الاثنين، 6 ديسمبر 2010

فنون عصر النهضة : القرن الرابع عشر إرهاصة عصر النهضة في إيطاليا


الفصل الأول
القرن الرابع عشر
إرهاصة عصر النهضة في إيطاليا
هَلَّ القرن الرابع عشر على أوروبا بملامح شتّى متباينة كانت تُبشّر بمقدمه، إذ كان عهداً من عهود الانتقال بين العصر الوسيط الغارب وعصر النهضة المُشرق، وكأنّه انتقال من عصر القحط والبوار إلى عصر الخصوبة المعطاء. كان عهداً يموج بالصراعات والاضطرابات، فقد كانت إيطاليا عنده تستعر حرباً ونزاعاً بين الجبلّليين والجولفيّين ، كما كانت أوروبا نهباً لتلك الفتن الطاحنة التي ثارت بين الكنيسة وتعاليمها والهرطقة ونذرها. وفي الحق إنه لم يكن ثمة وجود لإيطاليا من الوجهة السياسية بل كانت دويلات مدن تمزّقها المشاحنات والأطماع والحروب. ولم يكتف الباباوات والأباطرة بما بين هذه الدويلات من تنافر بل شطروا كلّاً منها إلى طائفتين: جبلليين وجولفيين، تدين الأولى بالولاء للإمبراطورية الرومانية المقدسة والثانية تشايع البابوات، وامتدت الضغائن لتطغى على كافة الأنشطة، فإذا تزيّن الجبلّليون بريشة على جانب من قلنسواتهم وضعها الجولفيّون في الجانب الآخر، وإذا رمز الجبلّليون لأنفسهم بوردة بيضاء لم يلبث الجولفيون أن يتخذوا وردة حمراء رمزاً لهم، وهكذا.
على أنه رويداً رويداً ما لبثت أن بدأت النسائم النديّة لعالم إنساني جديد تهبّ على أوروبا. فعلى حين كان شمال أوروبا عاكفاً على تشييد الكاتدرائيات القوطية انهمك جنوبها في إعادة إحياء الجمال الدفين في المنحوتات الرومانية القديمة. وفي الوقت الذي كانت أصوات القُسس تعلو من فوق منابر الكنائس بالترهيب المفزع والوعيد المنذر لتخويف الناس بنار الجحيم حتى يحملوهم على التوبة إذا برهبان الفرنسيسكان يطالعونهم بالعظات الوادعة التي تبعث السكينة في النفوس. وبينما كان الجدل الحامي الوطيس حول فلسفة المذهب العقلاني السكولائي [المدرسي] مندلعاً في أروقة الجامعات آمن الفلاحون البسطاء بالحقائق البسيطة المجردة التي كان يردّدها على أسماعهم أتباع القديس فرنسيس الأسيزي. وعلى حين آثر بعض المصورين رسم التصاوير الجدارية المرعبة عن يوم الحساب انبرى غيرهم يستلهمون في تصاويرهم أشد قصص الكتاب المقدّس تفاؤلاً وبهجة وإذا هم يمثّلون أبطالها بشراً بسطاء على غرارهم. وبات الناس حيارى يتساءلون: هل عالمهم الذي يعيشونه شركٌ نصبه الشيطان لاصطياد العابثين أم هو رقعة خلقها لمتعتهم ربٌّ رحيم؟
وعلى هذا النحو كان القرن الرابع عشر قرناً انتقالياً افتقر إلى الاستقرار. وما كان لعاصمة واحدة أن تُشكّل المشهد الذي يفي بالتعبير عن هذه المسرحية فسيحة الأبعاد التي تتخذ من أوروبا كلّها مسرحاً كان يدور فوقه هذا الصراع المتعدّد الجوانب وقد انخرط فيه الناس جميعاً. وفي هذه الأثناء اشتدّت الهجرة من الريف إلى المدينة وبدأ صراع القوى الصاعدة لتجّار المدن ضدّ جبروت ملّاك الأراضي الأرستقراطيين وطغيانهم، وتخلّى رهبان الأنظمة الناشئة كالفرنسيسكان والدومينكان عن ملازمة أديرتهم وهرعوا إلى الطرق والحقول يعظون سائر الطبقات حيثما وجدوا جمهوراً على استعدادٍ للإنصات، وكانت الكنيسة قد درجت على مزاولة أغلب نشاطها في المجتمعات الريفية متناسية طبقتي البورجوازية والعمال الناشئين بعد نمو المدن واتساعها حتى غدت كراهية أهل المدن لرجال الدين ظاهرة ملموسة. وكان القدّيس الإيطالي فرنسيس الأسيزي والقديس دومينيك الإسباني أول من مهّد السبيل للكنيسة للخروج من مأزقها وأزماتها بما ناديا به من مبادئ إنسانية.
كان القديس فرنسيس في الأَصل شاباً ميسوراً استهواه الدين فغدا شاعراً متجوّلاً مكرّساً حياته لخدمته، داعياً إلى التواضع حاثّاً على الزهد والبساطة والطهارة وعلى الإخاء بين الناس والحيوان والطبيعة، وقد اتخذ اسم فرنشسكو - أي الفرنسي - لأنه كان قد تعلم الفرنسية في صباه وتغنّى بأناشيد تسبّح الله منظومة بلغة إقليم البروفانس وحقّقت نجاحاً ملحوظاً في مدن إيطاليا، فأسّس طائفة الرهبان الفرنسيسكان الذين عُرفوا باسم الإخوة الصغار أو الرهبان الرماديّين ، وحظيت هذه الطائفة بتأييد معه الحذر من البابا إنوسنت الثالث، غير أنها لم تكن لها صفة رسمية حتى عام 1223 على العكس من طائفة الرهبان الدومينيكانالتي كانت غايتها "المحبّة" والتي باركها البابا على الفور، وكانت قد نشأت في أعقاب حملة القديس دومينيك ضد الهرطقة وألزمت نفسها بمهمّة الوعظ والإرشاد ومن هنا سُمّوا بالرهبان الوعّاظ أو السود. وعلى غرار الفرنسيسكان لم يلزموا الأديرة أو يقصروا مزاولة الرهبنة على الريف بل سكنوا المدن ووهبوا أنفسهم للوعظ وأعمال البر والخير، ينادون بالعفّة والتواضع والطاعة مُلتزمين ببساطة العيش، وكانت الخلافات داخل الكنيسة نفسها قد بلغت أشدّها إلى حدّ تنحية البابوات وإبعادهم عن سُدّتهم البابوية المتوارثة في روما إلى أماكن شتّى وخاصة في أفنيون بجنوب فرنسا.
كذلك اضطرّت الخصومات السائدة أدباء أمثال دانتي وبترارك إلى تأليف دواوينهم في المنفى بعيداً عن أوطانهم. وعلى غرارهم كان كبار المصوّرين رحّالة جوّالين يحطّون رحالهم أينما وجدوا عملاً يكلّفون به، فقام جوتو دي بوندوني (1266 - 1337) رائد مدرسة فلورنسا بتصوير سلسلة من الفريسكات شغلته سنين عدة في كل من روما ورافينا وأسيزي وسيينا بعيداً عن مسقط رأسه فلورنسا. كما عكف سيموني مارتيني الذي كان يلقّب بـ"نور سيينا الرخي" (1285 - 1357) على زخرفة جدران إحدى مصلّيات كنيسة القدّيس فرنسيس في أسيزي وأخرى بالقصر البابوي في أفنيون، كما عاصر جوتو الشاعر الفلورنسي العظيم دانتي الذي خصّه بالثناء ضمن من ذكر في الكوميديا الإلهية. وكان سيموني مارتيني صديقاً لبترارك شاعر إيطاليا العظيم في الجيل التالي وأشهر ما يُعرف به اليوم أغاني الحب الجميلة التي كتبها في محبوبته لورا، والتي نعرف منها أن سيموني مارتيني رسم للورا لوحة احتفظ بها بترارك. على أنه ينبغي علينا أن نشير إلى أن  تصوير البورتريهات كما نعرفه اليوم لم يكن له وجوده المتكامل خلال العصور الوسطى، فقد كان الفنان يقتصر على تصوير الشكل العام مسجّلاً فوقه اسم صاحب الصورة. ولقد فُقدت صورة لورا التي رسمها سيموني مارتيني وبات متعذّراً معرفة ما كان بين الصورة والحقيقة من شبه، إلا أننا نعرف أن هذا الفنان وغيره من أساتذة القرن الرابع عشر قد مارسوا التصوير محاكاة للطبيعة، وأن فن رسم البورتريه قد لحقه خلال هذه الفترة التي نحن بصددها تطوّر ما، وكان سيموني مارتيني قد عاش مثل بترارك بضع سنوات في بلاط البابا بأفنيون.
وكما انخرط كبار المثّالين من بيزا في العمل في سيينا وفلورنسا وبادْوا وأرتزو، كذلك سعى الموسيقيون إلى مختلف القصور، وتباينت الأساليب الفنية بصفة عامة وتنوّعت مع الأساليب المحلية التي ازدهرت في البندقية وبيزا وسيينا وفلورنسا، على حين تكوّنت ملامح "الأسلوب الدولي" في أفنيون وديجون وبورج والفلاندر وغيرها فاجتذبت أعظم المواهب من كل حدب وصوب إلى مقر البلاط البابوي وقصور الملوك والشعراء، وإن ظهر للأساليب الموسيقية الفرنسية تأثير قوي في كل مكان ولا سيما إيطاليا.
وفي خضم هذا الفيض الفني كانت "أسيزي" - وهي مدينة صغيرة تقع فوق تل صخري خفيض في بقعة ريفية ضنينة الخصب بإقليم أومبريا بوسط إيطاليا - مركزاً جمع شمل الجمّ الغفير من المواهب الممتازة التي عكست تيارات العصر المتصارعة. ولولا أن الحظّ واتى هذه المدينة الصغيرة بمولد أعظم القديسين الذين بزغوا في نهاية العصر الوسيط لظلّت مدينة مغمورة ضئيلة الأهمية. هذا إلى أنه لم يكن ممكناً أن يعيش فيها أيّ فنّان إلى ما لا نهاية، لكنها ما لبثت أن شهدت بناء كنيستها الكبرى خلال القرن الثالث عشر التي توافد عليها الحجّاج من شتى الأرجاء، كما قصدها المصوّرون من كافة الأنحاء لزخرفة جدرانها.
وعلى سفوح أسيزي الخضراء اللطيفة الانحدار نشأ القدّيس فرنسيس الذي كان أشدّ رجال الدين رأفة ورفقاً بالناس وأحبّهم إلى القلوب، والذي ما لبث أن أدرك عدم جدوى الخطابة الطنانة وفَطِن إلى الطبيعة العابرة لكافة النظم الاجتماعية. فكان يخاطب الجمهور معتمداً على منطق الحجّة متّخذاً منه وسيلته إلى الإقناع مستخدماً الأمثال الشائعة والحِكَم السهلة ببلاغة مؤثّرة تؤيّدها القدوة التي كان يضربها للناس في حياته. وإذا كان القدّيس فرنسيس قد اكتمل نضجه في غضون القرن الثالث عشر، إلا أن مجموعة الأقاصيص التي جعلت منه أسطورة حيّة على مدى الزمن وكذا تطور نشأة طائفة الفرنسيسكان ينتميان إلى القرن الرابع عشر. ولم يكن رجال الدين والرهبان الذين تلقّوا العلم في الجامعات يتّصلون بغير قطاع محدود  من المجتمع الذي يعيشون بين ظهرانيه، فإذا الفرنسيسكان يتمكنون من النفاذ إلى قلوب الجماهير وعقولها، يعظونها بلغتهم المحلّيّة في ميادين القرى لا من فوق منابر الكنائس. ويرتكز جوهر العقيدة الفرنسيسكانية الرهبانية على اعتقادهم بأن ثمّة قراناً جمع بين القدّيس فرنسيس "رسول الفاقة" و"الفاقة " وهي الفكرة التي عكف الفنان جوتو على تسجيلها في إحدى تصاويره الجدارية. إذ يُحكى أنّ شابّاً اقترب ذات يوم من المسيح وسأله عمّا ينبغي عليه أن يفعله كي يضمن السعادة الأبدية، فقال له يسوع: "إن أردت أن تكون كاملاً فاذهب وبع أملاكك وأعط الفقراء فيكون لك كنز في السماء وتعال اتبعني" (إنجيل متّى 21:19). وقد مضى القدّيس فرنسيس على هدى هذه الموعظة، فكتب في وصيّته الأخيرة لأتباعه يصف حياته المبكرة: "كنّا نقنع بالخلقان المرقّعة نستر بها العورة ونشدّها إلى أوساطنا، وما هفت نفوسنا إلى متعة من متع الحياة، وكنّا نؤثر الاختلاف إلى الكنائس المتواضعة المهجورة، وكنّا على هذا لا ندرك كنه الوجود، نُسلم أمورنا إلى كل ما يقع تحت حسّنا وبصرنا من ظواهر الكون". وكان من بين ما أوصى به مريديه أن "حرامٌ عليكم أن يملك أحدكم شيئاً، فما نحن في هذه الحياة إلا غرباء يلمّون بها إلمامة الزائرين. ولا مطمع لنا في متعة من متع الحياة. نحيا فقراء ونموت فقراء. همّنا تقوى الله وخشيته. ولتعيشوا على الرضا بما يجود به عليكم المتصدّقون. لا تحملوا شيئاً للطريق؛ لا عصا ولا مزوداً ولا خبزاً، ولا يكن لأحد منكم ثوبان".
وقد استطاع الطراز القوطي خلال القرن الثالث عشر المحافظة على حالة من التوازن وسط ما كان يضطرم به من قوى متصارعة بتطبيق المنطق السكولائي والمعمار الصارم، غير أن هذه القوى ما لبثت أن تفجّرت خلال القرن الرابع عشر في صراع محتدم، الأمر الذي أسفر عن الأزمة التي مرّت بها الكنيسة، وعن الصراع الاجتماعي بين المدن الجديدة وبين أرستقراطية ملّاك الأراضي القدامى، وعن عدم ملائمة العمارة القوطية لريف إيطاليا المشمس، وعن مواصلة تمثيل كائنات العصور الوسطى الخرافية البشعة الشائهة (الجروتسكية ) في الوقت نفسه الذي زخرت مصورات جوتو بالنماذج الإنسانية، وعن الرؤى المتباينة التي انطوى عليها جحيم دانتي وفردوسه في الكوميديا الإلهية، وعن الاتجاهات الجديدة المؤثرة على الشعر والتصوير قبل حقبة "الموت الأسود" وبعدها، وعن المزيج العجيب الذي خلط فيه بترارك صور الفروسية القوطية بشغفه بآداب روما القديمة، وعن حيرته بين التأليف باللغة اللاتينية أم باللغة الإيطالية الدارجة، وعن سونيتّات غزله الحسّي في معشوقته لورا في كتابه "السرّ " التي اتخذ فيها من اعترافات القدّيس أوجسطين مُرشداً.
واستعر أوار هذا الصراع العميق الجذور في أغوار عقول الناس وضمائرهم على حال أعنف مما كان في المجادلات الدائرة بين روّاد الفكر الذين يؤمنون بأهمية اختلاف وجهات النظر. وكان القديس فرنسيس في حياته الخاصة يجمع بين الطابع الروحاني في إنكار الذات وبين الطابع الحسّي في عشق ما تضمّه دنيانا من جمال طبيعي، بل لقد كان يؤمن بأن نار الجحيم لم تخلق لحرق أجساد الخطاة بقدر ما خُلِقت لتُشيع النور في الحياة وتبثّ الدفء حين تقسو البرودة في الأجواء، فانطلق يحاول اكتشاف الدليل على لطف الله وكرمه في كل ما حوله؛ في وهج الشمس وفي معجزة تجدّد نمو الأعشاب وتفتّح الورود في الربيع. كانت هذه الظواهر الطبيعية المتنوعة تبوح له بجوهر الألوهية، وكان مذهبه في وحدة الوجود أي وحدة الله والكائنات بمثابة إرهاصة بالخروج على ثنائية العصور الوسطى المتطرّفة القائمة على التناقض الصارخ بين الجسد والروح. فبعد أن قضى عمره يقمع شهوات بدنه إذا هو يتبرّأ من زهده وينكر تقشّفه معتذراً إلى شقيقه "الجسد" مُتضرّعاً إليه كي يغفر له إهماله أمره. ومن ناحية أخرى ذهب بوكاتشيو إلى أبعد مدى في اتجاهه الروحاني الجديد، بعد أن تنصّل من كتابه المرح "ديكاميرون" بعد عام 1360 وحاول التخلّص من مكتبته الزاخرة بالكتب التي تعود إلى عصر الإغريق والرومان الوثني.
هكذا أرسى القرن الرابع عشر قدَماً في عالم العصور الوسطى وأخرى في عالم عصر النهضة، فكان هذا القرن من ناحية ذروة الاتجاهات التي سادت خلال أواخر العصور الوسطى، ومن ناحية أخرى إرهاصة بأفكار عصر النهضة. وقد ترتّب على تهاوي مبدأ خضوع الفرد لسلطة الدولة  الخضوع كلّه الذي عمّ العصور الوسطى جميعها نمو النزعة الطبيعية المنادية بأن العالم لا يفتقر فيما وراء ذاته إلى علّة لتفسير وجوده وحركته وغايته، كما أسفر النزوع نحو الهرب من هيمنة العالم الأخروي والاقتراب من العالم الدنيوي عن يقظة النزعة الإنسانية .
وشهدت بداية القرن الرابع عشر محاولة جريئة رائدة في المجال الفكري والأدبي هي ميلاد "الكوميديا الإلهية" التي كتبها "دانتي أليجييري" Dante Alighieri باللغة الإيطالية فرفع بها هذه اللغة إلى مصاف اللغات الأوروبية العالمية. وتعد "الكوميديا الإلهية" أعظم كتب العصور الوسطى من حيث شدّة تأثيرها وتنوّع أفكارها والمجالات التي طرقتها، ذلك أنها جمعت بين أفكار فلسفة العصور الوسطى "السكولائية" وأفكار "الفرنسيسكان" وثقافة اليونان والرومان القديمة، فإذا أسماء أرسطو وفيرجيل وأوفيد وشيشرون تلتقي على صفحاتها مع أسماء بويثيوس وتوما الأكويني وفرنسيس الأسيزي.
وقد طبع دانتي "كوميدياه" شكلاً وموضوعاً بالرمزية الرياضية للرقم 3 الذي ينطوي على مغزى خفيّ يشير إلى تمجيد فكرة "الثالوت المقدس"، وصاغ قصائده من الناحية الشكلية في مجموعات تشمل كل منها ثلاثة أبيات ذات قافية ثلاثية تتكرر بالنظام نفسه في المجموعات التالية، وجمع في كوميدياه ثلاثة حيوانات ضارية وثلاث نساء يخلّصنه منها وثلاثة رجال يهدونه سواء السبيل. كما قسّم موضوعها إلى ثلاثة أقسام أساسية هي "الجحيم" و"المطهر" و"الفردوس"، وضمّن كل قسم ثلاثة وثلاثين نشيداً تمثّل عدد السنوات التي عاشها المسيح على الأرض، حتى إذا أضيف إليها نشيد التصدير صار عددها مائة، وهو الرقم الذي يرمز إلى الشمول والكمال.
والكوميديا الإلهية ليست عملاً واقعياً رغم ما تحمله من رموز رياضية ونزعات فلسفية سكولائية ومواد علمية كقوانين حركة الأجرام وأفكار دينية ودنيوية وجدل فلسفي ومعان مجازية على نحو تمثيل فيرجيل للعقل وبياتريس للإلهام، بل هي عمل شعري خرج فيه دانتي على عادة الكتابة باللغة اللاتينية التي كانت مقصورة على عدد محدود من المتفقّهين في اللغة اللاتينية التي كانت تتيح لهم الاطلاع على كتب الشعر والفلسفة والتاريخ، والتي كانت تمثّل لغة خاصّة مُغايرة للّغة التي يتحدّث بها العامة. على أن شاعرية هذا العمل الفيّاضة جعلت سبر أغواره أمراً من العسر بمكان، فقد تخلّلته بعض فقرات غامضة لا سيما عند الانتقال من الجحيم إلى المطهر ثم من المطهر إلى الفردوس، فإذا الكوميديا بعد وفاة دانتي تعوزها دراسة جادة حاول بها الأساتذة المتخصصون تفسيرها للدارسين، غير أن هذا لا يخرج بها من مجال الشعر إلى مجال العمل العلمي، رغم كل ما تضمّنته من معارف علمية جعلت استيعاب جوهرها متوقّفاً على الدراية الحقّة بعلوم اللاهوت والميتافيزيقا والفلسفة والسياسة المعاصرة.
وقد حشد دانتي في كتابه العديد من الموضوعات وخلط بينها إلى حدّ الاضطراب واللبس، فإذا هو يجمع بين الحديث عن السياسة وعن الفردوس، ويضع أسماء الأحياء من سكان البلاد التي زارها إلى جانب أسماء الأعلام الخالدين، ويفيض في الثرثرة الفجّة إفاضته في الحديث العلمي، ويضع الجحيم إلى جوار الفردوس والإيمان إلى جوار العقل وأحداث الماضي مع أحداث الحاضر والتكهّن بالمستقبل، ويضم الوثنية إلى المسيحية وعالم الإغريق والرومان إلى عالم العصور الوسطى، غير أنه رغم ذلك كله حرص على ألا تطغى التفاصيل التي اجتمعت له على لغته الشعرية وروعتها، مُحاولاً أن يجمع المعاني المشتّتة في وحدة شاملة، ثم صاغ ذلك كله في أسلوب جزل جميل يحتضن القارئ وسط هذا التيه، باعثاً الحياة في شخصيّات قصّته بلمسات إنسانية رقيقة ذات أثر بالغ، وساق رموزه في صور واضحة أليفة للقارئ العادي.
وتميّز شعر دانتي بموسيقاه الخاصة، وبنظرة شاملة إلى الوجود، ونفاذ إلى الأعماق وبثراء في الأخيلة والصور الشعرية، فقد كان دانتي مرهف الإحساس بالنورانية الروحانية يصورها ببصيرة خياله الشعري. وكان كثير الترنّم بضوء الشمس ووهج النهار وتألّق النجوم وبريق الأحجار الكريمة وومضات النور ينشرها قنديل في ظلمة الليل، وبآثار انعكاسات الضوء وانكساراته على الماء والزجاج والجواهر، وبقوس قزح وانعكاس أطيافه الملونة على السحب، وبالوهج الأحمر لألسنة نيران الجحيم، وبألق الفردوس الباهر وإشراقة عيون البشر، وبالهالات النورانية المحيطة برؤوس القدّيسين حتى أدى به عشقه للضياء إلى أن يختتم كل قسم من أقسام قصيدته الثلاثية العظيمة بلفظة "النجوم".
وتنطوي الكوميديا على الرغم من بنائها من عناصر ثقافة القرون الوسطى على وجهات نظر مستمدة من عصر النهضة، كما جمعت إلى وجهات النظر هذه كلها التنديد بسيطرة قوى الشر على نفوس الحكام المتسلّطين، والتأكيد على ما للمشاعر النبيلة من أثر في توجيه الحياة الإنسانية. وذهب دانتي إلى أن هدف قصيدته هو إزاحة البؤس عن كاهل البشر وهدايتهم نحو طريق السعادة. وكان دانتي عميق الإيمان بالإنسانية، ولم يكن يرى في عذاب الجحيم إلا إصلاحاً للفساد وتكفيراً عن الأخطاء التي ارتكبها المرابون والبخلاء والمتّجرون بالدين ممن عرفهم في حياته. وقد أساء الكثيرون الحكم على كوميديا دانتي اجتزاءً بقراءة القسم الأول الذي يتحدّث عن الجحيم رغم ما في هذا من تجاهل للقسمين اللذين يشكلان مع القسم الأول وحدة شاملة لا غنى عنها لاستيعاب مضمون العمل كله. والحق إن هدف دانتي لم يكن التعبير عن نظرة العصور الوسطى إلى العالم الآخر، بل كان إلقاء الضوء على ما طرأ من تطور على حياتنا الدنيوية منذ بدئها بالخطيئة الأصلية للبشر وما تبعها من تطهر خلال مراحل التطور والتقدم المختلفة إلى أن تنتصر فضيلة الخير الذي يتمثل من وجهة نظره في الاستمتاع بنعيم الفردوس، وهي رحلة فكرية طويلة مترعة بالانفعالات والمشاعر التي لم تعرفها شعوب العصور الوسطى. بدأ دانتي كوميدياه بتصوير أعماق الأرض، صاعداً عبر طبقات الجحيم، ممتطياً ظهر الشيطان إلى الجبل المطهّر، ثم مضى صاعداً في الطبقات الميتافيزيقية السماوية، وهي رحلة تمثّل في رأي دانتي رحلة الحضارة الإنسانية التي شقّت طريقها الصاعد عبر وثنية الإغريق والرومان وخلال العصور الوسطى التي تنازعتها سلطتا الكنسية المطلقة من جانب والدولة الرومانية المقدسة من جانب آخر، إنها حركة صاعدة خرجت بها البشرية من أعماق الظلمة إلى القمة المضيئة.
وظهرت خلال القرن الرابع عشر جماعة الفلاسفة الذين أطلقوا على أنفسهم اسم "الاسميين " وذهبوا إلى أن العموميات تنبثق من تعدّد الأشياء المفردة وجادلوا معتمدين على قانون الاستدلال ، أي دراسة الوقائع المتفرّقة والحالات الخاصة بغية استخلاص المبادئ العامة على العكس من العقلية السكولائية التي كانت سائدة وقتئذ وجادلت أيضاً معتمدة على قانون الاستنتاج ، أي البدء "بالعام" وصولاً إلى الجوهر وهو "الخاص"، وبمعنى آخر كان السكولائيون يبنون قضاياهم المنطقية قبل المسألة والاسميون بعدها. وكان معنى ازدياد نفوذ الاسميين تهاوي مبدأ خضوع الفرد لسلطة الدولة الذي ساد خلال العصور الوسطى حين كانت آراء أرسطو وآباء الكنيسة بداهات مسلّماً بها دون جدال، كما كان يعني بداية التجربة الحديثة لبلوغ الحقيقة مع النظرة الأولى المباشرة سواء في مجال البحث العلمي أو في مجال الفنون، الأمر الذي أسفر خلال القرن التالي عن نشأة القوانين الرياضيةللمنظور الخطّي ، وتمثيل الجسد الإنساني وفقاً لأصول علم التشريح والمقاييس الحسابية، وبناء الأساس الهارموني الحديث في الموسيقى.
ومضى هذا النزاع بين الفلسفتين جنباً إلى جنب مع نشأة النظرية الفرنسيسكانية الجديدة التي أطلّ بها صاحبُها على العالم. وما من شكّ في أن اضمحلال مبدأ خضوع الفرد للسلطة الذي ساد القرون الوسطى يُعزى جزئياً إلى مفهوم القديس فرنسيس عن الدين باعتباره علاقة اختيارية تلقائية بين الفرد وربّه تقوم على المحبّة والتدلّه لا على الخوف والرهبة، ومن هنا كان هذا المفهوم الديني الجديد انتقالاً من نظام "المجتمع الرأسي" الذي يترابط فيه الناس بالمعنى الطبقي وفق مركزهم الاجتماعي وما يتولونه من سلطات، إلى نظام "المجتمع الأفقي" الذي يربط بين الفرد وغيره بعلاقات أخلاقية تؤاخي بينهما. وكان مما يستشعره القديس فرنسيس من انتشاء غامر حين يتطلّع إلى الشواهد المحسوسة على محبّة الله لعبده الإنسان من زهر وثمر أثره الكبير هو الآخر على توجيه مجرى الفن، فلم تكن الطيور التي خصّها القديس فرنسيس بعظاته هي طيور العصور الوسطى مثل "الحمامة المقدسة" الرامزة إلى الروح القدس أو "نسر القديس يوحنا" الرامز إلى رؤياه، بل هي الطيور المغرّدة التي تحلّق حولنا. وعلى الرغم من أن هذا الاتجاه كان ملحوظاً إلى حد ما من قبل في منحوتات القرن الثالث عشر بكاتدرائية شارتر وغيرها، إلا أنه لم يحظ بانتشار واسع إلا خلال القرن الرابع عشر. وكلما طغى العالم الطبيعي على عالم ما فوق الطبيعة على أساس الملاحظة المحسوسة لا على أساس التجريدات الميتافيزيقية تحرّرت الفنون من مشكلة من أعقد مشاكلها العويصة، فلقد كانت تلك المحبة التي يكنّها القديس فرنسيس للبشرية ولكل ما هو بسيط ميسور تصويره من عشب وشجر وغيره قد فتحت للفنانين آفاقاً جديدةً انطلقوا يكتشفون مجاهلها. ومضى الناس يتلقون رسالة القديس فرنسيس في شكل أمثال وحكم وصور بسيطة عن الحياة يستطيع أي فرد أن يدركها، حتى جاء جوتو ليقوم بتفسيرها في نمط تصويري نابض بالحياة، فلقد كانت الصور المرئية والسمعية وقتذاك ذات أهمية قصوى نظراً لتفشّي الأمية، إذ كان معظم من يعظهم القديس فرنسيس لا يلم بالقراءة والكتابة، لذا آثر جوتو استخدام الصور المرئية البسيطة على استخدام الصور اللفظية. وعلى غرار قصيدة دانتي الشهيرة التي صيغت على نمط "رؤياه" وحملت عنواناً فرعياً هو رؤيا دانتي "ألليجييري" جاءت صور الفنانين في مجالات التصوير والنقش على الحجر وتشكيل الزجاج المعشق الملون والكلمة الملفوظة والأغنية تعبيراً مباشراً عن أحوال ذلك العصر بزّ في تأثيره فيهم أثرها على العقل المعاصر.
كان هذا المناخ الرخيّ هو الذي أعان جوتو على اكتشاف سرّ التوازن بين ما هو تجريدي وما هو مادي وبين الجوهر الإلهي والواقع الإنساني، فإذا هو يؤثر بثّ المواقف الإنسانية الجلية في تصاويره متجنّباً مناخ العصور الوسطى الغامض برمزيته التجريدية، وإذا هو عزوف عن تصوير القديسين مخلوقات متعالية بل صوّرهم آدميين عاديين يستشعرون العواطف الإنسانية المألوفة من فرح ويأس وقنوط دون فارق يميّزهم عن سكان المدن الإيطالية الذين يعرفهم حق المعرفة. وبعد أن اطّرح رمزيات العصور الوسطى وغدا قادراً على تمثيل الأشياء والأحداث كما تبدو له انبسط أمامه سبيل جديد، فإذا معاصروه يصفونه بأنه "الفنان الذي يصبّ نبيذاً جديداً في زقّ العصر البيزنطي والقرون الوسطى". وإذا كان جوتو قد أبدى اهتماماً وولعاً شديدين بالطبيعة فإنه لم يركّز عليها إلى الحدّ الذي قد يضعف قيمه الإنسانية الجوهرية. لم يكن اهتمامه بالطبيعة من أجل الطبيعة ذاتها بل لما تسهم به في إضفاء الواقع والحياة على أشكاله وشخوصه، ومن هنا ينبغي علينا عند تطلعنا إلى إحدى صور جوتو البدء بشخوصه الإنسانية ثم بالبيئة الطبيعية المحيطة، ذلك أنه قد صوّر لوحاته ضمن منظور سيكولوجي لا منظور خطي، وقد كانت موضوعاته تخلق بيئتها باتجاهاتها التعبيرية ومواقفها الدرامية، وعلى حين انطوت تصاويره على اهتمام متزايد بمشاكل الفراغ الطبيعي إلا أنّها ظلت خاضعة لمقاصده التعبيرية.
كانت حركة الفرنسيسكان ثورة سلميّة في ميدان الرهبنة فلم يحبس القديس فرنسيس رهبانه في الأديرة بل ألبسهم الثياب البسيطة وألزمهم بروح التواضع والمحبة ثم أطلقهم لمخالطة البسطاء ومشاركتهم مشاكلهم ونوائبهم كي يعزّز ارتباطهم بالمجتمع بدلاً من الانسلاخ عنه، فلم يبتعد أتباع القديس فرنسيس عن العالم الدنيوي وإن زهدوا في مسرّاته وشواغله. وعلى حين كان رهبان الأديرة الأخرى يشكّلون هيئات كهنوتية صارمة، كان أتباع القديس فرنسيس على النقيض منهم يمثّلون حركة اجتماعية، ولم يعد أمام النزعة العقلانية المتحجرة الشائعة في جامعات العصور الوسطى غير أن تذوب في فيض وجدانيات الحركة الفرنسيسكانية الدافئة، ولم تعد نزعة الزهد القديمة تستميل الطبقة الوسطى التي نشأت في المدن وأخذت تزداد ثراء، وبدأت أناقة المعمار القوطي المحسوبة بدقة تخضع شيئاً فشيئاً لأنماط معمارية غير مغرقة في الشكليات ، وتم استبدال أشكال جوتو الدافئة المعبرة بالنماذج الخطية الموروثة عن أسلوب التصوير البيزنطي الذي كانت الحياة ما تزال تدب فيه، فبدا الفارق بين شحوب تلك الوجوه المحوّرة شبه البلهاء للقديسين البيزنطيين وبين الرقة الإنسانية المرتسمة فوق فم باسم أو عين دامعة في صور جوتو، وتخلّى كلٌّ من فن المنحوتات المعماري الشكلي ونماذج الزجاج المعشّق الملوّن التجريدية في الطرازين الرومانسكي والقوطي عن مكانيهما لبساطة التصاوير الجدارية، وجمع القديس فرنسيس في موسيقاه - شأنه في كل ما فعل - بين الموروث من التقاليد الدينية والموسيقى الشعبية الشائعة، مشجّعاً جماهير الناس على المشاركة في الترنّم بتسبيحات الحمد بعد أن زوّدهم بألحان يستشعرونها بوجدانهم دون حاجة لأن يدركوها بعقولهم.
ومع أن القديس فرنسيس قد نشأ في أسرة متوسطة تعمل بالتجارة إلا أنه لم يكن أرستقراطي النزعة، وعلى الرغم من تلمّس البابوات والأساقفة بل والملوك صحبته إلا أن اهتمامه انصرف أساساً نحو الفقراء والبسطاء من سكان المدن والقرى. وعلى العكس منه كان الفنان سيموني مارتيني من سيينا الذي تكشف جدارياته المصورة في بازيليكا القديس فرنسيس بأسيزي عن إسرافه في التفرقة بين الطبقات الاجتماعية، ولا غرو فقد كان هذا الفنان - على خلاف القديس فرنسيس والفنان جوتو - منتمياً إلى طبقة الفرسان يعيش مُتنقّلاً بين الدوائر الأرستقراطية وتنتمي تصاويره إلى طراز المدرسة القوطية المصقول، على حين تبدو تصاوير جوتو الذي كان من عامة الشعب في البازيليكا نفسها بالقياس إليها جدّ حديثة، إذ كرّس فنّه لصالح الطبقة الوسطى الجديدة، ولم تكن شخوصه أرستقراطية أو شعبية بل مجرد آدميين عاديين بكل ما ينطوون عليه من دفء ورقة ووقار، وبهذا ارتقى فنّه إلى فلك روح القديس فرنسيس الهائمة بالإنسانية. وكانت الموسيقى الأثيرة لدى فرنسيس وأتباعه هي كما قدّمت الأغاني الشعبية البسيطة التي ينشدها المغنون في الشوارع والميادين ترفيهاً عن العامة لا أغاني الشعر الغزلي التي كان ينشدها الشعراء المتجوّلون "الترويادور " للأرستقراطية الأوروبية، ولا الأسلوب الكنترابنطي القوطي الذي يعوّل على الشكل لا المضمون، فلقد كانت رسالته هي وعظ العامة خلال فترات الراحة من عناء أعمالهم في الأسواق أو الحقول، ومن هنا شجّع القوالب الموسيقية البسيطة الجليّة التي لا تعقيد فيها.
وعندما ذكر دانتي في كتابه: "أن شهرة المصوّر تشيمابُويه قد أظلمت بعد ظهور جوتو"، وعندما أعلن بوكاتشيو "أن جوتو قد أحيا فن التصوير بعد أن ظلّ في ظلام القبر لأجيال"، كان هذا يعني أن معاصري جوتو قد تبيّنوا في فنّه روحاً جديدة وأسلوباً حديثاً. وهو ما نلمسه أيضاً في كتاب [ديكاميرون]: "عشرة من سكان المدينة غارقين في السخرية من سلوك الفرسان والأساقفة والرهبان ونقائصهم ومن تقاليد النظام الإقطاعي الذي عفى عليه الزمن وما زالوا به متمسكين". وفي فرنسا نشر فيليب ده فيتري بحثاً موسيقياً في عام 1316 بعنوان "الفن الجديد " عارض فيه "الفن القديم " السائد في أسلوب القرن الثالث عشر القوطي. لقد أخذ الناس يتنسّمون روحاً جديدة من الحرية والتحرير من التقاليد، فإذا استخدام اللغة الدارجة في الأدب والبعد عن الأسلوب الشكلي في التصاوير الجدارية وسريان الروح الشعبية في الموسيقى يسفر عن ظهور طبقة جديدة في المجتمع تحوط الأعمال الفنية بالرعاية.
كذلك زاد الاهتمام من جديد بالفنون الكلاسيكية القديمة مما ظهر أثره فيما يراه الناس ويسمعونه ويطالعونه من أعمال فناني القرن الرابع عشر وأدبائه، فإذا لوحات نيقولو بيزانو المنقوشة نحتاً على منبر كاتدرائية سيينا تكشف عن تأثره البالغ بالأسلوب الروماني الكلاسيكي في النقوش السردية بعمود تراجان، وإذا اسم الشاعر الروماني فيرجيل يكثر ترداده على صورة بيّنة في الكوميديا الإلهية لدانتي، وهذه كلها ظواهر يتضح لنا منها كم كان أثر التقاليد القديمة ممتدّاً. وإذا كانت منحوتات نيقولو بيزانو تأتي من حيث توقيتها الزمني في إثر مرحلة تألق المنحوتات الفرنسية القوطية إلا إنها في حقيقتها أشدّ قرباً وصلة بفن روما القديمة، فلقد كانت المنحوتات الرومانية القديمة منتشرة في شتى أنحاء إيطاليا ولم يكن معقولاً أن يغفلها أي مثّال إيطالي متأمّل. وتفسير ذلك هيّن يسير إذ مردّه الأثر الجغرافي لا الزماني، فوسط إيطاليا أقرب إلى روما منه إلى الشمال الفرنسي، كما أن الإشارة إلى فرجيل في كتاب دانتي لم تكن بدعة، فطالما هو ينظم ملحمة شعرية فلا معدى عن أن تكون الإنيادة التي لم ينقطع الناس عن مطالعتها هي السابقة الأدبية التي يعود إليها، وإذ كان ثمة وعي تام بالآداب الكلاسيكية بين دانتي ومعاصريه لا يجوز إغفاله فقد جاء كتابه استمراراً لتقاليد ثقافية راسخة أكثر من كونه إحياء لها. فالثابت أن العصور الوسطى لم تهمل شأن المؤلفين الكلاسيكيين أو الفن الكلاسيكي كما يزعم بعض المؤرخين، فقد كانت مؤلفات فرجيل وأوفيد وشيشرون وبعض مؤلفات أرسطو موضع الدراسة والمطالعة الجادة خلال العصور الوسطى مثلما كانت موضع الاهتمام خلال القرنين الرابع عشر والخامس عشر. هذا إلى أن روحاً جديدة قد أطلقها كل من بترارك وبوكاتشيو مضت تتوثّب بالتشوّق إلى المعرفة والسعي الدائب بين أضابير مكتبات الأديرة للكشف عن مؤلّفين يونانيين ورومانيين غير أولئك الذين أجازت الكنيسة الرجوع إليهم، ومضى هذا كلّه جنباً إلى جنب مع التنقيب عن المنحوتات القديمة المطمورة بروما ومع دراسة المعمار الروماني القديم. ويقينا لم يكن ثمّة إعجاب من هذا الجيل بما هو وثني قديم لذاته على نحو ما غدا الحال في فلورنسا خلال القرن الخامس عشر، فعلى حين كانت وحدة الوجود الفرنسيسكانية تحمل شبهاً كبيراً في بعض نواحيها بمذهب حيوية المادة القائل بأن لكل ما في الكون حتى الكون ذاته روحاً أو نفساً والذي اعتنقه الفكر الإغريقي المبكر، فلا يمكن الزعم بأن القديس فرنسيس توصل إلى نظريته عن وحدة الوجود من خلال إلمامه بالحضارة اليونانية القديمة. وعلى الرغم من أن جوتو قد قضى فترة من حياته في روما فإن الروح الإنسانية الطاغية على أعماله كانت أشد قرباً إلى وجهة نظر الفرنسيسكان الجديدة   وإلى التقاليد الموصولة للنقش البارز والتصاوير الجدارية الرومانية منها إلى حركة إحياء الحضارة الكلاسيكية القديمة. ومن ثم لا يجوز الخلط بين مرحلة النزعة الإنسانية الفرنسيسكانية العفوية التلقائية خلال القرن الرابع عشر والحركة الواعية لإحياء الكلاسيكية القديمة التي تميّزت بها فلورنسا خلال القرن الخامس عشر أو روما خلال القرن السادس عشر. وقد يبدو لنا أن هذه الحقبة كانت فترة صراع بين أفكار متعارضة ومزج بين اتجاهات تقدّمية وأخرى رجعية، غير أن أية حقبة تضم بين من تضم الأسماء اللافتة للقديس فرنسيس وجوتو ودانتي وبوكاتشيو وبترارك، وتعرض هذا القدر الهائل من الابتكارات الخلّاقة جديرة بأن تمثّل طرازاً قائماً بذاته لا توطئة ولا مدخلاً إلى طراز آخر.
دانتي.
بترارك.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق