محمد شعبان الموجي
كان طرح النتاج الفكري والأدبي والثقافي حتى ماضٍ قريب حكراً على المتفرغين لذلك ، وكانت لديهم الآلية والعلاقات التي تروج لما يكتبونه ، فيتم نشره كتباً ومقالات وأعمدة وغير ذلك. وكان النشر غالباً يكون في وسائل الإعلام الرسمية مقروءة ومرئية ، والتي لها سياساتها وتوجهاتها الخاصة ، ولا تنشر لكاتب ما يخالف رؤاها هي ، بما جعل هؤلاء الكتاب ينصاعون لتلك السياسات والتوجهات ، ويكتبون ما يتفق معها ، بل ويرضيها ، وإلا تم منع صاحبها والحجر على قلمه ، فيختقي بريقه الذي يحرص عليه ، فلم تكن كتابات معظمهم يحدوها هدف ومبدأ ، بقدر ما كان يحدوها الشهرة والكسب من وراء ذلك مادياً أو معنوياً أو كلاهما.
لم يكن لهواة الأدب المجيدين ، ولا لأصحاب المبادئ الثابتة المستعصية على الضغوط ، وغير هؤلاء من الشخصيات التي لا تهدف لشهرة على حساب نبل أهدافها ، لم يكن لكل هؤلاء مكان لطرح إنتاجهم الفكري ، بما جعل الشعوب العربية تخسر الكثير من تلكم الأقلام فيطويها التجاهل والنسيان. وأزعم أن لي معرفة شخصية ببعض تلك الأقلام والشخصيات على مدي العقود السابقة ، وكان من بينهم أفذاذاً يفوق مستواهم المعرفي والإبداعي بمراحل بعض الأسماء اللامعة في عالم الفكر والأدب والثقافة في القرن الماضى.
واستمر ذلك حتى بدأت مواقع الشبكة في الظهور على شاشات الكومبيوتر ، فمثلت نافذة كبرى لجميع الألباب والأقلام. نافذة تميزت بسرعة الاتصال وسهولته ، وتلاقح الأفكار بين الكتاب بيسر لم يكن متاحاً من قبل. بدأت تلك المواقع في جذب أولئك الذين لم يكن لديهم وقت أو طاقة أو فرصة للنشر الورقي والمرئي ، وتجذب الهواة من غير المتخصصين في الأدب والثقافة ، فخدمت تلك المواقع عدة أهداف ، أراني أختصرها في نقاط أربعة:
1- إتاحة الفرصة للأدباء والمثقفين الهواة المجيدين بنشر إنتاجهم لقاعدة عريضة من القراء ، سواء من أعضاء تلك المواقع أو من زوارها ، فصار النشر ميسراً بلا تكلفة أة علاقات وليس حكراً على أحد.
2- الارتقاء بمستوى الأقلام ذات القدرات الضعيفة ، حيث كفل لهم احتكاكهم وتفاعلهم مع الأقلام القوية بالمواقع المختلفة ، تقوية قدراتهم في شتى فروع الأدب والثقافة ، ولعل الشعر العمودي والقصة والرسالات الأدبية كانت أكثر الفروع التي أفرخت شعراء وقصاصين وكتاب ، يضارعون ويفوقون الأقلام القوية الشهيرة ، بل ارتقى بعضهم ليفوق أشهر الأقلام قديمها وحديثها. كانت نافذة الشبكة إذن جامعة تعليمية قائمة لا شك فيها.
3- انكشف مستوى كثير من الأقلام التي احتكرت وسائل النشر الورقية والمرئية لفترة طويلة ، واستطاعت بعلاقاتها وتوجهاتها تحييد وتهميش أقلام أقوى منها بكثير ، وذلك بعد أن ظهر في الشبكة من يفوقونهم فكراً وكتابة ولم يسمع بهم أحد من قبل.
4- تسهيل الاتصال بين الأدباء والمفكرين والمبدعين ، فلم يكن ذلك متاحاً إلا في قاعات وأروقة مراكز الأدب وقصور الثقافة ، وهو الأمر الذي لم يكن يتابعه سوى المتخصصين وقليل من الهواة.
ووجة نظري أن المواقع الأدبية في الشبكة تمثل ثورة كبرى في عالم النشر ، حيث أصبح النشر ومطالعته متاحاً بحرية للكاتب والقارئ معا - رغم ضغوط على تلك المواقع ولم تزل - ولم يعد بمقدرة أحد أن يفرض توجهاً معيناً على المثقفين أو عامة الناس من فكر وأدب وثقافة ورؤى ، ولم يعد بمقدور أحد أن يهمش قلماً بذاته أو يروج لفكرٍ بعينه.
وإذا تحدثت عن الشعر وهو هوايتي الأساسية ، فأجد إنني قد هجرت تلك الهواية لأكثر من ربع قرن متفرغاً لتخصصي الذي فرض نفسه فرضاً ، ولم يتح وقتاً لمزاولة تلك الهواية أو المشاركة الفاعلة في اجتماعات مراكز الأدب وجمعياتها. وكنت في نفس الوقت أرقب تلك الحملة الشعواء للقضاء على الشعر العمودي في وسائل النشر والترويج لنصوص النثر التي أسموها شعراً ، وليت مستوى ذلك كان يرقى لأن نقرأه ، بل كان أكثره متواضعاً هزيلاً أو غامضاً لا تدري ماهيته. كان ذلك في إطار حملة للنيل من اللغة العربية ، وهي لغة القرآن الكريم ، والانحدار بمستوى فنون تلك اللغة ، وتغييب أرقى فنونها من الشعر العمودي الرصين ، والنثر الباذج الأصيل ن وتمهيد لحرب العولمة والتنوير أو التسطيح والإظلام كما أسميهما.
كنت أرقب ذلك بحزن شديد ، مستحضراً في ذهني دائماً الهدف السيء من تلك الحملة ، وشاهداً على عاصفة الترويج التي لا تهدأ في كافة وسائل النشر الورقي والمرأي ، وتقليد أصحابها من المروجين والداعين لذلك مناصباً ومواقعاً تسيطر على عالم الأدب والثقافة. وقد نجحت المقاصد فترة طويلة ، واغتربت اللغة العربية واغترب الشعر العمودي واغترب الأدب الأصيل.
وعندما رأيت مواقع الأدب في الشبكة ، علمت أن الله قد فتح تلك النافذة ويسرها لأقلام تدافع عن اللغة وتحييها هي وفنونها ، وقد كان ذلك. خلال السنوات القليلة الماضية ، ظهر أدباء أفذاذ في كافة مجالات الأدب والفكر ، وأصبحنا نقرأ شعراً عمودياً باذخاً لبعض الشعراء الجدد ، فبعث الشعر العمودي من جديد. وكم يرف قلبي سعادة عندما أجد شاعراً صغير السن يكتب شعراً عمودياً سامقاً ، أو يكتب مقالة قوية بالفصحى ، أو رسالة أدبية أو مقامة ، كيف تأتى له هذا ؟ لابد أنها مدرسة تلك الشبكة.
وكان واجباً علىَّ أن أشجع ذلك وأن أنضم إليه ، فبدأت أكتب في بعض مواقع الأدب التي أستشف فيها الجدية ، وبدأت أعود لهوايتي في قرض الشعر ، وارتقيت بها ، وتعلمت الكثير الكثير.
إلا أنني وجدت بعد حين أن مواقع الأدب والإبداع في الشبكة تختلف باختلاف التوجه الشخصي لصاحب كل موقع وشخصيته ، وليس مطلق الهدف لخدمة اللغة والأدب لسبب أو آخر. فهناك مواقع أقامها أدباء سعياً وراء الشهرة والترويج لأسمائهم ، بما يجعلهم يستهدفون في مواقعهم من يفوقهم قدرة ، ويضطرونهم لهجر الموقع لينفردوا به لا ينافسهم فيه أحد. وهناك مواقع لا تهدف إلا لملء فراغ وقت أعضائها ، وإضاعته في الدردشة والمجاملات لأدب متواضع. وهناك مواقع يهدف اصحابها للكسب المادي من خلف ستار الأدب وفنونه. وهناك غير ذلك من أهداف شتى ، غير أنني تيقنت أن كل موقع يعبر بصورة مباشرة عن شخصية صاحبه ، ويصطبغ بها.
من هنا كانت الحيرة ، فكيف يكون هناك موقعاً رصيناً قوياً ليس لصاحبه هدفاً شخصياً اللهم إلا الفضل في بناء موقع يخدم الفصحى وفنونها بحيدة مطلقة لا شبهة فيها ؟ وفكرت جدياً أن أقوم ببناء ذلك الموقع ، وتكون عضويته مقصورة على الناطقين بالعربية في العالم ، من كبار الأدباء والمفكرين الجادين أصحاب الفكر المستقل وأصحاب الثقل الأدبي الحقيقي. ووجدت أنني أستطيع ذلك ، فليس لي هدفاً للشهرة في عالم الأدب ، بل لو كان بيدي ما وقعت على ما أكتب باسمي ، فتكفيني ذلك في تخصصي الأساسي وليس في الهواية. وليس لي هدفاً لكسبٍ مادي ، بل على العكس فالموقع سأنفق عليه مبالغ كبيرة سنوياً، وأيضاً ليس عندي صفة الشعور بالغيرة من أي قلم ، بل على عكس ذلك تماماً، فكم أسعد بقمم الأدب والثقافة عندما أقرأ إبداعهم وأجدها فرصة للتعلم منهم.
قمت بالفعل بطلب بناء الموقع من شركة مواقع وعقدت عدة اجتماعات أحدد فيها شكل الموقع المطلوب بأبوابه ومحتوياته وتفصيلاته ومكتبته الضخمة وإمكانياتها. قامت الشركة بذلك بجهد جهيد على مدى أكثر من سنتين ، فقد كان معظم ما أردته غير مسبوق في مواقع الشبكة ويحتاج حرفية فنية عالية وتكلفة كبيرة ، ولم أبخل في ذلك الشأن. وجاءت اللحظة التي انتظرتها طويلاً عندما أخطرتني الشركة أن الموقع أصبح جاهزاً للبث في الشبكة ، فذهبت ورأيته ، فوجدتني متردداً غاية التردد ومرتبكاً. فقد وجدت أن مثل هذا الموقع بضخامته ونوعية أبوابه وأدواته والتحديث المستمر لكل ذلك سوف يحتاج إشرافاً شخصياً مني يومياً بما لا يتيحه لي الوقت أو العمل ، وسوف يحتاج أيضاً فريق عمل من مشرفين وفنيين لا يقلون عن عشرة أشخاص على مدار الساعة ، ولست أعرف إلا القليل ممن يمكنهم المساعدة في ذلك من المخلصين للهدف المطلق ومن لديهم العلم والقدرة ، وجلهم ليس لديهم وقت مثلي. وقد عرض بعض الأخوة الأفاضل ممن رأوا صوراً للموقع أن يساهموا في إدارته ، غير أن العقبة الكبرى كانت حتمية متابعتي الشخصية لكامل الموقع الكبير ، بما لا يمكنني توفير الوقت له ، فأسقط في يدي ، وصرفت النظر حيناً ثم صرفته نهائياً بعد ذلك في وقت قريب.
ولا يعلم أخي الكريم الأستاذ الفاضل / محمد الموجي ، أنه كان السبب الفاصل الذي قطع الشك باليقين في قراري النهائي بصرف النظر عن بث الموقع ، مع انه كان من أوائل من عرضوا علىَّ المساعدة بلا حدود وبإخلاص اشهد به ، في بناء موقعي بعد أن رأي بعض نماذجه. فقد كنت أتابع من حين إلى حين تطور موقعه وتوجهه ونوعية المواد فيه ، ومستوى الأقلام ، بالإضافة إلى أسلوب إدارته وكيفية تعامله مع ما يواجهه من صعاب ومشاكل بأنواعها ، فوجدت بلا شك ، أن الموقع يديره رجل محترم يحترم الناس ، وله باع كبير في العلم والثقافة والفكر وذائقة حقيقية للإبداع ، وليس له هدف شهرة شخصية أو كسب مادي، وله مبدأ إيماني وفكري لا يحيد عنه ، ويعطي الحرية بقدر ما يستطيع رغم الضغوط لما تكتبه الأقلام. وله حكمة في التعامل مع ما يستوجب التدخل في الوقت المناسب ، كما أن له قدرة على اتخاذ القرار الحاسم فيما يستلزم ذلك دون النظر للعواقب مهما كانت ، ويحرص على الأقلام الملتزمة القوية ، ولا يقبل هزلاً أو سطحية. والموقع كما أراه هو مرآة مباشرة تعكس هذه الشخصية ، تماماً كما تمثل المواقع الأخرى مرآة لشخصية أصحابها.
إذن فهو الموقع الفكري والأدبي الذي كنت أرجوه في الشبكة بشخصية صاحب القرار فيه ، رصيناً محايداً قوياً محترماً يحدوه هدف مطلق ، به أقلام قوية. فكان موقع الأدباء والمبدعين العرب في ثوبه الحالي إدارياً وفنياً هو السبب الأخير والمباشر لأن أصرف النظر عن موقعي نهائياً ، ففي هذا الموقع كفاية وعلىَّ دعمه كتابة وجل ما في موقعي من مواد ومكتبة كبرى أهديه له ، وها قد عدت أبدأ بالكتابه. وقد أثلج صدري اليوم عندما طالعت الملتقي فوجدت باباً جديداً يخص الشعر العمودي وفصله عن غيره من فنون اللغة. تلك خطوة من لا يخطوها إلا من يريد الصحيح وله هدف ولا يهمه الكم على حساب الكيف ، فبورك من اقترح ذلك القرار ومن أيده ومن اتخذه ومن نفذه. والله هي سعادة كبيرة لي اليوم ، فأنا في المكان الصحيح.
رحلة طويلة انتهت بأن أحط الرحال هنا بما يتيسر لي من وقت بإذن الله. فهل سيستمر أخي الكريم والعالم الكبير / محمد الموجي في خدمة الهدف المطلق ، ويتحمل تبعات ذلك ، فيكون سبباً من الأسباب المباشرة في إحياء اللغة وفنونها والعودة بها إلى أصولها كما كانت والحفاظ عليها ، والثبوت على ذلك ، ودفع الضغوط ، وإثراء الفكر الملتزم وتحفيزه، ونشر الثقافة المطلقة بلا فرض اتجاه بعينه اللهم إلا الثقافة التي لا يقبلها الدين. هذا هو ما أرقبه وأرجوه واتمناه ، والله على كل شيء قدير وشهيد.
لم يكن لهواة الأدب المجيدين ، ولا لأصحاب المبادئ الثابتة المستعصية على الضغوط ، وغير هؤلاء من الشخصيات التي لا تهدف لشهرة على حساب نبل أهدافها ، لم يكن لكل هؤلاء مكان لطرح إنتاجهم الفكري ، بما جعل الشعوب العربية تخسر الكثير من تلكم الأقلام فيطويها التجاهل والنسيان. وأزعم أن لي معرفة شخصية ببعض تلك الأقلام والشخصيات على مدي العقود السابقة ، وكان من بينهم أفذاذاً يفوق مستواهم المعرفي والإبداعي بمراحل بعض الأسماء اللامعة في عالم الفكر والأدب والثقافة في القرن الماضى.
واستمر ذلك حتى بدأت مواقع الشبكة في الظهور على شاشات الكومبيوتر ، فمثلت نافذة كبرى لجميع الألباب والأقلام. نافذة تميزت بسرعة الاتصال وسهولته ، وتلاقح الأفكار بين الكتاب بيسر لم يكن متاحاً من قبل. بدأت تلك المواقع في جذب أولئك الذين لم يكن لديهم وقت أو طاقة أو فرصة للنشر الورقي والمرئي ، وتجذب الهواة من غير المتخصصين في الأدب والثقافة ، فخدمت تلك المواقع عدة أهداف ، أراني أختصرها في نقاط أربعة:
1- إتاحة الفرصة للأدباء والمثقفين الهواة المجيدين بنشر إنتاجهم لقاعدة عريضة من القراء ، سواء من أعضاء تلك المواقع أو من زوارها ، فصار النشر ميسراً بلا تكلفة أة علاقات وليس حكراً على أحد.
2- الارتقاء بمستوى الأقلام ذات القدرات الضعيفة ، حيث كفل لهم احتكاكهم وتفاعلهم مع الأقلام القوية بالمواقع المختلفة ، تقوية قدراتهم في شتى فروع الأدب والثقافة ، ولعل الشعر العمودي والقصة والرسالات الأدبية كانت أكثر الفروع التي أفرخت شعراء وقصاصين وكتاب ، يضارعون ويفوقون الأقلام القوية الشهيرة ، بل ارتقى بعضهم ليفوق أشهر الأقلام قديمها وحديثها. كانت نافذة الشبكة إذن جامعة تعليمية قائمة لا شك فيها.
3- انكشف مستوى كثير من الأقلام التي احتكرت وسائل النشر الورقية والمرئية لفترة طويلة ، واستطاعت بعلاقاتها وتوجهاتها تحييد وتهميش أقلام أقوى منها بكثير ، وذلك بعد أن ظهر في الشبكة من يفوقونهم فكراً وكتابة ولم يسمع بهم أحد من قبل.
4- تسهيل الاتصال بين الأدباء والمفكرين والمبدعين ، فلم يكن ذلك متاحاً إلا في قاعات وأروقة مراكز الأدب وقصور الثقافة ، وهو الأمر الذي لم يكن يتابعه سوى المتخصصين وقليل من الهواة.
ووجة نظري أن المواقع الأدبية في الشبكة تمثل ثورة كبرى في عالم النشر ، حيث أصبح النشر ومطالعته متاحاً بحرية للكاتب والقارئ معا - رغم ضغوط على تلك المواقع ولم تزل - ولم يعد بمقدرة أحد أن يفرض توجهاً معيناً على المثقفين أو عامة الناس من فكر وأدب وثقافة ورؤى ، ولم يعد بمقدور أحد أن يهمش قلماً بذاته أو يروج لفكرٍ بعينه.
وإذا تحدثت عن الشعر وهو هوايتي الأساسية ، فأجد إنني قد هجرت تلك الهواية لأكثر من ربع قرن متفرغاً لتخصصي الذي فرض نفسه فرضاً ، ولم يتح وقتاً لمزاولة تلك الهواية أو المشاركة الفاعلة في اجتماعات مراكز الأدب وجمعياتها. وكنت في نفس الوقت أرقب تلك الحملة الشعواء للقضاء على الشعر العمودي في وسائل النشر والترويج لنصوص النثر التي أسموها شعراً ، وليت مستوى ذلك كان يرقى لأن نقرأه ، بل كان أكثره متواضعاً هزيلاً أو غامضاً لا تدري ماهيته. كان ذلك في إطار حملة للنيل من اللغة العربية ، وهي لغة القرآن الكريم ، والانحدار بمستوى فنون تلك اللغة ، وتغييب أرقى فنونها من الشعر العمودي الرصين ، والنثر الباذج الأصيل ن وتمهيد لحرب العولمة والتنوير أو التسطيح والإظلام كما أسميهما.
كنت أرقب ذلك بحزن شديد ، مستحضراً في ذهني دائماً الهدف السيء من تلك الحملة ، وشاهداً على عاصفة الترويج التي لا تهدأ في كافة وسائل النشر الورقي والمرأي ، وتقليد أصحابها من المروجين والداعين لذلك مناصباً ومواقعاً تسيطر على عالم الأدب والثقافة. وقد نجحت المقاصد فترة طويلة ، واغتربت اللغة العربية واغترب الشعر العمودي واغترب الأدب الأصيل.
وعندما رأيت مواقع الأدب في الشبكة ، علمت أن الله قد فتح تلك النافذة ويسرها لأقلام تدافع عن اللغة وتحييها هي وفنونها ، وقد كان ذلك. خلال السنوات القليلة الماضية ، ظهر أدباء أفذاذ في كافة مجالات الأدب والفكر ، وأصبحنا نقرأ شعراً عمودياً باذخاً لبعض الشعراء الجدد ، فبعث الشعر العمودي من جديد. وكم يرف قلبي سعادة عندما أجد شاعراً صغير السن يكتب شعراً عمودياً سامقاً ، أو يكتب مقالة قوية بالفصحى ، أو رسالة أدبية أو مقامة ، كيف تأتى له هذا ؟ لابد أنها مدرسة تلك الشبكة.
وكان واجباً علىَّ أن أشجع ذلك وأن أنضم إليه ، فبدأت أكتب في بعض مواقع الأدب التي أستشف فيها الجدية ، وبدأت أعود لهوايتي في قرض الشعر ، وارتقيت بها ، وتعلمت الكثير الكثير.
إلا أنني وجدت بعد حين أن مواقع الأدب والإبداع في الشبكة تختلف باختلاف التوجه الشخصي لصاحب كل موقع وشخصيته ، وليس مطلق الهدف لخدمة اللغة والأدب لسبب أو آخر. فهناك مواقع أقامها أدباء سعياً وراء الشهرة والترويج لأسمائهم ، بما يجعلهم يستهدفون في مواقعهم من يفوقهم قدرة ، ويضطرونهم لهجر الموقع لينفردوا به لا ينافسهم فيه أحد. وهناك مواقع لا تهدف إلا لملء فراغ وقت أعضائها ، وإضاعته في الدردشة والمجاملات لأدب متواضع. وهناك مواقع يهدف اصحابها للكسب المادي من خلف ستار الأدب وفنونه. وهناك غير ذلك من أهداف شتى ، غير أنني تيقنت أن كل موقع يعبر بصورة مباشرة عن شخصية صاحبه ، ويصطبغ بها.
من هنا كانت الحيرة ، فكيف يكون هناك موقعاً رصيناً قوياً ليس لصاحبه هدفاً شخصياً اللهم إلا الفضل في بناء موقع يخدم الفصحى وفنونها بحيدة مطلقة لا شبهة فيها ؟ وفكرت جدياً أن أقوم ببناء ذلك الموقع ، وتكون عضويته مقصورة على الناطقين بالعربية في العالم ، من كبار الأدباء والمفكرين الجادين أصحاب الفكر المستقل وأصحاب الثقل الأدبي الحقيقي. ووجدت أنني أستطيع ذلك ، فليس لي هدفاً للشهرة في عالم الأدب ، بل لو كان بيدي ما وقعت على ما أكتب باسمي ، فتكفيني ذلك في تخصصي الأساسي وليس في الهواية. وليس لي هدفاً لكسبٍ مادي ، بل على العكس فالموقع سأنفق عليه مبالغ كبيرة سنوياً، وأيضاً ليس عندي صفة الشعور بالغيرة من أي قلم ، بل على عكس ذلك تماماً، فكم أسعد بقمم الأدب والثقافة عندما أقرأ إبداعهم وأجدها فرصة للتعلم منهم.
قمت بالفعل بطلب بناء الموقع من شركة مواقع وعقدت عدة اجتماعات أحدد فيها شكل الموقع المطلوب بأبوابه ومحتوياته وتفصيلاته ومكتبته الضخمة وإمكانياتها. قامت الشركة بذلك بجهد جهيد على مدى أكثر من سنتين ، فقد كان معظم ما أردته غير مسبوق في مواقع الشبكة ويحتاج حرفية فنية عالية وتكلفة كبيرة ، ولم أبخل في ذلك الشأن. وجاءت اللحظة التي انتظرتها طويلاً عندما أخطرتني الشركة أن الموقع أصبح جاهزاً للبث في الشبكة ، فذهبت ورأيته ، فوجدتني متردداً غاية التردد ومرتبكاً. فقد وجدت أن مثل هذا الموقع بضخامته ونوعية أبوابه وأدواته والتحديث المستمر لكل ذلك سوف يحتاج إشرافاً شخصياً مني يومياً بما لا يتيحه لي الوقت أو العمل ، وسوف يحتاج أيضاً فريق عمل من مشرفين وفنيين لا يقلون عن عشرة أشخاص على مدار الساعة ، ولست أعرف إلا القليل ممن يمكنهم المساعدة في ذلك من المخلصين للهدف المطلق ومن لديهم العلم والقدرة ، وجلهم ليس لديهم وقت مثلي. وقد عرض بعض الأخوة الأفاضل ممن رأوا صوراً للموقع أن يساهموا في إدارته ، غير أن العقبة الكبرى كانت حتمية متابعتي الشخصية لكامل الموقع الكبير ، بما لا يمكنني توفير الوقت له ، فأسقط في يدي ، وصرفت النظر حيناً ثم صرفته نهائياً بعد ذلك في وقت قريب.
ولا يعلم أخي الكريم الأستاذ الفاضل / محمد الموجي ، أنه كان السبب الفاصل الذي قطع الشك باليقين في قراري النهائي بصرف النظر عن بث الموقع ، مع انه كان من أوائل من عرضوا علىَّ المساعدة بلا حدود وبإخلاص اشهد به ، في بناء موقعي بعد أن رأي بعض نماذجه. فقد كنت أتابع من حين إلى حين تطور موقعه وتوجهه ونوعية المواد فيه ، ومستوى الأقلام ، بالإضافة إلى أسلوب إدارته وكيفية تعامله مع ما يواجهه من صعاب ومشاكل بأنواعها ، فوجدت بلا شك ، أن الموقع يديره رجل محترم يحترم الناس ، وله باع كبير في العلم والثقافة والفكر وذائقة حقيقية للإبداع ، وليس له هدف شهرة شخصية أو كسب مادي، وله مبدأ إيماني وفكري لا يحيد عنه ، ويعطي الحرية بقدر ما يستطيع رغم الضغوط لما تكتبه الأقلام. وله حكمة في التعامل مع ما يستوجب التدخل في الوقت المناسب ، كما أن له قدرة على اتخاذ القرار الحاسم فيما يستلزم ذلك دون النظر للعواقب مهما كانت ، ويحرص على الأقلام الملتزمة القوية ، ولا يقبل هزلاً أو سطحية. والموقع كما أراه هو مرآة مباشرة تعكس هذه الشخصية ، تماماً كما تمثل المواقع الأخرى مرآة لشخصية أصحابها.
إذن فهو الموقع الفكري والأدبي الذي كنت أرجوه في الشبكة بشخصية صاحب القرار فيه ، رصيناً محايداً قوياً محترماً يحدوه هدف مطلق ، به أقلام قوية. فكان موقع الأدباء والمبدعين العرب في ثوبه الحالي إدارياً وفنياً هو السبب الأخير والمباشر لأن أصرف النظر عن موقعي نهائياً ، ففي هذا الموقع كفاية وعلىَّ دعمه كتابة وجل ما في موقعي من مواد ومكتبة كبرى أهديه له ، وها قد عدت أبدأ بالكتابه. وقد أثلج صدري اليوم عندما طالعت الملتقي فوجدت باباً جديداً يخص الشعر العمودي وفصله عن غيره من فنون اللغة. تلك خطوة من لا يخطوها إلا من يريد الصحيح وله هدف ولا يهمه الكم على حساب الكيف ، فبورك من اقترح ذلك القرار ومن أيده ومن اتخذه ومن نفذه. والله هي سعادة كبيرة لي اليوم ، فأنا في المكان الصحيح.
رحلة طويلة انتهت بأن أحط الرحال هنا بما يتيسر لي من وقت بإذن الله. فهل سيستمر أخي الكريم والعالم الكبير / محمد الموجي في خدمة الهدف المطلق ، ويتحمل تبعات ذلك ، فيكون سبباً من الأسباب المباشرة في إحياء اللغة وفنونها والعودة بها إلى أصولها كما كانت والحفاظ عليها ، والثبوت على ذلك ، ودفع الضغوط ، وإثراء الفكر الملتزم وتحفيزه، ونشر الثقافة المطلقة بلا فرض اتجاه بعينه اللهم إلا الثقافة التي لا يقبلها الدين. هذا هو ما أرقبه وأرجوه واتمناه ، والله على كل شيء قدير وشهيد.




