سأورد هنا مقطعا مختارا من رأي أرسطو – الفيلسوف اليوناني- في كيفية احتفاظ الطاغية بحكمه والسمات العامة التي تتصف بها شخصيته، وقد ذكرها الأستاذ الدكتور إمام عبد الفتاح إمام في كتابه “الطاغية”.
يهمني كثيرا وضع هذه الملاحظة في البداية ليعرف القارئ أن الطاغية وحكم الإستبداد صورة ونموذج واحد على مر التاريخ، فما ذكره أرسطو ومن قبله أستاذه إفلاطون عن حكم الطغاة يشعرنا بأنهم يعيشون الآن بيننا!
طرق الطاغية في المحافظة على الحكم:
1- الغاية النهائية للطاغية، لكي يحتفظ بعرشه، هي تدمير روح المواطنين، وزرع الشك وانعدام الثقة فيما بينهم، وجعلهم عاجزين عن عمل شيء أو فعل أي شيء. كذلك تعويد الناس الخسة والوضاعة، والعيش بلا كرامة، بحيث يسهل عليهم أن يعتادوا الذل والهوان.
2- القضاء على البارزين من الرجال، وأصحاب العقول الناضجة، واستئصال كل من تفرق أو حاول أن يرفع رأسه. وقد سبق ان تحدث عن هذه النقطة إفلاطون تحت إسم “ طريقة التطهير”التي هي عكس طريقة الأطباء.
3- منع الموائد المشتركة والإجتماعات والنوادي وحظر التعليم ( أو جعله لونا من الدعاية للحاكم ) وحجب كل ما يعمل على تنوير النفوس أو كل ما يبث عل الشجاعة والثقة بالنفس.
4- منع المواطنين من التجمع لأغراض ثقافية أو أي تجمع مماثل، واتخاذ كافة السبل التي تغرس في المواطن الشعور بانه غريب عن بلده، بقدر المستطاع. بمعنى، قطع الحبل السري الذي يربط المواطن بوطنه. ذلك لأن تعارف المواطنين وتوادهم يؤدي باستمرار إلى ثقة متبادلة.
5- إجبار كل مقيم في المدينة أن يظهر للعيان بصفة مستمرة، وإكراهه بوجه عام ألا يجاوز أبدا أبواب المدينة إلا إذا كان الطاغية وأعوانه على علم بما يعمل الناس في دولته. وهكذا يواصل الطاغية استعباد المواطنين، وعن طريق الإستعباد المستمر يعتاد الناس الخسة والضعة والهوان. ويشتمل هذا الخط السياسي كذلك على وسائل أخرى ذات طبيعة متشابهة، تؤدي كلها إلى نتيجة واحدة وهي المحافظة على الطاغية.
6- أن يجتهد الطاغية حتى تكون لديه معلومات منتظمة حول كل ما يفعله رعاياه أو يقولونه. وهذا يعني أن تكون شرطة سرية وجواسيس أو عيون يبثها في أرجاء البلاد على نحو ما كان طاغية سيراقوصه يفعل عندما كان يستخدم جواسيس من النساء. أو المتنصتون الذين كان يبعث بهم هيرو Hiero الطاغية في كل المجتمعات والمحافل والمجالس العامة، لأن الناس بهذه الطريقة كانوا يقللون من صراحتهم إذا ما تكلموا عن نظام الحكم، أو يكتمون آراءهم بداخلهم، خشية من وشاية الجواسيس.
7- كذلك يعتمد الطاغية على إغراء المواطنين أن يشي بعضهم ببعض، فتنعدم الثقة بينهم، ويدب الخلاف بين الصديق وصديقه، وبين العوام وعلية القوم، وبين الأغنياء والفقراء. وهكذا فإن الطاغية يبذر الشقاق والنميمة، ويثير حقد الشعب على الطبقات العليا التي يجتهد أن يفرق بينها.
8- أخيرا، هناك وسيلة أخرى للطاغية وهي إفقار رعاياه حتى لايكلفه حرسه شيئا من جهة، وحتى ينشغل المواطنون من جهة أخرى، بالبحث عن قوت يومهم، فلا يجدون من الوقت ما يتمكنون فيه من التآمر عليه. وإكثار أعمال السخرة التي يقومون بها مثل المنشآت التي أقيمت في مصر كالأهرام والمعابد الهائلة، وكذلك تشييد المعابد لزيوس التي أقامتها أسرة بيزستراتوس طاغية أثينا. فليس لجميع هذه الأعمال سوى هدف واحد هو إفقار المواطنين، وشغل فراغهم حتى لا يجدوا وقتا لشيء آخر. بالإضافة إلى فرض الضرائب التي تؤدي إلى نفس النتيجة. فمثلا خلال خمس سنوات من حكم الطاغية ديونسيموس الكبير حاكم سيراقوصه، دفع المواطنون كل ما لديهم من ممتلكات للدولة على شكل ضرائب حيث فرض الطاغية ضريبة سنوية إسمها ضريبة الممتلكات وتقدر ب 20 % مما يملكه الفرد!!!
أيضا يلجأ الطاغية إلى إشعال الحروب، بهدف أن ينشغل المواطنون بصفة مستمرة، ولا ينفكون يحتاجون إلى قائد على الدوام.
سمات الطاغية:
إن السمات الأساسية للطاغية هي بذر بذور الشقاق، وانعدام الثقة بين المواطنين، فالطاغية يسير على مبدأ “إن الناس جميعا يودون الإطاحه به، غير أن الأصدقاء وحدهم هم الذين يستطيعون ذلك “. ومن ثم فينبغي أن تنعدم الثقة في الأصدقاء قبل غيرهم. ولهذا نجد الطاغية يشجع التأثير الأنثوي في الأسرة، على أمل أن تقوم الزوجات بالإبلاغ عن أزواجهن! وللغاية نفسها تراهم يفرطون في تدليل العبيد والخدم حتى يتمكنوا من الإفشاء عن سادتهم.
ولهذا السبب أيضا نجد الطاغية يختار الفاسدين من البشر في نظام حكمه ليكونوا أصدقاء، فهم عبيد النفاق والتملق، والطاغية تسره المداهنة، وينتشي من النفاق، ويريد من يتملقه. ولن تجد إنسانا حرا شريفا يقدم على مثل هذا العمل. فالرجل الخير يمكن أن يكون صديقا، لكنه لا يمكن تحت أي ظرف أن يكون مداهنا أو متملقا. أما الرجل السيء فليس لديه الإستعداد للقيام بهذا الدور فحسب، وإنما تراه يسعى إليه. إنه “ أداة حسنة لأغراض شريرة” .
ومن عادة الطاغية ألا يحب رجلا ذا كرامة، أو رجلا شريفا ذا روح عالية او صاحب شخصية مستقلة. ذلك لأن الطاغية يدعي أنه يحتكر لنفسه هذه الخصال الحميدة. ومن ثم يشعر أن أي إنسان شريف صاحب كرامة إنما يزاحمه في الجلال والإباء, أو أنه يحرمه من التفوق والسيادة، فذلك إعتداء على سيادته بوصفه طاغية. ومن هنا فإن الطاغية يكره جميع الاخلاق الشريفة، لأنها اعتداء على سلطانه.
ومن عادة لطاغية أن يفضل صحبة الاجانب والغرباء على صحبة مواطنيه، ولهذا يدعوهم إلى مائدته وإلى لقائه، ويأنس لهم في حياته اليومية. وهكذا يصبح المواطنون أعداء، أما الغرباء فلا خطر منهم لانهم لا ينافسونه ولا يزاحمونه.
ويعود أرسطو فيلخص هذه الأساليب في ثلاث غايات تضرب بجذورها في أعماق الشر على حد تعبيره، ويتطلع الطاغية إلى تحقيقها:
الغاية الأولى: تدمير روح المواطن، لأن الطاغية يعلم علم اليقين أن صاحب الروح الفقيرة – وهو الذليل الخانع – لن يتآمر عليه على الإطلاق.
الغاية الثانية: ارتياب المواطنين بعضهم من بعض، إذ أنه لا يمكن القضاء على الطاغية إلا إذا اتحد المواطنون، وتشاوروا، ووثق كل منهم بالآخر، وكذلك فإننا نجد الطاغية يكاد يطارد الأخيار من الناس، لأنه يراهم خطرا مزدوجا على سلطانه، فهم من ناحية خطر عندما يشعرون بان من العار ان يحكموا كما يحكم العبيد. وهم خطر من ناحية أخرى، عندما يشعرون بالولاء بعضهم لبعض، وبالثقة المتبادلة بينهم، وفي رفضهم أن يخون بعضهم بعضا.
الغاية الثالثة: وهي أن الطاغية يهدف إلى أن يصبح مواطنوه عاجزين عجزا تماما عن أي فعل، ومن ثم يكون السعي إلى القضاء على الطاغية ضربا من المحال. وما داموا قد أصبحوا جميعا عاجزين عن الحركة!

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق