الاثنين، 6 ديسمبر 2010

فنون عصر النهضة :"الموت الأسود" في بيزا - د/ ثروت عكاشة


"الموت الأسود" في بيزا
نَعِمَ سكّان المدن الإيطالية خلال الثلث الأول من القرن الرابع عشر بالرخاء والعيش الناعم وازدهار الفنون باستثناء قلّة أرّقها تدهور قواعد السلوك والأخلاقيات، ولم يكد عام 1340 يهل حتى ابتليت شبه الجزيرة الإيطالية بسلسلة من الكوارث الطبيعية بدأت بانهيار المحاصيل الزراعية ثم انتشار البؤس والفاقة بسبب المجاعات والأوبئة إلى أن حمّ الخطب الشديد بانتشار الطاعون في عام 1348 الذي أطلق عليه اسم "الموت الأسود" وفتك بأكثر من نصف سكان فلورنسا وسيينا وبيزا حتى قال أحد أهالي سيينا بعد أن دفن خمسة من أبنائه وبناته في استسلام وامتثال: "لم يعد ثمّة من يبكي على موتاه، لأن كل إنسان كان يتوقّع الموت لنفسه".
ولا غرابة في أن تكون عواقب مثل هذا البلاء الذي اجتاح كل ما أمامه كالطوفان في جميع أنحاء أوروبا وخيمة على التيّارات الاجتماعية والثقافية، فإذا الكثيرون من الناجين من الوباء يجدون أنفسهم فجأة وقد غاض معين حياتهم فحلّ بهم الفقر، أو أسعدهم الحظ فأثروا ثراء مفاجئاً بعد إرث غير مرتقب، ومن ثم هرع الألوف من سكان الريف الآمن نسبياً إلى المدن ليحتلوا مكان من أتى عليهم الوباء. وأسفرت الظاهرة هذه من جهة عن شحذ الغرائز الطبيعية بين الناس وانتشار الدعوة إلى الاستمتاع بملاذ الحياة التي نادى بها بوكاتشيو في كتابه "ديكاميرون". ومن جهة أخرى سرى في وجدان الناس شعور ديني عميق مفعم بالتقى والورع نتبيّنه من مطالعة رؤى "المطهر" في كتاب آخر لبوكاتشيو هو "كورباتشيو "، وسيطر على الناس مدفوعين بالخوف والشعور بالذنب هاجسٌ بأن الموت الأسود مثل سائر الأوبئة القديمة الواردة بالكتاب المقدّس قد صبّه غضب الله قصاصاً من البشر الآثمين حتى يؤوبوا إليه تائبين. ومن بين رجال الأدب اعتنق كل من بوكاتشيو وبترارك هذا الرأي، وما انطبق على الأدب انطبق بالمثل على التصوير، حتى بدت صورة المسيح الربّ على النقيض من صور ربّ المحبّة التي بشّر بها الآباء الفرنسيسكان.
نيقولو بيزانو (1205 - 1278)
جوفاني بيزانو (1250 - 1317)

ويتجلّى الاتجاه العام للفنون قبل حقبة "الموت الأسود" وبعدها بوضوح في مدينة بيزا، ذلك الميناء والمركز التجاري العام الذي شهد العديد من التطوّرات في مجالات العمارة والنحت والتصوير في أواخر القرن الثالث عشر وخلال القرن الرابع عشر. ويرجع تاريخ كاتدرائية بيزا وبرج أجراسها (لوحة 22) وبرجها المائل المشهور (لوحة 23) إلى العصر الرومانسكي على حين يرجع مبنى المعمودية (لوحة 24) والساحة المقدسة "كامبو سانتو" (لوحة 25) إلى أواخر القرن الثالث عشر. وكانت الساحة المقدّسة هي الجبّانة المخصّصة لدفن رفات العظماء والأبطال، وضع تصميمها وأشرف على بنائها جوفاني بيزانو Giovanni Pisano على غرار أروقة الأديرة ذات الطراز القوطي. وقد حظيت هذه الساحة وقتذاك بالشهرة والإجلال نظراً لاجتلاب ثراها محمولاً فوق السفن من تل الجلجثة المقدّس الذي صلب فوقه المسيح بفلسطين.
وكانت فرنسا خلال القرن الثالث عشر - عصر الكاتدرائيات العظمى التي أخذت ألمانيا وإنجلترا في محاكاتها - أغنى دولة في أوروبا وأهمها، على حين لم تستجب إيطاليا الممزّقة الأوصال إلى هذا الاتجاه في مبدأ الأمر إلى أن حلّ النصف الثاني من القرن الثالث عشر، وشرع نيقولو بيزانو Niccolo Pisano يجاري المثّالين الفرنسيين ويتفحّص في الوقت نفسه أساليب النحت الكلاسيكي لكي يصوّر الطبيعة وما تضم تصويراً يستحوذ على الرضا، فإذا النقوش المحفورة فوق منبر معمودية بيزا التي انتهى منها عام 1260 تكشف عن قدرة هذا المثّال الخارقة. ومن العسر بمكان اكتناه الموضوع الذي تمثّله كلّ لوحة من لوحات هذا المنبر الرخامي إذ كان للفنان رجعة إلى العصور الوسطى التي ضم معها جولات من القصص المختلفة في إطار واحد، وسرداً للأحداث المختلفة مجتمعة معاً على الرغم من تعاقبها، على نحو ما يبدو في لوحة "البشارة ومولد المسيح والرعاة"، إذ تظهر العذراء مرات ثلاث في (لوحة 26). وبينما يتجلى موضوع البشارة في الشطر الأيسر من اللوحة يكشف الجزء الأوسط عن مولد المسيح وقد اضطجعت العذراء فوق أريكة في وضعة ربّات البيوت الرومانيات الكلاسيكية وانهمكت خادمتان في صبّ الماء علىالطفل يسوع لتطهيره. وتدافع إلى جوارهم في الجانب الأيمن من اللوحة قطيع من الأغنام ينتمي إلى مشهد "بشارة الملاك للرعاة وزيارتهم للطفل يسوع". ويبدو يسوع الطفل مرة أخرى مستلقياً في المزود، وارتدى ملاك في يسار اللوحة عباءة التوجا الرومانية. وإذا كان المشهد يبدو مزدحماً إلى حد ما إلا أن المثّال نجح مع ذلك في تصوير كل قصة في موضعها المناسب وفي أن يبثّ في أنحائها الحركة والحيوية، كما نلمس بوضوح أنّه قد استلهم أساليب القدامى في إبراز تفاصيل الجسد وهي مستخفية وراء الأردية، وفي إضفاء المهابة والجلال على أشكاله وإسباغ السكينة على النقش كله بصفة عامة. ومن المحتمل أن يكون مصدر هذه اللوحة تابوت من مخلّفات العصر الروماني اللاحق حين بدأ فن النحت في الاضمحلال نتيجة الأساليب الجديدة الوافدة من الشرق الأدنى، وحين شاع الاتجاه نحو تجميع جملة مشاهد في تصميم واحد للإيحاء بتتابع الأحداث، فإذا نيقولا بيزانو  بعد ثمانمائة عام من نحت هذا التابوت يتمثّله، ومع ذلك جاءت أشكال نيقولو بيزانو متّسقة متناسبة من الناحية الواقعية وهي مُكتسية بالأردية الثقيلة الفضفاضة المعروفة لربّات البيوت الرومانيات.
وبعد أن فرغ نيقولو بيزانو من منبر مبنى معمودية بيزا بعدّة أعوام عكف ابنه جوفاني المثّال الموهوب والمعماري الراسخ على إعداد منبر كاتدرائية بيزا بمشاهد من العهد الجديد على غرار مشاهد أبيه (لوحة 27، 28). ومن السهولة بمكان اكتشاف الفارق بي مفهومي الأب والابن عند مضاهاة اللوحات التي تتناول الموضوع نفسه بعضها ببعض فضلاً عن التباين بين أعمالها الفنية الجديدة وبين ما أنجزاه من أعمال خلال الفترة الزمنية التي أعقبت حقبة الموت الأسود. ويسترعي انتباهنا أن جوفاني قد ابتعد من لوحاته عن كلاسيكية أبيه مُقتحماً مجال الفن القوطي الفرنسي، كما جاءت شخوصه أقلّ حجماً وأشدّ تناسباً مع ما يحيط بها من فراغ، بينما حلّت الحيوية والحركة محلّ السكينة التي غمرت لوحات أبيه، ومع ذلك تنبض أعمالهما سوياً بالدفء الإنساني الذي عهدناه يتخلل صور جوتو الجدارية.
وبعد انقشاع حقبة "الموت الأسود" زُيّنت الساحة المقدّسة التي شيّدها جوفاني بيزانو بسلسلة من الصور الجدارية عن "يوم الدين" تأتي في مقدّمتها لوحة "انتصار الموت" (لوحات 29، 30، 31، 32، 33، 34) التي اشتقّت اسمها من إحدى قصائد الشاعر بترارك الأخيرة، فكلتاهما - القصيدة واللوحة - ردّ فعل لوباء الطاعون، وكلتاهما تعبّر عن الاتجاهات العامة السائدة وقتذاك، وكلتاهما تتناول موضوعاً واحداً. وقد عُزِيَت هذه اللوحة في مبدأ الأمر إلى جملة من المصوّرين، منهم بييترو لورنزتي وأور كانيا، بيد أنه بات محقّقاً الآن أنها أنجزت حوالي عام 1350 على يد فنان من بيزا هو فرانشسكو ترايني Traini. وتعدّ هذه اللوحة من حيث هي تصوير إيضاحي أعظم الإنجازات الإيطالية المصوّرة شأناً خلال العصور الوسطى، ومع أن ترايني كان أشد نفاذاً إلى الجوهر في فن التصوير من معاصريه إلا أنه قد اقتفى أثرهم فيما يتّصل بأهدافه الخلقية والفلسفية، كذلك كان يتمتّع بحسّ رهيف ب"الشكل" ويسيطر على عنصر الحركة سيطرة تامة ويمتلك خيالاً تشكيلياً خصباً وقدرة نادرة على إلباس أحلامه ثوب الحياة والواقع.
ولوحة "انتصار الموت" تعبير ناطق بليغ كان الغرض من رسمها من غير شك أن تقع عليها عيون أعداد غفيرة من النظارة والحجّاج، وهي تضم وفرة غزيرة من التفاصيل التي تزحم أرجاء الصورة وبهذا تُرضي مشاهدها المتنوّعة كافة الميول والأمزجة. وهي مثل سائر المواعظ التي اتسم بها العصر تحذّر في كافة مشاهدها من الموت الوشيك ومن أهوال الجحيم إذا ما كانت الروح من نصيب الشيطان، وفي المقابل تصور الغبطة حين تكون الروح الطاهرة من نصيب الملائكة. ويدور فوق أرواح الموتى العراة صراع عاصف بين الشياطين الطائرة والملائكة المحلقة يتجلّى في القتال الدائر فوق روح الكاهن البدين المجاور لمشهد حديقة المتعة إلى يمين اللوحة، فإذا كُتِبَ النصر للشياطين ألقت بضحاياها بين ألسنة اللهب المندلع من البركان في قمة الصورة، بينما يترك الفنان ما تستهدف له الأرواح التي تحملها الملائكة لخيال القارئ، رامزاً إلى الموت بصورة امرأة شقراء بشعة تحلّق بجناحي خفّاش ضخم حاملة منجل الزمن الحاصد للأرواح، وتحوّم هذه المرأة في الجزء الأسفل من منتصف اللوحة فوق المخلوقات التعسة الصارخة ضارعةً للخلاص من جحيم عذاباتها. وتبدو شياطين ترايني وزبانيته مختلفة عن غيره من الفنانين، إذ تتراءى نابضة بالحياة بعد أن أضفى عليها الفنان جمال القبح الذي لا مندوحة عنه في تصوير  مثل هذه المخلوقات إن جاز هذا التعبير، فملاك الموت يبعث على الرعب حتى وإن صوّره دون أجنحة الخفاش أو المنجل الحاصد للأرواح، ونراه يحوّم في الجزء الأدنى من منتصف اللوحة فوق المخلوقات التعسة التي يحصدها الطاعون وفوق المجذومين الذين يمدون أيديهم بلا جدوى متضرّعين إلى ملاك الموت المُنقضّ عليهم غير مكترث بابتهالاتهم. وثمة مشهد في يمين اللوحة يتباين مع بقية المشاهد حيث تجلس صحبة مرحة من الرجال والسيدات في ميعة الصبا تحت الأشجار الظليلة في إحدى الخمائل يصرفون وقتهم في عزف الموسيقى ومطارحة الغرام والمطالعة مستمتعين بمباهج الحياة، وإذا ملائكة الموت ينقضّون عليهم فلا يخلّفون وراءهم شيئاً إلّا ذاوياً، على حين يحوّم ملاكا موت من ذوي الأجنحة السوداء فوق فتى يداعب صقراً وفتاة تلاطف كلباً رابضاً في حجرها في أقصى يسار هذه الصُحبة المرحة.
والتشابه القائم بين مجموعة الشخوص في خميلة المتعة والوصف الذي يعبّر عنه كتاب "ديكاميرون " لبوكاتشيو وطيد الصلة إلى الحد الذي نستبعد معه عنصر الصدفة. إذ يدور موضوع الكتاب حول عشر شبّان من أثرياء فلورنسا ولّوا هاربين من الطاعون الذي كان يحصد سكان المدينة إلى بيت ريفي لقضاء عشرة أيام يلهون خلالها برواية الحكايا وعزف الموسيقى والرقص. ومثلما جاء في "الديكاميرون" كانت صُحبة حديقة المتعة في لوحة ترايني مكوّنة من سبع نساء وثلاثة رجال يضطرمون بالحيوية المتدفّقة. ويمضي وصف بوكاتشيو في مقدمة الكتاب قائلاً: "بعد تناول الإفطار رُفِعت الموائد وأمرت الملكة بإحضار آلات الموسيقى، إذ كان الجميع رجالاً ونساء يجيدون قراءة التدوين الموسيقي، وبعضهم يعزف ويغني بمهارة فائقة. وتلبية لأمرها تناولت ديانا عوداً وحملت فيامتّا  الفيول وعزفتا لحناً راقصاً عذباً". ويوحي التشابه بين هذه المجموعة وبين أولئك الجالسين في أقصى يمين لوحة ترايني يعزفون على الآلات الموسيقية بأن كتاب ديكاميرون لم يفارق مخيّلة المصور حين كان يضع تصميم هذه اللوحة الجدارية.
ويبدو أن الفنان لم يجد فيما يصوّره الكفاية للتعبير عمّا يريد، فصوّر جمعاً من الفرسان والنبلاء والسيدات في موكب الصيد الزاخر وهم يستافون نسيم الصباح العليل، فإذا خيلهم تجفل فجأة متراجعة، وإذا كلابهم تعوي، وإذا أكفّهم ترتفع إلى أنوفهم حين وقعوا على جثث متعفّنة في توابيت مكشوفة كانت لملوك وأمراء في الحياة الدنيا وقد التفّت حولها الأفاعي والحيّات تنهشها بدلاً من العثور على ما يبغون من صيد وطراد، وكأن المصوّر يعبّر عن قول بترارك في إحدى قصائده: "ما التفّ الباباوات ولا الأباطرة ولا الملوك عندما حان أجلهم بالبيارق والأعلام التي كانت تخفق عالية فوق رؤوسهم لكنّهم بدوا عرايا فقراء … فأين ثرواتهم وجواهرهم وتيجانهم وصولجاناتهم وطيالسهم وأكاليلهم؟".
ونتبيّن في أقصى يسار اللوحة ناسكاً ملتحياً يبسط أمامه مخطوطاً سجّل عليه تحذيراً للفرسان كي يعودوا إلى التوبة قبل فوات الأوان. ولا يخفّف من وطأة هذا المشهد المثير المرعب إلا ما نراه في أعلى يسار اللوحة حيث يعكف بعض الرهبان على أداء واجبات الدير اليومية حول مصلّى صغير. والحكمة المقصودة هي أن من يعيش حياة العزلة والزهد على غرار الرهبان هم من ينعمون بالراحة والسكينة، وأنه في إمكاننا تجنّب أهوال العذاب إذا نحن حذونا حذوهم.
وإذا تراءى لنا مضاهاة هذه اللوحة بالمساحة التي خصّصها جوتو لتصوير عذاب الجحيم في لوحته "يوم الدين" بمدينة بادوا يسترعي انتباهنا أن جوتو قد حصر مشهده في أدنى مساحة ممكنة. ولا يخفّف من مشاهد الرعب الشديد في لوحة ترايني وغيرها ممّا أنجز في أعقاب الطاعون الأسود إلا بعض المشاهد العارضة مثل مشهد مصلّى الرهبان، وهو منحى فني يخالف روح جوتو المفعمة بالإنسانية. وعلى حين جاء تصميم ترايني شديد التعقيد محتشداً بشتى التفاصيل الدقيقة الغزيرة بدت تصميمات جوتو على جانب كبير من البساطة. وفضلاً عن ذلك فقد أتخم ترايني لوحته الجدارية برموز شديدة التعقيد تضيق بها، مثل اللفافات المدوّنة التي يحملها الملاكان وراء المرأة ذات المنجل حاصدة الأرواح، والراهب الذي ينشر لفافة يحذر فيها فرسان الصيد، الأمر الذي جعل الصورة تنوء بحملها. وهذا الذي فعله ترايني يختلف كلّ الاختلاف عن تصاوير جوتو  
التي تفيض بشراً وبهجة، بل إن مثل هذه التفاصيل التي أوردها ترايني تضفي غموضاً يلتبس معه وضوح التعبير.




نيقولو بيزانو. منبر معمودية بيزا. البشارة ومولد المسيح والرعاة.
بيزا: الساحة المقدسة "كامبو سانتو".
جوفاني بيزانو. منبر كاتدرائية بيزا.

جوفاني بيزانو. منبر كاتدرائية بيزا. تفصيل. مشهد العهد الجديد. زيارة العذراء لإليصابات ومولد المسيح.

ترايني: انتصار الموت بالساحة المقدسة. بيزا.

ترايني. تفصيل.



ترايني. ملائكة الموت يحصدون الأرواح (تفصيل).

ترايني. الفرسان تقع عيونهم على جثث الموتى ( تفصيل) .
ترايني. الفرسان يتأملون جثث الموتى (تفصيل).



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق