الثلاثاء، 20 أكتوبر 2009

التلفيق الصهيوني واغتيال التاريخ - كشف الحقائق التاريخية - 1

مقدمة
بقلم المؤرخ الفرنسي:
بيير روسي ( )




نعتقد أن في العالم منبعين روحيين (فقط) لا ثالث لهما وهما: المسيحية و الإسلام. ذلك لأنهما يمثلان تاريخاً واحداً، ومرجعين أو موروثين دينيين في حيز جغرافي واحد، أي على أرض واحدة.. وهما يناقضان اليهودية تماماً... سواء من حيث أنهما دينان شموليان واليهودية مذهب جزئي، أم لأنهما تكامليان في الزمان والمكان واليهودية منعزلة في الزمان والمكان..
والفكر بعامة، والفكر المسيحي والإسلامي، بخاصة، غير محدود لا في الزمان ولا في المكان، ولا يؤطر في اللحظة التاريخية المنكفئة، أو لا يمكن أن تحصر انطلاقة العقل وحدوده.. فهو دون حدود، أو أن حدود هذا الكون وضفافه حرة حرية هذا العالم.. وقد أكد القرآن الكريم على ذلك في غير آية، حيث أكد على ديمومة الفكر وأزليته السرمدية، أكد على أن الفكر لا يموت..
أما اليهودية فهي على عكس ذلك تماماً، ضيقة الأفق ومحصورة في إطار محدود، منعزل في الزمان والمكان، منكفئة على ذاتها في حيز ـ غوييم ـ ضيق منحسر، وقد عاشت في هذا الغوييم أو المكان الجزئي.
وللمقارنة والتدليل على هذه اللمع الاصطلاحية نقول بأن الأزلية أو الدينونة في اليهودية مهمشة، وهذا هو أول فارق ما بين اليهودية الضيقة والمسيحية والإسلام المتناهيين... فهي تعش مع نفسها ولنفسها، فيما أن المسيحية والإسلام يعيشان في ديمومة وتوحد مع السماء والأرض في آن معاً..
وهناك رسالة للسيد المسيح جاء فيها بأن اليهود الذين يعيشون بين ظهرانيه يحبسون أنفسهم في عصبة بشرية منغلقة.. وقد توجهوا إليه بالسؤال عن رؤيته لإبراهيم، فقال: أنا موجود قبل إبراهيم، إذا أن إبراهيم إنسان، وأنا روح إلهية..
وبهذا يكون المسيح قد هدم إطار الزمن لأنه روح أزلية وضد القيود.. بمعنى أن الروح تحيا إلى الأبد، فهي أزلية.. وهذا ما يجعل اليهودية تناقض تماماً روح المسيحية والإسلام...
ولهذا السبب وغيره من الأسباب حكم اليهود على السيد المسيح بالإعدام.. وكان إعدامه تناهياً في المطلق واكتمالاً لرسالته الروحية وسرمديتها.. وبقيت اليهودية ساكنة ضيقة مؤطرة في الحالة الراهنة وفي الزمن..
ولنمثل على ذلك بنقطة الماء الغريبة في مياه النهر، فهي تتحرك في مياهه كحبة أو نقطة مغايرة لمجرى النهر، فيما أن مياه النهر كما الفكر تتحرك بشكل أزلي دون توقف في الزمن، وهذا مثال يتطابق تماماً مع المذهب الضيق (اليهودية)..
وقد جاء في النصوص البابلية القديمة (نصوص نينوى بخاصة) أن اليهودي معناه المؤمن بإله واحد... وهي إذاً كلمة بابلية قديمة، أي قبل وجود اليهود بقرون.. ومن هنا، من هذا الاصطلاح البابلي، نحدد الزمن أو العصر الذي يسقط التهويمات والادعاءات التاريخية والانتروبولوجية المزيفة... ثم جاء الصليبيون فيما بعد وقالوا (في تعابيرهم الشفوية) أن المسيحيين غير مؤمنين.. وبهذا كانوا مذهبيين ولم يكونوا مسيحيين متناهين في الزمان والتاريخ... وقد استغل اليهود هذه التعابير الاستعمارية وعملوا على تجسيدها في الحقب التالية.
وقد عرفنا عبر النصوص العربية القديمة أن اليهودية مذهب وليست ديناً، وكلمة يهودي البابلية تعني المؤمن بالله، فيما تصر نصوصهم على أنها دين لكن دون إشارة برهانية.. فيما تثبت الوثائق والحقائق بأن المسيح عربي جسداً ولساناً وديناً وبما ينفي الادعاءات الكاذبة... وأما يهود اليوم فهم ليسوا يهوداً... ولا هم يهود حقيقيون... فهم لا ينتمون إلى أعراق المنطقة رغم كل محاولاتهم لتنسيب أنفسهم إلى الأجداد والأمهات القدامى وهذا زيف واضح.. لأن كل معطيات التاريخ والحضارات القديمة قد خلت من أي ذكر لهؤلاء اليهود ومن أي وجود حضاري أو مدني عبر مراحل وعصور حضارات الشرق كافة...
وإذا علمنا بأن الحضارة العربية هي أقدم من الإغريقية من حيث الأسبقية التاريخية والثقافية ـ المعرفية، فإن الإغريقيين من مثل (أفلاطون) قام بدراساته في ليبيا، وغيرها من الوطن العربي، وفي آسيا الصغرى كما نعلم.. وقد قاموا بدراسات لتاريخ الحضارة اليونانية فوجدوا تشابهاً كبيراً بين الحضارتين.. أمدت الإغريق بالأبجدية، التي هي فينيقية، والفينيقية قبل الإغريقية بقرون عديدة.. ويمكن إلقاء الضوء على ذلك بالقول إن الحضارة العربية ـ والشرقية عموماً أخذت تنتشر نحو الغرب، أو شقت طريقها إلى الغرب، وعلى هذه الطريق كان اللقاء الأول مع العرب هناك.. وعندما يقول الغربيون أن الأرقام عربية وأن جذر الفكر هو إغريقي، فإن الإغريق أنفسهم قالوا بأنهم جاؤوا إلى منطقة لم يعرفوا من كان قد أشاد عمرانها قبلهم.. وفي الحقيقة لقد كان العرب يسكنون تلك المناطق... (الأوروغيد الكبرى) إلا أن الغربيين اليوم يتناسون العرب عن قصد، وقد اعتدوا بذلك على العرب وعلى التاريخ.. وهذه الأفكار ليست جديدة بالطبع فهي موثقة وقد برهن عليها وأضحت حقائق... وأن العرب يعرفون ذلك ولديهم القدرة على إثباته... فلم يذكر أفلاطون ولا غيره من الإغريق ما يجانب هذه الحقائق وهو أول من بحث في هذا، وتجب العودة إلى دراساته في هذا الخصوص، إذا كان الأمر يحتاج إلى هذه العودة.
أما الغربيون فإنهم يتناسون روح الشرق، وعصور الشرق الأقدم، وإن التراث العالمي هو شرقي.. ومرة أخرى أعرج على دراسات أفلاطون وأرسطو أيضاً، فإن في كل ما كتباه لا يوجد أي ذكر، إطلاقاً، لليهود أو كلمة يهودي. أو ليس في هذا الأمر غرابة بل ونقطة انتباه تستدعي التوقف عندها؟..! أجل.. وهذا عائد إلى أن اليهودية ـ كمذهب جزئي في الزمان والمكان لم يرق إلى الدرجة التي يهتم بها المفكرون وعظماء مثل أفلاطون وأرسطو.. زد على ذلك أن هذا المذهب، بحكم ضيق فكره وانعزاليته، لم ينتشر ولم يكن ذا أهلية ليتعمق وينتشر كي يصبح مؤهلاً لدراسته من قبلهما، ولكل ذلك لم يحظ باهتمامهما لكونه مذهباً جزئياً ضيقاً ومنغلقاً..
وبإلقاء نظرة تحليلية فاحصة على الموروث البابلي نجد حقيقة وثوقية ودون كثير عناء بأن التوراة منقول عن الأساطير العربية القديمة. لأن الحضارة العربية بطبيعة الأمر شاملة، فقد ولدت في حيز جغرافي مترامي الأطراف، من بلاد الرافدين إلى مصر وشمال إفريقيا، بل إلى آسيا الصغرى حتى أندونيسيا...
وقد كان الوطن العربي مركز تلاقح الثقافات في هذا الحيز الجغرافي الواسع، حيث ولدت هذه الحضارة، التي قدمت للفكر العالمي إنجازات أثيرة وخالدة.. وليس غريباً على العابرين فيها أن يأخذوا من هذه الثقافة وأن يحدث ما حدث من اعتداء على التراث العربي القديم ليصبح كتاباً (لاهوتياً) هو من خرافات وأساطير المنطقة وموروثها الفكري والديني..
وبرأيي إن اليهودية، مذهباً، أو حركة، هي ظاهرة دينية أصبحت حركة سياسية، تفتقر للمستند أو هي بحاجة إلى مستند تاريخي وروحي لتدعيم قوائمها الدينية والسياسية.. فيما أن المسيحية والإسلام ليسا بحاجة إلى السياسة وظواهرها أو حركاتها حتى يبقيا خالدين.. وهناك فرق بالطبع ما بين تلك الحركة والظاهرة اليهودية وبين الإسرائيليين الحاليين، فهؤلاء لا دخل لهم باليهودية، المذهب القديم. وقد لقيوا عوناً من الغرب لتوليد هذه الخرافات كدين، إلا أن الغرب فيما مضى، رغم كل المجريات، قد وجد نفسه إلى جانب القيم الروحية الخالدة النابعة من الوطن العربي مركز هذه القيم، والغرب الحالي هو في معزل عن هذه القيم الروحية وتناوشه أنماط السلوك التسلوية والمتعة العارضة، أو المؤقتة، والمادية وأنماط الحياة الاستهلاكية، والغزو العسكري، وهذه المظاهر هي ما تتميز بها الصهيونية، ولهذا كان اللقاء بين الغرب اللاقيمي والصهيونية اللاقيمية.. ولهذا كانا ضد الوطن العربي وتاريخه وأخلاقه وقيمه.. ولهذا بقيت اليهودية جزئية ضيقة وظاهرة سياسية أو حركة سياسية غربية مجيرة ضد العرب.. وقد خرج الغرب خارج القيم الروحية، كما هجر المراجع الروحية واكتفى ـ فقط ـ بالمراجع المادية.. ولهذا كان الغرب على موعد مع اليهودية... ومن الممكن أنهم يدقون مسماراً في نهاية الغرب..
وفي نهاية مقدمتي لكتاب الصديق الكاتب: نزيه الشوفي، أريد أن أوجه ملاحظة إلى العرب بأنهم قد أخطأوا كثيراً.. أخطأوا في إعطاء هذه الحركة اليهودية، أو المذهب الجزئي، أهمية أكبر من حجم هذا المذهب حتى حولوه إلى دين... وهو ليس ديناً، بل مذهب يفتقر للاتساق التاريخي، كما يفتقر للانتظام الديني.. ويجب أن تموت هذه المغالطات بشن الحرب على المال والذهب الذي هو إلههم المطماع.. وحالة الأمر الواقع التي يريدها الإسرائيليون الذين يتجاوزون القيم، وبينما هم على المستوى العملي غامضون، فإن العرب مسيحيين ومسلمين هم على العكس تماماً، إنهم يتماهون في التاريخ والقيم التي لا تلتقي بالجزئيات ودعني أصف هذه الحالة بالقطة التي لا تلتقي الكلب.
إن التاريخ ليس لغزاً يختفي أو يعمد إلى إخفائه لمصالح تكمن خلف إخفاء الحقيقة، مما يضطر إلى مراعاتها.. كلا فالحقائق التاريخية جلية وطريقها واضح.. وأن الكشف الجاد يقود إلى الحقيقة، واستبعاد الأكاذيب الخطيرة، ويقدم للمجتمعات الإنسانية، بالتالي، الحقائق الوثوقية الثابتة التي تلزم المجتمعات قاطبة.
وهذا الكتاب يقترح هذه الطرق الجادة، التي تستحقها عملية الكشف..
فتحية للكاتب، وأتمنى النجاح لمبادرته هذه التي لا بد وأن تعطي ثمارها المنتظمة وتشجع كتاباً آخرين في سورية وخارجها، لأن يحذوا هذا المثل. ولا بد وأن تشق هذه الخطوة المتقدمة، طريقها لأن هذا الكاتب يمثل صوت الحق العادل...


بيير روسي


***




تمهيد...




يقول فولتير: "كيف السبيل إلى الاعتقاد بأن كل ما يقصده التوراة هو من وحي إلهي؟..!.. فإذا كان الله هو الذي أملى التوراة، حق لنا أن نعجب بأن لله أفكاراً خاطئة جداً في علم الفلك كما أنه يجهل علم التاريخ ويجهل الجغرافيا جهلاً تاماً. ويعتقد أن الأرانب تجتر، ويناقض نفسه بنفسه فيما يخص الأخلاق.. فهل يظن المرء أن الرب ذاته يفرض مبدأ العين بالعين والسن بالسين في التوراة ثم بالإنجيل فيطلب أن نصعر خدنا الأيسر وأن نعطي رداءنا لمن سرق ثوبنا وأن لا نقاوم الشرير، فهل هذه القوانين تتفق وتعاليم هذا الكتاب المزيف؟... وكان فولتير قبلاً قد طرح نفس السؤال لكن بمنحى آخر فقال: "كيف السبيل إلى الإيمان بالخرافات التي توجد في الكتاب المقدس وبالمعجزات التي يقال أنها حدثت دون انقطاع خلال التاريخ اليهودي"؟...
وكيف السبيل إلى الإيمان بالمعجزات التي أسقطت أسوار أريحا عند نفخ الصور وجعلت شمشون يكسر جيشاً كاملاً بفك حمار؟. وكذلك كل القصص القذرة والبعيدة عن التصديق التي نقرؤها عن الأنبياء الذي حكم على أحدهم بأكل القاذورات، وعلى آخر بالتهتك المقزز للنفس.. وغير ذلك من ضروب الأذى والإذلال التي يوقعها بهم إلههم دون سبب معروف؟.
والغريب أن كثيراً من مسيحيي اليوم يؤمنون كاملاً بالتوراة والإنجيل ويسيرون على هديهما في أفكارهم وأعمالهم، ولكن هل لهذا الإيمان مسوغ أو أساس شرعي؟... إن الجواب (طبعاً) بالنفي.. وأن مختلف فصول التوراة ليس لها نفس صيغة الصحة والأصالة.. فكيف يمكن الاعتقاد بأن موسى كان لديه ما يكتب في الصحراء حيث لا يوجد حتى أشجار ينقش عليها؟... زد على ذلك أن كاتب أسفار موسى هذه يقول: بأنه يكتب من وراء الأردن، في حين أن موسى لم يدخل أرض الميعاد، أبداً كما أن ثمة مدناً ومواقع أطلقت عليها أسماء في النص لم تعرف إلا بعد موت موسى بوقت طويل".( )
إن قصص توراتهم وكتبهم هي بدع وأضاليل مسروقة من الأساطير والقصص للشعوب القديمة (العربية)، من سومرية وأكادية وبابلية، كلدانية وآشورية وسريانية... إلى كنعانية ـ وفينيقية ومصرية... وما هذه الكتب والأساطير المختلفة سوى اجتهاد قام واضعوه في عام 70م بجمع فصول من أساطير الشعوب العربية القديمة وعزوها إلى ربهم الذي يأتمر بأمرهم، عكس كل أرباب الشعوب القديمة أو اللاحقة، التي تأتمر بأمر الله وتنتهي بنهيه.. وإله الناس رحماني وتواب غفور، إلا ربهم فهو قاتل ومتفرد بشعبه عن بقية خلائق الله وحاشى الله عمن عليه يفترون وعلا شأنه عما باسمه يكذبون.. فقد دونت التوراة الأحداث التاريخية القديمة وكذا التعاليم الدينية، قبل أن يأتي دور الكشف عن الآثار وما تختزنه هذه الأرض، وما تستنبطه الآثار واللقى، التي أسقطت ورقة التوت عن أكاذيب اليهود، وأوضحت كنوز الأرض بأنهم ليسوا سوى بداة غزاة، راحلين، من وسط آسيا (من سنغافورة حتى بلاد غامد وزهران) احتلوا الأرض وقتلوا أهلها مثلما سطوا على تراثهم وديانتهم.. وفي عام 539 ق.م قام الخزر ـ الديلم تحديداً ـ يقودهم قورش بالهجوم على دولة آشور بعد أن أنهكتها الحروب ثم دولة بابل الكلدانية الآرامية، وكذلك دولة ميديا وقد استعان في حملته هذه على الوراقين ـ ناسخي الكتب وبائعيها في بابل ـ الذين جاؤوا بوصايا كنعان التي حملها موسى الكنعاني (تلميذ إدريس ـ أخناتون) وفسروها تفسيراً يقوم على الأسس المجوسية الأربعة: (العرقية والنفاق والإباحية والحرب).
إذن فالتوراة ليست سوى مدونات كتبها اليهود أيام السبي البابلي، وتابع أحبارهم التوسع في السرقات والشرح حسبما يروق لهم وبما يتناسب والمرحلة وواقع حالهم..
وبيّن التاريخ أن صحف موسى ظهرت بعد وفاته بسبع مئة عام وبعد وفاة إبراهيم بألف وثلاث مئة سنة. وقد أكد عديد من الكتاب بأنه من الصعوبة بمكان الإقرار بصحة رجوع تاريخ أي قسم من أقسام الأسفار من تكرار وإعادة التصنيف وتفسير وعمليات توسيع مستمرة على مر العصور، وما ورد فيه من مزامير وأمثال وأسفار وشرائع.. وإلى آخر ما هنالك من أساطير وقصص وحكايات هو مستقى من المصادر الأدبية والتراث القديم لمختلف الثقافات التي اطلع عليها كتبة التوراة. أي من المعتقدات والتقاليد الاجتماعية التي عاشتها ومارستها شعوب هذه المنطقة في غابر الأزمان، فأخذ هؤلاء الوافدون عنها نصوص كتابهم، وهي بابلية أو كنعانية أو مصرية الأصل..
وعليه فإن التوراة (هذا) هو كتاب صنعه أحبار اليهود بعد أن اطلعوا على تراث المنطقة، من فلسطين إلى بلاد ما بين النهرين (أو بابل) وهو ليس واحداً.. فقد تبدل وجرت عليه تغييرات بما يتطابق وعصر الأحبار أنفسهم... ولذا فهو أنواع وهي:
1. التوراة المصرية: وتسمى الهيروغليفية( ) ـ لأن موسى كان يعرف هذه اللغة لكن صحفه ظهرت بعد موته. وأن العبرانية ظهرت بعده فهو لم يعرف العبرانية.. إذن من أين ومتى أتت هذه التوراة؟.
2. التوراة اليونانية (أو السبعينية): وقد كتبها سبعون كاهناً يهودياً، جمعوها باليونانية في جزيرة (فاروس) عند مدخل الإسكندرية سنة 285 قبل ميلاد السيد المسيح. وقد جمعت تلبية لرغبة بطليموس فيلادلفوس (280-247ق.م) ثم ترجمت إلى اللاتينية بعد 100م.
3. التوراة السامرية (نسبة إلى السامرة): التي جمعت بعد انقسام دولة الغزو بعد سليمان وعرفت بالآرامية بسبب كتابتها أثناء السبي البابلي. وهي تختلف في مضمونها عن التوراة المنسوبة إلى موسى، كما سميت (بالتوراة الكهنية) أيضاً.
4. الأسفار الخفية: وهي محظورة التداول لدى اليهود في الكيان الصهيوني وخارجه نظراً لما تتضمن من بدع وخرافات، ويسمونها (كتوبيم أخرونيم) أو الكتابات المتأخرة أو الأخيرة. أو (الأبوكريفا) والأسفار الخفية، وهي جملة تلفيقات تختلف عما سبقها من كتب.
5. التلمود المقدس، أو التلمود الحجازي: وهو من وضع أحبارهم. ويقسم إلى قسمين: مشنا وجمارا ـ المشنا تعني المتن وجمارا وتعني الشرح أو التفسير. وهو كسابقيه يختلف في الأحداث والأزمان، وكتب بما يتفق وعصر تدوينه ومؤلفيه أيضاً (من كهنة وإيلوهي) وفيها أساطير سومرية سرقها الكاتب اليهودي ـ الكهني.. حيث وجد فقهاء اليهود أيام السبي البابلي أن للبابليين والكنعانيين ثقافة وأساطير أرادوا أن يجاروها، فقاموا بتحريفها، لأنهم لم يكونوا في يوم من الأيام أصحاب تراث، فقد سطوا على أساطير وموروثات البابليين والكنعانيين... وعندما نزلوا في فلسطين غازين تبنوا أساطير الكنعانيين وآلهتهم وهذا ما يمكن أن يلمسه الدارس والمطلع على آثار الكنعانيين من الوهلة الأولى، فيقف على حقائق المسألة..
وهذا ما لاحظه العديد من الكتاب المتخصصين والشرفاء... فوجدوا أن تاريخ هؤلاء مشتت ودون جغرافيا، وأنهم جنس تراجيدي غريب في كل القارات، وقد أكسبتهم غربتهم تراث ومعتقدات الشعوب التي عاشوا بينها.. وأن لا تراث حقيقياً لهم.. وعليه فإن ما يملكونه من كتب هي ملفقة بالأصل ومسروقة. وقد نفى كرايمير أيضاً التوراة ولم يعترف بشيء اسمه التوراة أو الميثولوجيا التوراتية. ولطبيعة البحث، نورد مثلاً واحداً مما نعرفه نحن أبناء المنطقة عن مسروقات اليهود، فنذكر صراع (يهوه) إلههم، مع التنين (العماء ـ تيامه) وقد انتصر عليه فقتله، ومن بعدها انتقل لتسيير شؤون الكون، وكذلك قصة (بعل) الكنعاني وهو بسبعة رؤوس، وقد تمكن بعل (أو الرب) من قتله، وبعدها خلق الحياة. أما قصته مع يهوه فتقول أنه بعد أن قتله أخرج العشب وأنزل المطر، ولكن هذا كان متأخراً كثيراً إذ أن العشب والمطر لم يكونا قد خرجا بعد قبل انبساط الأرض في أسطورة الخلق كما سنرى. ونحب أن نشير هنا إلى أن تنسيب اليهود إلى الساميين إنما هو من اختراع وبدع المستشرقين ومعظمهم من اليهود، أو صهاينة، وبعد هذا الابتداع الاستشراقي أخذ اليهود يسمون كل من ينطق بالحق ويجيد قراءة التاريخ باللاسامي.. وهي بدعة (وكل بدعة ضلالة).. وتعود هذه التسمية أو المصطلح إلى عازرا الوراق في كتابه المسمى بالتوراة البديلة عن التوراة الضائعة ـ كما وصفه ـ وذكر فيه أن لنوح ثلاثة أولادهم حام أو حم، وسام أو سم ويافث. ونقل الكتاب اليهود ـ فيما بعد ـ هذه البدعة من أمثال شلوتسر وولنسون ثم نحا المقلدون لهم هذا المنحى.. وبالرجوع إلى كتب التاريخ الأنتروبولوجية وأصل الأنساب العربية نجد أن اسم سم أو سام غير وارد في أي مرجع على الإطلاق، إذ أن أسماء قبائل المنطقة العربية جميعها لا تحمل هذا الاسم بل تحمل أسماء الكنع ـ أي الاستقرار الزراعي ـ فيما أن هذا الاسم موجود في الأنساب الخزرية ـ الديلم ـ حيث أن سام أو سامان قد لعب دوراً أساسياً في الديانة المجوسية ـ عبادة النار ـ وهي جوهر المعتقدات الخزرية الديلمية. وإن حم أو حام هو الاسم الآخر لآدم الذي خلق من حمأ مسنون، هو الاسم المتداول لدى سكان البحر الأبيض المتوسط ويعني الإنسان HOMME وهي مشتقة من حم.. وهناك أمر يجب أن نعرج عليه وهو أن عدداً كبيراً من اليهود، في الولايات المتحدة، قد بدأوا يكتشفون الحقيقة، بعد أن لمسوا تَوَرُبِ العالم من بدعهم، فكتب عدد من اليهود الأمريكيين كتاباً ـ مؤخراً بعنوان: why the jewish لماذا اليهود؟).. بينوا فيه أن العداء لليهودية ينبع منها نفسها، إذ أنها قامت على الفجيعة والتفرقة والتمييز منذ ألفي عام وبأنها (شعب الله المختار) وقالوا: "بأن المسيحية انتشرت في العالم أكثر من اليهودية فيما ازداد العداء لليهودية، ولهذا دفع اليهود ثمناً باهظاً لهذا التعالي وللمقولة التوراتية التي تلغي وجودهم كبشر عاديين.. ويجب إلغاء هذه المقولة وإزالتها كيلا يزداد العداء.. وكيلا تتكرر المجازر والطرد التي لاقاها أجدادنا في إنكلترا وإسبانيا وأوروبا ما بين 1300 حتى 1600م خاصة وأن العناصر الأساسية للديانة اليهودية تقوم على الثالوث، اللاعقلاني: الرب، التوراة، المواطنية اليهودية وهذه الأخيرة ذات ازدواجية، إذ أن الدين اليهودي ذو مواطنية متعددة، تتبع بلد المنشأ، وأخرى إسرائيلية (وذكر المؤلفون بأنه لا يوجد قيامة أو يوم آخر في الديانة اليهودية، أو ثواب وعقاب، وهذا سبب يجعل هذه الثنائية العنصرية تميل إلى الاغتصاب واستفزاز العالم كله ضدها.."ص31. وللتقية والنفاق استخدموا مصطلحاً ذرائعياً هو البراغماتية التي تشير من حيث الدلالة إلى اليهود الخالصين المؤمنين بالعقيدة الأصلية ـ المجوسية.. أضف إلى هذه التهويمات الخرافية مصطلحات تاريخية أوجدها الصهاينة والمستشرقون المقلدون مصطلح العرب العاربة والعرب البائدة، وذلك ليقولوا بأن أصحاب الحضارة البابلية والآشورية والكنعانية قد بيدت وأن العرب الحاليين هم مستعربون ولاحق لهم في الإرث العربي القديم والمتسلسل عبر الحقب والعصور وهذا إفك ومحض تزوير. علماً بأن كلمة عرب تعني غرب لأن البحر الأحمر هو غرب الجزيرة العربية والخليج، أما الشرق فهو مقلوب قرش وجزؤه الحجازي هو قريش، وكذا بالنسبة للقبائل الآرامية التي عبرت من الجزيرة إلى مواطن الكلأ في الشمال ـ في الفرات ـ وعرفوا بالعابرين وسميت لهجتهم بالعبرية وهي ليست منفصلة عن الآرامية بل إحدى لهجات قبائلها الشمالية ـ السريانية ـ ولا دخل للخزريين بها ـ حتى إبراهيم كان يتحدث بها..
إن إماطة اللثام عن التلفيق ودحض الأفكار التضليلية التي تبثها الصهيونية وتحملها الأوساط والجماعات العنصرية ذات الطابع الإرهابي الفكري، تفتش دوماً عن كاتب حر وباحث مجتهد محايد.. لكشف الغطاء عنها وإسقاط اللثام عن وجهها الحقيقي في الغرب حتى ولو عرض حياته للأخطار.. كما حصل مع الكاتب الحرروجيه غارودي في كتابه: "الأساطير المؤسسة للسياسة الإسرائيلية" حيث ذكر بأن الصهاينة قاموا بتحويل الأسطورة إلى تاريخ وذلك بالاعتماد على قراءة أصولية للنصوص، قراءة موحى بها.. ويتابع: "فالرمز المتجلي في خضوع إبراهيم اللاشرطي لإرادة الله ومباركة شعوب الأرض.. كل هذا يتحول إلى نقيضه القبلي: أي أن الأرض المغزوة تصبح أرضاً موعودة في كل الشرق الأوسط ومن أراضي ما بين النهرين إلى الحثيين وإلى مصر... وإن حب التحرر للشعوب من الظلم والاستبداد الذي دعا إليه القرآن الكريم يصبح على يد لاهوتيي "التحرير" الحاليين امتيازاً منحه إله جزئي "متحزب لشعب مختار"... مثلهم، في ذلك مثل كل أصحاب الدعوات القبلية التي تدعي أنها أوكلت إليها مهمة تحقيق إرادة الله (على غرار الشتيمة المكتوبة على كل دولار)( ).. الإله القادر على كل شيء لدى وحدانية السوق ثم تلك الميثولوجيا التي زعموا أنها "رد الله على المذبحة" وأنها "الملجأ الوحيد لضحايا هتلر"...
إن الرواة التوراتيين يقدمون لنا تاريخ وأصول إسرائيل كما لو أنه كان سلسلة من العهود المحددة. أوكأن كل الحكايات والأساطير والقصص أو القصائد التي وصلت إليهم عن طريق الروايات الشفهية تدخل في إطار تعاقب أجيال وأزمنة محددة وعلى ما يتفق عليه أكثر المفسرين المعاصرين لها.. ومن منطق الشك العقلي إلى البرهان على الحقيقة بالتجربة التاريخية. يجب تحري هذه الأباطيل لإماطة اللثام عن أضاليل الصهيونية من أجل ترسيخ سيادة العقل والعلم والخير لسائر البشر.. وإقامة نوع من الحوار بين الحضارات عبر التجربة التاريخية وضد موظفي المطلق والخرافة التي استباحت الحق والحضارات وأعاقت كل حوار بين الشرق والغرب..
إن الحوار بين حضارات الشرق وحضارات الغرب موجود لكنه يبقى وهماً بالنسبة للمجتمع الغربي الذي خلق مجتمع الاستهلاك أو حضارة الجهاز الهضمي وهو الآن في مأزق.. كيف لا.. وهو يبشر بالنمو المتزايد على حساب أرض الشعوب وثرواتها الباطنية والمأزق ليس على الصعيد المادي فحسب بل يطال كل الأصعدة خصوصاً الصعيد الإيديولوجي... ولا بد للغرب من العودة إلى ينابيع الحكمة في كل من مناطق آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية وكيف يمكن الحوار في عالم مهدد بالانفجار في كل لحظة.. فالسيطرة على العالم التي كلفت 450 مليار دولار وتسببت بموت 50 مليون إنسان، عبر لغة التبادل غير المتكافئ والحروب، التي تحاول أن تفرض مفهوماً للنمو على جميع الدول والشعوب، إنما تقود إلى الانتحار الكلي، وهي التي لا تولد إلا حالات القهر المتزايدة، ما دامت تضع فوق رأس كل إنسان يعيش على هذا الكوكب الآن ما مقداره خمسة أطنان من المتفجرات. ولذا فإن مسألة الحوار هي مسألة حياة أو موت. وإن فتح حوار بين حضارات الشرق والغرب، لوضع حد للمونولوج الغربي "أحادي النغمة" الانتحاري، لا يتحقق هذا الحوار إلا بالانفتاح على الثقافات والحضارات غير الغربية وهو وحده الكفيل بأن ينقذ الغرب من المأزق ويجنبه الموت. وبرأينا يبقى الشرق شرقاً والغرب غرباً وأن هذا الحوار غير ذي جدوى لأن الغرب يفهم الشرق بأنه جزء من إمبراطورية روما ويلغي حضارته القديمة.. وما اعتناقه للمسيحية إلا دليل على أن حضارة الشرق هي مهبط الفكر والأخلاق...
وأما أحد أهم أطراف الحوار فهو الإسلام. لماذا؟.. لأن نظام النمو الغربي الذي بدأ مع عصر النهضة الأوروبية، قد توافق مع إبادة الهنود الحمر واستقدام الأفارقة السود إلى القارة الجديدة وبدأ استغلالهم إلى أقصى الحدود اللاإنسانية.. واستمر هذا النظام بجرائم القتل المستبدة بالبشر في شتى أصقاع المعمورة.. وأمام هذه الجريمة التي ترتكب بحق البشرية يجد المرء نفسه مدفوعاً إلى المطالبة بحوار الحضارات وليس للبحث عن حلٍ جاهز تقدمه لنا إحدى هذه الحضارات. دون نكران ثقافة الغرب التي أخذت منذ عصر النهضة حتى الآن تتقوقع في فردية خانقة نتج عنها أنظمة حكم تعسفية تتحمل مسؤولية خسارة البعد الإنساني للإنسان في الثقافة. من هنا فإن المشكلة، بما أنها مشكلة الإنسان أينما كان، مطروحة على المستوى العالمي ولا يمكن إيجاد حل لها إلا على هذا المستوى، أي بأن تتحاور كل الثقافات في العالم. وأعتقد أن الإسلام هو من أهم الثقافات، لأنه لم يفصل بين العلم والحكمة، فيما يتحكم في الغرب مفهوم وضعي للعلم والتكنولوجيا أدى إلى الدمار.. ففي العهد الذهبي للعرب كانت هناك حقيقة واقعية وهي إشارة حضور، فمسألة العلم والحكمة، والعلم والدين، الحياة الاجتماعية والاعتبار الأخلاقي، كل هذه المقولات لم يفصل الإسلام بينها مثلما فصل الغرب بينها منذ ماكيافيلي وحتى أيامنا هذه، وهذا الانفصال ينتج عنه بالطبع انفصال آخر على مستوى الوسائل والغايات..
لقد تطاول مفكرو الغرب على الثقافة العربية وأنكروا دورها الإنساني وهضموها حقها. إن الخلاصات النهائية للحضارتين تثبت أن اليونانيين اعتمدوا في الرياضيات على المفهوم النهائي في حين أن العرب اعتمدوا في الرياضيات على المفهوم اللانهائي. كما أن المنطق اليوناني كان منطقاً نظرياً، على حين أن العِلمْ العربي كان علماً تجريبياً في أساسه، والهندسة المعمارية اليونانية اعتمدت على الخط المستقيم، أما الهندسة الإسلامية فهي سيمفونية من الأقواس والمنحنيات، كما تبدو واضحة في المساجد. ومن الناحية الفلسفية نجد أن الفلسفة اليونانية ابتداء من "برفيد" إلى الأسطورة هي فلسفة "الفعل" وكذا المأساة اليونانية فلا يمكن تصورها حيال النظرة الإسلامية للحياة. كما أن الشعر العربي لا يعقل في التصور اليوناني للحياة بمفاهيمه "النهائية" و "الكمية".
وإذا كنا لا ننحو باللائمة هنا على المفكرين الغربيين المتأثرين بالصهيونية، في إهمالهم للشرق وحضارة العرب، بل إننا لنجد عند أهم كتابهم وفلاسفتهم قاطبة (مثل هيغل) ما نقله بطريق القصد العارف خطأً تاريخياً وفلسفياً يصب في خانة هضم الحق التاريخي ـ الفلسفي العربي، فيهمل فلسفة الشرق العربي، بل ويهمشه، وحينما يتحدث عن فلسفة العرب فإنه يتحدث عن الفلسفة اليهودية، كما نجد لديه ترجمة غير دقيقة للأزمان والأسماء (مثل المعتزلة فأسماها الانفصالية ووضع بين قوسين معنى الكلمة العبرانية) كل هذا في كتابه تاريخ الفلسفة( ).
وباختصار، لقد أوقع الغرب التاريخ فريسة للزيف الفكري والديني وعبر وسائطه الإعلامية المتطورة، فأحيا بذلك صورة الغزاة من الماضي (جنكيز ونيرون) إلى الحاضر... حيث يمكن مشاهدتهما كل يوم وفي كل قارة.. وصار الانعتاق أو الخلاص الذي دعا إليه عيسى بن مريم ومحمد بن عبد الله، كما الدين، عدواً لدوداً للغرب (الذي يعتنق المسيحية ـ بعد أن قلد المسيح سيفاً، ثم بندقية، وأسلحة نووية فتاكة). وأقام السلطة الأرضية القهرية، والقانون وأسماها روح الله.. ثم تحول الغرب، حيال العالم الآخر، تحول إلى إله.. فتحولت دعوة هوبس (بأن الله قد مات وعلى الإنسان أن يكون إلهاً بعقله) إلى حيز التطبيق لدى الغرب.. مثلما تحولت مقولة ديكارت "السيطرة على الطبيعة وتحويلها إلى عاهرة، واقعاً يسحب على الإنسان أيضاً.. ونلمس كل هذا في دعوته الجديدة بإقامة نظام جديد عالمي، (والشرق أوسطية تكون إسرائيل محور رحاه). فنظام السوق واقتصاده هو محور هذا النظام، وأن إسرائيل هي التي تقود هذا الاقتصاد في الشرق، إذن فهي التي تحدد الحرب وتحدد السلام، كما تعين وحدة العرب وفرقتهم.. وبذا يمثل الغرب يوشع الأسطوري الذي يوقف الشمس ويجفف النهر ليعبر أتباع يهوه من الماضي إلى الحاضر.. من الأسطورة إلى التاريخ، ومن التشرذم إلى الدولة المتطورة لتكون ذراعاً للغرب في أهم بوابات الشرق (الأدنى والأوسط والأقصى) لتحقيق الحلم الاستعماري القديم وهو: إسقاط الشرق...
ومنذ أول غزو غربي للشرق في التاريخ على يد الإسكندر المكدوني( )ـ ثم الرومان والصليبيين حتى الحملات اللاحقة في القرن الماضي وبداية هذا القرن إلى أن جاء عهد انتهاء الكولونيالية بعد الحرب العالمية الثانية، زرع الغرب لـه ذراعاً في هذه المنطقة على مفترق طرق الالتقاء البرية والبحرية والجوية بين الغرب والشرق.. وهو الآن قد وصل إلى مبتغاه بأن جعل حارساً على رأس الرجاء الصالح /نظام بريتوريا/ في جنوب إفريقيا، وهمش قناة السويس بعد كامب ديفيد، وحاصر شرق المتوسط بطوق الناتو والذراع الإسرائيلي. كل هذا عبر جهوده ومسعاه لإسقاط الشرق.
والمسألة الأخرى في هذا العصر هي في النقاش الدائر على الساحة العربية أيضاً.. في زمن اللغط على الهوية، والحوار مع الآخر.. وبكلمة أكثر تحديداً، في زمن التطبيع.. وأخطره التطبيع الثقافي الذي يبتغي، انتماء إسرائيل جغرافياً للمنطقة.. إلى ما هنالك من دعوات تضليلية تتخذ من إسرائيل مثلاً.. مما يعيد صورة التهافت، بل التهالك الفكري التي أصابت هذه الأمة في العصر العباسي الرابع، إذا استقوى المتهافتون ببني بويه على بني العباس خلاصاً مما هم فيه، من تسلط النظام، فلاقوا ما هو أمر وأدهى على يد البويهيين.. ثم استقووا ببني عثمان على بني بويه. حتى سقطت الدولة العربية بيد الأغيار الذين شددوا قبضاتهم على البلاد والعباد.. وبعد أربعة قرون من ظلم العثمانيين استنجد هؤلاء بالغرب وقد انبهروا بنظمه.. فدعوا إلى الاقتداء به و "إراقة نضجه فينا"... وبعد أن رأوا النضج الغربي في ظل الاحتلال.. فإنهم يستنجدون الآن بعدو الأمة التاريخي والجغرافي.. وهكذا يستقوي الساقطون بإسرائيل عبر دعواتهم الثقافية المشبوهة والمتعددة التي تعلو تارةً وتخفت تارةً أخرى. ناهيك عن عمليات التسلل الصهيونية إلى السياسة وكذلك إضفاء طابع القداسة على سياسة معينة بقصد اعتبارها من المحرمات لا يجوز المساس بها وترتب على صاحبها تحمل تهمة اللاسامية، التي برزت أفكارها الأساسية في كتاب برنار لازار "اللاسامية.. تاريخها وأسبابها عام 1894 ـ في أجواء مشبعة بقضية مقتل دريفوس الضابط اليهودي في فرنسا، ونشوء الصهيونية على يد هرتزل ـ وفيه يرد على أوسع الكتب اللاسامية انتشاراً وهو "فرنسا اليهودية ـ لا../ لكاتبه درومون(1866).
وذكر "لازار" بمسؤولية اليهودية عما يجري عليها من اضطهاد (أي خرافة الشعب المختار وتبعية بقية الشعوب الأخرى لها كشعوب" حقيرة") كما ينظر الكاتب إلى هذه الكتب المزيفة وإلى انكماش طوائفها وتفردها...
وهناك من يقول بأن تسمية اللاسامية ظهرت لأول مرة في كتاب صحفي من هامبورغ هو "ولهالم مار" بعنوان "انتصار اليهودية على الجرمانية ـ 1873". أما عن معاداة المسيحية لليهودية فهي من مخلفات الفكر القسطنطيني الذي تبنته الكنيسة الظافرة، وارثة تقاليد كهنة المعابد اليهودية وتقاليد الإمبراطورية الرومانية وحاربت الوثنية واليهودية.. إذ أن المفهوم المسيحي القسطنطيني يعتبر اليهودية ديانة وثنية أيضاً. أما العزلة اليهودية التي قال بها لازار فتجد لها مؤيدين اليوم من يهود دول أوربا وفي الولايات المتحدة نفسها. ونورد هنا قولاً من لازار: "من الحماقة جعل إسرائيل مركزاً للعالم وخميرة للشعوب ومحركاً للأمم"، وهو يشير بذلك إلى بوسويه، ودرومون /في عرضه تاريخ الكون ـ أن يهودا مركز العالم/. ولعل انتشار الماسونية التي تهدف إلى نسف الأديان تحت شعار حوار الأديان ـ من أجل انتصار اليهودية هو ما جعل أباطرة الغرب منذ: 1717/ يحرفون المسيحية عن أصولها الحقيقية ويدخلون فيها تشويهات شتى منها جمع التوراة مع الإنجيل في "الكتاب المقدس" فيما بعد.
وفي هذا الوقت يجري الاستناد إلى مثل هذه النصوص لتبرير أمرين: التوسع المستمر في الحدود ـ والطرائق التي تتبعها إسرائيل في التقتيل والإرهاب. وقد سبق لبن غوريون أن استند إلى نص توراتي وحدد إسرائيل كما يلي: 1ـ جنوب لبنان حتى الليطاني (وهو شمال إسرائيل الغربية) 2ـ جنوب سورية ـ 3ـ شرق الأردن ـ 4ـ فلسطين ـ 5ـ سيناء". وقام غارودي بشرح هذا التقسيم فقال: "وفقاً لهذا المخطط فإنه كان من المفروض أن تمر الحدود الشمالية بخط عرض مدينة حمص السورية التي ماثلها بمدينة حماه المشار إليها كحد شمالي لأرض كنعان"، لكن ما دخلهم بأرض كنعان وبالكنعانيين؟. فهذا وجه من وجوه السطو والاغتصاب /من سرقة التراث إلى اغتصاب الأرض/. ويذكر غارودي طرفة عن الاستخدام التوراتي من قبل دعاة الصهيونية لتبرير عملياتهم الاغتصابية والعدوانية، فيقول: "إن ثمة صهاينة توراتيين طابقوا بين حماة وحلب فيما جعلها غيرهم في تركيا. أمام الحاخام "أدرين شتنسالز" فقد طالب خلال ندوة عقدها "سارتر" في إسرائيل، طالب بحقوق تاريخية لليهود في قبرص.. وأن بيغن أثناء غزوه للبنان أصدر أمراً بإلغاء رحلات شركة "العال أيام السبت لتبيان احترامه للعطلة المقدسة... كما يفعل اليوم صهاينة الليكود والعمل.. ثم يأتي إلى تفنيد مقولة "اليهودي" فيقول إنه "وفقاً لعزرا ونحميا وكما نصت عليه محكمة نورمبرغ العنصرية: يعتبر يهودياً من ولد من أم يهودية (وهذا برهان عنصري) أو من اعتنق الدين اليهودي (وهذا برهان لاهوتي) ولا يستطيع أن يفيد من قانون العودة إلا من تنطبق عليه هذه المعايير.. وبالتحليل المنطقي للتاريخ فإن أم إبراهيم مؤابية وأم سليمان كنعانية، حتى أم موسى وغيره.. فهل تنطبق عليهم المعايير اليهودية لو عادوا إلى فلسطين اليوم؟... ويذكر الكاتب عن الأساطير العرقية التي يستند إليها الصهاينة في تعاملهم الديني والسياسي فيقول: "والأسطورة البابلية في سفر التكوين (10/18/24) استخدمت كغيرها من الأساطير العنصرية لتبرير الطبقة والتسلط: فأبناء نوح الثلاثة "الذين غمروا الأرض بنسلهم" بعد خروجهم من الفلك كانوا أصلاً: آسيويين (من سام) وأوربيين (من يافت وأفارقة من ـ حام). وجرى تكريس الآخرين للعبودية والعنف. وأن "حام" الجد الأعلى لعبيد الأرض، و"يافث" جد الأسياد أما "سام" فجد العلماء ويقف على رأس جميع الطبقات"، ومن حق غارودي أن يهزأ، لهذه الخرافة وغيرها من سخافات الصهاينة، والتي لم تترك للعقل أي دور للنشاط، وللفكر التمدد خارج إطار الخرافة واللامعقول، ولا "للدماغ أن يتحرك خارج مضمار الانفصامية.. في حين أهمل "الغرب" عدداً من رواياتهم عندما بدؤوا يرتفعون بالروي والنقل إلى تعيين الماضي، وتسمية شخوصه ممن لم يذكرهم كتاب، وبخاصة الأنبياء، فرفضوا رواياتهم ونبذوها لأنها نوع من التدخل في شؤون السماء وأن ليس هناك من هو مكلف على الأرض بذلك وأن الله لم يبعث أحداً بعد محمد بن عبد الله بالوحي أو صلاحية من هذا القبيل لأحد.. ومن هؤلاء الرواة كتاب التيجان لوهب بن منيه، فقد أهملته العرب فيما مضى تماماً، وضاع فوجدوه (مخطوطة متهالكة في الهند) ووجد من اهتم بخرافاته وسواه فطبعه، لكنه بقي على قيمته غير الوثوقية من بين الروايات، فيما أن الصهاينة ومعهم رهط كبير من المستشر قين، لم يأبهوا لتزوير التاريخ والحقائق والافتراء على الله والأنبياء والشعوب وهويتها( ) وهذا السطو المقصود لا بد أن يدفع أصحابه ثمنه الباهظ، أقله النبذ. وأن التزييف عندما يطال السماء فإن شعوب الأرض كلها تستنفر ولو ضمنياً لاستعادة كرامة السماء على الأرض.. فما بالك إذا طالت هذه التزييفات أهل الأرض كافة وباسم السماء؟!.. بمعنى هل صحيح أن الله خلق الإنسان ليقزمه، ويسفه خليقته.. وأن لون البشرة "الحامية" بنظرهم ملعونة ولذلك هي سوداء، أليس هذا تقزيماً للإله نفسه؟.. وهذا ما توصلت إليه تحليلات غارودي ودراساته.. ولهذا يواجه أشكال الاضطهاد والكم، في بلد الحرية والفكر الحر!!؟ لقد اجترح الصهاينة من جملة ما اجترحوه أن هناك جيشاً لله خاصاً بالشرق وبالعالم وهم أفراده. وينقل غارودي قولاً لأحد الصهاينة يعين هذا الجيش وقوته وأفعاله إذ يقول في معرض حديثه عن الخرافة الآرية: "إنه وتمشياً مع التقاليد العبرية أو بالأحرى الحاخامية فإن للحرب قيمة بحد ذاتها، حتى ولو لم تكن حرباً دفاعية، في مسالك (الخلاص).. وقد بلغنا في لبنان مرحلة حرب الأيام الستة.. فبواسطة حرب لبنان هذه كشفنا عن مدى قوتنا العسكرية.. إننا مسؤولون عن النظام في الشرق الأوسط وفي العالم على السواء"..
أما الأمة فليست القيمة العليا، بل الله.. والأيديولوجية القومية أو روح القومية لن تكون مشروعة ما دامت تجعل الأمة غاية بذاتها.
إلا أن اليهود أبعد من أن يكونوا أمة، بل إنهم أعضاء في جماعة وهذا القول ينطبق على الجماعة بكل صنوفها، سواء كانت جماعة لعب بالنرد أو الشطرنج أو بحياة الناس والشعوب، أم عصابة "مافيا".. "وإذا ما طورت أسلحتها ومكنوا لها في الشرق الأوسط فإنها ستسطو على العالم كله وعلى من مكن لها... أو لم يقل نتن ياهو.. "أن ليس بمستطاع أميركا تعيين رئيس إسرائيل وهي ليست قارباً أميركياً يحدد لـه كلينتون الربان والقائد..".
ويتحمل الأوربيون سبب هذه التزييفات والتحريفات النابعة من النزعة القومية الأوربية في القرن التاسع عشر والتي جعلت منها اليوم بديلاً للديانة ومذهباً لعبادة الدولة تلك المدعوة: "دولة إسرائيل".
ويذكر أن أحد المهووسين (بوبر) بعث برسالة إلى المعلم الهندي العظيم (المهاتما غاندي) رداً على ما قاله غاندي 1939 ـ في تساؤله عن سبب عدم شعور الصهاينة بالطغيان والاضطهاد الذي جرى عليهم في البلدان التي مارست عليهم ذلك في البلدان التي ولدوا فيها بدلاً من البحث عن وطن قومي آخر، أي في أوغندا أو في فلسطين.. فأجابه غاندي: "وهل يعقل أن أقول إن الهند للإنكليز لأن لهم فيها أثراً سالفاً وأن فيهم من يعرفون لغتها.. أو بلاد العرب للهنود لأن فيهم من يتكلم العربية؟.." فأجابه بوبر بكل فوقية وتعالٍ مفرطين وأنانية متورمة، قائمة على تلك الوعود (الربانية) المزيفة فقال: "الأساسي بنظرنا ليس وعداً بالأرض بل يرتبط تحقيقه بالأرض وبوجود مجتمع يهودي في هذه البلاد" إذن إن لهم مهمة مؤقتة في هذه الأرض وبواسطة هذا المجتمع وجنسه، هي هذه الدولة (دولة الرب) وهل باقي الدول عظام مسحوق.. أو بقية الأمم خدام لهم؟..
ويذكر غارودي بلسان بوبر الصهيوني: "كنا نأمل أن ننقذ فكرة القومية اليهودية من خطأ تحويل الشعب إلى معبود فأخفقنا".. يقصد الشعب المختار.. ويقر غارودي بأن القوة "هي أشد النظريات فساداً وخطأ وخاصة تلك التي تزعم بأن مسالك التاريخ إنما تشقه القوة.. والقوة هي دائماً تغليب لما هو دون الإنساني على الإنساني، تغليب السخيف على الرصين، والمنحط على النبيل".
وكان غارودي قد ساق صرخة لأحد الصهاينة، بنيامين كوهين، من جامعة تل أبيب إلى فيدال كافيه يوم 8 حزيران 1982 أثناء غزو إسرائيل للبنان وقد قال في رسالته: "أكتب إليك وأنا أستمع إلى مذياعي الصغير يعلن بأننا على وشك تحقيق هدفنا في لبنان.. ألا وهو: توفير السلام لسكان الجليل.. إن هذه الأكاذيب الجديرة بغوبلز تكاد تذهب بعقلي!... إذ من الواضح أن هذه الحرب الوحشية والأشد وحشية من كل سابقاتها، لا علاقة لها البتة بمحاولة القتل في لندن ولا بأمن الجليل.. ترى أيستطيع يهود من أحفاد إبراهيم طالما كانوا ضحايا الجور والاضطهاد أن يصلوا إلى هذه الدرجة من الوحشية إذا ما هو نزع اليهودية من قلوب اليهود؟." وينهي كوهين رسالته إلى ابن ملته بالتدخل كيلا يبلغ الصهاينة وبيغن وشارون غايتهم المزدوجة في تصفية الفلسطينيين كشعب، وهذه ستقود إلى تصفية اليهود وكائنات بشرية.( )
ومن حق كوهين هذا عدم التمسك بيهوديته وإدانتها لأنه يراها خطراً على البشرية.. ويذكر غارودي هنا: أن هذه الإدانات هي بعنف إدانات الرسل الغابرين.. كتلك التي لعن فيها (إرميا) أولئك "الذين يتحدثون زوراً باسمي لديك.. خطيئتهم أنهم يجلبون العار لإسرائيل" أو تلك التي أدان بها (ميخا) قادة إسرائيل بقوله: "اسمعوا إذن يا قادة يعقوب، يا قضاة دار إسرائيل، يا من تخشون الاستقامة، وتلوون كل مستقيم، بتشييدكم لكيان صهيون وسط الدماء، وإشاعتكم الجرائم في أورشليم".. وذكر عن أحد المتحمسين للصهيونية (برنار لازار) بأنه كان يقول بأن التلمود حرف قول التوراة (الأحبار قتلوا الأنبياء) وقال بأنه عندما كان الحاخام (يوشع) يقول: "أختر من غير اليهود أفضلهم وأقتله، لم يكن أشد وحشية من قتلة اليوم، الذين لا يسمحون بمناقشة أوامرهم."
إن تضليل الصهاينة لاختيار "الأحبار الذين يقتلون رسل الرب" هو تضليل يقود إلى انطلاق حملة فعلية ضد السامية.
نعم لقد قتلوا رسل الرب.. فطالت أيديهم جسد الأنبياء (الثائر والشهيد العربي الأول) السيد المسيح عيسى بن مريم عليه السلام!. ويتابعون مجازرهم التي تطال أحفاده اليوم!. مثلما حاولوا قتل نبي الله محمد، وتطال أيديهم أرضه وأحفاده ومقدساتهم!. لكن الأنكى من ذلك أن يقوم الغرب اليوم بجمع هذه الخرافات العهد القديم مع الأناجيل العهد الجديد في كتاب واحد ويسميه "الكتاب المقدس"... فكيف ضموا القتيل وأقواله إلى القتلة وأقوالهم؟!..( )
وفي هذا يبين غارودي: "إن العمل في صالح اليهودية والمسيحية ينطلق من رفض الانخداع بذلك التلاعب بالمقدسات وعدم الخلط بين اليهودية وبين تزمت الصهاينة العنصري" وعن التزييف التوراتي يبين غارودي مراحل هذا التزييف وأساليبه ودعاته، فيقول: "إن التفريق بين الحق الطبيعي والتاريخي ـ أي الوعد بالأرض ـ والأسطورة هو سهل لأنه ليس هناك خارج نصوص التوراة أية إشارة لروايات العهد القديم ـ قبل القرن العاشر قبل الميلاد ـ ولا في مدونات شعوب الشرق الأوسط ولا في الحفريات الأثرية. بل إن عالماً كالأب "ديفو" وهو الذي حرص على إنقاذ العهد القديم، يعترف بأنه ليس هناك خارج التوراة أية إشارة واضحة للعبرانيين وإقامتهم في مصر وخروجهم منها... ولا حتى إلى غزو أرض كنعان. ومن المشكوك فيه اكتشاف نصوص جديدة تكتشف أو تبدد صمت ما كان.." من هنا كانت مساهمتنا هذه في البدء من حيث انتهى المفكر غارودي، لنبحث في سرقات التوراة والقصد الموجه من هذه السرقات عبر العصور وهو احتلال فلسطين.. وربما لم يكن غارودي قادراً على متابعة دراسته نتيجة الملاحقات القضائية لـه من قبل اللوبي الصهيوني في فرنسا (جماعة الليكرا) لذا وجدنا أن نتابع الدراسة من النقطة التي انتهى عندها غارودي، راجياً تحقيق المبتغى.




***




















الفصل الأول:


كتبوا على الرمال...






"إن الربانيين والحاخاميين فسروا التوراة حسب أهوائهم وبالشكل الذي يلبي غرائزهم الشريرة ونزوعهم للتفوق على بقية أجناس البشر"..
وول ديورانت ـ قصة الحضارة..


















أ ـ موظفو المطلق والتلفيق التاريخي..
يتفق جميع الباحثين ودارسي التوراة، تاريخاً وكتابة وترجمة، على أن النسخة الأصلية للتوراة قد ضاعت من أيدي عسكر نبوخذ نصّر.. فقام رهط من أحبار اليهود بنقلها وجمعها.. وعندما ظهرت هذه النقول المجموعة على يد "عزرا" ضاعت مرة أخرى في حادثة حرق أورشليم، التي قام بها ملك الفرنجة "أنتيوكس" بعد احتلاله القدس، فحرق جميع نسخات العهد القديم وأمر بقتل كل من يوجد عنده نسخة من هذه الكتب.. وليست هذه الحادثة هي آخر ما وقع لهذا الكتاب من أحداث وواقعات كانت قبل مئة عام من ميلاد السيد المسيح، فقد تكررت هذه الوقائع بعد الميلاد.. ومن نافلة القول بأن كل منقول مشكوك بصحته وهذا ما يمكن استبيانه من المدونات التاريخية والكشوف الأثرية التي أماطت اللثام عن سرقات التوراة ومغالطاتها سواء من حيث التسلسل الزمني للتواريخ والوقائع المثبتة تاريخياً أم من حيث الأسماء والأماكن والسلالات والهجرات.. ناهيك عن الحذف والزيادة التي حصلت بما يتفق ومزاج أو أهداف كتبة التوراة.. إذ أنهم دونوا كل ما ارتأوه جديراً بأن يحتويه تاريخ يؤسس للجنس اليهودي، فحذفوا كل ما لم ينل استحسانهم، وكتبوا تاريخاً يملّكهم فلسطين أو يخولهم العودة إليها.. فربطوا سلالاتهم بإبراهيم النبي الكلداني ليكون لهم الحق بامتلاك أرض فلسطين، واختاروا "إبراهيم" لكونه أول أنبياء المنطقة العظماء.. وقبل الغوص في التفاصيل والكشف عن حقائق التاريخ ننوه إلى أهم نقاط الشك والالتباس التي يلحظها الدارس في قراءته للتوراة وأهمها:
1. أسماء المدن والأماكن والمواقع التي ورد ذكرها في مدونات أقدم من التوراة وتعاكس ما ورد في التوراة، حيث هي غير محددة.
2. تواريخ الأحداث والوقائع التاريخية المضبوطة حسب تسلسلها الزمني وعلاقة الأقوام بهذه الأحداث وأدوارها فيها.. وكذلك هجرات هذه الأقوام وثقافاتها ولغاتها، فهي مغلوطة في التوراة.. وربما الغلط مقصود أو النقل توخى ذلك..
3. وكذلك أزمان الهجرات من الجزيرة العربية بشكل متتابع إلى فلسطين وبلاد الهلال الخصيب قبل ظهور موسى النبي وما بعده..
4. انتحال أسماء ومصطلحات لا تخص اليهود بتاتاً، بل هي من صفات العرب وموروثاتهم ولغاتهم وآدابهم (العبري، يهوه، إسرائيل، صهيون.. الخ) ونسبها لأنفسهم..
5. تعيين زمن الحوادث المذكورة في التوراة بحسب التوافق مع شؤون الكتبة وأغراضهم وقياساً على الوقائع الحربية واتخاذ أسماء السلالات الحاكمة في كل عصر وتحويلها إلى مقولات دينية لا وقائع تاريخية، مما يجانب الحقيقة ويظهر التزوير بسهولة ويسر.
6. السرقات.. سواء سرقة الشرائع والنصوص من الأساطير والآداب العربية القديمة منذ السومريين وحتى الفينيقيين، أم سرقة التراتيل والتسابيح والأمثال، وتحويرها إلى سور وآيات دينية نقلت إلى العبرية لتشكل الكتاب الذي يسمونه التوراة ـ وقد نقلت من البابلية والآرامية والكنعانية والفرعونية.. الخ.
7. إن التوراة ذاتها تفيد بأن اليهود هم غرباء على المنطقة (كلها) ودخلاء على فلسطين، وأنهم عجزوا عبر وجودهم ـ ذاك ـ عن إقامة دولة لهم.. من هذه الملاحظات، ننتقل إلى التوثيق والتدليل على صحة ما نزعم فيما يخص مسألة التوراة والتزييف الحاصل فيها عبر العصور... ناهيك عن أن يهود اليوم لا يمتون بأدنى صلة ليهود الماضي.
يقول الكاتب أدوار كييرا ـ في كتابه "هنا كتبوا على الطين" إن شرائع وقصص وأساطير التوراة ترجع إلى أصل قديم، وليس لليهود فيه دور، بل إنها سومرية وأكادية وبابلية وكلدانية وآشورية ومصرية وكنعانية.. وليس لليهود أي أدب مبتكر ـ إبداعي ـ أو ثقافة خاصة. وإن كل ما لديهم هو مقتبس ـ من قبل كهنتهم ـ من المدونات العربية القديمة حيث أخذوا كل ما ارتأوه جديراً بأن يحتويه تأريخ يؤسس للجنس اليهودي.. وحذفوا بلا هوادة كل ما لم يلق استحسانهم"( ).
لذا فإن التوراة هو جميع أساطير وآداب شعوب المنطقة القديمة نقلها عزرا وأحبارهم وحاخاماتهم كشرعة لاغتصاب الأرض والقتل والتدمير.
فالأسماء الواردة في التوراة هي أسماء عربية، ولنبدأ باسم "يهوه".. فهو اسم لإله عربي ـ وكبير آلهة الفينيقيين الذين سكنوا أرض مديان... وقد أثبتت المكتشفات صحة ذلك. والعبري أو العبراني ـ هو مصطلح أطلق على طائفة من القبائل الآرامية القادمة من جزيرة العرب شمالاً إلى بادية الشام وعلى غيرهم من الأقوام عابرة البادية، في العام 2000 قبل الميلاد.. حتى صارت كلمة عبري مرادفة لابن الصحراء أو البادية وقد وردت كلمة الأبري، والهيبرو، والخيبرو، والعبيرو في المصادر الفرعونية والرقم المسمارية قبل وجود موسى وأي يهودي بعدة قرون( ) وإن نعت إبراهيم بالعبراني (كما ورد في التوراة) إنما اقتبس من معنى العبريين أو العابرين وهم القبائل البدوية الآرامية التي ينتمي إليها إبراهيم نفسه بعد أن قطع الصحراء غرباً إلى فلسطين ـ كما سنرى فيما بعد. ولهذا نلفت النظر إلى التمييز ما بين العبري والإسرائيلي والموسوي واليهودي المعاصر، منذ البدء لضرورة الاتساق والدقة.. وذلك لأن عصر إبراهيم هو عصر عربي ليس لـه أية صلة بعصر اليهود.. (وقد نبه القرآن الكريم إلى ذلك بالنص: يا أهل الكتاب لم تحاجون في إبراهيم، وما أنزلت التوراة والإنجيل إلا من بعده، أفلا تعقلون.. ما كان إبراهيم يهودياً ولا نصرانياً، ولكن كان حنيفاً مسلماً وما كان من المشركين( ).
وفيما يخص التمييز ما بين "اليهود وبني إسرائيل" فذلك عائد إلى أن عصر موسى وعصر اليهود، هو غير عصر إبراهيم ويعقوب (إسرائيل) لأن بينهما سبع مئة سنة على الأقل.. هذا من ناحية.
وإن عصر اليهود لا يمكن إرجاع تاريخه إلى عهود حيث لم يكن لهم أي وجود.. زد على ذلك أن التوراة المعنية في بحثنا هذا قد كتبت بعد موسى بكثير.. وكذلك إسرائيل (ويقصد به يعقوب حفيد إبراهيم) وأبناؤه ـ بنو إسرائيل ـ الذين أوردت أسماءهم الأسفار، فإن دورهم محصور في حران (حاران) حيث موطنهم الأصلي الذي ولدوا وترعرعوا فيه. أما فلسطين فهي أرض غربتهم وقد وجدوا في القرن السابع عشر قبل الميلاد وهو نفس عهد إبراهيم الخليل، وقد أخذوا لغتهم من لغة المنطقة (الآرامية) الكنعانية والعمورية وهي ذات الأصل الواحد أو اللغة الأم وقد نطقوا بهذه اللغة لا بالعبرية.. وإن الكنعانية هم سكان الوطن العربي [وقلب كنعان هي فلسطين وعاصمتها يبوس أي القدس: يب = قلب، و، وس= كنعان ـ في الجنوب ـ أما الشماليون فرع كنعان الآخر فيسمون بالفينيقيين ـ وتضم القبيلة الكنعانية: الذئب والكلب والثعلب.. وكان تدجين الكلب (الكنع) نقلة حضارية كبرى في تاريخ الإنسان القديم ـ بحيث صار اسم كنع أو كنعان رمزاً للرعي والتحضر والاستقرار. ومن أسماء القبائل الكنعية أو الكنعانية: كلب وكلاب والكلب ومنها أيضاً مرادفات هذه التسمية مثل السك والسكسك وسكاسك وسكون وكلها من أسماء الكنع وأيضاً أوس ودوس وسدوس وكذلك تغلب وثعلب وتولب هي من كنعان ونفس الشيء بالنسبة إلى سومر التي عبدت الرب إنكي وهو مقلوب كنان أي كيان.. ومعنى سومر هومكان التقاء نهر الفرات (سو) بالخليج (مر) أو الماء المر، وهي جنة السومريين في التراث].. هذا بالنسبة للأماكن، أما بالنسبة للأسماء، فإن يعقوب هو آرامي ولغته هي نفس لغة إبراهيم وكذلك أبناؤه.. وقد عاشوا جميعاً في عصر إبراهيم ودوره.. وبهذا نرى تناقض الأسفار ونقلها المغلوط.. كما أثبتت المكتشفات الأخيرة أن كلمة إسرائيل كانت اسماً لموضع في فلسطين وهي تسمية كنعانية، ووردت في الكتابات المصرية القديمة والتي ترجع إلى ما قبل عصر موسى، كما أن أسماء إبراهيم ويعقوب ويوسف وردت في الكتابات المصرية قبل عصر موسى، مما يدل على أنها كنعانية.. وقد انتهى هذا الدور بهجرة أسرة يعقوب إلى مصر وانضمت إلى يوسف (وهذا قول التوراة) وقد اندمجت وذابت فيها كلياً بحكم أنها أقلية وعاشت بين الأكثرية ردحاً طويلاً من الزمن، وهذا منطق التاريخ وعلم الاجتماع على أقل حد.. وإن كلمة اليهود اشتقت من اسم يهوذا ابن يعقوب من امرأته "ليئة" رابع أبنائها بعد الانفصال، وهو الذي اقترح على أخوته بيع يوسف لتخليصه من الموت.
أما قوم موسى فهم جنود فارّون مع بعض الهكسوس، وقد دانوا جميعاً بدين التوحيد المصري الذي دعا إليه أخناتون ـ عبادة إله واحد لجميع الخلائق ـ عن طريق نشر الإخاء العالمي بين البشر، وهو غير الدين التوراتي الذي يدعو إلى عبادة (يهوه) الإله الخاص بقوم (خاص) من دون كل الأرباب والمخلوقات.. ونسبوه إلهاً لموسى زوراً.. وقد حصلت كل هذه الأحداث حتى نهاية 1300 ق.م. إذن إن قوم موسى هم جماعة محدودة من الناس ودون جنسية وأن موسى قد كتب وصاياه بالفرعونية (الهيروغليفية) ولم يعثر على أي أثر من الألواح الوارد ذكرها.. ولا على شريعته حتى الآن. كما أن اسمه هو اسم مصري، اشترك في الحرب ضد الحبشة وتربى في البلاد الفرعونية وتزوج من امرأة إثيوبية (وهذا ما ذكره اليهودي المؤرخ يوسفوس والتوراة) وأخذوا بلغة وثقافة كنعان وديانتهم الوثنية وطقوسهم وقد انحرف الموسويون عن ديانة موسى التوحيدية وعن شرائعه وهؤلاء هم الذين عرفوا فيما بعد باليهود أو الذين هادوا.. أما يهوه أو اليهيويون فقد أطلقت هذه التسمية على بقايا يهوذا بعد أن سباهم نبوخذ نصر إلى بابل في القرن السادس قبل الميلاد.. وهناك قبسوا لغتهم من الآرامية ـ أيام السبي ـ ودونوا بها كتبهم السرية وعرفت بآرامية التوراة (التوراة الآرامية) واستخدموا في كتاباتهم الحرف الآرامي المربع المسمى بالربع وهو مقتبس من الخط الآرامي القديم.. وجاءت هذه الكتب مغايرة تماماً لشريعة موسى، أو أنها غير شريعة موسى مطلقاً، ولذا أسميت "توراة اليهود" أي ليست توراة موسى.. مثلما نسبوا أنفسهم إلى صفوة الأنبياء والأقوام وشخص خليل الرحمن (إبراهيم) وحفيده يعقوب "إسرائيل" والأرض الكبرى أرض كنعان، الذي ولد فيها إبراهيم، وإلى هذه الأرض ينتمي العرب العاربة والقبائل الآرامية التي تعود إلى أصل واحد. وكانت تنسب جميعاً إلى "إرم" ـ ذات العماد ـ وقد نبه القرآن إلى ذلك ـ وهو عارف بنية هؤلاء ضد الأمة وأرضها ـ بربط صلة إبراهيم الخليل بالجزيرة العربية وبيت الله العتيق وليس بفلسطين (أرض مغتربه) ـ ومن الحقيقة التاريخية نرى أن لا صلة لإبراهيم ويعقوب وذريته بموسى (والفترة الفاصلة بينهما تمتد لأكثر من 600 سنة).. وقد أطلق المؤرخون والآثاريون على هذا العصر: عصر الآباء الجوالين /Patriarchs The Wanderings/.
ـ وبتحري المكتشفات التاريخية نجد: أن إله إبراهيم هو "إيل" خالق السموات والأرض وهو مشتق من الخل وإيل أي صديق الله أو حبيب الله( ). وهذه عادة عربية قديمة موروثة في التسمية حتى الآن.
ـ أما إسماعيل (اسمع أيها الإله إيل) وصموئيل (الموسوم إلى الإله إيل). وإسرائيل: هو من ينتسب إلى أسرة إيل:
وميخائيل ـ جبرائيل وتعني: لتحكم أيها الإله إيل المدعو ميخا وجبرا وعمانويل (عم "مع نا ـ ما" ضمير جمع المتكلم ـ معنا وتعني الإله معنا.) وهكذا فهي أسماء بابلية وكنعانية سرقها كتبة التوراة..
وإيل: وهي لفظة عربية الأصل، قرن العرب أسماءهم بها (مثل عبد الله، جاد الله، فضل الله، فتح الله، نصر الله، سعد الله.. الخ..).. أما صهيون فهو اسم كنعاني لتلة قرب أورشليم تحصن فيها اليبوسيون أبناء عم كنعان. وكذلك بعل وبعليم ولـه لدى الكنعانيين زوجة (عاشيرة) وأخت (عانات) وكذا لدى معين وسبأ. وقد سجد اليهود للبعليم هذا وأخته. إلا أن اليهود انفردوا بيهوه إلهاً خالصاً لهم على مبدأ التفرد (henotheism) وهذا المبدأ ذاته قد أخذه اليهود من البابليين أيضاً ومن التوحيدية المصرية..
وكذلك الإله مولك أو ملكوم وهو إله بني عمون وذكرهم التوراة بـ "رجس بني عمون" وقد عبد اليهود ملكوم هذا، وعشتار أو عشتروت وهي آلهة الخصب البابلية، وقد عبدها اليهود أيضاً.. ووجد في مخطوطات أوغاريت مطلع ملحمة بعل وعناة وسمي إيلوس وهو أبو السنين، وهو "الله" عند العرب قبل الإسلام، وإله القمر وهو إله اكتشفته الآثار الصفوية (نسبة للصفاة قرب جبل العرب والرحبة) وبشر الإسلام به كرب للتوحيد الذي لا شريك له.
وبلعام الذي عبده اليهود هو اسم نبي موحد لـه مكانة روحانية لدى الكنعانية.. وهذه إشارة إلى أن التوحيدية كانت لدى الكنعانيين، ولا دخل لليهود بها بل أخذوها عن أهلها العابدين لها وهم الكنعانيون.
أما البعل وجمعه البعليم: هو أحد الأصنام التي كانت عبادتها شائعة بين أهل المشرق في قديم الزمان (لدى الفينيقيين والكنعانيين ومن جاورهم) وكان يمثل إله الشمس وإله الأماكن المرتفعة ويبنون معابدهم وهياكلهم عليها ويكرسونها للبعل ـ وتعني الرب. وقد أكد كتابهم (التوراة) بأن اليهود كانوا يعبدون البعليم بين حين وآخر. (12 خ: 2-3 وقضا 2: 11-13).
وكذلك فكرة التكوين والخلق (كن فيكون) نقلوها عن المصرية والبابلية وقد أخذها فيلون اليهودي عام 50 ق.م. في البدء كان الكلمة. والكلمة هنا
(Logos) ـ أي لغة وتعني الذهن أو الفكر أو ما جال في القلب ومنبع الأفكار عند المصريين القدماء.. وأخذت اللوغوس هذه البداية لدى موسى وأتباعه/ وهي محررة في الوثيقة الكهنوتية ـ الأصحاح الأول والثاني من الوثيقة اليهودية Y-Jـ في الكتاب المقدس ـ عن اللاهوتية المصرية (ممفيس ـ إله منفيس ـ بتاح ـ دور الإله الشمس (رع) الخاصة بخلق العالم أو التكوين).. ومن وثيقة بتاح اللاهوتية المصرية هذه (حتة هيلوبوليس ـ عين شمس) في 3400ق.م ـ نجد السرقة الواضحة للوثيقة اليهودية من وثيقة بتاح وهي مكونة من أربعة عشر بنداً ـ مذكورة في فصل آخر من هذا الكتاب.
ومن العادات والطقوس التي نسبها اليهود لأنفسهم كطقوس دينية خاصة بهم، المسح بالزيت والغسيل، فقد استخدم المصريون هذه العادة في طقوسهم قبل آلاف السنوات من وجود اليهود، في معابدهم ويبدأ هذا الطقس بالاغتسال للتطهير.. وقد نقش على باب كل معبد: "ليكن من يدخل هذا المعبد طاهراً" وكذلك على بوابات المغاسل. والماء في البداية نعمة إلهية تخرج منها كل الأشياء، وكذلك هي لدى البابليين. وبعد الغسل يكون المسح بالدهون أو الزيت للتعطير، إذن فالماء للتطهير والمسوح للتعطير، وقد غسل المصريون الميت قبل أن يدفن، أو قبل رحلته إلى قاعة أوزيريس الدنيا (السفلى في البابلية). أو عندما يخرج من عالم أوزيريس ليعيد لـه الحياة، وفي ترنيمة إيزيس لأوزيريس ـ زوجها ـ "فإن الدفق المقدس يخرج من ذات أوزيريس ويحيي البشر وحيوانات الأرض وزواحفهما".. وهذه هي عملية الخلق الأولى..
ـ وعيد رأس السنة، هو عيد بابلي تتلى فيه قصة الخلق والتكوين البابلية ـ في أعياد الربيع (وتمثل عذابات الإله تموز)، وهي مأخوذة بكاملها في التوراة وبشكل شبه حرفي مع تبديل الأسماء ووضع أسماء خاصة لها لزمن غير محدد ومكان غير معروف.. أي أنهم أسقطوا التسلسل الزمني كما هو في الأسطورة البابلية.
ـ وكذلك النسب للأم ـ المرأة ـ وهذا يشكل نظام الاجتماع عند السومريين وكذلك العيلاميين (3000 ق.م.) إذ أن المرأة لديهم هي رأس الأسرة أو ربة العائلة، وكانت المرأة الحورية حرة تتزوج أكثر من رجل، وقد بقيت هذه العادة إلى عصر ما قبل الإسلام لدى عرب الجزيرة (الجاهلية) وشكلت أساساً لعادة عرفت بالاستبضاع وقد مثلت المرأة أو البنت لدى السومريين ومن بعدهم رمز الخصب. وقد وجد في منطقة شطل هيبوك في الأناضول ـ تماثيل نساء خادمات للآلهة الأنثى، وهذا تجسيد للمرأة كقوة خارقة، ويعود عصر هذه التماثيل إلى سنة 8000 قبل الميلاد.. واتخذ اليهود من هذه القاعدة "سنّة" وهي المأخوذة من السومريين إلى يومنا هذا لأغراض عرقية بحتة ودوافع أخرى اجتماعية.
ـ أما الحية فتعني لدى القدماء حماية الحياة. وليستمر المرء في الحياة/ كما رأى السومريون ومن جاء بعدهم/ عليه أن يصرع الحية.. وقد حرفها اليهود في قصة موسى. واتخذوا منها شعاراً لبعض جمعياتهم ومنها الماسونية (بحرفين متعانقين S وT) وتلتف الحية حول قضيب فيما استخدمها الصيادلة شعاراً لهم تأويلاً عن البابليين وعقيدتهم في التداوي والحياة. وكذلك استخدام اليهود أسماء بغير دقة، مثل عاموس، وهو إله واحد لجميع الناس، أما في التوراة فهو إله خاص باليهود.
ـ والشجرة المقدسة لدى الكنعانيين ـ والزهرة (ميلتا لدى الآشوريين) هي من أسماء عشتار أو أشتير فصار لدى اليهود أستير.. مما يشير إلى أن كل ما لديهم ليس من إبداعهم ولا يخصهم..
ـ أما مسألة البغاء المقدس فقد أخذه اليهود أيضاً ولم يتركوه دون أن يعتنقوه في ديانتهم حتى اليوم. حيث كان البابليون يمارسون طقساً جنسياً لـه صبغة لاهوتية في حالات خاصة، وقد دونوا كل هذا في كتابهم المسمى بالتوراة وفي التلمود بشقيه المشنة والجمارا عبر القرون والأكوار والأدوار.. وقد بقي كتاب التوراة هذا والتلمود مخفيين يعتورهما الحذف والإضافة إلى أن استقر الأمر على صورته الأخيرة التي وصلت إلينا بشكلها الأسطوري المنقول عن تراث الشعوب العربية القديمة حتى عام 250ق.م. فترجم إلى اليونانية عن العبرية بناء على رغبة بطليموس فيلاديلفوس (280-247 ق.م) حيث أرسل إلى الكاهن اليهودي الأعلى لموافاته بنسخة من هذا الكتاب مع اثنين وسبعين يهودياً فقيهاً بشؤون الكتاب ـ التوراة ـ إلى مصر للقيام بترجمته. وكانت التوراة تضم الأسفار الخمسة الأولى منسوبة لموسى، وأسميت هذه الترجمة بالتوراة السبعينية ـ أو اليونانية، ويروي سارتون قصة هذه الترجمة بالقول: إنه قد جاء في القصة التي رواها اليهودي أريسطاس "Aristas" ـ أن ديمتريوس الفاليروني
(Demetros of Phaleron) قد شرح للملك بطليموس الثاني ضرورة نقل التوراة إلى الإغريقية واصطحاب ستة ممثلين لكل سبط من أسباط اليهود، فحظي هذا الرأي بالقبول لدى الملك واستقر الشارحون الاثنان والسبعون في جزيرة فاروس قرب الإسكندرية. وأنجزوا عملهم هذا في المائة الثانية قبل الميلاد، ومن ثم أضيف في هذه الأسفار بعض من الأسفار الأخرى بين عام 200 ق.م و 100ق,م مثل سفر الجامعة"( ).
وحدث لغط في المدارس المسيحية حول التوراة فقالت الكنيسة البروتستانتية بأن الأسفار السبعة (يهوديت ـ طوبيا ـ الحكمة ـ يشوع بن سيراخ ـ باروك والمكابيين) هي مدسوسة وليست لتندرج في إطار الكتاب المقدس لكونها عارية عن الصحة، أما الكنيسة الكاثوليكية فقد أقرتها جميعها.. وعاد الكاثوليك ليقولوا في طبعته 1960 "نما من علم الكاثوليك في عصرنا أنه يعتقد بأن موسى ذاته كتب البانتانيك منذ قصة الخلق إلى قصة موته. لكنه لا يكفي أن يقال إن موسى أشرف على وضع النص الذي دونه كتبة عديدون في غضون 40 سنة بل يجب القول بأنه يوجد ازدياد تدريجي في الشرائع الموسوية سببته مناسبات العصور السياسية والاجتماعية والدينية".. إلا أن في هذا القول مخالفة بينه وغير بريئة لأقوال السيد المسيح الذي ندّد بأعمال من أسماهم بالكتبة "الفريسيين والناموسيين" وأنذرهم بالويلات لانحرافهم عن الفضيلة وتكالبهم على الدنيا" متى /لو ـ 52/" كما ندد القرآن الكريم بهؤلاء الكتبة المفترين بعد ستة قرون ـ بنفس العبارات أو ما يقترب من جوهرها فذكر: فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله، ليشتروا به ثمناً قليلاً فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل لهم مما يكسبون سورة البقرة ـ79/ وفي سورة الأنعام يقول العزيز الحكيم" قل من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى نوراً وهدى للناس تجعلونه قراطيس تبدونها وتخفون كثيراً الآية 91/ وفي سورة المائدة جاء: فيما نقضهم ميثاقهم لعنّاهم وجعلنا قلوبهم قاسية يحرفون الكلم عن مواضعه ونسوا خطأ مما ذكروا به الآية 13/ وفي سورة النساء: من الذين هادوا يحرفون الكلم عن مواضعه 46/ وكذلك في الأنعام: ما فرطنا في الكتاب من شيء38/ وأيضاً: يكتبون الكتاب بأيديهم ويقولون هو من عند الله وما هو من عند الله. ولست لأجانب الحقيقة، أو أتجنَّى على اليهود، وكتبتهم، إذا قلت أنهم كتبوا على الرمل.. فإن الحقائق هي بنت البحث ومن يبحث يتوصل إلى الحقيقة ويزيل اللبس والزيف.. وفي تاريخنا العربي صفحات سوداء لهؤلاء الكذبة المنافقين. فقد رعى عمر بن الخطاب (الفاروق) من قعد الدهر من اليهود وضاقت في وجوههم السبل من غير المسلمين، فأجرى عليهم من بيت المسلمين، ومنهم ذلك المتسول اليهودي الذي منحه مرتباً من بيت مال المسلمين ليوفر لـه العيش الكريم ما تبقى من عمره.. وكيف غدر بعمر.. وكذلك قصة اليهودي مع علي بن أبي طالب، عندما كان علي خليفة المسلمين، وقد رهن اليهودي عنده درعاً.. فشكاه هذا الوغد إلى القاضي.. ومثل علي أمام القاضي، ورد على فرية هذا اليهودي واتهامه إياه بالدرع، فقضى القاضي لعلي.. ولم يجد هذا المفتري حجة يخلص بها نفسه من فعلته غير حجة خبيثة مرائية بأنه تعمد إقامة الدعوى على علي خليفة المسلمين ليرى بأم عينه عدالة المسلم الحاكم.. وأسلم.. وما كان إسلامه إلا نفاقاً وتقية مقصودين.. وإن برهان الحق قاطع ناطق بكرم هذه الأمة وتسامحها الذي دخل كل الأوغاد منه ليكيلوا لها المؤامرات والآلام وإذا كانوا افتروا على عمر وعلي، فقد افتروا قبلها على مسيح هذه الأمة وقذفوه بأشنع الأوصاف، وهو يصعر لهم في كل مرة خديه ويعطيهم رداءه وهو عارٍ.. وكذلك فعلوا بعد خمسة قرون بنبي الله العربي محمد بن عبد الله، ما فعلوه من أذى، وهو يقابلهم بالرحمة والتسامح وكم ساعدهم.. وهاهم الآن يعيدون التسامح والعون قنابل وقتلاً وبقر بطون الحبالى من نساء فلسطين، من أبناء عيسى ومحمد صلى الله عليهما وسلم.. وصدقا شهد غوستاف لوبون بهذه الأمة إذ قال: "ما عرف التاريخ أمة أرحم من العرب".
ب ـ ضد العقل والله..
تقوم كتب التوراة المتداولة بين أيدي اليهود على الفصل بين الأفكار والناس، ليلعب الوعي الزائف دوراً فاعلاً في الواقع الاجتماعي والتاريخي في المجتمع الصهيوني عبر العصور وحتى اليوم، وتعميم هذا الوعي على الأمم والشعوب.. وهو يقوم على بنية هذه الكتب المزيفة وأصولها وأجناسها وأنواعها وتناقضاتها ولا عقلانيتها وتخلفها الفكري والعلمي.. وهي التي دونت ـ وبشكل قاطع ـ بعد عصر موسى بمدة طويلة وحرفت بما اتفق لها مع رغبات وغرائز كتبتها وظروفهم أو واقع حالهم، معتمدين على الروايات الشفوية والمكتوبة المنتخبة من الروايات والآداب لشعوب المنطقة القديمة كما جرى عليها الحذف والإضافة بحسب الحالة والظروف.. وإلا كيف يمكن أن ينزل الله كتاباً يأمر بالاغتصاب والكذب ويقتل الأطفال والشيوخ والنساء سيما وأن الوصايا العشر، التي تؤلف توراة موسى النبي، تأمر بعكس ذلك تماماً.. ويلاحظ الدارس لهذه الكتب بوضوح: الافتراء على الأنبياء ـ والتفرقة العنصرية ـ وإباحة الامتياز الخاص لليهود دون غيرهم فيما تقوم ديانة موسى التوحيدية على أساس الوحدة البشرية المطلقة دون تفريق بين الأقوام والشعوب ـ وأنها تقر بالبعث والنشور وباليوم الآخر والقيامة في حين أن هذه الكتب المزيفة تخلو تماماً من ذكر القيامة والآخرة والجنة والنار، (أو تمر عليها في مواطن عدة لكن بصورة مبهمة في بعض النسخ) ـ ويلاحظ التناقض التاريخي بين عصر وعصر، والخلط بين دور ودور، وبين قوم وقوم (ما بين عصر يعقوب ويوسف، وعصر موسى واليهود ـ ثم الفترة ما بين عصر موسى والكتبة) وسكت عنها كاتب التوراة سكوتاً مطلقاً بل فاضحاً.. كما خلط بين الديانات، دون تسلسل زمني مع تجنب الدخول في التفاصيل. وقد انقسم الباحثون في دراسة هذه التناقضات وتعيين التناقضات والازدواجية الحاصلة في هذا الكتاب، فقال بعضهم بأن الأصل الأساسي لهذا الكتاب هو كنعاني ـ إبراهيم الكنعاني ـ وعدم ارتباطه بعصر موسى واليهود. وهذا الرأي يخالف ادعاء ما أسموه بتيار التسجيل اليهودي، وقال بعضهم بتيار الإيلوهيمي (نسبة لإيل) وهذا أيضاً إله كنعاني الأصل وقد اصطدم أصحاب هذا التيار باليهودية المتزمتة.. حيث أن المعادين لهذين التيارين لم يستطيعوا اقتلاع الإله الكنعاني من الكتاب، وأن آثاره باقية فيه رغم كل التحريف والحذف والإضافات أو التحوير.. وإن الإله الكنعاني (إيل) هو تيار ديني صرف، أما اليهودي فهو عنصري سياسي محرف. ومن كلتا النظريتين، وبالمقارنة مع التوراة، نتبين أن هناك اثنين باسم إبراهيم، واحداً بعد الآخر. وتجدر الإشارة هنا إلى أن العبرانيين عندما امتزجوا بالعموريين ذابوا فيهم وعبدوا آلهتهم واشتركوا معهم في كل طقوس العبادات، والإله إيل هو إله العموريين أيضاً وقام اليهود ـ فيما بعد ـ إلى تصعيد نسبتهم إليه وعبرنوه إلى جد مدفون في حبرون (الخليل) يسمى أبرام وأن قبره مشترى بالمال من ملوك الأرض الأصلاء.. وقالوا بأن تسمية الحفيد بالجد مألوفة أي أن نسبهم يعود إليه. ويقول تاسيتس (55-120م) صاحب كتاب "تاريخ تاسيتس": إن أكثر الكتاب متفقون على أن وباء وبيلاً كان يترك تشويهاً فظيعاً في الجسم تفشى في زمان ما في مصر، وفيما كان الملك بوخاريس يفتش عن دواء لهذا الداء الوبيل أشار عليه كهنة "آمون" بطرد هؤلاء ليطهر مملكته من هذا الجنس الممقوت من الآلهة إلى بلد أجنبي. فعمل الملك بهذا الرأي وأخرجهم إلى الصحراء، خارج المملكة، ولما استولى عليهم اليأس خرج منهم رجل يدعى موسى بعثته يد القدرة الإلهية ليتولى قيادتهم". وقد أخذ بهذه النظرية من قبل، بومبيوس وترونمس وليسمارس في القرن الثاني قبل الميلاد، وقبلهم مانثيون في القرن الثالث قبل الميلاد، وخاريمون أواسط القرن الرابع قبل الميلاد، وديودورس الصقلي في القرن الأول قبل الميلاد، ومع أن هؤلاء يمثلون مرجعاً تاريخياً وثوقياً، إلا أن هناك كتاباً يكتبون تاريخاً أشوه خدمة للصهيونية وضد البشر والتاريخ. من مثل سوكولوف( ) ومن هنا يستحسن أن نعرض إلى تطور الأحداث التوراتية عبر الكتب الموثقة الثابتة والحقائق الراسخة.
يجمع الباحثون في أصول أقوام الشرق الأدنى (العربي) أن أسلاف هذه الأقوام كانوا يتمتعون بحضارة قديمة عريقة في الطرف الجنوبي من الجزيرة العربية العامرة بالأنهار والأمطار، وقد تعرضت لتغيرات مناخية، من جفاف أنهار وانحباس مطر، فهاجرت الأقوام البشرية والحيوانات إلى أماكن الكلأ، ذات موارد دائمة للعيش. فكان أن توجه سكان الجزيرة العربية شمالاً وتوزعوا على أطرافها الشرقية (بلاد الرافدين) وغرباً إلى سيناء والنيل وشمالاً إلى بلاد الشام (فلسطين وسوريا ولبنان) وعرفوا بالكنعانيين ـ الفينيقيين والعموريين فبنوا دولة العمالقة. كما بنى المصريون كيانهم العربي القديم في الغرب فقام الكيان العربي القديم في الشرق بإمبراطورياته الأربع: الأكادية ـ البابلية ـ الآشورية ـ الكلدانية، ثم الأنباط والتدمريون فالغساسنة والمناذرة ثم الإسلامية، وقد عمت هذه الإمبراطورية الأشراق الثلاثة: الأدنى والأوسط والأقصى..




ولضرورة البحث سنعرض لتاريخ الشرق الأدنى وفلسطين تحديداً...
يبتدئ تاريخ فلسطين ـ بحسب المؤرخين الغربيين ـ قبل الألف الثالثة من ميلاد المسيح، وينتهي بظهور موسى على سطح الأحداث...
فقد هاجر الكنعانيون من الجزيرة العربية (في الفترة ما بين 4000 ـ 3000 ق.م) إلى فلسطين وأقاموا دولة منيعة وحضارة راقية، وبنوا مدناً كبرى منها: أريحا ـ بيت شان ـ مجّو ـ جازو.. وهذه الأسماء كنعانية.. إلا أن الآثاريين (حسب الرقم المكتشفة) يرجعون تاريخ مدينة أريحا إلى ما قبل 7000 سنة، وقالوا بأنها أقدم مدينة في العالم، وفيها أقدم معابد في التاريخ وكذلك مجدو (منذ 3000 ق.ك)( ) وأكدوا ورود كلمات كنعانية في المدونات المصرية من عصر الأهرام (2800ق.م).
وفي مكتشفات (رسائل) تل العمارنة: أن تحوتمس الثالث (في 1500ق.م) استولى على القسم الجنوبي من الشرق بما فيها فلسطين، وكان اسم هذه المنطقة "كنعان ـ Kanaan" أما القسم الجنوبي فهو أمورو ولبنان وشرق الأردن( ).
وورد في الكتابات التاريخية القديمة ذكر مدينة بابلية اسمها "كنعان ـ Kanaan" وسمي ساكنها كنعاني Kannanai وتشير إلى كنعاني فلسطيني...
وازدهرت الزراعة في كنعان في عهد بيبي الأول (2500ق.م). وقد حفر نفقاً في بلدة جازر (35 كم شمال غرب أورشليم) للوصول إلى منابع المياه تحت مستوى الأرض على عمق 100قدم بواسطة درج (80 درجة) وبطول 128 قدماً، وأقام مشروعاً مثيلاً لـه في أورشليم لإيصال المياه إلى الحصن الذي شيده اليبوسيون سكانها الأصليون على الهضبة الشرقية من مدينة القدس (وهم فرع كنعاني من الجزيرة استقروا في فلسطين أوائل 3000 ق.م وقد سميت باسمهم). وجروا إليها المياه من عين تقع شرقي الحصن، ويمتد 17 ياردة وسميت هذه العين "جيحون" (نبع العذراء اليوم). وهنا تقول التوراة رواية بأن داود اكتشف النفق ومدخله الشرقي فأدخل رجاله فيه وباغتوا اليبوسيين وأحكموا قبضتهم عليه بعد أن صمت اليبوسيون ثلاث مئة عام إلى أن سقط على يد داوود ـ هذا حسب قصة التوراة.
وقد اخترع الكنعانيون الأبجدية. فدالت دولتهم وتمدد انتشارهم وانتشرت لغتهم وآدابهم وديانتهم.. وكون فرع منهم مدناً عديدة في المنطقة الجنوبية من كنعان، وهم الفينيقيون( ) ومن مدنهم المركزية: عكو (عكا)، أكزيب (الزين)، أحلب (محلبا)، قانا، صور، صرفة (صرفند)، صيدون (صيدا)، بيريتو (بيروت) جبيل (بيبلوس)، عرقة سين، صمارة (سومرة)، أرواد، أوغاريت، وغيرها... وقضى عليها الإسكندر السلوقي تقريباً.
وعاشت هذه المدن 3500سنة، وقام من بين هؤلاء الأجداد علماء منهم: زينون الرواقي (236 ـ 246 ق.م) وهو فينيقي ولد في قبرص وقصد أثينا عام 314 ق.م وأنشأ فيها رواقاً (301 ق.م) ولما مات كتب على قبره: "لن يضير منبتك في فينيقيا ضيراً". وفيلون الجبيلي (61-141 ق.م) وهو غير فيلون اليهودي الاسكندراني بالطبع، فهذا من جبيل، وأوريانوس الصوري (200 ق.م).. الخ.
وكان الكنعانيون متعددي الآلهة، لكن أكبرها "إيل" (الإله العلي The Superremo God)، وهو الذي يبعث بمياه الأنهر لتجري في الأرض وتحيي الموات، وبالمطر فتسيل الوديان عسلاً، ويمنح الإذن بإنشاء المعابد إلى الآلهة الأخرى، وجميع أرض كنعان هي أرض الإله إيل.. الإله الحامي (The Protection God) ويقع موقعه في مغرب الشمس عند مصب الأنهر في البحر وسمي مقامه بمقام "إيل".. وإيل هو بداية ديانة التوحيد (وقد عرفه الملك الكنعاني ملكي صادق ـ ملك أورشليم ـ باسم الله العلي وتعبد له)، وبهذا المفهوم كان الإله العلي مالك السموات والأرض يتجلى واضحاً في العقل الكنعاني. ومن آلهتهم أيضاً "بلعام".. وإن أحلاف الكنعانيين كما بين تاريخهم لم يكن مهيأ للغزو والقتل والتدمير، ذلك لأن ديانتهم السمحاء وآدابهم تدور حول أبوة الإله الواحد "إيل" ومن صفاته أنه السيد ـ بعل أو أدون ـ الخالق الجبار.. فلا يدمر الخالق ما صنعت يداه.. وجاء في المكتشفات الفينيقية أن اسمه "إيلوس" وهو أبو السنين (مخطوطات أوغاريت ـ مطلع ملحمة بعل وعناة ـ ومكتشفات الصفاة والرحبة قرب جبل العرب السورية).
أما الآراميون فقد كان لهم إلههم "إيل" واتخذ ملك أرباد (اسمه تكملة لإيل "متى ـ إيل" الذي تعاهد مع ملك آشور نيراري (754-745 ق.م).
ونرى مما تقدم، أن الآراميين هاجروا إلى بلاد الرافدين في 3000 ق.م، وكان مركزهم في حران، ومن عشائرهم: أخلامو والخبير أو العبيرو، وهي القبائل العربية الراحلة في الجزء الشمالي من الجزيرة العربية، وصنفت إلى عبراني ـ وفي الآشورية آرومو (أرامو) وجمعهم ريمي ـ وقد انتشرت تجارتهم في الأمصار فانتشرت لغتهم وديانتهم وتعلموا فن الكتابة من الكنعانيين... ومن آلهتهم الأخرى: حداد ـ وهو إله الزوابع والعواصف. وكانت معابده في كركميش (جرابلس) وسمأل (في زنجرلي بتركيا) وفي حلب ودمشق. وقد أضاف ثلاثة من ملوك دمشق اسمه إلى أسمائهم وكانت مواطنهم: آرام النهرين، فدان آرام، آرام دمشق، آرام صوبا (في البقاع)، آرام بيت رحوب (عند الليطاني)، آرام معكة (مقاطعة دان بفلسطين)، حشور (بين اليرموك ودمشق)، بيت أغوشي (في حماه) ومركزها أرفاد، وبيت بخياني ومركزها جوزان (تل حلف)، وحلب وكركميش.,. وقبيلتيه (سمأل) ولها اسم آخر (يعودي) ومركزها عند جبل أمانوس غربي عينتاب في تركيا ومن ملوكها شعيل، كيلامي، حياني، فنامو، بار، ركوب، وفي العراق: بيت عديني ومركزها بورسيبا.
أما كلدة أو الكلدانيون (وكلدة شيخ عربي) كان مركزها غورني عند العقير، وقد تاجرت مع بابل، استولت سلالة بابل الرابعة على جميع دول سورية وفلسطين في زمن نبوخذ نصر (نيوبولاخير) وابنه (43 سنة) من 605 –526 ق.م.
وهنا نبدأ بتاريخ اليهود القادمين من الشرق إلى الغرب أي من وسط آسيا، في عصر الجفاف المذكور وقد استوطنوا إلى جانب الآراميين.. فقد بدأ أول دور لهؤلاء في هذه الفترة المائة السادسة الخامسة قبل الميلاد ـ لأول مرة وبذا يبدأ الدور الأول لليهود مع بداية حملة نبوخذ نصر الأولى على يهودا سنة 597 ق.م فاستولى على أورشليم وسبى اليهود إلى بابل ومعهم الملك "يهوباكين" وأهله.. ووزعهم هناك أسرى... ثم سباهم مرة أخرى عام 586 ق.م... وقد جاء هذه المرة بنفسه على رأس الحملة.. ودمر القدس وأحرق بيت الرب وبيت الملك والأعيان وأسر 5000 شخص ونقلهم إلى بابل.


وبعد وفاة نبوخذ نصر سنة 562 ق.م خلفه ملوك ضعفاء فغزاهم كورش ملك الفرس الأخميني فسمح لليهود بالعودة إلى فلسطين ومعهم الكتاب الذي دونوه خفية في هذه الفترة ـ السبي ـ وقام واحد منهم هو "عزرا" بتدوين حكايات قال أنه توارثها عن رواة ثقة فجاءت بهذا الشكل وقد نعت عزرا كورش بالمسيح اليهودي المنتظر لفضله على جماعته ـ وقال بأن هذا الكتاب اسمه التوراة.. وتعني كلمة "التوراة" "تورة" الهدى والإرشاد.. وتشكل مع التلمود مصدر الديانة اليهودية. أما مصادر التوراة فهي الأساطير السائدة في المنطقة، والتي شكلت ديانات شعوبها من أكاديين وسومريين وبابليين وكلدانيين وآشوريين وكنعانيين وفينيقيين.. ومصريين.. وتقول التوراة أنها من صنع الله ومنقوشة على لوحي حجر كتب الله على جانبها بإصبعه (وقد كتبها الله مرة ثانية بعد أن غضب موسى فألقى اللوحين على الأرض فكسرهما، بسبب غضبه عندما شاهد قومه يعبدون العجل ويرقصون حوله).. إلا أن هذه الشريعة التي كتبت على حجر اختفت من الوجود.. فوضعت في خزانة خاصة (وتسمى تابوت العهد) وكانت لغتها مصرية، وتقوم على ديانة أخناتون التوحيدية أي أنها غير التوراة التي كتبها الأحبار بعد موسى بثمانية قرون.
وذكر أن الفلسطينيين استولوا على تلك الخزانة (التابوت المطلية بالذهب كرمز لوجود الله وهي أقدس جزء في طقوسهم يحملونها في حلهم وترحالهم ثم ردوها إلى داود الملك ووضعها سليمان في الهيكل فيما بعد.. ثم لم يعرف مصيرها حتى الآن.. ويقول اليهود أن موسى تلقى الوصايا وأحكام الشريعة في عربات مؤاب فكتبها وسلمها للكهنة، وقالوا أنه لقنها لهارون ويوشع.. وهنا نرى، حسب الرواية اليهودية الأخيرة أن موسى هو الكاتب، وهذا يتناقض مع الرواية الأولى.. ومع هذا لم يعثر حتى الآن على أي أثر لها..وقالوا بأن لغتها وتسميتها "شفة كنعان" أي لغة كنعان ولسانه.. كما استعملوا حروفاً فينيقية وكتبوا بالسومرية.. حيث أن العبرية لم تكن لتظهر بعد، إذ اقتبست من الآرامية بعد أكثر من 600 سنة من دخولهم إلى فلسطين، وبها كتبت التوراة في بابل بعد موت موسى بـ 800 سنة، كما سنرى.
وتتألف التوراة من 39 سفراً وتقسم الأسفار إلى ثلاثة أقسام:
الأول: يتكون من خمسة أسفار: التكوين ـ الخروج ـ اللاويين "وهو سفر الأحبار" ـ والعدد والتثنية. وأطلق عليها كتب موسى الخمسة، وفيها الوصايا العشر (أنا الرب إلهك فلا يكن لك آلهة أخرى أمامي، لا تضع لك تمثالاً منحوتاً ولا صورة، لا تنطق باسم الرب إلهك باطلاً، اذكر يوم السبت لتقدسه، أكرم أباك وأمك، لا تقتل، لا تزن، لا تسرق، لا تشهد بالزور، لا تشته بنت قريبك ولا شيئاً مما يملك) "سفر الخروج".
والثاني: يتكون من أسفار: الأنبياء (نبييم) وهي على شكل مجموعتين:
1. خاصة بالأنبياء الأوائل (من دخول نبي إسرائيل يشوع حتى هدم الهيكل).
2. خاصة بالأنبياء المتأخرين (من موت يشوع إلى ولادة صموئيل) وهي: القضاة ـ صموئيل 1-2 الملوك 1-2 من موت داود حتى السبي البابلي سفر أخبار الأيام (1-2) وثائق غير مصنفة مع سلالات نسب روائية "من آدم حتى موت موسى". أما سفر الأنبياء المتأخرين فهم: سفر إشعيا ـ إرميا ـ حزقيال ـ يوئيل ـ عاموس ـ يونان ـ ميخا ـ ناحوم ـ حبقوق ـ صفنينا ـ حجي ـ زكريا ـ ملاخي.
والقسم الثالث (كتوبيم): هي أسفار وكتابات: مزامير داوود ـ أمثال سليمان ـ نشيد الإنشاد ـ أيوب ـ راعوت ـ هوشع ـ مراثي إرميا ـ الجامعة ـ أستير ـ دانيال ـ عزرا ـ نحميا.
وتكون هذه الأسفار التسعة والثلاثون أقسام التوراة الثلاثة: الينتابيك ـ النبييم ـ الكتوبييم. وهي كتب كهنوتية إذ أن الكهنة هم الذين فسروها، وهم صلة الوصل بين اليهود وإلههم يهوه، ومنقذو الشريعة، وموجهو الشعب ووارثوه وحصروا في نسل هارون وهم اللاويون، وقد لعب مجمعهم الديني الأعلى (السنهدرين)( ) دوراً هاماً في حياتهم بعد رجوعهم من السبي وخاصة فيما يتعلق بمحاكمة السيد المسيح. ويقول اليهود أنه وجد قبل 600 ق.م وأن أول مجلس وجد في عهد موسى عندما دعا إليه السبعين رجلاً ليعملوا معه فتذمر أتباعه وقرروا العودة إلى مصر وكانت تتمثل فيه فئتان:


1. سادوسي (متمسكة بالدين والزهد).
2. بيروشيم (وتتمسك بالعمل وجمع المال والإثراء ـ الذهب).
وصلاحيات هذا المجلس تتسع بحسب الظروف، وقد منحهم الرومان صلاحيات لعدم تأثيره عليهم، ونأتي هنا إلى القول بأن السنهدرين هو الذي قام بمحاكمة السيد المسيح ومن ثم صلبه سنة 29م. وهذا منصوص في سفر الأحبار مر: 14(53-64) ومت: 26 (56-68). كان ذلك من صلاحياته القصوى وكان يتألف من (72) عضواً من كبار الكهنة والشيوخ والحاخاميين. وكان يحصل النصاب فيه بحضور 33 عضواً، (وعندما عين غابينوس أول ملك روماني على سورية "57" ق.ك، قسم المنطقة اليهودية إلى خمسة أقسام وأقام في كل منها سنهدرين محلياً مؤلفاً من سبعة أعضاء وسمي سنهدرين القدس السنهدرين الأعلى تمييزاً لـه عن الأخرى..
ويعتنق اليهود كتاباً تفسيرياً للتوراة يعتمدون عليه بل حل هذا الكتاب محل التوراة كلها.. وهو التلمود.. وهو جزء أحكام اليهودية وتعاليمها، ويمثل التلمود جملة الشرائع التي نقلها الأحبار لشرح وتفسير التوراة واستنباط أصولها. وعليه فأصل كلمة التلمود هي آرامية (من تلماد ـ أي يتعلم أو تلميذ، وهي كلمة شرق آسيوية) ويقسم إلى قسمين:
1. المشنا: وتعني النص أو المتن: والمشنا هي مجموعة تقاليد اليهود ـ اليهوديين ـ في الحياة اليهودية حسب النصوص التوراتية.
2. الجمارا: وتعني التفسير أو الشرح: وهي مجموعة المناظرات التي جرت بعد وضع المشنة. ويزعمون أن موسى هو الذي ألقى هذه المناظرات على قومه شفاهة وكان عليهم وضعها؟!...
وقد دون المشنا في طبريا ـ بعد قيام فئة أو طائفة العلماء وتعرف بـ "الثنائيم"( ) وقد بوشر في تحريرها سنة 10 من مولد السيد المسيح. وقد فرغ من تحريرها عام 230م في طبريا وقد كتب بلهجة آرامية شرقية هي أقرب إلى المندائية العراقية كما فيه مصطلحات يونانية ولاتينية، وحجمه أوسع من الجمارا بأربعة أضعاف ويقع في 5894 صفحة ويطبع عادة باثني عشر جزءاً( ) وشرح "الثنائيم" التوراة ونقحوه وبوبوا شرائعه في مجموعة المشنة هذه، وقد استغرق عملهم هذا مئتي سنة (من 10ق.م إلى 220 ميلادية) وقد جمعت بعناية الحبر الأكبر يهوذا بن شمعون الملقب بالربن الأقدس (135-220م) وهو الرب الأكبر يهوذا بن الربن عميال سابع رؤساء المجمع اليهودي الأعلى المسمى بـ "السنهدرين" جامع المشنة.. وقد صارت هذه أساس التلمود وقامت في فلسطين، ثم نشأت طائفة أخرى من الربانيين: وهم "الأمورائيم"( ) أي المعلمون المحدثون.. وقد درس هؤلاء المشنة وعلقوا عليها وشرحوها لتكون شرائع لليهود وتقاليدهم وطقوسهم وتاريخهم وجمعت في التلمود الأورشليمي الذي أنجز أواخر القرن الخامس للميلاد( ) وبعد تداول اجتهادات الأمورائيم وانتهائها قامت طائفة أخرى من الفقهاء التلموديين هي "السبورائين" وتعني الأساتذة الشارحين (من 500-588م) في بابل. أخذت على عاتقها شرح وتفسير التوراة بمنهج جديد وتنظيم أبوابه بالشكل المعروف الآن. ثم قامت بعدها مباشرة (589م) فئة شارحة أخرى وقعت على مسؤوليتها تطبيق تعاليم التلمود وتولت إصدار الفتاوى للدين اليهودي في الشرق والغرب هي طائفة "الغاؤوييم" (مفردها غاؤون وتطلق على الربيين من رؤساء المدرسين). وقامت في (فومبديثة وسورا) ببابل واستمرت من 589 حتى 1030 ثم انتقل مركز اليهود إلى الأندلس. أما الأشعار والقصص والأمثال فهي مستقاة من آداب المنطقة التي اطلع عليها كتبة التوراة، بابلية أو كنعانية أو مصرية.. وبذا تكون التوراة كتبت بعد إبراهيم بألف وثلاث مئة سنة، وبعد موسى بسبع مئة سنة. وهناك طائفة يهودية لا تعترف إلا بخمسة أسفار (موسى) وهي السامرية (من السامرة ـ نابلس ـ شكيم القديمة ويدعون بأنه توجد لديهم نسخة منها مدونة بالآرامية على رق يزعمون أنها ترجع إلى عهد ما قبل المسيح، ويرفضون كل ما عداها ويتمسكون بذلك. وقد استقلت عن بقية الطوائف التي رفضتها، لكنها أعادتها وبنت هيكلاً لها في جبل جزريم عند نابلس. وقام بينها وبين بقية اليهود عداء استحكم قروناً.. ولا تلتقي معهم إلا في الغزو فتحارب معهم.. ويعتقد أنهم من بقايا الجماعات التي نقلها الآشوريون من بابل وعيلام وسورية وبلاد الغرب ليحلوا محل اليهود الذين تم سبيهم إلى أماكن بعيدة، وعزلهم اليهود بعد عودتهم إلى فلسطين من السبي عن المجتمع اليهودي وحرموهم من التزاوج مع اليهود والاختلاط بهم (ويقول الباحثون أن عدد أفراد هذه الطائفة في نابلس اليوم لا يتجاوز بضع مئات) ولغتهم هي اللغة العربية، ويقول البيروني عنهم في الآثار الباقية في القرون الخالية ـ طبعة ليبزيغ 1932 ص:21): "أنهم أعانوا نبوخذ نصر ودلوه على نقاط الضعف عن اليهود حين غزا يهوذا وسبى اليهود إلى بابل ولم يمسهم بأذى. وأن السامرة هم اليهود.. وكان السامرة قد أعانوه ودلوه على عورات بني إسرائيل فلم يحركهم ولم يقتلهم ولم يسبهم. وأنزلهم فلسطين من تحت يده وجعل عامتهم يكونون بموضع في فلسطين يسمى نابلس وبها كنائسهم، ولا يمسهم الناس وإذا مسوهم اغتسلوا ولا يقرون بنبوة من كان بعد موسى من أنبياء إسرائيل"، وتلخص عقيدة السامريين في وحدانية الله ـ ونبوة موسى وقداسة جبل جزريم ـ والإيمان بالتوراة ذات الخمسة أسفار الأولى من العهد القديم على أنها منزلة من الله ـ والإيمان بيوم الدنيوية والبعث فإنه لا ريب فيه.. وننتقل من طوائف اليهود ومعتقداتهم التي هي شكل من أشكال تناقضات التوراة إلى التكوين التاريخي للتوارة. ويقسم إلى ثلاثة أدوار:
الدور الأول:
وهو دور إبراهيم 1900 ق.م وكانت اللغة الأم هي الآرامية الكنعانية (قريبة من الأم) وحفيده يعقوب كانت لغته آرامية كنعانية، كإبراهيم، وكذلك أولاده ـ كلهم آراميون.. وقد انتهى هذا الدور بهجرة إبراهيم وأسرته إلى مصر وانضمت إلى يوسف وذابت بالمجتمع المصري وبالمصريين. وتدعي التوراة أنهم بقوا 600 سنة ولم ينصهروا بالمصريين؟!.
الدور الثاني:
في هذا الدور (بعد ستة قرون من الأول) جاء موسى وجماعته إلى أرض كنعان، ومعهم بعض الهيكسوس الذين دانوا بدين التوحيد الأخناتوني وسميوا بقوم موسى وكانت لغتهم مصرية. وقد نسبتهم التوراة إلى أسرة يعقوب وإبراهيم، كما نسبت موسى إلى كهنة بني لاوي ابن يعقوب، وتقول التوراة عن موسى أنه "تربى في بلاط أخناتون واتخذته ابنة فرعون ابناً لها ثم تزوج من امرأة كوشية (أثيوبية)" واسمه مصري صميم تسمى به أباطرة عصر الإمبراطورية الفرعونية (أحمى أو أح موسى ـ تحوتمس ـ أو تحوت موسى ـ وتحوت إله مصري تعني رب الحكمة) كان عبداً ثم شكل الطائر إيبيس (أبو منجل) في الدلتا وبعد أن وجد لنفسه موطناً جديداً في مصر الوسطى طار إلى القمر وهو الذي يدير الزمن ويشرف على نظام العالم المتجدد لذلك ظهر اسمه مسطوراً في قصتي خلق العالم والإله أوزيريس)( ).
الدور الثالث:
ويبدأ من السبي إلى بابل 600 ق.م إلى 586 ق.م ويهود هذا الدور هم بقايا جماعة يهوذا المنقرضة، وهم الذين كونوا الديانة اليهودية وكتبها في بابل ومارسوا طقوسهم هنا وأشرف عليها الكهنة ودونوا أهم فصول التوراة والتمهيد لتدوين التعاليم باسم التلمود البابلي. وقد صور السبي هذه الديانة باليهودية.. وعليه صاروا يسمون باليهود واليهودية.. ولغتهم آرامية مقتبسة (آرامية التوراة) إذ كانوا يعرفون السومرية والهيروغليفية ـ وثبتوا في أسفارهم التي كتبوها نسبهم لإبراهيم وقصة الأرض الموعودة. ولما قدم اليونانيون وضعوا أصحاحين في فلسطين هما: المكابيون 1-2 وأضافوهما إلى التوراة اليونانية ثم ترجما إلى اللغة الجديدة "العبرية" (167-37 ق.م) وهما يشرحان وقائع وأحداثاً وقعت في عهود آشور وبابل والإغريق ولا دخل لموسى وكتابه بها..
أما طائفة الصدوقين (نسبة إلى مؤسسها ورائدهم الأول الكاهن "صدقة أو صدوق") فهم يشبهون السامريين في معتقداتهم وظهرت في عهد المكابيين وتنتمي إلى طبقة الكهنة وبعض الكتبة من اليهود الذين يميلون إلى مسالمة الرومان وكان لها ممثلون في السنهدرين (20 عضواً من أصل 72)، واعتنق الصدوقيون البعث والنشور واعتقدوا بأن العقاب يحصل في الحياة وخالفوا الفريسيين الذين يعتقدون بأن الصالحين من الأموات سينشرون في الأرض ليشتركوا في ملك المسيح المنتظر ويدخلوا في دينه. ولا يقبلون من التوراة إلا خمسة أسفار ومنهم خرجت طائفة القرائين: وقامت هذه الحركة على إنكار التلمود وتعاليم الربانيين والحاخامات وتمسكوا بأسفار العهد القديم التي نادى بها السامريون والصدوقيون والاكتفاء بالتوارة. وظهرت في القرن السادس الميلادي في بغداد وفي فارس واشتهرت بتزمتها بالطقوس ويوم السبت.. ثم ظهرت على لسان يهودي من أهل سورية يدعى "المسيزنيوس" عام 720م ودعا اليهود بأن "اتركوا تعاليم التلمود" وصار أتباعه يدعونه بالمسيح المنتظر، حتى ضاق به يزيد بن عبد الملك (720-624م) ذرعاً فأمر بتسليمه لليهود أنفسهم ليتدبروا أمره، ثم ظهر داع يهودي آخر من أصفهان هو "عوباديا بن عيسى(750م)" ونادى بنفس الإصلاحات السابقة وتعديل عديد من أحكام اليهودية وعرف أتباعه بالفرقة العيسوية نسبة لابن عيسى هذا، ويقر أتباعها بنبوءة عيسى ومحمد.. وفي القرن الثامن الميلادي قامت طائفة يهودية أخرى ـ إصلاحية ـ أسسها الحبر داوود بن عنان دعت لرفض التلمود، وقد اصطدمت هذه الفرقة وغيرها من الفرق الإصلاحية من القرائين مع الربانيين إلى درجة القطيعة ورفض الربانيون الزواج منهم أو إزاجتهم بنسائهم، وقام الخليفة المنصور بسجن عنان هذا بعد أن شكاه الربانيون.. وبعد أن أُطْلعَ المنصور على أبعاد القضية عفا عنه.. ونفاه إلى القدس... وهناك بنى ابن عنان كنساً لـه ولأتباعه من جماعة القرائين، وقام بتأليف كتابين يدعو فيهما إلى تحرير التوراة من التلمود هما (كتاب الفرائض ـ وكتاب الفذلكة)( ).
وبإلقاء نظرة سريعة على التلمود نجد أنه أقر حق تسلط اليهود على الأرض والبشر بالحرب. وذلك "لتتم لهم السلطة والثراء، وعندها يتهود الناس أفواجاً"( ). ونظر إلى الأديان الأخرى نظرة حاقدة موتورة فقالوا عن المسيحيين "أنهم سافلو الأخلاق ولا يستحقون المحبة والعدل" كما شتموا السيد المسيح ووصفوه بالمنافق والدجال.. وما إلى ذلك من كلام قبيح.. وقال التلمود البابلي (الأمورائيم والسبورائيم) بالتناسخ وهي فكرة بابلية هندية، أخذها حاخامات بابل وثبتوها في كتابهم هذا، وليست موجودة في الثنائيم. وذكر التلمود في تعاليمه الحياتية: الفلاحة والزراعة ـ الأعياد والمواسم ـ النساء وما يتعلق بهن من زواج وطلاق وإرث ـ النواهي والعقوبات ـ الذبائح والتقدمات والقرابين ومراسم الهيكل ـ التطهير، وهي ستة أقانيم يقوم عليها التلمود، ومقرونة بظروف الأحقاب السالفة وحياتها البدائية، أي أنها غير صالحة للخلود الإنساني ولا مقياس أبدي. وقد أخفي هذا الكتاب مدة طويلة (أربعة عشر قرناً) كيلا يطلع عليه المسيحيون خاصة بعد أن أصبحت ديناً عالمياً فخشيوا نقمة العالم المسيحي عليهم.. ولكنه انكشف عام 1243م. فأمرت الحكومة الفرنسية بإحراقه علناً بعد أن اطلعت على ما يحتويه من عبارات طعن وقذف وإهانة ضد المسيحية خاصة والأغيار عامة، ثم حرق عدة مرات في مختلف الأقطار والأزمان، وتجدر الإشارة هنا إلى أنه في عام 1168م. قام اليهودي موسى بن ميمون بوضع تفسير للمشنة بالعربية (بالمصرية الدارجة والكتابة بالحرف العبري) أسماه "السراج" كما وضع مصنفاً آخر في الفقه العبري استمده من التلمود وأسماه "تثنية التوراة" اعتمد فيه على التلمود البابلي وشيء من التلمود الأورشليمي، بحسب الحاجة.. كما وضع كتاباً آخر هو "دليل الحائرين" بحث فيه عن إمكانية تدعيم المعتقدات اليهودية بأدلة معقلنة لا نقلية. ثم قام بترجمة السراج إلى العبرية، ومن ثم انتقلت حركة الطوائف إلى أوروبا ومنها: طائفة القبالة والزوهر..
بعد انتشار التلمود ظهر رهط من الأحبار الذين تأثروا بالمعتقدات والأفكار الشرقية (ديانات فارس ـ والزرداشتية) فخرجوا بمجموعة باطنية من الأحكام حول أسرار الكون والإله والكائنات، وأنشأوا حركة عرفت باسم "الحكمة المستورة" في البدء وتسمى لدى اليهود "القبالة" (وتعني القبول أو تلقي الرواية الشفوية) ويرى القباليون هؤلاء أن هذه الروايات قد نزلت على القديسين من قديم الزمان، وتتنبأ بظهور المسيح المنتظر، وأن كتاب التكوين عندهم مستمد من موسى وهذا استمده من إبراهيم.. فيما استمد هؤلاء رواياتهم من القصص والحكايا الباطنية التلمودية ومذهب التصوف الذي راود الغاؤونيم، وكذلك من الفلسفة العربية ـ الأفلاطونية المحدثة.. ومن تعاليم القبالة التي انتشرت في أوروبة في القرن 12 أن الله فيها كائن مطلق وأن روح الإنسان تنتقل من جسم إلى جسم حتى تعود في النهاية إلى الله وتفنى فيه. واندمجت تعاليمها في وثيقتين: السفر جزء (الخلق) على لسان إبراهيم، والسفر هازوهر أو الاستنارة وقد جمعت روايات الاستنارة في كتاب واحد جامع سمي الكتاب المقدس الجديد وعرف بـ "الزوهر" وتعني النور أو الضياء أو الاستنارة وهي مأخوذة من عبارة في التوراة: "والفاهمون يضيئون كضياء الجلد" (دا: 12-3) وقد سمي بالاستنارة لأنه "ينير تفكير العقلاء كنور السماء" ـ كما شرحه واضعه "موسى الليوني 1250-1305م ـ بالآرامية في إسبانيا ـ وتعود نصوصه إلى زمن الحاخام سمعان بن يوشي من القرن الثاني عشر الميلادي( ). وبنى القباليون تعاليمهم على خرافات المجوسية بما تشمل من فروع: الزردشتية والمانوية والمزدكية ومنها اليهودية أيضاً ومن تعاليمها انتقال روح الإنسان من جسم إلى جسم ـ وتسمى رحلة الروح، أو النفس الناطقة (نيشماه) أي أنها تتناقل: إما بالنسخ ـ من جسم إنسان إلى آخر مثله، أو بالرسخ ـ من جسم إنسان إلى جسم نباتي، أو بالمسخ ـ من جسم إنسان إلى جسم حيوان، أو بالفسخ ـ من جسم إنسان إلى جماد.. وتتصل الزوهر بالتوراة من حيث التأويل والألغاز بحيث أن كل حرف فيها يحمل معنى باطنياً ـ كما يعتقدون ـ وأن لا أحد غيرهم قادر على فهمها.. ومن أساطير وبدع الزوهر أن الحروف الإثني والعشرين من الأبجدية العبرية نزلت من السماء قبل الخليقة بستة وعشرين جيلاً وأنها نقشت بنار ملتهبة.. (علماً بأن العبرية مأخوذة بكليتها من الآرامية وأن معجمها واشتقاقاتها مأخوذة من الكلدانية والآشورية والكنعانية. وبمقارنة بسيطة بين الآشورية والكلدانية والعربية نرى أن هذه اللغات هي الأصل وأن العبرية هي إحدى لهجات الآراميين الشماليين (كما مر معنا فيما مضى). أما الحياة في رأي الزوهر فهي صراع بين الخير والشر وكلاهما يخدمان غاية مقدسة.. ومن مشاهير الزوهر: نجمان، وموسى بن ميمون (في الأندلس).. وتعتبر القبالة المصدر الذي استقت منه الجمعيات السرية الصهيونية تعاليمها ورموزها مثل فرسان المعبد، والبنائين (الماسونية) وكلها تقصد هدم النصرانية وإزاحتها من طريقها من أوروبا وخاصة في بولونيا. وقد تحدثت عن المسيح المنتظر (اليهودي) بأنه إما من نسل داوود أو من نسل يوسف.. ومن إشارات ظهوره قيام العالم الجديد الذي لن يكون كالعالم الحالي. وأن الناس سينضمون إليه.. ويقول الزوهر بأنه سيقوم بمحاكمة يشهدون فيها أعداء إسرائيل الأرضيين، وهذه البدعة مستمدة من حياة التشتت اليهودية في الفترة الرومانية فولدت لديهم الحقد، وسجل كتبة الزوهر هذه الخرافة كباعث للأمل في نفوس معتقديه، وقالوا بنهاية العالم لخدمة مصالحهم في عالم آخر مادي (أرضي) للانتقام من أمم الأرض التي عادتهم. وهناك من يقول إن فكرة المسيح المنتظر قد برزت بعد سقوط يهوذا وأسرهم في بابل وكل هذه البدع مستمدة من الزرداشتية ـ وجاء في سفر إشعيا: 9/6-7: يولد لنا ولد. ونعطى ابناً وتكون الرياسة على كتفه ويدعى اسمه عجيباً ويكون إلهاً قديراً وأباً وأبدياً رئيس السلام. تنمو رياسته. يجلس على كرسي داوود وعلى مملكته يثبتها ويعضدها بالحق والبر من الآن وإلى الأبد. غيرة رب الجنود تفعل هذا".
ولما حلت بهم المطاردات والملاحقات (في عام 1553 حرق التلمود في إيطاليا.. وفي بولونيا اشتدت حملات الملاحقة لهم). فقالوا بأن هذه الفترة هي فترة ظهور المسيح 1648. فظهر في أزمير بتركيا يهودي آخر هو ساباتاي زيوي، فقال بأن المسيح هو "قبالي" وكون لـه أتباعاً ألغى تعاليم اليهودية ودعا إلى شطب اسم السلطان محمد الرابع من الخطب في المساجد وإحلال اسم ساباتاي المسيح محله.. ثم أضاف إلى اسمه ابن داوود وسليمان 1666. ثم عاد إلى استنبول ولكن الباخرة التي أقلته منيت بعاصفة هوجاء.. كادت تودي بحياة هذا المسيح المنتظر ابن داوود وسليمان إلى قاع البحر فيغدو طعاماً لأسماك البحر.. ولكن القدر "أنقذ المسيح المنتظر هذا" من الموت وسيق مكبلاً إلى الوزير الأعظم محمد كوبريلي.. وانتصر لساباتاي هذا روفائيل يوسف جلبي في مصر. وناتان بنيامين لاوي في غزة، وأمداه بالمال.. وهنا ساومه السلطان محمد الرابع وأقنعه.. فقبل هذا "المسيح المنتظر" العرض وأعلن إسلامه وصار اسم "هذا المسيح المنتظر" (محمد أفندي) وخصص لـه السلطان راتباً شهرياً..
غريب أمر هؤلاء الخطائين، فما أن تكشف حيلهم وألاعيبهم حتى يتوبوا ويعلنوا دخولهم في دين الخصم.. وهذا ما حصل مع اليهودي الذي افترى على عمر وعلى علي.. والحبل على الجرار.. ولم يكن ساباتاي المنافق الأخير.. وهو دخول تآمري بطبيعة الحال.. وأخذ ساباتاي يدعو خفية في طائفة الدونما (اليهود الذين خرجوا من إسبانيا واعتنقوا الإسلام تقية في الظاهر، ويمارسون طقوسهم في الخفاء ولا يتزوجون من غير الدونما) وادعى كذباً أنه يبشر بالإسلام بين اليهود.. فنفاه السلطان إلى مدينة دلسيكنوا في ألبانيا وتوفي فيها سنة 1676م. لكن دعوة ساباتاي لم تمت.. فقد قامت في بولونيا في القرن الثامن عشر حركة أخرى مشابهة قادها "إسرائيل البدولي" فأسس طائفة تدعى "الحسيديم"( ) عام 1740، واستمد تعاليمه من الزوهر لكنه لم يعتقد أن الكون صورة من صور الله بل إن الكون كله هو الله. وأن الشر عنصر فيه لأنه ليس خبيثاً في ذاته، بل في علاقته بالإنسان، وبذا فليس للخطيئة وجود مادي.. وهذا يشير إلى ناحية هامة هي أن إله اليهود يمثل الشر وإله البشر يمثل الخير فكان يهوه الطرف الآخر لله ولهذا يجب التدقيق في تعاليم هذا المذهب من هذه الزاوية.
وقد استخدم طرائق السحر والشعوذة للإقناع، وتبعه مريدون كثر.. وفي إثره قام داعية آخر هو "حويل بن أوري" اعتمد على السحر باسم الله.. ورفضوا القرابين والملكية الفردية، ودعوا إلى التعايش بين الشعوب.
وقد انتشرت الجمعيات والتيارات القبالية كطائفة الفرنكين (نسبة ليعقوب فرانك 1755م) ودعيوا بالزوهريين أو "إخوان الشعلة" في بولونيا. وعاش فرانك هذا في بذخ ترفي لا يعرف مصدره وانتهى الأمر به إلى اعتناق النصرانية (هذه المرة). وعلى أية حال فقد عدت طوائف اليهودية اثنتين وسبعين طائفة حتى الآن. وعندما وقع هذا الكتاب الممقوت في دائرة الملاحقة فطن بعض من أحبارهم إلى خطورة الموقف، فقرر المجمع الأعلى الكهنوتي في اجتماعه المنعقد عام 1631م في بولونيا، حذف العبارات المهينة للغير "الغوييم" وخاصة تلك التي تدعو المسيحيين "بالسفلة وعديمي الأخلاق" والقذف على السيد المسيح.. وعلى إثر ذلك قامت فئة من بينهم تدعى "الهكسلاة"( ) أو حركة الاستنارة، في أوروبا في أواخر القرن السابع عشر وأوائل الثامن عشر، فنادت بسيادة العقل في النشاط الحياتي. وقد اعتمدت هذه الحركة على فلسفة "جون لوك" الليبرالية، وعلى التجريبية الروسية القائلة بأن العالم تتحكم به قوانين وعلاقات يمكن لعقل الإنسان تفهمها والتحكم بها، وأن الإنسان ليس مخلوقاً صوفياً عجيب الأطوار غير خاضع للقوننة والتقويم بل أنه يتأثر بالبيئة الاجتماعية والحضارية.. وأن يكون العيش بحسب ما يمليه عقله بين الناس.. ونادوا باختلاط اليهود وترك عزلتهم الغيتو وإدخال التعليم العام في مدارسهم وأن ينفض اليهودي عن نفسه قشرة العنصرية القومية المتخلفة والاندماج ببقية الشعوب وأن يكون ولاؤه الأول والأخير لبلده الذي يعيش فيه لا لانتماءاته الدينية.. ثم قالوا: "بأن اليهودي يهودي في منزله وإنسان عادي خارجه" ورفضوا الشخصية اليهودية المتخلفة ـ البدائية ـ الغارقة في طقوس لا علاقة لها بالزمان والمكان.. وقد هزت الهكسلاة المجتمع اليهودي برمته وحركت اليهودي الذي يعيش على هامش التاريخ والعصر.. خاصة وأن أحد أعضاء الثورة الفرنسية أعلن عام 1789: "أننا نرفض منح اليهود كأمة أي شيء، أما اليهود كأفراد فإننا نمنحهم كل شيء".. فأعاد الهكسلاة تقويم رؤيتهم، وصياغة أنفسهم ليواكبوا العصر..
وكانت فلندا في شمال روسيا وأوديسا جنوبها مركزاً لهذه الدعوة وانبثق عنها نشاط أدبي يهودي في ألمانيا بلغة جديدة (اليديش الألمانية القديمة) ويعتبر موسى مندلسون 1629-1786 الألماني اليهودي، فيلسوف الهكسلاة ومنظرها الأول، فحاول تحطيم الغيتو العقلي الداخلي وعزا تخلف اليهود إلى الحاخامات والكتب الخرافية، وسيطرتها على اليهود ـ في كتابه: "أورشليم أو انعتاق اليهود المدني" 1876، وقال: "إن هناك أسساً ثلاثة لليهود: 1- وجود الله. 2- الإيمان بالعناية الإلهية. 3- خلود اليهودية".. وترجم أسفار موسى الخمسة للألمانية. وقد أثر مندلسون في التوصل إلى صيغة يهودية عصرية تجانب المنطلقات اللاتاريخية واعتبر التلمود جامداً في عصره ويجب التكيف مع العصر الحالي إلا أنه وبعد حدوث المجزرة القيصرية لليهود 1881 تحولت الهكسلاة من الاندماج إلى الانبعاث القومي والانعزالية ونمو الحركة الصهيونية بديلاً عن الهكسلاة كمنظمة علنية، والماسونية كمنظمة سرية تدعو إلى المحبة والإخاء في الظاهر.. وقد كانت هذه الحركة تبريرية أو وجهاً من وجوه التقية في أوروبا لتجاوز ظروفهم الصعبة آنذاك. وعقدوا مؤتمراً لهم في بطرسبرغ 1885 تقرر فيه:
"أن الكتاب المقدس ليس من صنع الله، بل هو وثيقة من صنع الإنسان" ومن أعضائه هولدهايم( )، ومن زعماء هذه الحركة أبراهام غايغر (1830-1874)، دافيد فرايدلنر (1756-1834) وقد نجح اليهود بهذه البرغماتية ـ التبريرية من تحقيق بعض الإنجازات الدولية لصالحهم منها: دستور الولايات المتحدة الذي سمح بالعمل بغض النظر عن الدين (1787) ولعل في هذا الدستور أثراً كبيراً في صالح اليهود. وإعلان حقوق الإنسان في فرنسا (1789). حيث كانت الماسونية منتشرة بين صفوف رجالاتها ومفكريها ـ وفي 1791 منحهم المجلس الوطني للثورة الجنسية الفرنسية. وألغي الغيتو في إيطاليا 1797 – 1812 ومنحهم فريدريك وليم الثاني حق المواطنة البروسية ـ وإعطاؤهم الحقوق كاملة في النمسا والمجر 1767- وفي 1870 سقطت روما في أيدي القوات الاتحادية وكان لأموال اليهود دور كبير فيها مما منحهم كامل الحقوق. واستفادوا من ثورة 1917 في روسيا من الحرية التي قدمتها الثورة البلشفية والمساواة بين الناس في الحقوق والوطنية..( ). وبعد هذه التحولات ما لبثت الإصلاحية اليهودية "الهكسلاة" أن عادت إلى سابق تخلفها وخرافاتها العنصرية.. فقامت حركة مضادة تزعمها الحاخام مسون روفائيل هرش (1808-1888) وزكريا فرانكل (1801-1875) وقالا بالتطوير من داخل اليهودية لا من خارجها. رغم إيمانهما بأن التوراة خرافات شفهية "ابتدعتها الربانية لكي يضيفوا لوناً من الحقانية على ما أقره الإجماع الشعبي"( )، واقترح الحاخام الصهيوني سلومون شيختر (1847-1915) على إسرائيل المجمعة على هويتها "كلال إسرائيل" بدراسة التراث والخرافات اليهودية.. ومن هذه الطائفة بن غوريون الذي أعلن: "بأن أسطورة الوعد الإلهي بمنح اليهود أرض كنعان، سواء أكانت حقيقة أم لا فالمهم أنها مغروسة في الوجدان اليهودي ويجب أن تبقى سارية المفعول حتى بعد أن يثبت أن الوعد المقطوع هو مجرد أسطورة شعبية ليس لها أي مصدر إلهي"( ).. ولم تكن هذه الصورة من التقلبات والذرائعية هي الأولى والأخيرة في التلون اليهودي عبر التاريخ.. فقد سبقتها حركات قديمة في إطار التلمود نفسه أي أن الحركات اليهودية قسمان: قسم سياسي، وآخر ديني، ولضرورة البحث نعود إلى بحث الجانب الديني من تطور التوراة تاريخياً، أو التلفيق التوراتي لحقائق التاريخ بالمعنى الأدق. وتقوم هذه الحركة الدينية على مصدر أساسي هو التوراة والتلمود وبعد كل هذه التحولات فقد اقترح توينبي على اليهود رأياً بل حلاً مفاده: "إذا أراد اليهود أن ينجوا من الكذب، عليهم بكتابة تاريخهم من جديد وبما ينطبق مع الحقائق بعيداً عن اغتصاب أرض فلسطين.. وأن إسرائيل برمتها مهما كانت وما تزال وستبقى من الوجهة القانونية ملكاً للعرب الفلسطينيين الذين أجلوا عن ديارهم بالقوة". إلا أن هؤلاء الملفقين المحتلين لم يقبلوا بفكرة توينبي لأنهم خدام الدول والإمبراطوريات ولأن مشروعهم هو مشروع استعماري غربي وقد تعهدوا أن يكونوا خدام هذا المشروع ومنفذيه.
***

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق