الإسكندرية خرجوا عليه واضطر في خمس مرات مختلفة أن يفر من كرسيه معرضاً حياته في معظمها لأشد الأخطار، وأن يهيم على وجهه في البلاد الأجنبية. وظل خمسين عاماً (323-373) صابراً يكافح ويدافع عن عقيدته كما حددها مجمع نيقية بزعامته، مستعيناً على ذلك بمهارة الدبلوماسي وعنف الرجل البليغ، ولم تلن له قناة حتى بعد أن ضعف البابا
ليبريوس واستسلم. وإليه يرجع معظم الفضل في استمساك الكنيسة بعقيدة الثالوث.
وعرض أثناسيوس قضيته على البابا يوليوس الأول (340)، فرده يوليوس إلى كرسيه، ولكن مجمع من أساقفة الشرق عقد في أنطاكية (391)، وأنكر على البابا حقه في هذا الحكم، ورشح جريجوري، وهو رجل من أتباع أريوس، أسقفاً لكرسي الإسكندرية. لكن جريجوري لم يكد يصل إلى تلك المدينة حتى أثارت أحزابها المتنافسة فتنة صماء قتل فيها عدد كبير من الأهلين، واضطر أثناسيوس على أثرها إلى التخلي عن كرسيه حقناً للدماء (342)(11). وثارت في القسطنطينية فتنة أخرى من نوعها، كان سببها أن قسطنطيوس أمر أن يستبدل ببولس، الرجل الوطني المستمسك بالدين القويم، مقدونيوس الأريوسي، فهب جماعة من مؤيدي بولس يقاومون جند الإمبراطور، وقتل في الاضطرابات التي أعقبت هذه المقاومة ثلاثة آلاف شخص، وأغلب الظن أن الذين قتلوا من المسيحيين بأيدي المسيحيين في هذين العامين (342-343) يزيد عددهم على من قتلوا بسبب اضطهاد الوثنيين للمسيحيين في تاريخ روما كله. واختلف المسيحيون وقتئذ في كل نقطة عدا نقطة واحدة، هي أنه يجب إغلاق الهياكل الوثنية، ومصادرة أملاكها، واستخدام أسلحة الدولة التي كانت توجه من قبل لقتال المسيحية في قتال هذه المعابد وقتال من يتعبدون فيها(12). وكان قسطنطين قد قاوم القرابين والاحتفالات الوثنية وإن لم يكن قد حرمها تحريماً باتاً؛ فلما جاء قنسطانس حرمها وأنذر من يعصى أمره بالموت؛ ثم جاء قنسطنطيوس فأمر بإغلاق جميع الهياكل الوثنية في الدولة، ومنع جميع الطقوس الوثنية، وأنذر من يعصى أمره بقتله ومصادرة أملاكه، كما فرض هاتين العقوبتين بعينهما على حكام الولايات الذين يهملون تنفيذ هذا الأمر(13)، ومع هذا كله فقد بقيت جزائر وثئبة متفرقة في بحر المسيحية الآخذ في الاتساع، فكان في المدن القديمة -أثينة، وأنطاكية، وأزمير، والإسكندرية
وروما- وبخاصة بين الأشراف وفي المدارس طوائف كبيرة من الوثنيين متفرقين في أحيائها المختلفة. وظلت الألعاب تقام في أولمبيا إلى أيام ثيودوسيوس الأول (379-395)، والطقوس الخفية يحتفل بها في إلوسيس: حتى جاء ألريك فهدم هيكلها في عام 396؛ ولم تنقطع مدارس أثينة عن إذاعة تعاليم أفلاطون، وأرسطو، وزينون، وإن فسرتها تفسيرات تلطف من وثنيتهم. (أما تعاليم أبيقور فقد حرمت وأصبح اسم هذا الفيلسوف مرادفاً للكفر). وظل قسطنطين وولده يؤديان ما كان مقرراً من رواتب لرؤساء المدارس الفلسفية وأساتذتها الذين يكونون ما يمكن أن نسميه ببعض التساهل جامعة أثينة؛ كما ظل المحامون والخطباء يهرعون إلى تلك المدينة ليتعلموا فيها أساليب الخطابة وحيلها؛ وكان السفسطائيون الوثنيون -أو معلمو الحكمة- يعرضون بضاعتهم على كل من يستطيع شرائها. وكانت أثينة كلها مولعة ومعجبة ببروهيرسيوس Prohaeresius، الذي جاء شاباً فقيراً، واشترك مع طالب آخر في فراشه وردائه، ومازال يرتقي حتى شغل كرسي البلاغة الرسمي، واحتفظ حتى سن السابعة والثمانين بوسامته، وقوته، وفصاحته، احتفاظاً جعل تلميذه يونبيوس يرى أنه "إله لا يهرم ولا يموت"(14).
ولكن حامل لواء السوفسطائيين في القرن الرابع هو ليبانيوس Libanius وكان مولده في أنطاكية عام 314؛ ولكنه انتزع نفسه من أمه المولعة به، ووفد إلى أثينة للتعلم والدرس، ولما عرض عليه في بلده أن يتزوج من وارثة غنية إذا بقي فيها قال إنه يرفض الزواج من إلهة إذا حال بينه وبين رؤية دخان أثينة(15). ولم يكن يرى أن معلميه في هذه المدينة أنبياء ملهمون بل كان يراهم مجرد منبهين إياه للتأمل والتفكير، ولهذا فقد علم هو نفسه وسط متاهة من الأساتذة والمدارس. وبعد أن ظل يحاضر وقتاً في القسطنطينية ونقوميديا عاد إلى أنطاكية (354)، وأقام فيها مدرسة ظلت مدى أربعين عاماً أشهر مدارس الإمبراطورية وأكثرها طلاباً. وقد بلغ من الشهرة (كما يؤكد لنا هو نفسه) حداً جعل الناس يتغنون بالفقرات الأولى من تعاليمه(16). وكان من بين تلاميذه أمياتس مرسلينس
Ammianus Marcellinus والقديس يوحنا كريسستوم St. John Chryaostom والقديس باسيلي St. Basil. وكان يستمتع برضاء الأمراء المسيحيين، وإن كان يخطب ويكتب في الدفاع عن الوثنية، ويقرب القرابين في الهياكل. ولما أضرب خبازو أنطاكية عن العمل اختاره الطرفان المتنازعان حكماً بينهما؛ ولما ثارت أنطاكية على ثيودوسيوس الأول اختارته المدينة المعذبة ليدافع عن قضيتها أمام الإمبراطور(17). وقد طالت حياته ما يقرب من جيل كامل بعد أن اغتيل صديقه يوليان، وبعد أن انهارت دعائم النهضة الوثنية.
وتشكلت وثنية القرن الرابع بأشكال مختلفة: فكان منها المثراسية، والأفلاطونية الجديدة، والرواقية، والكلبية، وكان منها الطقوس المحلية التي تقام لآلهة المدن أو الريف، ثم فقدت المثراسية مكانتها، ولكن الأفلاطونية الجديدة ظلت ذات قوة وأثر في الدين والفلسفة. وكان للعقائد التي كساها أفلوطين ظلاً من الحقيقة -كالقول بوجود نفس ثلاثية تؤلف بين الحقائق كلها وتربطها برباط واحد؛ وبالعقل أو الإله الوسيط الذي قام بعملية الخلق، والروح وهي بوصفها الجزء القدسي، والمادة وهي الجسم ومبعث الشر، وبمناطق الوجود التي هبطت على درجاتها غير المنظورة النفس البشرية من الله إلى الإنسان، والتي تستطيع أن ترقي عليها من الإنسان إلى الله- كان لهذه العقائد والأفكار الصوفية الخفية أثرها في آراء الرسولين بولس ويوحنا وفي كثير ممن حذا حذوهما من المسيحيين، وفي تشكيل كثير من العقائد المسيحية الخارجية على الدين القويم(18). وقد ضم أيمبلقوس Lamblichus من أهل خلقيس Chalcis السورية المعجزات إلى الشعائر الخفية في الفلسفة الأفلاطونية الحديثة، فقال أن الرجل المتصوف لا يكتفي بإدراك الأشياء التي لا تدركها الحواس بل أنه -بفضل اتصاله بالله في أثناء نشوته- قد أصبحت له مواهب ربانية من السحر والإطلاع على الغيب. ثم جمع مكسموس الصوري تلميذ أيمبلقوس بين دعوى المواهب الصوفية
والوثنية المؤمنة المخلصة الفصيحة التي انتصرت على يوليان وأخضعته لسلطانها. وإلى القاريء فقرة من أقوال مكسموس يدافع فيها عن استخدام الأوثان في العبادات الوثنية ويرد على استهزاء المسيحيين بها:
"الله الأب الذي صور كل ما هو كائن أقدم من الشمس ومن السماء، وأعظم من الزمان، ومن الخلود ومن مجرى الكينونة، لا يستطيع أن يسميه مشترع أو أن ينطق به صوت، أو أن تراه عين، لكننا نحن لعجزنا عن إدراك جوهره نستعين بالأصوات، والأسماء، والصور، وبالذهب المطروق، والعاج، والفضة، وبالنبات، والأنهار، وبالسيول، وقلل الجبال في إشباع حنينا إلى معرفته؛ ونداري عجزنا بأن ننحت من الطبيعة أسماء لكل ما هو جميل في هذا العالم... فإذا ما تاق يوناني لأن يتذكر الله حين يبصر تحفة فنية من عمل فدياس أو تاقت نفس مصري لهذه الذكرى فعبد الحيوان، أو مجد غيرهما ذكراه بعبادة نهر أو نار، فإن اختلافهم عني لا يغضبني؛ وكل ما أطلبه إليهم أن يلاحظوا وأن يذكروا، وأن يحبوا(19).
وكانت فصاحة ليبانيوس ومكسموس من الأسباب التي جعلت يوليان يرقد من المسيحية إلى الوثنية، ولما أن اعتلى تلميذهما عرش الإمبراطورية هرع مكسموس إلى القسطنطينية، وأنشد ليبانيوس في أنطاكية نشيد النصر والفرح: "ها نحن أولاء قد عدنا حقاً إلى الحياة، وهب على الأرض كلها نسيم السعادة لما أن حكم العالم إله حق في صورة إنسان"(20).
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق