سيموني مارتيني (1283 - 1344)
لم يقتصر دوتشيو على تدريب أتباعه وفق مفاهيمه وأساليبه هو فحسب، بل دفع المصوّرين الذين جاؤوا إثره - بما قدّمه إلى أهالي سيينا رقيقي العواطف من فنّ استهواهم - إلى أن يمارسوا النهج الفني نفسه الذي حظي على يديه بشعبيّة واسعة وهو التصوير الإيضاحي Expressive Illustration، ولو كان قد هيّء للفنان الرقيق سيموني مارتيني Simone Martini أستاذٌ أقل جبروتاً وتسلّطاً من دوتشيو لانطلقت قدراته على التعبير الفني إلى ذروة التألّق. ومع ذلك نكتشف في قدراته جانباً آخر هو امتلاك حسّ جوتو بالقيم اللمسية وبالدلالات المادية والجوهرية، وإن اختلفت مُثُلُه التي يعتنقها والرسالة التي يضطلع بها. ولكن سيموني وجد نفسه مكبّلاً بأساليب لا يملك معها فكاكاً، عاجزاً عن الخروج على قوالب دوتشيو، فلم يستطع التعبير عن مزاجه الخالص إلا من خلال التعديلات الطفيفة التي كان يدخلها عليها، فقد وقف أسلوب دوتشيو حجر عثرة أمام سيموني وبخاصة في الموضوعات التي ظلّ كلاهما يتنافسان فيها. ولذلك فنحن مهما بذلنا من جهد لن يتسنّى لنا اكتشاف عبقرية سيموني الذاتية حين نتوخاها في الموضوعات المأخوذة عن الإنجيل والمتميّزة بشدّة الانفعال ووضوح الحركة، وهي الموضوعات التي برز فيها دوتشيو وبلغ بالتعبير عنها أقصى الحدود. والبديل الوحيد أمامنا لاكتشاف عبقرية سيموني هو تجاوز أسوار التعبير الفني إلى مجالات "التصوير الإيضاحي" الفسيحة، ففي تصاويره لآلام المسيح تفوّق التلميذ على أستاذه من حيث التعبير عن القيم اللمسية ومن حيث تمثيل الحركة ومن حيث الجاذبية الآسرة التي تشدّ الأنظار، وإن لم يبلغ ما بلغه دوتشيو في تعبيره عن الحركة، فقد ضحّى بالوقار والجدّية المنشودين لنقل الدلالة الحقيقية لعذاب المسيح في سبيل إيضاح انفعالات غاية في السطحية، مُخضعاً كل شيء لإحساسه الجارف بالفخامة والرشاقة والجمال والأناقة. وتتجلّى لنا روعة سيموني في لوحة "المايستا" (لوحة 56 أ، ب) المحفوظة بقصر البلدية في سيينا، حيث تجلس "ملكة السموات" وسط حاشية من أطهر القديسين وأرقّ الملائكة يحمل بعضهم ظُلّة فوق رأسها ويركع البعض الآخر عند قدميها خاشعين، بينما يقدّم لها نفر ثالث الزهور، ويضمّهم جميعاً تكوين فنّي بديع شديد الإتقان يتألّق بجمال الوجوه وجاذبية الوضعات وروعة الألوان. ولكي ينقل سيموني هذا الإحساس بالجمال والجاذبية والروعة كان لا شك يملك وفرة من القدرات تأتي في مقدّمتها عبقرية في اختيار الألوان التي لا يباريه فيها إلا قلة معدودة من الفنانين، كما تميّز بإحساس واضح لافت للنظر بجمال الخطوط بلغ أسمى مراتب الكمال، وهو ما يتجلّى لنا في اللوحة المواجهة للّوحة "المايستا" في قصر بلدية سيينا المعروفة باسم "الفارس جيدو ريتشيو دافولياني" وقد بدا ممتطياً صهوة جواده في اعتداد وشموخ وكأنهما صنوان ملبساً وزخرفة وتحفّزاً للقتال، مدجّجاً بسلاحه متسربلاً بشُكّة القتال المدرّعة الصفراء المزرودة حول العنق والكتفين والمعصمين والساقين، سيفه في غمده إلى جانبه الأيسر ويمناه قابضة على عصا القيادة، متطلّعاً إلى حومة الوغى التي سوف تشهد معركته الوشيكة ضد جيش بيزا، وذلك من موقع يتوسّط قلعة مونتماسي ومعسكر جنوده. ويلفتنا في هذه اللوحة البديعة النادرة الدرق الجلدي الأصفر المسدل على جسد الجواد الأبيّ الذي وشّاه الفنان بزخارف المعيّنات الزُّرق وفروع النباتات ذوات الزهور الخضر التي غشّى بها أيضاً شكّة القائد المدرّعة في تكوين فنّي بسيط متراصف يأخذ بالألباب ولا تمل العين من التحديق به (لوحة 57 أ، ب). ثم أي جمال رهيف وأي حركات ناعمة وأي ألوان رفّافة يمكن أن تبعثها البهجة التي تبثّها فينا لوحة "البشارة" المحفوظة بمتحف أوفتزي (لوحة 58 أ، ب)، حتى لنخال ونحن نتأمّل معطف الملاك جبريل وكأننا نتأمّل شروق الشمس في عنفوانه على سهل قد غشيته الثلوج. ألا إن سيموني هو أقرب الفنانين الإيطاليين قبل عصر النهضة إلى القلوب.
سيموني مارتيني: تجليس العذراء - مايستا -. قصر البلدية. سيينا.
سيموني مارتيني: تجليس العذراء - مايستا -. قصر البلدية. سيينا.
سيموني مارتيني: الفارس جيدو ريتشيو دافولياني. قصر البلدية بسيينا.
سيموني مارتيني: الفارس جيدو ريتشيو دافولياني. قصر البلدية بسيينا.
سيموني مارتيني: البشارة. متحف أوفتزي.
سيموني مارتيني: البشارة (تفصيل).
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق