الفصل الثاني
رحلة النموذج الفني
لأبوللو وفينوس على مر التاريخ
رحلة النموذج الفني
لأبوللو وفينوس على مر التاريخ
لمّا كان عصر النهضة الذي خصصتُه بهذا الكتاب من بين حلقات موسوعة تاريخ الفنّ بعثاً لكلاسيكية الإغريق كان لا معدى عن أن أعرض ما مرّ به الجسد الإنساني تصويراً ونحتاً ممثلاً في نموذجي أبوللو وفينوس فيما بين العصر اليوناني وعصر النهضة، ونحن نعلم أن هذا العصر الأخير قد احتذى في كلّ ما صدر عنه حذو العصر الكلاسيكي.
ولا يغيب عنّا ونحن نعرض لهذا الموضوع أنه ثمّة فارق بين عُريين: عُري يُنزع فيه عن الجسد كل ما يواريه فيبدو بمفاتنه وعيوبه Naked وعُري يمليه خيال الفنان فيضفي منه على الجسد الإنساني ما يروع ويفتن Nude ليكون "نموذجاً فنّياً " يتّفق وقواعد النسب ومعايير التوازن وتوزيع الكتل في الفراغ. وهكذا يأخذ العري صفة جمالية تأسر الألباب ولا يعود يحمل صفة تثير السخرية أو الخجل. ومن هنا كان الجسد العاري خلال عهود ازدهار فن التصوير والنحت هو الملهم لأعظم الإنجازات الفنية، وحتى في الفترات التي كان تصوير الجسد العاري فيها محظوراً، لم يختف الاختفاء كله بين الفنانين وظلّ موضوعاً لتدريب الناشئين ومظهراً معبّراً عن قدرة الفنّان وموهبته، فإذا بنا نرى مصوّراً عملاقاً مثل فيلاسكيز برغم وجوده في بلاط الملك الإسباني فيليب الرابع الشديد التزمّت يرسم لوحته الشهيرة "فينوس أمام المرآة" (لوحة 63) وحتى في عصرنا الحالي إذا ما اطَّرحنا جانباً ما أحياه عصر النهضة من التراث اليوناني، وإذا ما تناسينا الموضوعات الميثولوجية ، وإذا ما تجاهلنا نظرية المحاكاة، فما زال الجسد العاري في الفن يحتلّ مكانه وإن خضع لبعض التحوير والتغيير، ولكنه ما انفكّ صلتنا الوثيقة بالمنجزات الكلاسيكية.
والجسد العاري شكل من أشكال الفن ابتكره الإغريق في القرن الخامس ق. م. مثلما ابتكر الإيطاليون فن الأوبرا في القرن السابع عشر، ومن ثم فإن الجسد العاري ليس "موضوعاً" من موضوعات الفن بقدر ما هو "شكل" من أشكال الفن، ولما كانت العين لا تشبع من النظر إلى الجسد الإنساني العاري لذلك فهي تنتشي برؤيته مصوّراً أو منحوتاً، والفنان حين يصوّر نباتاً أو حيواناً إنّما يصوره كما هو في لحظته وواقعه، بينما هو في مواجهة الجسد البشري يكون حرّاً مطلق اليد غير مقيّد بشكل محدّد أو ملزم بالمحاكاة الدقيقة، يستظهر ما شاء مما هو خاف وراء ملامح الجسد ويجمِّل فيه ما حلا له التجميل.
وكما لم تطرأ فكرة تصوير الجسد العاري لذاته على أنه موضوع جدير بالدرس والتأمّل قطّ عند الصينيين واليابانيين، كذلك كانت هذه هي النظرة إليه في أذهان أهل الشمال الأوروبي القوطي، غير أن المصوّرين الألمان عندما اكتشفوا مدى تقدير الإيطاليين للجسد العاري في عصر النهضة لم يلبثوا أن صوّروه على نحو يساير تطلعاتهم. وقد كان من الطبيعي أن يكون لهم نموذجهم الإنساني العاري الخاص الذي يستجيب لأحاسيسهم الفنية، وإذا الفنان الألماني ألبرخت دورر يكشف بتجاربه ودراساته ومحاولاته الفنية عن مدى ما في هذا النموذج من اصطناع، إذ كان انطباعه التلقائي إزاء الجسد الإنساني العاري مزيجاً من الفضول والنفور في آن، وكم من دوائر وأشكال هندسية عكف على رسمها قبل أن يوفّق إلى تقديم انطباعه الخاص عن الجسد الإنساني بما يراه فيه من معايب، وإذا هو يجعل منه صورة فنية مقبولة. (لوحه 64).
على أن الجسد العاري لم يحتل مكانته الرفيعة نحتاً وتصويراً إلا على ضفاف البحر المتوسط وإن يكن أحياناً ما تعرّض إلى تشويه مقصود، فرأينا الإتروسك رغم أنّهم يدينون بمعظم فنّهم إلى اليونان يزخرفون توابيتهم بتماثيل موتاهم ذات البطون المنتفخة بأكراشها بأسلوب قد يصيب أي يوناني من اليونانيين القدامى بالفزع، كما رأينا العصر المتأغرق والعصر الروماني يقدّمان تماثيل مختلّة النسب للرياضيين العراة. وقد اعتدنا خطأً اعتبار الفن البيزنطي استمراراً للفن اليوناني، بينما الواقع أن تماثيل العراة في الفترة ما بين العصر الروماني ومطالع عصر النهضة في حوض البحر المتوسط كانت قليلة نادرة، كما كانت منبتّة الصلة بالأشكال الكلاسيكية. ومع ذلك كانت روائع الفن الكلاسيكي لا يزال لها وجودها خلال مرحلة لا يستهان بها من تلك الحقبة التي امتدّت ألف سنة، فما أكثر تماثيل الأجساد العارية التي كانت تحيط بالناس وقتذاك، ولعلها كانت تفوق عدداً ما وصل إلى أيدينا. ومن المعروف أن الإمبراطور ثيودوسيوس نقل تمثال فينوس من كنيدوس لبراكستيليس إلى القسطنطينية خلال القرن العاشر ولم ينفك الناس عن الإعجاب بها، كما بدا الجسد العاري في الملاعب بين الرياضيين وفي حلبات سباق المركبات وفي الكنائس بين العمال والبنّائين أنصاف العراة. ومن ثم كانت الفرص مهيّأة أمام الفنانين لمشاهدة الجسد العاري واستلهامه في منجزاتهم، غير أن رعاة الفن حالوا دون هذا المنحى لأسباب عديدة، منها خشية الردّة إلى الوثنية، ومنها انتشار بدعة التنسّك والرهبنة، ثم تأثير ما تسرّب من صدى تحريم العقيدة الإسلامية المجاورة للنحت والتصوير. وفي الحق إن الجسد العاري قد جَمُد عن أن يكون موضوعاً من موضوعات الفن قرناً قبل أن تغدو المسيحية هي الدين الرسمي في الإمبراطورية الرومانية، أما خلال العصور الوسطى فلم تتح الفرصة لتصوير الجسد العاري إلا في الزخارف الدنيوية وفي الموضوعات الدينية التي تتناول بدء الخليقة ويوم الدينونة فحسب.
وكما أسلفت فإن السعي نحو الجمال الجسدي يكمن في عرضه مجملاً دون مراعاة المحاكاة الأمينة، وهو ما أكّده أفلاطون في عبارته الشهيرة: "إن الفنّ يتمّم ما تعجز الطبيعة عن إنجازه، والفنّان هو من يكشف لنا عما عجزت الطبيعة عن الإفصاح عنه". ووراء هذا الرأي فكرة فلسفية تدور حول وجود "مَثَل أعلى" لكل كائن في الحياة، وما الظواهر الطبيعية إلا محاكاة تتفاوت قرباً أو بعداً عن المثل الأصلية. فكلّما توجّهنا بالنقد إلى شكل من الأشكال لِنَصِفه بطول العنق أو انكماش الصدر أو ترهّل الخصر نكون قد اعترفنا في حقيقة الأمر بوجود المثل الأعلى الجمالي. وثمّة تفسيران لهذا المثل الأعلى الجمالي قد لا يفوز أوّلهما بالرضا الكامل بينما يشوب ثانيهما بعض الغموض، ويفترض الأول أنّه ما من جسد بشري يحمل صفات الكمال كلها، ومن ثم كان على الفنّان أن يختار أكمل الأجزاء وأجملها من أجساد متعدّدة ويوائم بينها في شكل واحد، وهو ما لجأ إليه الفنان اليوناني زوكسيس Zeuxis عندما شكّل صورة أفروديتي مُستوحياً أجمل خمس عذارى في مدينة كروتونا، وهو ما يثير فينا التساؤل عن كنه ذلك النموذج المثالي الذي بمقتضاه انتقى زوكسيس أو اطَّرح أذرع عذراواته الخمس وأعناقهن وصدورهن. ويذهب ألبرخت دورر فيما بعد إلى ما هو أبعد من هذا، فيعترف بأنّه استلهم أجساد أكثر من ثلاثمائة فتاة. وحتى إذا افترضنا وجود مثل هذه السمات المثالية في بعض الأفراد فإنه يتعذّر علينا جمعها في كيان واحد، إذ أن جمالها مرتبط بوجودها في موضعها الأصلي فإذا نزعناها منه جرّدناها من إيقاعها الحيوي الذي يمدّها بما تتّصف به من جمال.
والتفسير الثاني للمثل الأعلى الجمالي - وهو ذلك النمط الذي ظهر في اليونان في السنوات ما بين 480 و 440 ق. م. وزوّد الفنانين منذ عصر النهضة حتى عصرنا الحالي بالنموذج الأكمل هو ما نعرفه عن مدى ولع الإغريق بالرياضيات، إذ لا يخلو أي فرع من فروع الفكر اليوناني من الالتزام بالنسب القابلة للقياس التزاماً يبلغ حدّ العقيدة، فلقد ولعوا منذ عهد بيثاجوراس المبكّر بالأشكال الهندسية الملموسة، وإذا كان جوهر الفن كلّه نوعاً من أنواع الالتزام، فلقد التزم الإغريق بما يسمّى "الأرقام المتساوقة" Harmonious Numbers التي أفصحت عن نفسها في كل من النحت والتصوير، وإن غمض علينا كيف توصّلوا إلى ذلك على وجه الدقّة. فقانون الفنّان بوليكليتيس غير مدوّن، وقواعد النسب التي وصلتنا عن طريق المؤرّخ بلينيوس وغيره من الكتّاب القدامى قواعد أوّلية إلى حدّ بعيد، غير أن ثمّة عبارة قصيرة مبهمة وردت في كتاب المهندس فتروفيوس كان لها أثر حاسم على عصر النهضة بأسره، ففي مستهل كتابه الثالث الذي يصف فيه قواعد تشييد واجهات المباني المقدّسة يفاجئنا بوجوب اتخاذ هذه المباني النسب الإنسانية التي ينتقل إلى تحديدها مباشرة، ثم ينتهي إلى أن جسد الإنسان هو النموذج الأمثل للنسب الصحيحة، لأنه إذا ما بسط الإنسان ذراعيه وساقيه احتواه الشكلان الهندسيان المثاليان وهما المربّع والدائرة. ولقد ظفر هذا الرأي من أهل عصر النهضة باهتمام شديد حتى بات أساس فلسفتهم الفنية، إذ زوّدهم بالإضافة إلى السلّم الموسيقي بالرابطة بين الأساس العضوي للجمال والأساس الهندسي له الذي كان وما يزال حجر الأساس للفلسفة الجمالية. ومن هنا كانت تلك الوفرة من الأشكال التي تصوّر شخوصاً داخل مربّعات ودوائر المصاحبة للأبحاث والدراسات التي تدور حول العمارة أو الجماليات منذ القرن الخامس عشر حتى السابع عشر.
ومع أن "الإنسان الفتروفي" Como - Vitruvius (نسبة إلى فتروفيوس) قد ظهر قبل ليوناردو دافنشي إلا أن ليوناردو هو الذي قدّم لنا أروع صورة له (لوحه 65) بل وأقربها إلى الصحّة مخالفاً فتروفيوس في موضوعين هيّنين في الوقت الذي احتذاه غيره من المصورين محاذاة حرفية. ولا أعني بذلك أن "الإنسان الفتروفي" الذي رسمه ليوناردو هو أشدّ رسومه جاذبية، فما كانت التركيبة الفتروفية للجسد الإنساني ضرورة لا غنى عنها للاستحواذ على إعجاب الناس. والدليل على أن النسب الفتروفية ليست شرطاً لبلوغ الجمال المثالي هو أحد رسوم ألبرخت دورر المسماة نميسيس (ربة الانتقام والسخط في الأساطير اليونانية) Nemesis(لوحة 66) التي أنجزها عام 1501 بعد أن فرغ من مطالعة كتاب فتروفيوس، فطبّق في هذا الرسم النسب التي نادى بها فتروفيوس بحذافيرها فضلاً عن أنه قد استمدّ موضوعه من قصائد بولتزيانو، وهو الشاعر الإنساني المذهب نفسه الذي ألهم بوتتشيللي لوحة "مولد فينوس" وألهم رافائيل لوحة "جالاطيا" كما سنرى بعد. وبرغم ذلك كلّه لم يوفّق دورر إلى بلوغ المثل الأعلى الكلاسيكي في رسمه. وإذا كان قد قارب هذا الهدف فيما بعد فلكونه قد زاوج ما بين تقنيته الذاتية وبين النماذج الكلاسيكية، فلم تكن الدوائر والمربّعات التي استنفدت الكثير من جهده ووقته هي التي يسّرت له استخدام النسب الكلاسيكية، وإنما هو تطبيقه لهذه النسب عن تأثر "بالصور المثالية" التي رسمها الشاعر بولتزيانو لأبوللو البلفدير ولفينوس قصر مديتشي. وبعد عام 1507 كفّ دورر عن محاولة فرض الأشكال الهندسية على الجسم الإنساني، وانبرى يستنبط المقاييس المثالية من الطبيعة التي أوصلته بدورها إلى نتائج تختلف إلى حدّ ما عمّا توصّل إليه من تحليل للمنجزات القديمة. وكان دورر حريصاً على أن يؤكّد في أبحاثه أنّه لا يدّعي الوصول إلى المثل الأعلى الكامل، فليس في إمكان أحد في الوجود أن يدلي بحكم نهائي عمّا ينبغي أن يكون عليه أجمل شكل للإنسان، فلا يستطيع ذلك غير الله وحده. وهكذا يكون أكثر من شُغِل بين الفنانين بالنسب المثالية قد هجرها في منتصف الطريق، كما أثبتت منجزاته اللاحقة أن كمال الجسد الإنساني العاري لا يرجع إلى الالتزام بالنسب وحدها، فلن يكون بوسع الفنّان تشكيل الجسد العاري الجميل من خلال تطبيقه للقواعد الرياضية وحدها، كما أنه لن يستطيع في الوقت نفسه تجاهلها، فهي كامنة في تلافيف مخّه سارية بين أنامله، يعتمد عليها في النهاية شأنه شأن المعماري.
ولا يغيب عنّا ونحن نعرض لهذا الموضوع أنه ثمّة فارق بين عُريين: عُري يُنزع فيه عن الجسد كل ما يواريه فيبدو بمفاتنه وعيوبه Naked وعُري يمليه خيال الفنان فيضفي منه على الجسد الإنساني ما يروع ويفتن Nude ليكون "نموذجاً فنّياً " يتّفق وقواعد النسب ومعايير التوازن وتوزيع الكتل في الفراغ. وهكذا يأخذ العري صفة جمالية تأسر الألباب ولا يعود يحمل صفة تثير السخرية أو الخجل. ومن هنا كان الجسد العاري خلال عهود ازدهار فن التصوير والنحت هو الملهم لأعظم الإنجازات الفنية، وحتى في الفترات التي كان تصوير الجسد العاري فيها محظوراً، لم يختف الاختفاء كله بين الفنانين وظلّ موضوعاً لتدريب الناشئين ومظهراً معبّراً عن قدرة الفنّان وموهبته، فإذا بنا نرى مصوّراً عملاقاً مثل فيلاسكيز برغم وجوده في بلاط الملك الإسباني فيليب الرابع الشديد التزمّت يرسم لوحته الشهيرة "فينوس أمام المرآة" (لوحة 63) وحتى في عصرنا الحالي إذا ما اطَّرحنا جانباً ما أحياه عصر النهضة من التراث اليوناني، وإذا ما تناسينا الموضوعات الميثولوجية ، وإذا ما تجاهلنا نظرية المحاكاة، فما زال الجسد العاري في الفن يحتلّ مكانه وإن خضع لبعض التحوير والتغيير، ولكنه ما انفكّ صلتنا الوثيقة بالمنجزات الكلاسيكية.
والجسد العاري شكل من أشكال الفن ابتكره الإغريق في القرن الخامس ق. م. مثلما ابتكر الإيطاليون فن الأوبرا في القرن السابع عشر، ومن ثم فإن الجسد العاري ليس "موضوعاً" من موضوعات الفن بقدر ما هو "شكل" من أشكال الفن، ولما كانت العين لا تشبع من النظر إلى الجسد الإنساني العاري لذلك فهي تنتشي برؤيته مصوّراً أو منحوتاً، والفنان حين يصوّر نباتاً أو حيواناً إنّما يصوره كما هو في لحظته وواقعه، بينما هو في مواجهة الجسد البشري يكون حرّاً مطلق اليد غير مقيّد بشكل محدّد أو ملزم بالمحاكاة الدقيقة، يستظهر ما شاء مما هو خاف وراء ملامح الجسد ويجمِّل فيه ما حلا له التجميل.
وكما لم تطرأ فكرة تصوير الجسد العاري لذاته على أنه موضوع جدير بالدرس والتأمّل قطّ عند الصينيين واليابانيين، كذلك كانت هذه هي النظرة إليه في أذهان أهل الشمال الأوروبي القوطي، غير أن المصوّرين الألمان عندما اكتشفوا مدى تقدير الإيطاليين للجسد العاري في عصر النهضة لم يلبثوا أن صوّروه على نحو يساير تطلعاتهم. وقد كان من الطبيعي أن يكون لهم نموذجهم الإنساني العاري الخاص الذي يستجيب لأحاسيسهم الفنية، وإذا الفنان الألماني ألبرخت دورر يكشف بتجاربه ودراساته ومحاولاته الفنية عن مدى ما في هذا النموذج من اصطناع، إذ كان انطباعه التلقائي إزاء الجسد الإنساني العاري مزيجاً من الفضول والنفور في آن، وكم من دوائر وأشكال هندسية عكف على رسمها قبل أن يوفّق إلى تقديم انطباعه الخاص عن الجسد الإنساني بما يراه فيه من معايب، وإذا هو يجعل منه صورة فنية مقبولة. (لوحه 64).
على أن الجسد العاري لم يحتل مكانته الرفيعة نحتاً وتصويراً إلا على ضفاف البحر المتوسط وإن يكن أحياناً ما تعرّض إلى تشويه مقصود، فرأينا الإتروسك رغم أنّهم يدينون بمعظم فنّهم إلى اليونان يزخرفون توابيتهم بتماثيل موتاهم ذات البطون المنتفخة بأكراشها بأسلوب قد يصيب أي يوناني من اليونانيين القدامى بالفزع، كما رأينا العصر المتأغرق والعصر الروماني يقدّمان تماثيل مختلّة النسب للرياضيين العراة. وقد اعتدنا خطأً اعتبار الفن البيزنطي استمراراً للفن اليوناني، بينما الواقع أن تماثيل العراة في الفترة ما بين العصر الروماني ومطالع عصر النهضة في حوض البحر المتوسط كانت قليلة نادرة، كما كانت منبتّة الصلة بالأشكال الكلاسيكية. ومع ذلك كانت روائع الفن الكلاسيكي لا يزال لها وجودها خلال مرحلة لا يستهان بها من تلك الحقبة التي امتدّت ألف سنة، فما أكثر تماثيل الأجساد العارية التي كانت تحيط بالناس وقتذاك، ولعلها كانت تفوق عدداً ما وصل إلى أيدينا. ومن المعروف أن الإمبراطور ثيودوسيوس نقل تمثال فينوس من كنيدوس لبراكستيليس إلى القسطنطينية خلال القرن العاشر ولم ينفك الناس عن الإعجاب بها، كما بدا الجسد العاري في الملاعب بين الرياضيين وفي حلبات سباق المركبات وفي الكنائس بين العمال والبنّائين أنصاف العراة. ومن ثم كانت الفرص مهيّأة أمام الفنانين لمشاهدة الجسد العاري واستلهامه في منجزاتهم، غير أن رعاة الفن حالوا دون هذا المنحى لأسباب عديدة، منها خشية الردّة إلى الوثنية، ومنها انتشار بدعة التنسّك والرهبنة، ثم تأثير ما تسرّب من صدى تحريم العقيدة الإسلامية المجاورة للنحت والتصوير. وفي الحق إن الجسد العاري قد جَمُد عن أن يكون موضوعاً من موضوعات الفن قرناً قبل أن تغدو المسيحية هي الدين الرسمي في الإمبراطورية الرومانية، أما خلال العصور الوسطى فلم تتح الفرصة لتصوير الجسد العاري إلا في الزخارف الدنيوية وفي الموضوعات الدينية التي تتناول بدء الخليقة ويوم الدينونة فحسب.
وكما أسلفت فإن السعي نحو الجمال الجسدي يكمن في عرضه مجملاً دون مراعاة المحاكاة الأمينة، وهو ما أكّده أفلاطون في عبارته الشهيرة: "إن الفنّ يتمّم ما تعجز الطبيعة عن إنجازه، والفنّان هو من يكشف لنا عما عجزت الطبيعة عن الإفصاح عنه". ووراء هذا الرأي فكرة فلسفية تدور حول وجود "مَثَل أعلى" لكل كائن في الحياة، وما الظواهر الطبيعية إلا محاكاة تتفاوت قرباً أو بعداً عن المثل الأصلية. فكلّما توجّهنا بالنقد إلى شكل من الأشكال لِنَصِفه بطول العنق أو انكماش الصدر أو ترهّل الخصر نكون قد اعترفنا في حقيقة الأمر بوجود المثل الأعلى الجمالي. وثمّة تفسيران لهذا المثل الأعلى الجمالي قد لا يفوز أوّلهما بالرضا الكامل بينما يشوب ثانيهما بعض الغموض، ويفترض الأول أنّه ما من جسد بشري يحمل صفات الكمال كلها، ومن ثم كان على الفنّان أن يختار أكمل الأجزاء وأجملها من أجساد متعدّدة ويوائم بينها في شكل واحد، وهو ما لجأ إليه الفنان اليوناني زوكسيس Zeuxis عندما شكّل صورة أفروديتي مُستوحياً أجمل خمس عذارى في مدينة كروتونا، وهو ما يثير فينا التساؤل عن كنه ذلك النموذج المثالي الذي بمقتضاه انتقى زوكسيس أو اطَّرح أذرع عذراواته الخمس وأعناقهن وصدورهن. ويذهب ألبرخت دورر فيما بعد إلى ما هو أبعد من هذا، فيعترف بأنّه استلهم أجساد أكثر من ثلاثمائة فتاة. وحتى إذا افترضنا وجود مثل هذه السمات المثالية في بعض الأفراد فإنه يتعذّر علينا جمعها في كيان واحد، إذ أن جمالها مرتبط بوجودها في موضعها الأصلي فإذا نزعناها منه جرّدناها من إيقاعها الحيوي الذي يمدّها بما تتّصف به من جمال.
والتفسير الثاني للمثل الأعلى الجمالي - وهو ذلك النمط الذي ظهر في اليونان في السنوات ما بين 480 و 440 ق. م. وزوّد الفنانين منذ عصر النهضة حتى عصرنا الحالي بالنموذج الأكمل هو ما نعرفه عن مدى ولع الإغريق بالرياضيات، إذ لا يخلو أي فرع من فروع الفكر اليوناني من الالتزام بالنسب القابلة للقياس التزاماً يبلغ حدّ العقيدة، فلقد ولعوا منذ عهد بيثاجوراس المبكّر بالأشكال الهندسية الملموسة، وإذا كان جوهر الفن كلّه نوعاً من أنواع الالتزام، فلقد التزم الإغريق بما يسمّى "الأرقام المتساوقة" Harmonious Numbers التي أفصحت عن نفسها في كل من النحت والتصوير، وإن غمض علينا كيف توصّلوا إلى ذلك على وجه الدقّة. فقانون الفنّان بوليكليتيس غير مدوّن، وقواعد النسب التي وصلتنا عن طريق المؤرّخ بلينيوس وغيره من الكتّاب القدامى قواعد أوّلية إلى حدّ بعيد، غير أن ثمّة عبارة قصيرة مبهمة وردت في كتاب المهندس فتروفيوس كان لها أثر حاسم على عصر النهضة بأسره، ففي مستهل كتابه الثالث الذي يصف فيه قواعد تشييد واجهات المباني المقدّسة يفاجئنا بوجوب اتخاذ هذه المباني النسب الإنسانية التي ينتقل إلى تحديدها مباشرة، ثم ينتهي إلى أن جسد الإنسان هو النموذج الأمثل للنسب الصحيحة، لأنه إذا ما بسط الإنسان ذراعيه وساقيه احتواه الشكلان الهندسيان المثاليان وهما المربّع والدائرة. ولقد ظفر هذا الرأي من أهل عصر النهضة باهتمام شديد حتى بات أساس فلسفتهم الفنية، إذ زوّدهم بالإضافة إلى السلّم الموسيقي بالرابطة بين الأساس العضوي للجمال والأساس الهندسي له الذي كان وما يزال حجر الأساس للفلسفة الجمالية. ومن هنا كانت تلك الوفرة من الأشكال التي تصوّر شخوصاً داخل مربّعات ودوائر المصاحبة للأبحاث والدراسات التي تدور حول العمارة أو الجماليات منذ القرن الخامس عشر حتى السابع عشر.
ومع أن "الإنسان الفتروفي" Como - Vitruvius (نسبة إلى فتروفيوس) قد ظهر قبل ليوناردو دافنشي إلا أن ليوناردو هو الذي قدّم لنا أروع صورة له (لوحه 65) بل وأقربها إلى الصحّة مخالفاً فتروفيوس في موضوعين هيّنين في الوقت الذي احتذاه غيره من المصورين محاذاة حرفية. ولا أعني بذلك أن "الإنسان الفتروفي" الذي رسمه ليوناردو هو أشدّ رسومه جاذبية، فما كانت التركيبة الفتروفية للجسد الإنساني ضرورة لا غنى عنها للاستحواذ على إعجاب الناس. والدليل على أن النسب الفتروفية ليست شرطاً لبلوغ الجمال المثالي هو أحد رسوم ألبرخت دورر المسماة نميسيس (ربة الانتقام والسخط في الأساطير اليونانية) Nemesis(لوحة 66) التي أنجزها عام 1501 بعد أن فرغ من مطالعة كتاب فتروفيوس، فطبّق في هذا الرسم النسب التي نادى بها فتروفيوس بحذافيرها فضلاً عن أنه قد استمدّ موضوعه من قصائد بولتزيانو، وهو الشاعر الإنساني المذهب نفسه الذي ألهم بوتتشيللي لوحة "مولد فينوس" وألهم رافائيل لوحة "جالاطيا" كما سنرى بعد. وبرغم ذلك كلّه لم يوفّق دورر إلى بلوغ المثل الأعلى الكلاسيكي في رسمه. وإذا كان قد قارب هذا الهدف فيما بعد فلكونه قد زاوج ما بين تقنيته الذاتية وبين النماذج الكلاسيكية، فلم تكن الدوائر والمربّعات التي استنفدت الكثير من جهده ووقته هي التي يسّرت له استخدام النسب الكلاسيكية، وإنما هو تطبيقه لهذه النسب عن تأثر "بالصور المثالية" التي رسمها الشاعر بولتزيانو لأبوللو البلفدير ولفينوس قصر مديتشي. وبعد عام 1507 كفّ دورر عن محاولة فرض الأشكال الهندسية على الجسم الإنساني، وانبرى يستنبط المقاييس المثالية من الطبيعة التي أوصلته بدورها إلى نتائج تختلف إلى حدّ ما عمّا توصّل إليه من تحليل للمنجزات القديمة. وكان دورر حريصاً على أن يؤكّد في أبحاثه أنّه لا يدّعي الوصول إلى المثل الأعلى الكامل، فليس في إمكان أحد في الوجود أن يدلي بحكم نهائي عمّا ينبغي أن يكون عليه أجمل شكل للإنسان، فلا يستطيع ذلك غير الله وحده. وهكذا يكون أكثر من شُغِل بين الفنانين بالنسب المثالية قد هجرها في منتصف الطريق، كما أثبتت منجزاته اللاحقة أن كمال الجسد الإنساني العاري لا يرجع إلى الالتزام بالنسب وحدها، فلن يكون بوسع الفنّان تشكيل الجسد العاري الجميل من خلال تطبيقه للقواعد الرياضية وحدها، كما أنه لن يستطيع في الوقت نفسه تجاهلها، فهي كامنة في تلافيف مخّه سارية بين أنامله، يعتمد عليها في النهاية شأنه شأن المعماري.
وكان ميكلانجلو بوصفه رسّاماً فذّاً للعراة ومهندساً معمارياً لا يفتأ يردّد كلمة Dipendenza كلّما شاء التعبير عن إحساسه "بالعلاقة المتبادلة بين أجزاء الجسد الإنساني والمعمار" فالجسد العاري في تصوّره شأنه شأن المبنى يمثّل توازناً بين التصميم المثالي والحاجة الوظيفية، فلا يمكن لمصوّر الأشكال الإنسانية أن ينسى أحد مكوّنات الجسد الإنساني، مثله مثل المعماري الذي لا يمكن بدوره أن يفوته تشييد ما يرتكز عليه سقفه أو أن يغفل عن أبواب المبنى ونوافذه.
ولمّا كانت الأشكال والوضعات قد اتخذت تنويعات عصيّة على الحصر على مدى الزمن، فإن أكثر ما نلحظه من تغيّرات هو الذي جرى بالتحديد في نسب الجسد الأنثوي فيما بين العصرين اليوناني والقوطي. فعلى سبيل المثال كانت وحدة القياس في الجسد الأنثوي الإغريقي العاري هي المسافة بين نهدي المرأة التي ينبغي أن تكون هي المسافة نفسها بين ما تحت الثديين إلى السرّة، ثم هي نفسها من السرّة حتى ملتقى الفخذين، على نحو ما نرى في تمثال فينوس من ميلوس (لوحة 67) وظلّت هذه النسبة واجبة التطبيق خلال العصر الكلاسيكي كله بل وحتى القرن الأول الميلادي. وإذا ضاهينا الأشكال الكلاسيكية بجسد عار أنثوي من العصر القوطي خلال القرن الخامس عشر مثل صورة حواء للفنان الفلمنكي مِمْلَنْك (لوحة 86) أو فينوس للمصوّر الألماني كراناخ (لوحة 69) اتضح لنا أن العناصر والمعالم واحدة متشابهة، وأن النمط الأصلي للجسد الأنثوي ما يزال بيضوي الشكل تعلوه كرتان، غير أنه تسترعينا على الفور استطالة الشكل البيضوي للجسد استطالة شديدة، وكذا تقلّص الكرتين العلويتين. وإذا طبّقنا وحدة القياس وهي المسافة بين النهدين لوجدنا أن المسافة بين الثديين والسرة قد تضاعفت طولاً عمّا كانت عليه في التصميم الكلاسيكي، كما أن خلو الجسم من الضلوع والعضلات يعمّق الإحساس بالطول. وليس ثمّة غرابة في ذلك إذا لاحظنا أن فنان ذلك العصر - أي عصر - كان يحرص على تقديم الشكل الأنثوي الذي كان رجال عصره يتوقون لرؤيته مجسّداً أمام أعينهم.
وإذا كان الجسد العاري الكلاسيكي للرجل قد ارتبط بمعمار المعبد الإغريقي، وذلك بارتكاز مسطّح الصدر فوق السيقان الممثّلة للأعمدة حيث كان التوجّه في مجال النحت هو الاعتماد على واجهة مسطحة بسيطة (لوحة 70) ، فقد ارتبط الجسد العاري خلال عصر النهضة بالمفهوم المعماري الجديد الذي ابتكر طراز الكنيسة ذات القبّة المركزية، فتحول التوجّه في مجال النحت إلى المحاور المتعدّدة التي تشعّ من مركز واحد، وأصبح ما ندعوه الجسد العاري المتعدّد المحاور هو النموذج السائد حتى بعث الكلاسيكية المحدثة خلال القرن الثامن عشر، وما كاد المعماريون يُحيون الشكل المعماري للمعبد الإغريقي حتى عاد النحّاتون إلى استخدام نفس الواجهة المسطّحة في تشكيل الجسد العاري. وفي النهاية غدت "الصلة المتبادلة بين المعمار والجسد العاري" Dipendenza معبّرة أيضاً عن العلاقة التي نتوخّاها مما يضيفه العقل من كمال على ما نحب ونعشق، حتى رأينا الفنان الفرنسي بوسان يكتب إلى أحد أصدقائه في عام 1642 قائلاً: "يقيناً لقد أشاعت الصبايا الجميلات اللاتي وقع عليهن بصرك في مدينة نيم في أعماقك إحساساً بالبهجة لا يقلّ عمّا أشاعته أعمدة "البيت المربع" التي شيّدت على صورتهن".
وهكذا لم يكن الجسد العاري الإغريقي شكلاً من أشكال الفن موصولاً بالمثل الأعلى أو ملتزماً بالنسب القابلة للقياس فحسب، بل كان مدعاة للزهو والفخار، ومن ثم ينبغي أن يكون على أكمل صورة له. ولا يعني هذا أن الكثرة الكثيرة من شباب الإغريق كانت تبدو مثل تمثال هرمس لبراكستيليس كمالاً، إلا أن الشيء المؤكّد هو أن غالبية الشباب الأثيني في القرن الخامس ق. م. كانت تتمتع بأجساد رشيقة متوازنة المعالم على نحو ما نرى مصوّراً فوق الأواني الخزفية ذات الأشكال الحمراء وما نرى منحوتاً في الرخام.
ولقد شاع تصوير الجسد العاري خلال السنوات المائة الأولى من عصر النهضة حين امتزجت الرغبة الوليدة في استلهام التصوير الكلاسيكي القديم بتقاليد العصور الوسطى الفنية المُلزِمة باستخدام الرمز وإضفاء الصفات الخصوصية على المفاهيم السائدة، حتى بدا أنه ليس ثمّة فكرة مهما كانت عصيّة أو موغلة في عالم الغيبيات الرحيب يعجز الجسد العاري عن تمثيلها والتعبير عنها. مثال ذلك لوحة "يوم الحساب" لميكلانجلو، وإن استنكر البعض تصوير المسيح والقديسين عراة فيها، كما أنه ليس ثمّة معنى مهما هان أو ضؤل يستحيل على أن يتمثّل شكلاً بشرياً، وإن كان هذا لم يجئ وفق ما يرضاه المتزمتون، من ذلك ما نراه في الأبواب والشماعد بل وأيدي السكاكين والشوك التي مثّلت على هيئة أشكال بشرية.
ولم يشكّ الإغريق لحظة واحدة في تمتّع الإله أبوللو بجمال الرجولة الأمثل وهو مَن شُكِّل جسده تبعاً للقواعد التي حدّدها قانون للنسب، فهيّأت له ذلك الجمال القدسي المعبّر عن التناغم الرياضي. وإذ جاء جسد أبوللو إله النور والعدالة واضحاً وضوح النهار، إلا أن الشمس التي يمثّلها تنطوي أيضاً على قدر من الضراوة، فكان هو الآخر رغم أنه إله النور والعدالة يعتريه أحياناً جنوح إلى الضراوة، وما سَلْخه لجسد مارسياس وفتكه بأبناء نيوبي وبناتها إلا أدلة دامغة على هذا الجنوح.
وكانت أقدم تماثيل الكوروس العراة خلال العصر الإغريقي العتيق التي اصطلح على إطلاق اسم أبوللو عليها جامدة يعوزها الجمال، تتخذ جميعها وضعة المواجهة وتتسم الانتقالات بين مسطّحاتها بأنها فجّة مفاجئة (لوحة 71)، ثم ما لبثت أن اكتسبت شيئاً فشيئاً خلال قرن من الزمان ذلك التشكيل الذي يظفر بإعجابنا إلى اليوم، وصارت تتميّز بسمتين ترهصان بما سيطرأ عليها من تطور هما الوضوح والمثالية، فإن ما يلفتنا حتى في أقدم رؤوس أبوللو العتيقة هو تزاوج المعالم الهندسية مع الحيوية التشكيلية، وبهذا كان أبوللو واضحاً ومثالياً قبل أن يكون جميلاً.
وهكذا كان التساوق الكامل الذي عماده التوازن والتعويض بين الأجزاء المختلفة للتمثال أو الصورة هو جوهر الفن الكلاسيكي، غير أن التوازن لا يمثّل إلا النصف من المشكلة التشكيلية فحسب لأن الأجزاء المتوازنة ينبغي أن يرتبط أحدها بالآخر ارتباطاً قائماً على مقاييس محددة، إذ لا بدّ أن يكون ثمّة قانون للنسب. وكان إلى بوليكليتيس ابتكار ذلك القانون الذي لم يصلنا منه إلا بعض قواعده الأولية، ومن بينها أن الرأس يمثّل إحدى وحدات الجسد التي يبلغ عددها سبعة وحدات ونصف. وكم باءت بالفشل كل محاولات استكناه هذا القانون من خلال قياس التماثيل، وذلك لرجوع هذا القانون إلى قواعد الهندسة النظرية لا إلى حساب الأرقام. على أن نظام النسب الرياضية قد ظهر في أشكال الأجساد العارية قبل ظفرها بالجمال المثالي من خلال النسب التي قنّنها بوليكليتيس ثم طبّقها وأتقنها. وإلى جوار ما قدّمه من حلول لتوفير التوازن وتحديد النسب انشغل بتكوين بنية الجذع الإنساني، مُدركاً أنها هي التي ستحقّق الوحدة النحتية بمقعّراتها ومحدّباتها التي يسبغ عليها الفنان التناغم والاتساق من خلال التنويع تارة وإبراز جزء على حساب غيره تارة أخرى. ولقد كانت سيطرة بوليكليتيس على معمار العضلات بالغة الدقة حتى ليمكن القول بأنه مبتكر الصورة التشكيلية لجذع الإنسان النمطية المعروفة بين النقاد الفرنسيين باسم "الدرع الجمالي" Cuirasse esthetique والتي غدت أساس التوزيع التشكيلي المستخدم في تصميم شُكَّة القتال المدرّعة حتى أصبحت تمثّل فيما بعد بالنسبة لأجساد الأبطال ما كانت تمثّله الأقنعة بالنسبة لشخوص المسرحية الكلاسيكية القديمة. والغريب أن هذا "الدرع الجمالي" الذي ظفر بإعجاب فناني عصر النهضة - وكان أحد معالم الفن الكلاسيكي القديم - لم يشدّ إليه ذوق النقّاد المحدثين الذين يعدّونه مفتقراً إلى النبض والرشاقة (لوحة72) على الرغم ممّا فجّر فيه بوليكليتيس من حيوية.
وإذا كان كتّاب العصر الكلاسيكي قد اعترفوا بأن بوليكليتيس هو مبتكر "النموذج الإنساني المتوازن"، إلا أنهم ذهبوا أيضاً إلى أنه لم يوفّق إلى صياغة "النموذج الإلهي المتوازن" الذي تحقّق على يد فيدياس. ففي الفترة ما بين عامي 480 و440 ق. م. التي ظهرت فيها تماثيل الأبطال الرياضيين ظهرت أيضاً جملة من التماثيل النذرية بلغت ذروة جمالها في تماثيل أبوللو للفنان فيدياس الذي احتفظ لنا الزمن بواحد منها فوق الجبين المثلّث لمعبد أوليمبيا (لوحة73)، فليس ثمّة ما هو أفضل منه في تمثيل المثل الأعلى الإغريقي، إذ ينطوي على مسحة من السكينة والطمأنينة والثقة المفرطة بسلطان جماله الجسدي، كما يخلو جبينه ووجنته من أية غضون تشي بالتوتّر أو القلق، وهو ما يمكن استنباطه مع الإطلالة الأولى على وجهه، وإن افتقر جسده الموحي بالجلال والشموخ إلى التعبيرية.
وإذا عرضنا للجمال البشري خلال القرن الرابع ق. م. اتجهت أنظارنا على الفور إلى تمثال أصيل معروف هو تمثال هرمس لبراكستيليس (لوحة 74) الذي يتميز من بين سائر التماثيل الكلاسيكية بالشفافية والحسية المعهودتين في منجزات القرن الرابع ق. م. بصفة عامة وفي منحوتات براكستيليس بصفة خاصة. وعلى الرغم من أن التمثال العادي في تلك الحقبة لم يتخل عن جلاله وتماسكه أو فتوّته إلا أن الانطباع الغالب كان مزيجاً من الرشاقة والعذوبة يوفّرهما التصميم الإنسيابي من ناحية ورقّة التنفيذ التي تصل أحياناً إلى حدّ الحساسية المرهفة من ناحية أخرى. وإذا كان تمثال هرمس لبراكستيليس يمثّل الذروة في نظر اليوناني نحو "التكامل الكلي" حيث يجتمع الجمال والقوة والرشاقة واللطافة، فإن الفن الكلاسيكي ما لبث بعد ذلك أن انتهى إلى "الانفصام" حيث غدا الجسد إما يمثل الرشاقة فحسب، وإما يمثل القوة المفرطة وحدها، وإما يمثل الحيوية.
أما آخر من جاء من عظماء الفنانين في ميدان النحت الإغريقي فهو ليسيبوس الذي ابتدع قانوناً جديداً للنسب يكون رأس الإنسان فيه أقل حجماً والسيقان أقصر طولاً والجسد أكثر نحولاً، وزاد على غيره فمثّل الحركة في وضعة مقيّدة Arrested motion تعني الإيحاء بالتوثّب في تماثيل الأبطال الرياضيين. وتكشف تماثيله المتبقية عن حسّه العميق بالفراغ، وعن خروجه على قاعدة الوضعة المواجهة الصارمة التي التزمها بوليكليتيس، وبهذا التحرر التقني مضى فن النحت شوطاً بعيداً نحو النزعة الطبيعية. وعلى العكس من تعالي بوليكليتيس وغطرسته يروي المؤرخ بلينيوس أن ليسيبوس قد سئل مرة عن مصدر إلهامه فأشار على الفور إلى السابلة في الطريق، فلا يسعك وأنت تتطلّع إلى تماثيله إلا الشعور بأن منحوتاته تمثّل الإنسان تمثيلاً لا يدانيه في الصدق تمثيل آخر.
ولم يلبث خروج من جاء بعده من الفنانين على الالتزام بالأسس الفنية التقليدية أن أسفر عن فوضى غاب فيها النظام وانعدم التناغم في الفن المتأغرق بما ضم من أشكال للمجالدين والساتير لا حصر لها، وبتكرار الموضوعات التقليدية إلى ما لا نهاية له. فعلى امتداد شواطئ البحر المتوسط وعلى مدى أربعة قرون عرى الفنون التشكيلية خمول وخمود، هذا إلى ما انطوت عليه من ابتذال، ولم يقبل الناس عليها إلا بوصفها امتداداً لماضٍ عريق تميّز بكنوز روحية ازدهرت خلال القرنين الخامس والرابع ق. م. ومع ذلك فقد وفّق بعض الفنانين بين الحين والحين إلى الإيهام بلون من التجديد في أعمالهم وإن أعوزتها الحيوية، وذلك باقتباس مبتكرات الحقبة السابقة وإعادة تكوينها بمهارة في أنماط جديدة، تساعدها على الرواج نعومة الصقل ودقّة إبراز التفاصيل وإضفاء الطابع القصصي على المنجزات الفنية.
وثمّة ظاهرة أخرى تنافي الذوق السليم ولا يجوز إغفالها في هذه الإطلالة العجلة على الماضي الكلاسيكي العريق، هي تركيب الرؤوس الشخصية فوق أجساد عارية مثالية. وتعزى هذه الظاهرة إلى الرومان وإن تجلّت في منجزات سبقت قيام الإمبراطورية الرومانية، فلقد تصوروا إمكان إضفاء الألوهية على الحاكم بوضع رأسه فوق جسد إلهي. وقد اتبع الأباطرة الرومان الأوائل هذه القاعدة حتى غدت تقليداً مثيراً للسخرية والتندّر، خاصة حين نرى جسداً كلاسيكياً مثالياً لا تشوبه أية مسحة ذاتية وقد اعتلاه وجه تيبيريوس المتجهّم أو وجه كاليجولا المجنون. على أن ممّا يخفّف من وقع تلك الكارثة الفنية ما ظهر من حسّ مرهف بالجمال المثالي على يد الإمبراطور هادريانوس الذي عمل على ابتكار نموذج جديد للجمال المثالي حين قضى بوضع ملامح صفيِّه أنتينوس فوق الأجساد الممثلة للآلهة، فبتنا نرى وسامة وجه هذا الصبي فوق أجساد أبوللو وهرمس وديونيسوس مع تعديل نسبها الطبيعية لتكون متناسقة مع الجذوع. وللمرة الأولى منذ القرن الرابع ق. م. أخذنا نشهد نمطاً جمالياً لرأس بحجمها الطبيعي لا نقلاً عن نماذج مرسومة، فإذا نحن نعود إلى استشعار دفء الشخصية الذاتية. وما من شك في أن فناني عصر النهضة وهم على ما كانوا عليه من إيمان بالنزعة الفردية الذاتية قد عراهم الإحساس نفسه فإذا نحن نرى السمة الحسية البحتة لأنتينوس تتجلّى فجأة في تمثال داوود لدوناتللو (لوحة 145) بعد غيابها قروناً طويلة، وذلك حين عاد الجسد العاري الأبوللوني إلى بؤرة الاهتمام من جديد.
وثمة تمثال هام آخر لأبوللو جدير بالذكر هو تمثال أبوللو البلفدير (لوحة 75) الذي اعتبره فنكلمان أرفع مثال للجمال الفنّي في العصر الكلاسيكي بأسره. فلقد كان في تمثال أبوللو البلفدير كل ما يشبع غريزة عصره التوّاقة إلى الفوز طفرة واحدة حتى بالمستحيل دون الالتزام بما يوجبه العقل، تلك الرغبة العارمة للظفر بما لا يُجيزه منطق والتي سادت بعد عند الرومانسيين. وطالما اضطلع أبوللو بهذا الدور تجاوزت عيون النظارة عن ضعف بنيته وترهّل مسطحاته غير المتماسكة التي تصرف المهتمين بالجماليات الحسية عن رؤية معالمه الجذّابة الأخرى. ولعله ليس ثمّة عمل فنّي آخر مشهور ينطوي على مثل هذا التباين بين الأصل اليوناني والنسخة الرومانية مثلما يظهر جلياً في أبوللو البلفدير، فثمّة لمسة من الحياء تغمر جماله المثالي، وثمّة عنصر غير يوناني في لفتة رأسه التي تبدو وكأنها تمدّ البصر إلى آفاق تتجاوز عالم الإغريق.
على أنه قبل تداعي الحضارة الكلاسيكية بوقت طويل لم يعد نموذج أبوللو يحتل مرتبته الأولى كما كان قبل إشباعاً للخيال الفنّي، على حين بقي نموذج هرمس "مرافق الموتى" حيّاً يُحتذى، وهذا لصلته الوثيقة بالمعتقدات الدينية القائمة على الطقوس السرية، كما بقي شائعاً أيضاً نموذج ديونيسوس المرتبط بالعقائد ذات الشعائر القائمة على الانجذاب والنشوة. ولم يعد لأبوللو إله الضوء والعدالة Sol Justitae المجسّد للعقلانية والسكينة موضع قدم في عالم القرن الثالث ق. م. المضطرب الغارق إلى آذانه في الخرافات، ومن ثم لم تعد فكرة الجمال العاري المثالي تظهر في منجزات العصر الكلاسيكي المتأخّر إلا فيما ندر. وعندما شرعت المسيحية بعد لأي في إرساء رموزها الخاصّة لم تجد فيما بين يديها من نماذج معاصرة لها إلا أقل القليل من النماذج الأبوللونية التي يمكن تحويلها إلى تجسيد لآدم. وتكمن المفارقة الغريبة اللافتة للأنظار في كون النموذج الأبوللوني المثالي قد شقّ لنفسه طريقاً كما ظفر بأهميّة بالغة خلال هذه الفترة نفسها في موقع آخر ناء هو الشرق الأقصى. ذلك أن التناغم المتساوق لأشكال الفن البوذي المبكر أخذ في التعبير عن الغزو الثقافي اليوناني بأكثر ممّا عبّرت عنه انتصارات الإسكندر الأكبر، ففي الفترة ما بين القرنين الخامس والثاني عشر الميلاديين قدّمت الحضارات المتعدّدة بشرق آسيا أشكالاً للرجال العراة لا تكاد تختلف كثيراً عن تماثيل أبوللو الكلاسيكية القديمة لفيدياس من حيث وقارها وأثر وضعاتها المواجهة.
ويُجري أفلاطون على لسان أحد المشاركين في كتابه "المأدبة" أن ثمّة نمطين لفينوس أحدهما فينوس السماوية Venus Coelestis وثانيهما فينوس الدنيوية Venus Naturalis ومنذ أقدم العصور كان اشتهاء الرغبة الكامنة في أعماق الإنسان إلى الأنثى يجد متنفّساً له في الصور والرسوم، غير أنه على مرّ العصور تعاقبت محاولات الفنانين لابتكار شكل تنتقل به فينوس من النمط الدنيوي إلى النمط السماوي مستخدمين في ذلك معادلات الأبعاد وتناسق الأعضاء وترابطها وتدرّجها في الأهميّة وفقاً لرؤية كلّ فنان.
ويمكن تقسيم الصور النسائية التي تعود إلى عصر ما قبل التاريخ إلى نوعين، أوّلهما التماثيل المنمنمة المنتفخة التي عثر عليها في كهوف العصر الحجري القديم (لوحة 76) حيث نلمس عناية واضحة بإبراز الخصائص الأنثوية الرامزة للخصوبة، وثانيهما تلك الدمى النسائية الصغيرة Figurines من الرخام التي اكتشفت في جزر السيكلاديس (لوحة 77) والتي يخضع جسد المرأة فيها لنظام هندسي دقيق. وإذا أخذنا بما أورده أفلاطون في كتابه "المأدبة" جاز لنا أيضاً أن نجاري مؤرّخ الفن كينيث كلارك في تسميته النمط النسائي الأوّل بفينوس الولود Vegetable والثاني بفينوس البللورية Crystalline وهما النمطان الأساسيان لتشكيل جسد المرأة يمازج أحدهما الآخر بلا انقطاع إلى أيّامنا هذه، فعلى حين نلمس في فينوس الفنّان بوتتشيللي صفاء البللور ونقاءه نجدها مع ذلك لا تخلو من لمسة حسية واضحة، وبينما تبدو فينوس الفنان روبنز كأنها ينبوع متدفق من الخصب والعطاء نجدها تسمو نحو المثل الأعلى.
ولقد ثبت أن ليس ثمّة تمثيل لجسد المرأة العاري في اليونان قبل القرن السادس ق. م.، وأنه لم يظهر خلال القرن الخامس إلا نادراً. ولا شك أنه كانت هناك أسباب دينية واجتماعية وراء هذه الندرة، فعلى حين كان عري أبوللو جزءاً من طبيعته الإلهية، كانت ثمّة تقاليد من الشعائر والمحاذير تفرض على أفردويتي الظهور كاسية. وإذا كانت الأساطير تروي أن فينوس انبثقت من البحر أول ما ظهرت في جزيرة قبرص، فذلك لأن فينوس العارية كانت في حقيقة الأمر فكرة وافدة على اليونان، بل إن شكلها الذي ظهرت به لأول مرة في الفن اليوناني يكشف بالتحديد عن أصولها الشرقية، كما أنها ارتبطت حتى القرن الرابع ق. م. بالعقائد الشرقية، وهو ما أثار حيرة العديد من الباحثين. ولقد كان مردّ اعتراض الكهنة على تمثال "فينوس من كنيدوس" (لوحة 78) للفنان براكستيليس إلى ذلك القدر من الأنوثة المتفجّر في جسدها حتى ليأخذ بفكر متأمّلها بعيداً عن الورع الديني الواجب على المتطلّع إلى إحدى الربّات. ثم إن الأعراف الاجتماعية كانت ما تزال تنفر من العري النسائي، ففي الوقت الذي كان الفتيان يخلعون ثيابهم أثناء التدريب في حلبات الرياضة ولا يرتدون سوى مئزر ضئيل، كانت النساء اليونانيات يمضين كاسيات من قمّة الرأس إلى أخمص القدم وتلزم كثرتهن الدور عاكفات على تأدية واجباتهن المنزلية، ولم تشذّ عن هذه التقاليد سوى نساء أسبرطة اللاتي كان في ظهورهنّ عاريات الأرداف أثناء المباريات الرياضية ما أثار شعور سائر أهل اليونان استنكاراً.
كانت هذه لمحة عابرة لا غنى عنها قبل الخوض في موضوع التشكيل الفنّي لفينوس. وقد بلغت ندرة صور النساء العاريات خلال العصر الذهبي للفن اليوناني حدّاً يدعونا عند متابعة تطور التمثيل الفنّي لفينوس قبل ظهور براكستيليس إلى إغفال العري التام، وإن كان علينا أن ندخل في حسباننا تلك المنحوتات التي تلتصق فيها الأردية الخفيفة بالأجسام أو ما يدعوه الفرنسيون الثوبالواشي Draperie mouillee، وهو ما اتبعه الإغريق منذ عصرهم العتيق حتى النهاية بعد أن اكتشف المثّالون الأوائل ما يمكن أن تخلعه الأردية الشفافة على الأشكال من جاذبية وغموض، فضلاً عن وجود مواضع في الجسد الأنثوي كان للتشكيل الفني دوراً هاماً في إبرازها إلى جانب مواضع أخرى أقل إثارة وأجدر أن تستر.
وقد أنجز براكتيليس تمثال فينوس من كنيدوس (لوحة 78) حوالي عام 350 ق. م. متّخذاً جسد عشيقته فريني نموذجاً. وسواء كان صحيحاً ما ادعاه المؤرخ بلينيوس من استنكار أهل جزيرة كوس لهذا التمثال أو غير صحيح فمما لا شكّ فيه أنه قد استحوذ على إعجاب أهل هذه الجزيرة الواقعة بالقرب من الشاطئ الجنوبي لآسيا الصغرى حيث كانت فينوس - كما قدّمت - موضع الإكبار والتقديس منذ أمد بعيد. ويفصح لنا أحد المؤرّخين القدامى عن طقوس زيارة المحراب المكشوف المحتضن لهذا التمثال الذي لم يكن يتصدّره شأن غيره من المحاريب فناءٌ مرصوفٌ، بل كانت تحيط به أشجار الفاكهة وشجيرات الكروم وتنجلي رؤيته من جوانبه الأربع، ويكشف المحراب عن تمثال الربّة الأبيض الوضّاء وسط الخضرة اليانعة، فتقع أبصار الحجّاج عليه من مبعدة حيث تبدو فينوس على وشك البدء في حمّامها الشعائري تستعد للتطهّر وفق الطقوس السائدة، وما تزال إحدى يديها تمسك بقميصها الذي خلعته لتوّها لتضعه فوق جرّة ذات زخارف نباتية بديعة إلى جوارها وقد افترّ ثغرها عن بسمة وادعة دون تخلّيها عن وقارها الإلهي، بينما تخفي يدها اليمنى موضع العفّة منها.
ويمضي بلينيوس معدّداً محاسنها الأنثوية وكأنّها إنسية ذات جمال آسر، بل إنه يروي أن أحد الحجّاج المفتونين قد اعتلى قاعدة التمثال وطوق عنق الإلهة، وهو ما حفز سادن المحراب إلى فتح باب المحراب الخلفي ليضاعف متعة الجمهور بمشاهدة الربّة من خلف فيثير المزيد من حماسهم. ولقد كشف المؤرّخ بهذا الوصف الدقيق لردود فعل الزائرين والسدنة عن مدى تجسيد هذا التمثال للاشتهاء الحسّي الذي لا شك كان أحد عناصر قداسته. ولا يجمل بنا أن نراع كثيراً أمام هذه الصراحة الحسية، إذ لو قارنا هذا التمثال بما ينطوي عليه "نشيد الإنشاد" التوراتي من خيال حسّي جامح لوجدناه بالقياس إليه أشدّ تحفّظاً. ولا ينبغي أن يغيب عن بالنا أن كليهما نتاج عقلية واحدة بل ربّما نتاج العقيدة نفسها، ذلك أن "فينوس الرغبة" هي في الأصل إلهة سورية، غير أن الذوق اليوناني قد خفّف من حسّيتها حين مدّ يدها لتخفي في خفر وحياء ذلك الموضع الذي يعدّ في ديانات هذه المنطقة سرّ قوّتها. وما نظن عقيدة بعد ذلك أوحت بإنجاز تمثال تشيع فيه الحسية بمثل هذه العذوبة والرقّة والاعتدال والتسامي والقدسية، حتى إنه ليستقرّ في نفس كل من يتأمّل التمثال أن الآلهة هم الآخرون يشاركونه الغريزة الحسية التي كان يخال أنها وقف عليه هو والحيوان. لقد كان هذا التمثال تكليلاً للجمال الذي أدرك معاصروه أنه لم يكن من خلق براكستيليس وحده، بل لقد شاركته في خلقه فريني حين اتخذها نموذجه فنقل من جمالها إلى هذا التمثال وغيره ما أثار إعجابهم بها حتى دفعتهم حماستهم إلى صياغة تمثال لها بالحجم الطبيعي من البروزنز المذهّب أودعوه محراب مدينة دلفي المقدّس.
ويذهب بلينيوس إلى أن هذا التمثال كان موضع الإعجاب من كافّة جوانبه، وأنه ليس أجمل تماثيل براكستيليس فحسب بل تماثيل العالم أجمع، كما تناول لوكيانوس بالتعليق ابتسامتها التي تحوم برقّة على شفتيها المنفرجتين ونظرة العينين المستنيمة بما تنطويان عليه من بهجة متألّقة. ولقد كان عري النساء قبل تمثال فينوس من كنيدوس نادراً في النحت اليوناني قلّما نجد له نماذج في فنون العصر العتيق والكلاسيكي، إذ كان أهل أثينا - كما قدّمت - يستنكرون عري صبايا أسبرطة الكاشفات عن سيقانهن، غير أن هذه الإدانة لعري تماثيل النساء ما لبثت أن تراجعت خلال القرن الرابع ق. م. وثمّة تسعة وأربعون تمثالاً مستنسخاً بالحجم الطبيعي لفينوس الكنيدية، غير أن واحداً منها لن يتمكّن من التأثير فينا تأثير الأصل المفقود، فعلى الرغم من الأثر الحسّي الموّار في أعماقنا من تأمّل هذا التمثال إلا أن سمات الوقار والجلال والشفافية التي يتحلّى بها ترقى به إلى مستوى أنغام الأجرام السماوية حتى لنكاد نتوهّم أنّه ينتمي بالفعل إلى نمط فينوس البللورية.
وثمّة تمثالان آخران شهيران لفينوس لا ينبثقان من فينوس الكنيدية كانا يُعدّان خلال القرن الماضي النموذج المثالي للفن وإن عادا في الأصل الى العصر المتأغرق وهما فينوس الكابيتولينوس (لوحة 79) وفينوس قصر مديتشي (لوحة 80) وهما وإن كانا في جوهرهما يعكسان فكر براكستيليس إلا أنهما ينطويان على فارق هام، فعلى حين أن فينوس الكنيدية لا يشغلها غير استحمامها الشعائري الذي توشك على البدء فيه، اتخذت فينوس الكابيتولينية وضعة خاصّة بالتصوير عن وعي تام بما يدور حولها وقد اعترى ملامحها الخجل.
وما من شكّ في أن وضعتها تقدّم أكمل الحلول في الفن الكلاسيكي لجملة من المشاكل التي تعترض الفنّان عند تمثيله الجسد الأنثوي العاري. ومع أن الاختلافات بينها وفينوس الكنيدية هيّنة إلا أنها شديدة الأهمية، فقد انتقل ثقل الجسم من ساق إلى أخرى وإن شاركت الساق اليمنى أيضا في حمل جزء من ثقل الجسم، وانتقلت حركة ذراع فينوس الكنيدية اليمنى إلى الذراع اليسرى في فينوس الكابيتولينية، وإن بقي الرأسان يتطلّعان في الاتجاه نفسه. على أن أشد الاختلافات بينهما وضوحاً استقرار ذراع الكابيتولينية اليمنى تحت النهدين بدلاً من تباعده وإمساكه بالقميص. ولقد كان الهدف من وراء الاختلافات هذه إحكام التماسك والتوازن والرسوخ، فالذراعان تحيطان بجسم الكابيتولينية وكأنّهما الغمد الذي يحتويه، والرأس والذراع اليسرى والساق التي يعتمد عليها الجسم تشكّل جميعاً خطّاً راسخاً رسوخ أحد أعمدة المعبد. ولو أنّك اقتربت من فينوس الكنيدية من الاتجاه الذي تنفذ ببصرها إليه لوجدت جسدها مكشوفاً بلا حماية، في حين أنك لو تقدّمت نحو فينوس الكابيتولينية لوجدتها وكأنّ سياجاً مطوّقاً يحميها ويذود عنها، وتلك هي الوضعة المعروفة في تاريخ الفن باسم "فينوس الخَفِرة أو الحييّة" Venus Pudica فبالرغم من أنها أشد من فينوس الكنيدية واقعية من الناحية الحسية، فضلاً عن عدم حجب ذراعها اليمنى لصدرها الناهد، فإننا إذا تناولنا شكلها بالتحليل أفضى إلى تبرير إطلاق هذه التسمية عليها، وعندها سندرك سرّ اتباع تماثيل فينوس التالية لهذه الوضعة واستنكارها عري براكستيليس الصريح، كما سندرك السرّ وراء وصول هذا التصميم إلينا أكثر من غيره على الرغم من كل التقلّبات والتغيّرات التي لحقت بفينوس طوال ألفي عام.
وممّا يُثير الدهشة أن هذه الوضعة قد ظفرت بجانب كبير من الشيوع فيما بعد عصر النهضة بفضل تمثال مستنسخ هو تمثال فينوس قصر مديتشي الشهير المحفوظ بمتحف أوفتزي الذي فقد كمال إيقاعه نتيجة خطأ في ترميم وضع الذراع اليمنى، فلقد تحوّلت فينوس الكابيتولينية البضّة الجسد في فينوس مديتشي إلى نموذج للوقار المترفّع حيث يستدق الخط المحوط للجسد تدريجياً أثناء صعوده إلى أعلى حتى ينتهي إلى الرأس البراكستيلية الصغيرة. وإذا كان البعض قد أبى الاعتراف بجمال فينوس مديتشي، حتى لقد ذهب الشاعر وردزورث إلى أنه ما إن وقع بصره عليها حتى أدار لها ظهره وغلبه النعاس، فإن عدداً لا يستهان به من كبار النقاد يأتي فنكلمان في طليعتهم عدّوا فينوس مديتشي نموذجاً للجمال الأنثوي.
وما إن اكتُشفت فينوس جزيرة ميلوس (لوحة 67) في عام 1820 حتى انتزعت مكان الصدارة من فينوس مديتشي وعدّت الرمز الأسمى للجمال الأنثوي، فهي أنثى ولود تتفجّر صحّة وعافية متفوّقة بذلك على كل ما قدّمه العالم الكلاسيكي من قبل. فلم يكتف صانع هذا التمثال بابتكارات زمانه بل عمل على إضافة لمسات مستعارة من فن القرن الخامس ق. م.، وهو ما تكشف عنه نسبها، فعلى حين أن المسافة بين النهدين في غيره من التماثيل المعاصرة له أقل من المسافة بينهما وبين السرّة نجد النسبة الكلاسيكية القديمة تعود لتحتلّ مكانها فتتساوى النسبتان. كما يتميّز جسد فينوس بانبساطة وادعة تكاد تخفي عن عيوننا لأوّل وهلة ما يحتشد فيه من تدرّجات متعاقبة، وهو ما اصطلح على تسميته "بفن إخفاء المعايب التي تنشأ عن تقنية الفن". وحتى الآن ونحن نعلم يقيناً أن فينوس ميلوس لا ترجع إلى عهد فيدياس وأساطين النحت العظام، وأنها لا تتميّز برهافة المعايير المعاصرة، فإنّها تبقى أحد النماذج الرائعة لتمثيل الجسد الإنساني، وأبلغ ردّ على لغو بعض النقّاد المعاصرين الداعين إلى وجوب تعبير العمل الفني عن الزمن الذي ظهر فيه فحسب.
ولقد حاول فنانو عصر النهضة إقناعنا بأن التكوين الفني "لربّات الحسن الثلاث" العاريات وقد بَدَون متشابكات إحداهنّ بالأخرى هو أحد أجمل مبتكرات العصر الكلاسيكي الأخيرة وأنه كان عُرفاً مألوفاً متداولاً، في حين أنه لم يثبت أنه كان معروفاً في حقبات ازدهار الفن الكلاسيكي، بل إن مصدره ما يزال مجهولاً. وقد تكون وضعة التشابك مقتبسة من صفوف الراقصات اللاتي يضعن أذرعهنّ فوق أكتاف بعضهن البعض بينما تبدو واحدة منهنّ مقبلة والأخرى مدبرة، وهي حركة ما تزال سارية في تصميمات الرقص اليونانية حتى الآن. ومن هذا التصميم الكوريوجرافي ابتكر فنان مجهول تلك الفكرة الملهمة لتصوير ثلاث عاريات يُكوِّنَّ مجموعة متّسقة متناغمة تضم رفيقات فينوس الحسناوات. ومن العسير أن نحدّد على وجه الدقّة متى حدث ذلك، لكن الثابت من كل نماذج "ربّات الحسن" التي حفظتها لنا الأيام أن نسب أجسادهن هي النسب التي سادت في القرن الأول. وثمّة نقش بارز بمتحف اللوفر لربّات الحسن الثلاث (لوحة 81) انطمست للأسف رؤوسهن يقدّم لنا مع بساطته واحداً من أبدع نماذج ربّات الحسن الثلاث "وكان أول موضوع للجمال الأنثوي فرض ذاته خلال القرن الخامس عشر، وإن شكّل في الوقت نفسه مثالاً مبكراً لإغفال قانون النسب الذي ظلّ مطبّقاً منذ القرن الخامس ق. م. فإذا نحن نجد في بعض الصور الجدارية الرومانية من بومبي جذوع ربّات الحسن قد استطالت بحيث غدت المسافة من الصدر إلى موضع لقاء الفخذين قد زادت من نسبتين إلى ثلاث (لوحة 82)، ولعل الفنان الذي صوّرها أحد الحرفيّين الوافدين من الإسكندرية، حيث تتبدّى في الربّات الثلاث مظاهر التأثير الوافد من الشرق الذي لعب دوراً فاعلاً في تفسّخ الفن الكلاسيكي. على أنه من الخطل بمكان افتراض أن التغيير الذي أصاب تمثيل جسد المرأة العاري مردّه إلى التأثيرات الوافدة من الخارج وحدها، فالأساليب والطرز شأنها شأن الحضارات يتناوشها التفسّخ والاضمحلال من الداخل، ومن ثم كان التحريف الذي لحق بنسب ربّات الحسن في هذه اللوحة الجدارية المصوّرة هو نتيجة التراخي في الالتزام بالقواعد الكلاسيكية المثالية، وهو ما يُغري عادة عند تشكيل الجسد الأنثوي باستلهام وظائفه الحيوية، فتعود فينوس إلى نمطها الأول وهو فينوس الولود. والواقع أن تمثيلات المرأة العارية في أواخر العصر الكلاسيكي نادرة، وتتسم مع ندرتها بالفظاظة والخشونة، كما فقدت إغرائها بأن تصبح موضوعاً مطروقاً في الفن من قبل أن يشملها الحظر الديني والخلقي، فلم تصل إلينا تماثيل للمرأة العارية بعد القرن الثاني الميلادي، إذ كانت قد فقدت معناها وسبب وجودها الأصلي في الفن حين انتقلت من محراب العقيدة الدينية إلى ساحة الترويح، ثم من ساحة الترويح إلى مجال الزخرفة إلى أن اختفت تماما. وعندما كُتِبَ لها الظهور من جديد كان كل ما يبدعه الإنسان من أزياء ومبان وحروف للكتابة ومناهج للفكر والأخلاق قد عراه الكثير من التغيير والتبديل. وقبل ذلك كلّه فإنّ جسد المرأة ذاته قد عراه هو أيضاً التغيير، فابتكرت العصور الوسطى تقليداً فنياً جديداً لتمثيل جسد حواء يجمع بين بساطة الأنثى العارية وبين إيقاعات انحناءات زخارف العقود القوطية المدبّبة.
ولمّا كانت الأشكال والوضعات قد اتخذت تنويعات عصيّة على الحصر على مدى الزمن، فإن أكثر ما نلحظه من تغيّرات هو الذي جرى بالتحديد في نسب الجسد الأنثوي فيما بين العصرين اليوناني والقوطي. فعلى سبيل المثال كانت وحدة القياس في الجسد الأنثوي الإغريقي العاري هي المسافة بين نهدي المرأة التي ينبغي أن تكون هي المسافة نفسها بين ما تحت الثديين إلى السرّة، ثم هي نفسها من السرّة حتى ملتقى الفخذين، على نحو ما نرى في تمثال فينوس من ميلوس (لوحة 67) وظلّت هذه النسبة واجبة التطبيق خلال العصر الكلاسيكي كله بل وحتى القرن الأول الميلادي. وإذا ضاهينا الأشكال الكلاسيكية بجسد عار أنثوي من العصر القوطي خلال القرن الخامس عشر مثل صورة حواء للفنان الفلمنكي مِمْلَنْك (لوحة 86) أو فينوس للمصوّر الألماني كراناخ (لوحة 69) اتضح لنا أن العناصر والمعالم واحدة متشابهة، وأن النمط الأصلي للجسد الأنثوي ما يزال بيضوي الشكل تعلوه كرتان، غير أنه تسترعينا على الفور استطالة الشكل البيضوي للجسد استطالة شديدة، وكذا تقلّص الكرتين العلويتين. وإذا طبّقنا وحدة القياس وهي المسافة بين النهدين لوجدنا أن المسافة بين الثديين والسرة قد تضاعفت طولاً عمّا كانت عليه في التصميم الكلاسيكي، كما أن خلو الجسم من الضلوع والعضلات يعمّق الإحساس بالطول. وليس ثمّة غرابة في ذلك إذا لاحظنا أن فنان ذلك العصر - أي عصر - كان يحرص على تقديم الشكل الأنثوي الذي كان رجال عصره يتوقون لرؤيته مجسّداً أمام أعينهم.
وإذا كان الجسد العاري الكلاسيكي للرجل قد ارتبط بمعمار المعبد الإغريقي، وذلك بارتكاز مسطّح الصدر فوق السيقان الممثّلة للأعمدة حيث كان التوجّه في مجال النحت هو الاعتماد على واجهة مسطحة بسيطة (لوحة 70) ، فقد ارتبط الجسد العاري خلال عصر النهضة بالمفهوم المعماري الجديد الذي ابتكر طراز الكنيسة ذات القبّة المركزية، فتحول التوجّه في مجال النحت إلى المحاور المتعدّدة التي تشعّ من مركز واحد، وأصبح ما ندعوه الجسد العاري المتعدّد المحاور هو النموذج السائد حتى بعث الكلاسيكية المحدثة خلال القرن الثامن عشر، وما كاد المعماريون يُحيون الشكل المعماري للمعبد الإغريقي حتى عاد النحّاتون إلى استخدام نفس الواجهة المسطّحة في تشكيل الجسد العاري. وفي النهاية غدت "الصلة المتبادلة بين المعمار والجسد العاري" Dipendenza معبّرة أيضاً عن العلاقة التي نتوخّاها مما يضيفه العقل من كمال على ما نحب ونعشق، حتى رأينا الفنان الفرنسي بوسان يكتب إلى أحد أصدقائه في عام 1642 قائلاً: "يقيناً لقد أشاعت الصبايا الجميلات اللاتي وقع عليهن بصرك في مدينة نيم في أعماقك إحساساً بالبهجة لا يقلّ عمّا أشاعته أعمدة "البيت المربع" التي شيّدت على صورتهن".
وهكذا لم يكن الجسد العاري الإغريقي شكلاً من أشكال الفن موصولاً بالمثل الأعلى أو ملتزماً بالنسب القابلة للقياس فحسب، بل كان مدعاة للزهو والفخار، ومن ثم ينبغي أن يكون على أكمل صورة له. ولا يعني هذا أن الكثرة الكثيرة من شباب الإغريق كانت تبدو مثل تمثال هرمس لبراكستيليس كمالاً، إلا أن الشيء المؤكّد هو أن غالبية الشباب الأثيني في القرن الخامس ق. م. كانت تتمتع بأجساد رشيقة متوازنة المعالم على نحو ما نرى مصوّراً فوق الأواني الخزفية ذات الأشكال الحمراء وما نرى منحوتاً في الرخام.
ولقد شاع تصوير الجسد العاري خلال السنوات المائة الأولى من عصر النهضة حين امتزجت الرغبة الوليدة في استلهام التصوير الكلاسيكي القديم بتقاليد العصور الوسطى الفنية المُلزِمة باستخدام الرمز وإضفاء الصفات الخصوصية على المفاهيم السائدة، حتى بدا أنه ليس ثمّة فكرة مهما كانت عصيّة أو موغلة في عالم الغيبيات الرحيب يعجز الجسد العاري عن تمثيلها والتعبير عنها. مثال ذلك لوحة "يوم الحساب" لميكلانجلو، وإن استنكر البعض تصوير المسيح والقديسين عراة فيها، كما أنه ليس ثمّة معنى مهما هان أو ضؤل يستحيل على أن يتمثّل شكلاً بشرياً، وإن كان هذا لم يجئ وفق ما يرضاه المتزمتون، من ذلك ما نراه في الأبواب والشماعد بل وأيدي السكاكين والشوك التي مثّلت على هيئة أشكال بشرية.
ولم يشكّ الإغريق لحظة واحدة في تمتّع الإله أبوللو بجمال الرجولة الأمثل وهو مَن شُكِّل جسده تبعاً للقواعد التي حدّدها قانون للنسب، فهيّأت له ذلك الجمال القدسي المعبّر عن التناغم الرياضي. وإذ جاء جسد أبوللو إله النور والعدالة واضحاً وضوح النهار، إلا أن الشمس التي يمثّلها تنطوي أيضاً على قدر من الضراوة، فكان هو الآخر رغم أنه إله النور والعدالة يعتريه أحياناً جنوح إلى الضراوة، وما سَلْخه لجسد مارسياس وفتكه بأبناء نيوبي وبناتها إلا أدلة دامغة على هذا الجنوح.
وكانت أقدم تماثيل الكوروس العراة خلال العصر الإغريقي العتيق التي اصطلح على إطلاق اسم أبوللو عليها جامدة يعوزها الجمال، تتخذ جميعها وضعة المواجهة وتتسم الانتقالات بين مسطّحاتها بأنها فجّة مفاجئة (لوحة 71)، ثم ما لبثت أن اكتسبت شيئاً فشيئاً خلال قرن من الزمان ذلك التشكيل الذي يظفر بإعجابنا إلى اليوم، وصارت تتميّز بسمتين ترهصان بما سيطرأ عليها من تطور هما الوضوح والمثالية، فإن ما يلفتنا حتى في أقدم رؤوس أبوللو العتيقة هو تزاوج المعالم الهندسية مع الحيوية التشكيلية، وبهذا كان أبوللو واضحاً ومثالياً قبل أن يكون جميلاً.
وهكذا كان التساوق الكامل الذي عماده التوازن والتعويض بين الأجزاء المختلفة للتمثال أو الصورة هو جوهر الفن الكلاسيكي، غير أن التوازن لا يمثّل إلا النصف من المشكلة التشكيلية فحسب لأن الأجزاء المتوازنة ينبغي أن يرتبط أحدها بالآخر ارتباطاً قائماً على مقاييس محددة، إذ لا بدّ أن يكون ثمّة قانون للنسب. وكان إلى بوليكليتيس ابتكار ذلك القانون الذي لم يصلنا منه إلا بعض قواعده الأولية، ومن بينها أن الرأس يمثّل إحدى وحدات الجسد التي يبلغ عددها سبعة وحدات ونصف. وكم باءت بالفشل كل محاولات استكناه هذا القانون من خلال قياس التماثيل، وذلك لرجوع هذا القانون إلى قواعد الهندسة النظرية لا إلى حساب الأرقام. على أن نظام النسب الرياضية قد ظهر في أشكال الأجساد العارية قبل ظفرها بالجمال المثالي من خلال النسب التي قنّنها بوليكليتيس ثم طبّقها وأتقنها. وإلى جوار ما قدّمه من حلول لتوفير التوازن وتحديد النسب انشغل بتكوين بنية الجذع الإنساني، مُدركاً أنها هي التي ستحقّق الوحدة النحتية بمقعّراتها ومحدّباتها التي يسبغ عليها الفنان التناغم والاتساق من خلال التنويع تارة وإبراز جزء على حساب غيره تارة أخرى. ولقد كانت سيطرة بوليكليتيس على معمار العضلات بالغة الدقة حتى ليمكن القول بأنه مبتكر الصورة التشكيلية لجذع الإنسان النمطية المعروفة بين النقاد الفرنسيين باسم "الدرع الجمالي" Cuirasse esthetique والتي غدت أساس التوزيع التشكيلي المستخدم في تصميم شُكَّة القتال المدرّعة حتى أصبحت تمثّل فيما بعد بالنسبة لأجساد الأبطال ما كانت تمثّله الأقنعة بالنسبة لشخوص المسرحية الكلاسيكية القديمة. والغريب أن هذا "الدرع الجمالي" الذي ظفر بإعجاب فناني عصر النهضة - وكان أحد معالم الفن الكلاسيكي القديم - لم يشدّ إليه ذوق النقّاد المحدثين الذين يعدّونه مفتقراً إلى النبض والرشاقة (لوحة72) على الرغم ممّا فجّر فيه بوليكليتيس من حيوية.
وإذا كان كتّاب العصر الكلاسيكي قد اعترفوا بأن بوليكليتيس هو مبتكر "النموذج الإنساني المتوازن"، إلا أنهم ذهبوا أيضاً إلى أنه لم يوفّق إلى صياغة "النموذج الإلهي المتوازن" الذي تحقّق على يد فيدياس. ففي الفترة ما بين عامي 480 و440 ق. م. التي ظهرت فيها تماثيل الأبطال الرياضيين ظهرت أيضاً جملة من التماثيل النذرية بلغت ذروة جمالها في تماثيل أبوللو للفنان فيدياس الذي احتفظ لنا الزمن بواحد منها فوق الجبين المثلّث لمعبد أوليمبيا (لوحة73)، فليس ثمّة ما هو أفضل منه في تمثيل المثل الأعلى الإغريقي، إذ ينطوي على مسحة من السكينة والطمأنينة والثقة المفرطة بسلطان جماله الجسدي، كما يخلو جبينه ووجنته من أية غضون تشي بالتوتّر أو القلق، وهو ما يمكن استنباطه مع الإطلالة الأولى على وجهه، وإن افتقر جسده الموحي بالجلال والشموخ إلى التعبيرية.
وإذا عرضنا للجمال البشري خلال القرن الرابع ق. م. اتجهت أنظارنا على الفور إلى تمثال أصيل معروف هو تمثال هرمس لبراكستيليس (لوحة 74) الذي يتميز من بين سائر التماثيل الكلاسيكية بالشفافية والحسية المعهودتين في منجزات القرن الرابع ق. م. بصفة عامة وفي منحوتات براكستيليس بصفة خاصة. وعلى الرغم من أن التمثال العادي في تلك الحقبة لم يتخل عن جلاله وتماسكه أو فتوّته إلا أن الانطباع الغالب كان مزيجاً من الرشاقة والعذوبة يوفّرهما التصميم الإنسيابي من ناحية ورقّة التنفيذ التي تصل أحياناً إلى حدّ الحساسية المرهفة من ناحية أخرى. وإذا كان تمثال هرمس لبراكستيليس يمثّل الذروة في نظر اليوناني نحو "التكامل الكلي" حيث يجتمع الجمال والقوة والرشاقة واللطافة، فإن الفن الكلاسيكي ما لبث بعد ذلك أن انتهى إلى "الانفصام" حيث غدا الجسد إما يمثل الرشاقة فحسب، وإما يمثل القوة المفرطة وحدها، وإما يمثل الحيوية.
أما آخر من جاء من عظماء الفنانين في ميدان النحت الإغريقي فهو ليسيبوس الذي ابتدع قانوناً جديداً للنسب يكون رأس الإنسان فيه أقل حجماً والسيقان أقصر طولاً والجسد أكثر نحولاً، وزاد على غيره فمثّل الحركة في وضعة مقيّدة Arrested motion تعني الإيحاء بالتوثّب في تماثيل الأبطال الرياضيين. وتكشف تماثيله المتبقية عن حسّه العميق بالفراغ، وعن خروجه على قاعدة الوضعة المواجهة الصارمة التي التزمها بوليكليتيس، وبهذا التحرر التقني مضى فن النحت شوطاً بعيداً نحو النزعة الطبيعية. وعلى العكس من تعالي بوليكليتيس وغطرسته يروي المؤرخ بلينيوس أن ليسيبوس قد سئل مرة عن مصدر إلهامه فأشار على الفور إلى السابلة في الطريق، فلا يسعك وأنت تتطلّع إلى تماثيله إلا الشعور بأن منحوتاته تمثّل الإنسان تمثيلاً لا يدانيه في الصدق تمثيل آخر.
ولم يلبث خروج من جاء بعده من الفنانين على الالتزام بالأسس الفنية التقليدية أن أسفر عن فوضى غاب فيها النظام وانعدم التناغم في الفن المتأغرق بما ضم من أشكال للمجالدين والساتير لا حصر لها، وبتكرار الموضوعات التقليدية إلى ما لا نهاية له. فعلى امتداد شواطئ البحر المتوسط وعلى مدى أربعة قرون عرى الفنون التشكيلية خمول وخمود، هذا إلى ما انطوت عليه من ابتذال، ولم يقبل الناس عليها إلا بوصفها امتداداً لماضٍ عريق تميّز بكنوز روحية ازدهرت خلال القرنين الخامس والرابع ق. م. ومع ذلك فقد وفّق بعض الفنانين بين الحين والحين إلى الإيهام بلون من التجديد في أعمالهم وإن أعوزتها الحيوية، وذلك باقتباس مبتكرات الحقبة السابقة وإعادة تكوينها بمهارة في أنماط جديدة، تساعدها على الرواج نعومة الصقل ودقّة إبراز التفاصيل وإضفاء الطابع القصصي على المنجزات الفنية.
وثمّة ظاهرة أخرى تنافي الذوق السليم ولا يجوز إغفالها في هذه الإطلالة العجلة على الماضي الكلاسيكي العريق، هي تركيب الرؤوس الشخصية فوق أجساد عارية مثالية. وتعزى هذه الظاهرة إلى الرومان وإن تجلّت في منجزات سبقت قيام الإمبراطورية الرومانية، فلقد تصوروا إمكان إضفاء الألوهية على الحاكم بوضع رأسه فوق جسد إلهي. وقد اتبع الأباطرة الرومان الأوائل هذه القاعدة حتى غدت تقليداً مثيراً للسخرية والتندّر، خاصة حين نرى جسداً كلاسيكياً مثالياً لا تشوبه أية مسحة ذاتية وقد اعتلاه وجه تيبيريوس المتجهّم أو وجه كاليجولا المجنون. على أن ممّا يخفّف من وقع تلك الكارثة الفنية ما ظهر من حسّ مرهف بالجمال المثالي على يد الإمبراطور هادريانوس الذي عمل على ابتكار نموذج جديد للجمال المثالي حين قضى بوضع ملامح صفيِّه أنتينوس فوق الأجساد الممثلة للآلهة، فبتنا نرى وسامة وجه هذا الصبي فوق أجساد أبوللو وهرمس وديونيسوس مع تعديل نسبها الطبيعية لتكون متناسقة مع الجذوع. وللمرة الأولى منذ القرن الرابع ق. م. أخذنا نشهد نمطاً جمالياً لرأس بحجمها الطبيعي لا نقلاً عن نماذج مرسومة، فإذا نحن نعود إلى استشعار دفء الشخصية الذاتية. وما من شك في أن فناني عصر النهضة وهم على ما كانوا عليه من إيمان بالنزعة الفردية الذاتية قد عراهم الإحساس نفسه فإذا نحن نرى السمة الحسية البحتة لأنتينوس تتجلّى فجأة في تمثال داوود لدوناتللو (لوحة 145) بعد غيابها قروناً طويلة، وذلك حين عاد الجسد العاري الأبوللوني إلى بؤرة الاهتمام من جديد.
وثمة تمثال هام آخر لأبوللو جدير بالذكر هو تمثال أبوللو البلفدير (لوحة 75) الذي اعتبره فنكلمان أرفع مثال للجمال الفنّي في العصر الكلاسيكي بأسره. فلقد كان في تمثال أبوللو البلفدير كل ما يشبع غريزة عصره التوّاقة إلى الفوز طفرة واحدة حتى بالمستحيل دون الالتزام بما يوجبه العقل، تلك الرغبة العارمة للظفر بما لا يُجيزه منطق والتي سادت بعد عند الرومانسيين. وطالما اضطلع أبوللو بهذا الدور تجاوزت عيون النظارة عن ضعف بنيته وترهّل مسطحاته غير المتماسكة التي تصرف المهتمين بالجماليات الحسية عن رؤية معالمه الجذّابة الأخرى. ولعله ليس ثمّة عمل فنّي آخر مشهور ينطوي على مثل هذا التباين بين الأصل اليوناني والنسخة الرومانية مثلما يظهر جلياً في أبوللو البلفدير، فثمّة لمسة من الحياء تغمر جماله المثالي، وثمّة عنصر غير يوناني في لفتة رأسه التي تبدو وكأنها تمدّ البصر إلى آفاق تتجاوز عالم الإغريق.
على أنه قبل تداعي الحضارة الكلاسيكية بوقت طويل لم يعد نموذج أبوللو يحتل مرتبته الأولى كما كان قبل إشباعاً للخيال الفنّي، على حين بقي نموذج هرمس "مرافق الموتى" حيّاً يُحتذى، وهذا لصلته الوثيقة بالمعتقدات الدينية القائمة على الطقوس السرية، كما بقي شائعاً أيضاً نموذج ديونيسوس المرتبط بالعقائد ذات الشعائر القائمة على الانجذاب والنشوة. ولم يعد لأبوللو إله الضوء والعدالة Sol Justitae المجسّد للعقلانية والسكينة موضع قدم في عالم القرن الثالث ق. م. المضطرب الغارق إلى آذانه في الخرافات، ومن ثم لم تعد فكرة الجمال العاري المثالي تظهر في منجزات العصر الكلاسيكي المتأخّر إلا فيما ندر. وعندما شرعت المسيحية بعد لأي في إرساء رموزها الخاصّة لم تجد فيما بين يديها من نماذج معاصرة لها إلا أقل القليل من النماذج الأبوللونية التي يمكن تحويلها إلى تجسيد لآدم. وتكمن المفارقة الغريبة اللافتة للأنظار في كون النموذج الأبوللوني المثالي قد شقّ لنفسه طريقاً كما ظفر بأهميّة بالغة خلال هذه الفترة نفسها في موقع آخر ناء هو الشرق الأقصى. ذلك أن التناغم المتساوق لأشكال الفن البوذي المبكر أخذ في التعبير عن الغزو الثقافي اليوناني بأكثر ممّا عبّرت عنه انتصارات الإسكندر الأكبر، ففي الفترة ما بين القرنين الخامس والثاني عشر الميلاديين قدّمت الحضارات المتعدّدة بشرق آسيا أشكالاً للرجال العراة لا تكاد تختلف كثيراً عن تماثيل أبوللو الكلاسيكية القديمة لفيدياس من حيث وقارها وأثر وضعاتها المواجهة.
ويُجري أفلاطون على لسان أحد المشاركين في كتابه "المأدبة" أن ثمّة نمطين لفينوس أحدهما فينوس السماوية Venus Coelestis وثانيهما فينوس الدنيوية Venus Naturalis ومنذ أقدم العصور كان اشتهاء الرغبة الكامنة في أعماق الإنسان إلى الأنثى يجد متنفّساً له في الصور والرسوم، غير أنه على مرّ العصور تعاقبت محاولات الفنانين لابتكار شكل تنتقل به فينوس من النمط الدنيوي إلى النمط السماوي مستخدمين في ذلك معادلات الأبعاد وتناسق الأعضاء وترابطها وتدرّجها في الأهميّة وفقاً لرؤية كلّ فنان.
ويمكن تقسيم الصور النسائية التي تعود إلى عصر ما قبل التاريخ إلى نوعين، أوّلهما التماثيل المنمنمة المنتفخة التي عثر عليها في كهوف العصر الحجري القديم (لوحة 76) حيث نلمس عناية واضحة بإبراز الخصائص الأنثوية الرامزة للخصوبة، وثانيهما تلك الدمى النسائية الصغيرة Figurines من الرخام التي اكتشفت في جزر السيكلاديس (لوحة 77) والتي يخضع جسد المرأة فيها لنظام هندسي دقيق. وإذا أخذنا بما أورده أفلاطون في كتابه "المأدبة" جاز لنا أيضاً أن نجاري مؤرّخ الفن كينيث كلارك في تسميته النمط النسائي الأوّل بفينوس الولود Vegetable والثاني بفينوس البللورية Crystalline وهما النمطان الأساسيان لتشكيل جسد المرأة يمازج أحدهما الآخر بلا انقطاع إلى أيّامنا هذه، فعلى حين نلمس في فينوس الفنّان بوتتشيللي صفاء البللور ونقاءه نجدها مع ذلك لا تخلو من لمسة حسية واضحة، وبينما تبدو فينوس الفنان روبنز كأنها ينبوع متدفق من الخصب والعطاء نجدها تسمو نحو المثل الأعلى.
ولقد ثبت أن ليس ثمّة تمثيل لجسد المرأة العاري في اليونان قبل القرن السادس ق. م.، وأنه لم يظهر خلال القرن الخامس إلا نادراً. ولا شك أنه كانت هناك أسباب دينية واجتماعية وراء هذه الندرة، فعلى حين كان عري أبوللو جزءاً من طبيعته الإلهية، كانت ثمّة تقاليد من الشعائر والمحاذير تفرض على أفردويتي الظهور كاسية. وإذا كانت الأساطير تروي أن فينوس انبثقت من البحر أول ما ظهرت في جزيرة قبرص، فذلك لأن فينوس العارية كانت في حقيقة الأمر فكرة وافدة على اليونان، بل إن شكلها الذي ظهرت به لأول مرة في الفن اليوناني يكشف بالتحديد عن أصولها الشرقية، كما أنها ارتبطت حتى القرن الرابع ق. م. بالعقائد الشرقية، وهو ما أثار حيرة العديد من الباحثين. ولقد كان مردّ اعتراض الكهنة على تمثال "فينوس من كنيدوس" (لوحة 78) للفنان براكستيليس إلى ذلك القدر من الأنوثة المتفجّر في جسدها حتى ليأخذ بفكر متأمّلها بعيداً عن الورع الديني الواجب على المتطلّع إلى إحدى الربّات. ثم إن الأعراف الاجتماعية كانت ما تزال تنفر من العري النسائي، ففي الوقت الذي كان الفتيان يخلعون ثيابهم أثناء التدريب في حلبات الرياضة ولا يرتدون سوى مئزر ضئيل، كانت النساء اليونانيات يمضين كاسيات من قمّة الرأس إلى أخمص القدم وتلزم كثرتهن الدور عاكفات على تأدية واجباتهن المنزلية، ولم تشذّ عن هذه التقاليد سوى نساء أسبرطة اللاتي كان في ظهورهنّ عاريات الأرداف أثناء المباريات الرياضية ما أثار شعور سائر أهل اليونان استنكاراً.
كانت هذه لمحة عابرة لا غنى عنها قبل الخوض في موضوع التشكيل الفنّي لفينوس. وقد بلغت ندرة صور النساء العاريات خلال العصر الذهبي للفن اليوناني حدّاً يدعونا عند متابعة تطور التمثيل الفنّي لفينوس قبل ظهور براكستيليس إلى إغفال العري التام، وإن كان علينا أن ندخل في حسباننا تلك المنحوتات التي تلتصق فيها الأردية الخفيفة بالأجسام أو ما يدعوه الفرنسيون الثوبالواشي Draperie mouillee، وهو ما اتبعه الإغريق منذ عصرهم العتيق حتى النهاية بعد أن اكتشف المثّالون الأوائل ما يمكن أن تخلعه الأردية الشفافة على الأشكال من جاذبية وغموض، فضلاً عن وجود مواضع في الجسد الأنثوي كان للتشكيل الفني دوراً هاماً في إبرازها إلى جانب مواضع أخرى أقل إثارة وأجدر أن تستر.
وقد أنجز براكتيليس تمثال فينوس من كنيدوس (لوحة 78) حوالي عام 350 ق. م. متّخذاً جسد عشيقته فريني نموذجاً. وسواء كان صحيحاً ما ادعاه المؤرخ بلينيوس من استنكار أهل جزيرة كوس لهذا التمثال أو غير صحيح فمما لا شكّ فيه أنه قد استحوذ على إعجاب أهل هذه الجزيرة الواقعة بالقرب من الشاطئ الجنوبي لآسيا الصغرى حيث كانت فينوس - كما قدّمت - موضع الإكبار والتقديس منذ أمد بعيد. ويفصح لنا أحد المؤرّخين القدامى عن طقوس زيارة المحراب المكشوف المحتضن لهذا التمثال الذي لم يكن يتصدّره شأن غيره من المحاريب فناءٌ مرصوفٌ، بل كانت تحيط به أشجار الفاكهة وشجيرات الكروم وتنجلي رؤيته من جوانبه الأربع، ويكشف المحراب عن تمثال الربّة الأبيض الوضّاء وسط الخضرة اليانعة، فتقع أبصار الحجّاج عليه من مبعدة حيث تبدو فينوس على وشك البدء في حمّامها الشعائري تستعد للتطهّر وفق الطقوس السائدة، وما تزال إحدى يديها تمسك بقميصها الذي خلعته لتوّها لتضعه فوق جرّة ذات زخارف نباتية بديعة إلى جوارها وقد افترّ ثغرها عن بسمة وادعة دون تخلّيها عن وقارها الإلهي، بينما تخفي يدها اليمنى موضع العفّة منها.
ويمضي بلينيوس معدّداً محاسنها الأنثوية وكأنّها إنسية ذات جمال آسر، بل إنه يروي أن أحد الحجّاج المفتونين قد اعتلى قاعدة التمثال وطوق عنق الإلهة، وهو ما حفز سادن المحراب إلى فتح باب المحراب الخلفي ليضاعف متعة الجمهور بمشاهدة الربّة من خلف فيثير المزيد من حماسهم. ولقد كشف المؤرّخ بهذا الوصف الدقيق لردود فعل الزائرين والسدنة عن مدى تجسيد هذا التمثال للاشتهاء الحسّي الذي لا شك كان أحد عناصر قداسته. ولا يجمل بنا أن نراع كثيراً أمام هذه الصراحة الحسية، إذ لو قارنا هذا التمثال بما ينطوي عليه "نشيد الإنشاد" التوراتي من خيال حسّي جامح لوجدناه بالقياس إليه أشدّ تحفّظاً. ولا ينبغي أن يغيب عن بالنا أن كليهما نتاج عقلية واحدة بل ربّما نتاج العقيدة نفسها، ذلك أن "فينوس الرغبة" هي في الأصل إلهة سورية، غير أن الذوق اليوناني قد خفّف من حسّيتها حين مدّ يدها لتخفي في خفر وحياء ذلك الموضع الذي يعدّ في ديانات هذه المنطقة سرّ قوّتها. وما نظن عقيدة بعد ذلك أوحت بإنجاز تمثال تشيع فيه الحسية بمثل هذه العذوبة والرقّة والاعتدال والتسامي والقدسية، حتى إنه ليستقرّ في نفس كل من يتأمّل التمثال أن الآلهة هم الآخرون يشاركونه الغريزة الحسية التي كان يخال أنها وقف عليه هو والحيوان. لقد كان هذا التمثال تكليلاً للجمال الذي أدرك معاصروه أنه لم يكن من خلق براكستيليس وحده، بل لقد شاركته في خلقه فريني حين اتخذها نموذجه فنقل من جمالها إلى هذا التمثال وغيره ما أثار إعجابهم بها حتى دفعتهم حماستهم إلى صياغة تمثال لها بالحجم الطبيعي من البروزنز المذهّب أودعوه محراب مدينة دلفي المقدّس.
ويذهب بلينيوس إلى أن هذا التمثال كان موضع الإعجاب من كافّة جوانبه، وأنه ليس أجمل تماثيل براكستيليس فحسب بل تماثيل العالم أجمع، كما تناول لوكيانوس بالتعليق ابتسامتها التي تحوم برقّة على شفتيها المنفرجتين ونظرة العينين المستنيمة بما تنطويان عليه من بهجة متألّقة. ولقد كان عري النساء قبل تمثال فينوس من كنيدوس نادراً في النحت اليوناني قلّما نجد له نماذج في فنون العصر العتيق والكلاسيكي، إذ كان أهل أثينا - كما قدّمت - يستنكرون عري صبايا أسبرطة الكاشفات عن سيقانهن، غير أن هذه الإدانة لعري تماثيل النساء ما لبثت أن تراجعت خلال القرن الرابع ق. م. وثمّة تسعة وأربعون تمثالاً مستنسخاً بالحجم الطبيعي لفينوس الكنيدية، غير أن واحداً منها لن يتمكّن من التأثير فينا تأثير الأصل المفقود، فعلى الرغم من الأثر الحسّي الموّار في أعماقنا من تأمّل هذا التمثال إلا أن سمات الوقار والجلال والشفافية التي يتحلّى بها ترقى به إلى مستوى أنغام الأجرام السماوية حتى لنكاد نتوهّم أنّه ينتمي بالفعل إلى نمط فينوس البللورية.
وثمّة تمثالان آخران شهيران لفينوس لا ينبثقان من فينوس الكنيدية كانا يُعدّان خلال القرن الماضي النموذج المثالي للفن وإن عادا في الأصل الى العصر المتأغرق وهما فينوس الكابيتولينوس (لوحة 79) وفينوس قصر مديتشي (لوحة 80) وهما وإن كانا في جوهرهما يعكسان فكر براكستيليس إلا أنهما ينطويان على فارق هام، فعلى حين أن فينوس الكنيدية لا يشغلها غير استحمامها الشعائري الذي توشك على البدء فيه، اتخذت فينوس الكابيتولينية وضعة خاصّة بالتصوير عن وعي تام بما يدور حولها وقد اعترى ملامحها الخجل.
وما من شكّ في أن وضعتها تقدّم أكمل الحلول في الفن الكلاسيكي لجملة من المشاكل التي تعترض الفنّان عند تمثيله الجسد الأنثوي العاري. ومع أن الاختلافات بينها وفينوس الكنيدية هيّنة إلا أنها شديدة الأهمية، فقد انتقل ثقل الجسم من ساق إلى أخرى وإن شاركت الساق اليمنى أيضا في حمل جزء من ثقل الجسم، وانتقلت حركة ذراع فينوس الكنيدية اليمنى إلى الذراع اليسرى في فينوس الكابيتولينية، وإن بقي الرأسان يتطلّعان في الاتجاه نفسه. على أن أشد الاختلافات بينهما وضوحاً استقرار ذراع الكابيتولينية اليمنى تحت النهدين بدلاً من تباعده وإمساكه بالقميص. ولقد كان الهدف من وراء الاختلافات هذه إحكام التماسك والتوازن والرسوخ، فالذراعان تحيطان بجسم الكابيتولينية وكأنّهما الغمد الذي يحتويه، والرأس والذراع اليسرى والساق التي يعتمد عليها الجسم تشكّل جميعاً خطّاً راسخاً رسوخ أحد أعمدة المعبد. ولو أنّك اقتربت من فينوس الكنيدية من الاتجاه الذي تنفذ ببصرها إليه لوجدت جسدها مكشوفاً بلا حماية، في حين أنك لو تقدّمت نحو فينوس الكابيتولينية لوجدتها وكأنّ سياجاً مطوّقاً يحميها ويذود عنها، وتلك هي الوضعة المعروفة في تاريخ الفن باسم "فينوس الخَفِرة أو الحييّة" Venus Pudica فبالرغم من أنها أشد من فينوس الكنيدية واقعية من الناحية الحسية، فضلاً عن عدم حجب ذراعها اليمنى لصدرها الناهد، فإننا إذا تناولنا شكلها بالتحليل أفضى إلى تبرير إطلاق هذه التسمية عليها، وعندها سندرك سرّ اتباع تماثيل فينوس التالية لهذه الوضعة واستنكارها عري براكستيليس الصريح، كما سندرك السرّ وراء وصول هذا التصميم إلينا أكثر من غيره على الرغم من كل التقلّبات والتغيّرات التي لحقت بفينوس طوال ألفي عام.
وممّا يُثير الدهشة أن هذه الوضعة قد ظفرت بجانب كبير من الشيوع فيما بعد عصر النهضة بفضل تمثال مستنسخ هو تمثال فينوس قصر مديتشي الشهير المحفوظ بمتحف أوفتزي الذي فقد كمال إيقاعه نتيجة خطأ في ترميم وضع الذراع اليمنى، فلقد تحوّلت فينوس الكابيتولينية البضّة الجسد في فينوس مديتشي إلى نموذج للوقار المترفّع حيث يستدق الخط المحوط للجسد تدريجياً أثناء صعوده إلى أعلى حتى ينتهي إلى الرأس البراكستيلية الصغيرة. وإذا كان البعض قد أبى الاعتراف بجمال فينوس مديتشي، حتى لقد ذهب الشاعر وردزورث إلى أنه ما إن وقع بصره عليها حتى أدار لها ظهره وغلبه النعاس، فإن عدداً لا يستهان به من كبار النقاد يأتي فنكلمان في طليعتهم عدّوا فينوس مديتشي نموذجاً للجمال الأنثوي.
وما إن اكتُشفت فينوس جزيرة ميلوس (لوحة 67) في عام 1820 حتى انتزعت مكان الصدارة من فينوس مديتشي وعدّت الرمز الأسمى للجمال الأنثوي، فهي أنثى ولود تتفجّر صحّة وعافية متفوّقة بذلك على كل ما قدّمه العالم الكلاسيكي من قبل. فلم يكتف صانع هذا التمثال بابتكارات زمانه بل عمل على إضافة لمسات مستعارة من فن القرن الخامس ق. م.، وهو ما تكشف عنه نسبها، فعلى حين أن المسافة بين النهدين في غيره من التماثيل المعاصرة له أقل من المسافة بينهما وبين السرّة نجد النسبة الكلاسيكية القديمة تعود لتحتلّ مكانها فتتساوى النسبتان. كما يتميّز جسد فينوس بانبساطة وادعة تكاد تخفي عن عيوننا لأوّل وهلة ما يحتشد فيه من تدرّجات متعاقبة، وهو ما اصطلح على تسميته "بفن إخفاء المعايب التي تنشأ عن تقنية الفن". وحتى الآن ونحن نعلم يقيناً أن فينوس ميلوس لا ترجع إلى عهد فيدياس وأساطين النحت العظام، وأنها لا تتميّز برهافة المعايير المعاصرة، فإنّها تبقى أحد النماذج الرائعة لتمثيل الجسد الإنساني، وأبلغ ردّ على لغو بعض النقّاد المعاصرين الداعين إلى وجوب تعبير العمل الفني عن الزمن الذي ظهر فيه فحسب.
ولقد حاول فنانو عصر النهضة إقناعنا بأن التكوين الفني "لربّات الحسن الثلاث" العاريات وقد بَدَون متشابكات إحداهنّ بالأخرى هو أحد أجمل مبتكرات العصر الكلاسيكي الأخيرة وأنه كان عُرفاً مألوفاً متداولاً، في حين أنه لم يثبت أنه كان معروفاً في حقبات ازدهار الفن الكلاسيكي، بل إن مصدره ما يزال مجهولاً. وقد تكون وضعة التشابك مقتبسة من صفوف الراقصات اللاتي يضعن أذرعهنّ فوق أكتاف بعضهن البعض بينما تبدو واحدة منهنّ مقبلة والأخرى مدبرة، وهي حركة ما تزال سارية في تصميمات الرقص اليونانية حتى الآن. ومن هذا التصميم الكوريوجرافي ابتكر فنان مجهول تلك الفكرة الملهمة لتصوير ثلاث عاريات يُكوِّنَّ مجموعة متّسقة متناغمة تضم رفيقات فينوس الحسناوات. ومن العسير أن نحدّد على وجه الدقّة متى حدث ذلك، لكن الثابت من كل نماذج "ربّات الحسن" التي حفظتها لنا الأيام أن نسب أجسادهن هي النسب التي سادت في القرن الأول. وثمّة نقش بارز بمتحف اللوفر لربّات الحسن الثلاث (لوحة 81) انطمست للأسف رؤوسهن يقدّم لنا مع بساطته واحداً من أبدع نماذج ربّات الحسن الثلاث "وكان أول موضوع للجمال الأنثوي فرض ذاته خلال القرن الخامس عشر، وإن شكّل في الوقت نفسه مثالاً مبكراً لإغفال قانون النسب الذي ظلّ مطبّقاً منذ القرن الخامس ق. م. فإذا نحن نجد في بعض الصور الجدارية الرومانية من بومبي جذوع ربّات الحسن قد استطالت بحيث غدت المسافة من الصدر إلى موضع لقاء الفخذين قد زادت من نسبتين إلى ثلاث (لوحة 82)، ولعل الفنان الذي صوّرها أحد الحرفيّين الوافدين من الإسكندرية، حيث تتبدّى في الربّات الثلاث مظاهر التأثير الوافد من الشرق الذي لعب دوراً فاعلاً في تفسّخ الفن الكلاسيكي. على أنه من الخطل بمكان افتراض أن التغيير الذي أصاب تمثيل جسد المرأة العاري مردّه إلى التأثيرات الوافدة من الخارج وحدها، فالأساليب والطرز شأنها شأن الحضارات يتناوشها التفسّخ والاضمحلال من الداخل، ومن ثم كان التحريف الذي لحق بنسب ربّات الحسن في هذه اللوحة الجدارية المصوّرة هو نتيجة التراخي في الالتزام بالقواعد الكلاسيكية المثالية، وهو ما يُغري عادة عند تشكيل الجسد الأنثوي باستلهام وظائفه الحيوية، فتعود فينوس إلى نمطها الأول وهو فينوس الولود. والواقع أن تمثيلات المرأة العارية في أواخر العصر الكلاسيكي نادرة، وتتسم مع ندرتها بالفظاظة والخشونة، كما فقدت إغرائها بأن تصبح موضوعاً مطروقاً في الفن من قبل أن يشملها الحظر الديني والخلقي، فلم تصل إلينا تماثيل للمرأة العارية بعد القرن الثاني الميلادي، إذ كانت قد فقدت معناها وسبب وجودها الأصلي في الفن حين انتقلت من محراب العقيدة الدينية إلى ساحة الترويح، ثم من ساحة الترويح إلى مجال الزخرفة إلى أن اختفت تماما. وعندما كُتِبَ لها الظهور من جديد كان كل ما يبدعه الإنسان من أزياء ومبان وحروف للكتابة ومناهج للفكر والأخلاق قد عراه الكثير من التغيير والتبديل. وقبل ذلك كلّه فإنّ جسد المرأة ذاته قد عراه هو أيضاً التغيير، فابتكرت العصور الوسطى تقليداً فنياً جديداً لتمثيل جسد حواء يجمع بين بساطة الأنثى العارية وبين إيقاعات انحناءات زخارف العقود القوطية المدبّبة.
ولا تكاد العين تتأمّل مجموعات العراة في التصاوير والمنمنمات القوطية حتى يجري فكر المرء إلى ما جرى إليه فكر كينيث كلارك في وصفه الخيالي الممتع الذي جاء بكتابه "العري" The Nude حين تأمّل هؤلاء العراة فأيقظوا في ذهنه صورة جذور النباتات والأبصال التي تنمو عادة في طيّات الثرى، والتي ما تكاد تخرج إلى العراء حتى تبدو شاحبة مقهورة وقد فقدت سكينتها وأمنها في مهجعها الأرضي، وذلك أن أجساد الرجال العرايا تبدو في رأيه كجذور بينما أجساد العاريات كالأبصال، وقد اكتست هذه وتلك بالشحوب والقهر وكأنّما فعل بها ظلام القرون الوسطى فِعْل الثرى بجذور النبات المدفون.
وإذ كانت بعض موضوعات التصوير المسيحي تتطلّب تصوير شخوص عارية، اقتضى الأمر من الفنانين القوطيين أن ينهجوا نهجاً جديداً في تصويرها تصويراً يبقى مع الزمن فابتكروا نموذجاً بديلاً جديداً. وكانت قد تضافرت في العصور الأولى للمسيحية مؤثّرات عدة تحول دون تصوير الأجساد العارية، مثل احتواء التعاليم المسيحية على آثار يهودية كامنة تحفز على استنكار تصوير الإنسان وتعدّه مناقضاً للوصية الثانية. كذلك كانت تعاليم الكنيسة الأولى لا تؤمن بالنحت لا لأنه يمثّل الوثنية الأولى فحسب بل لأن المنحوتات كانت في رأيها ملاذاً للشياطين يتقمّصون منها ما يمثّل الآلهة والإلاهات الوثنية لما فيها من جمال ورونق بغية تضليل البشر، وإذ كانت تلك التماثيل الإلهية أكثر ما تكون عارية أضفى هذا على العري ما يمتّ إلى الشياطين بسبب. وتلت عصور المسيحية الأولى حركات تحطيم الأصنام وتمزيق الصور أو طمسها، وقد حمل هذا الاتجاه أثراً من المقولة الأفلاطونية القديمة التي تزعم أن كل ما هو روحاني يلحقه الدنس إذا تقمّص جسداً، وإن ذهب علماء النفس المحدثين إلى أن الحرمان الحسّي الذي نادى به مؤسّسو حركة الرهبانية، منكرين الملاذّ الحسّية مطّرحين المرأة جانباً، لم يكن عن دوافع خُلُقية بقدر ما كان عن ظاهرة مرضية نفسية. ونحن في أيامنا هذه لا نستطيع أن نطالع أوفيد أو بترونيوس دون أن تنتابنا هِزَّة أمام ما كان يتناول به القدامى في يُسر وبساطة المتع الجسدية. وما يدرينا لعلّ ما أخذ به الرهبان والنسّاك أنفسهم من إسراف في الزهد عن المتع الحسّيّة كان ردّ فعل لتلك الظواهر الإباحية لكي يكون ثمّة توازن بين ما هو روحي وما هو حسّي.
هكذا تغيّرت فكرة الجسد في أذهان الناس، فلم يعد كما كان قبل تجسيداً للجمال الإلهي، بل غدا الجسد شيئاً مُزرياً يحمل العار والهوان، ولعلّ ما نراه في فنون العصور الوسطى ما يبيّن لنا كيف محا الفقه المسيحي صور الجمال الجسدي من خيال المتديّنين.
وما من شك في أن الإنسان ظلّ دوماً يحمل بين جوانحه الرغبات الشهوانية، ومع ذلك فعلى الرغم من أن بعض موضوعات التصوير في العصور الوسطى كان يباح فيها للفنان تصوير الجسد عارياً سويّاً، إلا أنه لم يبلغ في تصويره ما يثير الرغبة، ولم يبرز تلك العناصر المثيرة المحرّضة الشهوات. تُرى هل كان هذا من فناني العصور الوسطى عن كبت ما كانوا يحسّون، أم أن المتعة بمفاتن الجسد غدت تستوي عندهم بالمتعة بمشاهد الطبيعة؟ ومهما كان الأمر فقد كانت هذه وتلك إبداعاتٍ من إيحاء الفن فحسب.
والثابت أن ثمّة نزعة متزمّتة سرت في تقاليد العصور الوسطى المسيحية نراها جليّة في تمثالين لآدم وحواء قائمين بذاتيهما ويعدّان الأوّلين من نوعيهما لشخصين عاريين في فن هذه الحقبة بكنيسة بامبرج في ألمانيا (لوحة 83)، فيبدوان جامدين لا ينبضان بحساسية ويستويان في هذا بأي عمود من أعمدة الكنيسة. ولا نرى ما يفرّق بين حواء وآدم إلا هذين النتوأين الصغيرين الصلبين المنبثقين من صدر حواء على تباعد، وإن تميّز التمثالان مع هذا برصانة مفرطة وبتكامل معماري يبدوان معه نموذجين فنّيين للعري أكثر منهما شخصين عاريين.
وكان العري الذي بدت عليه "الشخوص" في فنون مستهلّ العصور الوسطى مقصوداً به التعبير عمّا عانته تلك الشخوص من قهر وإذلال أو امتهان أو تعذيب أو استشهاد. وما أظن فنان العصور الوسطى حين صوّر العري كان يغيب عنه أن أوّل ما عاناه الإنسان الأول كان خروجه من الجنّة عارياً، وإلى هذا تشير عبارة سفر التكوين في الكتاب المقدّس التي تقول: "فانفتحت أعينهما وعلما أنهما عريانان". فعلى حين بدأ الفنان اليوناني يتمثّل العري في شخص بطل رياضي يزاول نشاطه البدني مُباهياً بجسده العاري في ساحة الملعب، نجد فنان العصور الوسطى المسيحي حين صور العري يصوّره في جسد انطوى على نفسه وقد غشاه الخزي والخجل فأخذ يستر عورته براحته إحساساً منه بالخطيئة.
وعلى الرغم من ظهور العراة في المنجزات الفنية البيزنطية بشرق أوروبا بين الفينة والأخرى حتى القرن التاسع، إلا أن اكتمال تشكيل الجسد العاري في إطار الفن المسيحي قد شقّ طريقه في غرب أوروبا بالتحديد. وخلال العصر الرومانسكي اتخذت صور آدم وحواء شكلاً فجّاً ثقيلاً في أسلوب محوّر يكاد يرتد بتمثيل الجسد الإنساني إلى الشكل البدائي، حيث يبدو نهدا حوّاء مسطّحين بلا معالم واضحة، بل إننا لا نلمح محاولة للإيحاء باختلاف جسدها عن جسد آدم. ومع مطالع القرن الحادي عشر خطوات إلى الأمام وإن ظلّت الشخوص حتى منتصف القرن كتلاً خالية من التعبير. ولأوّل مرّة في منجزات العصور الوسطى الفنية تتّضح الأجساد العارية مُمَفصلة في المشاهد الخمسة التي تمثّل بدء الخليقة وسقوط آدم وحواء في الخطيئة فوق الأبواب البرونزية لكاتدرائية هيلدزهايم بألمانيا Hildesheim ما بين عامي 1008 و 1015 ويشدّ انتباهنا استخدام الفنان للشخوص بأسلوب غير كلاسيكي لا لقصور مهارته التقنيّة فحسب بل لانصراف اهتمامه إلى التعبير الدرامي، وهو الميدان الذي بزّ فيه أسلافه من مثّالي بواكير العصور الوسطى، فنرى آدم وحواء بعد عصيانهما أمر الله يجفلان في انحناءة الخزي والندم (لوحة 84)، وعلى حين يلقي آدم بالتبعة على حواء تُلقي هي بها على الحيّة في إيماءة واضحة معبّرة. وعند طردهما من الجنة يمضي آدم في طريقه بامتثال بينما تلتفت حوّاء وراءها في حركة بالغة التعبير والتعقيد تنسينا براعتها ما تتضمنه من أخطاء تشريحية. (لوحة 85).
وخلال القرنين الثاني عشر والثالث عشر شكّل المثّالون جسد حواء العاري في طرازيهما الرومانسكي والقوطي المبكر تشكيلاً بدائياً تغشّيه مسحة من الوحشية باستثناء لوحة واحدة هي عارضة باب كاتدرائية أوتون Auton بفرنسا حيث تحبو حواء برقّة على أطرافها بين زخارف الأغصان وخرافيّ الحيوان وإن بدا جسدها في صلابة جذع الشجرة وأخاديده. (لوحة 86).
وفي منتصف القرن الثالث عشر وفي الوقت نفسه الذي بدأ فيه اهتمام المثّالين القوطيين بالأغصان والزهور ورسامي المنمنمات بالطيور أصدرت الكنيسة توجيهاً إيقونوغرافيا ً جديداً أحسّ الفنانون معه ضرورة دراسة الجسد الإنساني العاري. ويقضي هذ التوجيه بعدم اقتصار التصوير في الكاتدرائيات على ما جاء في سِفر الرؤيا فحسب بل أن يمتدّ إلى أحداث يوم الحساب [وفق ما جاء بالإصحاحَين 24، 25 من إنجيل متّى]. ومن ثمّ بدأ البشر يحتلّون مكان الثيران المجنّحة والزبانية المتعدّدي الرؤوس، وهو ما يعدّ انتصاراً فنّياً للنزعة الإنسانية التي مهرت القرن الثاني عشر بطابعها، فضلاً عن أن الإرشادات البابوية الموجّهة إلى الفنانين التي أعقبت هذه التوجيهات الكنسية قد نهلت من ينابيع فلسفة اليونان الإنسانية النزعة، فذهبت إلى عدم اقتصار تصوير الأجسام يوم البعث والنشور من القبور عارية فحسب، بل وتصويرها أكثر ما تكون كمالاً وجمالاً. وقد هرع الفنانون والحرفيون إلى البحث عن النماذج التي يسترشدون بها فلم يجدوا في متناول أيديهم في مبدأ الأمر غير المخطوطات المرقّنة بالمنمنمات، ومن هنا جاءت شخوصهم أقرب ما تكون إلى الدمى. ومع نمو النزعة الطبيعية خلال القرن الثالث عشر وقع الفنان على نماذج أخرى يسترشد بها في التوابيت الكلاسيكية التي راح يتأمّلها مثلما فعل مثّالو كاتدرائيتي شارتر ورانس حيث أوحت أشكال "الغاليين المقهورين" في منحوتات العصر المتأغرق بوضعات مناسبة لتصوير العصاة والمذنبين. وما من شك في أنه قد عكف أيضاً على دراسة الأجساد البشرية التي تنبض من حوله، كما لا شك في أنه قد اختلف كذلك إلى الحمّامات العامة التي كان متزمّتو القرون الوسطى قد استهجنوها، ولهذا كانت صور الحمامات الشعبية العديدة في مخطوطات القرن الخامس عشر صدى لأشكال تمثيلات يوم الحساب التي ظهرت من قبل خلال القرن الرابع عشر.
ومن الطبيعي ألا يكون جميع رعاة الفن في القرن الثالث عشر قد امتثلوا للتوجيه الإيقونوغرافي الكنسي الرسمي المتحرّر لتصوير موضوع البعث، فإذا الشخوص على سبيل المثال تظهر كاسية في كاتدرائية نوتردام بباريس، ثم تظهر متدثّرة بأكفانها في كاتدرائية روان، بينما نظر مثّال كاتدرائية بورج إلى الجسد الإنساني عند تصويره ليوم الدينونة باهتمام بالغ قلّ أن نلمسه في أيّة منجزات منذ العصر الكلاسيكي (لوحة 87)، حتى لنرى رجلاً يزيح غطاء قبره وقد اتضحت عضلات ظهره جليّة أثناء رفعه الحجر وكأنه أحد منجزات القرن الخامس عشر، على حين تتوسّط مجموعة الشخوص صبيّة تستر عورتها بكفّها لتكشف عن الأسلوب القوطي مطبّقاً لأوّل مرّة على جسد المرأة. ولا مراء في أن شكل جسدها يدين بشيء ما للنماذج الكلاسيكية، فوضعتها تثير في الذاكرة عاريات بوليكليتيس وقد ارتكز ثقل جسمها فوق ساقها اليمنى، كما أن ردفها لا ينمّ عن إثارة حسية لتسطّحه مباشرة بعد الحرقفة، كذلك جاء صدرها وبطنها مفلطحين في وحدة متّصلة يتباعد فيها النهدان الضامران المرتفعان إلى أعلى. وكان هذا هو الحلّ القوطي الأمثل للجسد النسائي العاري، وأغلب الظن أن عدم انتشار هذا النموذج بصورة فورية وقتذاك مردّه إلى قلّة عدد المثّالين الواعين والمتحمّسين لتصوير الجسد العاري وفق التوجيه الجديد.
أما مجموعات عراة "أوج العصور الوسطى" النادرة المثال فنشهدها على واجهة كاتدرائية أورفييتو التي ترجع إلى مستهلّ القرن الرابع عشر، فلقد كان للمثّال لورنزو مايتاني Lorenzo Maitani ولع خاص بموضوع العري فعكف على تصوير المشاهد الدينية التي تقتضي ظهور الأجسام عارية، مثل بدء الخليقة وطرد آدم وحواء من الجنة ويوم القيامة. وفى هذا المشهد الأخير يجنح مايتاني إلى التكوينات الكثيفة المتزاحمة الأجساد على غرار نقوش المعارك فوق التوابيت الكلاسيكية (لوحة 88). وعلى حين نجد بعض شخوصه مستقاة من وضعات "الغاليين المحتضرين" المتأغرقة نجد البعض الآخر قوطيّاً خالصاً مماثلاً لمنحوتات كاتدرائية بورج. ولقد ظلت لوحات يوم الحساب تحذو هذا الحذو وتحتفظ بهذا المظهر، أعني مظهر الأكوام البشرية المتلاصقة، حتى عصر ميكلانجلو.
ومع أن شخوص لوحة "يوم الحساب" لفان درفيدن المتعدّدة الطيّات والموجودة بمدينة بون Beaune الفرنسية تحتفظ بهوية ذاتية معبّرة إلا أن حركاتها بقيت حادّة الزوايا المتقابلة شأن كل شخوص لوحات يوم الحساب القوطية التي تضجّ بالصراع والفزع. (لوحة 89).
وهذا النموذج البديل للجسد العاري لم يستقر على نمطه النهائي بوصفه ملمحاً من ملامح الطراز القوطي الدولي إلا بعد أن طوى قرناً من الزمان، فظهر أول ما ظهر في فرنسا وبرجنديا والأراضي الواطئة حوالي عام 1400، ولعلّ أول نموذج مؤرّخ له هو المخطوطة المعروفة باسم "كتاب الساعات الفاخرة الترقين للدوق ده بري" الذي أعدّه ورقّنه الإخوة لمبورج في عام 1410. وتصوّر إحدى منمنمات هذه المخطوطة قصّة الغواية [الانغواء]، وسقوط آدم وحواء في الخطيئة (لوحة 90، 91، 92، و93). فتبدو جنّة عدن في شكل الأرض الكروي، ووسط سور ذهبي مستدير تتألّق الجنة في صورة بستان نضير يظهر فيه شجر الفاكهة متجاوراً مع مرج الزهور، وتشمخ في منتصف الجنّة نافورة ذات بواك رقيقة تخفّف من وطأة حجمها الكبير، وتحيط بالجنة سفوح جبال قاحلة وتتناثر حولها أمواج زرقاء غامضة لعلّها أمواج المحيط أو مجموعة من سحب متكاثفة تضفي على المنمنمة جوّاً حالماً. وتتابع حلقات أربع من قصة خطيئة آدم وحواء في المساحة التي تشغلها المنمنمة، فتظهر حوّاء في أقصى اليسار والشيطان يغويها بعد أن استعار منها أقوى ما فيها وهو شكلها الأنثوي. ثم تبدو حواء وهي تعطي آدم الثمرة المحرّمة بعد أن صرفته بفتنتها التي لا تقاوم عن عمله الذي كان مُنهمكاً فيه، ويتجلّى الإله منذراً الآثمين بما سينالهما من عقاب. وفي أقصى اليمين ترى ملاكاً في صورته النارية يدفع آدم وحواء ليخرجهما من باب الجنة تنفيذاً لمشيئة الله، فهبطا الجبل وما كان في مقدورهما أن يرقيا إليه ثانية، وإذ هما يستران سوءتيهما على استحياء. وتبدو حواء أوّل ما بدت عارية ذهلة عن هيأتها المشينة، حتى إذا ما عاد إليها وعيها وأدركت أن هذا من لعنة الله عليها تولّاها الخزي، وقد اختلفت بنيتها الأساسية تمام الاختلاف عن بنية نساء الفن المتأغرق باتساع حوضها وضيق صدرها وارتفاع خصرها وبروز بطنها. ذلك أن ما يميّز النموذج القوطي للجسد النسائي العاري عن النموذج الكلاسيكي هو أن تدلّي البطن هو ما يسيطر على النموذج الأول، على حين أن استدارة الردف هو ما يسيطر على النموذج الثاني.
وثمّة مصوّران لم يتطرّق الشك إلى صدقهما رسما حواء في هذا النمط البديل، أوّلهما فان إيك الذي رسم حواء في لوحة الهيكل بمدينة جنت (لوحة 94) بأسلوب يعدّ برهاناً على براعة الفنان القدير على إضفاء السمات الواقعية الدقيقة على التفاصيل في ذات الوقت الذي يخضع فيه التكوين الفني كلّه لشكل مثالي. فقوام حواء نموذج رائع للجسد البصلي الشكل، حيث تختفي الساق الحاملة للجسد، وفي ناحية يبدو البطن المتدلّي، وفي ناحية أخرى يبدو الردف المسترخي دون أن تكون بينهما ثمّة تمفصلات عظميّة أو عضلية، وفوق هذا الشكل الجامع بين البطن والردف يبرز نهدان مكوّران لا متهدّلان، ومن فوق هذا رأس قد أثقل الجسد فبدا وكأنه ينوء بحِمله.
أما حواء القرن الخامس عشر الفلمنكية الأخرى العصيّة على النسيان لوحة "الخطيئة" لهوجو فان درخوس المحفوظة بفيينا (لوحة 95 أ) التي رسمها بعد لوحة فان إيك بسنوات عشر، ومع ذلك فإنها لم تبلغ عصريتها، ففي جسد حواء ضآلة لم تخرج معها عن الدقّة الفائقة وإن ظلّت في الوضع المستهجن نفسه المعتمد في فكر العصور الوسطى.
وبعد سنوات عشر انبثقت من نفس الذوق الذي تبدّى في حواء فان درخوس صورة من مدرسة الفنان مِملنك ترمز إلى فكرة "باطل الأباطيل الكل باطل" Vanitas الواردة في مطلع سفر الجامعة، والموحية بالزهد والتخلّي عمّا في الحياة من متع والتذكير بمصير الإنسان وما سيؤول إليه، وأن الدنيا وما فيها ظلّ زائل لا بقاء له وإنما البقاء للأبدية الخالدة. وكان يراد للأنثى المصوّرة أن تكشف دون حياء عن جاذبية أنثوية شديدة الإغراء (لوحة 95 ب)، وتتماثل مكونات جسدها مع حواء الفن القوطي ببطنها المنتفخة المتهدّلة وبنهديها الضامرين ثم بساقيها القصيرتين.
وإذ كانت بعض موضوعات التصوير المسيحي تتطلّب تصوير شخوص عارية، اقتضى الأمر من الفنانين القوطيين أن ينهجوا نهجاً جديداً في تصويرها تصويراً يبقى مع الزمن فابتكروا نموذجاً بديلاً جديداً. وكانت قد تضافرت في العصور الأولى للمسيحية مؤثّرات عدة تحول دون تصوير الأجساد العارية، مثل احتواء التعاليم المسيحية على آثار يهودية كامنة تحفز على استنكار تصوير الإنسان وتعدّه مناقضاً للوصية الثانية. كذلك كانت تعاليم الكنيسة الأولى لا تؤمن بالنحت لا لأنه يمثّل الوثنية الأولى فحسب بل لأن المنحوتات كانت في رأيها ملاذاً للشياطين يتقمّصون منها ما يمثّل الآلهة والإلاهات الوثنية لما فيها من جمال ورونق بغية تضليل البشر، وإذ كانت تلك التماثيل الإلهية أكثر ما تكون عارية أضفى هذا على العري ما يمتّ إلى الشياطين بسبب. وتلت عصور المسيحية الأولى حركات تحطيم الأصنام وتمزيق الصور أو طمسها، وقد حمل هذا الاتجاه أثراً من المقولة الأفلاطونية القديمة التي تزعم أن كل ما هو روحاني يلحقه الدنس إذا تقمّص جسداً، وإن ذهب علماء النفس المحدثين إلى أن الحرمان الحسّي الذي نادى به مؤسّسو حركة الرهبانية، منكرين الملاذّ الحسّية مطّرحين المرأة جانباً، لم يكن عن دوافع خُلُقية بقدر ما كان عن ظاهرة مرضية نفسية. ونحن في أيامنا هذه لا نستطيع أن نطالع أوفيد أو بترونيوس دون أن تنتابنا هِزَّة أمام ما كان يتناول به القدامى في يُسر وبساطة المتع الجسدية. وما يدرينا لعلّ ما أخذ به الرهبان والنسّاك أنفسهم من إسراف في الزهد عن المتع الحسّيّة كان ردّ فعل لتلك الظواهر الإباحية لكي يكون ثمّة توازن بين ما هو روحي وما هو حسّي.
هكذا تغيّرت فكرة الجسد في أذهان الناس، فلم يعد كما كان قبل تجسيداً للجمال الإلهي، بل غدا الجسد شيئاً مُزرياً يحمل العار والهوان، ولعلّ ما نراه في فنون العصور الوسطى ما يبيّن لنا كيف محا الفقه المسيحي صور الجمال الجسدي من خيال المتديّنين.
وما من شك في أن الإنسان ظلّ دوماً يحمل بين جوانحه الرغبات الشهوانية، ومع ذلك فعلى الرغم من أن بعض موضوعات التصوير في العصور الوسطى كان يباح فيها للفنان تصوير الجسد عارياً سويّاً، إلا أنه لم يبلغ في تصويره ما يثير الرغبة، ولم يبرز تلك العناصر المثيرة المحرّضة الشهوات. تُرى هل كان هذا من فناني العصور الوسطى عن كبت ما كانوا يحسّون، أم أن المتعة بمفاتن الجسد غدت تستوي عندهم بالمتعة بمشاهد الطبيعة؟ ومهما كان الأمر فقد كانت هذه وتلك إبداعاتٍ من إيحاء الفن فحسب.
والثابت أن ثمّة نزعة متزمّتة سرت في تقاليد العصور الوسطى المسيحية نراها جليّة في تمثالين لآدم وحواء قائمين بذاتيهما ويعدّان الأوّلين من نوعيهما لشخصين عاريين في فن هذه الحقبة بكنيسة بامبرج في ألمانيا (لوحة 83)، فيبدوان جامدين لا ينبضان بحساسية ويستويان في هذا بأي عمود من أعمدة الكنيسة. ولا نرى ما يفرّق بين حواء وآدم إلا هذين النتوأين الصغيرين الصلبين المنبثقين من صدر حواء على تباعد، وإن تميّز التمثالان مع هذا برصانة مفرطة وبتكامل معماري يبدوان معه نموذجين فنّيين للعري أكثر منهما شخصين عاريين.
وكان العري الذي بدت عليه "الشخوص" في فنون مستهلّ العصور الوسطى مقصوداً به التعبير عمّا عانته تلك الشخوص من قهر وإذلال أو امتهان أو تعذيب أو استشهاد. وما أظن فنان العصور الوسطى حين صوّر العري كان يغيب عنه أن أوّل ما عاناه الإنسان الأول كان خروجه من الجنّة عارياً، وإلى هذا تشير عبارة سفر التكوين في الكتاب المقدّس التي تقول: "فانفتحت أعينهما وعلما أنهما عريانان". فعلى حين بدأ الفنان اليوناني يتمثّل العري في شخص بطل رياضي يزاول نشاطه البدني مُباهياً بجسده العاري في ساحة الملعب، نجد فنان العصور الوسطى المسيحي حين صور العري يصوّره في جسد انطوى على نفسه وقد غشاه الخزي والخجل فأخذ يستر عورته براحته إحساساً منه بالخطيئة.
وعلى الرغم من ظهور العراة في المنجزات الفنية البيزنطية بشرق أوروبا بين الفينة والأخرى حتى القرن التاسع، إلا أن اكتمال تشكيل الجسد العاري في إطار الفن المسيحي قد شقّ طريقه في غرب أوروبا بالتحديد. وخلال العصر الرومانسكي اتخذت صور آدم وحواء شكلاً فجّاً ثقيلاً في أسلوب محوّر يكاد يرتد بتمثيل الجسد الإنساني إلى الشكل البدائي، حيث يبدو نهدا حوّاء مسطّحين بلا معالم واضحة، بل إننا لا نلمح محاولة للإيحاء باختلاف جسدها عن جسد آدم. ومع مطالع القرن الحادي عشر خطوات إلى الأمام وإن ظلّت الشخوص حتى منتصف القرن كتلاً خالية من التعبير. ولأوّل مرّة في منجزات العصور الوسطى الفنية تتّضح الأجساد العارية مُمَفصلة في المشاهد الخمسة التي تمثّل بدء الخليقة وسقوط آدم وحواء في الخطيئة فوق الأبواب البرونزية لكاتدرائية هيلدزهايم بألمانيا Hildesheim ما بين عامي 1008 و 1015 ويشدّ انتباهنا استخدام الفنان للشخوص بأسلوب غير كلاسيكي لا لقصور مهارته التقنيّة فحسب بل لانصراف اهتمامه إلى التعبير الدرامي، وهو الميدان الذي بزّ فيه أسلافه من مثّالي بواكير العصور الوسطى، فنرى آدم وحواء بعد عصيانهما أمر الله يجفلان في انحناءة الخزي والندم (لوحة 84)، وعلى حين يلقي آدم بالتبعة على حواء تُلقي هي بها على الحيّة في إيماءة واضحة معبّرة. وعند طردهما من الجنة يمضي آدم في طريقه بامتثال بينما تلتفت حوّاء وراءها في حركة بالغة التعبير والتعقيد تنسينا براعتها ما تتضمنه من أخطاء تشريحية. (لوحة 85).
وخلال القرنين الثاني عشر والثالث عشر شكّل المثّالون جسد حواء العاري في طرازيهما الرومانسكي والقوطي المبكر تشكيلاً بدائياً تغشّيه مسحة من الوحشية باستثناء لوحة واحدة هي عارضة باب كاتدرائية أوتون Auton بفرنسا حيث تحبو حواء برقّة على أطرافها بين زخارف الأغصان وخرافيّ الحيوان وإن بدا جسدها في صلابة جذع الشجرة وأخاديده. (لوحة 86).
وفي منتصف القرن الثالث عشر وفي الوقت نفسه الذي بدأ فيه اهتمام المثّالين القوطيين بالأغصان والزهور ورسامي المنمنمات بالطيور أصدرت الكنيسة توجيهاً إيقونوغرافيا ً جديداً أحسّ الفنانون معه ضرورة دراسة الجسد الإنساني العاري. ويقضي هذ التوجيه بعدم اقتصار التصوير في الكاتدرائيات على ما جاء في سِفر الرؤيا فحسب بل أن يمتدّ إلى أحداث يوم الحساب [وفق ما جاء بالإصحاحَين 24، 25 من إنجيل متّى]. ومن ثمّ بدأ البشر يحتلّون مكان الثيران المجنّحة والزبانية المتعدّدي الرؤوس، وهو ما يعدّ انتصاراً فنّياً للنزعة الإنسانية التي مهرت القرن الثاني عشر بطابعها، فضلاً عن أن الإرشادات البابوية الموجّهة إلى الفنانين التي أعقبت هذه التوجيهات الكنسية قد نهلت من ينابيع فلسفة اليونان الإنسانية النزعة، فذهبت إلى عدم اقتصار تصوير الأجسام يوم البعث والنشور من القبور عارية فحسب، بل وتصويرها أكثر ما تكون كمالاً وجمالاً. وقد هرع الفنانون والحرفيون إلى البحث عن النماذج التي يسترشدون بها فلم يجدوا في متناول أيديهم في مبدأ الأمر غير المخطوطات المرقّنة بالمنمنمات، ومن هنا جاءت شخوصهم أقرب ما تكون إلى الدمى. ومع نمو النزعة الطبيعية خلال القرن الثالث عشر وقع الفنان على نماذج أخرى يسترشد بها في التوابيت الكلاسيكية التي راح يتأمّلها مثلما فعل مثّالو كاتدرائيتي شارتر ورانس حيث أوحت أشكال "الغاليين المقهورين" في منحوتات العصر المتأغرق بوضعات مناسبة لتصوير العصاة والمذنبين. وما من شك في أنه قد عكف أيضاً على دراسة الأجساد البشرية التي تنبض من حوله، كما لا شك في أنه قد اختلف كذلك إلى الحمّامات العامة التي كان متزمّتو القرون الوسطى قد استهجنوها، ولهذا كانت صور الحمامات الشعبية العديدة في مخطوطات القرن الخامس عشر صدى لأشكال تمثيلات يوم الحساب التي ظهرت من قبل خلال القرن الرابع عشر.
ومن الطبيعي ألا يكون جميع رعاة الفن في القرن الثالث عشر قد امتثلوا للتوجيه الإيقونوغرافي الكنسي الرسمي المتحرّر لتصوير موضوع البعث، فإذا الشخوص على سبيل المثال تظهر كاسية في كاتدرائية نوتردام بباريس، ثم تظهر متدثّرة بأكفانها في كاتدرائية روان، بينما نظر مثّال كاتدرائية بورج إلى الجسد الإنساني عند تصويره ليوم الدينونة باهتمام بالغ قلّ أن نلمسه في أيّة منجزات منذ العصر الكلاسيكي (لوحة 87)، حتى لنرى رجلاً يزيح غطاء قبره وقد اتضحت عضلات ظهره جليّة أثناء رفعه الحجر وكأنه أحد منجزات القرن الخامس عشر، على حين تتوسّط مجموعة الشخوص صبيّة تستر عورتها بكفّها لتكشف عن الأسلوب القوطي مطبّقاً لأوّل مرّة على جسد المرأة. ولا مراء في أن شكل جسدها يدين بشيء ما للنماذج الكلاسيكية، فوضعتها تثير في الذاكرة عاريات بوليكليتيس وقد ارتكز ثقل جسمها فوق ساقها اليمنى، كما أن ردفها لا ينمّ عن إثارة حسية لتسطّحه مباشرة بعد الحرقفة، كذلك جاء صدرها وبطنها مفلطحين في وحدة متّصلة يتباعد فيها النهدان الضامران المرتفعان إلى أعلى. وكان هذا هو الحلّ القوطي الأمثل للجسد النسائي العاري، وأغلب الظن أن عدم انتشار هذا النموذج بصورة فورية وقتذاك مردّه إلى قلّة عدد المثّالين الواعين والمتحمّسين لتصوير الجسد العاري وفق التوجيه الجديد.
أما مجموعات عراة "أوج العصور الوسطى" النادرة المثال فنشهدها على واجهة كاتدرائية أورفييتو التي ترجع إلى مستهلّ القرن الرابع عشر، فلقد كان للمثّال لورنزو مايتاني Lorenzo Maitani ولع خاص بموضوع العري فعكف على تصوير المشاهد الدينية التي تقتضي ظهور الأجسام عارية، مثل بدء الخليقة وطرد آدم وحواء من الجنة ويوم القيامة. وفى هذا المشهد الأخير يجنح مايتاني إلى التكوينات الكثيفة المتزاحمة الأجساد على غرار نقوش المعارك فوق التوابيت الكلاسيكية (لوحة 88). وعلى حين نجد بعض شخوصه مستقاة من وضعات "الغاليين المحتضرين" المتأغرقة نجد البعض الآخر قوطيّاً خالصاً مماثلاً لمنحوتات كاتدرائية بورج. ولقد ظلت لوحات يوم الحساب تحذو هذا الحذو وتحتفظ بهذا المظهر، أعني مظهر الأكوام البشرية المتلاصقة، حتى عصر ميكلانجلو.
ومع أن شخوص لوحة "يوم الحساب" لفان درفيدن المتعدّدة الطيّات والموجودة بمدينة بون Beaune الفرنسية تحتفظ بهوية ذاتية معبّرة إلا أن حركاتها بقيت حادّة الزوايا المتقابلة شأن كل شخوص لوحات يوم الحساب القوطية التي تضجّ بالصراع والفزع. (لوحة 89).
وهذا النموذج البديل للجسد العاري لم يستقر على نمطه النهائي بوصفه ملمحاً من ملامح الطراز القوطي الدولي إلا بعد أن طوى قرناً من الزمان، فظهر أول ما ظهر في فرنسا وبرجنديا والأراضي الواطئة حوالي عام 1400، ولعلّ أول نموذج مؤرّخ له هو المخطوطة المعروفة باسم "كتاب الساعات الفاخرة الترقين للدوق ده بري" الذي أعدّه ورقّنه الإخوة لمبورج في عام 1410. وتصوّر إحدى منمنمات هذه المخطوطة قصّة الغواية [الانغواء]، وسقوط آدم وحواء في الخطيئة (لوحة 90، 91، 92، و93). فتبدو جنّة عدن في شكل الأرض الكروي، ووسط سور ذهبي مستدير تتألّق الجنة في صورة بستان نضير يظهر فيه شجر الفاكهة متجاوراً مع مرج الزهور، وتشمخ في منتصف الجنّة نافورة ذات بواك رقيقة تخفّف من وطأة حجمها الكبير، وتحيط بالجنة سفوح جبال قاحلة وتتناثر حولها أمواج زرقاء غامضة لعلّها أمواج المحيط أو مجموعة من سحب متكاثفة تضفي على المنمنمة جوّاً حالماً. وتتابع حلقات أربع من قصة خطيئة آدم وحواء في المساحة التي تشغلها المنمنمة، فتظهر حوّاء في أقصى اليسار والشيطان يغويها بعد أن استعار منها أقوى ما فيها وهو شكلها الأنثوي. ثم تبدو حواء وهي تعطي آدم الثمرة المحرّمة بعد أن صرفته بفتنتها التي لا تقاوم عن عمله الذي كان مُنهمكاً فيه، ويتجلّى الإله منذراً الآثمين بما سينالهما من عقاب. وفي أقصى اليمين ترى ملاكاً في صورته النارية يدفع آدم وحواء ليخرجهما من باب الجنة تنفيذاً لمشيئة الله، فهبطا الجبل وما كان في مقدورهما أن يرقيا إليه ثانية، وإذ هما يستران سوءتيهما على استحياء. وتبدو حواء أوّل ما بدت عارية ذهلة عن هيأتها المشينة، حتى إذا ما عاد إليها وعيها وأدركت أن هذا من لعنة الله عليها تولّاها الخزي، وقد اختلفت بنيتها الأساسية تمام الاختلاف عن بنية نساء الفن المتأغرق باتساع حوضها وضيق صدرها وارتفاع خصرها وبروز بطنها. ذلك أن ما يميّز النموذج القوطي للجسد النسائي العاري عن النموذج الكلاسيكي هو أن تدلّي البطن هو ما يسيطر على النموذج الأول، على حين أن استدارة الردف هو ما يسيطر على النموذج الثاني.
وثمّة مصوّران لم يتطرّق الشك إلى صدقهما رسما حواء في هذا النمط البديل، أوّلهما فان إيك الذي رسم حواء في لوحة الهيكل بمدينة جنت (لوحة 94) بأسلوب يعدّ برهاناً على براعة الفنان القدير على إضفاء السمات الواقعية الدقيقة على التفاصيل في ذات الوقت الذي يخضع فيه التكوين الفني كلّه لشكل مثالي. فقوام حواء نموذج رائع للجسد البصلي الشكل، حيث تختفي الساق الحاملة للجسد، وفي ناحية يبدو البطن المتدلّي، وفي ناحية أخرى يبدو الردف المسترخي دون أن تكون بينهما ثمّة تمفصلات عظميّة أو عضلية، وفوق هذا الشكل الجامع بين البطن والردف يبرز نهدان مكوّران لا متهدّلان، ومن فوق هذا رأس قد أثقل الجسد فبدا وكأنه ينوء بحِمله.
أما حواء القرن الخامس عشر الفلمنكية الأخرى العصيّة على النسيان لوحة "الخطيئة" لهوجو فان درخوس المحفوظة بفيينا (لوحة 95 أ) التي رسمها بعد لوحة فان إيك بسنوات عشر، ومع ذلك فإنها لم تبلغ عصريتها، ففي جسد حواء ضآلة لم تخرج معها عن الدقّة الفائقة وإن ظلّت في الوضع المستهجن نفسه المعتمد في فكر العصور الوسطى.
وبعد سنوات عشر انبثقت من نفس الذوق الذي تبدّى في حواء فان درخوس صورة من مدرسة الفنان مِملنك ترمز إلى فكرة "باطل الأباطيل الكل باطل" Vanitas الواردة في مطلع سفر الجامعة، والموحية بالزهد والتخلّي عمّا في الحياة من متع والتذكير بمصير الإنسان وما سيؤول إليه، وأن الدنيا وما فيها ظلّ زائل لا بقاء له وإنما البقاء للأبدية الخالدة. وكان يراد للأنثى المصوّرة أن تكشف دون حياء عن جاذبية أنثوية شديدة الإغراء (لوحة 95 ب)، وتتماثل مكونات جسدها مع حواء الفن القوطي ببطنها المنتفخة المتهدّلة وبنهديها الضامرين ثم بساقيها القصيرتين.
ولم يكد ينصرم قرن من الزمان حتى اتخذ هذا "النمط البديل" طابعاً جديداً تحرّر معه الجسد العاري مما كان قد لحق به من خزي وهوان وإذا هو يغدو وسيلة للإثارة الجنسية، ذلك أن المرأة العارية قد احتفظت في خيال جماهير القرون الوسطى - كما قدّمت - بنفس أهميّتها التي كانت تحظى بها من قبل في خيال السلف، بل إن الهوان الذي ألحقه التزمّت الخلقي المسيحي بجسدها قد ضاعف من إثارته الحسية حتى ذهب كينيث كلارك إلى أن عري النموذج الكلاسيكي: "حصانة للجسد" لا يجدها في أي كساء يخلعه التزمّت المفروض على الجسد القوطي، وهو الكساء الذي يبدو وكأنه يستر سرّاً مشيناً.
حواء. كاتدرائية أوتون.
مايتاني. يوم الحساب. كاتدرائية أورفييتو.
سقوط آدم وحواء في الخطيئة. - كتاب الساعات - للإخوة لمبورج.
طرد آدم وحواء من الجنة. هليدزهايم.
ليوناردو: الإنسان الفتروفي متحف الأكاديمية بالبندقية.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق