جيبرتي 1378 - 1455
وفي أعقاب الثراء الذي تمخّضت عنه تجارة الصوف المزدهرة في فلورنسا نظّم مجلس السنيوريا [السيادة] بالاشتراك مع نقابة التجارة في عام 1401 مسابقة لاختيار أفضل فنان يوكلون إليه صنع ضلفتي الباب الشمالي لمبنى معمودية الكاتدرائية (لوحة 127). وكان الباب من البرونز على غرار باب الواجهة الجنوبية الذي أعدّه من قبل أندريا بيزانو (لوحات 128، 129)، واشترطوا أن يحيط بكل لوحة شعار فلورنسا التقليدي وهو الزهرة الرباعية الورقات. وكان موضوع المسابقة المطروحة هو "إبراهيم يقدم ابنه إسحاق ذبيحة" [فداء إسحاق] الذي اختير لا لما ينطوي عليه من شحنة دينية مؤثّرة، وإنما لأنه كان بالمثل اختباراً دقيقاً للفنان على تمثيل الأشكال المفعمة بالحركة، فعهد إلى ستة من أبرز المثّالين المشهود لهم بالمقدرة على تشكيل المنجزات المعدنية على رأسهم المهندس برونليسكي والمثال لورنزو جيبرتي Ghiberti بإعداد لوحة تجريبية تُصبّ فيما بعد في البرونز. وما يهمّنا هو المضاهاة بين لوحتي كل منهما لنكشف عن الفروق الهامة في تقنيتي الأستاذين (لوحة 130، 131). وعلى الرغم من أن كليهما كان ما يزال يجترّ بعض عناصر الطراز القومي وكأن كل لوحة منمنمة مصورة ضمن إحدى المخطوطات، إلا أن كلا منهما قد تناول موضوعه داخل الإطار المفروض بأسلوب جدّ مختلف. فعلى حين تناول برونليسكي كلّ شكل من أشكاله على حدة على غرار أشكال منبر نيقولو بيزانو (لوحات 42 - 48) حاول جيبرتي لمّ شمل التفاصيل المتناثرة في تصميم غاية في البساطة، فضلاً عن أنه أقدم على محاولة لم يجرؤ عليها واحد من منافسيه فصبّ المشهد كله في قطعة معدنية واحدة، بينما صبّ برونليسكي ورفاقه لوحاته في أشكال ومشاهد عدّة صار تثبيتها في أماكنها بالمسامير. وفي محاولة جيبرتي عملية الصب الشاملة الشاقّة كان لا مفر أمامه من مراعاة أصول "التكوين الفني " الذي يوفّر لكل شكل الانسياب في ليونة والاندماج مع الشكل المجاور للحيلولة دون انفصال أو تشتّت أجزاء التكوين أثناء عملية الصبّ وبشرط أن يخضع كل تفصيل دقيق في ثنايا التكوين العام لما يكبره حجماً من أشكال، وبهذا اكتسب "التكوين الفني" بعد عهد جيبرتي نفس أهمية التفصلات وموضوع المشهد المصوّر.
وعلى حين عُني برونليسكي بما ينطوي عليه المشهد من طابع مثير، ضحّى جيبرتي بعنصر الإثارة الدارمية في سبيل الجمال الزخرفي. كذلك كان برونليسكي أقل تقيّداً بالفراغ المتاح فشكّل شخوصه شديدة البروز متجاوزة السطح تجاوزاً مُسرفاً، بينماً حرص جيبرتي على حصر الانتباه في بؤرة تشدّ البصر. وعلى حين جاء تشكيل قوام إسحاق في لوحة برونليسكي متعدّد الزوايا على نهج مفهوم النحت في العصور الوسطى جاء تشكيل قوام إسحاق في تكوين جيبرتي في رشاقة المنحوتات المتأغرقة التي لا تتوخى تصوير شخصية ذاتية بعينها، وشاع أن جيبرتي قد جسّم شكل إسحاق على غرار جذع تمثال كلاسيكي كان قد عثر عليه بالقرب من فلورنسا فاقتناه. وقد آثر المحكّمون لوحة جيبرتي على اللوحات الأخرى، وكان هذا الإيثار بمثابة إشارة مبكرة إلى ما سوف يطرأ من تطور على المنهج الجمالي في المستقبل، ومن ثم عكف جيبرتي على إعداد اللوحات العشرين للباب الشمالي والتي شغلت من حياته أربعاً وعشرين سنة، وقد فتن ميكلانجلو بجمال لوحات باب جيبرتي فدعاه كما أسلفت "بوابة الفردوس". على أنه مما خفّف من وقع الخسارة التي مني بها فن النحت باستبعاد برونليسكي أنها كانت من جانب آخر كسباً لفن المعمار. وقد جرى إعداد هذه اللوحات في محرف جيبرتي يعاونه جملة من المساعدين والتلامذة حتى بات في الإمكان الزعم بأنه بانتهاء جيبرتي من هذه اللوحات التي استغرقت معظم حياته كان كل مثّال من مثّالي عصر النهضة قد عمل إلى جواره بمحرفه وقتاً ما. ولم يكد جيبرتي يفرغ من لوحات الباب الشمالي حتى عهد إليه - دون مسابقة هذه المرة - بإعداد ضلفتي الباب الشرقي لمبنى المعمودية الذي أنفق في إنجازه الفترة من عام 1425 حتى 1452 (لوحات 132- 142). وهكذا نرى أنه بعد أن كانت أبواب مبنى المعمودية في الماضي تصمّم لتناسب الوظيفة التي تؤدّيها فحسب غدت بعد إطاراً جذّاباً ومناسباً لاستعراض الزخارف البديعة. ويلفتنا أن جيبرتي قد تخلّى إلى غير رجعة عن إطار الزهرة الرباعية البتلات، إذ كان يعدّ لوحاته "تصويراً بالبرونز" فيقول شارحاً أسلوبه: "لقد حاولت محاكاة الطبيعة كي أصل إلى سرّ انعكاس المرئيات على حدقة العين، ثم نسّقتُ هذه الأشكال على مستويات مختلفة حتى تبدو القريبة منها للعين كبيرة والبعيدة منها أصغر حجماً نسبياً".
ويخيّل إلينا ونحن نتطلّع إلى لوحات الباب الشرقي أن جيبرتي قد أحال إزميل نحته إلى ريشة مصوّر، فقد أقدم في لوحة خلق آدم وحواء والخطيئة الأولى (لوحة 139) على محاولة جريئة لتطبيق قواعد المنظور قبل تطبيقه في فن التصوير المعاصر له بوقت طويل، فإذا هو يجسّم الشخوص في أمامية اللوحة بالنقش الشديد البروز متيحاً لها الاندفاع صوب المشاهد، بينما جسّم السحابة التي تحمل الملائكة في خلفية اللوحة بالنقش الخفيض حتى لتبدو وكأنها تتبدد في ثنايا الهواء الرهيف، على حين شكل التفاصيل الأخرى مثل حديقة جنّة عدن في منتصف اللوحة بنقوش متوسّطة البروز.
وعلى كلا جانبي اللوحات المحفورة غمر جبيرتي الضلفتين بمجموعة من التماثيل المنمنمة المكتملة متعاقبة مع رؤوس شبيهة بالتماثيل النصفية الرومانية، تضم الأنبياء العبرانيين والعرّافة سيبلاً [كويبيلي] الوثنية التي تنبّأت بظهور المسيح على ما يقال. ويعترف جيبرتي في كتابه "التعليقات" Commentaries أنه قد حاول محاكاة الطبيعة على غرار فناني الإغريق القدامى وهو يشكّل النبات والحيوان فوق أُطر الأبواب. وكانت لعناية جيبرتي الفائقة بالتفاصيل المعدنية الرقيقة أن حظيت هذه الأبواب بمكانة مرموقة حتى اليوم في فن الصياغة. وإذ كان جميع المثّالين البارزين في فلورنسا أعضاء في نقابة الصيّاغ سرت تلك التقاليد التي أرسلها جيبرتي في فن الصياغة على مدى القرن الخامس عشر كله لا في صبّ لوحات الأبواب فحسب وإنما أيضاً في المنابر واللوحات الجدرانية وأطر النوافذ والأعمدة والأكتاف والكرانيش.
وعلى حين عُني برونليسكي بما ينطوي عليه المشهد من طابع مثير، ضحّى جيبرتي بعنصر الإثارة الدارمية في سبيل الجمال الزخرفي. كذلك كان برونليسكي أقل تقيّداً بالفراغ المتاح فشكّل شخوصه شديدة البروز متجاوزة السطح تجاوزاً مُسرفاً، بينماً حرص جيبرتي على حصر الانتباه في بؤرة تشدّ البصر. وعلى حين جاء تشكيل قوام إسحاق في لوحة برونليسكي متعدّد الزوايا على نهج مفهوم النحت في العصور الوسطى جاء تشكيل قوام إسحاق في تكوين جيبرتي في رشاقة المنحوتات المتأغرقة التي لا تتوخى تصوير شخصية ذاتية بعينها، وشاع أن جيبرتي قد جسّم شكل إسحاق على غرار جذع تمثال كلاسيكي كان قد عثر عليه بالقرب من فلورنسا فاقتناه. وقد آثر المحكّمون لوحة جيبرتي على اللوحات الأخرى، وكان هذا الإيثار بمثابة إشارة مبكرة إلى ما سوف يطرأ من تطور على المنهج الجمالي في المستقبل، ومن ثم عكف جيبرتي على إعداد اللوحات العشرين للباب الشمالي والتي شغلت من حياته أربعاً وعشرين سنة، وقد فتن ميكلانجلو بجمال لوحات باب جيبرتي فدعاه كما أسلفت "بوابة الفردوس". على أنه مما خفّف من وقع الخسارة التي مني بها فن النحت باستبعاد برونليسكي أنها كانت من جانب آخر كسباً لفن المعمار. وقد جرى إعداد هذه اللوحات في محرف جيبرتي يعاونه جملة من المساعدين والتلامذة حتى بات في الإمكان الزعم بأنه بانتهاء جيبرتي من هذه اللوحات التي استغرقت معظم حياته كان كل مثّال من مثّالي عصر النهضة قد عمل إلى جواره بمحرفه وقتاً ما. ولم يكد جيبرتي يفرغ من لوحات الباب الشمالي حتى عهد إليه - دون مسابقة هذه المرة - بإعداد ضلفتي الباب الشرقي لمبنى المعمودية الذي أنفق في إنجازه الفترة من عام 1425 حتى 1452 (لوحات 132- 142). وهكذا نرى أنه بعد أن كانت أبواب مبنى المعمودية في الماضي تصمّم لتناسب الوظيفة التي تؤدّيها فحسب غدت بعد إطاراً جذّاباً ومناسباً لاستعراض الزخارف البديعة. ويلفتنا أن جيبرتي قد تخلّى إلى غير رجعة عن إطار الزهرة الرباعية البتلات، إذ كان يعدّ لوحاته "تصويراً بالبرونز" فيقول شارحاً أسلوبه: "لقد حاولت محاكاة الطبيعة كي أصل إلى سرّ انعكاس المرئيات على حدقة العين، ثم نسّقتُ هذه الأشكال على مستويات مختلفة حتى تبدو القريبة منها للعين كبيرة والبعيدة منها أصغر حجماً نسبياً".
ويخيّل إلينا ونحن نتطلّع إلى لوحات الباب الشرقي أن جيبرتي قد أحال إزميل نحته إلى ريشة مصوّر، فقد أقدم في لوحة خلق آدم وحواء والخطيئة الأولى (لوحة 139) على محاولة جريئة لتطبيق قواعد المنظور قبل تطبيقه في فن التصوير المعاصر له بوقت طويل، فإذا هو يجسّم الشخوص في أمامية اللوحة بالنقش الشديد البروز متيحاً لها الاندفاع صوب المشاهد، بينما جسّم السحابة التي تحمل الملائكة في خلفية اللوحة بالنقش الخفيض حتى لتبدو وكأنها تتبدد في ثنايا الهواء الرهيف، على حين شكل التفاصيل الأخرى مثل حديقة جنّة عدن في منتصف اللوحة بنقوش متوسّطة البروز.
وعلى كلا جانبي اللوحات المحفورة غمر جبيرتي الضلفتين بمجموعة من التماثيل المنمنمة المكتملة متعاقبة مع رؤوس شبيهة بالتماثيل النصفية الرومانية، تضم الأنبياء العبرانيين والعرّافة سيبلاً [كويبيلي] الوثنية التي تنبّأت بظهور المسيح على ما يقال. ويعترف جيبرتي في كتابه "التعليقات" Commentaries أنه قد حاول محاكاة الطبيعة على غرار فناني الإغريق القدامى وهو يشكّل النبات والحيوان فوق أُطر الأبواب. وكانت لعناية جيبرتي الفائقة بالتفاصيل المعدنية الرقيقة أن حظيت هذه الأبواب بمكانة مرموقة حتى اليوم في فن الصياغة. وإذ كان جميع المثّالين البارزين في فلورنسا أعضاء في نقابة الصيّاغ سرت تلك التقاليد التي أرسلها جيبرتي في فن الصياغة على مدى القرن الخامس عشر كله لا في صبّ لوحات الأبواب فحسب وإنما أيضاً في المنابر واللوحات الجدرانية وأطر النوافذ والأعمدة والأكتاف والكرانيش.
باب الفردوس. المعمودية بفلورنسا.
أندريا بيزانو: باب معمودية فلورنسا الجنوبي.
أندريا بيزانو: باب معمودية فلورنسا الجنوبي.
برونليسكي: فداء إسحاق (إبراهيم يقدم ابنه إسحاق ذبيحة): المتحف القومي. بفلورنسا.
جيبرتي: فداء إسحاق (إبراهيم يقدم ابنه إسحاق ذبيحة). المتحف القومي. بفلورنسا.
جيبرتي: باب الفردوس. معمودية فلورنسا.
جيبرتي: عيسو بن إسحاق يبيع بكوريته بصدر رحب لتوأمه الشقيق يعقوب. الباب الشمالي لمعمودية فلورنسا.
جيبرتي: ملكة سبأ في زيارة الملك سليمان. الباب الشمالي لمعمودية فلورنسا.
جيبرتي: إخوة يوسف يبيعونه للإسماعيليين بعشرين من الفضلة. الباب الشمالي لمعمودية فلورنسا.
جيبرتي: داود والعملاق جالوت. الباب الشمالي. معمودية فلورنسا.
جيبرتي: نوح يكشف الغطاء عن الفلك بعد أن نشفت الأرض فكلمه الله ليخرج من الفلك هو ومن معه. الباب الشمالي لمعمودية فلورنسا.
جيبرتي: يشوع يقود بني إسرائيل لعبور نهر الأردن ومعهم تابوت العهد، فانحسرت المياه وجفت من النهر حتى تم العبور. الباب الشمالي لمعمودية فلورنسا.
جيبرتي: خلق الإنسان والخطيئة الأولى. الباب الشرقي لمعمودية فلورنسا.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق