السبت، 22 أغسطس 2009

الرواية وموزعو صكوك الإبداع




الرواية وموزعو صكوك الإبداع
 
حسن السبع  
كثر الكلام عن الرواية المحلية، وزمن الرواية، وشروطها وقواعدها وأصولها، وعن الالتزام بالقواعد والشروط، أو التمرد عليها، ومن ثم تحطيم القواعد التقليدية للسرد لدي المولعين بالتحطيم، وعن الرواية كفضاء تجريبي لا تحده قواعد ثابتة، وتداخل الأجناس الأدبية، وشعرية الرواية، حيث الرواية، كما تقول أحلام مستغانمي، هي»فن تهريب التاريخ والشعر والفلسفة». وكثر الكلام عن «تسونامي» الرواية المحلية، والمراهنة على الإثارة والمسكوت عنه في مجتمع محافظ، وعن الفرق بين الرواية والسيرة الذاتية. (لا أذكر، الآن، اسم الروائي العالمي الذي قال: «كل رواية هي بالضرورة سيرة ذاتية».. كما لا أذكر اسم الروائي الذي قال: «إن الروائي لا يكتب إلا رواية واحدة في حياته». وقد يكون معنى هذا الكلام أن باقي الروايات تنويع على الرواية الأولى. أو لعل ذلك، إن لم أكن قد أسأت الفهم، قريب من المعنى الذي قصده رسول حمزاتوف بقوله: «الأبيات التي سترددها العمر كله تكتب مرة واحدة».
فالأساس، كما يرى جون بري باولو، هو «النظام الذي تصاغ فيه الأفكار لتقديمها للقراء». أي أن الأساس هو «قارورة» الصياغة، يلي ذلك «عصير» المعنى.. وهذا صحيح إلى حد بعيد. ألا ترى أن الفكرة تتلألأ عند هذا، وتنطفئ عند ذاك؟ وأن قصائد الحب والقصص والروايات لا تتشابه، رغم تشابه المضامين.
ومع أهمية بعض تلك الاجتهادات التي تحاول تقييم المنجز الروائي المحلي، إلا أنها تبدو لي، أحيانا، رطانة غير مفهومة، إذا ما أخذنا بالاعتبار نسبية القيم الجمالية. فإذا أسرتني الرواية بجمالها فإنني لا أحفل كثيرا بتلك الأسئلة المتعلقة بتقنيات السرد. ما أوليه اهتمامي هو الأريج أو عطر الرواية. ولذلك فأنا لا أسأل عن المكونات أو التركيبة أو الخلطة التي انبثق عنها ذلك الأريج. عندما أقرأ عملا روائيا وأشعر بمتعة التلقي، وبالرغبة في إعادة القراءة مرة أخرى، فإنني قد لا أحتاج إلى وسيط بيني وبين العمل الروائي، إلا إذا جاءت تلك «الوساطة» على شكل دراسة تتصف بالجدية والعمق. كما أنني لا أصغي إلى التعليقات الخاطفة التي تأتي من هنا أو هناك.
 أقول: «تعليقات» لأن بعض تلك الاجتهادات لا تتجاوز كونها تعليقات، وفي أحسن الأحوال انطباعات سريعة، وفي أسوأ الأحوال تراشق بالعبارات لأسباب لا علاقة لها بالنقد. وقد راجت مثل هذه الأحكام أو الانطباعات الخاطفة المغرمة بمفردتي «أفضل وأسوأ» في بعض الأوساط الأدبية، وهو أسلوب ينقصه النضج والاتزان.. ولعل هذا ما دفع أرنستو ساباتو إلى القول: «يمكن أن يقوم جغرافي بنشر كتاب يضع عنوانا له: «الجبال العشرة الأكثر ارتفاعا في العالم» دون أن يشعر أحد بأية غرابة. إنما «أفضل مائة قصيدة» أو أفضل خمس روايات، أو عبارة «فلان ليس روائيا» فهذا كله شكل من أشكال الفرقعات أو المشاغبات التي يراد بها تأكيد الحضور في المشهد الثقافي كلما خفتت الأضواء المسلطة على مروجي تلك العبارات.. أراد ساباتو أن يتساءل: بأي المعايير حكمتم على أن تلك القصائد المائة هي أفضل القصائد؟
ويذكرني هذا بملاحظة كتبتها قبل سنوات عن زاوية في مجلة (النقاد) عنوانها (دليل القارئ للكتاب الرديء) يشيرون فيها إلى ما يعتقدون أنه أردأ عمل أدبي. وأعتقد أن في تلك الزاوية من الادعاء وعدم اللباقة ما يجعلها (أردأ) مساحة صحفية على الإطلاق. ورغم تحفظنا على عبارة (أفضل القصائد) إلا أنها أفضل بكثير من تلك الزاوية التي تشير إلى (الأردأ) ويشرف عليها محرر أو محررون ليسوا بالتأكيد خلاصة الخلاصة.
قد يعيد قارئ قراءة بعض الأعمال الروائية أكثر من مرة وبالحماسة نفسها. لكنه قد يصاب بالملل بعد قراءة بضع صفحات من رواية ما فيضعها جانبا، لأنها لم تكن قد كتبت من أجله. (وهذا ما افعله مع الروايات الغارقة في إيقاعاتها الجنائزية، أو تلك الموغلة في «النسوية» كحالة مَرَضية لديها لازمة واحدة تقول: «ابحث عن الرجل». لكن العمل الأدبي، وأيا كان مستواه، لا يقيم بعبارة خاطفة، كما أن الناقد الجاد لا يمنح «صكوك الإبداع» أو يمنعها بطريقة استعراضية، ووفقا لمزاجه الشخصي.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق