الباب الثامن والعشرون
محاكم التفتيش في بداية عهدها
1000-1300
الفصل الأول
الإلحاد الألبجنسي
وصارت الحملة على رجال الدين سيلاً جارفاً في آخر القرن الثاني عشر فقد كان في عصر الإيمان مخابئ منعزل من التصوف الديني والعاطفة الدينية، بمنجاة من المسيحية الكهنوتية المنظمة، غير راضية عن أعمالها. وأقبلت على بلاد الغرب موجات جديدة من التصوف الشرقي لعلها سارت في ركاب الصليبيين العائدين إلى بلادهم. وجاءت من بلاد فارس عن طريق آسيا الصغرى وبلاد البلقان أصداء الأثينية المانوية
من خلق الله وعالم مادي من خلق الشيطان، وقالوا إن الشيطان هو يهوه الوارد ذكره في العهد القديم. وتكونت طائفة البجوميل bogomiles (أي أصدقاء الله) في بلغارية، وتسّموا فيها بهذا الاسم، وانتشروا في البوسنة بنوع خاص، وهو حموا بالسيف والنار في أوقات مختلفة في القرن الثالث عشر، واستماتوا في الدفاع عن أنفسهم، ثم استسلموا آخر الأمر (1463) للإسلام لا للمسيحية.
وظهرت في عام 1000 شيعة في طولوز (طلوشة) وأورليان، تنكر المعجزات وقدرة التعميد على غسل الذنوب ووجود المسيح في القربان المقدس، وتأثير الصلوات للقديسين. وأغفل أمرهم على إلى حين، ثم حوربوا، وأحرق ثلاثة عشر منهم أحياء في عام 1023. ونشأت شيع ملحدة أخرى شبيهة بهم، وأعقبت نشأتهم اضطرابات في كمبريه، ولينج (1025)، وجسلارGoslar (1052) وسواسون Soissons (1114)، وكولوني (1146)، وغيرها من المدن، أحصى منها برثلد الرجنزبرجي Bcrthold of regensburg مائة وخمسين شيعة في القرن الثالث عشر(1)، منها جماعات عديمة الضرر تلتقي ليقرأ بعضها إلى بعض الكتاب المقدس بلغتها القومية دون الاستعانة بقسيس، وليفسروا بأنفسهم ما فيه من عبارات اختلف الناس في تفسيرها، ومنها جماعات عدة كالهيوملياتي Humiliati في ايطاليا، والبنجوين Beguines والبلغارد Beghards في البلاد الوطيئة، تتمسك بالدين في كل شيء إلا في إصرارها المحير على ان يعيش القساوسة فقراء. وكان الفرنسيسكان شيعة من هذا الصنف، وكانت تعد من الشيع الملحدة ولم تنج من هذا إلا بشق الأنفس.
لكن الولدنزيين Waldenses لم ينجو من هذا المصير، فقد استأجر تاجر ثري يدعى بطرس والدوWaldo Pater في عام 1170 جماعة من العلماء ليترجموا الكتاب المقدس إلى اللانج دكLangue doc لغة جنوبي فرنسا. وأقبل على درس الترجمة بشغف، وخرج من هذا الدرس معتقداً أن من واجب المسيحيين
أن يعيشوا كما كان يعيش الرسل - ليس للواحد منهم ملك خاص. ثم نزل عن جزء من ثروته لزوجته، ووزع الباقي منها للفقراء، وقام يدعوا الناس إلى أن يعيشوا فقراء. وجمع حوله طائفة قليلة العدد هي (رجال ليون الفقراء) لبسوا مسوح الرهبان، وعاشوا عيشة العفة والطهارة، ومشوا حفاة أو منتعلين الصنادل، وكانوا ينفقون من مكاسبهم مشاعة (2). وصبر عليهم رجال الدين بعض الوقت فلم يعارضوهم في شيء، وسمحوا لهم بان يقرءوا أو ينشدوا في الكنائس (3).ولكن بطرس ضرب بمنجله محصول رجل غيره، منفذاً بذلك أوامر الإنجيل بحرفيتها؛ فأذكره رئيس أساقفة ليون بعبارة قوية أن الأساقفة وحدهم هم الذين يجوز لهم أن يعضوا الناس. وسافر بطرس إلى روما (1189)؛ وطلب إلى الإسكندر الثالث أن يمنحه إذناً بالوعظ، فأجابه البابا إلى طلبه على شريطة أن يوافق على ذلك رجال الدين المحليون، وأن يكون خاضعاً لإشرافهم. وواصل بطرس عظاته، دون أن يحصل على موافقة رجال الدين المحليين، وأصبح أتباعه من أشهر رجال الدين تمسكاً بالكتاب المقدس، وحفظوا فقرات طويلة منه عن ظهر قلب. واصطبغت هذه الحركة تدريجياً صبغة معادية لرجال الدين، ونبذتهم جميعاً، وأنكرت صحة العشاء الرباني الذي يقدمه قس آثم، وعزت إلى كل مؤمن طاهر القدرة على العفو عن الذنوب. وعارض بعض الأعضاء صكوك الغفران، وعقيدة المطهر، وتحول القربان المقدس إلى جسم المسيح ودمه، والصلاة للقديسين. وقامت طائفة منهم تنادي بأن "الأشياء جميعها يجب أن تكون ملكاً مشاعاً" (4). ونادت طائفة أخرى بأن الكنيسة هي المرأة الحمراء المذكورة في سفر الرؤيا (5). وصدر في عام 1148 قرار بحل هذه الجماعة، وقبل إنوسنت الثالث في الكنيسة عام 1206 فئة منها هي فئة "الكاثوليك الفقراء"، أما كثرتها الغالبة فقد أصرت على آرائها الخارجة على الدين، وانتشرت من فرنسا إلى أسبانيا وألمانيا. وأصدر مجلس عقد في طولوز عام 1229، ليقاوم في أغلب
الظن انتشار هذه الشيعة، قراراً يقضي بألا يمتلك شخص من غير رجال الدين كتباً مقدسة عدا كتب التراتيل والأدعية (ومعظمها مزامير )، وحرم عليهم أن يقرءوا هذه الكتب بغير اللغة اللاتينية، لأن الكنيسة لم تكن حتى ذلك الوقت قد بحثت أية ترجمة إلى اللغات القومية وأيدت صحتها (6). ولما قاومت حركة القضاء على الألبجنسيين حرق آلاف من أتباع ولدو؛ ومات بطرس نفسه في بوهيميا في عام 1217، ويبدو أنه مات ميتة طبيعية.
وقبل أن ينتصف القرن الثاني عشر كانت بلدان أوربا الغربية معششاً للشيع الملحدة، حتى قال أحد الأساقفة في عام 1190 إن "المدن ملآى بأولئك الأنبياء الكاذبين"(7)، وكان في ميلان وحدها سبعة عشر ديناً جديداً، وكان أهم الشيع الملحدة فيها شيعة البتريائيين Pararines - ويبدو أن اسمهم مشتق من بتاريا Pataria أحد الأحياء الفقيرة في البلدة. ويلوح أن هذه الحركة بدأت احتجاجاً على الأغنياء، ثم استحالت حركة ضد رجال الدين، وأخذت تندد بالرشا وبيع المناصب الكهنوتية، وثراء رجال الدين وزواجهم، وانتشار التسري بينهم، واقترحت كما قال أحد زعمائها "أن تصادر أموال رجال الدين، وأتباع أملاكهم بالمزاد، فإذا قاوموا فلتبح بيوتهم للنهب، "وليطردوا هم وأبناؤهم غير الشرعيين من المدينة"(8). ونشأت شيع مثلها ضد رجال الدين في فيتربو Viterbo، وأرفيتوOrvieto وفيرونا Verona ، وفرارا Ferrara وبارما parma وبياسنزا Piacenza، وريميني Rimini ...(9)، وكانت هذه الشيع في بعض الأوقات هي المسيطرة على الجمعيات الشعبية، والمستولية على زمام الحكم ، وبلغ من سلطانها أن فرضت الضرائب على رجال الدين لتمويل المشروعات المدنية(10). وأمر إنوسنت الثالث مندوبه في لميارديا أن يستقسم جميع موظفي البلديات ألا يعينوا أحداً من الملاحدة في أية وظيفة أو أن يوافقوا على أي تعيين من هذا القبيل. وثار الغوغاء في مدينة ميلان عام 1273 وأخذوا "يجهرون
بأقوال التجديف والسباب"، ودنسوا عدة كنائس "بالأقذار التي نستنكف عن ذكرها"(11).
وكانت أسماء مختلفة تطلق على الشيع الملحدة كلها، فكانت تسمى شيعة الكاثارى، وهذا اللفظ مشتق من كلمة يونانية معناها "الطاهر". أو البلغاري نسبة إلى أصلهم (ومن هذا اللفظ اشتقت كلمة "بجر Bugger" للسباب)، والألبجنستين نسبة إلى بلدة ألبي Albi التي كانوا يكثرون فيها بنوع خاص. وكانت مدائن منبليه، ونربونه ومرسيليا المراكز الفرنسية للشيع الملحدة، ولعل منشأ هذا هو اتصالها بالمسلمين واليهود، وتردد التجار من مراكز الإلحاد في البوسنة، وبلغاريا، وإيطاليا. ونشر التجار حركة الإلحاد في طولوز، وأرليان، وسواسون، وأراس، وريمس، ولكن لانجويدك Languedoc وبروفانس بقيتا حصتها الحصين. وكانت حضارة العصور الوسطى الفرنسية قد بلغت ذروتها في هاتين المقاطعتين، فكان أتباع الأديان الكبرى يختلفون فيهما متحابين كما يتحاب أهل الحضر المهذبون.
وكانت حساناً مزهوات، والأخلاق طليقة من القيود، وكان الشعراء الغزليون ينشرون الأفكار المرحة، وكان عصر النهضة وشيك البدء فيهما كما كان وشيك البدء في إيطاليا أيام فردريك. وكانت فرنسا الجنوبية تتألف وقتئذ (1200) من إمارات تكاد تستقل كل منها بشئونها لا يربطها بالولاء إلى ملك فرنسا إلا رباطٍ واه. وكان نبلاء طولوز هم أعظم السادة في ذلك الإقليم، فقد كانوا يملكون من الأراضي أكثر من أملاك الملك الخاصة. وكانت عقائد الكاثارى وشعائرهم من ناحية عودة إلى العقائد والأساليب المسيحية الأولى، وكانت ناحية أخرى ذكرى غامضة للإلحاد الأريوسي الذي انتشر في فرنسا الجنوبية في عهد القوط الغربيين، ومن ناحية ثالثة نتيجة للآراء المانوية وغيرها من الآراء الشرقية. وكان من بينهم رجال دين يرتدون ثياباً سوداء، ومطارنة يسمون
الكمل perfecti، يقسمون وقت ترقيتهم لهذه المناصب أن يتخلوا عن آبائهم أزواجهم، أبنائهم، أن يهبوا أنفسهم "للّه والإنجيل... ألا يقربوا امرأة قط، ولا يقتلوا حيواناً، ولا يأكل اللحم أو البيض أو منتجات الألبان، وألا يطمعوا إلا السمك والخضر. وكان أتباعهم "المؤمنون (Gredentes)" يتعهدون بأن يقسموا فيما بعد الأيمان على هذا، وكان يسمح لهم قبل أن يقسموها أن يأكلوا اللحم، ويتزوجوا ولكنهم كان يطلب إليهم أن يخرجوا من الكنيسة الكاثوليكية، وأن يسيروا نحو الحياة "الكاملة" ، وأن يحيوا كل واحد من الكمل بثلاث ركعات علامة على التعظيم.
ويتقسم فلسفة الكاثارى الدينية الكون كما يقسمه المانوية إلى الخير: اللّه والروح، والسماء، والشر، الشيطان،والمادة ، والعالم المادي. وتقول إن الشيطان لا اللّه هو الذي خلق العالم المرئي. وهي تعد المادة كلها شرا بما فيها الصليب الذي مات عليه المسيح والقربان المقدس، وتقول إن المسيح لم يكن يتحدث إلا مجازاً حين قال عن الخبز : "هذا جسمي"(13). وإذا كانت الأجسام كلها من المادة فإن كل اتصال بها يدنس المتصل، وكل الاتصال الجنسي إثم،وكان الجماع هو خطيئة آدم وحواء(14). ويصف أعداء الألبجنسيين أولئك القوم بأنهم يرفضون العشاء الربا،والقداس، وتعظيم الصور المقدسة، والتثليث، ولا يؤمنون بأن المسيح ولد من عذراء، وعندهم أن المسيح من الملائكة، ولكنه ليس هو اللّه. ويقال عنهم إنهم ينكرون الملكية الخاصة، ويأملون أن تقسم الطيبات بين الناس بالتساوي (15). وقد اتخذوا "عظة الجيل" أساساً لمبادئهم الأخلاقية ؛ وكانوا يعملون أن يحبوا اعداءهم، وأن يعنوا
بالمرضى والفقراء، وألا يقسموا قط، وأن يستمسكوا على الدوام بالسلم ؛ وكان يقال لهم إن العنف يتنافى مع الخلق الكريم،ولو كان موجهاً للكفار، وإن عقوبة الإعدام من أكبر الجرائم، وإن على الإنسان أن يوقن وهو مطمئن أن اللّه سينتصر
ولقد كان يسع الكنيسة أن تترك شيعة الكاثارى تقضى بنفسها على نفسها، لولا أن هذه الطائفة أخذت توجه سهام النقد إلى الكنيسة. فقد أنكرت أن الكنيسة كنيسة المسيح. وقالت إن القديس بطرس لم يأت قط إلى رومة، ولم يؤسس البابوية، وإن البابوات خلفاء الأباطرة لا خلفاء الرسل، وإن المسيح لم يجد له مكاناً يضع فيه رأسه، أما البابا فيسكن قصراً منفياً، وإن المسيح لم يكن له ملك ولا مال ولكن كبار رجال الدين المسيحيين من ذوي الثراء
العريض، وما من شك - كما يقول الكاثارى - في أن رؤساء الأساقفة، والأساقفة، ذوي الأملاك الواسعة، والقساوسة الدنيويين، والرهبان قسمان؛ هم الفريسيون Pharisees (الزنادقة)الأقدمون عادوا إلى الحياة من جديد ! ولم يكونوا يشكون في أن الكنيسة الرومانية هي "زانية بابل"، وأن رجال الدين هم زمرة الشيطان، وأن البابا هو المسيح الدجال(18). وكانوا ينددون بالداعين إلى الحروب الصليبية ويصفونهم بأنهم قتله(19)، وكان الكثيرين منهم يستهزئون بصكوك الغفران والمخلفات المقدسة. ويقال إن جماعة منهم صوروا العذراء في صورة قبيحة، عوراء، مشوهة الجسم، وادعوا أنهم يفعلون بهذه الصورة المعجزات ، وإن كثيرين من الناس آمنوا بقوة هذه الصور ة الزائفة، ثم كشفوا هم أنفسهم آخر الأمر عن سخريتهم(20). ونشرت كثير من آراء الكاثارى عن طريق الأغاني التي يذيعها شعراء الفروسية الغزلون، ولم يكن هؤلاء ممن تعجبهم تعاليم المسيح الأخلاقية وإن لم يعتنقوا آراء الشيعة الجديدة . غير أن جميع زعماء هذه الطائفة من الشعراء كانوا يعدون من أنصار الألبجنسيين، فقد كانوا يسخرون من الحج، والاعتراف، والماء المقدس، والصليب، وكانوا يسمون الكنائس "معششات اللصوص"، كما القساوسة الكاثوليك في رأيهم "خونة، كاذبين، منافقين"(21).
وظل رجال الدين والسلطة الزمنية في فرنسا الجنوبية حيناً من الدهر يبدون الكثير من التسامح مع طائفة الكاثارى، ويلوح أنهم أجازوا الجمهرة الشعب أن تختار بملء حريتها بين الدينين القديم والجديد(22). وعقدت مجالس عامة تتنافس فيها فقهاء الكاثارى والكاثوليك ، منها واحد عقد في كاركسون Carcassonne حضرة مندوب من قبل البابا وآخر من قبل بجر والثاني ملك أرغونة (1204). وكذلك عقدت عدة فروع مختلفة من الكاثارى مجلساً من رجال دينها في عام 1176، وحضرة ممثلون لهذه الفروع من بلاد مختلفة.
وتباحث المجتمعون في عقائد هذه الشيعة ؛ ونظمها؛ وشئونها الإدارية، ووضعت قواعد تسير بمقتضاها، وانفض المجتمعون دون أن يتعرض لهم أحد(23). وفوق هذا فإن الأشراف رأوا أن من الخير لهم أن يضعفوا سلطات الكنيسة في لانجويدك، ذلك أن هذه الكنيسة كانت واسعة الثراء تمتلك الكثير من الأرض، على حين الأشراف كانوا إذا قيسوا إليها فقراء، ولهذا شرعوا ينتزعون بعض أراضيها. وحدث في عام 1171 أن هاجم فيكونت بيزيير Beziers ديراً من الأديرة، وزج أسقف ألبى Albi في السجن ، وعين أحد الخارجين على الدين لحراسته. ولما أن اختار رهبان آلية Allet رئيساً عليهم ممن لا يرضى عنهم الفيكونت أحرق الدير وزج بالرئيس في السجن. فلما مات السجين نصب الفيكونت المرح جثته في المنبر، وأرغم الرهبان على أن يختاروا في مكانه رئيساً يرتضيه. كذلك طرد ريمند روجر Raymond Roger كونت فوا foix رئيس دير باميير Pamiers ورهبانه من ديرهم ، وأطعم خيله الشوفان من فوق من فوق المذبح، وأستخدم جنوده أذرع الصلبان التي عليها صورة المسيح مصلوباً وأرجلها مدقات لطحن الحبوب، واتخذوا صورة المسيح هدفاً للتدريب على الرماية. وهدم ريمند كونت طولوز عدداً من الكنائس، واضطهد رهبان مواساك Moissac، وطرد من حظيرة الدين (1196)، ولكن الحرمان الديني كان وقتئذ أمراً لا قيمة له في نظر الأشراف المقيمين في فرنسا الجنوبية، واعتنق الكثيرون منهم آراء الكاثارى الإلحادية، أو بسطوا على معتنقيها حمايتهم(24).
ولما جلس إنوسنت الثالث على كرسي البابوية في عام 1198 رأى في هذه التطورات خطراً محدقاً بالكنيسة والدولة جميعاً. لقد كان يرى بعض العذر فيما يوجه إلى الكنيسة من نقد، ولكنه كان يحس بأنه لا يستطيع أن يقف مكتوف اليدين ، يرى هذا الصرح الديني العظيم الذي وضع له أكبر الخطط، وعقد عليه أنبل الآمال، والذي بدا له أقوى عاصم من العنف البشرى، والفوضى
الاجتماعية، ومن ظلم الملوك-، يرى هذا الصرح يهاجم منأساسه، وتغتصب ممتلكاته، وتهان كرامته، ويتعرض لضرب السخرية والتجديف. لقد ارتكبت الدولة هي أيضا كثيراً من الذنوب، واحتضنت الفساد والموظفين الفاسدين، ولكن البلهاء وحدهم هم الذين يرغبون في القضاء عليها. وهل يستطاع إقامة نظام اجتماعي دائم على المبادئ التي تنهى عن الأبوة، وتدعو إلى الانتحار وهل يفلح نظام اقتصادي يمجد الفقر ويخلو من كل ما في الملكية من حافز إلى السعي والعمل؟ وهل يستطاع إنقاذ العلاقات الجنسية بين النساء والرجال. وتنشئة الأطفال، من الفوضى الوحشية إلا بنظام كنظام الزواج. وقد بدأت عقائد الكاثارى لإنوسنت كأنها خليط من السخف، نفشت فيها سذاجة الجماهير سما زعافاً؟ وما فائدة حرب صليبية توجه إلى المسلمين في فلسطين إذا ظل هؤلاء الألبجنسيون يتضاعفون في قلب العالم المسيحي نفسه؟
وكتب إنوسنت بعد شهرين من توليته إلى رئيس أساقفة أوتش Auch في غسقونية يقول :
إن قارب القديس بطرس الصغير تتلقفه العواصف وتتقاذفه أمواج البحر، ولكن أشد ما يحزنني ويقض مضجعي... أن قامت في هذه الأيام فئة لم نر لها فيما مضى مثيلا في تحررها من جميع القيود وفي شدة أذاها، قد ارتكبت أخطاء لا يرتكبها إلا الشياطين ، وأخذت توقع نفوس السذج من الناس في حبائلها، وتفسد بخرافاتها وبدعها الكاذبة معاني الكتاب المقدس ، وتحاول أن تهدم وحدة الكنيسة الكاثوليكية. وإذ كان... هذا الوباء قد أخذ ينتشر في غسقونية والأقاليم المجاورة لها، فإنا ندعوكم أنتم والأساقفة زملاءكم إلى مقاومته بكل ما أوتيتم من قوة... وقد أصدرنا إليكم هذا الأمر القوي النافذ أن تقضوا على هذه الفئات الملحدة بكل ما تستطيعون من الوسائل، وأن تخرجوا من
أسقفيتكم كل من أصابهم دنسها... وفي وسعكم إذا اضطررتم أن تجعلوا الأمراء والشعب يقضون عليهم بحد السيف.(25)
ويبدو أن رئيس أساقفة أوتش - وهو رجل متسامح مع غيره كما هو متسامح مع نفسه - لم يقم بالعمل الذي تدعوه هذه الرسالة إلى القيام به، أما رئيس أساقفة تربونة وأسقف بيزيير فقد قاوما المندوبين اللذين عينهما إنوسنت لينفذا أوامرهم وحدث حوالي ذلك الوقت أن اعتنقت ست سيدات تتزعمهن أخت كونت فواه مبادئ الكاثارييين، وكان ذلك في احتفال عام شهده كثير من النبلاء، فما كان من إنوسنت إلا أن استبدل بمندوبيه المحققين مندوباً آخر أشد منهم بطشاً وأمضى عزيمة ، وكان هذا المندوب هو أرنود Arnaud رئيس الرهبان السسترسيين (1204) ومنحه قوات غير عادية تجيز له أن يفحص ويحقق في جميع أنحاء فرنسا. وأمره أن يعرض على ملك فرنسا وأشرافها عفواً شاملا لكي يساعدوه في القضاء على شيعة الكاثارى الملحدة، ثم عرض البابا على فليب أغسطس فضلا عن هذا أن يمنحه نظير هذه المساعدة جميع الأراضي التي يمتلكها من يأبون الانضمام إلى حملة صليبية ضد الألبجنسين(26). لكن فليب تردد في قبول هذا العرض لأنه كان قد أتم قبيل ذلك الوقت فتح نور مندية، وكان في حاجة إلى متسع من الوقت يهضم فيه هذا الكسب الجديد. ووافق ريمند السادس صاحب طولوز أن يستخدم طريقة الإقناع مع الملحدين، ولكنه أبى أن يشترك في تشن عليهم، فما كان من إنوسنت إلا أن أصدر عليه قرار الحرمان، فلما وعد ريمند بأن يجيب البابا، عاد إلى التباطؤ والإهمال، وقال أحد الفرسان الذين أمرهم مندوب الباب بطرد الكاثارى من أرضه، "كيف نفعل هذا وقد نشأنا مع هؤلاء القوم ومنهم بعض أهلينا، ونراهم يعيشون بيننا معيشة الصالحين؟"(27). وأقبل على القوم القديس دمينك من أسبانيا، وأخذ يخطب داعياً إلى مسالمة الزنادقة، وعاد
بعضهم إلى الدين القويم متأثرين بتقواه وصلاحه(28). ولعل المشكلة كانت بهذه الطريقة يصاحبها إصلاح شأن رجال الدين لو لم يقتل بيير ده كاستلنو Pierre de Castelnau أحد مندوبي البابا بيد فارس بسط عليه ريمند بعدئذ حمايته(29). وكان إنوسنت قد رأى جهوده التي بذلها نحو عشر سنين طوال ضد هذه الطائفة الملحدة تبوء بالخيبة، فلجأ إلى أساليب العنف الشديد، وحرم ريمند ومحرضيه من الكنيسة، وأصدر قرار التحريم ضد الأراضي الخاضعة لهم ، وعرض هذه الأراضي على كل مسيحي يستطيع القبض عليهم، ودعا المسيحيين في جميع أقطار العالم إلى حرب صليبية ضد الألبجنسيين ومن يحمونهم. وأجاز فليب أغسطس لكثيرين من بارونات مملكته أن يتطوعوا في هذه الحرب، وجاءت فصائل من ألمانيا وإيطاليا. ووعدت جميع من يشتركون في هذه الحرب بالغفران الشامل الذي وعد به من يحملون الصليب للقتال في فلسطين. وطلب ريمند المغفرة، وكفر عن ذنبه علنا (ضرب بالسوط وهو نصف عار في كنيسة القديس جيل St. Gills) ونال المغفرة للمرة الثانية واشترك في الحرب المقدسة (1209).
وقاوم معظم سكان لانجويدك، خاصتهم وعامتهم على السواء، أولئك الصليبيين، لأنهم رأوا في هجوم أشراف الشمال وجنوده المغامرين محاولة تبغي الاستيلاء على أرضهم تحت ستار الغيرة الدينية، بل إن المسيحيين الصادقين من أهل الجنوب قاوموا غارات أهل الشمال(30). ولما اقترب الصليبيون من بيزيير عرضوا عليها أن يجنبوها ويلات الحرب إذا ما سلمت إليهم جميع الملحدين الذين دون أسقفها أسماءهم، ولكن زعماء المدينة رفضوا هذا العرض وقالوا إنهم يفضلون أن يضرب عليهم الحصار حتى يضطروا إلى أكل أطفالهم فما كان من الصليبيين إلا أن تسلقوا أسوار المدينة، واستولوا عليها، وقتلوا من أهلها عشرين ألفا من الرجال والنساء والأطفال بلا تمييز بينهم، وحتى الذين احتموا منهم
بالكنيسة لم ينجو من القتل(31). ومن القصص التي شاعت وقتئذ قصة لا نجد لها سنداً إلا فيما كتبه قيصر يوس هيسترباخ Caesarius Heisterbach بعد عشرين عاماً من ذلك الوقت، وهي تقول إن أرنود Arnaud مندوب البابا سئل هل يؤمن الكاثوليك على حياتهم فلا يقتلون، فأجاب: " اقتلوهم جميعاً فاللّه يعلم من هم أنصار"(32) ولعله كان يخشى أن يجهر جميع المغلوبين وقتئذ باعتناق الدين القويم، ثم يعودون بعد إلى ضلالهم. ولما حرقت بيزيير عن آخرها تقدم الصليبيون بقيادة ريمند ليهاجموا حصن كاركسون حيث وقف روجر كونت بيزيير وابن أخي ريمند وقفته الأخيرة يدافع عن الحصن، لكن الحصن سقط في أيدي الماجمين ومات روجر بزحار البطن.
وكان أكثر القواد شجاعة في هذا الحصار هو سيمون ده مونت فورت Simon de Montfort . وقدولد سيمون هذا في فرنسا حوالي عام 1170 وكان أكبر أبناء سيدمونت فورت القريبة من باريس. وأصبح سيمون بعدئذ إيرل ليست Earl of Leicester، وهو لقب ورثه عن أمه الإنجليزية. وقد استطاع سيمون أن يجمع بين التقي العظيم والحروب العوان، كما استطاع ذلك كثيرون من رجال وقته المتغطرسين. فكان يستمع إلى الصلوات في كل يوم، واشتهر بطهره وعفافه ونال شهرة عظيمة في حروب فلسطين. وأخذ في هذه الحرب الألبجنسية يهاجم بجيشه الصغير المؤلف من 4500 رجل بلدة في إثر بلدة يستحثه مندوب البابا، ويسحق كل ما يعترضه من مقاومة، ويعرض على الأهلين أن يختاروا بين يمين الولاء للكنيسة الرومانية أو القتل لأنهم مارقون، واختار آلاف منهم أن يقسموا يمين الولاء، وفضل مئات أن يقتلوا(33). وواصل سيمون حملاته أربعة أعوام خرب فيها أملاك كونت ريمند كلها تقريباً ما عدا طولوز، حتى استسلمت له طولوز نفسها في عام 1215، واجتمع مجلس من مندوبي البابا في منبلييه وقرر خلع كونت ريمند، وورث سيمون لقبه والجزء الأكبر من أملاكه.
ولم يكن إنوسنت الثالث راضياً كل الرضا عن هذه الاعمال، فقد هاله أن يجد أن الصليبيين استولوا على أملاك رجال لم يخرجوا قط على الدين وأن هؤلاء الرجال نهبوا وقتلوا كما يقتل القراصنة المتوحشون وينهبون(34). وأشفق البابا على ريمند فوظف له معاشاً سنوياً، ووضع جزءاً من أملاكه تحت وصاية الكنيسة تحتفظ بها لابنه ولما بلغ ريمند السابع سن الرشد فتح طولوز واستردها من سيمون، ومات سيمون نفسه وهو يحاصر المدينة مرة ثانية (1218).ووقفت الحرب الصليبية وقتئذ لما مات إنوسنت، وخرج من بقى حيا من الألبجنسيين المستمسكين بعقيدتهم يمارسون شعائر دينهم ويدعون له تحت حكم كونت طولوز الجديد اللين الرحيم.
وعرض لويس الثامن ملك فرنسا في عام 1223 أن يخلع ريمند، وأن يقضي على كل الخوارج في أملاكه، إذا سمح له هونوريوس الثالث بأن يضم هذا الإقليم إلى أملاكه الخاصة. ولسنا نعرف بم أجاب البابا، وكل ما نعرفه أن حرباً صليبية بدأت، وأن لويس أوشك أن ينتصر فيها حين لفته المنية في منبلييه (1226). وانتهز ريمند هذه الفرصة ليعقد الصلح ومع بلانش صاحبة قشتالة فيها عن لويس التاسع، فعرض أملاك ابنته جين Jeanne على الفونس أخي لويس، وعودة أملاك ريمند بعد وفاته إلى جين وزوجها. وكانت بلانش يؤرقها ويقض مضجعها الأشراف الثائرون عليها، فقبلت هذا العرض، ووافق عليه البابا جريجوري التاسع بعد أن تعهد ريمند بالقضاء على حركة الإلحاد بقضها وقضيضها. وعقدت معاهدة الصلح في باريس عام 1229 ووضعت الحروب الإلبجنسية أوزارها بعد ثلاثين عاماً من التقتيل والتخريب، وخرج الدين القويم ظافراً من هذه الحروب، وانتهى بانتصار عهد التسامح، وحرم مجلس نربونه (1229) أن يمتلك أحد من غير رجال الدين أي جزء من الكتاب المقدس (25) وأخذ الإقطاع ينتشر، وأخذت حرية المدن وحكوماتها البلدية في
الاضمحلال، وانقضى عصر شعراء الفروسية الغزلين في جنوبي فرنسا. وماتت في عام 1271 جبن هي وألفونس اللذان ورثا أملاك ريمند دون أن يكون لهما أبناء. آلت ولاية طولوز الواسعة إلى لويس التاسع والتاج الفرنسي، وأصبحت لفرنسا الوسطى وقتئذ منافذ تجارية حرة على البحر المتوسط، وخطت فرنسا خطوة واسعة نحو وحدتها، وكانت هذه الوحدة هي ومحكمة التفتيش أعظم ما أسفرت عنه الحروب الصليبية الألبجنسية.
الفصل الثاني
منشأ محكمة التفتيش أو التحقيق
لقد سن كتاب العهد القديم قانوناً بسيطا لمعاملة المارقين من الدين ، يقضى بأن يفحص عنهم فحصاً دقيقاً، فإذا شهد ثلاثة شهود عدول بأنهم: "ذهبوا وراء آلهة أخرى" أخرج المارقون من المدينة و "رجموا بالحجارة حتى يموتوا" (تثينة التشريع 13: 10)
إذا قام في وسطك نبي أو حالم وأعطاك آية أو أعجوبة ، ولو حدثت الآية أو الأعجوبة التي كلمك عنها قائلا لنذهب وراء آلهة أخرى لم تعرفها وتعبدها ، فلا تسمع لكلام ذلك النبي أو الحالم ذلك الحلم ، لأن الرب إلهكم يمتحنهم لكي يعلم هل تحبون الرب إلهكم من كل قلوبكم ومن كل أنفسكم... وذلك النبي أو الحالم ذلك الحلم يقتل لأنه يتكلم بالزيغ من وراء الرب إلهكم... فتنزعون الشر من بينكم. وإذا أغواك سراً أخوك بن أمك , أو أبنك أو أبنتك، امرأة حضنك، أو صاحبك الذي مثل نفسك قائلا نذهب ونعبد آلهة أخرى لم تعرفها أنت ولا آباؤك... فلا ترض منه ولا تسمع له، ولا تشفق عينك عليه، ولا تستره بل قتلاً تقتله. (تثينة التشريع 13: 1-9). لا تدع ساحرة تعيش (الخروج 22 : 18).
وقد ورد إنجيل يوحنا (15: 6) أن عيسى عليه السلام ارتضى هذا القول: "إن كان أحد لا يثبت في يطرح خارجاً كالغصن فيجف ، ويجمعونه ويطرحونه في النار فيحترق" وحافظت الجماعات اليهودية في العصور الوسطى من الوجهة
النظرية على الشريعة الكتاب المقدس الخاصة بالمروق من الدين، ولكنها قلما عملت بها. واستمسك بها ابن ميمون بلا تحفظ(36).
وكانت قوانين اليونان ترى المروق من الدين - أي الامتناع عن عبادة الآلهة اليونانية
ولقد كان من المبادئ العامة لدى المسيحيين - ولدى كثيرين من الضالين أنفسهم - أن الكنيسة قد أقامها ابن الله، وتبعا لهذا المبدأ كان كل هجوم على المذهب الكاثوليكي جريمة موجهة إلى اللّه نفسه، وكانت النظرة التي ينظر بها
أن ينزل بالضالين أشد أنواع العقاب، وأن تصادر جميع أملاكهم، وأصدر أتو الرابع (1210)، ولويس الثامن ملك فرنسا (1226)، وأصدرت مدينتا فورنس (1227) وميلان (1228)، مراسيم شبيه بمرسوم هنري. وكان أشد قوانين والاضطهاد هو القانون الذي سنه فردريك الثاني فيما بين عامي 1220 و 1239 وقضى بأن يسلم الضالون الذين تحكم عليهم الكنيسة إلى " اليد الزمنية - أي إلى ولاة الأمور المحليين - وأن يحرقوا أحياء، فإذا ما رجعوا عن ضلالهم نجوا من الموت وحكم عليهم بالسجن مدى الحياة، ثم صودرت جميع أملاكهم، وحرم ورثتهم من ميراثهم، وظل أبناؤهم محرومين من حق الاختبار إلى أي منصب ذي دخل أو كرامة، إلا إذا كفروا عن ذنب آبائهم بالتبليغ عن غيرهم من الضالين . وقضى القانون بأن تحرق بيوت الضالين ولا يعاد بناؤها قط(51). وأضاف لويس التاسع الرقيق الظريف أحكاماً شبيهة بهذه الأحكام إلى قوانين فرنسا والحق أن الملوك هم الذين كانوا ينازعون الشعب فضل البداية في اضطهاد الضالين. وحسبنا أن نذكر غير ما سبق أن روبرت ملك فرنسا أمر بإحراق ثلاثة عشر ضالاً في أورليان عام 1022؛ وكان هذا أول حادث معروف من حوادث إعدام الضالين بعد إعدام برسليان priscilian بأيدي السلطات الزمنية في عام 385. وبعد ذلك شنق هنري الثالث إمبراطور ألمانيا عدداً من المانويين أو الكاثاريين في جسلار غير عابئ باحتجاج وازو Wazo أسقف ليبج وقوله إن في الحرمان من الدين عقاباً كافياً للضالين(52). وفي عام 1183 "بعث الكونت فليب صاحب فلاندرز هو ورئيس أساقفة ريمس "عدداً كبيراً من النبلاء، ورجال الدين، والفرسان ، والفلاحين، والفتيات، والنساء المتزوجات، والأرامل إلى حيث أحرقوا وهم أحياء بعد أن صادرا أملاكهم واقتسماها بينهما".
وكان البحث عن الضالين قبل القرن الثالث عشر يترك في الأحوال العادية
للأساقفة. وإنا ليصعب علينا أن نسمي هؤلاء الأساقفة باحثين، لأنهم كانوا ينتظرون الشائعات العامة أو الضجيج الذي يدلهم على الضالين، فيستدعونهم ولكنهم يصعب عليهم أن يحملوهم بطريق التحقيق على الاعتراف بذنوبهم. ولم يكونوا يرتضون أن يلجئوا إلى التعذيب، فكانوا لذلك يعمدون إلى طريق التحكيم الإلهي، وهم مخلصون في ظاهر الأمر في اعتقادهم أن اللّه سيرسل المعجزات لحماية البريئين. وأيد القديس برنار هذه الوسيلة ووصفها مجلس من الأساقفة عقد في ريمس (1257) بأنها إجراء عادي في محاكمة الضالين، ولكن إنوسنت الثالث حرمها. وساء البابا لوسيوس الثالث إهمال الأساقفة في محاربة الضلال، بأن يزوروا أسقفياتهم مرة في كل عام على الأقل، وأن يقبضوا على كل من تحوم حولهم الشبهات وأن يسلكوا كل من لا يقسم يمين الولاء التام للكنيسة في زمرة الضالين (وقد رفض الكاثاري أن يقسموا هذا القسم)، ثم عليهم بعد ذلك أن يسلموا هؤلاء العصاة إلى ولاة الأمور المحليين. وخول مندوبو البابا حق خلع الأساقفة الذين يتوانون في القضاء على الضلال(54). وطلب إنوسنت الثالث في عام 1215 إلى جميع ولاة الأمور المدنيين أن يقسموا علماً بأن "يبيدوا من الأراضي الخاضعة لطاعتهم جميع الضالين الذين عينتهم الكنيسة ليلقوا ما يستحقون من العقاب" فإذا لم يفعلوا هذا كانوا هم أنفسهم ضالين. وكل أمير يهمل في أداء هذا الواجب يخلع ويعفي البابا رعاياه من طاعته(55) ولم يكن " العقاب الذي يستحقونه" حتى ذلك الوقت يزيد على النفي ومصادرة الأملاك(56).
ولما ارتقى جريجوري التاسع عرش البابوية (1227) وجد أن الضلال آخذ في الازدياد رغم المحاكمات الشعبية، والحكومية، والأسقفية. فقد كانت جميع بلاد البلقان، وكان الجزء الأكبر من إيطاليا، وغير قليل من فرنسا، كانت هذه البلاد مرتعاً للزيغ والضلال، حتى لقد أضحت الكنيسة، ولما يمض على
سلطات إنوسنت الرائع إلا زمن وجيز، يتهددها خطر الانقسام والتفكك. وكانت المسألة، كما يراها الحبر الطاعن في السن، أن الكنيسة وهي تقاتل فردريك والضلال في وقت واحد، إنما تقاتل في سبيل المحافظة على حياتها، وأنها يحق لها من أجل المبادئ الأخلاقية والأساليب التي تحتمها حالة الحرب. وروع جريجوري أن عرف أن الأسقف فلبو باترنون Fillippo Paterrenon الذي تمتد أسقفيته من بيزا إلى أرزو قد اعتنق مذهب الكاثاري، فعين لجنة للتحقيق يرأسها راهب من الدمنيك تعقد جلساتها في فلورنس وتقدم الضالين إلى المحاكمة (1227). وكانت هذه اللجنة في واقع الأمر بداية محكمة التحقيق البابوية، وإن كان المحققون فيها خاضعين من الوجهة الرسمية لسلطات الأسقف المحلى . فلما كان عام 1231 أدخل جريجوري في قانون الكنيسة الشرائع التي سنها فرردريك في عام 1224، وبذلك اتفقت الكنيسة والدولة من ذلك الوقت على أن الضالين الذين لا يتوبون عن ضلالهم خونة يجب أن يعاقبوا بالإعدام، وبهذا أنشئت محكمة (التفتيش) رسميا تحت سلطات البابوات.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق