كاتدرائية "الدومو" بسيينا
تبدو العمارة القوطية الإيطالية مع النظرة العامة أفقية منبسطة على العكس من العمارة الفرنسية القوطية الشاهقة الشامخة، ولعلّ المعماريين الإيطاليين قد تأثّروا بالأعمدة الكورنثية التي ما برحوا يرونها متناثرة حول المعابد الرومانية الأثرية، فبدلاً من أن يسرفوا في النقوش النحتية على مداخل الكنائس والكاتدرائيات فتحيلها شبه متاحف، جمّلوا مبانيهم بصفوف من الأعمدة النحيلة الرشيقة وبشرائط من الرخام الأبيض والأسود، فإذا أبنيتهم تبدو متآلفة مع النسب البشرية المألوفة لا شاهقة شامخة كما كانت الحال على أيدي مهندسي الشمال القوطي. وهذا هو ما نلمسه من صدى للروح الإغريقية في كاتدرائيات تلال توسكانيا وأومبريا اللطيفة التي تتراقص فوقها أشعّة الشمس في وضح النهار.
وقد شيّدت كاتدرائية "الدومو" بسيينا فوق أعلى بقعة بالمدينة ورُخّمت واجهتاها الجانبيتان وبرج ناقوسها بشرائط من الرخام الأبيض والأسود لكنها تعكس مئات المرات عَلَم سيينا صاحب اللونين الأبيض والأسود. وهي كنيسة بالغة الثراء تعد بلا نزاع أجمل كاتدرائية في إيطاليا، ومع هذا الجمال الخلّاب فهي لا تبلغ ثلث ما كان أهل سيينا يريدونها عليه، فلقد كان تقديسهم للسيدة العذارء التي دُشّنت الكاتدرائية باسمها لا يُدانيه إلا طموحهم الخاص بمدينتهم، الأمر الذي دفعهم إلى محاولة تزويد سيينا بأفخم كاتدرائية في سائر الديار المسيحية. وكان مواطنو سيينا قد انتصروا في سبتمبر عام 1260 على مواطني فلورنسا في معركة فاصلة، وكانوا قبل نشوب الاقتتال قد التمسوا من العذراء أن تتكفّل بحماية مدينتهم فلما كتب له الفوز عقدوا العزم على التعبير عن عرفانهم وشكرهم للعذراء حامية مدينتهم بأن يشيّدوا لها كاتدرائية لا تُبارى. وظل العمل فيها قائماً حتى نهاية القرن وكان الرخاء قد عمّ المدينة فتوسّعوا في البناء، ولكن ما لبث مشروع أهل سيينا الذين وصفهم دانتي بأنهم أشدّ غروراً من الفرنسيين [متجاوزين أنه ساق رأيه هذا خلال عصر المنافسة العنيفة بين سيينا وفلورنسا] أن توقّف بسبب وباء الطاعون عام 1348، ثم تطرّق إليه الإهمال بعد انهيار دويلة المدينة الذي تبع كارثة الطاعون.
والأمر اللافت في هذه الكاتدرائية هو جمعها بين الطرازين الرومانسكيوالقوطي نتيجة طول الفترة التي استغرقها بناؤها، فإذا الطرازان يندمجان في بعض أجزائهما في تزاوج رهيف متناغم بينما يبدوان أقلّ انسجاماً في أجزاء أخرى، ومع ذلك يطغى على هذا المزيج كله نظام "الأبلق " ذو الشرائط البيضاء والسوداء الذي يصل حتى أعلى برج الأجراس الأنيق في فخامة ورشاقة لا مثيل لهما. ويتجلى اختلاف عصور البناء أكثر ما يتجلى في الواجهة إذ ينقسم تصميمها إلى قسمين، يضم أَدناهما مداخل ثلاثة معقودة، ويرتفع أعلاهما حتى قمة الواجهة. وقد تولى إقامة الواجهة جوفاني بيزانو فأوصلها إلى الحدود التي عُهِد إليه بها في عام 1296، وكان في الأصل قد استُدعيَ لمعاونة أبيه نيقولو الذي أُسندت إليه مهمّة إعداد منبر الكاتدارئية، على أن العمل ما لبث أن توقف إلى أن استؤنف في 1376. وكان الذوق المعماري قد لحقه التطور فتاق أهل سيينا إلى تجميل كاتدرائيتهم بوجهية مثلثة، ووفّق المعماري إلى التغلّب على اختلاف وحدة الطراز بإثراء زخارف الرخام بحيث تعبّر عن حركة صاعدة كاسحة. على أن فخامة الزخارف الداخلية فاقت ألق الزخارف الخارجية، حيث اكتست الأقبية فوق صحن الكاتدرائية بزرقة السماء وبدت فيها الأعمدة كأنها غابة من الأشجار الخرافية، وحيث تعدّدت الحليات الزخرفية الغزيرة الرفيعة الذوق. وما من شك في أن الشعور الديني الفياض هو الذي ألهم أولئك الفنانين بهذا النسق الخيالي من التعبير غير المسبوق حتى كتب المؤرخ هيبوليت تين حين زار الكاتدرائية: "ها هو ذا انطباع لا نظير له حتى في كاتدرائية بطرس الرسول بروما" (لوحات 40، 41). ولقد دفع ولع أهل سيينا المشبوب بالفن ألا يبخلوا على أرضيات الكاتدرائية بما يجمّلها لا يعنيهم أن سيكون هذا موطئ أقدامهم، فرصفوا الأرضيات بتشكيلات فسيفسائية رخامية في تكوينات رائعة تحكي في تراصفها قصصاً دينياً، فإذا هي تغدو أشبه شيء بمتحف يجمع أشكالاً تتميز بخيال بالغ الخصوبة، الأمر الذي اضطرّهم إلى تكريس أربعين من خيرة فنّانيهم لهذه المهمّة وحدها من عام 1372 إلى 1551. والراجح أن فنان سيينا العظيم "دوتشيو دي بوننسنيا" الذي نهض بإعداد الزجاج المعشق الملون في الكاتدرائية هو صاحب هذه الفكرة المبتكرة.
وقد جمعت تقنية التشكيل الفسيفسائي المستخدمة بين النقش على الرخام وبين تعشيق قطع الرخام ببعضها البعض حيث سادت الألوان البيضاء والسوداء، إلى أن جاء في إثره الفنان دومينيكو بيكافومي (1486 - 1551) فأضاف هو الآخر إنجازاً مبتكراً باستعماله إلى جانب لويحات الرخام الرمادي والأحمر.
وكما قدمت كان نيقولو بيزانو قد استُدعيَ إلى سيينا لتشييد منبر كاتدرائية سيينا بعد أن انتهى من عمله بكاتدرائية بيزا بخمس سنوات فعكف هو وابنه جوفاني بيزانو وأرنولفودي كامبيو عليه حتى فرغوا منه بعد سنوات ثلاث في عام 1268. وفي هذا المنبر أخذت تأثيرات النماذج الرومانسكية التي شاعت في منبر كاتدرائية بيزا في التضاؤل على حين طغت أفكار التجديد والإبداع التي كانت قد اختمرت في ذهن نيقولو. وتتجلى روعة هذا العمل الجماعي ثراء وتنوعاً في النماذج البشرية الثلاثمائة والنماذج الحيوانية السبعين التي تكسو المنبر، ولعلّها خير ما بلغه فن النحت الإيطالي خلال القرن الثالث عشر (لوحات من 42 - 48). وعلى الرغم من إضافة الدرج الحلزوني والقاعدة الأنيقة الوقور في منتصف القرن السادس عشر، فقد ظل "منبر الحق" محتفظاً بوحدته المنسجمة مع التصميم العام.
وفيما بعد شيّد البابا بيوس الثالث تخليداً لذكرى عمه البابا بيوس الثاني [وكلاهما من بين البابوات الستة المولودين في سيينا] بهواً ملاصقاً للكاتدرائية لاستخدامه مكتبة، وهو مخصّص الآن لحفظ المخطوطات المرقّنة النفيسة، ويضم لوحات جدارية عشر رائعة رسمها الفنان الشهير بنتور كيو بين عامي 1502 و1509 لم يبق منها إلا خمس من صنعه. وفي طرفي البهو مصليان أحدهما على اليسار مكرّس ليوحنا المعمدان الذي نحت دوناتللو تمثاله الشهير (لوحة 49) والآخر على اليمين مكرس لعذراء النذور صمّم هيكله فنان عصر الباروك الخالد لورنزو برنيني.
وقد شيّدت كاتدرائية "الدومو" بسيينا فوق أعلى بقعة بالمدينة ورُخّمت واجهتاها الجانبيتان وبرج ناقوسها بشرائط من الرخام الأبيض والأسود لكنها تعكس مئات المرات عَلَم سيينا صاحب اللونين الأبيض والأسود. وهي كنيسة بالغة الثراء تعد بلا نزاع أجمل كاتدرائية في إيطاليا، ومع هذا الجمال الخلّاب فهي لا تبلغ ثلث ما كان أهل سيينا يريدونها عليه، فلقد كان تقديسهم للسيدة العذارء التي دُشّنت الكاتدرائية باسمها لا يُدانيه إلا طموحهم الخاص بمدينتهم، الأمر الذي دفعهم إلى محاولة تزويد سيينا بأفخم كاتدرائية في سائر الديار المسيحية. وكان مواطنو سيينا قد انتصروا في سبتمبر عام 1260 على مواطني فلورنسا في معركة فاصلة، وكانوا قبل نشوب الاقتتال قد التمسوا من العذراء أن تتكفّل بحماية مدينتهم فلما كتب له الفوز عقدوا العزم على التعبير عن عرفانهم وشكرهم للعذراء حامية مدينتهم بأن يشيّدوا لها كاتدرائية لا تُبارى. وظل العمل فيها قائماً حتى نهاية القرن وكان الرخاء قد عمّ المدينة فتوسّعوا في البناء، ولكن ما لبث مشروع أهل سيينا الذين وصفهم دانتي بأنهم أشدّ غروراً من الفرنسيين [متجاوزين أنه ساق رأيه هذا خلال عصر المنافسة العنيفة بين سيينا وفلورنسا] أن توقّف بسبب وباء الطاعون عام 1348، ثم تطرّق إليه الإهمال بعد انهيار دويلة المدينة الذي تبع كارثة الطاعون.
والأمر اللافت في هذه الكاتدرائية هو جمعها بين الطرازين الرومانسكيوالقوطي نتيجة طول الفترة التي استغرقها بناؤها، فإذا الطرازان يندمجان في بعض أجزائهما في تزاوج رهيف متناغم بينما يبدوان أقلّ انسجاماً في أجزاء أخرى، ومع ذلك يطغى على هذا المزيج كله نظام "الأبلق " ذو الشرائط البيضاء والسوداء الذي يصل حتى أعلى برج الأجراس الأنيق في فخامة ورشاقة لا مثيل لهما. ويتجلى اختلاف عصور البناء أكثر ما يتجلى في الواجهة إذ ينقسم تصميمها إلى قسمين، يضم أَدناهما مداخل ثلاثة معقودة، ويرتفع أعلاهما حتى قمة الواجهة. وقد تولى إقامة الواجهة جوفاني بيزانو فأوصلها إلى الحدود التي عُهِد إليه بها في عام 1296، وكان في الأصل قد استُدعيَ لمعاونة أبيه نيقولو الذي أُسندت إليه مهمّة إعداد منبر الكاتدارئية، على أن العمل ما لبث أن توقف إلى أن استؤنف في 1376. وكان الذوق المعماري قد لحقه التطور فتاق أهل سيينا إلى تجميل كاتدرائيتهم بوجهية مثلثة، ووفّق المعماري إلى التغلّب على اختلاف وحدة الطراز بإثراء زخارف الرخام بحيث تعبّر عن حركة صاعدة كاسحة. على أن فخامة الزخارف الداخلية فاقت ألق الزخارف الخارجية، حيث اكتست الأقبية فوق صحن الكاتدرائية بزرقة السماء وبدت فيها الأعمدة كأنها غابة من الأشجار الخرافية، وحيث تعدّدت الحليات الزخرفية الغزيرة الرفيعة الذوق. وما من شك في أن الشعور الديني الفياض هو الذي ألهم أولئك الفنانين بهذا النسق الخيالي من التعبير غير المسبوق حتى كتب المؤرخ هيبوليت تين حين زار الكاتدرائية: "ها هو ذا انطباع لا نظير له حتى في كاتدرائية بطرس الرسول بروما" (لوحات 40، 41). ولقد دفع ولع أهل سيينا المشبوب بالفن ألا يبخلوا على أرضيات الكاتدرائية بما يجمّلها لا يعنيهم أن سيكون هذا موطئ أقدامهم، فرصفوا الأرضيات بتشكيلات فسيفسائية رخامية في تكوينات رائعة تحكي في تراصفها قصصاً دينياً، فإذا هي تغدو أشبه شيء بمتحف يجمع أشكالاً تتميز بخيال بالغ الخصوبة، الأمر الذي اضطرّهم إلى تكريس أربعين من خيرة فنّانيهم لهذه المهمّة وحدها من عام 1372 إلى 1551. والراجح أن فنان سيينا العظيم "دوتشيو دي بوننسنيا" الذي نهض بإعداد الزجاج المعشق الملون في الكاتدرائية هو صاحب هذه الفكرة المبتكرة.
وقد جمعت تقنية التشكيل الفسيفسائي المستخدمة بين النقش على الرخام وبين تعشيق قطع الرخام ببعضها البعض حيث سادت الألوان البيضاء والسوداء، إلى أن جاء في إثره الفنان دومينيكو بيكافومي (1486 - 1551) فأضاف هو الآخر إنجازاً مبتكراً باستعماله إلى جانب لويحات الرخام الرمادي والأحمر.
وكما قدمت كان نيقولو بيزانو قد استُدعيَ إلى سيينا لتشييد منبر كاتدرائية سيينا بعد أن انتهى من عمله بكاتدرائية بيزا بخمس سنوات فعكف هو وابنه جوفاني بيزانو وأرنولفودي كامبيو عليه حتى فرغوا منه بعد سنوات ثلاث في عام 1268. وفي هذا المنبر أخذت تأثيرات النماذج الرومانسكية التي شاعت في منبر كاتدرائية بيزا في التضاؤل على حين طغت أفكار التجديد والإبداع التي كانت قد اختمرت في ذهن نيقولو. وتتجلى روعة هذا العمل الجماعي ثراء وتنوعاً في النماذج البشرية الثلاثمائة والنماذج الحيوانية السبعين التي تكسو المنبر، ولعلّها خير ما بلغه فن النحت الإيطالي خلال القرن الثالث عشر (لوحات من 42 - 48). وعلى الرغم من إضافة الدرج الحلزوني والقاعدة الأنيقة الوقور في منتصف القرن السادس عشر، فقد ظل "منبر الحق" محتفظاً بوحدته المنسجمة مع التصميم العام.
وفيما بعد شيّد البابا بيوس الثالث تخليداً لذكرى عمه البابا بيوس الثاني [وكلاهما من بين البابوات الستة المولودين في سيينا] بهواً ملاصقاً للكاتدرائية لاستخدامه مكتبة، وهو مخصّص الآن لحفظ المخطوطات المرقّنة النفيسة، ويضم لوحات جدارية عشر رائعة رسمها الفنان الشهير بنتور كيو بين عامي 1502 و1509 لم يبق منها إلا خمس من صنعه. وفي طرفي البهو مصليان أحدهما على اليسار مكرّس ليوحنا المعمدان الذي نحت دوناتللو تمثاله الشهير (لوحة 49) والآخر على اليمين مكرس لعذراء النذور صمّم هيكله فنان عصر الباروك الخالد لورنزو برنيني.
كاتدرائية الدومو وبرج الأجراس بسيينا.
كاتدرائية الدومو بسيينا.
واجهة كاتدرائية الدومو بسيينا.
واجهة كاتدرائية الدومو بسيينا.
برج الأجراس. كاتدرائية الدومو بسيينا.
بطن قبة كاتدرائية الدومو بسيينا من الداخل.
كاتدرائية الدومو بسيينا، من الداخل.
كاتدرائية الدومو بسيينا. نيقولو وجوفاني بيزانو. منبر الحق (تفصيل).
نيقولو وجوفاني بيزانو: منبر الحق. بكاتدرائية الدومو بسيينا.
نيقولو وجوفاني بيزانو: منبر الحق. الأبرار يوم الحساب. بكاتدرائية الدومو بسيينا.
نيقولو وجوفاني بيزانو: منبر الحق. الأشرار يوم الحساب.
نيقولو وجوفاني بيزانو: منبر الحق. تقديم المجوس الهدايا للطفل يسوع.
نيقولو وجوفاني بيزانو: منبر الحق. تقدمة مريم العذراء في الهيكل والهروب إلى مصر.
نيقولو وجوفاني بيزانو: الصلب.
نيقولو وجوفاني بيزانو: مذبحة الأنبياء.
دوناتللو: يوحنا المعمدان. كنيسة الدومو بسيينا.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق