الأحد، 24 يوليو 2011

قصة الحضارة - جون دون 1573-1631 - ويل ديورانت


6- جون دون


1573-1631


في مؤتمر هامبتون كورت اقترح مندوب بيوريتاني ترجمة جديدة للكتاب المقدس 


فاعترض أسقف لندن بأن الترجمات الموجودة صالحة تماماً. فقاطعة الملك جيمس وأمر بأن تتخذ إجراءات خاصة لترجمة رسمية موحدة يقوم بها أفاضل العلماء في كلتا الجامعتين، ويراجعها الأساقفة ثم تقدم إلى مجلس الشورى، ثم يعتمدها الملك حتى يمكن تلاوتها دون غيرها في كل الكنائس(49)". ونهض بهذه المهمة سير هنري سافيل وستة وأربعون عالماً آخرون، مستندين إلى ترجمات ويكلف وتندال القديمة، وأنجزوا عملهم في سبع سنين (1604-1611) وأصبحت هذه الترجمة المعتمدة" رسمية في 1611، وكان له أثرها البالغ على الحياة والأدب الحديث في إنجلترا. ودخل إلى اللغة الإنجليزية من هذه الترجمة ألف من العبارات البليغة، وكان تقديس الإنجيل آنذاك قوياً جداً في هذه البلاد البروتستانتية، ولكنه الآن تزود بدفعة جديدة من القداسة والإقبال عليه في إنجلترا، كما ازدادت معرفة البيوريتانيين ثم الكويكرز بنصوصه والتعيد به، بشكل لا يعدله إلا حب المسلمين للقرآن الكريم وتمسكهم به. وكان آثر الترجمة على أسلوب الأدب الإنجليزي مفيداً كل الفائدة، فقد وضعت حداً للتعقيدات الطويلة الغريبة في النثر الإنجليزي في عهد إليزابث، وانتهت به إلى جمل قصيرة قوية واضحة طبيعية وأحلت محل المصطلحات والتراكيب الأجنبية ألفاظاً أنجلوسكونية واصطلاحات إنجليزية مفعمة بالحيوية. وكان فيها ألف من الأخطاء العلمية، ولكنها حولت العبرية الرفيعة واليونانية العادية في الكتاب المقدس بقسميه إلى أروع تحفة في النثر الإنجليزي.
وثمة مؤلفان آخران من النثر الرفيع ميزا هذا العصر. كتاب سير والتر رالي "تاريخ العالم" (وهو ثانيهما في الظهور)، وكتاب روبرت بيرتون "تشريح الكآبة Anatomy of Melancholy، (1621) - وهو المرجع الضخم الذي وضع فيه القسيس سان توماس في أكسفورد نبذاً مما جمعه من المعلومات اللاهوتية 




والتنجيمية، والقديمة والفلسفية. وحسب أساتذة الجامعة أول الأمر أنه "مرح فكه ظريف" ولنه أصبح في حياته فيما بعد مكتئباً إلى حد أنه لم يكن يسره ويسعده إلا بذاءة بحارة الزوارق في نهر التاميز(50). وللتخلص من كآبته "التهم" "بيرتون" "المؤلفين" الذين أمدته بهم مكتبة بودليان. وفي هذه الكتب وفي مخطوطه وفي علم التنجيم وفي الخدمات الكهنوتية، قضى أيامه الكئيبة ولياليه الممتلئة بالنجوم. وحسب طالعه الخاص، وتنبأ باليوم الذي سيوافيه فيه الأجل المحتوم بدقة، إلى حد أن تلاميذ أكسفورد ارتابوا في أنه شنق نفسه ليثبت أنه يعلم الغيب(51).
أنه نشيط مفعم بالحيوية في كتابه. ولما شرع في فحص وسواس المرض عنده ووصف العلاج له، وجد أن الاستطراد ألطف من خطته. وبالمرح الشاذ، الذي يشبه مرح رابليه في موضوعاته غير المطروقة، ناقش كل شيء عن غير قصد كما كان يفعل مونتاني، ويتبل صفحاته هنا وهناك بشيء من اللاتينية واليونانية، ويغري قارئه شيئاً فشيئاً بشكل لطيف، إلى لا شيء، وهو لا يدعي الأصالة، ويشعر بأن كل التأليف سرقة، "ما أرانا نقول إلا معاداً من لفظنا مكرراً، وربما كان الإنشاء والمنهج من عندنا فحسب(52)." ويعترف بأنه عرف الدنيا عن طريق الكتب وعن طريق الأنباء التي تتسرب إلى أكسفورد فحسب.
أني لأسمع أنباء جديدة كل يوم، كما أسمع الإشاعات العادية عن الحرب والطاعون والحرائق والفيضانات والسرقات، وحوادث القتل والمذابح والنيازك والمذنبات والأطياف والأعاجيب والأشباح، وعن المدن التي تم الاستيلاء عليها، والمدن التي حوصرت في فرنسا وألمانيا وتركيا، وإيران وبولندة.... الخ والتجمعات والاستعدادات اليومية وغيرها، مما يتم في هذه الأيام العاصفة، فتنشب المعارك، ويذبح كثير من الرجال، كما نسمع عن غرق السفن وأعمال القرصنة والمعارك البحرية، ثم الصلح وتكوين العصبات، ثم عن خدع حربية وإنذارات جديدة، إنها فوضى هائلة من العهود 




والرغبات والأعمال والقرارات، والظلامات والقضايا البينات والدفوع والقوانين والتصريحات.... والآراء والإنشقاقات والهرطقات.... والأعراس، والمسرحيات التنكرية وشعارات الرياء والحفلات، واحتفالات اليوبيل.... والجنازات(53)
وأنه ليحس (مثل ثورو) أنه إذا قرأ أخبار يوم الأحد، فقد يكتفي بها ويأخذها قضية مسلمة بقية العام، مع مجرد تغيير في الأبهاء والتواريخ. وهو يرتاب في أن الإنسان سائر على طريق التقدم، ومع ذلك يقول "لسوف أصنع يوتوبيا (دنيا مثالية) خاصة بي... أتحكم فيها بمحض حريتي "ويصفها في تفصيل خيالي غريب. والواقع، على أية حال، أنه كان يؤثر تصفح الكتب في هدوء في مكتبه أو على ضفاف التاميز، على الانصراف إلى إصلاح البشر. ويقدم له كل مؤلفي العالم أحسن ما لديهم، ويثقل كاهله ما يجمع من اقتباسات، فيعود مكتئباً مغتماً من جديد، وبعد مائة وأربع عشرة صحيفة ممتلئة، يعقد العزم على التوصل إلى أسباب الكآبة، وهي الخطيئة، والشهوة الجامحة، والإفراط، والشياطين. والسحرة، والنجوم، والإمساك، والإسراف الجنسي،.... وأعراضها (أي الكآبة) ومن بينها: "ريح تقرقر في البطن.... وتجشؤات كريهة.... وأحلام مزعجة(54)". وبعد أن أكمل مائتي استطرد، تراه يصف أنواع العلاج للكآبة: الصلوات، الغذاء، الدواء، الملينات، إدرار البول، الهواء الطلق، الرياضة، الألعاب، الحفلات المسرحية، الموسيقى، الصحبة المرحة، النبيذ، النوم، فصد الدم، الاستحمام. ثم يستطرد من جديد، إلى حد أن كل صحيفة تغدو مخيبة للآمال ومفرحة معاً- إذا توقف سير الزمن.
أما في الشعر فقد اختفى شعراء "السونيت"، وظهر "شعراء ما وراء الطبيعة": ريتشارد كروشو، أبراهام كاولي، جون دون، جورج هربرت- الذين عبروا في جمال وديع، عن الهدوء والتقوى في بيت الكاهن الأنجليكاني، ولقد سماهم صمويل جونسون "ميتافيزيقيين"، من ناحية واحدة فقط، لأنهم نزعوا إلى الفلسفة واللاهوت والجدل، وأساساً لأنهم اختاروا عن ليلي، أوجونجورا، أو البلياد- أسلوباً يتميز بالبدع والنزوات اللغوية، والذكاء اللفظي والتركيبات 




المعقدة، والمقتطفات الكلاسيكية، والغموض المتكلف. على أن شيئاً من هذا كله لم يحل دون أن يكون "دون" أرق شعراء العصر.
وعاصر جون دون- مثل جونسون وتشابمان- ثلاثة عهود.ففي عهد إليزابث كتب في الحب، وفي عهد جيمس عن التقوى، وفي عهد شارل عن الموت. ومنذ نشأ كاثوليكياً، وتعلم على أيدي الجزويت وفي أكسفورد وكمبردج، فقد خبر مرارة الاضطهاد وهدأة الاختفاء. واعتقل أخوه هنري لإيوائه كاهناً محكوماً عليه بالموت، وقضى هنري نحبه في السجن، وزاد من اكتئاب جون انصرافه في بعض الأحيان إلى كتابات سانت تريز ولويس دي جرانادا الروحية. ولكن في 1592 نبذ عقله الفتي النابض بالحيوية، ما ورد في ديانته من معجزات وكرامات، وحام في العقد الثالث من عمره حول المغامرات العسكرية والجنسية وفلسفة التشكك.
ولفترة من الزمن قصر جون دون شعره على الاتصال الجنسي غير المشروع صراحة، ففي القصيدة رقم 17 من قصائده التأملية التي تعروها الكآبة، امتدح "أحلى شيء في الحب: التنوع (لذة الهوى في التنقل): 

ما كان أسعد آباءنا في الزمان الأول

أولئك الذين لم يجدوا في تعدد العشاق جرماً(55).

وفي قصيدته التأملية رقم 18 سبح في "الدردنيل بين ستوس وأبيدوس في صدرها" وفي القصيدة رقم 19 "إلى حبيبته وهي تأوي إلى مخدعها" نزع عنها ثيابها، وفي خيال واسع، طلب إليها: امحي ليدي "أن تجوسا حيث تشاءان". وخلط بين علم الحشرات والعشق، وحاول أن يبرهن على أنه ما دام أن البرغوث عضهما معاً فانه قد خلط دمه بدمها فقد تزوجا آنذاك بالدم، ومن ثم يسرحان في نشوة لا إثم فيها(56). ولكنه أتخم بالمظاهر فسئمها، ووجد أنه ليس كريماً منه أن يرتكب الفاحشة مع كرائم السيدات، ونسي مفاتنهن الموقوتة، ولم يتذكر إلا الحيل التي كن قد تعلمنها من دنيا لا قلب لها، وصب على عشيقته جوليا أكبر





اللعنات، ونصح قارئه أن يختار رفيقة طبيعية غير متكلفة لأن "الحب المبني على الجمال، سريع الفناء مثل الجمال(57)" ثم أنشد مقطوعة شعرية مضادة لفيللون، ووضع ميثاقاً شعرياً كان كل مقطع فيه يهوى على "العشق" بضربة قاتلة.
وفي 1596 أبحر مع اسكس، وساعد في الحملة على قادس، وأبحر معه ثانية في 1597 إلى جزر الآزور وأسبانيا. ولما عاد إلى إنجلترا وجد وظيفة محترمة، سكرتيراً لسير توماس أجرتون "حامل أختام الملكة"، ولكنه هرب مع ابنة أخيه وتزوجها (1600)، ونشط في أن يعولها بالشعر، وواتاه الأولاد بمثل السهولة التي واتته بها القوافي. وغالباً ما عجز عن غذائهم وكسائهم، وساءت صحة زوجته، وكتب يدافع عن الانتحار. وأخيراً رق قلب سير أجرتون فأرسل إلى الأسرة مبلغاً من المال (1608)، ووهبها سير روبرت دروري مسكناً في قصره (1610) في Drury Lane. ولكن بعد عام واحد فقد سير روبرت ابنته الوحيدة، فنشر دون، بلا توقيع، أولى قصائده العظمى، رثاء لها، بعنوان An Anatomy Of The World، وفيها ضخم من موت إليزابث دروري تضخيماً حتى جعل منه فناء الإنسان ثم الكون بأسره: 

وهكذا يغنى العالم منذ اللحظة الأولى....

وتدعو الفلسفة الجديدة كل الناس إلى الشك

وخمد عنصر النار،

وضاعت الشمس والأرض، ولا يستطيع عقل أي إنسان

أن يوجهه التوجيه الصحيح للبحث عنها.

ويعترف الناس صراحة أن الدنيا قد ولت،

على حين أنهم في الكواكب وفي القبة الزرقاء

يتلمسون الكثير من الجديد ثم يرون أن كل هذا

قد انهار من جديد....

لقد تفتت كل شيء، وضاع التماسك،

كل الزاد الكريم، وكل علاقة(58).






وهكذا حزن لأنه يرى كيف أن هذه الأرض "عرجاء مشلولة"، وكانت يوماً مشهد الافتداء السماوي. والآن في الفلك الجديد، مجرد "ضاحية" للدنيا. وفي إحدى حالاته النفسية نراه يمجد "الظمأ المقدس إلى العلوم". وفي حالة أخرى يتساءل متعجباً هل سينتهي العلم بالجنس البشري إلى الدمار. 

إنا نحارب أنفسنا بالأمراض الجديدة

وبالفيزياء الجديدة هناك آلة جديدة للحرب أسوأ كثيراً(59).

وكذلك تحول إلى الدين. فان تكرار إصابته بالأمراض والعلل، والموت المشئوم لأصدقائه الواحد بعد الآخر، انتهيا به إلى خشية الله، فانه، ولو أن عقله ظل يحاول في اللاهوت، فانه كان قد تعلم ألا يثق في العقل كذلك، على أنه عقيدة أخرى، وقرر أن المذهب القديم يجب قبوله دون مزيد من النقاش، إذا كان يوفر هدوء البال ولقمة العيش. وفي 1615 صار قسيساً إنجليكانياً، ولم يقتصر حينئذ على إلقاء المواعظ في نثر كئيب مؤثر، ولكنه نظم كذلك بعضاً من أكثر الأشعار الدينية تأثيراً في اللغة الإنجليزية. وفي 1616 عين قسيساً خاصاً لجيمس الأول، وفي 1621 أصبح رئيس كهنة سانت بول. ولم ينشر قصائده الغنائية الجنسية التي نظمها في شبابه، ولكنه كان قد سمح بتداول نسخ مخطوطة منها، أما الآن فانه-كما روى جونسون "يندم أشد الندم، ويسعى إلى إعدام كل قصائده(60)". وكتب بدلاً منها "قصائد مقدسة من نوع السونيت"، وتحدى الموت. وهو يصفر في الظلام.
أيها الموت. لا تزه ولا تتكبر، ولو أن بعضهم قد أسموك

جباراً رهيباً، لأنك لست كذلك.

لأن هؤلاء الذين تظن أنك صرعتهم

لا يموتون. أيها الموت الحقير، إنك كذلك لن تستطيع أن تصرعني...

لقد انقضت غفوتنا القصيرة، ولسوف نكون في يقظة أبدية،

ولن يكون ثمة موت بعد الآن، ولسوف تموت أنت أيها الموت(61).

وبعد أن أبل من مرض شديد، كتب في مذكراته في 1623، سطوراً مشهورة: "إن موت أي رجل يهد من كياني لأني جزء متشابك في الجنس البشري، ومن ثم لا أرسل





أحداً لأستفسر عمن تنعى النواقيس، إنها تنعاني أنا(62)". وفي أول يوم جمعة من الصوم الكبير 1631، نهض من فراش مرضه ليلقي العظة التي بادر الناس فقالوا إنها عظة جنازته هو، وكان معاونوه قد حاولوا أن يثنوه عن الكلام، ولما رأوا (كما قال صديقه المخلص ايزك والتون) أن علته قد اشتدت حتى تركته مجرد جلد على عظم(63)"، وما أن انتهى من إلقاء موعظته التي كان فيها فصيحاً في التعبير عن الإيمان بالبعث، "مبتهجاً أشد الابتهاج لأن الله أعانه على القيام بهذا الواجب المرغوب فيه، حتى أسرع إلى بيته الذي لم يغادره... إلا محمولاً على أيدي رجاله الأتقياء إلى قبره(64)". ووافاه الأجل (31 مارس 1631) بين ذراعي أمه التي كانت قد احتملت صابرة آثامه، كما استمعت في حنان وعطف إلى عظاته.
لقد كانت حياة حافلة متوترة، انتظمت كل العواطف من شهوة الحب، وشك وانحلال، واختتمت في عزاء دافئ، هو عزاء الإيمان القديم. إننا نحن أبناء اليوم الذين يسارع إلينا النعاس حين نقرأ سبنسر، لنجد أنفسنا، وقد هزها من سباتها هذا الواقعي الخيالي على نحو عجيب، هذا الروح الوسيط معاً، عند قراءة كل صفحة من صفحاته تقريباً. إن شعره خشن، ولكنه هكذا أراده. إنه نبذ اللطائف المتكلفة في حديث الإليزابثيين واستطاب الألفاظ التي لن تبل جدتها، وبحور الشعر الأخاذة. وأحب الأنغام الناشزة المتنافرة التي يستطيع تحويلها إلى أنغام متناسقة لم تألفها الأذن. ولم يكن ثمة شيء مبتذل في شعره بعد أن تخرج في المواخير. إن هذا الرجل الذي صقل الفحش، كما صقله كاتوللوس من قبل، اكتسب من رقة الشعور والفكر، ومن أصالة في العبارة والعاطفة، ما لم يضارعه فيه شاعر آخر في ذلك العصر، الهم إلا شكسبير نفسه.


7- جيمس يثير العاصفة


1615 - 1625


إن الحب والدبلوماسية رفيقان شيمتهما الخيانة والغدر. ففي 1615 أحب الملك جيمس، بأسلوبه الرقيق ذي الوجهين، جورج فليير Villiers، الشاب الوسيم الجريء الثري، ذا الثلاثة والعشرين ربيعاً، فخلع عليه لقب ارل، ثم مركيز ثم


دوق بكنجهام، ثم بعد 1616 أطلق يديه في توجيه سياسة الدولة. وكانت زوجة بكنجهام، ليدي كاترين مانرز تتبع الطقوس الأنجليكانية في الظاهر، ولكنها في أعماق قلبها كاثوليكية، وكان من الجائز أن تقنعه بصداقة أسبانيا.
إن الملك جيمس نفسه كان رجل سلام، ولم يكن ليدع اللاهوت أو القرصنة لتورطه مع القارة. وما أن تولى العرش حتى وضع حداً للحروب الطويلة التي كانت إنجلترا قد شنتها على أسبانيا. ولما فقد فردريك أمير البلاتينات (إقليم غرب الراين)-وزوج ابنة جيمس المحبوبة إليزابث-أمارته في البداية "حرب الثلاثين عاماً"، راود جيمس الأمل في أن استرضاء ملك أسبانيا وهو من (آل هبسبرج) استرضاء جاداً كريماً، قد يؤثر على إمبراطورية آل هبسبرج فرديناند الثاني، فيسمح لفردريك باسترداد عرشه. وأثار جيمس استياء الشعب واشمئزازه حين اقترح لهذا الغرض على فيليب الرابع زواج أخته "الأميرة ماريا" الأسبانية من الأمير شارل.
ولقي رالي نهايته الأليمة ضحية السياسة الأسبانية. وكان رالي يعارض سراً ارتقاء جيمس عرش إنجلترا، كما كان يعارض بشدة اسكس، سند جيمس ومؤيده. وسرعان ما وصل جيمس إلى لندن حتى فصل رالي من جميع مناصبه الحكومية. وبانفعال واندفاع تميز بهما والتر، سمح لنفسه بالتورط في عدة محاولات لخلع الملك(65). فأودع السجن، واحتج بأنه بريء وحاول الانتحار. وحوكم، وأدين بناء على أدلة مشكوك في صحتها، وحكم عليه بالإعدام، في 13 ديسمبر 1603 وقاسى كل ألوان التعذيب، على أنه خائن. وفي 8 ديسمبر كتب إلى زوجته رسالة تفيض رقة وتقي- لم يشهدهما العالم فيه من قبل. ورفض جيمس توسلات الملكة والأمير هنري للعفو عنه. ولكنه سمح للسجين بالبقاء على قيد الحياة لمدة خمس عشرة سنة أخرى، مع بقاء حكم الإعدام سيفاً مسلطاً على رأسه، وسمح لزوجة رالي بالإقامة معه في بيت صفير بناه في تخوم البرج (السجن). وأمده أصدقاؤه بالكتب وأجرى بعض التجارب الكيميائية، ونظم بعض القصائد الرائعة، وألف كتابه "تاريخ العالم". وبدأ الكتاب- كما نشر 1614 بمقدمة ورعة مشوشة معقدة مطولة مملة، تكشف عن عقل منهوك شديد الاضطرابات والخبل. وبدأت القصة

بنينوى، وانتقلت عبر مصر وجنوب فلسطين، وإيران وكلديا واليونان وقرطاجة، وانتهت برومة الإمبراطورية. ولم يحرص رالي على الوصول إلى الأزمنة الحديثة "لأن من يتوخى الصدق كل الصدق في كتابة التاريخ، قد لا ينجو من الأذى" وتحسن أسلوبه بمتابعة الكتابة، حتى بلغ مرتبة عالية في وصف معركة سلاميس، وبلغ الذروة في المناجاة الختامية "للموت البليغ العادل الجبار(68)".
ولكن رالي لم يرتض الهزيمة ولم يقنع بها، ففي 1616، بعد أن جمع 1600 جنيه، رشا دوق بكنجهام ليتوسط له لدى الملك(69)، ووعده، في حال إطلاق سراحه، بالإبحار إلى أمريكا الجنوبية، ليكشف عن ما ظن أنه مناجم الذهب الغنية في جويانا، ويعود بالغنائم الملكية للخزانة الظمأى. فأفرج عنه جيمس إفراجاً مؤقتاً مشروطاً، ووافق على أن يحتفظ رالي وشركاءه بأربعة أخماس أية كنوز قد يستولي عليها من "الوثنين المتوحشين" ولكن الملك الحذر البعيد النظر أبقى حكم الإعدام نافذ المفعول إغراء بحسن السلوك. وأشار السفير الأسباني كونت جوندومار إلى أن هناك في جويانا جاليات أسبانية، ورجا ألا يضاروا أو يعكر صفوهم. فما كان من جيمس الحريص على السلام، وعلى المصاهرة مع أسبانيا، إلا أن حظر على رالي-تحت طائلة تنفيذ حكم الإعدام-التدخل في شئون أية جاليات مسيحية في أي مكان والأسبانية منها بوجه خاص(70)، ووافق رالي كتابة على هذه التحذيرات(71)، واستمر جوندومار يعترضن ويحتج، فما كان من جيمس إلا أن أقسم على تنفيذ حكم الإعدام إذا خالف رالي تعليماته(72).
وجهز رالي بمعونة أصدقائه، أربع عشر سفينة أبحر بها في 17 مارس 1617 إلى مصب نهر الأورينوكو. ولكن مستوطنة سانتا توماس الأسبانية اعترضت الطريق عبر النهر إلى المناجم المزعومة، وتلك مسألة أسطورية تماماً. ونزل رجال رالي إلى البر- وبقي هو على ظهر السفينة- وهاجموا القرية وأحرقوها وقتلوا حاكمها. وفترت همة القوة المنهوكة بما لقيت من مقاومة أسبانيا بعد ذلك، وتخلت عن ضالتها المنشودة في الذهب؛ وعادت صفر اليدين إلى السفن. 




وانخلع قلب رالي عندما علم أن ابنه قد ذبح في الهجوم، وأنب الرجل الذي يليه في القيادة، فانتحر الرجل نتيجة لذلك. ولكن رجال رالي فقدوا ثقتهم به، وتخلت السفينة عن أسطوله الواحدة بعد الأخرى، ولما عاد إلى إنجلترا، ووجد أن الملك غاضب عليه أشد الغضب، أجرى مفاوضات للهرب إلى فرنسا، ولكن قبض عليه، فعاود محاولة الهرب، ووصل إلى جرينتش، ولكن جاسوساً فرنسياً غدر به، فقبض عليه وأودع السجن، وأمر الملك، الذي كان يستحثه جوندومار، بتنفيذ حكم الإعدام.
وكان رالي، آخر الأمر، وقد سئم الحياة ورحب بنعمة الموت العاجل، فسار في 29 أكتوبر 1618، إلى ساحة الإعدام في وقار هادئ، جعل منه بطل شعب يمقت أسبانيا. وقال للموكلين بتنفيذ الحكم: "هيا، أنجزوا مهمتكم، لقد حانت سلعتي، ولن أدع أعدائي يظنون أني أرتعد فرقاً". واختبر بإبهامه نصل البلطة ثم قال "هذا علاج ناجح عادل لكل ما أعاني من مرض وشقاء(73)" وطالبت زوجته الوفية بجثته ودفنتها في إحدى الكنائس. وكتبت "لقد أنعم علىّ السادة بجثته، ولو أنهم أنكروا علىّ حياته. اللهم احفظ على عقلي وألهمني الصبر(74)".
إن رحلة رالي كانت من رحلات كثيرة، حملت رعايا جيمس إلى أمريكا، يحدوهم الأمل. فالفلاحون المتلهفون على امتلاك أرض خاصة بهم، والمغامرون الذين يجرون وراء الثراء من التجارة أو الأسلاب، والمجرمون الذين يريدون الإفلات من قبضة القانون، والبيوريتانيين المصممون على رفع راية مذهبهم فوق أرض عذراء-هؤلاء جميعاً وغيرهم ركبوا الصعاب وتحملوا مشاق البحر ليؤسسوا "إنجلترا" جديدة في كل مكان. فأسست فرجينيا في 1606-1607، وبرمودا في 1609، ونيوفوندلند في 1610، وهرب رجال الدين "الانفصاليون" الذين رفضوا كتاب الصلوات والطقوس الخاصة بالكنيسة الأنجليكانية، إلى هولندا مع أتباعهم في 1608. ومن دلفت (يولية 1620) وسوثمبتون ويليموث (سبتمبر) أبحر هؤلاء الحجاج عبر الأطلسي. وبعد ثلاثة 


أشهر من المحن والمخاطر، ألقوا مراسيهم على صخرة بليموث (21 ديسمبر).
وفي آسيا، اقتصرت شركة الهند الشرقية الإنجليزية على 30 ألف جنيه و17 سفينة، حاولت بها عبثاً أن تنتزع الثغور والطرق التجارية من شركة الهند الشرقية الهولندية التي كان لها 60 سفينة و340 ألف جنيه، ولكن بعثة سير توماس رو (1615) انتهت إلى إنشاء مستودعات تجارية في أحمد أباد وسورات وأجرا، وغيرها، في الهند، وأنشئ وعزز بالأسلحة فورت سان جورج، لحمايتها (6140). لقد اتخذت الخطوات الأولى لتأسيس الإمبراطورية البريطانية في الهند.
وعلى الرغم من مغريات المصالح التجارية، والإستحثاثات البرلمانية والغيرة الوطنية الشعبية، ظل الملك جيمس لمدة ستة عشر عاماً متمسكاً بسياسة السلام. وتوسل إليه مجلس العموم أن يدخل حرب الثلاثين عاماً إلى جانب البروتستانت المهددين بالخطر في بوهيميا وألمانيا. وأهاب به أن يزوج ابنه الوحيد الباقي على قيد الحياة، لا من أميرة أسبانية، بل من أميرة بروتستانتية. وندد بتراخيه في تنفيذ القوانين المعادية للكاثوليكية، وحثه على الأمر بفصل الأطفال الكاثوليك عن آبائهم، وأن ينشئوا على البروتستانتية، كما حذره مجلس العموم من أن التسامح لا بد أن يؤدي إلى نمو كنيسة كاثوليكية مفطورة صراحة على التعصب وعدم التسامح(75).
إن اختلاف وجهات النظر بين البرلمان والملك في 1621 كاد أن يكون بمثابة تجريب للصراع بين البرلمان الطويل وشارل الأول (1642). واستنكر النواب إسراف البلاط، والاحتكارات الدائبة على تعويق التجارة، وفرضوا الغرامة والنفي على المحتكرين، رافضين دفاعهم بأن الصناعة الناشئة لا بد من حمايتها ضد المنافسة. فلما أنب جيمس مجلس العموم على تدخله في أعمال "السلطة التنفيذية" أصدر المجلس (في 18 ديسمبر) "الاحتجاج الأعظم" التاريخي الذي أكد من جديد أن "الحريات والإعفاءات والامتيازات، وسلطة البرلمان، هي التراث القديم وحق المولد غير المشكوك فيهما لأبناء إنجلترا". وأضاف: "أن المسائل الشائكة العاجلة 




التي تتعلق بالملك والحكومة والدفاع عن الملكة.. كلها موضوعات ومادة صالحة للمشورة والمناقشة في البرلمان(76)". ومزق جيمس في غضب شديد، من مضبطة البرلمان، الصفحة التي دون فيها الاحتجاج، وحل البرلمان (8 فبراير 1622) وأمر بأن يودع السجن أربعة من الزعماء البرلمانيين: سوثمبتون، سلدن، كوك، بيم، وعجل بتحقيق رغبة بكنجهام في التحالف العسكري مع أسبانيا.
وأغرى الوزير المستهتر آنذاك مليكه بأن يسمح له في اصطحاب الأمير شارل إلى مدريد، متباهياً، ليرى الأميرة الأسبانية، ويتمم الزواج، ووافق جيمس على كره منه، لأنه خشي أن فيليب قد يرد شارل إلى إنجلترا خائباً، فيكون أضحوكة أوربا.
ووصل الأمير شارل ودوق بكنجهام إلى مدريد (مارس 1623)، فوجد أن الأميرة الفاتنة لا يمكن الوصول إليها أو الاقتراب منه، وأن الشعب الأسباني غاضب أشد الغضب لمجرد التفكير في زواجها من أمير بروتستانتي، قدر استياء الإنجليز لفكرة عودة أميرهم بعروس كاثوليكية إلى إنجلترا. وقام فيليب ووزيره أوليفار بمراسم الحفاوة والتكريم للضيوف، وكتب لوب دي فيجا رواية كمظهر من مظاهر الترحيب، ورسم فيلاسكيه لوحة للأمير شارل، وامتدح بكنجهام المفاتن الأسبانية إلى حد الامتياز والشرف. ولكن وضع لإتمام الزواج شرط أساسي لا مناص منه، وهو منح الحرية الدينية للكاثوليك الإنجليز. ووافق شارل على الفور، ووافق جيمس آخر الأمر، ووقعت معاهدة الزواج، ولكن عندما طلب جيمس فيما بعد من فيليب أن يعد باستخدام الأسلحة الأسبانية، إذا اقتضى الأمر، في استعادة فردريك لإقليم البلاتينات، أبى فيليب أن يلزم نفسه بشيء، وأمر جيمس ابنه بالعودة إلى الوطن الحبيب. وإنا لنلمس الجانب الإنساني في الملك في رسالته إلى شارل (14 يونية 1623): "أنا الآن أعض بنان الندم، وأتألم أشد الألم، لأني سمحت برحيلك. عني أنا لا أعبأ بالزواج ولا بغيره، طالما أراك بين أحضاني ثانية. أعادك الله إلي أعادك الله إلي أعادك الله إلي(77) "أما الأميرة الأسبانية فإنها، عند توديعها الأمير شارل، جعلته يقطع على نفسه الوعد بالاهتمام بأمر الكاثوليك في إنجلترا 




ورعايتهم(78). وحيت إنجلترا الأمير العائد بوصفه بطلاً، لأنه لم يأت بعروس، بل أتى بدلاً منها بمجموعة من لوحات تشيان (Titan-رسام من البندقية 1477-1576).
أما بكنجهام الذي غضب الآن أشد الغضب لأنه خدع نفسه في أسبانيا وارتكب هذه الحماقة هناك (كما أكد له أوليفار ذلك) فقد ولى وجهه شطر فرنسا ليعقد معها حلف مصاهرة، وهيأ لشارل الزواج من صغرى كريمات هنري الرابع-وهي هنريتا ناريا التي كان مذهبها الكاثوليكي شوكة من الأشواك في جنب البرلمان القادم. واستعاد الوزير الشاب المتهور شعبيته في مجلس الهموم، بالإلحاح على جيمس-الذي تدهورت صحته وانحطت قواه العقلية-ليعلن الحرب على أسبانيا. وعاد البرلمان إلى الاجتماع في فبراير 1624، وانتهج سياسة قوامها، من جهة، المصالح التجارية المتلهفة على الاستيلاء على المكاسب أو المستعمرات أو الأسواق الأسبانية، ومن جهة أخرى، صرف أسبانيا عن مد يد المساعدة إلى الإمبراطور الكاثوليكي ضد البروتستانت في ألمانيا. إن الشعب الذي قال بأن جيمس جبان لأنه يحب السلام، قال عنه الآن أنه طاغية لأنه يجند الرجال للخدمة العسكرية، ولم تكن الكتائب التي أعدت ولا الأموال التي اعتمدت كافية. وأحس جيمس بالمرارة، لاختتام حكم سلمي بحرب عقيمة.
وتكاثرت عليه العلل والأدواء في أعوامه الأخيرة، وكان قد سمم جسمه بالإسراف في الطعام والشراب دون تمييز، وكان يعاني الآن من التهاب الجهاز التنفسي، والتهاب المفاصل والحصى في الكلى واليرقان والإسهال والبواسير، وكان لا بد من فصده يوماً، حتى جعلت أقل متاعبه الملكية من هذا الفصد أمراً غير ضروري(89). ورفض تناول الدواء. وتناول الأسرار المقدسة الخاصة بالكنيسة الأنجليكانية، وفاضت روحه في 27 مارس 1625، وهو يتمتم بآخر راحة لنفسه في عقيدته.
وعلى الرغم من غرور جيمس وخشونته كان ملكاً أفضل من بعض ملوك




يبزوه في النشاط والشجاعة والمغامرة. وكان "حكمه المطلق" بالدرجة الأولى عبارة عن "نظرية لطف الجبن من حدتها" وغالباً ما استسلمت لبرلمان قوي. ولم تحل مزاعمه اللاهوتية دون إرادة التسامح عنده، وهو تسامح أكرم كثيراً من تسامح من خلفه. وهيأ حبه الجريء للسلام لإنجلترا الازدهار، وكبح جماح الولع بالقتل في برلمانه، وهو ولع يشوبه الفساد والرشوة، وما يقابله من حماسة في شعبه. وكان متملقوه قد أطلقوا عليه "سليمان" البريطاني لحكمته الدنيوية. ولما عجز صلي Sully عن توريطه في النزاع في القارة (أوربا) أطلق عليه "أعقل البلهاء في العالم المسيحي"، ولكنه لم يكن فيلسوفاً ولا أبله، ولكنه كان عالماً يمثل دور الحاكم، ورجل سلام في عصر جن جنونه بالأساطير والحرب. إن الكتاب المقدس الذي تمت ترجمته في عهد الملك جيمس أفضل من تاج أي غاز أو فاتح.





ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق