الأربعاء، 6 يوليو 2011

قصة الحضارة - رونسار وجماعة البليارد- ويل ديورانت


6- رونسار وجماعة البليارد


(النجوم السبعة) Pl(iade


كان فيض غامر من الشعر يتدفق خلال هذه الفترة على فرنسا. وقد وصل إلى علمنا أسماء نحو 200 شاعر فرنسي لمعوا إبان حكم فرانسوا الأول وأبنائه، ولم يكن هؤلاء الشعراء أصواتاً جوفاء تصرخ في برية لا تعبأ بهم، بل مقاتلين يخوضون معركة أدبية-معركة الشكل ضد المضمون، ورونسار ضد رابليه-قررت طبيعة الأدب الفرنسي حتى عصر الثورة.
ولقد ألهمتهم حماسة معقدة، فهم من ناحية يتوقون إلى مباراة اليونان والرومان في نقاء الأسلوب وكمال الشكل، ومنافسة كتاب السونيتات الإيطاليين في رشاقة الكلام وجمال الأخيلة، ولكنهم من ناحية أخرى مصممون على ألا يكتبوا باللاتينية كالأدباء الذين علموهم وأثاروا حماستهم، بل بلغتهم القومية وهي الفرنسية، وهم في الوقت ذاته يريدون أن يلينوا ويهذبوا هذه اللغة التي ما زالت خشنة، وذلك بتعليمها الألفاظ والعبارات والتراكيب والأفكار التي سرقوها بحكمة من الآداب الكلاسيكية. وافتقار رواية رابليه إلى الشكل المحدد، بما يتخللها من أحداث عرضية، جعلها في نظرهم إناءً خشناً من الطين شكل باليد على عجل ثم أعوزه

الطلاء والصقل. لذلك اعتزموا أن يضيفوا إلى حيوية رابليه "الأرضية" ضبطاً للشكل الصمم للغاية، وللشعور الخاضع لحكم العقل.
وبدأت الحملة الكلاسيكية في ليون إبان حياة رابليه نفسه. فقد أنفق موريس سيف جانباً من حياته فيما خاله تحديداً لموقع قبر لورا حبيبة بترارك، ثم كتب 446 مقطعاً شعرياً لحبيبته ديلي، ومعهد الطريق أمام رونسار بفضل ما تميز به شعره من رقة حزينة. وكان أقدر منافسيه في ليون امرأة تدعى "لويز لابيه" راحت وهي مدججة بسلاحها الكامل تقاتل كأنها جان دارك أخرى في برببنيان، ثم هدأت ثائرتها بزواجها من صانع حبال أغضى-على طريقة الفرنسيين اللطيفة-عن غرامياتها الجانبية. كانت تقرأ اليونانية واللاتينية والإيطالية والأسبانية، وتعزف على العود عزفاً ساحراً، وتحتفظ بصالون لمنافسيها وعشاقها، وقد كتبت بضع قصائد من أسبق وأروع ما كتب من سونيتات في اللغة الفرنسية. وحسبنا للحكم على شهرتها أن نستشهد بجنازتها (1566) التي قال مؤرخ إخباري أنها "كانت انتصاراً. فقد حمل نعشها مخترقاً المدينة ووجهها مكشوف ورأسها مكلل بتاج من الزهور. لقد عجز الموت عن أن يشوهها، وجلل أهل ليون قبرها بالزهور والدموع".(37) وعن طريق شعراء ليون هؤلاء انتقل الأسلوب والمزاج البتراركيان إلى باريس ودخل إلى جماعة البلياد.
وكانت البلياد ذاتها صدى يردد الكلاسيكية. ذلك أن إسكندرية القرن الثالث قبل الميلاد كان فيها كوكبة من شعراء سبعة أطلق عليهم هذا الاسم مأخوذاً من الثريا التي خلدت ذكر بنات أطلس وبليوني الاسطوريات. على أن رونسار، ألمع نجوم البلياد الفرنسي، قل أن استعمل هذا اللقب، وكانت نماذجه التي حاكاها هي أناكريون وهوراس


لا ثيوقريطس أو كليماخوس الإسكندريان. وفي 1548 التقى في فندق صغير بتروين ييواكيم دبلليه Du Bellay، وائتمر معه على توجيه الشعر الفرنسي صوب الكلاسيكية وضما إلى مشروعهما أربعة شعراء شبان آخرين هم : أنطوان دباييف، وريمي بيللو، وإتيين جوديل، وبونتيس دتيار، ثم انضم إليهم أيضاً الأديب جان دورا الذي كان لمحاضراته عن الأدب اليوناني في كلية فرنسا وكلية كوكيريه الفضل في تأجيج حماستهم للشعراء اليونان الغنائيين. وأطلقوا على أنفسهم لقب البريجارد (اللواء) وأقسموا أن ينقذوا ربة الشعر الفرنسي من أيدي جان دمونج ورابليه الخشنة، ومن بحور فيون ومارو المفككة. وكانوا يشمئزون من لغة جارجانتوا وبنتاجرويل الصاخبة وحكمتها المستترة، ولم يروا أي ضابط كلاسيكي في تلك الأفعال والنعوت المختلطة ولا في تلك التدفقات البذيئة، ولم يجدوا فيها أي شعور بجمال شكل المرأة أو الطبيعة أو الفن. ولاحظ أحد أعدائهم من النقاد أنهم سبعة شعراء، فأطلق عليهم لقب "البلياد". ولكن انتصارهم جعل من هذا اللقب ناراً على علم.
في 1549 أذاع الشاعر دبلليه البرنامج اللغوي لهذه الجماعة في كتابه "دفاع عن اللغة الفرنسية وجلاء لها". فأما الدفاع فقد قصد به أن في الاستطاعة تمكين الفرنسية من التعبير عن كل ما عبرت عنه اللغات القديمة، وأما الجلاء فقصد به أن في استطاعة الفرنسية أن تكتسب بريقاً جديداً، وأن تصقل ذاتها وتجلو نفسها بنبذ الكلام الخشن الذي يسود النثر الفرنسي، والأغاني الشعبية، والقصائد القصيرة المتكررة الأزمات، والألوان القديمة من الشعر الفرنسي، وأن تجدد وتثري ذاتها باقتباس العبارات ودراسة الأشكال الكلاسيكية، كما توجد في أناكريون وثيوقراطيس وفرجيل وهوراس وبترارك. ولا غرو فقد أصبح بترارك في نظر جماعة الشعراء السبعة كاتباً كلاسيكياً، وغدت السونيت أكمل الأنماط الأدبية قاطبة.

أما "بيير رونسار" فقد حقق في شعره تلك المثل التي أعرب عنها دبلليه في نثره الرائع. وهو سليل أسرة خلعت عليها النبالة مؤخراً، فقد كان أبوه رئيس خدم فرانسوا الأول، وعاش بيير حقبة من حياته في البلاط الملكي الفخم. وكان تابعاً للدوفن فرانسوا، ثم لمادلين التي تزوجت جيمس الخامس ملك إسكتلندة، ثم مرافقاً للأمير الذي أصبح فيما بعد الملك هنري الثاني. وكان يصبو إلى المشاركة في المغامرات الحربية، ولكنه ابتلي بالصمم وهو بعد في السادسة عشرة. ومن ثم فقد أغمد سيفه وجرد عوضاً عنه قلمه. والتقى بشعر فرجيل صدفة، فرأى فيه كمالاً في الشكل واللفظ لا لهد فرنسا به. وأخذ دوريه بيده فانتقل به من اللاتينية إلى اليونانية، وعلمه قراءة أناكريون واسخيلوس وبندار وارستوفان. وصاح به الفتى "سيدي! لم أخفيت عني هذه الكنوز طوال هذا الزمن؟"(38) وحين بلغ الرابعة والعشرين التقى بالثائر دبلليه. ومن ذلك التاريخ وزع وقته بإخلاص بين الأغاني والنساء والخمر.
وقد أكملت "قصائده الغنائية Odes" (1550) هذه الثورية الغنائية. وكانت تقليداً صريحاً لهوراس، ولكنها أدخلت هذا اللون في الشعر الفرنسي، ووقفت القصائد على قدميها سواء في نقاء اللغة أو جمال العبارة أو إحكام الشكل. وبعد عامين اتخذ بترارك نموذجاً له في 183 قصيدة من السونيتات التي نشرها في ديوانه "غراميات" وبلغ فيها من الرشاقة والصقل ما لم ييزه أحد قط في الشعر الفرنسي. وكان يكتب ليتغنى الناس بشعره، وقد لحنت له قصائد كثيرة في حياته، بعضها لحنه كبار الموسيقيين أمثال جانكان وجوديميل. وكان في قصائده يغري النساء اللاتي يتغزل فيهن بتلك الدعوة القديمة، دعوة الاستمتاع بالحياة ما دام حسنهن مضيئاً، ولكنه حتى في هذا الموضوع القديم راح يعزف نغمة أصيلة، كتنبيه فتاة حذرة إلى أنها ستندم يوماً ما لأنها فوتت فرصة الغواية من

شاعر شهير مثله. يقول: "حين يتقدم بك العمر كثيراً، إذ تجلسين في المساء إلى المدفأة تتحدثين وتخيطين على ضوء شمعة، ستنشدين قصائدي وتقولين في عجب: لقد أذاع رونسار اسمي يوم كنت جميلة. عندها لن يكون من بين خدمك الذين يسمعون بنبأ كهذا-حتى ولو بعث طنين المناسج النوم إلى أجفانهم-من لا يفيق وهو يسمع اسمي، ليباركك على ما حظيت به من مديح خالد. عندها سأكون راقداً تحت الثرى، شبحاً بلا عظم، ثاوياً تحت الآس. وستكونين يومها عجوزاً قد احدودب ظهرها وهي جالسة إلى المدفأة، وستأسفين على حبي وعلى ازدرائك الفخور. فاستمعي إليَّ وعيشي الآن دون انتظار لغد، واقطفي منذ اليوم ورود الحياة".
وكانت عظمة الأسلوب تليق ببلاط كاترين دمديتشي التي جلبت معها إلى فرنسا حاشية إيطالية حملت بترارك فيما حملت من كتب. وما لبث الشاعر الجديد-بمشيته المختالة برغم ما مسه من صمم، وبقوامه العسكري وشعر رأسه ولحيته الذهبي، ووجهه الشبيه بوجه هرمز كما وصفه براكسيتيليس-أن أصبح أثيراً لدى كاترين، وهنري الثاني، وماري ستيوارت، بل وإليزابث ملكة إنجلترا التي أهدته خاتماً من الماس بوصفها ابنة خاله السابعة عشرة. ووجدت أسطورة البلياد اليونانية الرومانية ترحيباً، وحين تحدث الشعراء عن أوليمبوس قدر البلاط لهم هذه التحية.(39) فهنري هو النظير لجوبيتر، وكاترين هي المقابل لجونو، أما ديان فهي ديانا، وأكدت هذا التشابه التماثيل التي نحتها المثال جوجون.
وبعد موت هنري واصل شارل التاسع مصادقة رونسار، دون أن تسفر هذه الصداقة عن نتيجة طيبة. ذلك أن الملك الشاب كان يبغي أن ينظم له الشاعر ملحمة عن فرنسا تطاول ملحمة الأنيادة. وكتب الملك المغفل يقول: "أستطيع أن أعطي الموت، أما أنت فتستطيع أن تعطي


الخلود(40)." وبدأ رونسار نظم "الفرنسيادة" المنشودة، ولكنه ألفى ربة شعره أقصر نفساً من أن تجري هذا الشوط الطويل، وما لبث أن أقلع عن المحاولة المزعومة، وعاد إلى غنائياته وحبه. وقضى أيامه في دعة وسلام حتى أدركته الشيخوخة وهو في مأمن من ضجيج الدنيا، محافظاً في السياسة والدين دون ما خطر، مكرماً من شباب الشعراء، محترماً من الجميع إلا من الموت. وقد وافته منيته في 1585 ودفن في تور، ولكن باريس منحته جنازة أولمبية مشى فيها كل أعيان العاصمة ليسمعوا أسقفاً يرتل "قصيدة جنائزية".
أما الشعراء الذين خلعوا عليه لقب الإمارة فقد أصدروا كثيراً من دواوين الشعر، ولكن شعر ميت برغم رقته. وكان أكثرهم كسيدهم وثنيين يعلنون كثلكتهم المحافظة حين يروقهم إعلانها، ويحتقرون الهيجونوت المتزمتين، وكانوا أرستقراطيين كبرياء، ودماً أحياناً، وإن خوت جيوبهم، يكتبون لدائرة من القراء أتيح لها من الفراغ ما يكفي للاستمتاع بالشكل. ورد رابليه على خصومتهم بالسخرية من حذلقتهم، ومن تقليدهم الوضيع للبحور والعبارات والنعوت اليونانية والرومانية، ومن ترديدهم التافه للموضوعات القديمة وللأخيلة والمراثي البتراركية. وفي هذا الصراع بين المذهبين الطبيعي والكلاسيكي تقرر مصير الأدب الفرنسي. فأما شعراء فرنسا وكتاب مآسيها المسرحية فآثروا الطريق المستقيم الضيق، طريق البناء الكامل والجمال المنحوت الدقيق؛ وأما كتاب النثر فقد استهدفوا إمتاع القراء بقوة مادتهم دون سواها. ومن ثم بات الشعر الفرنسي قبل عصر الثورة عصياً على الترجمة، فأنت لا تستطيع تحطيم إناء الشكل ثم إعادة صبه في قالب أجنبي، على أن هذين النهرين التقيا في فرنسا القرن التاسع عشر، وامتزج نصفا الحقيقة، واقترن المضمون بالشكل، وعقد اللواء للنثر الفرنسي.

7- وايات وصري


مر التأثير الإيطالي بفرنسا وبلغ إنجلترا، لا فيضاً دافقاً بل نهراً ينطلق إلى البحر بمخارج كثيرة. فالعلم والدرس اللذان شغلا جيلاً ألهما الأدب في الجيل التالي، وأصبح وحي اليونان والرومان المقدس إنجيل النهضة. ففي عام 1486 مثلت مسرحيات بلوتوس في إيطاليا، ثم انتقلت سريعاً إلى بلاطي فرانسوا الأول وهنري الثامن والمتنافسين. وفي عام 1508 افتتحت مسرحية كالاندرا للكاتب ببينا عهد الملهاة الكلاسيكية المكتوبة باللغة الوطنية في إيطاليا. وفي عام 1552 بدأت المأساة الكلاسيكية المكتوبة بالفرنسية في فرنسا بمسرحية جوديل "كليوبطره أسيرة"، وفي عام 1553 أخرج نيكولاس أو دال أول ملهاة إنجليزية ذات شكل كلاسيكي، قال ناقد عنها "إن مسرحية رالف رويستر دويستر تشم فيها رائحة بلوتس"(41). وهذا حق، ولكنك تشم فيها أيضاً رائحة إنجلترا، ورائحة هذه الفكاهة القوية التي كان شكسبير مزعماً أن يقدمها للدهماء من رواد المسارح الإليزابيثية.
وتجلى التأثير الإيطالي في أروع صورة في الشعر إبان حكم أسرة تيودور. كان أسلوب العهد الوسيط لا يزال حياً في بعض القصائد الشعبية الجميلة مثل "العذراء غير السمراء" (1521)، ولكن حين انصرف الشعراء الذين أظلهم الملك الشاب هنري الثامن برعايته إلى قرض الشعر اتخذوا بترارك وأشعاره الغنائية "الكانزونييري" مثلاً يحتذونه. وقبل ارتقاء إليزابيث العرش بسنة واحدة نشر رتشرد توتل، أحد الطباعين اللنديين، كتاباً سماه "منوعات" كشفت فيه قصائد رجلين من رجال البلاط البارزين عن انتصار بترارك على تشوسر، وانتصار الشكل الكلاسيكي على فيض حماسة العهد الوسيط. أما أول الرجلين، وهو السر توماس وايات Wyatt فقد قام برحلات كثيرة إلى فرنسا وإيطاليا بوصفه دبلوماسياً


في خدمة الملك، وجلب معه بعض الإيطاليين ليعاونوه في تهذيب أصحابه وتمدينهم. ولقد أحرق أصابعه بنار الحب كما يخلق برجل بلاط أصيل يعيش في عصر النهضة. وفي رواية أنه كان واحداً من عشاق آن بولين الأوائل، وأنه سجن فترة قصيرة حين أرسلت إلى برج لتدن(42). وقد ترجم أثناء ذلك سونيتات بترارك، وكان أول من ضغط الشعر الإنجليزي في تلك الصورة المحكمة.
فلما مات وايات بالحمى وهو يعد في التاسعة والثلاثين (1542) تلقى القيثارة من يده شاعر رومانسي آخر من بلاط هنري يدعى هنرد هوارد (إيرل أف صري Surrey). وتغنى صري في شعره بمفاتن الربيع، وأنحى باللوم على الصبايا العازفات بحبه، وأقسم ليكونن وفياً إلى الأبد لكل منهن بدورها. وقد ولع بالمغامرات الليلية في لندن، وقضى في السجن فترة عقاباً له على تحديه غريماً في مبارزة، وقدم للمحاكمة جزاء أكله اللحم في الصوم الكبير، وحطم بعض النوافذ بقوسه العابثة. وقبض عليه ثانية، ثم أفرج عنه، وأبلي في الحرب على أرض فرنسا بلاءً حسناً دفاعاً عن وطنه إنجلترا. ولما عاد راح يداعب فكرة ارتقاء العرش الإنجليزي على مسمع من الناس، فحكم عليه بالشنق وانتزع أحشائه وتقطيعه أرباعاً، واكتفى من ذلك كله بضرب عنقه (1547).
كان الشعر ترفاً عارضاً وسط حياة صري العنيفة. وقد ترجم بعض أجزاء من الإنيادة، وأدخل الشعر المرسل في الأدب الإنجليزي. وخلع على السونيت الشكل الذي استخدمه شكسبير فيما بعد. وقد وجه إلى أحد شعراء الرومان أنشودة رعوية حزينة تتغنى بحياة الريف الرتيبة ومما يشيع فيها من سلام وطمأنينة، ربما حين توقع أن مسالك المجد الذي لا حق لصاحبه فيه قد تورده موارد الحتوف. "أي مارتيال، إليك الأشياء التي ألفيتها مفضية إلى الحياة السعيدة: الزهد في المال الذي لا يكسب بالعرق،


والأرض المثمرة، والفكر الهادئ، والصديق الكفؤ لصديقه، لا بغضاء ولا شحناء، لا تغيير في السلطة ولا في الحكومة، حياة سليمة خلت من المرض، وأسرة متصلة الأجيال، وطعام بسيط لا ترف فيه، وحكمة صادقة مقرونة بالبساطة، وليل خلا من كل هم، لا تستبد فيه الخمر بالعقل، وزوجة وفية لا تلج في النقاش، ونوم يزجي الليل، ورضى بما ملكت يداك، لا تخشى الموت ولا تخاف صولته".


8- هانز زاكس


في القرن الذي تلا مقالات لوثر تاه العقل الألماني في جدل المائة عام الذي مهد لحرب الثلاثين عاماً. وبعد عام 1530 توقف نشر الكتب الكلاسيكية القديمة إلى حد كبير، وقل عموماً عدد الكتب المنشورة، وحل محلها سيل من الرسائل الجدلية. فراح راهب فرنسسكاني اسمه توماس مورنز ذو قلم حاد يسوط الناس يمنة ويسرة بسلسة كتيبات عن الأوغاد أو الحمقى (طائفة الأوغاد، مجمع الحمقى)... وكلها منقول بتوسع من كتاب برانت Narrenschiff سفينة الحمقى . وكثير من الحمق الذين هاجمهم مورنز كانوا من رجال الكنيسة، وفي البداية ظنه الناس لوثرياً، ولكنه أعلن أن لوثر "كلب صيد متوحش، ومارق مجنون، غبي، مجدف"(43). فوصله هنري الثامن بمائة جنية.
أما سبستيان فرانك فكان أنبل من صاحبه وأصفى معدناً. وكان كاهناً في أوجزبورج حين أقبلت حركة الإصلاح البروتستنتي، فرحب بها ثورة جريئة تمس إليها الحاجة، وأصبح بعد ذلك قساً لوثرياً


(1525). وبعد ثلاث سنوات تزوج من أوتيلي ببهام، وكان أخوتها من القائلين بتجديد العماد، فعطف على هذه الطائفة المضطهدة، وندد بالتعصب اللوثري، فطرد من استراسبورج، واحترف صناعة الصابون في أولم ليكسب قوته. وسخر من تحكم النبلاء الألمان في سلامة العقيدة، فقال: "إذا مات أمير فأدخل خليفته مذهباً آخر، أصبح هذا المذهب للتو كلمة الله"(44). "تتسلط على جميع الناس اليوم غيرة مجنونة تزعم أننا يجب أن نؤمن... أن الله إلهنا وحدنا، وأنه لا جنة ولا إيمان ولا روح ولا مسيح إلا في مذهبنا". أما إيمانه فكان الألوهية الكونية التي لا توصد باباً. "إن قلبي ليس غريباً عن أي إنسان. فلي أخوة بين الترك والبابويين واليهود وجميع الشعوب(45)". وكان يتوق إلى "مسيحية... حرة لا مذهبية... لا يقيدها أي شيء خارجي" حتى ولا الكتاب المقدس(46). وأقصته أولم هي الأخرى إذ صدمتها هذه المشاعر التي لا تليق بجيله، فعمل طباعاً في بال، وهناك مات شريفاً برغم فقره (1542).
ثم انغمس الشعر والدراما الألمانيان في اللاهوت انغماساً أفقدهما صفة الفن وأحالهما بعض أسلحة القتال. وفي هذه الحرب استحل الكتاب كل جعجعة وجلافة وفحش في القول. ولو أنك استثنيت الأغاني الشعبية والتراتيل لما وجدت للشعر أثراً إلا في وابل من طلقات القوافي المسمومة. ولم تعد الجماهير تتذوق مسرحيات القرن الخامس عشر الدينية التي ينفق على إخراجها بسخاء، فحلت محلها مهازل شعبية تتهكم بلوثر أو البابوات.
على أن ألمانيا لم تعدم بين الحين والحين رجلاً يطفو فوق هذا الحقد والعنف ليرى الحياة كاملاً متكاملاً. ولو أن هانز زاكس استمع إلى قضاة نورمبرج لظل صانع أحذية كما كان؛ ذلك أنه حين نشر تاريخاً منظوماً لبرج بابل دون أن يحصل على الإذن المدني بطبعه، صادروا الكتاب

وأكدوا لصاحبه أن الشعر ليس ميدانه ما في ذلك ريب، وأمروه أن يلتزم قوالب أحذيته(47). ولكن هانز كان يتمتع ببعض الحقوق التي نالها بفضل مروره بالمراحل العادية التي أهلته لأن يصبح رئيس فرقة المغنين. ولعل المفارقة التي تبدو لنا في كونه حذاء وشاعراً تنتفي إذا لاحظنا أن نقابة الغزالين والحذائين التي انتمى إليها كانت تمارس بانتظام الغناء الكورالي، وتعزف في حفلات موسيقية عامة ثلاث مرات في السنة. ولهذه النقابة، وفي أية مناسبة أخرى، كان زاكس يكتب الأغاني والتمثيليات في مثابرة وجد وكأنه يلوك في فمه مسامير أحذيته.
وعلينا ألا نحسبه شاعراً عظيماً، فما هو إلا صوت عاقل مبتهج يعلو وسط قرون من الكراهية. وكان شغله الشاغل هم البسطاء من الناس لا العباقرة، وتمثيلياته كلها تقريباً تدور حول هؤلاء. بل إن الله نفسه يبدو في هذه التمثيليات أحد العامة الخيرين ويتكلم كما يتكلم قسيس الناحية. وبينما راح معظم الكتاب يتبلون صحائفهم بالمرارة أو التبذل أو فحش القول، كان هانز يصور ويمجد فضائل المحبة والواجب والتقوى والوفاء الزوجي والحب الأبوي والبنوي. وقد بدأ بنشر قصائد (1516). تستهدف "زيادة الثناء على الله والتحدث بمجده" و "مساعدة إخوانه على أن يحبوا حياة التوبة"(48). وظلت هذه الروح الدينية تبعث الدفء في كتاباته إلى النهاية. وقد نظم نصف الكتاب المقدس، مستخدماً نص الترجمة التي قام بها لوثر، وحياة هانز ولقبه بـ "بلبل فتنبرج" الذي سينقي الدين ويرود الفضيلة. "استيقظوا؛ استيقظوا؛ فقد بزغ الفجر، وهأنذا أسمع في الغابات أنشودة تتردد. إنه البلبل العظيم تصدح موسيقاه فوق السهل والجبل. هاهو الليل يتلاشى في الغرب، والصبح يطلع من الشرق، والفجر يقبل فيطرد غيوم الليل المنصرم"(49).
وأصبح زاكس الآن شاعراً ملحمياً لحركة الإصلاح البروتستنتي،

وراح يندد بأخطاء الكاثوليك في إصرار ساخر. فكتب التمثيليات عن الأوغاد من الرهبان، وأرجع قبيلتهم إلى الشيطان، ونشر مسرحيات كاريكاتورية ساخرة وهزليات تعرض على سبيل المثال كاهناً يغوي فتاة أو يتلو القداس وهو مخمور. وفي 1558 نشر "تاريخاً منظوماً للبابة جوانا"-وهي قصة خرافية تقبلها معظم الوعاظ البروتستنت على أنها تاريخ. ولكن هانز ندد باللوثريين أيضاً، ورماهم بالتناقض الفاضح بين حياتهم وعقيدتهم. "إنكم معشر اللوثريين جلبتم على الإنجيل أشد الاحتقار بسبب نهمكم للحم، وضجيجكم الصاخب، وذمكم للكهنة، وشجاركم وسخريتكم وسبابكم وغير ذلك من مظاهر سلوككم الشائن(50)." وشارك الكثيرين في الحزن على ما شاب الجيل من جري وراء الكسب وفساد في الخلق.
ونحن إذا استثنينا فكرة فاجنر المثالية، وجدنا على الجملة أن هانز زاكس ربما كان الممثل للرجل الألماني الطيب برغم ما يشوبه من فجاجة وجلافة، والذي لا بد كان أغلبية في الجنوب على الأقل. ونحن نراه سعيداً في بيته، مترنماً بشعره طوال أربعين عاماً. ولما ماتت زوجته الأولى (1560) تزوج وهو في الثامنة والستين من حسناء في ربيعها السابع والعشرين، وظل ينعم بالحياة برغم هذه المحنة. ولا بد لنا من إنصاف عصر ومدينة مكنا حذاء من أن يصبح في ظلهما أديباً إنسانياً، وشاعراً، وموسيقياً، وأن يقتني مكتبة كبيرة ويستعملها، وأن يتعلم الأدب اليوناني والفلسفة اليونانية، وأن ينظم 6000 قصيدة، وأن يعيش متمتعاً بقسط لا بأس به من الصحة والسعادة حتى وافته المنية وقد بلغ الثانية والثمانين.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق