الثلاثاء، 20 أكتوبر 2009

شرح ديوان المتنبي6



تمسى الضيوفُ مشهاةً بعقوتهِ كأن أوقاتها في الطيب آصالُ
أي يعطي أضيافه ما يشتهون إذا نزلوا بداره فتطيب أوقاتهم عنده كأنها عشيات والعشايا تطيب عند العرب لهبوب الرياح وغروب الشمس وإنقطاع الحر
لو أشتهت لحم قاريها لبـادرهـا خراذلٌ منه في الشيزي وأوصالُ
لو اشتهت أضيافه لحم المضيف لما بخل به عليهم ولأتاهم على العجلة قطع من لحمه ويقال لحم خراذل بالذال والدال جميعا أي مقطع والشيزي خشب يعمل منه الجفان ومنه قول زياد، ترى الجفان من الشيزي مكللةً، والأوصال جمع وصل وهو العضو
لا يعرف الرزء في مالٍ ولا ولدٍ إلا إذا حفز الأضياف ترحـالُ
يقول المصيبة عنده في المال والولد ارتحال الأضياف من داره أي يناله من ذلك ما ينال من يرزأ ماله وولده ومعنى حفز دفع
يروي صدى الأرض من فضلات ما شربوا محض اللقاحِ وصافي اللونِ سـلـسـالُ
الصدى العطش والوجه أن يقول فضلات بفتح الضاد ويجوز تسكينه في الشعر للضرورة والمحض الخالص من اللبن واللقاح جمع اللقحة وهي الناقة الحلوب ومعنى محض لبن اللقاح يقول يسقيهم اللبن والخمر فيكر لهم منهما حتى يروي صدى الأرض ما فضل عنهم من سؤرهم يعني ما فضل في الاقداح وقال ابن جنى إذا انصرف أضيافه أراق بقايا ما شربوه ولم يدخره لغيرهم لأنه يتلقى كل وارد عليه بقرى يستحدثه ويريد بصافي اللون الخمر
تقرى صوارمهُ الساعات عبط دمٍ كأنما الساع قـفـال ونـزالُ
العبط والعبيط الطري من الدم والساع جمع ساعة يقول كل ساعة تأتي عليه يجدد فيها ذبحا كان الساعات نزال ينزلون وقفال قفلوا من سفر يعني أنه لا يطعم أضيافه الغاب بل يجدد الذبح والنحر كل ساعة فيجري دما عبيطا وقال ابن جنى يقول هو كل ساعة يريق دما طريا من اعدائه فكأنه يقرى الساعات وكأنها قومٌ ينزلون عليه فجعل ابن جنى عبط دم من الأعداء
تجري النفوسُ حواليهِ مخلطةً منها عداةٌ وأغنـامٌ وآبـالُ
يعني بالنفوس الدماء يقول تجري عنده الدماء مختلطةً دم الأعداء ودم ذبائحه للاضياف وهذا من قول البحتري، ما أنفك منتضيا سيفي وغًى وقرًى، على الكواهلِ تدمي والعراقيبِ،
لا يحرم البعد أهل البعد نائلهُ وغيرُ عاجزةٍ عنه الأطيفالُ
يصف عموم بره ون القريب والبعيد فيه سواء حتى الطفل الذي لا يقدر على النهوض إليه والتعرض لمعروفه
أمضى الفريقين في اقرانه ظبةً والبيض هادية والسمر ضلالُ
يقول هو أمضى الجيشين سيفا إذا كانت السيوف هاديةً لأنها تمضي قدما على استواء والأرماح ضلال لأنها تذهب يمينا وشمالا ف يالطعن وهو الطعن الشزر
يريك مخبره أضعاف منظـرهِ بين الرجال وفيها الماء والآلُ
يقول إذا أختبرته رأيته يربي اضعاف على ما أراك منظره ثم قال وفي الرجال الماء والآل يعني الذي يشبه الرجال بصورته وليس عنده ما عندهم من المعاني كالآل يشبه الماء وليس ماء
وقد يلقبه المجـنـون حـاسـدهُ إذا اختلطن وبعض العقل عقالُ
يقول إذا اختلطت الرماح والسيوف عند الحرب لقبه حاسده مجنونا والعقل في ذلك الوقت عقال لأنه يمنع من الأقدام والعقال داء يأخذ الدواب في الرجلين وهذا الممدوح كان يلقب بالمجنون فهو يقول إنما يلقبه بهذا اللقب حاسده حسدا له على فرط شجاعته التي تشبه الجنون وقد نظر في لفظ البيت إلى قول أبي تمام، وإن يبن حيطانا عليه فإنما، أولئك عقالاته لا معاقله، وإلى قول الكلابي في معناه، ألا أيها المغتاب عرضي يعيبني، يسميني المجنون في الجد واللعب، أنا الرجل المجنون والرجل الذي، به يتقي يوم الوغى عرة الحرب،
يرمي بها الجيش لا بدٌّ له ولها من شقهِ ولو أن الجيش أجبالُ
يقول يرمي بخيله الجيش ولا بد لهما من شق ذلك الجيش ولو كانوا أجبالا في القوة والثبات
إذا العدى نشبت فيهم مخالبهُ لم يجتمع لهم حلمٌ ورئبالُ
هذا كأنه عذر للذي يلقبه بالمجنون من اعدائه لأنهم يرونه كالأسد في الشجاعة والأسد لا يوصف بالحلم كذلك هذا الرجل يبعد عنه الحلم إذا قاتل الأعداء
يروعهم منه دهر صرفه أبـدا مجاهر وصروف الدهر تغتالُ
أي يروع الأعداء من هذا الممدوح دهر يجاهر الناس بحوادثه وصروف الزمان تأتي اغتيالا لا مجاهرة جعل الممدوح كالدهر تعظيما لشأنه
أناله الشرف الأعلى تقدمـهُ فما الذي بتوقي ما أتى نالوا
تقدمه في الحرب اعطاه أعلى الشرف فما الذي نال اعداؤه باحجامهم وتوقيهم ما يأتيه من المخاوف والأهوال
إذا الملوك تحلت كان حليته مهندٌ وأصم الكعب عسالُ
يقول إذا تزينت الملوك بالتاج والسوارين تزين هو بالسيف والرمح الشديد المهتز
أبو شجاع أبو الشجعان قاطبةً هولٌ نمتهُ من الهيجاء أهوالُ
يقول هو أبو شجاع كنيةً وهو أبو الشجعان كلهم حقيقةً لنهم كلهم دونه وهو سيدهم وهو هول عند الحرب في أعين الأعداء ونمته غذته وربته أهوال الحرب لأنه نشأ فيها فصارت له كالغذاء
تملك الحمد حتى ما لمفتـخـرٍ في الحمد حاء ولا ميم ولا دالُ
أي الحمد كله له بأسره وليس لغيره منه جزء يعني أنه المحمود في أفعاله وأقواله وليس يحمد دونه أحد
عليه منه سرابيل مضاعـفةٌ وقد كفاه من الماذي سربالُ
الماذي الدرع اللينة يقول يكفيه في الحرب سربال واحد من الدرع وعليه من الحمد سرابيل كثيرة أي أنه يتوقى الذم بأكثر مما يتوقى الحربَ
وكيف أستر ما أوليت من حسنٍ وقد غمرت نوالا أيها النـالُ
النال الرجل الكثير النوال وهذا كما يقال كبش صاف أي كثير الصوف ويوم طان أي كثير الطين يقول لا أقدر أن استر إنعامك وإحسانك وقد غرقتني فيهما أي هو أشهر من أن يستتر
لطفت رأيك في بري وتكرمتي أن الكريم على العلياء يحتال
يقول توصلت إلى إكرامي بالبر والصلة بلطف وتدبير ورأى وكذلك الكريم يحتال ليحصل لنفسه العلو وذلك أن فاتكا كان يراسل أبا الطيب ولا يجاهر ببره وإكرامه خوفا من الأسود فاتفق التقاؤهما في سفر وبره وأحسن إليه
حتى غدوت وللأخبار تجوال وللكواكب في كفيك آمالُ
يقول غدوت والأخبار تجول في الآفاق بحسن ذكرك والثناء عليها ولكل احد أمل في كفيك حتى للكواكب
وقد أطال ثنائي طول لابسهِ إن الثناء على التنبال تنبالُ
التنبال القصير وجمعه تنابل وتنابلة يقول مدح الشريف يشرف الشعر ومدح اللئيم يؤدي إلى لؤم الشعر والمعنى أن شعري قد شرف بشرف هذا الممدوح
إن كنت تكبر أن تختال في بشرٍ فإن قدرك في الأقدار يختالُ
يقول إن كنت تتعظم عن الاختيال فيما بين الناس فإن قدرك يختال في أقدار الناس لأنك أعظم قدرا من كل أحد
كأن نفسك لا ترضاك صاحبهـا إلا وأنت على المفضال مفضالُ
المفضال الكثير الفضل ويريد بالنفس الهمة والمناقب الشريفة التي فيه يقول لا ترضي نفسك بك صاحبا لها إلا إذا زدت فضلا على من هو كثير الفضل
ولا تعدك صوانا لمهجتـهـا إلا وأنت لها في الروع بذالُ
لولا المشقة ساد الناس كلهـمُ ألجود يفقر والإقدام قـتـالُ
أي لولا أن في السيادة مشقة لصار الناس كلهم سادةً ثم ذكر مشقتها فقال من جاد افتقر ومن أقدم في الحرب قتل ولا سيادة دون الجود والشجاعة وهذا من قول منصور النمري، الجود أخشن مسًّا يا بني مطرٍ، من أن تبزكموه كفُّ مستلبٍ، ما أعلم الناس أن الجود مكسبةٌ، للمجد لكنه يأتي على النشبِ،
وإنما يبلغ الإنسان طـاقـتـهُ ما كل ماشيةٍ بالرحلِ شملالُ
يقول كلٌّ يجري في السيادة على قدر طاقته وليس كل من مشى كان شملالا وهي الناقة الخفيفة المشي
إنا لفي زمنٍ ترك القبـيح بـه من أكثر الناس إحسانٌ وأجمالُ
يقول من لم يعاملك بالقبيح في هذا الزمن فقد أحسن إليك لكثرة من يعاملك بالقبيح وهذا المعنى أراد أبو نواس في قوله، وصرنا نرى أن المتارك محسن، وإن خليلا لا يضر وصول،
ذكر الفتى عمره الثاني وحاجتهُ ما قاته وفضول العيش أشغالُ
أي إذا ذكر الإنسان بعد موته كان ذلك حيوةً ثانية له وما يحتاج إليه في دنياه قدر القوت وما فضل من القوت فهو شغل كما قال سالم بن وابصة، غنى النفس ما يكفيك من سد حاجةٍ، وإن زاد شيئا عاد ذاك الغني فقرا وتوفي أبو شجاع فاتك بمصر ليلة الأحد لأحدى عشرة ليلة خلت من شوال سنة 350 فقال يرثيه
الحزن يقلق والتجمل يردعُ والدمع بينهما عصي طيعُ
يقول الحزن لأجل المصيبة يقلقني وتكلف الصبر يمنعني عن التهالك والجزع والدمع بين الحالين عاصٍ للتجمل مطيع للقلق
يتنازعان دموع عين مسهـدٍ لهذا يجيء بها ولهذا يرجعُ
عني بالمسهد نفسه يقول الحزن والصبر يتنازعان دموع عيني تم ذكر التنازع فقال الحزن يجيء بها أي يجريها والصبر يردها
النوم بعد أبي شجاعٍ نـافـرٌ والليل معي والكواكب طلع
يقول النوم بعده لا يألف العين أي لا تنام العيون بعده حزنا عليه والليل يطول فلا ينقضي كأنه قد أعيا عن المشي فانقطع والكواكب كأنها طالعة لا تقدر أن تقطع الفلك فتغرب يريد طول الليل لاستيلاء الحزن والهم على قلبه
إني لأجبن عن فارقِ أحبتـي وتحس نفسي بالحمامِ فأشجعُ
جبن عنه احسن من جبن منه يقول أنا جبان عند فراق الأحباب أخافه خوف الجبناء وأشجع عند الموت فلا أخافه أن الفراق أعظم خطبا عنده من الموت كما قال الطائي، جليدٌ على عتب الخطوب إذا عرت ولست على عتب الأخلاء بالجلدِ،
ويزيدني غضبٌ الأعادي قسوةً ويلم بي عتب الصديق فأجزعُ
يريد أنه لا يعتب اعداءه ولا يلين لهم بل يزداد عليهم قسوة إذا غضبوا ويجزع عند عتب الصديق فلا يطيق احتماله كما قال أشجع، يعطي زمام الطوعِ إخوانه، ويلتوي بالملك القادرِ،
تصفو الحيوة لجاهلٍ أو غافلٍ عما مضى فيها وما يتوقعُ
يقول الحيوة إنما تصفو للجاهل الغافل عما مضى من حيوته وما يتوقع في العواقب من انقضائها
ولمن يغالط في الحقائق نفسـهُ ويسومها طلب المحال فتطمع
يعني بالحقائق ما لا شك فيه للعاقل وهي أن الدنيا دار مخاوف واخطار والإنسان فيها على خطر عظيم وإن الحيوة غير باقية فمن غالط في هذا نفسه ومناها السلامة والبقاء صفا له العيش في الوقت حين ألقى عن نفسه الفكرة في العواقب وكلف نفسه طلب المحال من البقاء في السلامة مع نيل المراد فطمعت في ذلك ثم دل على أنه لا بقاء فيها لأحد
أين الذي الهرمان من بنـيانـه ما قومهُ ما يومُهُ ما المصرعُ
الهرمان بناءان بمصر ارتفاع كل واحدٍ منهما في السماء أربعمائة ذراع في عرض مثلها لا يدري من بناهما وكيف بنيا يقال بناهما عمرو بن المشلل ويقال أن أحدهما قبر شداد بن عاد والثاني قبر أرم ذات العماد يقول أين من بناهما وأين قومه ومتى كان يوم موته وكيف كان مصرعه ينبه بهذا على أن الفناء حتم وأن لا سبيل إلى البقاء
تتخلف الآثار عن أصحابها حينا ويدركها الفناء فتتبعُ
يقول الآثار تبقى بعد أصحابها زمانا من الدهر ثم تفنى وتتبع أصحابها في الفناء
لم يرض قلب أبي شجاع مبلغٌ قبل الممات ولم يسعه موضعُ
يريد علو همته وإنه ما كان يرضى بمبلغ يبلغه في العلى حتى يطلب منه ما فوقه ولم يسعه موضع لكثرة جيشه أو لأنه لا يرضى ذلك المكان
كنا نظن دياره ممـلـوؤةً ذهبا فمات وكل دارٍ بلقعُ
يقول كنا نظنه صاحب ذخائر من الأموال فلما مات لم يخلف ملا لأنه كان جوادا ثم ذكر ما خلفه فقال
وإذا المكارمُ والصوارمُ والقنا وبنات أعوج كل شيء يجمعُ
يقول إنما يجمع في حياته المكارم والأسلحة والخيل لا الذهب والفضة وأعوج فحلٌ معروفٌ من فحول العرب إليه تنسب الخيل الأعوجية وإنما سمي أعوج لأن ليلا وقعت فيه غارة على أصحاب هذا الفحل وكان مهرا ولضنهم به حملوه في وعاء على الإبل حين هربوا من الغارة فأعوج ظهره وبقي فيه العوج فلقب بالأعوج وقال الأصمعي سئل ابن الهلالية فارسُ أعوج عن أعوج فقال ضللت في بعض مفاوز تميمٍ فرأيت قطاةً تطير فقلت في نفسي والله ما تريد إلا الماء فاتبعتها ولم أزل أغض من عنان اعوج حتى وردت والقطاة وهذا البيت من قول حاتم، متى ما يجيء يوماً إلى المال وأرثي، الأبيات وقول عروة بن الورد، وذي أملٍ يرجو تراثي، الأبيات ومن قول امرأةٍ، مضى وورثناه دريس مفاضةٍ، وكلها في الحماسة وقد قال مروان بن أبي حفصة في معنِ بن زائدة يرثيه، ولم يكن كنزه ذهبا ولكن، حديد الهند والحلق المذالا،
المجد أخسر والمكارم صـفـقةً من أن يعيش لها الكريم الأروعُ
يقول صفقة المكارم والمجد أخسر وحظها انقص من أن يعيش لها هذا المرثي يعني أن المكارم كانت تحيا به فلنحسرانها كانت ميتةً
والناس أنزل في زمانك منزلا من أن تعايشهم وقدرك أرفعُ
يقول الناس في زمانك أكل قدرا من أن تكون فيما بينهم فتخالطهم وتعاشرهم وقدرك أجل من أن تعايش أهل هذا الزمان
برد حشاي إن استطعت بلفظةٍ فلقد تضر إذا تشاء وتنفـعُ
يقول كلمني بكلمة وأسمعني منك لفظةً إن قدرت عليها لتسكن ما في قلبي من حرارة الوجد فلقد كنت في حياتك تضر إذا تشاء أعداءك وتنفع أولياءك أي فانفعني بكلامك
ما كان منك إلى خليلٍ قبلهـا ما يستراب به ولا ما يوجعُ
يقول لم يكن منك إلى خليلٍ قبل المنية ما يريبه منك أو يوجعه وذلك أشد لتوجعه عليك إذ لم تربه في حياتك
ولقد أراك وما تلم مـلـمةٌ إلا نفاها عنك قلبٌ أصمعُ
الأصمع الحاد الذكي يقال ثريدة مصمعة إذا كان وسطها ناتيا والصومعة فوعلة منه لأنه بناء ناتٍ على مكان مرتفع يقول كنت أراك في حال حيوتك وما تنزل بكل نازلةٌ إلا دفعها عنك قلبٌ ذكي
ويدٌ كأن نوالها وقـتـالـهـا فرضٌ يحق عليك وهو تبرعُ
يقول ونفاها عنك يد معطية للاولياء قتالة للاعداء كان النوال والقتال وأجبان عليها وهما تبرع لا وجوبٌ وهو من قول الطائي، ترى ماله نصب المعالي وأوجبت، عليه زكوة الجودِ ما ليس وواجبا،
يا من يبدلُ كل وقتٍ حـلةً أني رضيت بحلةٍ لا تنزعُ
هذا على الحكاية لما كان يفعله في حال حيوته كقول الآخر، جاريةٌ في رمضان الماضي، تقطع الحديث بالإيماض، حكى حالها في الوقت والمعنى أنه كان يلبس كل يوم لباسا آخر وقد لبس الآن ثوبا لا يخلعه يعني الكفن
ما زلت تخلعها على من شاءها حتى لبست اليوم ما لا تخلـعُ
ما زلت تدفع كل أمـرٍ فـادحٍ حتى أتى الأمرُ الذي لا يدفعُ
هذا من قول يحيى بن زياد الحارثي، دفعنا بك الأيام حتى إذا أتت، تريدك لم نسطعْ لها عنك مدفعا،
فظللت تنظر لا رماحك شرعٌ فيما عراك ولا سيوفكَ قطعُ
عراك أصابك ونزل بك يقول لم تعمل رماحك وسيوفك في دفع ما نزل بك يعني الموت لنه لا مدفع له
بأبي الوحيدُ وجيشهُ متكـاثـرٌ يبكي ومن شر السلاحِ الأدمعُ
يقول فدى بأبي الوحيد المنفرد بما أصابه على كثرة ما له من الجيش يعني أن المنية سلبته وحده فلم تغنِ عنه كثرة جيشه يبكي لما نزل به من الأمر ولا يندفع بالبكاء شيء والدمع من شر الأسلحة
ومنيت إليك يد سواء عنـدهـا البازُ الأشهبُ والغرابُ الأبقعُ
يعني يد المنية وهي قابضة للصغير والكبير والشريف والوضيع فالبازي مثل للشريف والغراب مثل للوضيع ويروي الباز الأشهب مقطوع الألف لأنه أول المصراع الثاني فكأنه أخذ في بيت ثان كما قال، لتسمعن وشيكاً في دياركم، الله أكبر يا فارت عثمانا، وقال الآخر، حتى أتين فتًى تأبط خائفا، السيف فهو أخو لقاء أروع،
من للمحافلِ والجحافلِ والسـريَ فقدت بفقدك نيرا لا يطـلـعُ
ومن اتخذت على الضيوف خليفةً ضاعوا ومثلك لا يكاد يضـيعُ
قبحاً لوجهك يا زمـان فـإنـهُ وجهُ له من كل قبحٍ بـرقـعُ
يقول قبح الله وجهك يا زمان فإن وجهك وجه اجتمعت فيه القبائح فكأنه اتخذ القبائح برقعا والقبح مصدر قبحته أقبحه قبحا والقبح ضد الحسن
أيموت مثل أبي شجاعٍ فـاتـكٍ ويعيش حاسدهُ الخصيُّ الأوكعُ
هذا استفهام تعجب حين مات هو في جوده وفضله وعاش حاسده يعني كافورا والأوكع الجافي الصلب من قولهم سقاء وكيع إذا اشتد وصلب
أيد مقطعة حـوالـي رأسـه وقفا يصيح بها ألا من يصفع
يقول الأيدي التي حول الخصى هي مقطعة لأن قفاه يصبح ألا من يصفع فلو لم تكن تلك الأيدي مقطعة لصفعوه والمعنى أنه لسقوطه يدعو إلى إذلاله ولكن ليس عنده من فيه خير يهجو من حوله من أصحابه لتأخرهم عن الإيقاع به
أبقيت أكذب كـاذب أبـقـيتـه وأخذت أصدق من يقول ويسمع
يقول للزمان أبقيت أكذب الكاذبين الذين أبقيتهم أي هو أكذب من بقي من الكاذبين يعني الخصي وأخذت أصدق القائلين والسامعين يعني أصدق الناس وهو المرثي
وتركت أنتن ريحة مذمـومة وسلبت أطيب ريحة تتضوع
فليوم قر لكل وحش نـافـر دمه وكان كأنه يتـطـلـع
يقول قرت دماء الوحوش وكانت كأنها تتطلع للخروج من أبدانها خوفا منه وجزعا يعني أنه كان صاحب طرد وصيد
وتصاحت ثمر السياط وخيله وأوت إليها سوقها والأذرع
يعني بثمر السياط العقد التي تكون في عذباتها يقول رقع بموته الصلح بين الخيل والسياط لأنه أبدا كان يضربها بسياطه لركض في قصد عدو أو طرد وهي في شدة عدوها كأن سوقها وهي جمع ساق وأذرعها ليست منها لأنها كانت ترميها عن أنفسها والآن لما ترك ركضها صارت أيديها وأرجلها كأنها عادت إليها
وعفا الطراد فلا سنان راعف فوق القناة ولا حسام يلمـع
يريد بالطراد مطاردة الفرسان في الحرب يقول ذهب ذلك واندرس بموته والراعف الذي يسيل منه دم كالرعاف من الأنف
ولى وكل مخالم ومـنـادم بعد اللزوم مشيع ومودع
من كان فيه لكل قوم ملجأ ولسيفه في كل قوم مرتع
من فاعل ولى يقول ولى وذهب من كان ملجأ أوليائه وكان لسيفه مرتع في كل قوم من أعدائه
إن حل في فرس ففيها ربـهـا كسرى تذل له الرقاب وتخضع
أو حل في روم ففيها قـيصـر أو حل في عرب ففيها تـبـع
يعني أنه كان عظيما أينما كان حتى لو كان في العجم لكان ملكهم وكذلك في كل قوم
لا قلبت أيدي الفوارس بعـده رمحا ولا حملت جوادا أربع
أي أنهم لا يحسنون الركض ولا الطعان إحسانه فلا حملوا رمحا يقوله على طريق الدعاء ولا حملت الخيل قوائمها وقال وقد دخل عليه بالكوفة صديق له وبيده تفاحة من ند عليها اسم فاتك فناوله إياها فقرأه فقال
يذكرني فاتكا حـمـلـه وشيء من الند فيه اسمه
ولست بناس ولكـنـنـي يجدد لي ريحه شـمـه
وأي فتى سلبتني المـنـو ن لم تدر ما حملت أمه
ولا ما تضم إلى صدرهـا ولو علمت هالها ضمه
أي لو علمت والدته التي كانت تضمه إلى صدرها في صغره إنه شجاع قتال فاتك لفزعت منه ولهالها ضم ذلك الولد إلى نفسها
بمصر ملوك لهم ما له ولكنهم ما لهم همـه
هذا من قول أشجع السلمي، وليس بأوسعهم في الغنى، ولكن معروفة أوسع، وأصله من قول الآخر، ولم يك أكثر الفتيان مالا، ولكن كان أرحبهم ذراعا،
فأجود من جودهم بخله وأحمد من حمدهم ذمه
أي إذا بخل كان أجود منهم وإذا ذم كان أحمد منهم
وأشرف من عيشهم موته وأنفع من وجدهم عدمه
أي إنه ميت أشرف منهم وهم أحياء وهو عادم أنفع منهم وهم واجدون لأنه كان يجود بما يجد وهو يبخلون مع الوجد وهو الغني
وإن منيتـه عـنـده لكالخمر سقيه كرمه
يعني منه كانت تنبت المنية في الناس ثم عادت عليه فاهلكته فكانت كالخمر التي أصلها الكرم ومنه خرجت ثم عادت فسقيها الكرم وردت إليه
فذاك الذي عبـه مـاؤه وذاك الذي ذاقه طعمه
قال أبن جنى يعنيأن الزمان أتى من موته بما فيه نقص العادة وذلك أن الماء مشروب لا شارب والطعم مذوق مع كونه مذوقا وقال أبن فورجة عند أبي الفتح أن الضمير في عبه ضمير فاتك وكذلك الهاء في ذاقه على ما ذكر في تفسيره وليس كذلك فإنه قد قال في البيت الذي قبله أن الموت الذي أصابه هو بمنزلة الخمر سقيها الكرم أي كانت المنية مما يسقيه الناس فصار بسقيه شاربا له ثم قال فذلك الذي عبه يعني الخمر هو ماء الكرم فعبه وذاك الذي ذاقه هو الموت وهو طعم نفسه الذي كان يموت به الخلق انتهى كلامه وهو على ما قاله لكنه لم يبينه بيانا شافيا والمعنى أن هذا مثل وهو أن الكرم إذا سقى الخمر فشربه فقد شرب ماء نفسه والذي ذاقه من طعم الخمر هو طعم الكرم كذلك موت فاتك لما أهلكه فشرب شراب الموت وذاق طعمه فكأنه شرب شراب نفسه وذاق طعم نفسه
ومن ضاقت الأرض عن نفسه حري أن يضيق بها جسمـه
يقول من ضاقت الأرض عن همته لخليق أن يضيق جسمه بهمته فلا يسعها وإذا لم يسعها ولم يطق احتمالها هلك فيها لعظم ما يطلبه كما قال الآخر، على النفوس جنايات من الهمم وقال أبو الطيب بعد خروجه من مدينة السلام يذكر مسيره من مصر ويرثي فاتكا وانشأها يوم الثلثاء لتسع خلون من شعبان سنة 352
حتام نحن نساري النجم في الظلم وما سراه على خف ولا قـدم
يقول حتى متى نسرى مع النجوم في ظلم الليل وليست تسري هي على خف ولا قدم يعني أن النجوم لا يصيبها الكلال من السري كما يصيب الإبل والإنسان
ولا يحس بأجفان يحس بهـا فقد الرقاد غريب بات لم ينم
يم يؤثر في النجوم عدم النوم كما يؤثر في بعيد عن أهله بات يسري ساهرا يعني نفسه
تسود الشمس منا بيض أوجهنا ولا تسود بيض العذر واللمم
يقول الشمس تغير ألواننا في وجوهنا البيض بالسواد ولا تؤثر مثل ذلك التأثير في شعورنا البيض وهذا من قول الطائي، ترى قسماتنا تسود فيها، وما أخلاقنا فيها بسود،
وكان حالهما في الحكم واحدة لو احتكمنا من الدنيا إلى حكم
الحكم بمعنى الحاكم يقول لو احتكمنا إلى حاكم من الدنيا لحكم بأن ما يسود الوجه يسود الشعر ولكن الله قضى بأن الشمس تسود الوجه ولا تسود الشعر
وتنرك الماء لا ينفك مـن سـفـر ما سار في الغيم منه سار في الأدم
يقول نجعل الماء لا يزال مسافرا إما في الغيم وإما في مزاودنا من الأدم لأنا نغترفه من السحاب فنوعيه في الأداوي
لا أبغض العيس لكني وقـيت بـهـا قلبي من الحزن أو جسمي من السقم
يقول ليست الإبل ببغيضة إلى أي ليس إتعابي إياها في السفر بغضا لها مني لكني أسافر عليها لأقي قلبي من الحزن أو جسمي من السقم وذلك أن السقم إذا غير الهواء والماء وسافر صح جسمه وكذلك المحزون يتنسم بروح الهواء أو يصير إلى مكان يسر فيه بالإكرام
طردت من مصر أيديها بأرجلها حتى مرقن بنا من جوش والعلم
قال أبن جنى جوش والعلم مكانان يقول حثثتها على السير واعجلتها حتى كأن الرجل طاردة لليد كما قال بعض العرب، كأن يديها حين جد نجاؤها، طريدان والرجلان طالبتا وتر، وذلك أن اليد أمام الرجل كالمطرود يكون أما الطارد شبه خروجها من هذين المكانين بخروج الهم من الرمية لسرعة سيرها لذلك قال مرقن وسكن الياء من أيديها ضرورة
تبرى لهن نعام الدو مـسـرجة تعارض الجدل المرخاة باللجم
تبرى تعارض يقال برى له وانبرى له إذا عارضه ومنه قول أبي النجم، يبرى لها من أيمن وأشمل، أي يعارضها من جانبيها ويريد بنعام الدو الخيل جعلها كالنعام في سرعة عدوها وظهر بقوله مسرجة إنها الخيل يقول تنبري الخيل للعيس وتعارض أزمتها بلجمها واعنتها أي تباريها في السير وقال أبن جنى يقول الخيل لعلو أعناقها وإشرافها تباري أعناق الإبل فيكون اللجم في أعناقها كالجدل وهي الأزمة في أعناق الإبل
في غلمة أخطروا ارواحهم ورضوا بما لقين رضى الأيسار بالـزلـم
يقول سريت من مصر في غلمة حملوا ارواحهم على الخطر لبعد المسافة وصعوبة الطريق ورضوا بما يستقبلهم من ملك أو هلك كما يرضى المقامرون بما تخرج لهم القداح والأيسار المقامرون واحدهم يسر والزلم السهم
تبدو لنا كلما ألقوا عمائمهم عمائم خلقت سودا بلا لثم
يقول كلما ألقوا عمائمهم من رؤسهم ظهرت من شعورهم على رؤسهم عمائم سود ليست لها لثم وذلك أن العرب تجعل العمائم بعضها لثما على الوجوه وبعضها على الرأس يقول فشعورهم على رؤسهم كالعمائم وليس منها شيء على وجوههم يعني أنهم مرد ولم يتصل شعر العوارض والوجوه بشعر رؤسهم ألا ترى أنه قال
بيض العوارض طعانون من لحقوا من الفوارس شلالون للـنـعـم
يريد أنم مرد صعاليك قتالون للفوارس طرادون للنعم يغيرون عليها أينما وجدوها
قد بلغوا بقناهم فوق طاقتـه وليس يبلغ ما فيهم من الهمم
أي قد استفرغوا وسع القنا طعنا ولم يبلغ القنا مع ذلك غاية هممهم
في الجاهلية ألا أن أنـفـسـهـم من طيبهن به في الأشهر الحرم
يقول هم أبدا في القتال والغارة كفعل أهل الجاهلية إلا أن أنفسهم طابت بالقتال وسكنت إليهم وكأنهم في الأشهر الحرم أمنا وسكونا وكان أهل الجاهلية يأمنون في الأشهر الحرم لأن القتال يترك فيها
ناشوا الرماح وكانت غير ناطقة فعلموها صياح الطير في البهم
يقول تناولوا الرماح وكانت جمادا لا تنطق فاسمعوا الناس صريرها في طعان الشجعان وصارت كأنها طير تصيح وهذا من قول الآخر، تصيح الردينيات فينا وفيهم، صياح بنات الماء أصبحن جوعا، ومثله قول بعض العرب، رزق تصايحن في المنون كما، هاج دجاج المدينة السحر،
تخدي الركاب بنا بيضا مشافرهـا خضرا فراسنها في الرغل والينم
تسير الإبل بنا وهي بيض المشافر باللغام وقال أبن جنى لأنها لا تترك ترعى لشدة السير خضر الفراسن لأنها تسير في هذين النبتين والفرسن لحم خف البعير
مكعومة بسياط القوم نـضـربـهـا عن منبت العشب نبغي منبت الكرم
يقول السياط تمنعها المرعى فكأنها قد شدت أفواهها وهو من قول ذي الرمة، يهماء خابطها بالخوف مكعوم، أي لا يتكلم فيها خوفا فكان الخوف قد كعم فمه والبيت من قول الأسدي، إليك أمير المؤمنين رحلتها، من الطلح تبغى منبت الزرجون،
وأين منبته من بعد مـنـبـتـه أبي شجاع قريع العرب والعجم
يقول أين منبت الكرم بعد موت هذا الرجل الذي كان منبت الكرم وكان سيد العرب والعجم
لا فاتك آخر في مصر نقصده ولا له خلف في الناس كلهم
يقول ليس لنا رجل آخر في وجوده فنقصده لأنه لم يخلف بعده مثله
من لا تشابهه الأحياء فـي شـيم أمسى تشابهه الأموات في الرمم
أي من لم يكن له شبيه من الأحياء في شيمه وأخلاقه صار الأموات يشابهونه في العظام البالية أي مات فاشبه الأموات واشتبهوه
عدمته وكأني سرت أطلبـه فما تريدني الدنيا على العدم
أي لكثرة أسفاري وترددي في الدنيا كأني أطلب له نظيرا ولا أحصل إلا على العدم
مازلت أضحك إبلي كلما نظرت إلى من اختضبت أخفافها بدم
يقول مازلت اسافر عليها إلى من لا يستحق القصد إليه فلو كانت الإبل مما يضحك لضحكت إذا نظرت إلى من قصدته استخفافا به وفي الكلام محذوف به يتم المعنى إلى من أختضبت أخفافها بدم في قصده أو في المسير إليه
أسيرها بين أصنام أشاهدها ولا أشاهد فيها عفة الصنم
يقال أسار دابته إذا سيرها ومن روى أسيرها أراد أسير عليها فحذف حرف الصلة وعنى بالأصنام قوما يطاعون ويعظمون وهم كالجماد والموت لا اهتزاز فيهم للكرم ولا أريحية للجود ثم فضل الصنم عليهم فقال ليست لهم عفة الصنم لأن الصنم وإن لم ينفع فهو غير موصوف بالفضائح والقبائح وهؤلاء لا يعفون عن محرم ولا عن قبيح
حتى رجعت وأقلامي قوائل لي المجد للسيف ليس المجد للقلم
أي حتى عدت إلى وطني وقد علمت أن المجد يدرك بالسيف لا بالقلم لأن العالم غير معظم ولا مهيب هيبة صاحب السيف ولا يدرك من أمور المجد والشرف ما يدركه ولهذا قيل لا مجد أسرع من مجد السيف
أكتب بنا أبدا بعد الكتاب به فإنما نحن للأسياف كالخدم
هذا من حكاية قول القلم أي قالت لي الأقلام أخرج على الناس بالسيف واقتلهم ثم اكتب بنا الفتوح وما تقول من الشعر فيهم فإن القلم كالخادم للسيف وهذا من قول البحتري، تعنو له وزراء الملك خاضعة، وعادة السيف أن يستخدم القلما، وجعل الضرب بالسيف كالكتاب به وهو مصدر كالكتابة
أسمعتني ودوائي ما أشرت به فإن غفلت فدائي قلة الفهم
هذا جواب للأقلام يقول لما أسمعتني قولك ودوائي إشارتك علي بالصواب فإن تركت إشارتك ولم أفهمها صار ذلك دائي ثم أكد ما أشارت به عليه الأقلام من استعمال السيف فقال
من اقتضى بسوى الهندي حاجته أجاب كل سؤال عن هل بلـم
يقول من طلب حاجته بغير السيف أجاب سائله عن قوله هل أدركت حاجتك لم أدرك قال القاضي أبو الحسن أبن عبد العزيز كان الواجب أن يقول عن هل بلا لأن الطالب بغير السيف يقول هل تتبرع لي بهذا المال فيقول المؤول لا فأقام لم مقام لا لأنهما حرفان للنفي وهذا ظلم منه للمتنبي وقلة فهم من القاضي ول أراد ذلك الذي ظنه لقال أجيب عن كل سؤال بهل بلا لأنه المقتضي فيجاب وليس هو المجيب والذي أراد أبو الطيب أن الناس سألونه هل أدركت هل وصلت إلى بغيتك فيجيب ويقول في الجواب لم أدرك ولم أبلغ لم أظفر ولم أصل
توهم القوم أن العجز قـربـنـا وفي التقرب ما يدعو إلى التهم
يقول القوم الذين قصدناهم بالمديح توهموا أن العجز عن طلب الرزق قربنا ثم قال وقد يدعو إلى التهمة التقرب لأنك إذا تقربت إلى إنسان توهمك عاجزا محتاجا إليه
ولم تزل قلة الإنصاف قـاطـعة بين الرجال وإن كانوا ذوي رحم
ترك الإنصاف داعية للقطيعة بين الناس وإن كانوا أقارب وهذا من قول الآخر، إذا أنت لم تنصف أخاك وجدته، على طرف الهجران إن كان يعقل،
فلا زيارة إلا أن تـزورهـم أيد نشأن مع المصقولة الخذم
يقول إذا لم ينصفونا فلا أزورهم إلا بالسيوف القواطع
من كل قاضية بالموت شفرته ما بين منتقم منه ومنتـقـم
من كل سيف تقضي شفرته بالموت بين الفريقين الظالم والمظلوم
صنا قوائمها عنهم وما وقـعـت مواقع اللؤم في الأيدي ولا الكزم
يقول صنا قوائم السيوف فما وقعت إلا في أيدينا التي لا لؤم فيها ولا كزم وهو قصر اليد يعني أنهم لا يحسنون العمل بالسيف ونحن أربابها نشأت أيدينا معها والمعنى أنهم لم يسلبونا سيوفنا فتقع في أيديهم التي هي مواقع اللؤم والقصر عن بلوغ الحاجة
هون على بصر ما شق منظره فإنما يقظات العين كالحـلـم
ما شق منظره أي ما صعبت رؤيته مما كرهته ومن روى منظره بالفتح فلأن المرأى يشق البصر ويفتحه باقتضائه النظر إليه والكناية على هذا للبصر وفي الرواية الأولى الكناية لما ومعنى شق من قولهم يشق علي هذا الأمر يقول هون على العين ما شق عليها النظر إليه مما تراه من المكاره وهب أنك تراه في الحلم لأن ما تراه في اليقظة شبيه بما تراه في المنام لأنهما يبقيان قليلا ثم يزولان ألا ترى إلى قول أبي تمام، ثم انقضت تلك السنون وأهلها، فكأنها وكأنهم أحلام، ولم يعرف أبن جنى شيئا من هذا فقال يقال شق بصر الميت شقوقا الفعل للبصر قال ومعنى البيت هون على بصرك شقوقه ومقاساة النزع وهذا كلام كما تراه في الفساد والبعد عن الصواب
ولا تشك إلى خلق فـتـشـتـمـه شكوى الجريح إلى الغربان والرخم
يقول لا تشك إلى أحد ما ينزل بك من ضر وشدة فتشتمه بشكواك والشكوى إلى الناس يكون كشكوى المجروح إلى الطير التي ترقب أن يموت فتأكله
وكن على حذر للناس تستره ولا يغرك منهم ثغر مبتسم
يقول احذر الناس واستر حذرك منهم ولا تغتر بابتسامتهم إليك فإن خدعهم في صدورهم
غاض الوفاء فما تـلـقـاه عـدة وأعوز الصدق في الأخبار والقسم
سبحان خالق نفسي كيف لـذتـهـا فيما النفوس تـراه غـاية الألـم
يتعجب من أن الله تعالى جعل لذته في ورود المهالك وقطع المفاوز وذلك غاية ألم النفوس
الدهر يعجب من حلمي نـوائبـه وصبر جسمي على أحداثه الحطم
الحطم جمع حطوم وبفتح الطاء جمع الحطمة
وقت يضيع وعمر ليت مدتـه في غير أمته من سالف الأمم
يقول لي وقت يضيع في مخالطة أهل الدهر ومصاحبتهم لأنهم سفل أنذال يضيع الوقت بصحبتهم وليت مدة عمري كانت في أمة أخرى من الأمم السالفة وهذا شكاية من أهل الدهر
أتى الزمان بنوه في شبيبته فسرهم وأتيناه على الهرم
يقول أبناء الزمان من الأمم السالفة كانوا في حدثان الدهر وجدته فسرهم وأتاهم ما يفرحون به ونحن أتينا الزمان وقد صار خرفا فلم نجد عنده ما يسرنا وقد أخذ أبو الفتح البستي هذا المعنى وجنس اللفظ فقال، لا غزو إن لم نجد في الدهر مخترفا، فقد أتيناه بعد الشيب والخرف، والمتنبي نظر في بيته إلى قول من قال، ونحن في عدم إذ دهرنا جذع، فالآن أمسى وقد أودى به الخرف وقال يهجو ضبة بن يزيد العيني وصرح بشتمه في هذه القصيدة لأنه لم يكن له فهم يعرف به التعريض وكان المتنبي إذا قرئت عليه هذه القصيدة ينكر إنشاده وأنا أيضا والله أكره كتابتها وتفسيرها ولست أرويها إنما أحكيها على ما هي عليه واستغفر الله تعالى من خط ما لا يزلف لديه فقال في جمادى الآخرة سنة353
ما أنصـف الـقـوم ضبه وأمه الطرطبة
رمـوا بـرأس أبـيه وناكوا الأم غلـبـه
هذا الوزن من الشعر يسمة المجتث وهو مستفعلن فاعلاتن ثم يجوز في زحافه مفاعلن فعلاتن والطرطبة القصيرة الضخمة وقيل هي المسترخية الثديين وكان من قصة هذا الرجل أن قوما من أهل العراق قتلوا أباه يزيد ونكحوا امرأته أم ضبة وكان ضبة غدارا بكل من نزل به واجتاز به أبو الطيب فامتنع من بحصن له واقبل يجاهر شتمه وشتم من معه وأرادوا أن يجيبوه بمثل ألفاظه القبيحة وسألوا ذلك أبا الطيب فتكلفه لهم على كراهة والمعنى يقول لم ينصفوه إذ فعلوا بأبيه وأمه ما فعلوا وروى أبن جنى وباكوا بالباء من بوك الحمار الأتان قال لأنه جعلهم كالحمير في غشيانهم بفحش والغلبة المغالبة ومنه قول الراعي، أخذوا المخاض من القلاص غلبة، كرها وتكتب للأمير أفيلا،
فلا بمن مات فخـر ولا بمن نيك رغبه
وإنما قلت مـا قـل ت رحمة لا ومحبة
يقول لا فخر له بأبيه ولا يرغب بأمه أيضا عما فعل بها من قولهم أنا أرغب عن هذا وإنما قلت ما انصفوه رحمة لك بما فعل لا محبة
وحيلة لـك حـتـى عذرت لو كنت تيبه
أي احتيالا لك حتى تعذر فيما أصابك لو كنت تشعر وتيبه من قولهم ما وبهت له أي ما باليته وما شعرت به على لغة من يقول ييجل وييجع وروى الخوارزمي تنبه أي تستيقظ
وما عليك من القت ل إنما هي ضربه
وما عليك من الـغ در إنما هي سبه
وما عليك من العـا ر أن أمك قحبـه
هذا استهزاء به واستجهال له يقول لا يلزمك من قتل أبيك عار إنما ذلك ضربة وقعت بأبيك فمات منها والغدر سبة تسب به فما عليك منه ولا عار عليك من فجور أمك والقحبة من القحاب وهي السعال وذلك أن الرجل يسعل بها فتجيب
وما يشق علـى الـك لب أن يكون ابن كلبهْ
ما ضرها من أتـاهـا وإنما ضر صلـبـهْ
ولم ينكـهـا ولـكـنْ عجانُها نـاكَ زُبَّـهْ
العجان ما بين القبل والدبر يريد أنها مهزولة تصيب بعجانها متاعَ من أتاها فتصكه
يلـوم ضـبة قـــومٌ ولا يلومون قـلـبـهْ
وقلـبـه يتـشـهـى ويلزم الجسم ذنـبـهْ
لو أبصر الجذع فعـلاً أحب في الجذع صلبهْ
فعلا كنايةٌ عن الأير وروى ابن جنى شيئا وأراد الكناية أيضا أي لحبه ذلك يحب أن يكون مصلوبا في ذلك الجذع
يا أطيب الناس نفساً وألين الناس ركبهْ
يريد أنه سمح القياد يلين لمن راوده وقد انملست ركبته لكثرة البروك عليها
وأخبث الـنـاس أصـلا في أخبثِ الأرضِ تربهْ
وأرخص الـنـاس أمـا تبيع الـفـا بـحـبـهْ
كل الفـعـول سـهـامٌ لمريمٍ وهي جـعـبـهْ
وما على من بـه الـدا ء من لقـاء الأطـبـهْ
ولـيس بـين هـلـوكٍ وحرةٍ غيرُ خـطـبـهْ
يعني أن الذين يأتونه كالآطبة له ومن به داء فعالجه بدوائه لم يعب به يهون عليه ما يسبه به من الأمر القبيح استجهالا له وكذلك قوله وليس بين هلوك البيت أي الفاجرة كالحرة المخطوبة إلى أهلها لا فرق بينهما إلا الاستحلال بالخطبة
يا قاتلاً كل ضيفٍ غناهُ ضيحٌ وعلبهْ
الضيح اللبن الممزوج بالماء والعلبة اناء من جلود يشرب فيه اللبن قال ابن جنى يقول إذا نزل بك ضيف ضعيف قتلته وأخذت ما معه فكيف تفعل بالإغنياء قال ابن فورجة ليس في البيت ما يدل على أنه يأخذ ما معه ولو كان المراد أخذ ما معه لسلبه دون أن يقتله والمعنى أنه بخيل يقتل الضيف القليل المؤنة لئلا يحتاج إلى قراه وهذا على ما قاله ابن فورجة لأنه يصفه بالغدر يريد أنه يقتل ضيفا شعبه قليل ضيحٍ في علبة لئلا يحتاج إلى سقيه ذلك القدر
وخوف كـل رفـيقٍ أباتك الليل جنـبـه
كذا خلقت ومـن ذا ال ذي يغـالـبُ ربـهْ
ومـن يبـالـي بـذم إذا تعود كـسـبـهْ
أما ترى الخيل في النخ ل سربةً بعد سربـهْ
على نسائك تـجـلـو أيورها منذ سنـبـهْ
وهن حولك ينـظـر نَ والأحيراح رطبهْ
وكل غرمولِ بـغـلٍ يرين يحسدن قنـبـهْ
فسـل فـؤادك يا ض ب أين خلف عجبـهْ
السربة الجماعة من الخيل والسنبة القطعة من الزمان والقنب وعاء القضيب يقول لضبة سل قلبك أين ترك ما كان فيه من العجب والأعجاب يعني حين أنجحر عنه وعن أصحابه وتحصن وهم يواجهونه بالشتم والقبيح من القول
وإن يخنك فعمـري لطالما خان صحبهْ
يقول أن خانك العجب فكثيرٌ من المعجبين بأنفسهم لم يبق معهم العجب واذلهم الزمان وروى ابن جنى وإن يجبك من الإجابة وكان أيضا خطأ في الرواية فإن العجب واحد والصحب جماعة أي كل يجب أن يقول على روايته لطالما كان صاحبه
وكيف ترغبُ فيه وقد تبينت رعبهْ
ما كنت إلا ذبابـا نفتك عنه مذبهْ
أي كيف تريد العجب وقد علمت شؤمه وكنت كالذباب نفتك المذبة عن العجب وقال ابن جنى أي بقيت بلا قلب قال ابن فورجة ظن إن الهاء راجعة إلى القلب وذلك باطل والهاء راجعة إلى العجب
وكنت تنـخـر تـيهـا فصرت تضرط رهبهْ
يعني حين لجأ منهم إلى الحن هرباً منه ومن اصحابه
وإن بعدنـا قـلـيلا حملت رمحا وحربه
وقلت ليت بـكـفـي عنانَ جرداء شطبهْ
أي إذا رحلنا عنك عاودك العجب وحملت السلاح لقولهم كلُّ مجرٍ في الخلاء يسرّ
إن أوحشتك المعالي فإنها دار غربـهْ
أو آنستكَ المخـازي فإنها لك نسـبـهْ
وإن عرفت مرادي تكشفت عنك كربهْ
قال ابن جنى يقول أنت مع ما أوضحته من هجائك غير عارف به لجهلك فإذا عرفت أنه هجاء زالت عنك كربةٌ لمعرفتك إياه وهذا كلام من لم يعرف معنى البيت وليس المراد ما ذكر ولكنه يقول مرادي أن أذكر ما فيك من البخل والغدر بالضيف فإن عرفت مرادي سررت بما قلته لأنه لا يقصدك آخر بعد ما بينت من صفاتك بسؤالٍ ولا طلبِ قرى
وإن جهلت مرادي فإنه بك أشبـهْ
وقال يمدح دلار بن كشكروز وكان قد أتى الكوفة لقتال الخارجي الذي نجم بها من بني كلاب وانصرف الخارجي قبل وصول دلار إلى الكوفة
كدعواك كل يدعى صحة الـعـقـلِ ومن ذا الذي يدري بما فيه من جهلِ
يقول للعاذلة كل واحد يدعى صحة عقله كدعواك يعني أنك بلومك إياي تدعين أنك أصح عقلا مني وليس يعلم أحد جهل نفسه لأنه لو علم جهل نفسه لم يكن جاهلا
لهنـك أولـى لائمٍ بـمـلامةٍ وأحوج ممن تعذلين إلى العذل
لهنك فيه قولان قال سيبويه أصله لله إنك وقال أبوزيل لإنك فأبدلت الهمزة هاء لئلا يجتمع حرفان للتوكيد اللام وإن بينهما في هذا كلام واحتجاج ذكرته في الأعراب يقول أنت أولى بالملامة وأنت أحوج إلى العذل مني لان من أحببته لا يلام على حبه
تقولين ما في الناس مثلك عاشـقٌ جدي مثل من أحببته تجدي مثلي
نصب مثلك على الحال من عاشق لأن وصف النكرة إذا قدم عليها نصب على الحال منها يقول لها إن وجدت لمحبوبي مثلا في الحسن وجدت لي مثلا في العشق يعني كما أنه بغير مثل كذلك أنا
محب كنى بالبيض عن مرهفـاتـهِ وبالحسن في أجسامهن عن الصقلِ
يقول أنا محب إذا ذكرت البيض أردت بها السيوف وإذا ذكرت حسنها كنيت به عن صقل السيوف
وبالسمر عن سمر القنا غير أنني جناها أحبائي وأطرافها رُسلي
أي وأكنى أيضا بالسمر عن الرماح السمر ويعني بجناها ما يجتني منها من المعالي التي يرتقي إليها بالعوالي يقول فالمعالي هي احبائي ورسلي التي تتردد بيني وبينها الأسنة يريد أني أخطب المعالي بالرماح
عدمت فؤادا لم تبت فيه فضـلةٌ لغير الثنايا الغر والحدق النجلِ
دعا على قلبٍ يميل إلى الحسان بالعدم يقول لا كان لي قلبٌ لا فضل فيه لغير حب ثنايا الحسان واحداقهن
فما حرمت حسناء بالهجرِ غبـطةً ولا بلغتها من شكا الهجر بالوصلِ
يقول المرأة الحسناء إذا هجرت لم تحرم المهجور غبطةً لأنها لو واصلته ما بلغته الغبطة أيضا ومن شكا الهجر هو العاشق وهو مفعولٌ ثان لبلغت أي وإن وصلته لم تبلغه غبطةً
ذرينـي أنـل مـا لا ينـال مـن الـعـلـي فصعبُ العليَ في الصعبِ والسهلِ في السهلِ
يقول للعاذلة دعيني من لومك أنل من العلي ما لم ينل قبلي فإن العلي الصعبة وهي التي لم يبلغها أحد في الأمر الصعب الذي لم يركبه أحد وما سهل وجوده سهل الوصول إليه
تريدين لقيان المعالـي رخـيصةً ولا بد دون الشهد من إبرِ النحلِ
قرىء على المتنبي لقيان بضم اللام وكذلك أملاه وهو خطأ والصواب كسره ذكر سيبويه وقال هو مثل العرفان والغشيان والريمان والحرمان والوجدان والإتيان ونحو ذلك ذكره الفراء في كتاب المصادر يقول للعاذلة تريدين أن أملك المعاليَ رخيصةً ومن اجتنى الشهد قاسى لسع النحل ولا يبلغ حلاوة العسل إلا بمقاساة مرارة اللسع وهذا كما قال العتابي، وإن جسيمات الأمور مشوبةٌ، بمستودعاتٍ في بطونِ الأساودِ،
حذرت علينا الموت والخيل تدعى ولم تعلمي على أي عاقبةٍ تجلى
يقول تخافين الموت علينا عند التقاء الخيول ولم تعلمي أن الدبرة تكون علينا أو عليهم ومعنى تجلى تنكشف يقال أجلت المعركة عن كذا قتيلا
ولست غبينا لو شريت منيتـي بإكرامِ دلارِ بن كشكروزٍّ لي
دلار وكشكروز أسمان عجميان من أسماء الديلم وهما الشجاع والمسعود بالعربية يقول لم أغبن بأن حصلتُ لنفسي أكرام الممدوح لو بمنيتي
تمر الأنابيب الخواطرُ بيننـا ونذكرُ إقبالَ الأميرِ فتحلولي
يقول الرماح الخاطرة بيننا وبين أعدائنا تصير مرا علينا يريد أن الحرب شديد الحرارة فإذا ذكرنا إقبال الأمير صارت حلوا لنا لأنا نظفر على الأعداء بدولته وإقباله وعند بعض الناس لا يجوز هذه الواو في هذه القافية وقال خطأ أن يجمع بين تجلى وتحلولي في القافية وليس كذلك لأن الواو والياء إذا سكنتا وانفتح ما قبلهما جرتا مجرى الصحيح مثل القول والمين وكذلك إذا انفتحتا وسكن ما قبلهما مثل أسود وأبيض وهذا مثل قول الكسعي، يا ربٍّ وفقني لنحتِ قوسي، فإنها من أربي لنفسي، وانفع بقوسي ولدي وعرسي، وقد قال البحتري، إن سير الخليط حين استقلا، ثم قال في هذه القصيدة، كنت من بين البرايا به أحق وأولى، وقال ابن جنى هذه قافية فيها فساد وذلك أن الواو في تحلولي ردفٌ لأنها ساكنة قبل حرف الرويّ وليس في هذه القصيدة قافية مردفة غير هذه وهذا عيبٌ عندهم إلا أنه جاء في الشعر القديم، إذا كنت في حاجةٍ مرسلاً، فأرسل حكيما ولا توصهِ، وإن باب أمرٍ عليك التوى، فشاور لبيباً ولا تعصهِ،
ولو كنتُ أدري أنها سبـبٌ لـه لزادَ سروري بالزيادةِ في القتلِ
ولو كنت أعلم أن الحادثة والفتنة سببٌ لمجيئه إلينا لزاد سروري بزيادة الفتنة
فلا عدمت أرض العراقينِ فـتـنةً دعتك إليها كاشف الخوف والمحلِ
يقول لا خلت أرض العراق من فتنةٍ تكون سببا لورودك وداعيةً إياك كاشفا لما فيها من الخوف والجدب
ظللنا إذا انبى الحديدُ نـصـولـنـا نجردُ ذكرا منك أمضى من النصلِ
يقول إذا لم تنفذ نصولنا على أسلحة الأعداء ذكرناك فنفذت عليهم بدولتك وكان ذكرك أمضى من النصل وأنبى أي جعله نابيا
ونرمي نواصيها من أسمك في الوغى بأنفذ من نشابنـا ومـن الـنـبـلِ
فإن تكُ من بعدِ القـتـالِ أتـيتـنـا فقد هزم الأعداء ذكرك من قـبـلِ
جعل قبلا نكرةً فأعربها وكسرها كما قال الآخر، وساغَ لي الشرابُ وكنتُ قبلا، أكاد أغصُّ بالماء الحميمِ،
وما زلت أطوي الأرض قبل اجتماعنا على حاجةٍ بين السنابكِ والسـبـلِ
يقول ما زلت أضمر زيارتك وقصدك قبل هذا الإجتماع وكان ذلك حاجةً لا تحصل إلا بقطع المسافة فهي حاجة بين سنابك الخيل والسبل
ولو لم تسر سرنا إليك بـأنـفـسٍ غرائبَ يؤثرن الجيادَ على الأهل
يقول لو لم تسر إلينا لسرنا إليك بأنفسٍ هي غريبة بين الناس بما فيها من الأخلاق التي لا توجد في غيرها ثم ذكر من صفاتها أنها تؤثر السفر على الحضر والتعب على الدعة تحصيلا للذكر والشرف
وخيلٍ إذا مرت بوحشٍ وروضةٍ أبت رعيها إلا ومرجلنا يغلي
أي وبخيل سابقة طاردة للوحوش لا ترعى الرياض قبل صيد وحشها فإذا مررنا بروضة صدنا بها الوحش ونصبنا المرجل ثم رعت خيلنا والمعنى أن الكلال لم يصبها فيمنعها عن صيد الوحش بعد قطع المرحلة وهذا من قول امرىء القيس، إذا ما ركبنا قال ولدانُ أهلنا، تعالوا إلى أن يأتي الصيد نحطبِ،
ولكن رأيت القصدَ في الفضل شركة فكان لك الفضلان بالقصدِ والفضلِ
يقول رأيت أن بقصدنا شركةً في الفضل فحصل لك فضلان فضل تتفرد به دون الناس وفضلٌ كسبته بقصدنا
وليس الذي يتبع الـوبـل رائداً كمن جاءه في دارهِ رائدُ الوبلِ
يتبع اصله يتتبع فأكسن التاء الأولى وادغمها في الثانية ومثله أطير وأثاقل ورائد الوبل مقدمته يقول ليس من يطلب الوبل كمن مطر وهو في داره يريد أنهم بسبب اتيانه إليهم صاروا كالممطور ببلدته لا يتعنى بالريادة وطلب الموضع الممطور والمعنى ليس من يقصد الخير كمن يأتيه الخير عفوا بلا قصد ولا تعب
وما أن ممن يدعي الشوق قلبـهُ ويحتج في ترك الزيارة بالشغلِ
يقول لست كمن يدعي الشوق ثم لا يزور ويحتج بالعائق عن الزيارة يعني أن المدعي للشوق إذا كان بهذه الصفة كان كاذبا في دعواه لأن من عالج الشوق زار ولم يستبعد الدار
أرادت كـلابٌ أن تـفـوز بـدولةٍ لمن تركت رعى الشويهات والإبلِ
يقول طلبوا الإمارة وهم رعاة الإبل والغنم فغذا طلبوا الإمارة فمن لها يعني أنهم ليسوا بأهلٍ لما طلبوه
أبى ربها أن يترك الوحش وحدهـا وأن يؤمن الضبَّ الخبيثَ من الأكلِ
يقول أبى الله أن يعطيهم الإمارة ويأمن الوحش من الصيد والضب من الأكل أي أنهم أهل البوادي وشأنهم طلب الوحوش وصيد الضباب الخبيثة المطعم ويأبى الله لهم إلا هذا
وقاد لها دلار كـل طـمـرةٍ تنيف بخديها سحوقٌ من النخلِ
يقول قاد لقتال كلاب كل فرس وثابة طويلة العنق كأنما ترفع خدها من طول عنقها نخلةٌ سحوق وهي الطويلة وهذا من قول الآخر، وهاديها كأن جذع سحوق،
وكل جوادٍ تلطـم الأرض كـفـهُ بأغنى عن النعل الحديد من النعلِ
وكل فرس جواد يضرب الأرض بحافر مستغنٍ عن النعل بصلابة خلقته كما يستغني النعل عن النعل وسمى حافره الكف استعارةً من الإنسان كما يستعار للإنسان الحافر أيضا من الفرس في قول من قال، فما رقد الولدان حتى رأيته، على البكر يرميه بساقٍ وحافرِ،
فولت تريغ الغيث والغيث خلفـت وتطلب ما قد كان في اليد بالرجلِ
تريغ تطلب قال ابن جنى أي لو ظفرت بالكوفة وما قصدت له لوصلت إلى تناول الغيث باليد عن قريب قال أبو الفضل العروضي فيما أملاه عليّ هذا تفسير من لم يخطر البيت بباله لأنه ظاهر على المتدبر إنما يقول قد كانوا في أمن ونعمة وشبه ما كانوا فيه بالغيث فاستزادوا طلب الملك وجاؤوا محاربين فهزموا فلما تولوا هاربين قصدوا بأرجلهم ما كان في أيديهم من مواطنهم ونعمتهم فذلك قوله وتطلب ما قد كان في اليد بالرجل وقال ابن فورجة يعني أنها كانت في غيث من إقطاع السلطان وإنعامه فلما عصوا وحاربوا ثم انهزموا وولوا هاربين يطلبون مأمنا وحصنا وقد خلفت أمنا كان حاصلا لها وتطلب بأرجلها ما كان في أيديها أي تطلب بهربها وأغذاذها على أرجلها ما كان حاصلا في أيديها
تحاذر هزل المال وهي ذلـيلةٌ وأشهد أن الذل شرٌّ من الهزلِ
يقول يحاذرون الهزل على نعمهم وهم قد ذلوا بالقتل والهزيمة وما لحقهم من الذل شرُّ مما يحاذرون على أموالهم من الهزال
وأهدت إلينا غير قـاصـدةٍ بـه كريم السجايا يسبق القول بالفعلِ
أي لما كانوا سببا في إتيان هذا الممدوح جعلهم مهدين إياه إليهم وإن لم يقصدوا ذلك وعني بالكريم السجايا الممدوح
تتبع آثار الرزايا بجوده تتبع آثار الآسنة بالفتلِ
يعني أنه جبر أحوال الناس وأصلح ما لحقهم من الرزايا والخسران بسبب غارة بني كلاب وأسى جرحهم كما يؤسى جرح الأسنة بالفتائل
شفى كل شاكٍ سـيفـهُ ونـوالـهُ من الداء حتى الثاكلات من الثكلِ
يقول أدرك ثار الناس وشفاهم من الحقد بسيفه حتى شفى الوالدات اللاتي قتل اولادهن من ثكلهن
عفيف تروق الشمس صورة وجههِ ولو نزلت شوقا لحادَ إلى الظـلِ
يقول الشمس تستحسن صورة وجهه فلو نزلت إليه الشمس شوقا إليه المال عنها وعف يريد أنه عفيف عن كل أنثى حتى عن الشمس لو نزلت إليه لحقت معنى العفة
شجاع كأن الحرب عاشقة لـه إذا زارها فدته بالخيل والرجل
يقول هو شجاع وكان الحرب تعشقه وتحبه فإذا أتى الحرب استبقته وأفنت من سواه من الفرسان والرجال فكأنها جعلتهم فداء له وهذا بدائع أبي الطيب ومما لم يسبق إليه
وريان لا تصدي إلى الخمر نفسه وعطشانُ لا تروي يداه من البذل
يريد أنه لا يشرب الخمر كأنه مرتو منها لا يعطش إليها ولا يفتر عن البذل فكأنه عطشانُ لا يروى من الخبر عن يداه خبر عنه فإذا لم يرو جوده من البذل لم يرو هو
وتمليك دلار وتعظيم قدره دليل بوحدانية الله والعدلِ
يقول ملكه وعظم قدره يشهد بوحدانية الله تعالى ورأفته بخلقه حين ملك عليهم من هو عفيف محسن إلى الخلق
وما دام دلار يهـز حـسـامَـهُ فلا ناب في الدنيا لليثٍ ولا شبلِ
قال ابن جنى أي لا تعمل انياب الأسد ما يعمل سيفه في كفه فكأنها ليست موجودة وليس المعنى ما ذكره إنما يقول ما دام قائم سيفه في كفه لم يتسلط أسد على فريسة لأنه يصده بسيفه عن أن يعدو على الناس
ومـا دام دلار يقـلـب كـفـــهُ فلا خلق من دعوى المكارمِ في حلِّ
وما دام هو يحرك يده في البذل لم يحل لأحد دعوى المكارم لأنه لا يجود احد جوده
فتى لا يرجى أن تتـم طـهـارةٌ لمن لم يطهر راحتيه من البخـل
فلا قطع الرحمنُ أصلا أتـى بـه فإني رأيت الطيب الطيب الأصلِ
وقال يمدح أبا الفضل محمد بن الحسين بن العميدي وورد عليه بأرجان
بادٍ هواك صبرت أم لم تـصـبـرا وبكاك عن لم يجر دمعك أو جرى
أراد تصبرن بالنون الخفيفة فوقف عليها بالألف نحو، ولا تعبد الشيطان والله فاعبدا، ومثله كثير يقول يظهر حبك للناس صبرت عليه أو لم تصبر لأنه لا يطيق أحد كتمان الحب ويظهر بكاؤك جرى دمعك أو لم يجر فإن قيل كيف يظهر البكاء إذا لم يجر الدمع قيل عني ما يبدو في صوته من نغمة الحزن والزفير والشهيق والتهيؤ للبكاء ويجوز أن يكون البكاء عطفا على الضمير في صبرت كأنه يقول صبرت وصبر بكاؤك فلم يجر دمعك أو لم تصبر فجرى دمعك وحكى ابن فورجة أن أبا الطيب قيل له خالفت في هذا البيت بين سبك المصراعين فوضعت في المصراع الأول ايجابا بعده نفيٌ وفي الثاني نفيا بعده ايجاب فقال لئن كنت خالفت بينهما من حيث اللفظ فقد وفقت بينهما من حيث المعنى وذلك أن من صبر لم يجر دمعه ومن لم يصبر حرى دمعه يعني أنه أراد صبرت فلم يجر دمعك أو لم تصبر فجرى
كم غر صبرك وابتسامك صاحباً لما رآك وفي الحشا ما لا يرى
يخاطب نفسه يقول ابتسامك الظاهر يغر الناظر إليك لأنه يرى ضحكا ظاهرا ولا يرى ما في الباطن من الاحتراق والوجد
أمر الفؤاد لسانه وجـفـونـه فكتمنه وكفى بجسمك مخبرا
القؤاد في الجدس بمنزلة الملك فلهذا جعله آمرا للسان والجفن يول أمر القلب اللسان بالكتمان والجفن بإمساك الدمع فأطعنه في الكتمان غير أن جسمك بالنحول دل على ما في قلب وهذا من قول الآخر، خبري خذيه عن الضني وعن الأسى، ليس اللسان وإن تلفت بمخبرِ، والهاء في كتمنه عائد على ما لا يرى
تعس المهارى غير مهريٍّ غدا بمصورٍ لبس الحرير مصورا
دعا بالتعس على ركائب الأظعان غير واحد منها غدا بحبيب كأ،ه في حسنه صورة وعليه ثوب منقش بالصور
نافستُ فيه صورةً في سترهِ لو كنتها لخفيت حتى يظهرا
يقول حسدت لأجل الحبيب المصور صورةً في ستر هودجه لقربها منه ولو كنت تلك الصورى لخفيت حتى يظهر ذلك الإنسان لرأي العين وذلك أنّ كل أحد يحب أن يراه ودونه ستر يقول لو كنت ذلك الستر لأنكشفت حتى يظهر فأراه ويزول الحجاب وذكر بعض الناس بهذا تفسيرا متكلفا فقال المعنى أنه يقول لو كنت ذلك الستر لكنت سترا من عدم فكان يظهر المصور يصف قلته ونحوله
لا تتربِ الأيدي المقيمة فوقـهُ كسرى مقامَ الحاجبين وقيصرا
لا تترب أي لا تفتقر يقال ترب إذا افتقر وصار إلى التراب فقرا وكسرى لقب ملوك العجم يقوله الكوفيون بكسر الكاف والبصريون بفتح الكاف وكانت صورة هذين على الستر كأنهما أقيما مقام الحاجبين يحجبان هذا المصور ودعا للايدي التي نسجت ذلك الستر وصورت الملكين عليه بأن لا تترب
يقيان في أحد الهوادج مـقـلةً رحلت وكان له فؤادي محجرا
يقول كلاهما يدفعان ويصرفان السوء من الغبار وحر الهواء وحر الشمس عن مقلة في أحد الهوادج يعني هودج الحبيب وكنى عنه بالمقلة لعزته وجعل فؤاده محجرا لتلك المقلة والمعنى أنها كانت ضياء قلبي بمنزلة عين القلب فلما ارتحلت عني عمي قلبي والتبس عليّ أمري وفقدت ذهني كمقلةٍ ذهبت وبقي المحجر
قد كنت أحذر بينهم من قبـلـهِ لو كان ينفع حائنا أن يحـذرا
ولو استطعت إذا اغتدت روادهمْ لمنعتُ كل سحابةٍ أن تقطـرا
يقول لما بعثوا الرواد لطلب الكلاء والماء لو قدرت لمنعت السحاب أني مطر لئلا يجدوا ماء وكلاء يرتحلون إليهما للانتجاع
فإذا السحاب أخو غرابِ فراقهمْ جعل الصياح ببينهم أن يمطروا
هذا كلام فيه حذف لا يتم المعنى دون تقديره كأنه قال لمنعت كل سحابة أن تمطر لأني تأملت الحال فإذا السحاب الذي هو أخو الغراب في التفريق بعدم عنا جعل السحاب أخا الغراب لأنه سبب الافتراق عند الانتجاع وتتبع تساقط الغيث في الربيع كعادة أهل العير السيارة ولما جعله أخا الغراب جعل المطر كصياح الغراب كما أن صياح الغراب سبب للافتراق على زعمهم كذلك سقوط الغيث من السحاب سبب للارتحال في تتبع الغيث والسحاب في قوله فإذا السحاب مبتدأ وأخو غراب فراقهم نعت له والخبر في قوله جعل الصياح
وإذا الجمائل ما يخدن بنفنفٍ إلا شققن عليه ثوبا أخضرا
الجمائل جمع جمالة وهي الجمال الكثيرة وروى ابن جنى الحمائل بالحاء جمع حمولة وهي الإبل يخمل عليها والنفنف الأرض الواسعة يقول إذا سارت الركاب في أرض وهي مخضرة بالكلاء بدت عليها آثار سيرها فكأنها شقت ثوبا أخضر والمعنى أنهم فارقونا أيام الربيع عند خضرة النبات
يحملن مثل الروض إلا أنها أسبى مهاةً للقلوب وجوذرا
يقول هذه الركاب تحمل من الهوادج ومراكب النساء التي زينت بالأنماط مثل الروض في تلون أزهارها إلا أن ما تحمله الركاب من مهاها وجؤذرها أسبى لقلوب الرجل من مها الرياض وجآذرها وروى ابن جنى إلا أنه كنايةً عن المثل والناس يروون أنها لان مثل الروض روٌ
فبلحظها نكرت قناتي راحتـي ضعفاً وأنكر خاتماي الخنصرا
بلحظها أي بنظري إليها أضاف المصدر إلى المفعول يقول بسبب نظري إليها صرت ضاويا مهزولا حتى أنكرت قناتي يدي وخاتمي خنصري ضعفا وقلة لحم
أعطى الزمان فما قبلت عطاءه وأراد لي فأردت أن أتخـيرا
يقول لم أقبل عطاء الزمان ترفعا وبعد همة أي أردت عطاءك دون عطاء الزمان وأراد الزمان لي أن أقصد سواك فأردت اختيارك والمعنى أن الزمان أراد أن يسترقني بإحسانه فأبيت ذلك واخترتك على الزمان فأنك إذا ملكتني ملكتُ الزمان بما فيه
أرجان أيتهـا الـجـيادُ فـإنـهُ عزمي الذي يذرُ الوشيج مكسرا
هو أرجان مشددة الراء اسم بلد بفارس إلا أنه خفف لأنه اسم عجمي يقول لخيله اقصدي هذه البلدة فأني عزمت على قصدها بعزم قوي يكسر الرماح بقوته والمعنى أن الرماح لا تعوقني عن هذه العزيمة
لو كنت أفعل ما اشتهيت فعالـهُ ما شق كوكبك العجاج الأكدرا
يقول لخيله لو فعلت ما تريدين ما ركضتك في الغبار المظلم يعني أن الخيل تريد الجمام والراحة وهو يتبعها في الأسفار وكوكب الخيل جماعتها المجتمعة
أمي أبا الفضلِ المبر أليتي لأيممن أجل بحرٍ جوهرا
أي أقصدي هذا الممدوح الذي يبر قسمي إذا أقسمت أن اقصد أجل البحار جوهرا أي إذا قصدته برت يميني
أفتى برؤيته الأنام وحـاش لـي من أن أكون مقصرا أو مقصرا
يقول افتاني الناس كلهم في إبرار هذه اليمين برؤيته وقصده وأعوذ بالله أن أقصر في إبرار هذا القسم أو أقصر عنه فإني إذا فعلت ذلك كنت شاقا لعصا الإجماع لن الإجماع على أن قسمي لا تبر إلا برؤيته يقال قصر عن الشيء إذا تركه عجزا وأقصر عنه إذا تركه قادرا عليه
صغت السوار لأي كفٍّ بشرتْ بابنِ العميد واي عبدٍ كـبـرا
يقول أي كف أشارت إلى ابن العميد فبشرتني به فلها عندي السوار وكذلك أي عبد من عبيدي كبر عند وقوع بصره على بلده وعلى داره سرورا ببر قسمي
إن لم تغثني خيلـه ورمـاحـهُ فمتى أقود إلى الأعادي عسكرا
هذه إشارة إلى أنه يمده بالمال والعبيد فيقدر بذلك على محاربة الأعداء وعادة المتنبي طلب الولايات ممن يمدحه لا طلب الصلات
بأبي وأمي ناطق في لفظـهِ ثمن تباع به القلوب وتشترى
يقول لفظه لحلاوته ثمن للقلوب يعني أنه يملك القلوب بحالاوة لفظه فيتصرف فيها كما يريد بصفة البلاغة وإن شئت قلت أن الفاظه عزيزة تجعل القلوب أثمانا لها لم توجد بغيرها وقوله تباع وتشترى أي الناس يبيعون وهو يشتريها فيصير مالكا لها وإن شئت جعلت الشراء بيعا فيكون مكررا بلفظين معناهما واحدٌ
من لا تريه الحرب خلقاً مقبلا فيها ولا خلقٌ يراه مدبـرا
أي لا يقبل إليه أحد في الحرب تهيبا له ولا يدبر هو عن قرنِ
خنثى الفحول من الكماة بصبغهِ ما يلبسون من الحديد معصفرا
خنثى الفحول جعلهم كالمخنثين يقال خنثى يخنثى خنثاةً وهذا رواية ابن جنى وابن فورجة وروى غيرهما خنث الفحول أي انكسروا عند اعماله الضرب فيهم والأولى أجود لأنه ذكر صبغة لباسهم والثوب المعصفر المصبوغ من ثياب النساء وذوي التخنيث
يتكسب القصب الضعيف بكفـهِ شرفاً على صم الرماحِ ومفخرا
روى ابن جنى بخطه يقول قلمه أشرف من الرماح لأن كفه تباشره عند الخط فيحصل له الشرف والفخر على الرماح التي لم يباشرها بكفه
ويبين فيما مس منه بنـانـهُ تيه المدل فلو مشى لتبخترا
يقول كل شيء مسه ببنانه ظهر فيه الكبر حتى لو مشى ذلك الشيء لتبختر تشرفا بمسه إياه
أ من إذا ورد البـلاد كـتـابـهُ قبل الجيوش ثنى الجيوش تحيرا
يقول كتابه يعمل عمل الجيش فإن من ورد عليهم كتابه يتحيرون في حسن لفظه وبدائع معاني كلامه فيستعظمونه فينصرفون أو أنه يسحرهم ببيانه فينصرفون عنه حين عمل فيهم كلامه عمل السحر
أنت الوحيد إذا ارتكبـت طـريقةً ومن الرديف وقد ركبت غضنفرا
يقول أنت فرد الطريقة في كل أمر تقصده لا يقدر أحد أن يقتدي بك في طريقتك كراكب الأسد لا يقدر أحدٌ أن يكون رديفا له وعلى هذا القول الغضنفر مركوب ويجوز أن يكون حالا للممدوح يقول لا يقدر أحد أن يكون رديفا لك فإنك غضنفر
قطف الرجال القول قبل نباتهِ وقطفت أنت القول لما نورا
يقول أقوال الناس كالثمر تقطف قبل ينعها وإدراكها وقولك كالنبات المتناهي في نبته يعني أنه تام بالغ في فيه عذب الكلام والنبات إذا نور فهو غاية تمامه ومعنى قوله قبل تمام نباته فحذف المضاف ويروي وقت نباته
فهو المشيع بالمسامعِ إن مضـى وهو المضاعف حسنهُ إن كررا
يقول الأسماع تتبع قولك إذا مضى حبا له وشغفا به وإذا كرر إزداد حسنه وإنما قال هذا لأن الكلام إذا أعيد سمج وإذا تكرر تكرد وكلام الممدوح يتضاعف حسنه عند التكريم وهذا منقول من أبي نواس يزيدك وجهه حسنا، إذا ما زدته نظراً،
وإذا سكت فإن أبلغ خاطبٍ قلمٌ لك اتخذ الأصابعَ منبراً
أي أن قلمه إذا ركب أصابعه في كتابه كان أبلغ خاطب عند سكوت الممدوح
ورسائل قطع العداة سحاءها فرأوا قناً وأسنةً وسنـورا
هذا البيت كالتفسير لقوله ثنى الجيوش تحيرا يقول الأعداء إذا قطعوا سحاء كتبك ورسائلك رأوا من بلاغتك وجزالة ألفاظك ما يقتلهم غيظا وحسدا وييأسون معه من الإقتدار عليك فيقوم لذلك مقام السلاح في دفع الأعداء ومثل هذا ما يحكي أن الرشيد كتب في جواب كتاب ملك الروم قرأت كتابك والجواب ما تراه لا ما تقرأه فأنظر إلى هذا اللفظ الوجيز كيف يملأ الأحشاء نارا، ويدع القلوب أعشارا، ويشعر النفوس حذارا، ويعقب إقدام ذوي الأقدام نكوصا وفرارا، والسنور الحديد والدروع
فدعاك حسدك الرئيس وأمسكـوا ودعاك خالقك الرئيس الأكبـرا
خلفت صفاتك في العيون كلامهُ كالخطِ يملأ مسمعي من أبصرا
يقول الصفات الشريفة التي خصك الله بها تخلف كلام الله تعالى في الدلالة على أنك أفضل الناس فصار كأنه دعاك الأكبر قولا من حيث دعاك فعلا كالخط فإن من كاتب كمن شافه وخاطب ومن علم أنك مستحق عند الله لأن تسمى الرئيس الأكبر
أرأيت همةَ ناقتي فـي نـاقةٍ نقلت يداً سرحاً وخفا مجمراً
السرح السهلة السير المجمر من صفة الخف الصلب انشد الكسائي، أنعتها إني من نعاتها، مدراةُ الأخفاف مجمراتها، ويقال أيضا مجمر أي خفيف سريع من قولهم أجمرت الناقة إذا أسرعت قال الأستاذ أبو بكر الخوارزمي في قوله خفا مجمرا أراد خفا خفيفا فلم يوافقه اللفظ ولو وافقه لكان تجنيسا ظاهرا وإذا لم يوافقه فهو تجنيسٌ معمي كقول الشماخ، وما أروي وإن كرمت علينا، بأدني من موقفةٍ حرون، أراد أن يقول بادني من أروى فلم يساعده اللفظ فعدل عن الفظ الأروى إلى صفتها وهو يديدها ومعنى البيت أنه أخبر عن علو همة ناقته حين قصدته وهو اخبار عن علو همة نفسه لأنه يحمل ناقته على السير ثم ذكر علو همتها
تركت دخان الرمث في أوطانها طلباً لقومٍ يوقدون العنـبـرا
الرمث نبت يوقد به أي تركت الأعراب ووقودهم وأتت قوما وقودهم العنبر وهذا من قول البحتري، نزلوا بأرض الزعفران وجانبوا، أرضا ترب الشيح والقيصوما،
وتكرمت ركباتها عن مبـركٍ تقعان فيه وليس مسكاً أذفرا
يقول تكرمت ناقتي عن أن تبرك إلا على المسك الأذفر وهو الشديد الرائحة يردي أن العنبر بحضرة الممدوح يوقد به والمسك ممتهن عنده بحيث يبرك عليه البعير والركبات جمع ركبة وهذا جمع أريد به الإثنان كقوله تعالى فقد صغت قلوبكما وكقول الشاعر، ظهراهما مثل ظهور الترسن، وهو كثير وذلك أن أول الجمع إثنان فجاز أن يعبر عنهما بلفظ الجمع لما كانا جمعا فيدل على أنه أراد بلفظ الجمع الاثنين أنه لما أخبر كما يخبر عن الأثنين بقوله تقعان
فأتتك دامية الأظل كـأنـمـا حذيت قوائمها العقيق الحمرا
الأظل باطن خف البعير وحذيت جعل لها حذاء وهو النعل يقول أتتك الناقة وقد دميت خفافها لطول السير وحزونة الطريق حتى كأنها أحتذت العقيق الأحمر كما قال الآخر، كان أيديهن بالموماة، أيدي جوارٍ بتنَ ناعماتِ، أي تخضبت بالدم خضاب هؤلاء الجواري
بدرت إليك يد الزمانِ كأنهـا وجدته مشغول اليدين مفكرا
يقول سبقت إليك العوائق وصروف الزمان فكأنها وجدت الزمان مشغولا عنها فانتهزت الفرصة في قصدك فإن الزمان موكلٌ صروفه بدفع الخيرات
من مبلغ الأعراب أني بعدهـا شاهدت رسطليس والإسكندرا
يقول من الذي يبلغ الأعراب أني بعد أن فارقتهم رأيت عالما هو في علمه وحكمته مثل أرسطاليس وملكا هو ي سعة ملكه كالأسكندر ورسطاليس أسم رومي لما أراد استعماله حذف بعضه فإن العرب تجترىء على استعمال الاعجمية فإن أمكن نقلها إلى أوزانهم نقلوها وإن لم يمكن نقلها حذفوا بعضها ومثل هذا الأسم في كثرة حروفه لا يوجد في كلام العرب
ومللت نحر عشارها فأضافـنـي من ينحر البدر النضار لمن قرى
يقول مللت في صحبة الأعراب نحو الإبل ولحومها فأضافني من يجعل قراه بدر الذهب وهذا من قول البحتري، ملك بعالية العراق قبابهُ، يقرى البدور بها ونحن ضيوفهُ، وإنما استعمل النحر في البدر لذكره نحر العشار ومعنى نحر البدر فتحها لأعطاء ما فيها من الذهب
وسمعت بطليموس دارسَ كتبهِ متملكا متبديا متـحـضـرا
بطليموس حكيم من حكماء الروم صنف كتاب في الطب والحكم وابن العميد كان أيضا حكيما عالما قد جمع بين أفعال الملوك وفصاحة البدو وظرافة الحضر يقول سمعت من ابن العميد وهو يدرك كتب نفسه في حال جمعه بين الملوكية والبدوية والحضرية وبطليموس هو ابن العميد سماه بهذا للمشابهة بينه وبين هذا الحكيم ونصب دارس كتبه على الحال وكذلك ما بعده ويجوز أن يريد أنه سمع من ابن العميد ما عفا ودرس من كتب بطليموس لأنه أحياه بذكاء فطنته وجودة قريحته ويكون التقدير سمعت دارس كتب بطليموس ولكنه قدم ذكره ثم كنى عنه ويجوز أن يكون دارس كتبه مفعولا ثانيا كما تقول سمعت زيدا هذا الحديث
ولقيت كل الفاضلين كأنـمـا رد الإله نفوسهم والأعصرا
يقول عصر وأعصرٌ وعصورٌ يقول لقيت بلقائه كل من كان له فضل علم فكأن الله تعالى أحياهم ورد زمانهم حتى لقيت كلهم والمعنى أن فيه من الفضل ما كان في جميع الفضلاء
نسقوا لنا نسق الحساب مقدما وأتى فذلك إذ أتيت مؤخرا
يقول جمع لنا الفضلاء في الزمان ومضوا متتابعين متقدمين عليك في الوجود فلما أتيت بعدهم كان فيك من الفضائل ما كان فيهم مثل الحساب يذكر تفاصيله أولا ثم يجمل على تلك التفاصيل فيكتب في مؤخر الحساب فذلك كذا وكذا فيجمع في الجملة ما ذكر في التفصيل كذلك أنت جمعت فيك من الفضل ما يفرق فيهم وهذا البيت ينظر إلى قول من قال، وفي الناس مما خصصتم به، تفاريق لكن لكم مجتمعْ،
يا ليت باكيةً شجاني دمـعـهـا نظرت إليك كما نظرت فتعذرا
يقول الباكية التي بكت على فراقي وأحزنني بكاؤها ليتها رأتك كما رأيت فتعذرني في فراقها وركوب الأهوال والاخطار في السفر إليك
فترى الفضيلة لا ترد فـضـيلةً الشمس تشرق والسحاب كنهورا
روى ابن جنى لا ترد وقال معناه وترى الفضيلة فيك مشرقة غير مشكوك فيها كما ترى الشمس إذا أشرقت والسحاب إذا كان عظيما متكاثفا وتقديره وترى الفضيلة فضيلةً لا ترد فيكون نصب فضيلةً على الحال ثم نصب الشمس بفعلٍ مضمر يدل عليه ما قبله كأنه قال ترى هي برؤيتها فضائلك الشمس في حال إشراقها والمزن في حال تراكمها ومعنى لاترد أي هي مقبولة غير مردودة قال ابن فورجة صحف البيت ثم تمحل له تفسيرا وهو يرويه لا ترد ولا ريب أنه إذا صحف واخطأ المراد احتاج إلى تمحل وجهٍ والذي قاله أبو الطيب لا ترد فضيلة وفاعله الضمير من الفضيلة ونصب فضيلةً ثانية لأنها مفعول بها والمعنى أنها ترى الفضيلة لا ترد ضدها من الفضائل على ما عهدنا في المتضادين ثم فسر ذلك فقال يوجدك الشمس مشرقةً والسحاب كنهوراً أي في حالة واحدة يوجدك هذا الممدوح هذين المتضادين إذا كانت الشمس يسترها السحاب كنهورا فوجهه كالشمس اضآءةً ونائله كالسحاب الكنهور فيضاً وهما لا يتنافيان في وقتٍ واحد ولو كانا في الحقيقة الشمس والسحاب لستر السحابُ الشمس فتنافيا وقد كاد يوضح هذا المعنى محمد بن عليذ بن بسام على رذالة شعره بقوله، الشمس غرته والغيث راحتهُ، فهل سمعتم بغيثٍ جاء من شمس، وأوضح ابن الرومي هذا المعنى حيث يقول، يلقى مغيماً مشمساً في حالةٍ، هطل الإغامةِ نيرَ الإشماس، وقد قال أيضا في هذا المعنى، لكل جليسٍ من يديه ووجهه، مدى الدهر يومٌ غائمُ الجو شامسُ، وتبعه البحتري فقال، وأبيض وضاح إذا ما تغيمت، يداه تجلى وجهه فتقشعا، ولم يوضح أحد هذا المعنى كما أوضحه الرضى الموسوي، أمطروا الجود مضيئاً بشرهم، فرأيناهم شموساً وغماما، وذكر المتنبي هذا المعنى وقال، قمراً ترى وسحابتين بموضعٍ، من وجهه ويمينه وشمالهِ، وقال أيضا، شمنا وما حجب السماء بروقه، وحرى يجود وما مرته الريحُ،
أنا من جميع الناس أطيبُ منزلاً وأسر راحلةً وأربحُ متجـرا
يقول طاب مكاني ومنزلي بقصده وسرتني راحلتي حين أدتني إليه فاسر مبالغة من السار ويجوز أن يكون مبالغةً من المسرور والمراد بسرورها سرور راكبها وتجارتي أربح من تجارة غيري حين اشتري شعري بأوفر الأثمان
زحل على أن الكواكب قومـهُ لو كان منك لكان أكرمَ معشرا
جعل الكواكب المحيطة بزحل كالقوم له حين كان يسمى شيخ النجوم يقول زحل لو كان من عشيرتك لكان أكرم معشرا منه الآن والنجوم قومه يعني أن قوم الممدوح ورهطه أشرف من النجوم وأحضر مجلس ابن العميد مجمرة محشوة آسا ونرجساً أخفيت نارها والدخان يخرج من خلال ذلك فقال أبو الطيب
أحب امرىءٍ حبتِ الأنفسُ وأطيبُ ما شمه معطسُ
يقول أنت أحب امرىء احبته النفوس وهذا الند اطيب رائحةٍ شمها الأنف وحذف المبتدأ من الجملتين لأن المخاطبة والحال دلتا عليه وحبت غير مستعمل وإن استعمال المحبوب وإنما يستعمل ذلك شاذا
ونشر النـدى لـكـنـمـا مجامره الآس والنرجسُ
ولسنا نرى لهبـاً هـاجـهُ فهل هاجهُ عزك الأقعسُ
يقول لا نرى نارا هيجت ريح هذا الند فهل هاجته نار عزك يقال عز أقعس وعزة قعساء وهي الثابتة وقيل أنه العالي المرتفع الذي لا يوضع ظهره على الأرض كالأقعس الذي لا ينال ظهره الأرض
فإن القيام التي حولهـا لتحسدُ أقدامها الأروسُ
يقول هؤلاء القائمون عنده للخدمة تحسد ارؤسهم أقدامهم لأنهم وقفوا على أقدامهم ورؤوسهم تتمنى أنها القائمى في خدمته كما قال، خير أعضائنا الرؤوس البيت والضمير في إقدامها عائدة على الأرؤس كأنه قال لتحسد أرؤسهم أقدامها وقال يمدحه ويهنئه بالنيروز
جاء نوروزنا وأنت مرادهْ وورت بالذي أراد زنادهْ
يقال لهذا اليوم نوروز على العجمية ونيروز تقريب من التعريب ومثله من العربية تيقور وديجور وتيهور وهذا أولى بالأستعمال لأنه على أوزان كلامهم يقول جاء هذا اليوم وأنت مراده وقصده بالمجيء وقد حصل مراده إذ زارك ورآك الزناد كناية عن حصول المراد تقول العرب ورت بفلان زنادي أي أدركت به مرادي
هذه النظرة التي نالهـا مـن ك إلى مثلها من الحول زادهْ
ينثني عنك آخر اليوم مـنـه ناظرٌ أنتَ طرفـهُ ورقـادهْ
قال ابن جنى أي إذا إنصرف عنك هذا اليوم خلف طرفه عندك ورقاده فبقي بلا لحظ ولا نوم إلى أن يعود إليك قال العروضي هذا هجاء قبيحٌ للممدوح أن أخذنا بقول ابي الفتح لأنه يراه وينصرف عنه أعمى عديم النوم ومعناه أنه يقول لما رآك استفاد منه النظر والرقاد وهما اللذان يستطيبهما العين والمعنى أفدته أطيب شيء والحق ما قاله ابن جنى لأنه يذهب عنه النوم حتى يرجع إليه
نحن في أرض فارسٍ في سرورٍ ذا الصباح الذي نرى مـيلادهْ
روى ابن جنى الذي يرى بضم الياء وقال أي نحن كل يومٍ في سرورٍ لأن الصباح كل يومٍ يرى يريد إتصال سرورهم قال أبو الفضل العروضي ليس كما ذهب إليه وإما يريد أن يخص صباح نيروز بالفضل فقال ميلاد السرور إلى مثله من السنة هو هذا الصباح والرواية الصحيحة نرى بفتح النون وقال ابن فورجة يريد أبو الطيب أنا نحن في سرورٍ ميلاده في هذا الصباح يعني صباح نيروز لأن السرور يولد في صباحه لفرح الناس الشائع في النيروز
عظمته ممالك الفرس حتى كل أيام عامهِ حـسـادهْ
يجوز أن يريد بالممالك جمع ملك مثل المشايخ في جمع شيخ والمحاسن في جمع حسن كما قال في موضع آخر، أبهى الممالك البيت ويجوز أن يكون من باب حذف المضاف وهو قول أبي الفتح ويكون المعنى عظمه أهل ممالك الفرس حتى حسدته جميع الأيام لتعظيمهم إياه
ما لبسنا في الأكاليل حتى لبستها تلاعهُ ووهـادهْ
قال أبو الفتح يريد أن الصحراء قد تكامل زهرها فجعله كالاكاليل عليه قال العروضي كيف يصح ما قال وأبو الطيب يقول ما لبسنا فيه الاكاليل ولم يقل ما لبست الصحراء أو ما يشبه هذا مما يكون دليلا على ما قاله أبو الفتح ولكن كان من عادى الفرس إذا جلسوا في مجلس اللهو والشرب يوم النيروز أني تخذوا أكاليل من النبات والأزهار فيضعوها على رؤوسهم وهذا ظاهر في قول الفارسي يصف مجلس لهو، بدل خود وترك بر كيريم، أز كلٌ ومشكُ وندُّ ولاله كلاه، فقال أبو الطيب ما لبسنا الأكاليل حتى لبستها التلاع وهي ها هنا ما ارتفع من الأرض ومنه قول الراعي، كدخان مرتحلٍ بأعلى تلعةٍ، ويريد بلبس التلاع ما ظهر عليها من النبات والوهاد ضد التلاع وهي جمع وهدة وهي المنخفض من الأرض وجعل ما على الوهاد أكاليل ولا يحسن ذلك والبيت مأخوذ من قول أبي تمام، حتى تعمم صلعُ هاماتِ الربا، من نبتهِ وتأزر الأهضامُ، وهذا البيت سليمٌ لنه جعل ما على الربا بمنزلة العمامة وما على الأهضام جمع هضم وهو المطمئن من الأرض بمنزلة الإزار ووجهُ قول المتنبي أنه أراد حتى لبستها تلاعه والتحفت بها وهاده فيكون من باب علفتها تبنا ومآءً باردا ومعنى البيت أن النبات قد عم الأرض مرتفعها ومنخفضها في هذا النيروز
عند من لا يقاس كسرى أبو سا سان ملـكـاً بـه ولا أولادهْ
أبو ساسان واحدٌ من الأكاسرة ولهذا يقال لملوك العجم بنو ساسان وذكرنا أن الإختيار في كسرى فتح الكاف وينشد قول الفرزدق، إذا ما رأوه طالعا سجدوا له، كما سجدت يوما لكسرى مرازبهْ، بفتح الكاف جعل الممدوح أعظم ملكا من ملوك العجم
عربيٌّ لسانهُ فلسفيٌّ رأيه فارسيةٌ أعيادهْ
البيت مركب من ثلث جمل كلها مبتدأ وخبر وقدمت فيها الأخبار على الابتداءات والمعنى أنه يتكلم بلسان العرب ورأيه رأي الفلاسفة لأنه حكيم وأعياده فارسية كالنيروز والمهرجان


كلما قال نـائل أنـا مـنـه سرف قال آخر ذا اقتصاده
يريد أنه كلما ازداد إعطاء زاد عظما فإذا أسرف في عطاء فقال ذلك العطاء أنا منه سرف قال ما يتبعه من العطاء الزائد على الأول هذا منه قصد أي أنا أكثر منه وهذا مثل والنائل لا يقول شيئا ولكن يستدل بحاله فكأنه قائل وتلخيص المعنى إذا استكثر منه عطاء قل ذلك في جنب ما يتبعه
كيف يرتد منكبي عن سماء والنجاد الذي عليه نجاده
قال أبو الفتح يريد طول حمائل سيفه لطوله قال العروضي لم يرد في هذا البيت طول النجاد ولا قصره وإنما أراد تعظيم شأن الواهب فقال كيف يقصر عن السماء منكبي والنجاد من هبته فأين الطول والقصر في هذا وقال أبن فورجة ليس طول نجاد أبن العميد إذا أهدى سيفه للمتنبي مما يوجب أن يطيل منكبه على أن المتنبي ما تعرض لطول النجاد ولا قصره وإنما ضرب مثلا لشرف منكبه إذ ردى بنجاده يقول كيف أنكل عن مفاخره ذي فخر وكيف يقصر منكبي دون سماء ونجاده عليه وقد بلغه أفضل الشرف
قلدتني يمينه بـحـسـام أعقبت منه واحدا أجداده
يقول قلدني سيفا لا مثل له في السيوف وكان واحدا عديم النظير كمن لم يعقب أجداده مثله في جملة إخوانه وأترابه وأراد بأجداد الحسام الجبال والأحجار والمعادن التي يستخرج منها جوهر الحديد فهو يقول لم يطبع مثله فلا نظير له
كلما استل ضاحكتـه إياه تزعم الشمس أنها أراده
إياه الشمس ضوءها ومنه قول طرفه، سقته إياة الشمس إلا لثاته، وإذا فتح أوله مد ومنه قول ذي الرمة، لأياء الشمس منه تحذرا، والأراد يجوز أن يكون جمع رأد وهو الضوء يقال رأد النهار ورأد الضحى ويجوز أن يكون جمع رئد وهو الترب يقول كلما سل هذا الحسام ضاحكته إياة من الشمس تزعم الشمس أن تلك الإياة مثل ضوء هذا السيف أشار إلى أن شعاع هذا السيف يحكى شعاع الشمس وأن الشمس تقر بأن ضوءها كضوئه والكناية في أنها للإياة وإنما جمع الأرآد مع توحيد الإياة حملا على المعنى عند كل سلة مضاحكة بينه وبين إياة الشمس
مثلوه في جفنه خشية الفق د ففي مثل أثره إغماده
يقول مثلوا هذا السيف في غمده يعني جعلوا غمده على مثاله وصورته وهو أنهم غشوه فضة محرمة فاشبهت تلك الآثار هذا السيف وما عليه من آثار الفرند فهو قوله ففي مثل أثره إغماده أي أنه يغمد في جفن عليه آثار كأثره وقوله خشية الفقد الناس يقولون أراد أن هذا السيف عزيز فلعزه وخوف فقده غشوا جفنه الفضة وقال أبن جنى صونا للجفن من الفقد لئلا يأكل جفنه وقال ابن فورجة يعني أن ما نسج من الفضة على جفنه تصوير لما على متنه من الفرند فعل ذلك به إرادة أن لا تفقده العين بكونه في غمده بل يكون كأنها ناظرة إليه ولم يرد بقوله خشية الفقد ذهابه وضياعه بل أراد أنه لحسنه لا يشتهي مالكه أن يفقد منظره بإغماده فقد مثله في جفنه
منعل لا من الحفا ذهبا يح مل بحرا فرنده إزبـاده
يقول هذا الجفن جعل له نعل من الذهب وليس ذلك للحفا وهو يحمل من هذا السيف بحرا يعني كثرة مائه وفرنده زبده يعني أن الفرند لهذا السيف بمنزلة الزبد للبحر
يقسم الفارس المدجج لا يس لم من شفرتيه إلا بـداده
المدجج المغطى في السلاح والبدادان جانبا السرج يقول إذا ضرب به الفارس المقنع في سلاحه قسمه بنصفين والسرج أيضا فلا يسلم منه إلا جانبا السرج لانحرافهما عن الوسط وقوله من شفرتيه والسيف إنما يقطع بشفرة واحدة لأنه أراد بأي شفرتيه ضرب عمل هذا العمل الذي ذكره
جمع الدهر حـده ويديه وثنائي فاستجمعت آحاده
أي اجتمعت آحاد الدهر لما جمع الدهر حد هذا السيف ويدي الممدوح في الضرب وشعري في وصفه فلا سيف كهذا السيف ولا يد في الضرب به كيد الممدوح ولا ثناء كثنائي وهذه الأشياء أفراد غرائب لا نظير لها
وتقلدت شامةً في نـداهُ جلدها منفساته وعتادهْ
حكى أبو علي ابن فورجة عن أبي العلاء المعري في هذا البيت يعني أن الغمد بما عليه من الحليّ والذهب أنفسُ من السيف كأنه كان محلى بكثير من الذهب فجعل الغمد جلدا إذ جعل السيف شامةً قال أبو علي والذي عندي أنه أراد بجلده ظاهره الذي عليه الفرند لأن أنفس ما في السيف فرنده وبه يغالي سومه ويستدل على جودته وقالابن جنى يعني أنه يلوح فيما أعطاه كما تلوح الشامة في الجسد لحسنه ونفاسته وقوله جلدها منفساته وعتاده أي ما يلي هذا السيف مما تقدمه وتأخر عنه من بره كالجلد حول الشامة وقال أبو الفضل العروضي منكرا على أبي الفتح ألم يجد أبو الفتح مما يحسن في الجلد شيئا فوق الشامةِ كالعين الحسناء ولكنه أراد أن هذا السيف على حسنه وكثرة قيمته كالنقطة فيما أعطاه ألا تراه يقول جلدها منفساته أي قدر هذا السيف وهو عظيم القيمة في عطاياه كقدر الشامة في الجلد وهؤلاء الذين حكينا كلامهم كانوا أئمة عصرهم ولم يكشفوا عن معنى البيت ولا بينوه بيانا يقف عليه المتأمل ويقضي بالصواب ومعنى البيت أ،ه جعل ذلك السيف شامةً والشامةُ تكون في الجلد ولما سماه شامةً سمى ما كان معه من الهدايا التي كان السيف في جملتها جلدا والمنفسات الأشياء النفيسى والكناية في المنفسات والعتاد تعود إلى الممدوح وذلك أنه أهدى إليه شياءَ نفيسة من الخيل والثياب والأسلحة فهو يقول هذا السيف في جملتها شامةٌ في جلدٍ وذلك الجلد هو منفساتُ الممدوح وعتاده الذي كان له فاهداه إليّ وقول المعري أيضا قريبٌ من الصواب على رد الكناية في المنفسات والعتاد إلى الحسام وهو أنه يصغر السيف في قيمة غمده وما عليه من الذهب والحلي مما جعل عتادا للسيف وقول ابن فورجة هوسٌ ليس بشيء
فرستنا سوابق كـن فـيه فارقت لبده وفيها طرادهْ
أي جعلتنا فرسانا خيل سوابق كن في نداه أي كانت في جملة ما أعطانا خيلٌ سوابقُ فارقت لبده أي انتقلت إلى سرجي وفارقت سرج ابن العميد وفيها طراده قال ابن جنى أي قد صرت معه كأحد من في جملته فإذا سار إلى موضع سرت معه وطاردت بين يديه فكأنه هو المطارد عليها قال العروضي هذا كلام من لم ينتبه بعد من نوم الغفلة إنما يقول فارقت هذه الخيل لبده وفيها تأديبه وتقويمه وهذا على ما قال وما ذكره ابن جنى هوس وسوداء ملومٍ ليس في البيت منه شيء يقول أبو الطيب الخيل السوابق التي كانت في نداه وجملة ما أعطاناه فرستنا أي علمتنا الفروسية لأنها فارقت لبده حين أعطاناه وفيها ما علمه بطراده وتأديبه إياها وليس يريد بقوله فرستنا حملتنا حتى صرنا فرسانا عن الرجلة وقوله وفيها طراده يريد تأديب طراده وأدب طراده على حذف المضاف
ورجت راحةً بنا لا تراها وبلادٌ تسير فيها بـلادهْ
قال ابن جنى لما انتقلت خيله إليّ رجت أن تستريح من طول كده إياها وليست ترى ذلك من جهتي ما دمت أسير في بلاده والعمل الذي يتولاه لسعةِ بلده وامتداد الناحية التي تحت يده هذا كلامه وليس لسعة البلد وامتداد الناحية هاهنا معنى إنما يقول لا ترى هذه الخيل ما ترجوه لأنا لا نزال نغزو معه بغزواته ونطارد عليها معه إذا ركب إلى الصيد وإنما تستريح إذا فارقنا خدمته ونحن لا نفارق خدمته وبلاده
هل لعذري إلى الهمام أبي الفض لِ قبولٌ سواد عـينـي مـدادهْ
قال ابن جنى أي رضيت أن يجعل المداد الذي يكتب به قبول عذري سوادَ عيني حبا له وتقربا منه هذا كلامه وليس كما قال لأن المراد قبول العذر لا أن يكتب الممدوح ذلك والمعنى أنه يقول هل يقبل عذري وهل عنده قبولٌ لعذري ثم قال سواد عيني مداده على طريق الدعاء كأنه قال جعل الله مداده سواد عيني يعني أنه أن استمد من سواد عيني لم أبخل عليه وإنما قال هذا لأنه كاتبٌ وحاسبٌ يحتاج إلى المداد والكناية في مداده تعود إلى أبي الفضل وعلى ما قال ابن جنى تعود إلى العذر وليس بشيء
أن من شدة الحياء عليلٌ مكرماتُ المعلهِ عوادهْ
يقول أنا لغلبة الحياء عليّ كالعليل وبرُّ الذي أعلني وهداياه تأتيني كل يوم كأنها عوادق تعودني وإنما استحيا لأن ابن العميد عارضه في بيتٍ من شعره أو ناظره في شيء منه ولهذا جعله معلا له وقد شرح أبو الطيب هذه القصة فيما بعد هذا البيت فقال
ما كفاني تقصير ما قلتُ فيه عن علاهُ حتى ثناهُ انتقادهْ
يقول لم يكفني تقصير قولي عن علاه وعجزي عن وصفه حتى صار انتقاده شعري ثانيا لتقصيري وهذا هو الموجب للحياء وهو التقصير والانتقاد
إنني أصيد الـبـزاة ولـك نَّ أجل النجومِ لا أصطادهْ
يقول أنا في الشعراء كالبازي الأصيد في البزاة ولكن النجم الأعلى من يقدر على بلوغه يريد زحل وهو أجل النجوم جعله مثلا للممدوح ولم يعرف ابن جنى هذا لأنه قال لو استوى له أن يقول ولكن أعلى النجوم لكان أليق والمعنى أني وإن كنت حاذقا في الشعر فإن كلامي لا يبلغ أن أصف ابن العميد وأمدحه
رب ما لا يعبر اللفظ عنـه والذي يضمرُ الفؤادْ اعتقادهْ
أي ربَّ شيء من مدحك لا يبلغه لفظي بالعبارة عنه وما يضمره قلبي هو اعتقاده فيك وفي استحقاقك ذلك المدح وهذا اعتذارٌ عن قصوره في وصفه ومدحه
ما تعودت أن أرى كأبي الفض ل وهذا الذي أتاه اعـتـيادهْ
يقول لم أتعود أن أمدح مثله فإن قصرت عن كنهِ وصفه كنت معذورا لأن عادتي لم تجرِ بمدح مثله والذي أتاه من الشعراء اعتياده لأنه أبدا يمدح فهو أعلم الناس بالشعر وهذا يدل على تحرز أبي الطيب منه وتواضعه له ولم يتواضع لأحد في شعره ما تواضع له ويجوز أن يكون قوله وهذا الذي أتاه أي هذا الذي فعله من النقد عادته لعلمه بالشعر وقال ابن جنى وهذا الذي أتاه من الكرم عادة له لم يتخلق لي به وليس بشيء لأنه ليس في وصف كرمه إنما يعتذر من تقصيره
إن في الموجِ للغريقِ لعذرا واضحا أن يفوته تعـدادهْ
يقول إن فاتني عد بعض أوصافك حتى لم آتِ على جميعها كان عذري واضحا فإني غرقت فيها لكثرة صفات مدحك فالغريق في البحر إن فاته عد الأمواج كان عذره واضحا والمعنى أن فكري غرق في فضائلك فلم أجد سبيلا إلى وصفها حق الوصف
للندى الغلب أنه فاض والـش عر عمادي وابن العميد عمادهْ
يقول الغلبة لعطائه فإنه غلبني لأنه إلى ابن العميد يستند وأنا أستند إلى الشعر وليس يمكنني أن أكاثر عطاءه بشعري
نال ظني الأمور إلا كريماً ليس لي نطقهُ ولا في آدهْ
الظن ههنا معناه العلم ويروي طبي بالطاء وهو بمعنى العلم أيضا يقول أنا عالم بالأمور قد أحطت بها علما غير أني قاصر عن مدح كريم ليس لي فصاحته في الكلام ولا قوته في علم الشعر
ظالمُ الجودِ كلما حل ركـبٌ سيم أن يحملَ البحار مزادهْ
الظلم من صفة الجود ولكنه أجراه على الممدوح وصفا كما يقال هو حسن الغلام يوصف بما هو وصفٌ لسببه ومعنى ظلم جوده ما ذكره في البيت فقال كلما قصده ركبٌ كلفهم من حمل نداه ما لا يطيقونه وهو أن يكلفهم حمل البحر في المزاد وهذا ظلم لأنه ليس مما يمكن وكني عن الركب كما يكنى عن لواحد لأنه على لفظ الواحد
غمرتني فوائدٌ شاء فيهـا أن يكون الكلام مما أفادهْ
يقول غلبتني من جهته فوائد كان من جملتها حسن القول أي تعلمت منه حسن القول وصحة الكلام في جملة ما استفدت منه يريد أنه نبهه بانتقاده شعره على ما كان غافلا عنه
ما سمعنا بمن أحب العطـايا فاشتهى أن يكون فيها فؤادهْ
يقول لم نسمع قبله بجوادٍ يحب الإعطاء ويتمنى أن يكون قلبه من جملة ما يعطي يعني أن ما أفاده من العمل هو من نتيجة عقله وقلبه وبنات فكره وعبر عن العلم بالفؤاد لأن محله الفؤاد كما قال الله تعالى أن في ذلك لذكرى لمن كان له قلبٌ أي عقل فسمي العقل قلبا ولم يعرف ابن جنى هذا فقال الكلام الحسن الذي عنده إذا افاده إنسانا فقد وهب له عقلا ولبا وفؤادا وهذا إنما يحسن لو قال فاشتهي أن يكون فيها فؤاد منكراً وإذ أضافه إلى الممدوح فليس يجوز ما قال
خلق الله أفصح الناس طرا في مكانٍ أعرابهُ أكرادهْ
يعني بافضل الناس وأفصحهم الممدوح والصحيح رواية من روى أفصح الناس والمعنى أن الفصاحة للعرب ولأهل البدو وافصح الناس في مكانٍ بدل الأعراب به أكرادٌ يعني أهل فارس ولم يعرف ابن جنى هذا وروى أفضل الناس
وأحق الغيوث نفسا بـحـمـدٍ في زمانٍ كل النفوس جرادهْ
أي وخلق أحق الغيوث بالحمد يعني الممدوح جعله غيثا وجعل الناس كلهم لاحتياجهم إليه جرادا فإن الجراد حياته في الغيث والكلأ وهذا قول ابن جنى وأحسن من هذا واصح أنه جعل الممدوح غيثا لعموم صلاحه وجعل الناس كلهم كالجراد لشيوع فسادهم ولأنهم سبب الفساد يدل على صحة هذا قوله
مثل ما أحدث النبوة في الع الم والبعث حين شاع فسادهْ
يقول لما شاع الفساد في العالم بالناس الذين جعلهم كالجراد خلق ابن العميد ليستدرك به ذلك الفساد كما أنه لما عم الكفر والشرك بعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وهذا من قول الفرزدق، بعثت لأهل الدين عدلا ورحمةً، وبرءاً لآثار الجروح الكوالم، كما بعث الله النبي محمداً، على فترةٍ والناس مثل البهائمِ،
زانت الليل غرة القمر الطا لعِ فيه لم يشنها سـوادهْ
لما ذكر عمومَ الفساد في الناس والزمان ذكر أن ذلك الفساد لا يتعدى إليه وأنه سبب لأصلاحه كالقمر يطلع فيجلو سواد الليل ولا يشينه ذلك السواد
كثر الفكر كيف نهدي كما أه دت إلى ربها الرئيسٍ عبادهْ
والذي عندنا من المال والخي لِ فمنه هبـاتـهُ وقـيادهْ
يقول أكثرت الفكر فيك كيف أهدي إليك شيئا كما يهدي العبيد إلى ربها وكل ما كان عندنا من المال والخيل فمن عندك وهبته وقدته إليّ وهذا من قول ابن الرومي، منك يا جنة النعيم الهدايا، أفنهدي إليك ما منك يهدى،
فبعثنا بأربعين مهـاراً كل مهرٍ ميدانه إنشادهْ
المهار جمع مهر يقال مهر ومهار وأمهار والكثير مهار يعني أربعين بيتا من الشعر ميدانُ كلِّ بيت إنشاده إي إذا أنشد عرف قدره كما أن المهر إذا أجري في الميدان عرف جريه
عدد عشته يرى الجسم فيه أربا لا يراهُ فيمـا يزادهُ
أي الأربعين عدد عشته دعاء له بأن يعيش هذا العدد من السنين على ما عاشه وكان ابن العميد قد جاوز السبعين وناهز الثمانين في هذا الوقت والمعنى زاد الله في عمرك هذا العدد ثم قال والجسم لا يرى من أرب العيش فيما زاد على الأربعين ما كان يراه فيما دونه أي فلهذا اخترت هذا العدد فجعلت القصيدة أربعين بيتا
فارتبطها فإن قلبا نماهـا مربط تسبق الجياد جيادهْ
لما عبر عن الأبيات بالمهار عبر عن حفظها وإمساكها بالارتباط ليتجانس الكلام وقوله أن قلبا نماها يعني قلب نفسه يقول إن قلبا أنشأ هذه الأبيات وصنعها جياده تسبق جياد كل مربط وعني بالجياد الأبيات أيضا وورد على أبي الطيب كتاب أبي الفتح بن العميد يذكر سروره وشوقه إليه فقال إرتجالا
بكتب الأنام كـتـاب وردْ فدت يد كاتبـهِ كـل يدْ
يعبر عما لـه عـنـدنـا ويذكر من شوقهِ ما نجدْ
أي ذلك الكتاب يعبر عن شوقٍ نجدهُ إليه أي إنا نشتاق إليه كما يشتاق هو إلينا ويذكر من شوقه إلينا ما نجده من الشوق إليه وروى ابن جنى لنا عنده
فأخرق رائيه ما رأى وأبرق ناقده ما انتقدْ
يقال خرق الظبي إذا فزع وتحير وكذلك خرق الرجل وأخرقه وبرق إذا تحير فشخص بصره وأبرقه غيره يقول الذي رأى هذا الكتاب حيره من رآه من حسن الخط والذي انتقد لفظه أبرقه ما انتقده من حسنه
إذا سمع الناس ألـفـاظـه خلقن له في القلوب الحسدْ
أي ألفاظه تحدث له الحسد في القلوب فتحسده قلوبُ السامعين على حسن لفظه
فقلت وقد فرس الناطقـين كذا يفعل الأسدُ ابن الأسدْ
جعل أحرازه خصل الفصاحة دون غيره من الناس كالفرس أي أنه وصل من الاستيلاء عليهم إلى مثل ما يصل إليه الأسد إذا فرس فريسته ولما وصفه بالفرس جعله أسدا في باقي البيت لأن الفرس من أفعال الأسد ولو خرس المتنبي ولم يصف كتاب أبي الفتح بن العميد بما وصف لكان خيرا له وكأنه لم يسمع قط وصف كلامس وأي موضعٍ للأخراق والأبراق والفرس في وصف الألفاظ والكتب هلا احتذى على مثل قول البحتري في قوله يصف كلام ابن الزيات، في نظام من البلاغة ما شك امرؤ أنه نظام فريد، وكلام كأنه الزهر الضاحك في رونق الربيع الجديد، مشرق في جوانب السمع ما يخلفه عوده على المستعيدِ، ومعانٍ لو فصلتها القوافي، هجنت شعر جرولٍ ولبيد، حزن مستعمل الكلام اختياراً، وتجنبن ظلمة التعقيد، أو هلا ربع على ظلعه فلم يكن معورا تبدو مقاتلهُ
وقال أيضا يودع ابن العميد عند مسيره إلى بلد فارس سنة 354
نسيت وما أنسى عتاباً على الصد ولا خفراً زادت به حمرةُ الخد
يقول نسيت كل شيء ولا أنسى ما جرى بيني وبينه من العتاب على الصدود ولا أنسى الذي غشيه عند العتاب من الحياء الذي ازدادت به حمرة وجهه وهم كثيرا ما يذكرون ما جرى بينهم وبين الحبيب عند التوديع كما قال الآخر، ولست بناسٍ قولها يوم ودعت، وقد رحلت أجمالنا وهي وقف، أأنت على العهد الذي كان بيننا، فلسنا وحق الله عن ذاك نصدف، فقلت لها حفظي لعهدك متلفي، ولولا حفاظ العهد ما كنت أتلف، ومثله كثير ومن روى نسيت بضم النون كان معناه نسيني الحبيب ولا أنسى ما جرى بيني وبينه من العتاب ونتائجه
ولا ليلة قصرتـهـا بـقـصـورةٍ أطالت يدي في جيدها صحبة العقدِ
المرأة القصيرة والقصور المحبوسة في خدرها الممنوعة من التصرف من القصر وهو الحبس وقد بين كثير تفسير القصيرة في قوله، وأنتِ التي حببتِ كل قصيرةٍ، إليَّ وما تدري بذاك القصائرُ، عنيت قصيراتِ الحجالِ ولم أرد، قصار الخطا شر النساء البحاترُ، يقول لا أنسى ليلةً قصرت عليّ لطيب صحبتي مع هذه القصيرة ومعانقتي إياها حتى طالت صحبة اليد للعقد في جيدها
ومن لي بيومٍ مثل يوم كرهتـهُ قربت به عند الوداعِ من البعدِ
يقول من يكفل لي بأن يكون لي يومٌ كيوم الوداع الذي كرهته وإنما تمنى مثل ذلك اليوم لأنه قرب بعد بعده للتوديع وهم أبدا يتمنون مثل يوم التوديع لأن المودع يحظى بالنظر والتسليم كما قال آخر، من يكن يكره الوداع فإني، أشتهيه لعلةِ التسليم، إن فيه اغتناقةً لوداعٍ، وانتظار اعتناقةٍ لقدومِ، ويكأن قبلةٌ وغيبةث شهر، هي أجدى من امتناع مقيم، وقال أبو الطيب، ما زلت أحذر من وداعك جاهدا، البيت
وأن لا يخص الفقد شيئا فـإنـنـي فقدت ولم أفقد دموعي ولا وجدي
يقول ومن لي بأن لايكون الفقد مخصوصا فإنني فقدت الحبيب ولم أفقد البكاء ولا الوجد بتمنى أن يكون الفقد عموما لا خصوصا حتى إذا فقد الحبيب فقد الدموع والوجد أيضا
تمن يلد المستـهـام بـمـثـلـهِ وإن كان لا يغنى فتيلا ولا يجدي
يقول ما ذكرته هو تمن لا حقيقة له غير أن المستهام يلتذ بالتمني وإن كان ذلك لا ينفعه ولا يغني عنه شيئا كما قال الآخر، منى إن تكن حقًّا تكن أحسن المنى، وإلا فقدْ عشنا بها زمناً رغدا، وقال البحتري، تمنيت ليلى بعد فوتٍ وإنما، تمنيتُ منها خطةً لا أنالها، وقال آخر، وأعلم أن وصلك ليس يرجى، ولكن لا أقل من التمني، ويلذ بمعنى يلتذّ ويقال لذّ لي كذا أي طاب ولذذت كذا الذه لذا ولذاذةً التذذته التذه وهو لذ ولذيذ وملتذ والفتيل ما يكون في شق النواة يضرب مثلا للشيء الحقير
وغيظ على الأيام كالنار في الحشا ولكنه غيظ الأسير على الـقـدِّ
يقول ولي غيظ على الأيام يلتهب في الحشا التهاب النار ولكنه غيظ على ما لا يبالي بغيظي لأن الأيام لا تعينني ولا ترجع إلى مرادي وهو كغيظ الأسير على ما شد به من القدّ
فإما تـرينـي لا أقـيمُ بـبـلـدةٍ فآفةُ غمدي في دلوقي وفي حدي
الدلوق سرعة أنسلال السيف وخروجه من الغمد يقال سيف دالق ودلقِ قال ابن جنى يقول إن الذي ترينه من شحوبي وتغيري إنما هو لمواصلتي السير والتطواف في البلاد لبعد همتي وتنائي مطلبي كالسيف الحاد إذا أكثر سله وأغماده أكل جفنه وليس مما ذكره شيء في البيت كل ذلك مما هجس له في خاطره فتكلم به وليس يكون الدلوق بمعنى السل والإخراج ولا للشحوب والتغير وبعد الهمة ذكر في البيت ولكنه يقول إن رأيتني منزعجا لا أقيم فإن ذلك لمضائي كالسيف الذي حدة حده تخرجه من غمده ونحو هذا قال ابن فورجة قال يعتذر من قلة مقامه في البلدان يقول وهذا من فعلي سببه أني كالسيف الحاد آكل جفني وأدلق منه
يحل القنا يوم الطعان بعقـوتـي فأحرمهُ عرضي وأطعمه جلدي
يقول إذا كان يوم الطعان أطعمت الرماح جلدي وجعلته وقايةً لعرضي يريد أنه إذا اصيب جلده بالطعن كان أهون عليه من أن يعاب عرضه بالهدرب وهذا من قول جهم بن شبل الكلابي، أخو الحرب أما جلدهُ فمجرحٌ، كليمٌ وأما عرضه فسليمُ،
تبدل أيامي وعيشـي ومـنـزلـي نجائبُ لا يفكرن في النحس والسعدِ
يقول هذه النوق النجائب يمضين بين مصمماتٍ لا يلتفتن إلى نحس وسعد فلي بسيرها كل يوم منزل وعيش مبدل غير الذي كان بالأمس وكذلك المسافر له كل يوم منزل وأصحاب
وأوجه فتيانٍ حياءً تـلـثـمـوا عليهن لا خوفا من الحر والبردِ
يريد بالفتيان غلمانه والحياء مما يوصف به الكرام يقول لشدة حيائهم ستروا وجوههم باللثام لا من الحر والبرد والمعنى وتبدل أيامي أوجه الفتيان أي أنا أبدا اسير على هذه الإبل في هؤلاء الغلمان
وليس حياء الوجه في الذئب شيمةً ولكنه من شيمة الأسـد الـوردْ
هذا مدح للحياء يقول الذئب الموصوف بالمعايب والخبث ليس الحياء من شيمته وإنما يوصف بالقحة فيقال أوقح ن ذئب ولكن الحياء من شيم الأسد وذلك أنه في طبعه كرما وحياء فيقال إن من واجهه واحد النظر في وجهه استحيا منه الأسد أن يفترسه والمعنى أن حياءهم ليس بمزرٍ بهم كما أنه لا يعيب الأسد حياؤه يصفهم بشدة الأقدام مع فرع الحياء
إذا لم تجزهـم دار قـومٍ مـودةٌ أجاز القنا والخوفُ خير من الودِّ
قال ابن جنى يقول خافوا من عدو اعتصموا منه بالقنا قال ابن فورجة أين ذكر خوفهم العدو وأين لفظ الاعتصام وإنما يقول إذا لم يمكنهم أن يجتازوا على ديار بالمودة حاربوا فيها وجازوها هذا كلامه وهو على ما قال والمعنى أنهم إذا بلغوا في أسفارهم منازل قوم لم يكن بينهم وبين سكانها مودة اجازتهم رماحهم فلم يخافوا أهل تلك الناحية ثم قال وأن تخاف خير من أن تحب لأن من أطاعك خوفا منك فهو ابلغ طاعة ممن يطيعك بالمودة كما تقول العرب رهبوت خير من رحموت أي لأن ترهب خير من أن ترحم
يحيدون عن هزل الملوك إلى الذي توفر من بين الملوك على الجـد
يقول هؤلاء الفتيان يجتنبون عن الهازل من الملوك يعني الذي يشتغل باللهو من الطراد وشرب الخمور ويأتون من توفر على الجد وترك الهزل يعني ابن العميد
ومن يصحب اسم ابن العميد محمد يسر بين أنياب الأساود والأسـاد
أي من أجرى ذكره على لسانه أمكنه السير بين أنياب الحيات والأسود لبركة اسمه
يمر من السم الوحي بعـاجـز ويعبر من أفواههن على درد
الوحي السريع والدرد جمع أدرد وهو الذي ذهبت أسنانه يعني أن السم السريع القتل لا يعمل فيمن يذكر اسمه ولا أنياب الأسود حتى كأنها درد
كفانا الربيع العيس من بـركـاتـه فجاءته لم تسمع حداء سوى الرعد
يقول كفانا حداء العيس لأن الرعد قام لها مقام صوت الحادي فصار كأنه يحدو الإبل وهذا من بركة الممدوح
إذا ما استجبن الماء يعرض نفسه كرعن بسبت في إناء من الورد
روى ابن جنى إذا ما استحين الماء فرواه كرعن بسبت وفسر أن الإبل استحيت الماء لكثرة عرض نفسه عليها ثم قال والسبت مشافرها للينها ونقائها قال يقول إذا مرت هذه الإبل بالمياه التي غادرتها السيول فلكثرتها صارت كأنها تعرض أنفسها على الإبل فتشرب منها كأنها مستحيية منها لكثرة عرضها نفوسها عليها وإن كان لا عرض هناك ولا استحياء في الحقيقة ولكنه جرى مثلا وكرعن شربن واصله من ادخال أكارع الشاربة في الماء للشرب وجعل الموضع المتضمن للماء لكثرة الزهر فيه كأنه إناء من ورد هذا كلامه ومعنى البيت على روايته وتفسيره أنه يصف كثرة مياه الأمطار في طريقه وأنه أينما ذهب رأى الماء فكأنه يعرض نفسه على الإبل والإبل تستحي من ود الماء إذا كثر عرضه نفسه عليها فتكرع فيه بمشافر كأنها السبت والأرض قد انبتت الأزهار والأنوار فكأنها إناء لذلك الماء من الورد قال أبو الفضل العروضي ما أصنع برجل ادعى أنه قرأ هذا الديوان على المتنبي ثم يروي هذه الرواية ويفسر هذا التفسير وقد صحت روايتنا عن جماعة منهم محمد بن العباس الخوارزمي وأبو محمد بن أبي القاسم الحرضي وأبو الحسن الرخجي وأبو بكر الشعراني وعدة يطول ذكرهم رووا، إذا ما استجبن الماء يعرض نفسه، كرعن بشيب أن تترشف الإبل الماء وحكاية صوت مافرها عند شرب الماء شيب شيب ومنه قول ذي الرمة، تداعين باسم الشيب البيت هذا كلامه وليس ما قاله ابن جنى ببعيد عن الصواب والكرع في الماء بالسبت أحسن لأن مشفر الإبل يشبه في صحته ولينه بالسبت وهو جلود تدبغ بالقرظ ومنه قول طرفة، وخد كقرطاس الشآمي ومشفر، كسبت اليماني قده لم يحرد، يقول فتكرع فيه بمشافرها التي هي كالسبت وشيب صحيح في حكاية صوت المشافر عند الشرب ولكن لا يقال كرعت الإبل في الماء بشيب إذا شربته والسبت هاهنا أولى
كأنا أرادت شكرنا الأرض عنده فلم يخلنا جو هبطناه من رفد
أراد بالجو المتسع من الأرض والرفد العطاء يقول كل موضع نزلناه في طريقنا إليه أصبنا به ماء وكلأ وكأن الأرض أرادت أن نشكرها عنده تقربا إليه
لنا مذهب العباد في ترك غيره وإتيانه نبغي الرغائب بالزهد
يقول لنا في ترك غيره من الملوك وإتيانه مذهب الزهاد الذين يزهدون في الدنيا لينالوا أكثر مما تركوا وأبقى في الآخرة كذلك نحن إنما تركناهم وأتيناهم وأتيناه لعلمنا إنا نصيب منه أكثر مما نصيب من سواه فنحن نطلب الرغائب بزهدنا في غيره
رجونا الذي يرجون في كل جنة بأرجان حتى ما يئسنا من الخلد
أي رجونا عنده من النعم ما يرجو العباد في الجنة أي أنه محقق رجاء من يرجوه فلثقتنا برجائنا نرجوا ببلده ما يرجوه العباد في الدنان حتى ما يئسنا من الخلود وإنما قال هذا لانه جعل بلدته أرجان كالجنة والجنة موعودٌ فيها الخلود ولما كانت بلدته كالجنة رجونا فيها الخلود
تعرض للزوار أعـنـاقُ خـيلـهِ تعرض وحشٍ خائفاتٍ من الطردِ
يعني أ، خيله تهاب زواره لأنه يهبُها لهم فهي كوحش خافت طردا من الصائد تتعرض لهم على خوفٍ ونفارٍ
وتلقى نواصيها المنايا مـشـيحةً ورود قطاً صمٍّ تشايحن في وردِ
يقول وتلقى المنايا خيله مجدةً مسرعةً كما ترد القطا الماء إذا أسرعت في الورود وجعلها صما كيلا تسمع شيئا تتشاغل به عن الطيران فيكون أسرع لها ومنه قول ذي الرمة، ردي ردي ورد قطاةٍ صمآ، كدريةٍ أعجبها وردُ الما، والمشيحة المجدة ومنه قول القائل، وإقدامي على الغمراتِ نفسي، وضربي هامةَ البطلِ المشيحِ،
وتنسبُ أفعالُ السيوفِ نفوسهـا إليه وينسبن السيوفُ إلى الهندِ
يقول ابن جنى وذلك أن أفعال السيوف أشرف من السيوف فأفعال السيوف تتشبه بأفعاله في مضائه وحدته وينسبن السيوفُ إلى الهند ألا ترى أنه يقال سيف هندي وسيف يمانٍ وفعل السيف أشرف منه كذلك أنت أشرف من الهند قال ابن فورجة قد غلط حتى لا أدري أي أطراف كلامه أقرب إلى المحال ولم يجرِ ذكر للتشبيه وإنما يقول إنها تنسب أفعالها إيه أي تقول هذه الضربة العظيمة من فعله لا من فعلنا وهذا كقوله، إذا ضربت بالسيف في الحرب كفه، البيت والمعنى أنها نسبت الفعل إلى كفه ونسبت السيوف إلى الهند وهذا معنى لطيف يقول أن ضربة السيف العظيمة تنسب نفسها إليه لأنها حصلت بقوته وتنسب السيف أيضا إلى الهند لأنها دلت على جودة عمله فالضربة قد دلت على قوة الضارب ودلت على جودة السيف وليس في هذا أ،ه أشرف من الهند وكل ما قاله أبو الفتح في تفسير هذا البيت هذر محالٌ انتهى كلامه وقد أحسن في هذا التفسير غير أنه لم يبين كيفية هذا النسب والمعنى أن الضربة بجودتها تدل على أنها حصلت بكف الممدوح فالدلالة هي نسبة نفسها إليه ودلت أيضا على أنها حصلت بسيف هنديّ أي قد اجتمع فيها قوة اليد وجودة النصل

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق