الأحد، 24 يوليو 2011

قصة الحضارة - الدعوة إلى العقل 1558-1649 - ويل ديورانت


الفصل السابع


الدعوة إلى العقل


1558-1649


1- الخرافة


هل الناس فقراء لأنهم جهلاء، أم جهلاء لأنهم فقراء؟ تلك مسألة انقسم عليها الفلاسفة السياسيون إلى محافظين يؤكدون أهمية عامل الوراثة (التفاوت الفطري الموروث في القدرة العقلية)، ومصلحين يعتمدون على البيئة (أهمية التعليم وإتاحة الفرصة). وبازدياد الثروة وتوزيعها ينمو العلم ويتقلص ظل الخرافة. ومع ذلك فانه حتى البلد المزدهر ازدهاراً كبيراً-وبخاصة بين الفقراء المنهوكين والأثرياء الخاملين-نجد أن الفكر يعيش في متاهة من الخرافات: علم التنجيم، حساب الجمل (دراسة المعاني السحرية أو التنجيمية للأعداد)، قراءة الكف، الأعاجيب، الحسد، السحرة، الغيلان، الأشباح، العفاريت، التعزيم لاستحضار الجن، التعاويذ والرقي، تفسير الأحلام، الكرمات والمعجزات، الشعوذة والدجل، الخصائص الخفية، الشافية أو المؤذية، للمعادن والنباتات والحيوانات. فلنتدبر إذن الجو الخانق الذي يسمم جذور العلم بثماره، في شعب ذي ثروة ضئيلة أو مركزة في أيدي فئة قليلة. إن الخرافة لدى ضعاف الأجسام والعقول عنصر ثمين في قصيدة الحياة، تضئ أيامهم الكئيبة بالأعاجيب المثيرة، وتخفف من بؤسها بالقوى السحرية والأماني الخفية.
وفي 1646 احتاج سير توماي براون إلى 652 صحيفة ليعدد ويعالج في إيجاز الخرافات المنتشرة في أيامه(1)، إن كل هذا الإيمان بالقوى الخفية تقريباً، نما وازدهر 



بين البريطانيين في عهد إليزابث وأوائل عهد آل ستيوارت. ففي 1557 نشر الملك جيمس السادس كتاباً يعتبر مرجعاً "الإيمان بالشياطين" وهو من المروعات في الأدب. وفيه ينسب إلى السحرة القدرة على ارتياد البيوت، وغرس الحب والبغض في قلوب الرجال والنساء بعض لبعض، ونقل المرض من شخص إلى آخر، والقتل بإحراق تمثال أو دمية من الشمع، وإثارة العواطف المدمرة. وبرر عقوبة الإعدام للسحرة والمشعوذين-بل حتى لزبائنهم(2). وعندما كادت زوبعة تودي بحياته في طريق عودته من الدنمرك مع عروسه، أمر بتعذيب أربعة اشتبه فيهم حتى اعترفوا كانوا قد تآمروا على القضاء عليه بوسائل سحرية. وأحرق واحد منهم حتى الموت، وهو جون فين، بعد أن عذب تعذيباً وحشياً(3).
واتفقت الكنيسة الوطنية الإسكتلندية مع الملك في هذا الشأن. وهدد القضاة المدنيون الذين يتساهلون مع السحرة بالحرمان من الكنيسة(4). وفيما بين عامي 1560-1600 أحرق نحو ثمانية آلاف من النسوة باعتبارهن ساحرات في إسكتلندة التي لم يكن عدد سكانها يبلغ المليون(5). وكاد الاعتقاد في السحر في إنجلترا أن يكون عاماً شاملاً، وشارك في هذا الاعتقاد أطباء علماء مثل وليم هارفي وسير توماس براون. ونصت إليزابث العنيدة في القوانين التي سنتها 1562 على أن الاشتغال بالسحر جريمة عقوبتها الإعدام. وأعدم من أجلها إحدى وثمانون امرأة في عهدها(6). وخفف جيمس السادس من تزمته بعد أن أصبح جيمس الأول ملك إنجلترا، وأصر على محاكمة المتهمين بالسحر محاكمة عادلة، وفضح الاعترافات والاتهامات الباطلة وأنقذ حياة خمس من النسوة اتهمهن صبي مخبول(7). وكادت المطاردة أن تنقط بعد اعتلاء شارل العرش، ولكنها استؤنفت، وبلغت أقصاها أيام حكم البرلمان الطويل، حيث أعدم في عامين اثنين (1645-1647) مائتان من السحرة(8).
وفي وسط هذه الموجة العاتية من الضراوة والعنف ارتفع صوت واحد يناشد العقل ويتحكم إليه، هو ريجنالد سكوت، وهو إنجليزي على الرغم من اسمه، وقد نشر في لندن 1584 "الكشف عن السحرة". ولم يسبقه إلا جوهان فير في كتابه 




"خدعة الشيطان" (بازل 1564) في هذه المحاولة الخطيرة، محاولة التخفيف من الخرافة البالغة القسوة. ووصف سكوت الساحرات بأنهن نسوة عجائز بائسات لا يستطعن الإضرار بأحد، وأنهن، حتى لو تصرف الشيطان عن طريقهن، أولى بالرثاء والإشفاق، أكثر منهن بالإحراق، وقال إن في نسبة المعجزات إلى هاتيك العجائز الشمطاوات، امتهاناً لمعجزات السيد المسيح. وفضح سكوت ألوان التعذيب التي جعلت السحرة غير ذات قيمة، وإجراءات المحاكمة المجافية للعدالة، والمشوبة بالمخالفات والتراخي. والشكوك التي يزدردها القضاة والمحققون. ولكن لم يكن ثمة أثر للكتاب.
وفي هذا الجو حاول العلم أن يشب على قدميه.




2- العلوم


ومع ذلك، فإن تقدم التجارة والصناعة كان يفرض تقدم العلوم. وكان من العسير أن ننسق النزعات الأفلاطونية والفنية في عصر النهضة مع الاقتصاد المتوسع. واشتدت الحاجة إلى نهج عقلي يمكن أن يعالج الأرقام والحقائق. قدر ما يعالج النظريات والأفكار. ونشطت تجريبية أرسطو بعد تجريدها من أقنعة الفلسفة الهللينية المتأخرة في الإسكندرية ومن أقنعة فلسفة العصور الوسطى. وقد أفسح توكيد الفلسفة الإنسانية الإيطالية على أمجاد الآداب القديمة وعظمتها، نقول أفسح الطريق لتركيز أقل دقة على الحاجيات العملية الراهنة، وكان لزاماً على الناس أن تعد وتحصي، وأن تقيس وتصمم أو تخطط، في دقة وسرعة تحكمها المنافسة. واحتاج الناس إلى أجهزة للرصد والتسجيل، ونشأت المطالب التي تحققت باختراع اللوغاريتمات والهندسة التحليلية وحساب المثلثات والآلات، والمجهر (الميكروسكوب)، وطرق الإحصاء، والموجهات الملاحية، والأجهزة الفلكية، وتوافرت الحياة في أوربا الغربية منذ الآن فصاعداً، وعلى مواجهة تلك الحاجيات.
واقترح جون نابير في إسكتلندة 1614، وجوست بورجي في سويسرا 1620، كل على حدة، اقتراحاً طريقة اللوغاريتمات (أي منطق الأرقام) يمكن بواسطتها إجراء 




عمليات الضرب والقسمة وإيجاد الحدود في سهولة ويسر من الجداول الرياضية (جداول اللوغاريتمات) بأساس معين. وفي 1616 عدل هنري برجز الطريقة من أجل الحساب العادي، بجعل الأساس 10 ونشر جداول تعطى لوغاريتمات الأعداد من 1 إلى 20.000. وللآن يمكن إيجاد حاصل ضرب عددين، بأن يستخرج من مثل هذه الجداول العدد الذي يكون مجموع لوغاريتمه هو مجموع لوغاريتمي العددين المطلوب ضربهما. كما يمكن قسمة أ على ب، بإيجاد العدد الذي لوغاريتمه هو الفرق بين لوغاريتمي أ و ب. (لو أ ب= لو أ - لو ب. وأعد وليم أوترد Oughtred (1622) وادموند جنتر (1624) مساطر حاسبة يمكن بواسطتها إجراء العمليات الحسابية في ثوان قليلة. وقد وفرت هذه المخترعات نصف الوقت الذي كان يصرفه الرياضيون والفلكيون ورجال الإحصاء والملاحون والمهندسون، في عملياتهم الحسابية، وأطالت في الواقع حياتهم(9). ووجه كبلر، الذي استخدم الطريقة الجديدة في حساب حركات الكواكب، مديحاً حماسياً إلى لورد مارشستون (في إسكتلندة) 1620، ولم يكن يدري أن نابيير كان قد قضى نحبه قبل سنوات ثلاث، وكان نابيير قد وقع في خطأ يسير في التقدير والحساب، حين حدد أن العالم سينتهي فيما بين عامي 1688 و1700(10).
وظل الرياضيون والفلكيون متكاتفين تكاتفاً وثقاً من أجل حساب حركات الأجرام السماوية، وحساب التقويم، وتطلب توجيه الملاحة معالجة بارعة معقدة للقياسات الفلكية. ووضع توماس هاريوت، بوصفه عالماً رياضياً، الشكل القياسي للجبر الحديث، وأدخل علامات الجذر "أكبر من" و "أقل من" وأحل الحروف الصغيرة محل الكبيرة القبيحة المنظر، لتدل على الأرقام، وعثر مصادفة على الطريقة الناجحة، وهي في وضع كل المقادير في المعادلة في طرف واحد، ووضع الصفر في الطرف الثاني (المعادلة الصفرية) وبوصفه فلكياً اكتشف البقع الشمسية، وقام بأرصاده لتوابع المشتري، مستقلاً عن جاليلو. إن جورج تشابمان نفسه، وهو من فحول العلماء، قدر أن علم هاريوت "لا يباريه فيه أحد، وأنه لا حدود له(11)". 




وكان علم الفلك لا يزال ينضح بالتنجيم. وكان تنجيم "الساعة" يقرر هل تلائم النجوم مشروع الساعة أو لا تلائمه. وتنبأ التنجيم "الشرعي أو القضائي" بالأحداث عامة، في تعميم غامض متسم بالحكمة عادة. أما التنجيم "الطبيعي" فكان يكشف عن قدر الفرد وحظه من برجه-أي اختبار موقع النجوم ساعة مولده-وكل هذا موجود في روايات شكسبير (ولو أن لا يدل على إيمانه به)، وفي أيامنا هذه. وتقول نظرية التنجيم بأن القمر يحدث المد والجزر، والبكاء، والجنون، واللصوصية (رواية شكسبير هنري الرابع 1-2-15). وكانت كل علامة في البروج تتحكم في طبيعة وفي مصير أعضاء بعينها في جسم الإنسان (الليلة الثانية عشرة الفصل الأول، 3-146-151). واستخدم جون دي Dee الرموز في الزمن بإدماج التنجيم والسحر والرياضيات والجغرافيا، واشتغل بالعرافة البلورية وكتب Treatise Of The Rosia Crucean Secrets، واتهم بممارسة السحر ضد الملكة ماري تيودور (1555) ورسم خرائط جغرافية ومائية للملكة اليزابث. واقترح طريقاً عبر الشمال الغربي إلى الصين. وابتدع عبارة "الإمبراطورية البريطانية" وألقى محاضرات عن أقليدس أمام جماهير غفيرة في باريس، ودافع عن نظرية كويرنيكس، وأيد استخدام التقويم الجريجوري (قبل أن تروض إنجلترا نفسها على هذه البدعة البابوية بمائة وسبعين عاماً). ومات عن إحدى وثمانين سنة، وكانت حياة حافلة. وعزز تلميذه توماس دجز Digges تقبل فرضية كوبرنيكس في إنجلترا، واستبق فكرة برونو عن الكون اللانهائي(12). واستخدم توماس وأبوه ليونارد دجز "العدسات البلورية" ومن المحتمل أنها كانت بشيراً بظهور التلسكوب. واخترع وليم جاسكوان (حوالي 1639) المصغر (المكرومتر: أداة تستعمل مع التلسكوب أو في الميكروسكوب لقياس الأبعاد والزوايا البالغة الصغر) الذي مكن الراصدين من ضبط التلسكوب بدقة لم يسبق لها مثيل. أما أرميا هوروكس، وهو قسيس فقير من لنكشير مات في سن الرابعة والعشرين، فقال أن للقمر مداراً بيضوياً. وتنبأ-كما رصد (1639) لأول مرة سجلها التاريخ- انتقال الزهرة حول الشمس. وساعدت تأملاته في القوى التي 




تحرك الكواكب، نيوتن في نظرية الجاذبية الأرضية.
وفي نفس الوقت كانت دراسة المغناطيسية الأرضية تمهد الطريق أمام نيوتن. فان جورج هارتمان، وهو من رجال الدين الألمان (1544) وروبرت نورمان، وهو إنجليزي يشتغل بصنع البوصلة (1576)، اكتشفا، كل منهما بمفرده بعيداً عن الآخر، انحراف الإبرة المغناطيسية، حين تكون معلقة تعليقاً حراً من مركز ثقلها، وميلها إلى الانحراف عن الوضع الأفقي إلى وضع يصنع زاوية مع سطح الأرض. وذهب نورمان في كتابه "الجديد الجذاب" إلى القول (1581). بأن "عامل الجذب" الذي تنحرف إليه الإبرة يقع في الأرض نفسها(13).
وجاء بعد هذه الطليعة الباهرة، وليم جلبرت، طبيب إليزابث. وبعد سبعة عشر عاماً من البحث والتجربة-التي اعتمد في تمويلها على ثروته الموروثة، كما عاونته الملكة أحياناً-نشر النتائج التي توصل إليها في أول مؤلف إنجليزي كبير للعلوم: "في المغناطيس... والمغناطيس الأعظم وهو الأرض" (1600). لقد وضع إبرة بوصلة محورية، على التعاقب: في نقطة مختلفة، على حجر مغناطيس كروي. وسجل بخطوط على الكرة الاتجاهات التي اتجهت إليها الإبرة على التوالي، ومد كل خط ليشكل دائرة كبيرة حول الحجر، ووجد أن كل هذه الدوائر قطعت الكرة في نقطتين متقابلتين تماماً، وكان هذان هما القطبان المغناطيسيان اللذان اعتبرهما جلبرت خطأ، في حالة الأرض، القطبين الجغرافيين. ووصف الأرض بأنها مغناطيس ضخم، وفسر، بناء على ذلك الإبرة المغناطيسية، وأظهر أن أي قضيب حديدي يترك لمدة طويلة في وضع شمالي جنوبي لا بد أن يصبح ممغطساً. والمغناطيس الذي يوضع على أي من قطبي حجر المغناطيس الكروي، يأخذ وضعاً عمودياً على الكرة. وإذا وضع في أية نقطة متوسطة بين القطبين (وهي النقط التي تكون خط الاستواء المغناطيسي) يأخذ وضعاً أفقياً. وانتهى جلبرت إلى أن انحراف الإبرة يكون أعظم، كلما وضعت أقرب إلى القطبين الجغرافيين للأرض. وعلى الرغم من أن هذا لم يكن صحيحاً تماماً، فقد أكده تقريباً هنري هدسن في ارتياده 




المنطقة المتجمدة الشمالية (1608). ومن ملاحظاته الخاصة، رسم اتجاهات لحساب خط العرض من درجة الانحراف المغناطيسي. وذهب إلى أنه "من حول جسم مغناطيسي تنتشر القوة المغناطيسية في كل ناحية". ونسب دوران الأرض إلى تأثير هذا المجال المغناطيسي. وانتقل جلبرت من هذا إلى دراسة الكهرباء-ولم يكن قد تم فيها شيء يذكر منذ القدم-وأثبت أن ثمة مواد أخرى كثيرة-غير الكهرمان، يمكن بحكها أن تولد كهرباء بالاحتكاك. ومن اللفظة اليونانية لكلمة Amber (كهرمان). كون لفظة Electric (كهرباء) لتدل على قوة تحرف الإبرة المغناطيسية. واتقد بأن كل الأجسام السماوية مزودة بالمغناطيسية، واستخدم كبلر هذه الفكرة لتفسير حركة الأجسام السماوية. والحق أن معظم عمل جلبرت كان مثالاً يدعو إلى الإعجاب للنهج التجريبي، وأن آثاره على العلوم والصناعة لا حدود لها.
وظهر تقدم العلوم أكثر في جهود النفوس المغامرة أو المولعة بالتحصيل والكسب، لاكتشاف "المغناطيس الأعظم" لأغراض جغرافية واقتصادية. وفي 1576 نشر سير همفري جلبرت (ولا يمت بصلة إلى وليم جلبرت) "مقالاً موحياً.... عن طريق جديد إلى الصين". مقترحاً الإبحار في اتجاه الشمال الغربي، عبر كندا أو حولها. وفي نفس العام أبحر سير مارتن فروبشر بثلاث سفن صغيرة ليكتشف طريقاً مثل هذا. وغرقت إحدى سفنه، وهجر الثانية ملاحوها، وسار هو قدماً بالسفينة "جبراييل" البالغة الصغر والتي لم تتجاوز حمولتها 25 طناً. ووصل إلى بفن لاند، ولكن الاسكيمو حاربوه، فعاد إلى إنجلترا طلباً لمزيد من الرجال والمؤن. وانحرفت رحلاته بعد ذلك عن الجغرافيا للبحث عن الذهب دون جدوى، ثم تمسك جلبرت بضالته المنشودة، وهي الطريق الشمالي الغربي إلى الصين، ولكنه أغرق وهو يحاول ذلك (1583). وبعد ذلك بأعوام أربعة اندفع جون دافيز في المضيق المسمى اليوم باسمه، وحارب الأرمادا، ثم أنطلق إلى البحار الجنوبية مع توماس كافندش واكتشف جزر فوكلند، وقتله القراصنة اليابانيون بالقرب من سنغافورة (1605) وارتاد كافندش الجزء الجنوبي من أمريكا 



الجنوبية وأكمل ثالث طواف حول الكرة الأرضية، ومات في البحر (1592)، وسار هنري هدسن (1609)، وفي رحلة أخرى وصل إلى خليج هدسن، ولكن بحارته الذين ذهبت الصعاب بعقولهم، واشتد بهم الحنين إلى الوطن، تمردوا عليه، وأنزلوه هو وثمانية معه في قارب صغير مكشوف، (1611) ولم يسمع لهم ذكر بعد ذلك قط، واكتشفت وليم بفن الخليج والجزيرة اللتين تحملان اسمه، وغامر حتى وصل إلى خط عرض 77.45-وهو ما لم يصل إليه أحد مرة أخرى قبل مضي 236 سنة-وكان له امتياز آخر، وهو إيجاد خطوط الطول لأول مرة برصد القمر. وشهد ريتشارد هاكلوت في هذه السفن المأخوذ من خشب البلوط فترة من البسالة والرعب تفوق أية الياذة، ونشر قصصها في مجلدات ظهرت تباعاً، من أحسن ما عرف منها هو ما نشر تحت اسم "الإبحارات الرئيسية، رحلات الأمة الإنجليزية وكشوفها" (1579، 1598 ،1600)، وزاد صمويل بوركاس في هذا السجل بكتاب "رحلات بوركاس (1625). وهكذا كان الطمع في الحصول على الذهب، والتحمس لمواجهة الأخطار ومشاهدة البلاد البعيدة سبباً في تقدم الجغرافيا دون قصد.
وكان احسن ما حققه العصر في الفيزياء والكيمياء والبيولوجيا من عمل القارة. أما في إنجلترا، على أية حال، فان سير كنلم دجبي Kenelm Digby اكتشف ضرورة الأوكسجين لحياة النبات، كما أيد روبرت فلد Fludd، وهو متصوف وطبيب، فكرة التطعيم Jenner بمائة وخمسين عاماً. واستمرت وصفات الدواء تعتمد على إثارة الاشمئزاز ليكون للأدوية أثرها. وأوصى الدستور الرسمي للأدوية في لندن 1618، بالمر، وعصارة النبات (الدم) وتشريط الجلد، وعرف الديك، والفراء، والعرق واللعاب والعقارب وجلد الثعبان وحمار القبان (حشرة) ونسيج العنكبوت، على أنها وسائل للعلاج، وكلن فصد الدم أول شيء يلجئون إليه(14)-وعلى الرغم من ذلك، فان هذه الحقبة تفاخر بتوماس بار "بار العجوز Old Parr" الذي قدم إلى شارل الأول 1635، على أنه يتمتع بصحة جيدة مع أنه كان كما زعموا، في الثانية والخمسين بعد المائة من عمره. ولم 




يدع بار يعرف سنه على التحقيق، وكلن ولاة الأمور في أبرشيته دونوا تاريخ ميلاده في 1483، وادعى أنه التحق بالجيش في 1500، وتذكر تفاصيل حل الأديار في عهد هنري الثامن. (1536)، فقال له الملك شارل الأول "لقد عمرت أطول من أي أناس آخرين، فماذا فعلت أكثر مما فعلوا هم؟" فأجاب بار، بأنه كان عمره فوق المائة حين ضاجع فتاة فحملت، وأنه كفر عن خطيئته بأشد كفارة. وكان بار قد عاش، تماماً تقريباً، على البطاطس والخضر والخبز الجاف واللبن المخيض، ونادراً ما ذاق اللحم. ولفترة من القوت أصبح بار مشهوراً في ردهات لندن وحاناتها، وكانوا يقدمون له فيها ما لذ وطاب، حتى أنه مات في بحر عام من لقائه مع الملك. وفحص سير وليم هارفي جثته بعد وفاته فوجد أنه غير مصاب بتصلب الشرايين. وشخص موته بأنه نتيجة لتغيير الهواء والغذاء(15).
إن هارفي هو الذي هيأ لهذا العصر ذروة المجد العلمي بشرحه للدورة الدموية، وهو "أجل حدث في تاريخ الطب منذ عهد جالينوس(16)". ولد في فولكستون (1578)، ودرس في كمبردج ثم في بادوا على فابريزيو دكو ابندانت، فلما عاد أقام في لندن ومارس الكب فيها، وأصبح الطبيب الخاص لجيمس الأول ثم شارل الأول، وعكف صابراً مثابراً، سنين طوالاً، على إجراء التجارب والتشريح، على الحيوانات والجثث، ودرس، تدفق الدم ومجراه في الجروح. ووصل إلى نظريته الأساسية في 1615(17). ولكنه نشرها، متأخراً، في فرانكفورت 1628، على أنها "تجارب متواضعة في تشريح الجثث ودماء الحيوان". وهي أول وأعظم أثر في الطب في إنجلترا.
وإن الخطوات التي تدرج فيها الكشف الذي توصل إليه هارفي لتوضيح عالمية العلم. فإن وظائف القلب والدم، ظلت لأكثر من ألف عام، تفسر كما فسرها جالينوس في القرن الثاني الميلادي. وكان جالينوس قد افترض أن الدم يتدفق إلى الأنسجة من الكبد والقلب سواء بسواء، وأن الهواء يمر من الرئتين إلى القلب، وأن الشرايين والأوردة بها مجريان للدم، يدفعهما ويستقبلهما القلب، وفي حركة مد وجزر، وأن الدم يجري من الجانب الأيمن إلى الجانب الأيسر من القلب عبر 




مسام في الحجاب الحاجز بين التجاويف. وعارض ليوناردو دافنشي (حوالي 1506) فكرة مرور الهواء من الرئتين إلى القلب، وأنكر فيساليوس (1543) وجود مسام في الحجاب الحاجز. وكشفت رسومه البارعة للشرايين والأوردة عن أن نهاياتها أو أطرافها دقيقة ومتلاصقة حتى لا تكاد توحي بالمرور والدورة. وأوضح فابريزيو أن الصمامات في الأوردة تجعل من المستحيل تدفق الدم الوريدي من القلب. وتلاشت نظرية جالينوس. واكتشف ميشيل سرفيتس (1553)، وريالدوكولومبو (1558)، الدورة الدموية الرئوية-أي مروره من الجانب الأيمن من القلب عبر الشريان الرئوي إلى الرئتين ومن خلالهما، وتنقية الدم هناك بوساطة التهوية، وعودته عن طريق الوريد الرئوي إلى الجانب الأيسر من القلب. واستبق أندريا سيسالبينو (حوالي 1571)-كما سنرى النظرية الكاملة للدورة، وتحولت النظرية إلى حقيقة واضحة جلية بفضل ما قام به هارفي.
وبينما كان فرانسيس بيكون، المريض الذي يتولاه هارفي، يمجد الاستقراء، توصل هرافي إلى النتيجة الرائعة عن طريق الجمع اللافت للنظر بين الاستنتاج والاستقراء. إنه بتقديره كمية الدم المندفع من القلب في كل انقباض أو تقلص بأنها نصف أوقية سائل، حسب أنه في ساعة، لا بد أن يصب القلب في الشرايين، ما يزيد على 500 أوقية سائل، وهي كمية تزيد على ما يحتويه الجسم كله، فمن أين يأتي كل هذا الدم. وبدا من المستحيل أن هذا القدر الكبير يمكن أن ينتج من ساعة إلى ساعة، من هضم الغذاء. فاستنتج هارفي أن الدم الذي يخرج من القلب يعاد إليه، وأنه ليس ثمة طريق آخر لهذا سوى الوردة. وبفضل التجارب والملاحظات البسيطة-وعلى سبيل المثال، الضغط بالإصبع على أي وريد سطحي-تبين في الحال وبسهولة، أن الدم الوريدي تدفق من الأنسجة نحو القلب.
عندما استعرضت مجموعة الشواهد التي لدى، سواء ما استقيتها من تشريحات الأحياء وتأملاتي فيها، أو من تجاويف القلب والأوعية التي تدخل إليها أو تخرج منها.... والتي كثيراً ما أمعنت التفكير فيها بشكل جدي.... ما عساها تكون كمية 




الدم التي تنقل... ووجدت من المستحيل أن تكون مستمدة من عصارات الغذاء الذي يدخل إلى الجسم، دون أن تجف الأوردة تدريجياً، من جهة، وأن تنفجر الشرايين لفرط امتلائها بالدم، من جهة أخرى، إلا إذا وجد الدم له، بطريقة ما، مخرجاً من الشرايين إلى الأوردة، ومن ثم يعود إلى الجانب الأيمن من القلب... أقول إني عندما استعرضت كل هذه البيانات والشواهد، بدأت أفكر في انه يمكن أن يكون هناك، "حركة، كما لو كانت في دائرة."... والآن يمكن أن أستبيح لنفسي أن أدلي بفكرتي عن الدورة الدموية(18).
وتردد طويلاً في نشر النتائج التي توصل إليها، لما كان يعلم من روح المحافظة التي سادت مهنة الطب في عصره. وتنبأ بأن فرد فوق الأربعين لن يقبل نظريته(19). وروى أوبري "سمعته يقول إنه بعد صدور كتابه: الدورة الدموية، تدهور تدهوراً شديداً في عمله، حتى أعتقد السوقة أنه قد اختل عقله(20). وحتى أثبت مالبيجي Malpighi (1660) وجود الأوعية الشعرية التي تحمل الدم من الشرايين إلى الوردة، لم تكن دنيا العلم تسلم بأن الدورة الدموية الحقيقية واقعة. إن الفكرة الجديدة أضاءت كل مجالان الفسيولوجيا تقريباً وأثرت على المشكلة القديمة، مشكلة العلاقة المتبادلة بين الجسم والعقل. ويقول هارفي:
إن أي شعور في العقل، مصحوب بألم أو لذة، بأمل أو خوف، هو سبب في إثارة يمتد أثرها إلى القلب... وفي كل عاطفة تقريباً... تتغير ملامح الوجه، ويظهر الدم جارياً هنا وهناك. وفي حالة الغضب تتقد العينان، ويتقلص إنسان العين. وفي حالة التواضع تغمر الوجنات حمرة الخجل. أما في حالة الشهوة فما أسرع ما يتضخم أو ينتفخ العضو بالدم(21). 



وظل هارفي في خدمة شارل حتى الخاتمة الأليمة التي مني بها الملك تقريباً، فقد رافقه حين طوحت الثورة بالملك إلى خارج لندن، كما رافقه في معركة ادجهل Edgehill، حيث نجا من الموت بأعجوبة(22). وفي نفس الوقت نهب الثوار داره في لندن، وعبثوا بمخطوطاته ومجموعات التشريح التي كان يحتفظ بها. وربما كان هارفي قد حلب على نفسه عداوة كثير من الناس نظراً لحدة طبعه وآرائه. ولم يعتبر هارفي الإنسان "إلا قرد ضخماً شريراً كريهاً" كما قال أوبري، وذهب إلى "أننا نحن الأوربيين لم نعرف كيف نسوس نسائنا ونحكمهن، وان الأتراك هم الشعب الوحيد الذي استطاع أن يستخدمهن بحكمة(23). ولما كان محتفظاً بنشاطه وحيويته وهو في سن الثالثة والسبعين، فانه نشر رسالة في "علم الأجنة" (1651)، نبذ فيها الاعتقاد السائد في التوالد التلقائي لكائنات دقيقة من أجسام متحللة. واعتقد هارفي "بأن كل الحيوانات حتى هذه التي تنتج صغارها أحياء، بما في ذلك الإنسان نفسه-تتطور وتخرج من بيضة، وصاغ عبارة "كل حيوان يخرج من بيضة". ومات بعد ذلك بست سنين بسبب شلل أصابه، واهباً معظم ثروته التي تبلغ عشرين ألف جنيه لكلية الأطباء الملكية، وعشرة جنيهات لتوماس هوبز "رمزاً للمحبة".



3- صعود فرانسيس بيكون وسقوطه


1561-1621


نحن الآن أمام أكبر عقل وأنشطه مدعاة للفخر، لقد وقفنا على مولده ونسبه، ودراسته للأدب والدبلوماسية والقانون، وفقره غير المتوقع، والتماسه للوظيفة، دون أن يسمع بع أحد، وتحذيره لصديقه المحسن الخير المجرم، ومقاضاته إياه على كره منه. ولقد استنفد العلم والمعرفة والطموح كل طاقته، حتى لم يعد به ميل إلى النساء، على أنه على أية حال، كان يحب الشبان(24). وفي سن الخامسة والأربعين (1606) تزوج من أليس برنهام Barnham التي هيأت له 220 جنيهاً في العام. ولكنه لم ينجب أطفالاً.
وعندما اعتلى جيمس الو عرش إنجلترا بعث إليه بيكون بكتاب مسرف في 




الزلفى والملق، يعرض نفه على الملك على أنه صالح لتقلد المناصب وأهل لها وأما كان ابن حامل أختام الملك، وابن أخ لآل سيسل أو من أبناء عمومتهم أ وخؤولتهم، فإنه أحس بأن طول انتظاره للوظيفة الحكومية يعكس شيئاً من روح العداء من جانب الوزراء المتربعين على كراسي الحكم، وربما كانت انتهازيته المتبرمة، نتيجة، وفي نفس الوقت سبباً في تأخر تعيينه في أحد المناصب. كان قد خدم بالفعل في البرلمان لمدة تسعة عشر عاماً، ودافع فيها عادة عن الحكومة، واشتهر بسعة الإطلاع، والفكر البناء، والعبارة الواضحة الأخاذة. وكان يرسل بين الحين والحين. إلى الملك "مذكرات" تفيض بالآراء السديدة في كيفية النهوض بالتفاهم المتبادل والتعاون بين مجلس العموم واللوردات، وتوحيد برلماني إنجلترا وإسكتلندة، وإنهاء الاضطهاد الديني للمخالفين، وتهدئة أيرلندة باستمالة الكاثوليك فيها، وإعطاء الكاثوليك في إنجلترا مزيداً من الحرية دون فتح الباب للمزاعم البابوية، وإيجاد وسيلة للتوفيق بين الأنجليكانيين والبيوريتانيين. وقرر مؤرخ درس الشئون السياسية في تلك الحقبة دراسة مستفيضة-قرر "أن تنفيذ هذا البرنامج لم يكن يعني ألا تغيير كل مساوئ النصف الثاني من هذا القرن(25)". وطرح جيمس هذه الاقتراحات جانباً على أنها غير عملية في ظروف التفكير السائدة. واكتفى بضم بيكون إلى طبقة الفرسان الثلاثمائة الذين وزعهم 1603، وتذرع بيكون بالصبر وظل يمني نفسه.
وعلى الرغم من كل شيء، فان براعته بوصفه محامياً لم توفر له الغنى والثراء إلا في شيء من البطء. وفي 1607 قدرت ثروته بنحو 24.155 جنيه(26). وفي ضيعته التي زودها بكل ألوان الترف، في جور هامبري، كما هيأ لها نخبة من العاملين المرتفعي الأجور والسكرتيرين اليقظتين مثل توماس هوبز، نقول أنه في هذه الضيعة استطاع أن ينعم بالجمال والراحة اللتين أحبهما في حكمة أكثر مما ينبغي، ورعى صحته بالعمل في الحديقة التي بنى في وسطها ركناً فاخراً يأوي إليه ليخلو إلى نفسه ويتفرغ إلى الدرس والبحث، فكتب كما يكتب الفلاسفة وعاش كما يعيش الأمراء، 




إنه لم يجد سبيلاً يبرر أن يكون العقل مفلساً، ويبرر ألا يكون "سليمان" (أي الحكيم) ملكاً.
إن بيكون لم يطل به الأمد حتى يبلغ الهدف، فان الملك جيمس الذي قدره حق قدره آخر الأمر عينه في 1607 مساعداً للنائب العام وفي 1613 نائباً عاماً، وفي 1616 عضواً في مجلس شورى الملك، وفي 1617 حاملاً للأختام، وفي 1618 قاضياً للقضاة. وخلعت عليه ألقاب كريمة جديدة لتزين مواهبه وقدراته: ففي 1618 عين بارون فيرولام الأول، وفي يناير 1621 فيكونت سانت ألبانز. ولما غادر جيمس إنجلترا إلى إسكتلندة، ترك قاضي قضاته ليحكم البلاد. "واستقبل بيكون سفراء يحف به الجلال والعظمة" وعاش في جورهامبري تحوطه الفخامة والأبهة "حتى بدا أن البلاط الملكي هنا (في قصر جورهامبري)، وليس قصر هويتهول أو في قصر سان جيمس(27)".
لقد حظي بيكون بكل شيء إلا الشرف. ففي سعيه وراء المناصب كثيراً ما ضحى بالمبادئ، فاستغل نفوذه، كمساعد للنائب العام، لإصدار الأحكام القضائية على الصورة التي يرغب فيها الملك(28)ودافع، وهو حامل للأختام الملكية، عن أشد الاحتكارات تعسفاً وظلماً، وحماها وواضح أنه فعل هذا إبقاء على رضاء بكنجهام. وقبل، وهو قاض، هدايا ثمينة من المتقاضين أمام المحكمة. ولم يكن كل هذا إلا شيئاً من فساد هذا العصر ورخاوته، أن الموظفين العامين كانوا يتقاضون رواتب هزيلة، فعوضوا عنها "بالهدايا والعطايا" ممن يساعدونهم. واعترف جيمس قائلاً: إذا كان لا بد لي من معاقبة الرشوة، لما تركت واحداً من الرعايا". إن جيمس نفسه كان يقبل الرشوة(29).
وثارت ثائرة البرلمان الذي اجتمع في يناير 1621 ضد الملك-وكره بيكون، لأنه أكبر مدافع عنه، وأنه هو الذي قضى بشرعية الاحتكارات، وإذا لم يكن في مقدور البرلمان بعد أن يخلع الملك، فان في مقدوره تجريح وزيره ومساءلته. وفي فبراير عين لجنة لتقصي الحقائق في دور القضاء خاصة. وفي مدارس اللجنة تقريراً


أثبت فيه أنها وجدت مخالفات كثيرة، لا سيما في تصرفات قاضي القضاة وسلوكه، واتهمته بثلاث وعشرين حالة محددة من حالات الفساد. وأهاب بيكون بالملك أن ينقذه، متنبأ بأن "هؤلاء الذين يطعنون قاضي القضاة الآن، وسرعان ما يطعنون التاج بعده(30)". وأشار عليه جيمس بإقرار الاتهام، ومن ثم يضرب مثلاً يحول دون الفساد في الوظائف العامة مستقلاً، وفي 22 أبريل أرسل بيكون اعترافاً إلى مجلس اللوردات. وسلم بأنه أخذ هدايا من المتقاضين، كما فعل سائر القضاة، وأنكر أن أحكامه تأثرت بها-فانه كان قد أصدر في قضايا كثيرة أحكاماً ضد مقدمي الهدايا. وحكم عليه مجلس اللوردات "بدفع غرامة قدرها أربعون ألفاً من الجنيهات. وبالسجن في برج لندن لمدة يرضاها الملك، ولا يكون له إلى الأبد الحق في تولي المناصب العامة، وإلا يدخل البرلمان في الدولة بأسرها. "وسيق في 30 مايو إلى برج لندن، ولكن أفرج عنه بعد أربعة أيام بأمر من الملك الذي ألغى كذلك الغرامة التي تبهض كاهله. وآوى قاضي القضاة المعاقب إلى جورهامبري، وحاول أن يحيا حياة أكثر بساطة. ووجد راولي Rawley وهو أول من كتب سيرة حياة بيكون-على ورقة كتبها عند وفاته، بالرمز "كنت أعدل قاض في إنجلترا في هذه السنوات الخمسين، ولكنه كان كذلك أعدل تفريع من البرلمان في هاتين المائتين من السنين"(31).
وكانت لهذا الاتهام والمحاكمة آثار طيبة؛ ذلك أنها خففت من الفساد في الوظائف العامة؛ ولا سيما في دور القضاء، كما وضعت سابقة مسئولية وزراء الملك أمام البرلمان. كما أنها صرفت بيكون عن ميدان السياسة، الذي كان فيه متحرراً في التفكير؛ رجعياً في التنفيذ؛ وردته ثانية إلى مجال بديل؛ هو مجال العلم والفلسفة حيث أمكنه "أن يدق الناقوس لتجتمع العبقريات معاً" وأن ينادي في نثر رائع بثورة العقل ومنهجه.


4- التجديد الكبير


كانت الفلسفة لأمد طويل، الملجأ الذي يلوذ به بيكون هرباً من عناء العمل، إن لم تكن حبه الدفين الذي يطوي علية جوانحه، وأسعد ما يصبو إليه ويقبل عليه؛ وكان بالفعل قد نشر في 1603-1605 مؤلفاً عظيماً The Proficience 




and Advancement Of Learning (إتقان المعرفة والنهوض بها) ولكن بدا له أن هذا مجرد برنامج تمهيدي وليس إنجازاً. وفي 1609 كتب إلى أسقف إلي Ely: أرجو أن يأذن الله لي في أن أكتب كتاباً مستفيضاً منصفاً في الفلسفة...(32)"، وفي 1610 كتب إلى كازوبون (عالم لاهوتي وكاتب فرنسي معاصر له): "إن ما أهدف إليه هو أن أحدث تنظيماً أفضل لحياة الإنسان... بفضل التأمل الصحيح الصادق(33)".
وفي أثناء السنوات التي أزعجته فيها المناصب، كان بيكون قد أبصر-في افتراض طائش في أيام السعة والثراء-بخطة وقورة لتجديد العلم والفلسفة. وقبل سبعة شهور من سقوطه، أعلن الخطة في كتاب باللاتينية موجه إلى كل أوربا، أسماه في جرأة "التجديد الكبير". وكانت صحيفة العنوان نفسها تحدياً، ذلك أنه قد رسم عليها قارب يعبر بأقصى سرعته أعمدة هرقل إلى الأطلسي، ووضع بين العمدة أحد شعارات العصور الوسطى "لا تذهب إلى أبعد من ذلك" وكتب بيكون "إن كثيرين سوف يمرون عبره، ولسوف تزداد المعرفة والعلم". وأضافت المقدمة المزهوة "إن فرانسيس فيرولام (بيكون) قد تدبر هذا بينه وبين نفسه، وحكم بأنه من مصلحة الأجيال الحاضرة والمستقبلة أن تتعرف على أفكاره(34)".
ولما وجد أن "ما يجري في مجال العلم الآن ليس إلا مجرد دوران حوله، وحركة دائبة تنتهي إلى حيث تبدأ، خلص إلى أنه":
ليس ثمة إلا سبيل واحد أمامنا.... وهو أن نحاول الأمر كله من جديد، وفق خطة أفضل، وأن نشرع في أن نقيم من جديد، إقامة تامة، صرح العلوم والفنون العملية، وكل المعرفة الإنسانية، على أساس سليم.... وفضلاً عن ذلك فانه لما لم يكن يعلم كم من الزمن قد ينقضي قبل أن تتيسر هذه الأفكار لأحد غيره.... فإنه 


عقد العزم على ان ينشر على الفور كل ما يستطيع إنجازه، حتى يبقى، في حال وفاته، موجزاً أو خطة لما كان قد فكر فيه. إن كل المطامح بدت لناظريه هزلية ضئيلة إذا قورنت بالعلم الذي هو بصدده(35).
وجعل إهداء المشروع برمته إلى جيمس الأول مع رجاء المعذرة "لأني سرقت من الوقت المخصص لإنجاز المهام التي وكلتها إلى، وقتاً اقتضاه هذا العمل"، ولكن مع أكبر الأمل في "أن يكون في نتيجته تخليد لذكرى اسمك وتشريف لعهدك"-وهذا ما حدث، فان جيمس كان رجلاً معروفاً بسعة الإطلاع والنوايا الطيبة، فلو أمكن إقناعه بتمويل الخطة، فأي تقدم كان يمكن تحقيقه؟ وكما كان روجر بيكون قد أرسل قبل ذلك بزمن طويل (1268) إلى البابا كليمنت الرابع "العمل العظيم" يتلمس منه العون على تنفيذ اقتراح بالنهوض بالعلم والمعرفة، فان سمية أهاب الآن بالملك أن يأخذ على عاتقه "مهمة ملكية" هي تنظيم البحث العلمي، والتوحيد الفلسفي لنتائجه، من أجل الخير المادي والأدبي للجنس البشري. وذكر جيمس "بالملوك الفلاسفة"-نرفا، تراجان، هادريان، أنطونينوس، بيوس، ماركوس أوريليوس، الذين هيئوا للإمبراطورية الرومانية حكومة فاضلة لمدة قرن من الزمان (96-180) بعد الميلاد. فهل كان من أجل حاجته إلى الاعتمادات الحكومية وأمله في الحصول عليها، أنه أيد الملك بمثل هذا العناد والإصرار، وبشكل جر عليه الخراب؟.
وفي مقدمة أخرى طلب بيكون من القارئ أن يلقي نظرة على العلم السائد وقد هلهلته الأخطاء، وركد بشكل مخز. لأن:
"العباقرة العظام، على تعاقب العصور، كانوا يرغمون على الانحراف عن طريقهم، إن الرجال ذوي القدرة والفكر، فوق مستوى السوقة، كان يسرهم، من أجل الشهرة، أن ينحنوا أمام حكم الزمن والجماهير، وهكذا 

فإن أي تفكير من مستوى رفيع ظهر في أي مكان، كانت تعصف به رياح الأفكار السوقية(36)".
ولكي يهدئ من روع رجال اللاهوت الذين كانوا متسلطين على الشعب أو الملك، فان بيكون حذر قراءه من أن "يقصروا معنى" ما يضطلع به "في حدود الواجب، فيما يتعلق بالمسائل الإلهية أو الدينية". وتنصل من أي قصد له في التعرض للعقائد أو الشئون الدينية. "إن المهمة التي بين يدي ليست رأياً يجب اعتناقه، بل هي عمل يجب القيام به... إني لا أكد وانصب في وضع أساس أي مذهب أو نظرية، بل أساس منفعة الإنسان وقوته(37)". واستحث الآخرين أن يقبلوا عليه وينضموا إليه في عمله، ووثق في أن الأجيال المتعاقبة ستواصله.
وفي نشرة تمهيدية رائعة عرض بيكون خطة للمشروع:
فأولاً، يمكن أن يحاول تصنيفاً جديداً للعلوم القائمة أو المرغوب فيها، ويفرد لها مسائلها ومجالات البحث فيها، وهذا هو ما أنجزه في "النهوض بالمعرفة"، الذي ترجمه ووسع فيه كتاب (التوسع في العلوم) 1623، حتى يصل إلى القراء في القارة.
ثانياً:، يمكن أن يتفحص مواطن الضعف في المنطق المعاصر، ويسعى إلى "استغلال أدق وأكمل للعقل ابشري" مما صاغه أرسطو في رسائله المنطقية، المعروفة في جملتها باسم Organon، وهذا ما فعله بيكون في كتابه Novum Organum (1620).
ثالثاً: يمكن أن يشرع "تاريخ طبيعي" "لظواهر الكون"-الفلك، الفيزياء، البيولوجيا.
رابعاً: يمكن أن يعرض في "سلم الفكر" نماذج من التحقيق العلمي، طبقاً لطريقته الجديدة.
خامساً: يمكن أن يصف مثل هذه الأشياء، بوصفها بشائر، :كما كشفتها أنا بنفسي". 




سادساً: يمكن أن يشرع في تفسير تلك الفلسفة التي تعقبها في مختلف العلوم على هذا النحو، ومن ثم يجب إيضاحها وإثبات صحتها. "أن إكمال الجزء الأخير... فوق طاقتي وأكثر مما أصبو إليه". ويبدو لنا، نحن الذين نتخبط ونلهث اليوم في خضم المعرفة والتخصصات، أن برنامج بيكون عقيم أشد العقم. ولكن المعرفة لم تكن آنئذ بمثل هذه السعة والدقة، وأن روعة الأجزاء التي أنجزت لتغفر جراءة الكل. وعندما أفضى بيكون إلى سيسل بقوله "أني ضممت كل المعرفة إلى نطاق ولايتي"، فإنه لم يقصد أنه في مقدوره أن يستوعب كل العلوم تفصيلاً، ولكنه قصد أن يستعرض العلوم، وكأنما يمسحها أو يلقي عليها نظرة عامة "من عل"، بغرض تنسيقها وتشجيعها. وقال وليم هارفي عن بيكون إنه "كتب الفلسفة، على نهج قاضي القضاة في الكتابة(38)"، بل وخططها كما يخطط القائد الإمبراطوري معركة.
وانا لندرك اتساع مجال العقل وحدة الذهن عند بيكون إذا نحن تتبعناه في كتاب "النهوض بالمعرفة"، إنه يعرض أفكاره في تواضع غير مألوف، على أنها "ليست أفضل كثيراً من الصوت... الذي يحدثه الموسيقيون حين يضبطون آلاتهم(39)". ولكنه يعزف هنا كل نغماته المميزة، إنه يدعو إلى مضاعفة عدد الكليات والمكتبات والمعامل وحدائق الأحياء والمتاحف العلمية والصناعية، وتدعيمها جميعاً، كما يدعو إلى تحسين رواتب المعمين والباحثين، وتخصيص اعتمادات أكبر لتمويل التجارب العلمية، وإلى اتصال متبادل وتعاون أوثق وخطة أفضل لتوزيع العمل بين جامعات أوربا(40). أنه، في تقديسه أو عبادته للعلم، لم يفقد رؤيته الصحيحة للأشياء أو وجهة النظر السليمة، فهو يدعو إلى تعليم عام متحرر، يشمل الدب والفلسفة، لأنه يهيئ للوصول إلى حكم سليم على الغايات التي تقترن بتحسين الوسائل على أساس علمي(41). وهو يحاول أن يصنف العلوم في ترتيب منطقي، ويحدد مجالاتها وحدودها ويوجه كلاً منها إلى أمهات المسائل التي تنتظر الفحص والحل وتحقق كثيراً عن طريق العلوم-تسجيل أفضل التطورات المرض عند المريض، إطالة الحياة باستعمال الأدوية الواقية، الفحص الدقيق "للظواهر النفسية"، والنهوض بعلم 




النفس الاجتماعي. حتى لقد استبق دراستنا المعاصرة في وسائل النجاح(43).
أما القسم الثاني والأكثر جراءة من "التجديد الكبير" فكان محاولة لصياغة منهج للعلم. لقد عرف أرسطو الاستقراء، ودعا إليه أحياناً، ولكن الأسلوب الغالب في منطقته هو الاستنباط، والمثل الأعلى فيه هو القياس. وأحس بيكون بأن المنهج القديم Organon قد أبقى العلم راكداً، بتوكيده على الفكر النظري أكثر منه على الملاحظة الواقعية. أما "المنهج الجديد" فقد عرض فيه بيكون نظاماً وأسلوباً جديدين للفكر-الدراسة الاستقرائية للطبيعة ذاتها، عن طريق الخبرة والتجربة. وهذا الكتاب أيضاً، ولو أن بيكون تركه دون أن يكمله، وعلى الرغم من كل عيوبه، هو أروع إنتاج في الفلسفة الإنجليزية، وأول دعوة صريحة واضحة إلى عصر العقل. ولقد كتب باللاتينية، ولكن في عبارات مشرقة بليغة، جرى نصفها مجرى الحكم وجوامع الكلم. إن السطور الأولى جمعت أطراف فلسفة... تعلن الثورة الاستقرائية، وتؤذن أو تنذر بالثورة الصناعية، وتضع مفتاح التجريبية في يد هوبز ولوك ومل وسبنسر.
إن الإنسان بوصفه خادم الطبيعة ومفسرها، يمكن أن يعمل ويفهم الكثير، والكثير حقاً من مجرى الطبيعة، ما دام قد لاحظ الطبيعة واقعياً، أو بفكره... أما ما وراء هذا فهو لا يستطيع أن يدرك شيئاً أو يعمل شيئاً. إن المعرفة الإنسانية والقدرة البشرية تلتقيان في الإنسان الواحد، وحيثما لا يعرف مجرى الطبيعة، لا يمكن إنتاج الأثر المطلوب. ولكي تسيطر على الطبيعة. ينبغي أن تمتثل لها .
وكما أقترح ديكارت بعد ذلك بسبعة عشر عاماً، في "بحث عن النهج"؛ أن يبدأ الفلسفة بالشك في كل شيء، فأن بيكون هنا يتطلب تنقية الفكر "كخطوة أولى في التجديد". ذلك أن "المعرفة الإنسانية كما نعهدها في أنفسنا، أن هي إلا خليط وأكداس


لم يتيسر هضمها، مكونة من كثير من السذاجة وسرعة التصديق، وكثير من المصادفات والأعراض غير الجوهرية، وكذلك من الأفكار الصبيانية التي تشربناها في أول الأمر(44)". ومن ثم يجدر بنا، منذ البداية، أن نخلي أذهاننا، قدر الطاقة، من أية إنشغالات سابقة وتحيزات وافتراضات، بل يجدر بنا حتى أن نصرف من أفلاطون وأرسطو، ونكتسح من أفكارنا "الأصنام" أو الأوهام الخالدة التي ولدها فينا فرط الحساسية في الحكم على الأشياء أو المعتقدات والتعاليم التقليدية السائدة في مجتمعنا، ويجب أن ننبذ الحيل التي يمليها التفكير لمجرد الرغبة في شيء ما، والحماقات اللفظية للتفكير الغامض، ويجب أن نخلف وراء ظهورنا، كل طرق الاستنباط الفخمة، تلك الطرق التي عرضت أن نستنبط ألفاً من الحقائق الباطنية من بضع بديهيات أو مبادئ قليلة. وليس في العلم قبعة سحرية، وكل ما يؤخذ من القبعة لخدمتنا يجب أن يوضع أولاً عن طريق الملاحظة أو التجربة. ولكن لا يقصد هنا مجرد الملاحظة العابرة، أو "السرد البسيط" للمعطيات، ولكن "الخبرة.... المطلوبة للتجربة". وعلى هذا نجد أن بيكون الذي غالباً ما انتقص من قدره على أنه يتجاهل المنهج الحقيقي للعلم، يتقدم ليصف المنهج الفعلي للعلم الحديث:
إن المنهج الصحيح للاختبار، يشعل النور أولاً (بالافتراض)، ثم بواسطة هذا الضوء ينير الطريق، بادئاً بالاختبار ترتيباً سليماً. ومنه يستنتج بديهيات "الثمار الأولى"، (النتائج المؤقتة) ومن البديهيات الراسخة تبدأ ثانية تجارب جديدة... إن التجربة نفسها هي التي ستقرر وتحكم(45).
ومهما يكن من أمر فإن بيكون كان على حذر من الفرضيات. حيث كانت في الكثير الغالب توحي بها التقاليد أو التحيز أو الرغبة، أي توحي بها (مرة أخرى) "الأصنام". فكان يرتاب في أي نهج تقليدي تصطفي الفرضية فيه، قصداً أو عن غير قصد من التجريب معطيات مثبتة أو مؤكدة لها، وتفسر تفسيراً خاطئاً أو تتعامى عن الشواهد العكسية أو المضادة. وتجنباً للوقوع في هذا الشرك، اقترح بيكون استقراء شاقاً، بتجميع كل الحقائق الوثيق الصلة بالمسألة، وتحليل هذه الحقائق ومقارنتها

وتصنيفها، وربطها بعضها ببعض، ثم "بعملية صحيحة من "الاستبعاد والنبذ" أي التخلص من فرضية بعد أخرى، على التعاقب، حتى يمكن الكشف عن "الصيغة" أو القانون الضمني وجوهر الظاهرة(46). إن معرفة "الصيغة" سوف يهيئ تحكماً متزايداً في الحدث، فيعيد العلم بالتدريج صنع البيئة، بل من المحتمل صنع الإنسان نفسه.
وأحس بيكون بأن هذا هو الهدف النهائي-أي أن منهج العلم سوف يطبق على التحليل البالغ الدقة للشخصية الإنسانية، والتصميم على إعادة تشكيلها. وبحث بيكون على دراسة الغرائز والعواطف، وهذه وتلك وثيقة الصلة بالذهن، قدر صلة الرياح بالبحر(47). ولكن هنا بصفة خاصة، لا يكون الخطأ في مجرد التماس المعرفة، بل في نقلها، ويمكن إعادة صنع الإنسان عن طريق التعليم المستنير، لو أننا كنا نريد أن تجذب إلى ميدان التربية عقولاً من الطراز الأول بمنحهم الرواتب الكافية وتكريمهم(48). ويبدي بيكون إعجابه بالجزويت، وتمنى لو أنهم "كانوا على مذهبنا وفي صفنا(49)"، ويستنكر الملخصات، ويحبذ التمثيل في الكليات، ويدعو إلى مزيد من العلم في البرامج، فإذا نظرنا إلى العلم والتعليم على هذا الأساس، فإنهما (كما جاء في "قارة أطلنطس الجديدة" لن يكونا من خدم الحكومة وإدارتها. بل مرشدها وهدفها؛ ويختم قاضي القضاة الأمين بقوله "إني أراهن بكل شيء في سبيل نصرة الفن على الطبيعة في سباقها".


5- فلسفة رجل الدولة


هنا نحس بعقل جبار قوي-رجل واحد على مدى قرن، متمكن من الفلسفة ومن السياسة على حد سواء. وقد يشوقنا أن نقف على تفكير الفيلسوف في السياسة، وتفكير السياسي في الفلسفة.
وعلى الرغم من أنه كان لبيكون منهج في الفلسفة، وأنه ترك عرضاً حسن الترتيب لفكره، باستثناء المنطق، فإن اتجاه أفكاره كان واضحاً، ولو أنها اتخذت شكلاً يدل على رجل كان لزاماً عليه كثيراً أن يخرج عن هدوء الفلسفة لينظر في قضية 


قانونية، أو ليقف في وجه المعارضة في البرلمان، أو ليمحص الرأي والنصح ملكاً لا يجدي معه الرأي والمسورة. ويجدر بنا أن نجمع آراءه من تعليقاته العابرة ومن نبذه الأدبية، بما في ذلك "مقالاته" (1597، 1612، 1645). وفي إهدائه هذه المقالات إلى بكنجهام، وفي غرور صناعة الكتابة، كتب بيكون ، "إني أرى.... أن الأثر قد يبقى ما بقيت الكتب". وكان أسلوبه في رسائله متكلفاً ملتوياً، حتى لقد اعترفت زوجته: "إني لا أفهم كتابته الملفوفة المليئة بالألغاز(50)". وبذل في "المقالات" جهداً أكبر، وراض قلمه على الوضوح ووصل إلى قوة هائلة في التعبير، لا تباريه فيها إلا صحائف معدودة في النثر الإنجليزي، من حيث المادة ذات المغزى الهام الزاخرة بالتشبيهات المشرقة الواضحة في صياغة دقيقة، وكأنما أولع تاسيتس (مؤرخ روماني-القرن الأول الميلادي) بالفلسفة، وتنازل ليكون واضحاً.
إن حكمة بيكون دنيوية إن ينصرف عن الميتافيزيقا(ما وراء الطبيعة) إلى الخفي أو الطائش من الأمور، وقليلاً ما قفز طموحه الوثاب من الجزء إلى الكل. ومهما يكن من أمر فإنه أحياناً أنه يخوض في مادية حتمية: "لا يوجد في الطبيعة حقاً، شيء عدا الأجسام الفردية التي تؤدي أعمالاً فردية صرفة طبقاً لقانون محدد(51)". وإن البحث في الطبيعة ليأتي بأحسن النتائج حين يبدأ بالفيزياء وينتهي بالرياضيات(52) ولكن "الطبيعة" هنا قد تعني العالم الخارجي. لقد آثر بيكون الفلاسفة المتشككين قبل سقراط، على أفلاطون وأرسطو. وامتدح ديموقريطس الفيلسوف المادي(53). ولكنه حينئذ يرتضي تمييزاً دقيقاً بين الجسم والنفس(54)، ويستبق بيرجسون للفكر على أنه "مادي أساسي". "إن إدراك الإنسان يتأثر برؤية مل يجري في الفنون الميكانيكية.... ومن ثم يتخيل أن شيئاً شبيهاً بهذا يجري في الطبيعة للأشياء(55)". ويرفض مقدماً البيولوجيا الميكانيكية عند ديكارت.
ومع ما يعتمل في نفسه من عواطف متصارعة نحو الدين، نراه "يتبل" في حرص، فلسفته "بالدين، وكأنما يتبل بالملح(56)" "الأفضل عندي أن أصدق الخرافات التي 




في حياة القديسين وفي التلمود وفي الكتب المقدسة، على أن يكون هذا العالم بلا عقل(57)". ويضع الإلحاد في مكانه في قطعة تكررت مرتين(58). وإن تحليله لأسباب الإلحاد لتوضح فكرة هذا الكتاب:-
إن أسباب الإلحاد هي الانقسامات في العقيدة، إذا كانت كثيرة، لأن أي انقسام أساسي يلهب حماسة الفريقين كليهما وغيرتهم، ولكن الانقسامات الكثيرة تقود إلى الإلحاد، وثمة سبب آخر، وهو أعمال القسس المخزية. وأخيراً، عصور المعرفة، وخاصة إذا سادهم السلم والرخاء، فان المتاعب والعداوات تزيد في اتجاه عقول الناس إلى الدين(59).
إن بيكون يؤكد قاعدة أن "الدين يحد من كل ألوان المعرفة(60)". وطبقاً لما رواه قسيسه راولي "كان يذهب كثيراً إلى الصلاة في الكنيسة، إذا سمحت ظروفه الصحية"... ولقي ربه على العقيدة الصحيحة للكنيسة الإنجليزية"(61). وعلى الرغم من ذلك، فإنه أفاد، مثل خلفه العظيم وليم أوكهام، من التمييز بين الحقيقة اللاهوتية والحقيقة الفلسفية، فقد يتمسك الدين بمعتقدات لا يجد العلم والفلسفة عليها دليلاً، ولكن الفلسفة يجب أن تعتمد على العقل فقط، كما أن العلم ينبغي أن يلتمس تفسيرات دنيوية صرفة، على أساس سبب ونتيجة ماديتين(62).
وعلى الرغم من تحمس بيكون للمعرفة، فإنه يخضعها أو يضعها في المحل الثاني من الأخلاق. فليس ثمة نفع للإنسانية إذا لم يؤد التوسع في المعرفة إلى الخير. "إن طيبة النفس هي أهم مزايا العقل ومنازله الرفيعة(63)" ومهما يكن من أمر فان حماسته المألوفة حين يتحدث عن الفضائل المسيحية. ومن الواجب ممارسة الفضيلة باعتدال، لأن الأشرار قد يخدعون غير الحكماء(64). وقليل من الخدع أو الرياء ضروري للنجاح، إن لم يكن المدنية. والحب ضرب من الجنون، والزواج نوع من الشرك أو الفخ: "إن الذي له زوجة وأولاد، يضع عقبات في سبيل النجاح، لأنهم عوائق في سبيل المغامرات والمشروعات الكبيرة... 




إن أفضل العمال وأعظمها أثراً على الناس نبعت من أناس ليس لهم زوجة ولا أولاد. "وأقر بيكون-مثل اليزابث وهلدبراند-عزوبة رجال الدين". إن حياة العزوبة تصلح لرجال الكنيسة، لأن الصدقات لا تكاد تروي الأرض، إذا كان لزاماً عليها أولاً أن تملأ بركة(65)" (لاحظ نزعته إلى الاستعارة والمجاز والإيجار الأنجلوسكسوني). إن الصداقة خير من الحب. وإن المتزوجين ليكونون صدقات غير مستقرة. إن بيكون يتكلم عن الحب والزواج بأسلوب رجل ضحى بالعواطف الرقيقة في سبيل الطموح، ورجل أمكنه أن يحكم مملكة أفضل من أن يحكم بيته.
أما فلسفته السياسية فقد واجهت حالات وظروفاً أكثر مما واجهت نظريات. وأوتي من الشجاعة ما امتدح معها ماكيافللي. وارتضى صراحة المبدأ القائل بأن الدول ليست مقيدة بالقانون الأخلاقي الذي تلقنه لرعاياها. وأحس-مثل نيتشه، بأن الحرب الجيدة ترحب بأي سبب، "ويجب ألا نستمع إلى رأي أساتذة وفلاسفة العصور الوسطى الذي يقول بأنه ليس من العدل أن تشن الحرب إلا إذا سبقها وقوع الضرر أو الاستفزاز... إن الخوف الحقيقي من خطر محدق، ولو لم تحدث أية ضربات، سبب مشروع للحرب." وفي أية حادثة "فان الحرب العادلة الشريفة هي الطريقة المثلى" للمحافظة على الأوضاع السليمة للأمة(66). وإنه لمن أقصى درجات الأهمية، من أجل الإمبراطورية والعظمة، أن تؤمن الأمة بأن "سلاحها هو مناط شرفها، وهو هدفها وشغلها الشاغل". والبحرية القوية ضمان لاحترام الجيران. "والسيادة على البحار هي الرمز الحقيقي للملكية(67)". وفي شباب الدولة تزدهر الأسلحة، وفي وسط عمر الدولة، تزدهر المعرفة، ثم تزدهر الأسلحة والمعرفة كلتاهما معاً لفترة من الزمن، وفي عصر اضمحلال الدولة تنتعش الأعمال التجارية والتجارة(68). وسكان المدن محاربون ضعاف، والفلاحون أو القرويون أفضل منهم في الحرب، ولكن صغار ملاك الأرض الأحرار أفضل الجميع. ومن ثم فان بيكون مثل مور، استنكر المساحات الزراعية الكبيرة 


المسورة، لأنها تقلل من نسبة ملاك الأراضي في السكان. واستنكر تركيز الثروة على أنه سبب هام من أسباب الفتن والثورات:
وأول علاج أو مانع لهذه، هو أن نزيل بكل الوسائل الممكنة، السبب المادي... وهو الحاجة والفاقة... ونهتم بكل ما يخدم التوسع في التجارة وتوازنها، وتعزيز الصناعة والقضاء على الخمول، والتبديد والتبذير، بسن قوانين الحد من الإنفاق وتنظيمه. وتحسين التربة وعدم إرهاقها وتحديد أسعار الحاجيات المبيعة وتخفيف الضرائب.... وفوق هذا كله، انتهاج سياسة حكيمة في عدم تجميع ثروات الدولة وأموالها في أيد قليلة.... إن المال مثل السماد، لا خير فيه، إلا إذا انتشر(69).
وارتاب بيكون في البرلمان، بوصفه مشكلاً من ملاك الأراضي والتجار غير المتعلمين المتعصبين أو وكلائهم، وفكر في أن جيمس الأول، بالمقارنة بهؤلاء، متعلم يتحلى بروح إنسانية، بل أن نظرية الملك في "الحكم الاستبدادي المطلق" بدت في نظره خيرة كبديل عن الزمر الجشعة والمذاهب العنيفة. واعتبر-مثل معاصره ريشيليو-أن تركيز السلطة في يد الملك، وإخضاع كبار ملاك الأراضي له، خطوة ضرورية لإقامة حكومة منظمة. وذهب، مثل فولتير. إلى أن تعليم رجل واحد أيسر من تعليم الجماهير. إن الثروة الهائلة الخاصة لم تزعج الملك. وكان جيمس مشدوداً في عناد بالغ إلى التبذير والضرائب والسلام.
وسخر بيكون من "الفلاسفة" الذين "يسنون قوانين خيالية لدول خيالية، إن مقالاتهم أو محاضراتهم، كالنجوم التي لا تعطي إلا قليلاً من الضوء لأنها على ارتفاع شاهق". ولكنه في أيام سأمه، أغرى بأن يصور نوع المجتمع الذي يريده للناس ليعيشوا فيه. ولا ريب في أنه قد قرأ "يوتوبيا" مور (1516)، وكان كامبانللا قد نشر لتوه كتابه "مدينة الشمس" (1623)، والآن في 1624 



كتب بيكون "القارة الجديدة" (The New Atlantis) "أبحرنا من بيرو التي كنا قد قضينا فيها سنة كاملة إلى الصين واليابان عبر البحر الجنوبي": هدوء تام، أرزاق محدودة، جزيرة تحوطها العناية الإلهية، شعب يحيا حياة سعيدة في ظل قوانين سنها لهم المغفور له الملك سليمان. وبدلاً من البرلمان. مجلس سليمان-مجموعة من المراصد والمعامل والمكتبات وحدائق الحيوان والنبات، مزودة برجال العلم ورجال الاقتصاد والفنيين والأطباء وعلماء النفس والفلاسفة، مختارين (كما هو الحال في جمهورية أفلاطون) بعد اختبارات متكافئة بعد فرص تعليمية متكافئة، ثم (دون إجراء انتخابات) يحكمون الدولة، أو بالأحرى، يحكمون الطبيعة، لمصلحة الإنسان. ويشرح أحد هؤلاء الحكام المتبربرين القادمين من أوربا فيقول: "إن غاية مؤسستنا هي معرفة أسباب الأشياء وحركاتها الخفية، وتوسيع حدود "إمبراطورية الإنسان، من أجل التأثير في كل الأشياء الممكنة(70)"، وفي هذه "الفتنة" التي في جنوب المحيط الهادي اخترع سحرة سليمان بالفعل الميكروسكوب والتلسكوب والساعات الذاتية الملء، والغواصات والسيارات والطائرات، واكتشفوا المسكنات والتنويم المغناطيسي، ووسائل المحافظة على الصحة وإطالة العمر، ووجدوا طرق تطعيم النبات وتوليد أنواع جديدة، وتحويل المعادن الخسيسة إلى معادن نفيسة، ونقل الموسيقى إلى أماكن بعيدة. وفي مجلس سليمان ترتبط الحكومة والعلم معاً. وكل الأدوات وتنظيم البحث، وهو ما كان بيكون قد توسل إلى جيمس أن يزود به البلاد، موجودة هنا، في القارة الجديدة، كجزء من عدة الحكومة وأدواتها. والجزيرة تتمتع باستقلال اقتصادي، وهي تتحاشى التجارة الخارجية لأنها شرك ينصب للحرب. إنها تستورد المعرفة لا السلع. وهكذا يحتل الفيلسوف المتواضع مكان رجل الدولة المزهو بنفسه، كما أن نفس الرجل الذي كان قد نصح بالحرب أحياناً عند الاقتضاء، بوصفها دواء مقوياً أو منشطاً اجتماعياً، نراه الآن، وقد آذنت شمس حياته بمغيب، يحلم بجنة من السلام.

6- صيحة العقل


استمر بيكون يعمل حتى النهاية. فنشر بعد عام واحد من تقاعده، "تاريخ 

حكم هنري السابع"، سجل به مستوى جديداً لكتابة التاريخ، فهو تفسير واضح صريح، في نثر رشيق قوي، للقضايا والسياسات والأحداث، وصورة وصفية أدبية منصفة نزيهة أخاذة بعيد عن المثالية، حقيقية إلى حد بعيد(71). وأعقب هذا مجموعة من الرسائل: "دراسة في الرياح" "دراسة في الكثافة والتخلخل". "دراسة في الحياة والموت"، وأبحاث أخرى، لقد تهيأ له الآن من الفراغ ما لم يكن يتوقعه، فليس ثمة أهل ولا أصدقاء، فان كل طلاب المنافع الذين كانوا يزدحمون على بابه أيام نفوذه وسلطانه، تمسحوا الآن بأعتاب أخرى. وسأل مرة أحد من يتبادل معهم الرسائل: "من معك من الزملاء في عملك؟ فأجاب إنني الآن في وحدة تامة(71)".
وفيما كان يحاول أن يختبركم من الوقت يمكن أن يحفظ الجليد اللحم من التعفن والفساد، قطع الرحلة ذات يوم من أيام الربيع ليشتري دجاجة، وذبحها وحفظها في الجليد، فوجد أنه أصيب بقشعريرة. فلجأ إلى دار لورد أروندل Arundel المجاورة، حيث وضعوه في الفراش، وظن أنه سقم عارض لا يلبث أن يزول، وكتب أن التجربة "نجحت نجاحاً تاماً"، إنه حفظ الدجاجة، ولكنه فقد حياته. فقد قضت عليه الحمى، وخنقه البلغم في 9 أبريل 1626. ومات في سن الخامسة والستين. وانطفأت الشمعة المتوهجة فجأة.
لم يكن بيكون، كما ظن بوب "أحكم وأذكى وأحط بني الإنسان(72)". فان مونتاني كان أحكم، وفولتير أذكى، وهنري الثامن أحط، وقال أعداء بيكون عنه أنه كان عطوفاً نافعاً، يبادر إلى الصفح والمغفرة. وكان أنانياً إلى حد الخنوع والاستسلام، ومزهواً إلى حد إغضاب الآلهة. ولكننا نشاركه هذه الأخطاء إلى حد نغتفر معه طبيعته البشرية من أجل الأضواء التي نشرها. إن غروره كان القوة الدافعة فيه. وإذا كنا نرى أنفسنا كما يرانا غيرنا لشلت حركتنا وتوقفنا عن العمل.
ولم يكن بيكون من رجال العلم أو الأفراد العلميين، ولكنه كان فيلسوف علم. وكان مدى الملاحظة عنده هائلاً، ولكن مجال تأمله وتفكيره كان فسيحاً إلى 




حد لا يهيئ له الوقت الكافي للبحث الخاص. وحاول شيئاً من هذا دون نتيجة تذكر... وتخلف كثيراً عن تقدم العلم المعاصر. ونبذ آراء كوبرنيكس الفلكية، ولكنه أورد أسباباً وجيهة لذلك(74). وتجاهل كبلر وجاليليو ونابيير. وكثيراً ما تنبه (كما حدث في "القارة الجديدة") إلى دور ملكة الخيال والافتراض والاستنباط في البحث العلمي، ولكنه ظل ينتقص من أهميته، وأتى اقتراحه بطول الأناة في تجميع الحقائق وتصنيفها، بأحسن النتائج في علم الفلك، حيث زودت الأرصاد النجمية والتسجيلات التي قام بها آلاف الباحثين-زودت كوبرنيكس بمادة استقرائية، لاستنباطاته الثورية، ولكنها لم تكن قريبة الشبه بالطرق الفعلية التي كشفت في عصره قوانين حركات الكواكب وتوابع المشتري وجاذبية الأرض والدورة الدموية.
ولم يزعم بيكون أنه اكتشف الاستقراء، وعرف أن أناساً كثيرون مارسوه من قبل. ولم يكن أول من "أطاح" بأرسطو. فان رجالاً مثل روجر بيكون، وبترس راموس، فعلاً هذا لعدة قرون خلت. ولكن أرسطو الذي أطاحوا به (كما تحقق بيكون أحياناً) لم يكن أرسطو الإغريق الذي كان كثيراً ما استخدم وامتدح الاستقراء والتجريب، ولكن أرسطو الفيلسوف الذي صنعه العرب وأتباع الفلسفة السكولاستية (الفلسفة النصرانية في العصور الوسطى). إن الذي أراد بيكون أن يقضي عليه هو المحاولة الخاطئة لاستنباط عقائد العصور الوسطى من الميتافيزقيا القديمة، لقد ساعد بيكون على أية حال، على تخليص أوربا النهضة من الإذعان البالغ التزمت للقديم.
ولم يكن أول من أكد أن المعرفة طريق القوة. فقد فعل روجر بيكون هذا من قبل، وقال كامبانللا، في بلاغة بيكون: "إن قوتنا تتناسب مع معرفتنا(75)". وربما أفرط رجل الدولة في الإلحاح على الغايات النفعية (طبقاً لمذهب المنفعة) للعلوم. ومع ذلك فانه أقر بقيمة "العلوم البحتة" بمقارنتها "بالعلوم التطبيقية"-تمييزاً "لنور العلم" عن "ثماره". وحث على دراسة الغايات والوسائل بقدر سواء، وأدرك أن قرناً من الاختراع لا بد أن يخلق مشاكل كبرى،


أكثر من أن يحل المشاكل القائمة، إذا ترك الدوافع الإنسانية على حالها دون تغيير. وربما تبين بيكون، في انحلاله الخلقي هو نفسه، الهوة التي خلقها تقدم المعرفة إلى ما هو أبعد من تهذيب الخلق.
ترى ماذا تبقى بعد ما أسلفنا من استنتاجات متأخرة؟ يبقى أن بيكون كان أقوى أهل الفكر والذكاء وأعظمهم أثراً في زمانه. لقد بزه شكسبير بطبيعة الحال في الخيال والفن الأدبي. ولكن عقل بيكون حلق في الكون كله، مثل نور كشاف يحدق ويحقق مستطلعاً، في كل الزوايا والخفايا، فتمثلت فيه كل حماسة النهضة المتقدة اليقظة، وكل الإنارة والزهو اللذين تملكا كولمبوس وهو يبحر مسعوراً إلى عالم جديد. استمع إلى هذه الصيحة المرحة من الديك روبين Cock Robin وهو يؤذن بانبلاج الفجر:
وهكذا انتهيت من هذا القسط من التعليم الذي يمس المعرفة المدنية، وبهذه المعرفة المدنية ختمت الفلسفة الإنسانية، وبهذه الفلسفة الإنسانية، انتهيت من الفلسفة بصفة عامة. والآن وقد توقفت قليلاً، أنظر إلى الوراء، إلى ما مررت به أو تصفحته، فانه يبدو لي، قدر ما يستطيع الإنسان أن يحكم على نفسه، أن هذه الكتابة ليست أفضل كثيراً من الصخب أو الصوت الذي يحدثه الموسيقيون عند ضبط آلاتهم، مما لا يطرب الإنسان لسماعه، ومع ذلك فان هذا الضبط سبب في حلاوة الموسيقى فيما بعد. وكذلك قنعت أنا بضبط آلات الوحي والتأمل حتى يكون العزف أفضل والأيدي أقدر. وحقاً، أني إذ أضع أمامي حالة هذه الأزمان التي قامت فيها المعرفة بزيارتها أو جولتها الثالثة، بكل خصائصها، مثل تفوق عباقرة هذا الزمان وحيويتهم، والمساعدات والأنوار التي حصلنا عليها من أعمال الكتاب القدامى، وفن الطباعة الذي ينقل الكتب إلى كل الناس من جميع المستويات، وانفتاح العالم بفضل 




الملاحة التي كشفت النقاب عن تجارب لا حصر لها، وعن قدر كبير من التاريخ الطبيعي... أقول حقاً إني إزاء هذا كله، لا أملك إلا أن أصل إلى الاقتناع بأن هذه الحقبة الثالثة من الزمن تفوق كثيراً عهد المعرفة اليونانية والرومانية... أما عن جهودي وأعمالي، إذا كان ثمة جهود وأعمال لي، فانه إذا عنى الإنسان أن يسر نفسه أو يسر الآخرين بالانتقاص من قيمتها أو نقدها، فإنها ستعود إلى المطلب القديم المتسم بالصبر والجلد "اضربني إذا ما أردت، ولكن اسمعني فقط" فلينتقد الناس وليقرعوا ما شاءوا، فانهم بذلك سوف يلاحظون ويقدرون(76).
إن بيكون عبر عن أنبل مشاعر عصره-لتحقيق حياة أفضل عن طريق التوسع في المعرفة-ومن ثم فان الأعقاب خلدوا ذكراه بتذكار حي، هو تأثرهم به، لقد حركت روحه-لا طريقته-العلماء وبعثت فيهم القوة والنشاط. فكم أنعشهم وشحذ عزائمهم، بعد قرون كانت العقول فيها حبيسة قواعدها، أو واقعة في شراك عناكب من نسج الرغبات لا الحقائق، أن يصادفوا رجلاً أحب صوت الحقيقة مهما كان عنيفاً، وأحب جو البحث والكشف، وهو جو يبعث على الحياة، رجلاً وجد متعة في إلقاء ظلال الشك على دياجر الجهل والخرافة والخوف. وظن بعض رجال ذاك العصر، مثل دون، أن العالم في طريقه إلى الاضمحلال والانحلال، وأنه يسير بسرعة إلى نهاية الفناء والتحطيم، فأعلن بيكون إلى عصره أنه مرحلة شباب عالم، زاخرة بفورات الحياة.
ولم يكن الناس لينصتوا إلى بيكون في بداية الأمر، فإنهم في إنجلترا وفرنسا وألمانيا آثروا تحكيم السلاح في صراع العقائد، فلما خفت حدة هذا الصراع، فان هؤلاء الذين لم يكونوا مغلولين بقيود الحقائق، احتشدوا، تحدوهم روح بيكون، ليزيدوا من سيطرة الناس، لا على الناس، بل على ظروف حياة الإنسان وما يعتورها 


من عقبات. وعندما أسس رجال من الإنجليز "الجمعية الملكية في لندن للنهوض بالمعرفة الطبيعية" (1660)، كان تكريماً لفرانسيس بيكون وتخليداً لذكراه، أن يكون مصدر وحي الجمعية وملهمها، ومن الجائز أن: "مجلس سليمان" في "القارة الجديدة" هو الذي حدد هدفها(77). وحيا لبنتز بيكون باعتباره خالقاً للفلسفة من جديد(78). وعندما تكاتف فلاسفة عصر التنوير لتأليف دائرة معارفهم التي هزت العالم (1751) فانهم أهدوها إلى فرانسيس بيكون. وكتب ديدرو في نشرتها التمهيدية: "إذا كنا أدينا مهمتنا بنجاح، فإننا نكون مدينين بأكبر الفضل لقاضي القضاة بيكون الذي اقترح خطة قاموس عالمي للعلوم والفنون، في عصر لم يوجد فيه-إذا صح التعبير-علوم ولا فنون، وأن هذا العبقري الفذ، كتب في عصر كان من المستحيل فيه كتابة تاريخ لما هو معروف-كتب تاريخاً أو دراسة لما هو ضروري أن نتعلمه أو نعرفه". وفي غمرة الحماس قال دالمبرت عن بيكون "إنه أعظم الفلاسفة وأفصحهم وأكثرهم شمولاً". ولما تمخضت جماعة التنوير عن الثورة الفرنسية قررت نشر مؤلفات بيكون على حساب الدولة(79). ونهج الفكر البريطاني في مغزاه ومبناه، من هويز إلى سبنسر-باستثناء بركلي وهيوم والهيجليين الإنجليز-منهج بيكون، فان نزعته إلى إدراك العالم الخارجي على أساس من المذهب الذري عند ديموقريطس، هي التي حركت هوبز إلى المادية، وتوكيده على الاستقراء هو الذي وجه هويز إلى علم النفس التجريبي الذي تتحرر فيه دراسة العقل من ميتافيزيقا النفس، كما أن تركيزه على "المنافع" و"التطبيقات" أسهم مع فلسفة هلفشيوس في توجيه بنتام إلى تعيين "النافع والصالح أو الحسن". وأخيراً فان روح بيكون هي التي هيأت إنجلترا للانقلاب الصناعي.
ومن هنا جاز لنا أن نضع بيكون في قمة عصر العقل. إنه لم يكن مثل بعض من جاءوا بعده، يحب العقل حباً أعمى، فانه ارتاب في أية أفكار أو خطط لم يتحقق منها التجريب الفعلي، وفي كل النتائج التي شابتها الرغبة. "إن الإدراك الإنساني ليس ضوءاً جافاً، إن الإرادة والعواطف تنفخ فيه، ومن ثم تنطلق العلوم التي يمكن تسميتها: بعلوم يريدها الإنسان، لأن ما يرى الإنسان أنه يكاد يكون

حقيقياً، يصدقه ويؤمن به على الفور"(80). وآثر بيكون "ذلك العقل المنتزع من الحقائق،.... ومن تحالف أوثق وأنقى بين هاتين القوتين: التجريبية والعقلانية، يمكن أن نأمل في خير كثير(81)".
كما أن بيكون لم يقل، مثل فلاسفة القرن الثامن عشر، بأن العقل عدو الدين أو أنه بديل عنه، إنه أفسح لكل منهما مجالاً في الفلسفة وفي الحياة. ولكنه كره الاعتماد على التقاليد والنصوص والمراجع، وطالب بتغييرات عقلانية طبيعية بدلاً من الافتراض أو الحدس العاطفي، ومن الاعتراضات الخارقة للطبيعة، والأساطير الشعبية المألوفة. إن بيكون رفع راية كل العلوم، وجذب للانضواء تحتها أشد العقول تلهفاً في الأجيال القادمة. وسواء شاء أو لم يشأ، فان العمل الذي دعا إليه- التنظيم الشامل للبحث العلمي، والتوسع في المعرفة ونشرها في العالم بأسره-نقول إن هذا العمل يحوي في طياته بذور أعمق مسرحية في الأزمنة الحديثة: المسيحية، كاثوليكية أو بروتستانتية، تناضل من أجل حياتها، ضد انتشار العلم والفلسفة وقوتهما. وكانت المسرحية الآن قد ألقت مقدمتها على العالم.

قصة الحضارة - جون دون 1573-1631 - ويل ديورانت


6- جون دون


1573-1631


في مؤتمر هامبتون كورت اقترح مندوب بيوريتاني ترجمة جديدة للكتاب المقدس 


فاعترض أسقف لندن بأن الترجمات الموجودة صالحة تماماً. فقاطعة الملك جيمس وأمر بأن تتخذ إجراءات خاصة لترجمة رسمية موحدة يقوم بها أفاضل العلماء في كلتا الجامعتين، ويراجعها الأساقفة ثم تقدم إلى مجلس الشورى، ثم يعتمدها الملك حتى يمكن تلاوتها دون غيرها في كل الكنائس(49)". ونهض بهذه المهمة سير هنري سافيل وستة وأربعون عالماً آخرون، مستندين إلى ترجمات ويكلف وتندال القديمة، وأنجزوا عملهم في سبع سنين (1604-1611) وأصبحت هذه الترجمة المعتمدة" رسمية في 1611، وكان له أثرها البالغ على الحياة والأدب الحديث في إنجلترا. ودخل إلى اللغة الإنجليزية من هذه الترجمة ألف من العبارات البليغة، وكان تقديس الإنجيل آنذاك قوياً جداً في هذه البلاد البروتستانتية، ولكنه الآن تزود بدفعة جديدة من القداسة والإقبال عليه في إنجلترا، كما ازدادت معرفة البيوريتانيين ثم الكويكرز بنصوصه والتعيد به، بشكل لا يعدله إلا حب المسلمين للقرآن الكريم وتمسكهم به. وكان آثر الترجمة على أسلوب الأدب الإنجليزي مفيداً كل الفائدة، فقد وضعت حداً للتعقيدات الطويلة الغريبة في النثر الإنجليزي في عهد إليزابث، وانتهت به إلى جمل قصيرة قوية واضحة طبيعية وأحلت محل المصطلحات والتراكيب الأجنبية ألفاظاً أنجلوسكونية واصطلاحات إنجليزية مفعمة بالحيوية. وكان فيها ألف من الأخطاء العلمية، ولكنها حولت العبرية الرفيعة واليونانية العادية في الكتاب المقدس بقسميه إلى أروع تحفة في النثر الإنجليزي.
وثمة مؤلفان آخران من النثر الرفيع ميزا هذا العصر. كتاب سير والتر رالي "تاريخ العالم" (وهو ثانيهما في الظهور)، وكتاب روبرت بيرتون "تشريح الكآبة Anatomy of Melancholy، (1621) - وهو المرجع الضخم الذي وضع فيه القسيس سان توماس في أكسفورد نبذاً مما جمعه من المعلومات اللاهوتية 




والتنجيمية، والقديمة والفلسفية. وحسب أساتذة الجامعة أول الأمر أنه "مرح فكه ظريف" ولنه أصبح في حياته فيما بعد مكتئباً إلى حد أنه لم يكن يسره ويسعده إلا بذاءة بحارة الزوارق في نهر التاميز(50). وللتخلص من كآبته "التهم" "بيرتون" "المؤلفين" الذين أمدته بهم مكتبة بودليان. وفي هذه الكتب وفي مخطوطه وفي علم التنجيم وفي الخدمات الكهنوتية، قضى أيامه الكئيبة ولياليه الممتلئة بالنجوم. وحسب طالعه الخاص، وتنبأ باليوم الذي سيوافيه فيه الأجل المحتوم بدقة، إلى حد أن تلاميذ أكسفورد ارتابوا في أنه شنق نفسه ليثبت أنه يعلم الغيب(51).
أنه نشيط مفعم بالحيوية في كتابه. ولما شرع في فحص وسواس المرض عنده ووصف العلاج له، وجد أن الاستطراد ألطف من خطته. وبالمرح الشاذ، الذي يشبه مرح رابليه في موضوعاته غير المطروقة، ناقش كل شيء عن غير قصد كما كان يفعل مونتاني، ويتبل صفحاته هنا وهناك بشيء من اللاتينية واليونانية، ويغري قارئه شيئاً فشيئاً بشكل لطيف، إلى لا شيء، وهو لا يدعي الأصالة، ويشعر بأن كل التأليف سرقة، "ما أرانا نقول إلا معاداً من لفظنا مكرراً، وربما كان الإنشاء والمنهج من عندنا فحسب(52)." ويعترف بأنه عرف الدنيا عن طريق الكتب وعن طريق الأنباء التي تتسرب إلى أكسفورد فحسب.
أني لأسمع أنباء جديدة كل يوم، كما أسمع الإشاعات العادية عن الحرب والطاعون والحرائق والفيضانات والسرقات، وحوادث القتل والمذابح والنيازك والمذنبات والأطياف والأعاجيب والأشباح، وعن المدن التي تم الاستيلاء عليها، والمدن التي حوصرت في فرنسا وألمانيا وتركيا، وإيران وبولندة.... الخ والتجمعات والاستعدادات اليومية وغيرها، مما يتم في هذه الأيام العاصفة، فتنشب المعارك، ويذبح كثير من الرجال، كما نسمع عن غرق السفن وأعمال القرصنة والمعارك البحرية، ثم الصلح وتكوين العصبات، ثم عن خدع حربية وإنذارات جديدة، إنها فوضى هائلة من العهود 




والرغبات والأعمال والقرارات، والظلامات والقضايا البينات والدفوع والقوانين والتصريحات.... والآراء والإنشقاقات والهرطقات.... والأعراس، والمسرحيات التنكرية وشعارات الرياء والحفلات، واحتفالات اليوبيل.... والجنازات(53)
وأنه ليحس (مثل ثورو) أنه إذا قرأ أخبار يوم الأحد، فقد يكتفي بها ويأخذها قضية مسلمة بقية العام، مع مجرد تغيير في الأبهاء والتواريخ. وهو يرتاب في أن الإنسان سائر على طريق التقدم، ومع ذلك يقول "لسوف أصنع يوتوبيا (دنيا مثالية) خاصة بي... أتحكم فيها بمحض حريتي "ويصفها في تفصيل خيالي غريب. والواقع، على أية حال، أنه كان يؤثر تصفح الكتب في هدوء في مكتبه أو على ضفاف التاميز، على الانصراف إلى إصلاح البشر. ويقدم له كل مؤلفي العالم أحسن ما لديهم، ويثقل كاهله ما يجمع من اقتباسات، فيعود مكتئباً مغتماً من جديد، وبعد مائة وأربع عشرة صحيفة ممتلئة، يعقد العزم على التوصل إلى أسباب الكآبة، وهي الخطيئة، والشهوة الجامحة، والإفراط، والشياطين. والسحرة، والنجوم، والإمساك، والإسراف الجنسي،.... وأعراضها (أي الكآبة) ومن بينها: "ريح تقرقر في البطن.... وتجشؤات كريهة.... وأحلام مزعجة(54)". وبعد أن أكمل مائتي استطرد، تراه يصف أنواع العلاج للكآبة: الصلوات، الغذاء، الدواء، الملينات، إدرار البول، الهواء الطلق، الرياضة، الألعاب، الحفلات المسرحية، الموسيقى، الصحبة المرحة، النبيذ، النوم، فصد الدم، الاستحمام. ثم يستطرد من جديد، إلى حد أن كل صحيفة تغدو مخيبة للآمال ومفرحة معاً- إذا توقف سير الزمن.
أما في الشعر فقد اختفى شعراء "السونيت"، وظهر "شعراء ما وراء الطبيعة": ريتشارد كروشو، أبراهام كاولي، جون دون، جورج هربرت- الذين عبروا في جمال وديع، عن الهدوء والتقوى في بيت الكاهن الأنجليكاني، ولقد سماهم صمويل جونسون "ميتافيزيقيين"، من ناحية واحدة فقط، لأنهم نزعوا إلى الفلسفة واللاهوت والجدل، وأساساً لأنهم اختاروا عن ليلي، أوجونجورا، أو البلياد- أسلوباً يتميز بالبدع والنزوات اللغوية، والذكاء اللفظي والتركيبات 




المعقدة، والمقتطفات الكلاسيكية، والغموض المتكلف. على أن شيئاً من هذا كله لم يحل دون أن يكون "دون" أرق شعراء العصر.
وعاصر جون دون- مثل جونسون وتشابمان- ثلاثة عهود.ففي عهد إليزابث كتب في الحب، وفي عهد جيمس عن التقوى، وفي عهد شارل عن الموت. ومنذ نشأ كاثوليكياً، وتعلم على أيدي الجزويت وفي أكسفورد وكمبردج، فقد خبر مرارة الاضطهاد وهدأة الاختفاء. واعتقل أخوه هنري لإيوائه كاهناً محكوماً عليه بالموت، وقضى هنري نحبه في السجن، وزاد من اكتئاب جون انصرافه في بعض الأحيان إلى كتابات سانت تريز ولويس دي جرانادا الروحية. ولكن في 1592 نبذ عقله الفتي النابض بالحيوية، ما ورد في ديانته من معجزات وكرامات، وحام في العقد الثالث من عمره حول المغامرات العسكرية والجنسية وفلسفة التشكك.
ولفترة من الزمن قصر جون دون شعره على الاتصال الجنسي غير المشروع صراحة، ففي القصيدة رقم 17 من قصائده التأملية التي تعروها الكآبة، امتدح "أحلى شيء في الحب: التنوع (لذة الهوى في التنقل): 

ما كان أسعد آباءنا في الزمان الأول

أولئك الذين لم يجدوا في تعدد العشاق جرماً(55).

وفي قصيدته التأملية رقم 18 سبح في "الدردنيل بين ستوس وأبيدوس في صدرها" وفي القصيدة رقم 19 "إلى حبيبته وهي تأوي إلى مخدعها" نزع عنها ثيابها، وفي خيال واسع، طلب إليها: امحي ليدي "أن تجوسا حيث تشاءان". وخلط بين علم الحشرات والعشق، وحاول أن يبرهن على أنه ما دام أن البرغوث عضهما معاً فانه قد خلط دمه بدمها فقد تزوجا آنذاك بالدم، ومن ثم يسرحان في نشوة لا إثم فيها(56). ولكنه أتخم بالمظاهر فسئمها، ووجد أنه ليس كريماً منه أن يرتكب الفاحشة مع كرائم السيدات، ونسي مفاتنهن الموقوتة، ولم يتذكر إلا الحيل التي كن قد تعلمنها من دنيا لا قلب لها، وصب على عشيقته جوليا أكبر





اللعنات، ونصح قارئه أن يختار رفيقة طبيعية غير متكلفة لأن "الحب المبني على الجمال، سريع الفناء مثل الجمال(57)" ثم أنشد مقطوعة شعرية مضادة لفيللون، ووضع ميثاقاً شعرياً كان كل مقطع فيه يهوى على "العشق" بضربة قاتلة.
وفي 1596 أبحر مع اسكس، وساعد في الحملة على قادس، وأبحر معه ثانية في 1597 إلى جزر الآزور وأسبانيا. ولما عاد إلى إنجلترا وجد وظيفة محترمة، سكرتيراً لسير توماس أجرتون "حامل أختام الملكة"، ولكنه هرب مع ابنة أخيه وتزوجها (1600)، ونشط في أن يعولها بالشعر، وواتاه الأولاد بمثل السهولة التي واتته بها القوافي. وغالباً ما عجز عن غذائهم وكسائهم، وساءت صحة زوجته، وكتب يدافع عن الانتحار. وأخيراً رق قلب سير أجرتون فأرسل إلى الأسرة مبلغاً من المال (1608)، ووهبها سير روبرت دروري مسكناً في قصره (1610) في Drury Lane. ولكن بعد عام واحد فقد سير روبرت ابنته الوحيدة، فنشر دون، بلا توقيع، أولى قصائده العظمى، رثاء لها، بعنوان An Anatomy Of The World، وفيها ضخم من موت إليزابث دروري تضخيماً حتى جعل منه فناء الإنسان ثم الكون بأسره: 

وهكذا يغنى العالم منذ اللحظة الأولى....

وتدعو الفلسفة الجديدة كل الناس إلى الشك

وخمد عنصر النار،

وضاعت الشمس والأرض، ولا يستطيع عقل أي إنسان

أن يوجهه التوجيه الصحيح للبحث عنها.

ويعترف الناس صراحة أن الدنيا قد ولت،

على حين أنهم في الكواكب وفي القبة الزرقاء

يتلمسون الكثير من الجديد ثم يرون أن كل هذا

قد انهار من جديد....

لقد تفتت كل شيء، وضاع التماسك،

كل الزاد الكريم، وكل علاقة(58).






وهكذا حزن لأنه يرى كيف أن هذه الأرض "عرجاء مشلولة"، وكانت يوماً مشهد الافتداء السماوي. والآن في الفلك الجديد، مجرد "ضاحية" للدنيا. وفي إحدى حالاته النفسية نراه يمجد "الظمأ المقدس إلى العلوم". وفي حالة أخرى يتساءل متعجباً هل سينتهي العلم بالجنس البشري إلى الدمار. 

إنا نحارب أنفسنا بالأمراض الجديدة

وبالفيزياء الجديدة هناك آلة جديدة للحرب أسوأ كثيراً(59).

وكذلك تحول إلى الدين. فان تكرار إصابته بالأمراض والعلل، والموت المشئوم لأصدقائه الواحد بعد الآخر، انتهيا به إلى خشية الله، فانه، ولو أن عقله ظل يحاول في اللاهوت، فانه كان قد تعلم ألا يثق في العقل كذلك، على أنه عقيدة أخرى، وقرر أن المذهب القديم يجب قبوله دون مزيد من النقاش، إذا كان يوفر هدوء البال ولقمة العيش. وفي 1615 صار قسيساً إنجليكانياً، ولم يقتصر حينئذ على إلقاء المواعظ في نثر كئيب مؤثر، ولكنه نظم كذلك بعضاً من أكثر الأشعار الدينية تأثيراً في اللغة الإنجليزية. وفي 1616 عين قسيساً خاصاً لجيمس الأول، وفي 1621 أصبح رئيس كهنة سانت بول. ولم ينشر قصائده الغنائية الجنسية التي نظمها في شبابه، ولكنه كان قد سمح بتداول نسخ مخطوطة منها، أما الآن فانه-كما روى جونسون "يندم أشد الندم، ويسعى إلى إعدام كل قصائده(60)". وكتب بدلاً منها "قصائد مقدسة من نوع السونيت"، وتحدى الموت. وهو يصفر في الظلام.
أيها الموت. لا تزه ولا تتكبر، ولو أن بعضهم قد أسموك

جباراً رهيباً، لأنك لست كذلك.

لأن هؤلاء الذين تظن أنك صرعتهم

لا يموتون. أيها الموت الحقير، إنك كذلك لن تستطيع أن تصرعني...

لقد انقضت غفوتنا القصيرة، ولسوف نكون في يقظة أبدية،

ولن يكون ثمة موت بعد الآن، ولسوف تموت أنت أيها الموت(61).

وبعد أن أبل من مرض شديد، كتب في مذكراته في 1623، سطوراً مشهورة: "إن موت أي رجل يهد من كياني لأني جزء متشابك في الجنس البشري، ومن ثم لا أرسل





أحداً لأستفسر عمن تنعى النواقيس، إنها تنعاني أنا(62)". وفي أول يوم جمعة من الصوم الكبير 1631، نهض من فراش مرضه ليلقي العظة التي بادر الناس فقالوا إنها عظة جنازته هو، وكان معاونوه قد حاولوا أن يثنوه عن الكلام، ولما رأوا (كما قال صديقه المخلص ايزك والتون) أن علته قد اشتدت حتى تركته مجرد جلد على عظم(63)"، وما أن انتهى من إلقاء موعظته التي كان فيها فصيحاً في التعبير عن الإيمان بالبعث، "مبتهجاً أشد الابتهاج لأن الله أعانه على القيام بهذا الواجب المرغوب فيه، حتى أسرع إلى بيته الذي لم يغادره... إلا محمولاً على أيدي رجاله الأتقياء إلى قبره(64)". ووافاه الأجل (31 مارس 1631) بين ذراعي أمه التي كانت قد احتملت صابرة آثامه، كما استمعت في حنان وعطف إلى عظاته.
لقد كانت حياة حافلة متوترة، انتظمت كل العواطف من شهوة الحب، وشك وانحلال، واختتمت في عزاء دافئ، هو عزاء الإيمان القديم. إننا نحن أبناء اليوم الذين يسارع إلينا النعاس حين نقرأ سبنسر، لنجد أنفسنا، وقد هزها من سباتها هذا الواقعي الخيالي على نحو عجيب، هذا الروح الوسيط معاً، عند قراءة كل صفحة من صفحاته تقريباً. إن شعره خشن، ولكنه هكذا أراده. إنه نبذ اللطائف المتكلفة في حديث الإليزابثيين واستطاب الألفاظ التي لن تبل جدتها، وبحور الشعر الأخاذة. وأحب الأنغام الناشزة المتنافرة التي يستطيع تحويلها إلى أنغام متناسقة لم تألفها الأذن. ولم يكن ثمة شيء مبتذل في شعره بعد أن تخرج في المواخير. إن هذا الرجل الذي صقل الفحش، كما صقله كاتوللوس من قبل، اكتسب من رقة الشعور والفكر، ومن أصالة في العبارة والعاطفة، ما لم يضارعه فيه شاعر آخر في ذلك العصر، الهم إلا شكسبير نفسه.


7- جيمس يثير العاصفة


1615 - 1625


إن الحب والدبلوماسية رفيقان شيمتهما الخيانة والغدر. ففي 1615 أحب الملك جيمس، بأسلوبه الرقيق ذي الوجهين، جورج فليير Villiers، الشاب الوسيم الجريء الثري، ذا الثلاثة والعشرين ربيعاً، فخلع عليه لقب ارل، ثم مركيز ثم


دوق بكنجهام، ثم بعد 1616 أطلق يديه في توجيه سياسة الدولة. وكانت زوجة بكنجهام، ليدي كاترين مانرز تتبع الطقوس الأنجليكانية في الظاهر، ولكنها في أعماق قلبها كاثوليكية، وكان من الجائز أن تقنعه بصداقة أسبانيا.
إن الملك جيمس نفسه كان رجل سلام، ولم يكن ليدع اللاهوت أو القرصنة لتورطه مع القارة. وما أن تولى العرش حتى وضع حداً للحروب الطويلة التي كانت إنجلترا قد شنتها على أسبانيا. ولما فقد فردريك أمير البلاتينات (إقليم غرب الراين)-وزوج ابنة جيمس المحبوبة إليزابث-أمارته في البداية "حرب الثلاثين عاماً"، راود جيمس الأمل في أن استرضاء ملك أسبانيا وهو من (آل هبسبرج) استرضاء جاداً كريماً، قد يؤثر على إمبراطورية آل هبسبرج فرديناند الثاني، فيسمح لفردريك باسترداد عرشه. وأثار جيمس استياء الشعب واشمئزازه حين اقترح لهذا الغرض على فيليب الرابع زواج أخته "الأميرة ماريا" الأسبانية من الأمير شارل.
ولقي رالي نهايته الأليمة ضحية السياسة الأسبانية. وكان رالي يعارض سراً ارتقاء جيمس عرش إنجلترا، كما كان يعارض بشدة اسكس، سند جيمس ومؤيده. وسرعان ما وصل جيمس إلى لندن حتى فصل رالي من جميع مناصبه الحكومية. وبانفعال واندفاع تميز بهما والتر، سمح لنفسه بالتورط في عدة محاولات لخلع الملك(65). فأودع السجن، واحتج بأنه بريء وحاول الانتحار. وحوكم، وأدين بناء على أدلة مشكوك في صحتها، وحكم عليه بالإعدام، في 13 ديسمبر 1603 وقاسى كل ألوان التعذيب، على أنه خائن. وفي 8 ديسمبر كتب إلى زوجته رسالة تفيض رقة وتقي- لم يشهدهما العالم فيه من قبل. ورفض جيمس توسلات الملكة والأمير هنري للعفو عنه. ولكنه سمح للسجين بالبقاء على قيد الحياة لمدة خمس عشرة سنة أخرى، مع بقاء حكم الإعدام سيفاً مسلطاً على رأسه، وسمح لزوجة رالي بالإقامة معه في بيت صفير بناه في تخوم البرج (السجن). وأمده أصدقاؤه بالكتب وأجرى بعض التجارب الكيميائية، ونظم بعض القصائد الرائعة، وألف كتابه "تاريخ العالم". وبدأ الكتاب- كما نشر 1614 بمقدمة ورعة مشوشة معقدة مطولة مملة، تكشف عن عقل منهوك شديد الاضطرابات والخبل. وبدأت القصة

بنينوى، وانتقلت عبر مصر وجنوب فلسطين، وإيران وكلديا واليونان وقرطاجة، وانتهت برومة الإمبراطورية. ولم يحرص رالي على الوصول إلى الأزمنة الحديثة "لأن من يتوخى الصدق كل الصدق في كتابة التاريخ، قد لا ينجو من الأذى" وتحسن أسلوبه بمتابعة الكتابة، حتى بلغ مرتبة عالية في وصف معركة سلاميس، وبلغ الذروة في المناجاة الختامية "للموت البليغ العادل الجبار(68)".
ولكن رالي لم يرتض الهزيمة ولم يقنع بها، ففي 1616، بعد أن جمع 1600 جنيه، رشا دوق بكنجهام ليتوسط له لدى الملك(69)، ووعده، في حال إطلاق سراحه، بالإبحار إلى أمريكا الجنوبية، ليكشف عن ما ظن أنه مناجم الذهب الغنية في جويانا، ويعود بالغنائم الملكية للخزانة الظمأى. فأفرج عنه جيمس إفراجاً مؤقتاً مشروطاً، ووافق على أن يحتفظ رالي وشركاءه بأربعة أخماس أية كنوز قد يستولي عليها من "الوثنين المتوحشين" ولكن الملك الحذر البعيد النظر أبقى حكم الإعدام نافذ المفعول إغراء بحسن السلوك. وأشار السفير الأسباني كونت جوندومار إلى أن هناك في جويانا جاليات أسبانية، ورجا ألا يضاروا أو يعكر صفوهم. فما كان من جيمس الحريص على السلام، وعلى المصاهرة مع أسبانيا، إلا أن حظر على رالي-تحت طائلة تنفيذ حكم الإعدام-التدخل في شئون أية جاليات مسيحية في أي مكان والأسبانية منها بوجه خاص(70)، ووافق رالي كتابة على هذه التحذيرات(71)، واستمر جوندومار يعترضن ويحتج، فما كان من جيمس إلا أن أقسم على تنفيذ حكم الإعدام إذا خالف رالي تعليماته(72).
وجهز رالي بمعونة أصدقائه، أربع عشر سفينة أبحر بها في 17 مارس 1617 إلى مصب نهر الأورينوكو. ولكن مستوطنة سانتا توماس الأسبانية اعترضت الطريق عبر النهر إلى المناجم المزعومة، وتلك مسألة أسطورية تماماً. ونزل رجال رالي إلى البر- وبقي هو على ظهر السفينة- وهاجموا القرية وأحرقوها وقتلوا حاكمها. وفترت همة القوة المنهوكة بما لقيت من مقاومة أسبانيا بعد ذلك، وتخلت عن ضالتها المنشودة في الذهب؛ وعادت صفر اليدين إلى السفن. 




وانخلع قلب رالي عندما علم أن ابنه قد ذبح في الهجوم، وأنب الرجل الذي يليه في القيادة، فانتحر الرجل نتيجة لذلك. ولكن رجال رالي فقدوا ثقتهم به، وتخلت السفينة عن أسطوله الواحدة بعد الأخرى، ولما عاد إلى إنجلترا، ووجد أن الملك غاضب عليه أشد الغضب، أجرى مفاوضات للهرب إلى فرنسا، ولكن قبض عليه، فعاود محاولة الهرب، ووصل إلى جرينتش، ولكن جاسوساً فرنسياً غدر به، فقبض عليه وأودع السجن، وأمر الملك، الذي كان يستحثه جوندومار، بتنفيذ حكم الإعدام.
وكان رالي، آخر الأمر، وقد سئم الحياة ورحب بنعمة الموت العاجل، فسار في 29 أكتوبر 1618، إلى ساحة الإعدام في وقار هادئ، جعل منه بطل شعب يمقت أسبانيا. وقال للموكلين بتنفيذ الحكم: "هيا، أنجزوا مهمتكم، لقد حانت سلعتي، ولن أدع أعدائي يظنون أني أرتعد فرقاً". واختبر بإبهامه نصل البلطة ثم قال "هذا علاج ناجح عادل لكل ما أعاني من مرض وشقاء(73)" وطالبت زوجته الوفية بجثته ودفنتها في إحدى الكنائس. وكتبت "لقد أنعم علىّ السادة بجثته، ولو أنهم أنكروا علىّ حياته. اللهم احفظ على عقلي وألهمني الصبر(74)".
إن رحلة رالي كانت من رحلات كثيرة، حملت رعايا جيمس إلى أمريكا، يحدوهم الأمل. فالفلاحون المتلهفون على امتلاك أرض خاصة بهم، والمغامرون الذين يجرون وراء الثراء من التجارة أو الأسلاب، والمجرمون الذين يريدون الإفلات من قبضة القانون، والبيوريتانيين المصممون على رفع راية مذهبهم فوق أرض عذراء-هؤلاء جميعاً وغيرهم ركبوا الصعاب وتحملوا مشاق البحر ليؤسسوا "إنجلترا" جديدة في كل مكان. فأسست فرجينيا في 1606-1607، وبرمودا في 1609، ونيوفوندلند في 1610، وهرب رجال الدين "الانفصاليون" الذين رفضوا كتاب الصلوات والطقوس الخاصة بالكنيسة الأنجليكانية، إلى هولندا مع أتباعهم في 1608. ومن دلفت (يولية 1620) وسوثمبتون ويليموث (سبتمبر) أبحر هؤلاء الحجاج عبر الأطلسي. وبعد ثلاثة 


أشهر من المحن والمخاطر، ألقوا مراسيهم على صخرة بليموث (21 ديسمبر).
وفي آسيا، اقتصرت شركة الهند الشرقية الإنجليزية على 30 ألف جنيه و17 سفينة، حاولت بها عبثاً أن تنتزع الثغور والطرق التجارية من شركة الهند الشرقية الهولندية التي كان لها 60 سفينة و340 ألف جنيه، ولكن بعثة سير توماس رو (1615) انتهت إلى إنشاء مستودعات تجارية في أحمد أباد وسورات وأجرا، وغيرها، في الهند، وأنشئ وعزز بالأسلحة فورت سان جورج، لحمايتها (6140). لقد اتخذت الخطوات الأولى لتأسيس الإمبراطورية البريطانية في الهند.
وعلى الرغم من مغريات المصالح التجارية، والإستحثاثات البرلمانية والغيرة الوطنية الشعبية، ظل الملك جيمس لمدة ستة عشر عاماً متمسكاً بسياسة السلام. وتوسل إليه مجلس العموم أن يدخل حرب الثلاثين عاماً إلى جانب البروتستانت المهددين بالخطر في بوهيميا وألمانيا. وأهاب به أن يزوج ابنه الوحيد الباقي على قيد الحياة، لا من أميرة أسبانية، بل من أميرة بروتستانتية. وندد بتراخيه في تنفيذ القوانين المعادية للكاثوليكية، وحثه على الأمر بفصل الأطفال الكاثوليك عن آبائهم، وأن ينشئوا على البروتستانتية، كما حذره مجلس العموم من أن التسامح لا بد أن يؤدي إلى نمو كنيسة كاثوليكية مفطورة صراحة على التعصب وعدم التسامح(75).
إن اختلاف وجهات النظر بين البرلمان والملك في 1621 كاد أن يكون بمثابة تجريب للصراع بين البرلمان الطويل وشارل الأول (1642). واستنكر النواب إسراف البلاط، والاحتكارات الدائبة على تعويق التجارة، وفرضوا الغرامة والنفي على المحتكرين، رافضين دفاعهم بأن الصناعة الناشئة لا بد من حمايتها ضد المنافسة. فلما أنب جيمس مجلس العموم على تدخله في أعمال "السلطة التنفيذية" أصدر المجلس (في 18 ديسمبر) "الاحتجاج الأعظم" التاريخي الذي أكد من جديد أن "الحريات والإعفاءات والامتيازات، وسلطة البرلمان، هي التراث القديم وحق المولد غير المشكوك فيهما لأبناء إنجلترا". وأضاف: "أن المسائل الشائكة العاجلة 




التي تتعلق بالملك والحكومة والدفاع عن الملكة.. كلها موضوعات ومادة صالحة للمشورة والمناقشة في البرلمان(76)". ومزق جيمس في غضب شديد، من مضبطة البرلمان، الصفحة التي دون فيها الاحتجاج، وحل البرلمان (8 فبراير 1622) وأمر بأن يودع السجن أربعة من الزعماء البرلمانيين: سوثمبتون، سلدن، كوك، بيم، وعجل بتحقيق رغبة بكنجهام في التحالف العسكري مع أسبانيا.
وأغرى الوزير المستهتر آنذاك مليكه بأن يسمح له في اصطحاب الأمير شارل إلى مدريد، متباهياً، ليرى الأميرة الأسبانية، ويتمم الزواج، ووافق جيمس على كره منه، لأنه خشي أن فيليب قد يرد شارل إلى إنجلترا خائباً، فيكون أضحوكة أوربا.
ووصل الأمير شارل ودوق بكنجهام إلى مدريد (مارس 1623)، فوجد أن الأميرة الفاتنة لا يمكن الوصول إليها أو الاقتراب منه، وأن الشعب الأسباني غاضب أشد الغضب لمجرد التفكير في زواجها من أمير بروتستانتي، قدر استياء الإنجليز لفكرة عودة أميرهم بعروس كاثوليكية إلى إنجلترا. وقام فيليب ووزيره أوليفار بمراسم الحفاوة والتكريم للضيوف، وكتب لوب دي فيجا رواية كمظهر من مظاهر الترحيب، ورسم فيلاسكيه لوحة للأمير شارل، وامتدح بكنجهام المفاتن الأسبانية إلى حد الامتياز والشرف. ولكن وضع لإتمام الزواج شرط أساسي لا مناص منه، وهو منح الحرية الدينية للكاثوليك الإنجليز. ووافق شارل على الفور، ووافق جيمس آخر الأمر، ووقعت معاهدة الزواج، ولكن عندما طلب جيمس فيما بعد من فيليب أن يعد باستخدام الأسلحة الأسبانية، إذا اقتضى الأمر، في استعادة فردريك لإقليم البلاتينات، أبى فيليب أن يلزم نفسه بشيء، وأمر جيمس ابنه بالعودة إلى الوطن الحبيب. وإنا لنلمس الجانب الإنساني في الملك في رسالته إلى شارل (14 يونية 1623): "أنا الآن أعض بنان الندم، وأتألم أشد الألم، لأني سمحت برحيلك. عني أنا لا أعبأ بالزواج ولا بغيره، طالما أراك بين أحضاني ثانية. أعادك الله إلي أعادك الله إلي أعادك الله إلي(77) "أما الأميرة الأسبانية فإنها، عند توديعها الأمير شارل، جعلته يقطع على نفسه الوعد بالاهتمام بأمر الكاثوليك في إنجلترا 




ورعايتهم(78). وحيت إنجلترا الأمير العائد بوصفه بطلاً، لأنه لم يأت بعروس، بل أتى بدلاً منها بمجموعة من لوحات تشيان (Titan-رسام من البندقية 1477-1576).
أما بكنجهام الذي غضب الآن أشد الغضب لأنه خدع نفسه في أسبانيا وارتكب هذه الحماقة هناك (كما أكد له أوليفار ذلك) فقد ولى وجهه شطر فرنسا ليعقد معها حلف مصاهرة، وهيأ لشارل الزواج من صغرى كريمات هنري الرابع-وهي هنريتا ناريا التي كان مذهبها الكاثوليكي شوكة من الأشواك في جنب البرلمان القادم. واستعاد الوزير الشاب المتهور شعبيته في مجلس الهموم، بالإلحاح على جيمس-الذي تدهورت صحته وانحطت قواه العقلية-ليعلن الحرب على أسبانيا. وعاد البرلمان إلى الاجتماع في فبراير 1624، وانتهج سياسة قوامها، من جهة، المصالح التجارية المتلهفة على الاستيلاء على المكاسب أو المستعمرات أو الأسواق الأسبانية، ومن جهة أخرى، صرف أسبانيا عن مد يد المساعدة إلى الإمبراطور الكاثوليكي ضد البروتستانت في ألمانيا. إن الشعب الذي قال بأن جيمس جبان لأنه يحب السلام، قال عنه الآن أنه طاغية لأنه يجند الرجال للخدمة العسكرية، ولم تكن الكتائب التي أعدت ولا الأموال التي اعتمدت كافية. وأحس جيمس بالمرارة، لاختتام حكم سلمي بحرب عقيمة.
وتكاثرت عليه العلل والأدواء في أعوامه الأخيرة، وكان قد سمم جسمه بالإسراف في الطعام والشراب دون تمييز، وكان يعاني الآن من التهاب الجهاز التنفسي، والتهاب المفاصل والحصى في الكلى واليرقان والإسهال والبواسير، وكان لا بد من فصده يوماً، حتى جعلت أقل متاعبه الملكية من هذا الفصد أمراً غير ضروري(89). ورفض تناول الدواء. وتناول الأسرار المقدسة الخاصة بالكنيسة الأنجليكانية، وفاضت روحه في 27 مارس 1625، وهو يتمتم بآخر راحة لنفسه في عقيدته.
وعلى الرغم من غرور جيمس وخشونته كان ملكاً أفضل من بعض ملوك




يبزوه في النشاط والشجاعة والمغامرة. وكان "حكمه المطلق" بالدرجة الأولى عبارة عن "نظرية لطف الجبن من حدتها" وغالباً ما استسلمت لبرلمان قوي. ولم تحل مزاعمه اللاهوتية دون إرادة التسامح عنده، وهو تسامح أكرم كثيراً من تسامح من خلفه. وهيأ حبه الجريء للسلام لإنجلترا الازدهار، وكبح جماح الولع بالقتل في برلمانه، وهو ولع يشوبه الفساد والرشوة، وما يقابله من حماسة في شعبه. وكان متملقوه قد أطلقوا عليه "سليمان" البريطاني لحكمته الدنيوية. ولما عجز صلي Sully عن توريطه في النزاع في القارة (أوربا) أطلق عليه "أعقل البلهاء في العالم المسيحي"، ولكنه لم يكن فيلسوفاً ولا أبله، ولكنه كان عالماً يمثل دور الحاكم، ورجل سلام في عصر جن جنونه بالأساطير والحرب. إن الكتاب المقدس الذي تمت ترجمته في عهد الملك جيمس أفضل من تاج أي غاز أو فاتح.





قصة الحضارة - بن جونسون 1573 - 1637 - ويل ديورانت


5- بن جونسون

1573 - 1637


ولد في وستمنستر بعد وفاة أبيه بشهر واحد، وعمد تحت اسم بنيامين جونسون. وأسقط من اسمه حرف الباء تمييزاً لشخصه، ولكن دور الطباعة ظلت تستخدمه،  

ولو أنه مات، حتى 1840، ولا زال يظهر على لوحة معلنة على جدران كنيسة وستمنستر. وكان الزوج الأول لأمه قسيساً. وكان زوجها الثاني بناء بالأجر. وكانت الأسرة فقيرة معدمة. وكان على بن أن يشق طريقه إلى التعليم بصعوبة بالغة. وما كانت إلا الشفقة التي ملأت قلب صديق بصير لتزوده بالمال ليلتحق بمدرسة وستمنستر، وساق.ه حظه إلى الوقوع تحت إشراف "وكيلها" المؤرخ العالم الأثري وليم كامدن، وانصرف إلى الدراسات القديمة، مع عداء أقل من العادي، وأحب شيرون وسنكا، وليفي وتاسيتس، وكونتليان، وزعم بعد ذلك، واضح أنه على حق- " أنه يعرف من اليونانية واللاتينية أكثر من شعراء إنجلترا جميعهم(38)" على أن "مرحه" السريع الاهتياج والإثارة، وعالم لندن الخشن العنيف بلا حدود، هما اللذان حالا دون أن يدمر تعليمه فنه.
وبعد تخرجه في وستمنستر التحق بكمبردج حيث "بقي- كما يقول أول مؤرخ لحياته- أسابيع قليلة، لحاجته إلى مورد رزق آخر(39)"، وأراد له زوج أمه أن يكون صبي بناء، وقد نتخيل بن جونسون وهو يتصبب عرقاً ويضطرب لمدة سبع سنين دأباً، وهو يرص الطوب ويفكر في الشعر. ثم فجأة خرج إلى الحرب، وانساق في تيارها، واندفع إليها بنشاط وحيوية أكثر منه إلى صناعة البناء. وخدم في الأراضي الوطيئة، وبارز جندياً من الأعداء، فصرعه، وسلبه ما معه، وعاد إلى الوطن يروي قصصاً مفصلة. وتزوج وأنجب أطفالاً، وارى منهم التراب ثلاثة أو أكثر. ووقع الشجار بينه وبين زوجته فهجرها لمدة خمس سنوات، ثم عاد وعاش معاً عيشة ينقصها الوفاق والانسجام حتى ماتت. ولا تعرف كليو نفسها كيف كان بن جونسون- زوجها- يدبر معاش الأسرة.
ويكون السر أعمق حين نعلم أنه أصبح ممثلاً (1597)، ولكن تفجرت منه أفكار مشرقة وأشعار لبقة. واهتز فرحاً حين دعاه توم للمشاركة في رواية "جزيرة الكلاب" ولا شك في أنه حمل نصيبه من المسئولية في "المادة المثيرة للفتنة والتي تتضمن قذفاً وتشويهاً للسمعة "التي وجدها مجلس الشورى في الرواية. وأمر المجلس بوقف التمثيل وإغلاق المسرح والقبض على المؤلفين. أما ناش الذي كان خبيراً عتيقاً 


بمثل هذه المآزق، فقد قضى نحبه في بارموث. ووجد جونسون نفسه في السجن، ولما كان نظام السجن يقتضيه أن يدفع نفقة طعامه وإقامته وأصفاده فقد اقترض أربعة جنيهات من فيليب هنسلو، فلما أطلق سراحه انضم إلى فرقة هنسلو (وشكسبير) المسرحية (1597).
وبعد سنة كتب ملهاته الهامة الأولى: "Everyman in his humour" ورأى شكسبير يمثل فيها المسرح "الجلوب". ومن الجائز أن المؤلف المسرحي العظيم (شكسبير) لم يستسغ مقدمة الرواية التي اقترحت- على الرغم من النموذج السائد- إتباع الوحدات الكلاسيكية، أو التقليدية القديمة، وحدة العمل والزمان والمكان، لا أن:
تجعل طفلاً، ملفوفاً الآن في قماطه، ينهض حتى يستوي رجلاً ويطوي، بلحية وملابس حداد، ستين عاماً مضت، إنك سوف تسر اليوم إذ تشهد رواية يجب أن تحتذي مثالها كل الروايات، رواية ليس فيها كورس ينطلق بك فيما وراء البحار، ولا عرش ينهار، مما يفرح له الأولاد... بل فيها أعمال، ولغة مثل تلك التي يستخدمها الناس، وأشخاص ممن يجب أن تنتقيهم الملهاة، إذ كان لها أن تصور الزمان، وتسلي الناس بحماقات الإنسان لا بالجرائم.
وهكذا أدار جونسون ظهره للمزاح أو الهزل الأرستقراطي في ملهيات شكسبير الأولى، وللجغرافيا والكرونولوجيا وتعيين تواريخ الأحداث وترتيبها وفقاً لتسلسلها الزمني الخارقتين في المسرحية "الرومانتيكية"، وأتى بأكواخ لندن إلى المسرح، وتخلى عن ثقافته ومعرفته الواسعتين الخارقتين ليبرز إبرازاً مشهوداً لهجات الطبقات الدنيا وأساليبها. وكان أبطال الرواية رسوماً كاريكاتورية أكثر منها ابتكارات فلسفية معقدة، ولكنهم يعيشون، وكانوا تافهين لا قيمة لهم، ولكنهم من بني الإنسان، ولم يكونوا معقولين ولا مهذبين، ولكنهم لم يكونوا قتلة ولا سفاحين. 


وكان اللاتينيون قد استخدموا لفظة Umore لتعني "الرطوبة" أو السائل، كما استخدمت تقاليد أبقراط الطبية لفظة Humor لتدل على أربعة سوائل في الجسم- الدم، البلغم، الصفراء السوداء، والصفراء الصفراء. وتبعاً لغلبة الواحدة أو الأخرى من هذه المواد في جسم الإنسان، كان يقال إنه ذو "مزاج" دموي، (متفائل)، أو بلغمي (بارد)، أو سوداوي (مكتئب)، أو صفراوي (سريع الغضب) أما جونسون فقد حدد تفسيره لهذا الاصطلاح:
عندما تتملك إنساناً صفة بعينها، وتسيطر على كل أحاسيسه وأنشطته وقواه، حتى تسير كلها في اتجاه واحد- فهذا ما يمكن أن يقال عنه بحق "المزاج" (Humour)(40)
وظهرت الكلمة في التصوير المرح للكابتن بوباديل، وهو تحدر مباشر من رواية باريس "المحاربون الأمجاد"، ولكنه يمور موراً "بمزاجه" الخاص به المميز له، ومرحه غير الواعي- فهو دوماً شجاع إلا عند الخطر، مندفع إلى القتال إلا عندما يتحداه أحد، فهو رب السيف المكنون في غمده.
واستقبلت الرواية استقبالاً حسناً، وكان في مقدور بن الآن أن ينغمس في حماقات السباب وشهواته على نطاق أوسع، وكان فرجاً بالثقة، مزهواً بأنه شاعر يتحدث إلى اللوردات في أنفة وكبرياء، ويقف راسخ القدمين، يتعجل التمتع ويستسيغ الصراحة والمرح الصاخب، ويغوي النساء من آن لآن، ولكنه أخيراً (كما قال لدروموند) "آثر جور الزوجة على خفر الخليلة(41)"- وهجر التمثيل، وعاش عيشة طائشة على قلمه، وازدهر لبعض الوقت بتأليف التمثيليات التنكرية للبلاط، وتلاءمت الأشعار الخيالية التي نظمها مع المناظر التي صممها جونز، ولكن بن كان حاد الطبع، فكثرت مشاجراته. ففي عام نجاحه الأول اشتبك مع أحد الممثلين، وهو جبرييل سبنسر، وبارزه وقتله، فأودع السجن بتهمة القتل (1598). ومما زاد الطين بلة، أنه ارتد إلى الكاثوليكية في السجن، ولكنه مع ذلك حوكم محاكمة عادلة، وأجيز له أن يدفع "بالحصانة الأكليريكية" لأنه تلا "المزامير" باللاتينية "كما يفعل رجال الدين". وأطلق سراحه 


بعد أن وشم إبهامه بحديد محمي بحرف T، حتى يمكن في الحال اكتشاف أنه مجرد عائد، إذا ارتكب جريمة القتل مرة ثانية، وظل بقية حياته مدموغاً بأنه مجرم.
وبعد سنة قضاها مطلق السراح أعيد إلى السجن من أجلي دين عليه لم يسدده. ومرة أخرى أطلق سراحه بكفالة هنسلو. وفي 1600 سعى جونسون وراء تسديد ديونه بكتابة رواية Every Man out of His Humour. وأثقل الملهاة باقتباسات زخرفية كلاسيكية، وأضاف إلى أشخاص المسرحية ثلاث شخصيات استخدمت كفرقة للتعليق على الأحداث، وأمطر بوابل من المذمة والقدح، البيويتانيين الذين "كان الدين بين طيات ثيابهم، والذين حلقوا شعر رءوسهم أقصر من شعر حواجبهم" ولوح بمعرفته وعلمه للكتاب المسرحيين الذين كانوا يحطمون "وحدات أرسطو". وبدلاً من الروايات الرومانتيكية المستحيلة الحدوث حول اللوردات الذين لا يصدق وجودهم، عرض جونسون أن يكشف للندن عن ذاتها بلا هوادة ولا رحمة:
فليواجهوا مرآة كبيرة قدر كبر المسرح الذي نمثل عليه، ولسوف يرون فيها علل العصر ونقائضه. مشرحة تشريحاً دقيقاً مفصلاً في كل ناحية فيها، في شجاعة لا تلين ولا تفتر، وفي ازدراء لأي خوف(42)
وصنعت الرواية من العداوات أكثر مما جلبت من أموال. وليس من يوصي اليوم بقراءتها. ولما لم يكن جونسون راضياً عن جمهوره الصاخب في مسرح الجلوب، فإنه كتب ملهاته الثانية Cymthia's Revels (1601) لفرقة من الممثلين الشبان ونخبة صغيرة من الجمهور في مسرح "Black Friars"، وأحس دكرو مارسون أن الرواية تناولتهما بالهجاء. ولما استشاطت فرقة تسمبرلين غضباً لمنافسة أولاد مسرح "Black Friars" لها، أخرجت في 1602 رواية دكر "Satiromastix" (ضرب المؤلف الهجاء بالسياط) وفيها تشهير بجونسون أنه سفاح وبناء تلفه مغرور متحذلق، جسمه مليء بالبثور. وانتهى الشجار بتبادل المديح وتقارض الثناء. وابتسم الحظ 


لبعض الوقت. واستضاف أحد المحامين النابهين بن جونسون في بيته وأرسل ارل بمبروك إلى الشاعر عشرين جنيهاً "ليشتري بها كتباً(43)". وما أن أصبح في أمان من الفقر والحاجة حتى أمسك بالقلم محاولاً تأليف "مسرحية مأساوية"، موضوعها "سيجانوس" الصديق الشرير الأثير لدى تيبيريوس. واعتمد في روايته بدقة على كتابات تاسيتس وسوتونيوس وديو كاسياس وجوفينال، وأخرج تحفة رائعة ثقافية فيها بعض مناظرها مؤثرة (الفصل الخامس- 10 مثلاً) وأبيات من الشعر الرائع. ولكن جمهور المشاهدين كره الخطب الطويلة والتوجيه الأخلاقي الممل الصادر عن شخصيات تعوزها الحيوية. وسرعان ما سحبت الرواية من المسرح. وطبع جونسون النص، وأورد على الهامش مراجعه القديمة مع بعض ملاحظات باللاتينية. وتأثر لورد Aubigny، فهيأ للمؤلف المخزون مأوى آمناً لمدة خمس سنوات.
وعاد جونسون إلى الحلبة في 1605 بأعظم رواية له "Volpone- أو الثعلب"، هاجم فيها، في هجاء مقذع شهوة المال التي اجتاحت لندن. وكما هو مألوف في الملهاة- من عهد بلوتس إلى رواية The Admirable Crichton- فإن محور الرواية هو خادم ماهر. ويحضر الخادم موسكا (ذبابة بالإيطالية) إلى سيده البخيل فولبون (الثعلب) الذي يدعى أنه مرض مرضاً شديداً، مجموعة من صيادي الميراث بالوصية- فولتوز: نسر، ثم كورباتشيو: غراب، ثم كورفينو: غراب أسحم- وكل منهم يترك للسيد المريض (الثعلب) هدية ثمينة، على أمل أن يسمى وريثاً له. ويتقبل "الثعلب كل هدية بتمنع جشع، إلى حد استعاره زوجة كورباتشيو لليلة واحدة. وينتهي الأمر بأن يخدع الخادم موسكا سيده فولبون حتى يعينه هو وريثاً وحيداً له، ولكن بناريو (الطبيعة الطيبة)، يكشف الحيلة، ويرسل مجلس السناتو في البندقية كل الممثلين تقريباً إلى السجن. وجعلت هذه المسرحية، آخر الأمر، راود مسرح الجلوب يركعون بين يدي جونسون.
وسرعان ما انتقل من نجاح إلى محنة، فقد اشترك مع مارستون وتشابمان في 






مسرحية Eastward ho، (1605) واعتقلت الحكومة المؤلفين على أساس أن الملهاة أساءت إلى الاسكتلنديين. وهدد المعتقلون بقطع أنوفهم وآذانهم، ولكن أفرج عنهم دون أن يمسوا بأذى، واشترك بعض ذوي المقامات الرفيعة- مثل كامدون وسلدن- في المأدبة التي أقامها الثالوث الذي استرد حريته. ثم، في 7 نوفمبر 1605، استدعى جونسون إلى مجلس الشورى، باعتباره كاثوليكياً يمكن أن يكون لديه معلومات عن مؤامرة البارود. وعلى الرغم من أنه كان قد تناول العشاء مع المدبر الرئيسي كاتسبي، قبل ذلك بشهر، فإنه تفادى كل تورط في المسألة. ولكن في 9 يناير 1606 دعي إلى المحكمة بوصفه متمرداً مخالفاً للقانون. ولما كان فقيراً معدماً إلى حد لا يستطيع معه دفع غرامة مجزية، فإن المحكمة لم تتشدد في الاتهام. وفي 1610 ارتد إلى المذهب الأنجليكاني، في حماسة بالغة إلى حد أنه أتى على كل ما في كأس النبيذ حين جلس إلى "العشاء الرباني"(44)
وفي تلك السنة أخرج أشهر مسرحياته "الكيميائي القديم The Alchemist"، وهجا فيها، لا مجرد الكيمياء القديمة (محاولة تحويل المعادن الخسيسة إلى ذهب)، وهذه مسألة تافهة، بل هجا كذاك ألواناً كثيرة من الدجل والخداع التي غزت لندن بالشعوذة. إن سير أبيقور مأمون واثق من أنه وقف على سير الكيمياء القديمة فيقول:
"الليلة سأحول كل ما في بيتي من معدن إلى ذهب، وفي الصباح الباكر أرسل إلى كل المشتغلين بالقصدير والرصاص ليبيعوني ما لديهم من هذا وذاك، وأرسل إلى لوثبري من أجل كل ما فيها من نحاس.... ولسوف أشتري ديفونشير وكورنوال، وأجعلهما مثل جزر الهند الشرقية تماماً. فإني أريد أن أكون لي من الزوجات والخليلات مثل ما كان لسليمان، الذي كان عنده خاتم مثل ما عندي. وسيكون لي بفضل إكسير الحياة





ظهر قوي صلب مثل هركيوليز، فأصرع من الأعداء خمسين في الليلة الواحدة. أما المتملقون لي فسيكونون من الكهنة، الأطهار الوقورين، الذي يمكن أن أستحوذ عليهم بمالي.... وسيقدم لي اللحم في أصداف هندية وأطباق مصنوعة من الذهب ومرصعة بالعقيق والزمرد والصفير والياقوت الأزرق والأحمر. أما ألسنة الشبوط (سمك نهري)، والسنجاب، وكعوب الأبل... والفطر العتيق، والصدور المكسوة بالدهن لخنزيرة سمينة حامل، والتي قطعت لتوها.... فسأقول عنها لطباخي "هاك الذهب" فتقدم، ولتكن فارساً(45).
وقلّما كان سير أبيقور تافهاً، ولكن بقية أشخاص الرواية كانوا حثالة، وكان كلامهم بغيضاً بما احتوى من معالجة موضوعات الدعارة القذرة، وإنه لما يدعو إلى الأسى والحسرة أن نرى بن المثقف خبيراً بهذا الغثاء وتلك النفاية، وبلغة الأكواخ واللصوص المتشردين. وهاجم البيوريتانيون مثل هذه الروايات تجاوزاً، فانتقم منهم جونسون بتصويرهم في صور كاريكاتورية ساخرة في رواية The Bartholomew Fair 1614.
وأخرج مسرحيات هزلية أخرى كثيرة مفعمة بالحياة ممتلئة بالعكارات.
وتمرد هو نفسه في بعض الأحيان على واقعيته الخشنة، في مسرحية "الراعي الحزين" وأطلق لخياله العنان ليسرح دون مبالاة: 
إن وطء أقدامها لا يثني ورقة عشب،

أو يهز الطائر الأزغب في عشه

ولكنها مثل الرياح الغربية الخفيفة انطلقت مسرعة

وحيثما ذهبت تعمقت جذور الأزهار

وكأنما زرعتها بأقدامها العطرة(46).

ولكنه ترك الرواية دون أن يكملها، وقصر رومانتيكيته، (أو خياله



وعواطفه)، بقية حياته، على أن أغنيات رقيقة تأثرت في ملهواته، مثل الجواهر وسط القاذورات، من ذلك أنه في ملهاة "الشيطان حمار The Devil is an Ass" (1616)، يغني فجأة: 
هل شهدت إلا سوسنة متألقة تنمو

قبل أن تمسها الأيدي الخشنة؟

هل شاهدت إلا تساقط الثلوج

قبل أن تلطخها التربة؟

أو لم تلمس فراء السمور

أو ريش البجعة قط؟

وهل نشقت رائحة براعم الورد البري

أو رائحة الناردين وهو يحترق؟

وهلا تذوقت شهد النحلة؟

أوه! يا لبياضها، أوه! يا لرقتها، أوه! يا لحلاوتها؟

وأجمل من هذا بالطبع، أغنية "إلى سليا To Celia" التي سرقها من اليونانية من فيلوستراتوس، وحولها بدقة وبراعة إلى "اشربي من أجلي أنا وحدي بعينيك".
وبعد موت شكسبير أصبح جونسون الرئيس المعترف به لجماعة الشعراء. وأصبح شاعر البلاط غير المتوج في إنجلترا- ولو أنه لم يعين رسمياً، ولكن الحكومة اعترفت به في معظم الأحوال، ومنحه معاشاً سنوياً قدره مائة قطعة ذهبية. وأدرك الأصدقاء الذين التفوا حوله في حانة مرميد أن طبيعته الطيبة الجافة تختفي وراء مزاجه الحاد ولسانه السليط، فأفادوا من حديثه المثمر، وهيأوا له أن يلعب دور الزعامة كما كان الحال مع سميه في القرن التالي.
وكان بن آنذاك بديناً، كما سيكون الحال مع سميه صمويل جونسون فيما بعد، وما كان أكثر وسامة ولا رشاقة، وكم حزن على "كرشه الفظيع" ووجهه المتجعد

المملوء بالبثور نتيجة الأسقربوط. وقل أن زار صديقاً دون أن يكسر كرسياً. وفي 1624 نقل الندوة إلى "حانة الشيطان Devil Tavern" في شارع فليت، وهناك التقى بنظام مع جماعة نادي أبوللو الذي كان قد أسسه هو من قبل، ليتزودوا بالطعام والشراب والدعابة وثمار الفكر، وكان لجونسون مقعد مرتفع في أحد طرفي الغرفة له درابزين يؤدي بجسمه الضخم إلى العرش. وجرى العرف على تسمية أتباعه "قبيلة بن"، وكان من بينهم جيمس شيرلي وتوماس كارو وروبرت هرك، الذين سموه القديس بن(47)".
وكان جونسون في حاجة إلى صبر أيوب، وهو غير مفطور على الصبر، ليحتمل الفقر والمرض في السنين التي كان يتحطم فيها. وقدر أن كل رواياته لم تدر عليه إلا مبلغاً يقل عن مائتي جنيه كان ينفقها بسرعة، ويتضور جوعاً طيلة الأيام التي لا يعمل فيها. وكان يفتقر إلى شيء من الحاسة أو الخبرة المالية التي جعلت شكسبير خبيراً في اقتناء الأملاك الثابتة أو العقار، وتابع شارل الأول صرف المعاش المخصص لجونسون، ولكن عندما خفض البرلمان المخصصات الملكية. لم يكن المعاش يدفع دائماً. على أن شارل أرسل إليه مائة جنيه في 1629 وقرر رئيس كهنة وستمنستر وجماعة الرهبان فيها خمسة جنيهات "لمستر بنيامين" جونسون في أيام مرضه وفاقته(48) ولم تصب رواياته الأخيرة أي نجاح، وذبلت شهرته، واختفى أصدقاؤه، وقضت زوجته وأولاده نحبهم، وما جاءت ستة 1629 حتى عاش وحيداً قعيداً، ملازماً الفراش بسبب الشلل، مع سيدة عجوز تتولى العناية بأمره. وظل يعاني من المرض والفقر ثماني سنوات أخرى، ودفن في وستمنستر، ونقش جون يونج على حجر يواجه القبر. العبارة المشهورة: 

"أي بن جونسون الفذ"

ولم يبق منها إلا الكلمتان الأوليتان. ولكن أي إنجليزي مثقف متعلم يستطيع أن يكمل العبارة.