الاثنين، 31 مايو 2010

طرق لتقوية الذاكره وطرد الشرود الذهني...



هذه الحالة أو الطبع يبتلى به العديد من الشبان والفتيات ، خاصة أولئك الذين يستغرقون في أحلام اليقظة كثيراً ، ولو تركت هذه الحالة وشأنها لاستحالت إلى عادة ولأثّرت بشكل سلبي على تفكير الشاب واستيعابه لا سيما وأنّ التركيز مطلوب في مراحل التعلّم المختلفة .

ومرّة أخرى نقول لك : إنّ الخروج من هذه الأزمة أو المشكلة أمر ممكن إذا راعينا عدداً من الأمور :


أ . جرِّب أن تركّز على شيء معيّن لفترة طويلة نسبياً ، علّق نظراتك على لوحة فنّية معلّقة على الجدار .. ادرس كلّ دقائقها في اللون والظلال والحركات واللفتات حتى لا تغادر شيئاً منها .. ثمّ اغمض عينيك وراجع اللوحة في ذهنك .. اُنظر كم التقطت منها وكم فاتك ، وأعد المحاولة ، فإن هذا التمرين سيغرس فيك حالة التركيز .

ب . طريقك المعتاد الذي تمشيه أو تقطعه من البيت إلى المدرسة وبالعكس ، حاول أن تستذكره بقعة بقعة ومعلماً معلماً ، فهذا التمرين سينمّي لديك أيضاً حالة الانتباه والاستذكار ، ذلك أنّ التركيز وشدّ الانتباه يشبه إلى حدّ كبير أيّة قوّة عضلية أو عقلية تنمو بالمراس والمداومة ، وحتى تنشط ذاكرتك درِّبها ومرِّنها دائماً في التقاط المعلومات ومراجعتهالأ نّك إذا أهملت ذلك أصيبت الذاكرة بالضمور .

ج . لا تنتقل من فكرة إلى فكرة بسرعة .. أطل الوقوف عند فكرة معيّنة .. استغرق فيها ، كما لو كنت تتأمّل مشهداً أمامك .. فهذا يساعدك على التركيز وتثبيت الانتباه وجمعه .


د . تتبّع موضوعاً ما ، أو حدثاً ما خطوة خطوة ، منذ ولادته وحتى ختامه ، تابع أخبار زلزال وقع في منطقة معيّنة ، أو حريق شبّ في إحدى الغابات ، أو عدوان عسكري على مدينة أو دولة ، فالمتابعة وملاحقة التطورات والتفاصيل تثري في عملية التركيز .

هـ . احتفظ بدفتر مذكرات صغير (أجندة) .. دوّن فيها ما تريد القيام به من نشاط ، أي قائمة بأعمال النهار ومسؤولياتك .. أو اكتب على ورقة أو قصاصة ما تنوي عمله قبل أن تخرج من البيت ، وراجعها باستمرار ، وأشِّر على ما تمّ إنجازه .


و . قوّ حافظتك في حفظ القرآن والأحاديث الشريفة والحكم وأبيات الشعر الجميلة ، والنكات الظريفة ، والقصص المعبّرة ، فإنّ الذاكرة إذا قويت في جانب فإنّها يمكن أن تقوى في جانب آخر .

ز . وجِّه اهتمامك بما يقوله محدّثك لا بما يلبسه أو بما تحمله من ذكريات الماضي عنه .. واحصر ما يقوله في نقاط .. ويمكنك أن تعمد إلى كتابة ملخص بما يقول حتى تتمكّن من الردّ على كل النقاط أو أهم ما ورد في حديثه .

هذه وغيرها أساليب عملية التقطناها لك عن ممارسة وتجربة حياتية أثبتت جدواها .. جرِّبها فلعلّها تطرد عنك حالة الشرود الذهني وضعف التركيز .

الأحد، 30 مايو 2010

برنامج «باور بوينت» ودوره في تسطيح الأفكار - أحمد مغربي




الأرجح ان power point هو أكثر برامج الكومبيوتر إثارة للنقاش عن أثر الحاسوب سلباً على تفكير الناس في الأزمنة المعاصرة. وفي المقابل، لعله البرنامج المعلوماتي الأكثر حضوراً في مكاتب مؤسسات الخدمات المختلفة، والقاعات التعليمية والرسمية، والاجتماعات بأنواعها، وحلقات الدراسة وغيرها.
 ومع التوسّع الهائل للأعمال المتصلة بالمعرفة، وخصوصاً في
الاقتصاد والتجارة، بات حضور برنامج «باور بوينت» Power Point المتخصّص في عرض الشرائح الضوئية جزءاً بديهياً من تلك الأنشطة. وعلى رغم اشتهاره بأنه جزء أساسي من مكوّنات تطبيق «مكتب مايكروسوفت » MicroSoft Office، صُنع أصلاً في شركة «ماك آبل» المُنافسة قبل عشرين سنة، على يد مبتكريه روبرت غاسكنز ودينس أوستن. وفي العام 1988، اشتراه بيل غيتس، مؤسس شركة «مايكروسوفت» العملاقة، في مقابل 14 مليون دولار، فشكّل أولى صفقاته وربما أكثرها نجاحاً. ولا يصعب فهم سبب الذيوع الهائل لصيت برنامج «باور بوينت» في الغرب... هناك أولاً الانتشار الواسع للأساليب المتطوّرة في التعليم، عبر مراحله المختلفة، ما جعل ذلك البرنامج الرقمي بشرائحه الملونة، ضيفاً شبه دائم الحضور في المدارس والثانويات والجامعات. وهنالك ثانياً التحوّل النوعي في القاعدة العريضة للقوى العاملة غرباً، والتي لم تعد تتألف من عمال المصانع (البروليتاريا كما سموا في بعض أدبيات الاقتصاد السياسي في القرن التاسع عشر)، بل صار موظفو الأعمال المكتبية يشكلون الشريحة الأبرز من الأيدي العاملة.
وأما في الدول العربية والنامية، فقد تآلف برنامج «باور بوينت» بسهولة مع أصحاب العمل الفكري، الذين يمثلون نخباً في تلك البلدان، وخصوصاً أولئك الذين يتعاملون مع الشركات الغربية العملاقة والتي صارت من «أهل الدار» مع تقدّم العولمة وآلياتها وتوطدها في الوطن العربي. وكذلك شَقّ «باور بوينت» طريقه بيسر الى كثير من الجامعات، وخصوصاً غير الرسمية، في تلك البلدان.
إذاً، ثمة شيء من الترف، أو ربما من الحرص على إبراز التفوق وعلو الكعب والتقدم في التقنيات ومعارفها، وكذلك بعض من الإدعاء، في حضور برنامج «باور بوينت» في البلدان العربية. وعلى رغم ذلك الإدعاء المتكل على التفوّق العلمي، فإن ذلك البرنامج يعتبر من أكثر برامج «مايكروسوفت أوفيس» سهولة، بل لا يجد كثير من مستخدمي الكومبيوتر صعوبة في تعلمّه بأنفسهم، بعد أن ينجزوا تدريباً أساسياً على الحاسوب وبرامجه الأولية.
جانب مظلم للبرنامج الضوئي:
يتميز برنامج «باور بوينت» بأناقة متألقة يصعب إنكارها. وتبرز على أشدها حين تلتمع الشرائح الضوئية الملونة ورسومها البيانية في قاعات مطفأة. وحينها، تبدو العروض الضوئية لـ «باور بوينت» أقرب الى عروض السينما، حيث يندمج الخيال مع ما تراه العين المخطوفة بالضوء واللون والشاشة. ولم تَبخل عليه بالنقد مجموعة كبيرة من المقالات الصحافية الغربية التي لاحظت بلوغه سن العشرين، كمثل المقال الافتتاحي للأميركي لي غوميز عن عشرينية «باور بوينت» والذي ظهر على الصفحة الأولى من صحيفة «وول ستريت جورنال» أخيراً. ولاحظ ذلك المقال أن «باور بوينت» من أكثر برامج الكومبيوتر تعرّضاً للنقد والسخرية والتهكّم عالمياً. وأورد غوميز أن ذلك البرنامج المعلوماتي سهّل عرض حتى أكثر المعلومات العلمية صعوبة، بالنظر الى ميزاته البصرية المتقدمة. وفي المقابل، فإنه قدّم ثوباً زاهياً وقشيباً لعرض الأفكار الأشد سطحية، بحسب قول غوميز الذي شدّد على أن أسوأ ما فعله «باور بوينت» هو فرض نوع من نمطية في عرض الأفكار، ما أثّر في طريقة التفكير نفسها. لقد ترعرع جيل بأكمله في ظلال برنامج يحوّل المعلومات الى رسوم بيانية مزينة، مع أسطر قليلة الكلمات ووجيزة الإيقاع والمحتوى. ووضعت كثير من الدول الغربية مقرراتها المدرسية في صيغة شرائح بأسطر قليلة ورسوم كثيرة، على غرار ما يوحي به ذلك البرنامج المعلوماتي. وتدريجاً، بدا ذلك الجيل وكأنه يهتم بالسير على تقاليد «باور بوينت» وعروضه البصرية، أكثر من اهتمامه بمضمون تلك الأفكار أو تحليل أبعادها وما تحمله من متخيلات وقيم وتراتبيات وغيرها. وباختصار، من المستطاع النظر الى ذلك البرنامج المعلوماتي وكأنه «محدلة» ثقيلة تسير على تلافيف الدماغ المُعقّدة فتحوّلها الى مسطح يخلو من التركيب والتشابك والتعقيد والتعمّق التي تميز الفكر الانساني. وفي لقاء لغوميز، أقر مخترعا «باوربوينت» الأميركيان غاسكينز (63 سنة) ودينس (60 سنة)، بأن كثيراً من النقد الذي طاول برنامجهما مُحق، خصوصاً لجهة قدرة البرنامج على إلباس حتى أشد الأفكار سُخفاً، ثوباً بصرياً مقنعاً ومؤثراً ما يعني نوعاً من «المساواة» المأسوية بين التسطيح والتعميق. ويمكن العثور على كثير من هذا النقد في الموقع الالكتروني الذي يحمل أسم أحد هذين الصانعين «روبرت غاسكينز. كوم» RobertGaskins.com.
في ظلال مأساة مكوك الفضاء «كولومبيا»:
من الآراء النقدية الكثيرة المُتضمّنة في ذلك الموقع، يبرز رأي إدوارد تافيت، البروفسور في علوم الكومبيوتر والعروض الغرافيكية من جامعة «يال» الأميركية.
ويرى تافيت في ذلك البرنامج تعبيراً صادقاً عن روح السوق المركنتلية والزبائنية، التي «تُعهّر» الأشياء والأفكار، فلا تهتم سوى بإظهارها بشكل قابل للبيع والشراء والتداول! ولا يتردد أيضاً في تحميل «باور بوينت» بعض المسؤولية في كارثة احتراق المكوك الفضائي «كولومبيا» في العام 2003، إذ دُفنت الكثير من الأخطاء في الضوء الملون الساحر للعروض البصرية القوية التي قُدّمت فيها الاستعدادات لإطلاق ذلك المكوك! ويُشدّد على أن كثرة تداول «باور بوينت» جعلته مطية لأنواع لا حصر لها من سوء الاستعمال. ويخلص إلى ملاحظة مفادها أن البرنامج مفيد بمقدار ما يستخدم كطريقة لعرض ملخصات عن الأفكار والمقترحات، وبمقدار ما يبعد عن إعطاء الانطباع بأنه يقدم عرضاً وافياً عن الآراء والأفكار. والمفارقة أن غاسكينز لا يعترض على انتقادات تافيت اللاذعة، ولو أنه لا يقرّ بها كلياً.
ويروي بنفسه نكتة مفادها أن أفضل طريقة لهزيمة جيش معاد هي إرسال رزم من برنامج «باور بوينت» الى قادته، ما يؤدي الى تشوش قدرتهم على اتخاذ القرارات الصائبة. ويوافق أيضاً على أن كثيراً من المديرين والاساتذة توقفوا عن كتابة وثائق مفصلة ومشغولة بدقة عن أعمالهم الفكرية، مكتفين بصوغ الشرائح الضوئية على طريقة «باور بوينت» لعرض أفكارهم! والمفارقة أن غاسكينز وزميله دينس لا ينظران الى نفسيهما كمستعملين دائمين للبرنامج الذي ابتكراه، بل أنهما يجهلان الكثير من المواصفات التقنية المبهرجة التي أُضيفت إليه خلال العقدين الماضيين. والارجح أن ذلك البرنامج ساهم في نشر ثقافة ميّالة الى مزيج من الكسل والتواني من جهة والاستعراضية المُبهرة والمتحذلقة وشبه البهلوانية من الجهة الأخرى. وكذلك يلاحظ كاسكينز بذكاء أن هذا البرنامج كُرّس كمُكوّن أساسي في نظام التشغيل «ويندوز» وتطبيقاته، ما يعني أن أعداداً متزايدة من الناس ستصل اليه وتتدرب عليه وتستخدمه و...تُسيء استخدامه أيضاً. ويزيد في قوة ذلك الميل أيضاً الانخفاض المتواصل في أسعار أجهزة العرض الضوئي، ما يعني أنه قابل للحلول ضيفاً دائماً في المنازل أيضاً.
وكذلك يؤدي الميل المتصاعد لصوغ كتب الأطفال على هيئة شرائح «باور بوينت» الى ضرب ملكة التعبير عند الناشئة، فبدل تعلّم صوغ الأفكار بوضوح في مقاطع تتكامل لتصنع موضوعاً، يميل هؤلاء الى كتابة مفككة الى أسطر مختصرة وفقيرة المحتوى وضعيفة البنية لجهة القدرة على تنظيم الأفكار ورصف أشكال التعبير عنها لغوياً.
وتجدر الإشارة الى أن غاسكينز وزميله دينس تركا شركة «مايكروسوفت» في التسعينات، وأسّس كل منهما لنفسه شركة مستقلة. ويعترفان بوجود حاجة لصنع برنامج رقمي مماثل لـ «باور بوينت» بحيث يوضع على الانترنت فيُسهّل عروض الشرائح عبر الشبكة الالكترونية الدولية، لكنهما يعلنان أنهما لن يصنعا بنفسيهما هذا البرنامج المعلوماتي المقترح أبداً... ليس بعد تجربتهما في المدى الواسع الذي وصل اليه سوء استعمال «باور بوينت» وما ولّده من آثار سلبية مديدة.
------
هذا المقال نشرته جريدة الحياة لعددها الصادر يوم  03/08/2007  ، وقد ارتأينا نشره هنا لتعميم الفائدة.

مفهوم تاريخ العلوم: مقاربة أولية - عبد الله ورد


تاريخ العلوم إذن، كما يفهمه باشلار يفترض أساسا معرفة المؤرخ بالقيم العقلية المهيمنة والفاعلة في الفكر العلمي المعاصر، مع اعتبار أن ما هو علمي وراهن اليوم سيصبح متجاوزا بعد ذلك.. وهذا يستتبع أن عملية التأريخ للعلوم هي في حقيقتها عملية مستمرة ولا متناهية..
يعد مفهوم تاريخ العلوم من المفاهيم الأكثر تداولا في حقل الدراسات الإبستيمولوجية والأكثر إثارة للنقاش بين فلاسفة العلم والإبستيمولوجيين المهتمين بهذا النوع من الدراسة، وذلك منذ أن ظهر واضحا للعيان أهمية العلم وآثاره العميقة على حياة البشر وتطورهم الحضاري بشكل عام.. إذ غالبا ما ترتبط التحولات الحاسمة في التاريخ سواء كانت سياسية أو فكرية ببروز وعي تاريخي يعمد المؤرخون بمقتضاه إلى وضع فترة زمنية محددة في إطار زمني أوسع، ويحاولون تفسير ما طرأ من تغير في مجرى التاريخ انطلاقا من الآثار التي أحدثها هذا العامل الحاسم على مختلف أنشطة البشر المادية والفكرية، مستشرفين الآفاق التي سيؤول إليها المجتمع الإنساني في المستقبل القريب أو البعيد
.
ولعل ما يؤكد هذا الافتراض الاهتمام البالغ بالتحولات العميقة التي عرفتها الإنسانية في القرن السابع عشر، حيث انبرى عدد كبير من المؤرخين والعلماء والفلاسفة.. منذ ذلك العصر إلى يومنا هذا للتأريخ لهذه الفترة الحاسمة في مسار المعرفة الإنسانية. ونظرا لتعقد هذه الظاهرة الفكرية العميقة (الثورة العلمية في القرن السابع عشر) وتداخل مكوناتها مع مكونات أخرى متعددة ومختلفة من جهة، ومن جهة أخرى للتغيرات التي طرأت عبر الزمن على تصورات المؤرخين واهتماماتهم وأولوياتهم، فقد اتسمت هذه التأريخات باللاتجانس والاختلاف، ولم تحكمها في الغالب النزاهة والالتزام بالمتون بقدر ما وجهتها رؤى إيديولوجية أو فلسفية أو إبستمولوجية محددة..
وقبل أن نعرض لكل هذا نريد في البداية أن نحدد مفهوم تاريخ العلوم، ونبين الشروط التي ساهمت في نشأته، وسنمهد لكل ذلك ببعض الملاحظات التي من شأنها أن تقربنا أكثر من موضوع هذه الدراسة.
هناك ملاحظة أولى تتعلق بالوضع المؤسسي لهذا المبحث، فمصطلح تاريخ العلوم يوحي بأن الموضوع الذي ينصب عليه هو العلم أو العلوم المختلفة كالرياضيات والفيزياء والبيولوجيا.. لذا كان من الطبيعي والأولى أن يرتبط هذا المبحث بالمعاهد والكليات التي تدرس فيها العلوم المختلفة.. لكن المفارقة أن هذا المبحث لا يهتم به إلا في معاهد الفلسفة والعلوم الإنسانية! كيف يمكن تفسير هذا؟ أو بمعنى آخر ما مغزى اهتمام الفلاسفة بتاريخ العلوم؟
يعتقد كثير من الباحثين أن اهتمام الفلاسفة بتاريخ العلوم يرجع إلى طبيعة العلاقة الوطيدة والمتداخلة بين الفلسفة والعلم، إذ أنه من العسير فهم مختلف النظريات والمذاهب الفلسفية، وإدراك دلالاتها لو اعتبرناها بمعزل عما يحيط بها من ممارسات معرفية أخرى، سواء كانت علوما أو فنونا أو غيرها.. فالفلسفة كما يرى ذلك برنشفيك وبياجي مثلا، تبنى قضاياها دوما انطلاقا من التأمل في علوم عصرها، وتأسيس أية فلسفة يقتضي في أغلب الأحيان تهييئا علميا مسبقا، يقول بياجي: "يظهر أنه مما لا جدال فيه أن أكبر المذاهب في تاريخ الفلسفة.. تنحدر من تأمل إما في الاكتشافات العلمية لأصحابها أنفسهم، أو في ثورة علمية خاصة حدثت في زمانهم أو قبله بقليل: هكذا كان الأمر فيما يتعلق بأفلاطون مع الرياضيات، وأرسطو مع المنطق والبيولوجيا، وديكارت مع الجبر والهندسة التحليلية، وليبنتز مع حساب اللامتناهيات، وتجريبية لوك وهيوم وتمهيدهما لعلم النفس، وبكنط مع العلم النيوتوني وتعميماته، وبهيكل والماركسية مع التاريخ وعلم الاجتماع، إلى أن نصل إلى هوسرل مع المنطق الرمزي كما هو عند فريكه".
ينبني اهتمام الفلاسفة بالعلم، إذن، على افتراض أن الفلسفة في تاريخها تطلب دائما من علوم عصرها النموذج النظري الذي يؤسس قضاياها من هنا يصبح تاريخ العلوم ضروريا كوسيلة من الوسائل التي تساعد على التفهم الجيد لتاريخ الفلسفة، ويقول إميل برهييه في نفس السياق: "لا يمكن فصل الفلسفة عن باقي الحياة الفكرية التي لا تزال تعبر عن ذاتها في العلوم، والدين، والفن، والحياة الأخلاقية والاجتماعية. إن الفلسفة تهتم بكل القيم الفكرية لعصرها، إما لتزكيتها، أو نقدها، أو تحويلها، ولا توجد إلا حيث يوجد مجهود يسعى إلى تنظيم القيم تنظيما تراتبيا".
يرتبط تاريخ العلوم بالفلسفة كذلك من خلال أحد فروعها، ونقصد بذلك مبحث الإبستمولوجيا، فتاريخ العلوم والإبستمولوجيا مبحثان متداخلان، والعلاقة بينهما حميمية إلى حد كبير، وقبل أن نتطرق إلى طبيعة هذه العلاقة يبدو أنه من اللازم تحديد مفهوم تاريخ العلوم، ومفهوم الإبستمولوجيا، وذلك لما لهذا الإجراء من دور في توضيح حدود المشكلات التي نحن بصدد تحليلها؛ وننطلق هنا من التعريف الذي يعطيه لالاند Lalande في معجمه الفلسفي، لمفهوم الإبستمولوجيا، والذي جاء كما يلي: "تعني هذه الكلمة (الإبستمولوجيا) فلسفة العلوم، لكن في معناها الدقيق جدا. وهي لا تعني دراسة مناهج العلوم بشكل خاص، لأن هذه الدراسة هي موضوع الميتودولوجيا، التي هي جزء من المنطق. كما أنها ليست تركيبا أو توقعا افتراضيا للقوانين العلمية (على الطريقة الوضعية أو التطورية). إنها بصفة جوهرية الدراسة النقدية لمبادئ، وفرضيات، ونتائج مختلفة العلوم لغرض تحديد أصلها (المنطقي لا السيكولوجي)، وقيمتها، وبعدها الموضوعي. ينبغي، إذن، تمييز الإبستمولوجيا عن نظرية المعرفة –بالرغم من أنها المدخل إليها والمساعد الضروري لها- التي تدرس المعرفة بتفصيل وبكيفية بعدية في تنوع العلوم والموضوعات، لا في وحدة الفكر".
إن تعريفا كهذا لا ينبغي أن نخرجه من سياقه الزمني والتاريخي، فمفهوم الإبستمولوجيا، كما يظهر من خلال تعريف لالاند، يرتبط أساسا بمرجعية ميرسونية، كما يشهد على ذلك النص الذي يورده لالاند في إطار الحواشي الخاصة بمفهوم الإبستمولوجيا في معجمه الفلسفي، والمستخرج من كتاب "الهوية والواقع" لميرسون: "ينتمي هذا الكتاب بمنهجه لمجال فلسفة العلوم أو الإبسمولوجيا، حسب مفهوم تقريبي يسير نحو التداول العام".
لا يخرج تعريف لالاند، إذن، عن المنحى الإبستمولوجي الذي سار فيه ميرسون في كتاباته، والقائم على التحليل البعدي لمبادئ، ومناهج، ونتائج العلوم المختلفة، وذلك لتحديد المبدأ أو المبادئ التي تحكم الفكر وهو يتطلع إلى معرفة الواقع وتعقله.
أما روبير بلانشي Robert Blanché (1898-1975) فيعتبر مصطلح "إبستمولوجيا" مصطلحا جديدا نسبيا في الثقافة الفرنسية، حيث لا يوجد في معجم ليتري Littré (الصادر بين 1863 و1873)، ولا في معجم لاروس (الصادر بين 1866 و1873)، ولم يظهر إلا في ملحق معجم لاروس سنة 1906.. وهذا يؤدي إلى أن ما يخبر عنه هذا المصطلح هو كذلك أمر حديث، نعم هناك بعض الباحثين ومؤرخي الفكر الذين ينظرون إلى مبحث الإبستمولوجيا بشكل مختلف، ويرون أنه لا يعبر عن منحى حديث، بل ترجع بوادره الأولى إلى فلسفات اليونان القديمة. إلا أننا لا نذهب مع أصحاب هذا الرأي، ونفترض أن الإبستمولوجيا لم تكن ممكنة إلا عندما توفرت شروطها النظرية، والتي تتجلى أساسا في ظهور العلم الحديث ابتداء من القرن السابع عشر..
وقد ربط بلانشي في كتابه عن الإبستمولوجيا ظهور المبحث الإبستمولوجي بصدور كتابين أساسيين: الكتاب الأول ألفه بولزانو Bolzano (1781-1848) سنة 1837، واهتم أساسا بالعلوم الصورية وهو كتاب "نظرية العلم"، أما الكتاب الثاني فألفه وليم وويل William Whewel (1794-1866) سنة 1840. وكتاب "وويل" هذا يتضمن مشروعا إبستمولوجيا محددا سنجد له صدى فيما بعد، عند كل من برنشفيج، وباشلار… فقد أراد وويل تجديد الأركانون الجديد لفرنسيس بيكون، وذلك بناء على الإنجازات العلمية التي عرفها تاريخ العلم منذ عصر بيكون حتى القرن التاسع عشر، فبيكون حاول أن يرسم الطريق التي ينبغي أن تسير عليها كل العلوم الاستقرائية، وكان هذا الأمر ممكنا في عصره، أما بعد مرور قرنين من الزمن عرفت خلالها العلوم الفيزيائية، وغيرها من العلوم تطورات هائلة، كان لا بد وأن تدفع إلى إعادة النظر في مشروع بيكون كله؛ وذلك أنه مهما كانت عبقرية هذا الرجل، فليس بمستطاعه التنبؤ بما ستؤول إليه هذه العلوم بعد قرنين، لذا سيقرر "وويل" أنه قد آن الأوان لاستبدال التصور القبلي للعلوم الاستقرائية، ولمناهجها، كما قرره فرنسيس بيكون، بتصور جديد يقوم على تحليل الطرق، والمناهج المستخدمة في علوم الطبيعة، تصور سيمكنه من تأسيس منهج تاريخي نقدي يساهم في تطوير البحث الإبستمولوجي بشكل عام. وإذا كان البحث الإبستمولوجي قد عرف انطلاقته الحقيقية مع "وليم وويل" إذن، فكيف ستتحدد البداية الحقيقية لمبحث تاريخ العلوم؟
يقول جورج سارتون، وهو أحد كبار مؤرخي العلوم المعاصرين: "إذا تركنا جانبا تواريخ العلوم التي ألفت في القرن الثامن عشر، والتي كانت في الحقيقة جد سطحية ومخلخلة، بما فيها تاريخ الرياضيات لمونتيكلا Montucla(1758) فإن أول تاريخ حديث هو تاريخ العلوم الاستقرائية للأب وليم وويل والذي وصل إلى مرتبة مؤلف كلاسيكي خلال الفترة الفكتورية، بل وبعد ذلك أيضا".
من خلال قولة جورج سارتون هاته يتبين لنا الارتباط الذي يمكن افتراضه بين نشأة كل من مبحث الإبستمولوجيا ومبحث تاريخ العلوم، بحيث يمكن القول إنه لا يمكن تصور أية إبستمولوجيا ممكنة إلا في ارتباطها بتاريخ محدد للعلوم، وبالمثل لا يمكن تصور تاريخ حقيقي للعلوم إلا في علاقته الصميمية بالإبستمولوجيا، فتاريخ العلوم ليس فقط ذاكرة للعلم، بل هو أيضا مختبر للإبستمولوجيا.
لقد علمنا لحد الآن على إبراز العلاقة المتداخلة بين الإبستمولوجيا وتاريخ العلوم ونشأتها في لحظة زمنية محددة… ولكننا حتى الآن لم نعط ولو تعريفا أوليا لما نعنيه بمبحث تاريخ العلوم؛ ونريد أن ننبه في هذا المجال إلى أن هذا المفهوم يتميز بكثير من الإبهام سواء فيما يخص طبيعة موضوعه أو منهجه: فعندما نتحدث مثلا عن تاريخ العلوم –هكذا بالجمع- يطرح علينا السؤال التالي: هل يؤرخ هذا المبحث لكل العلوم في ارتباطها وتداخلها أم يهتم فقط بكل علم على حدة، من خلال تطوره الخاص؟
يرى بعض المؤرخين أن عبارة تاريخ العلوم لا ترمز في معناها الرائج إلا إلى تاريخ علوم الطبيعة، ويمكن أن يضاف إليها تاريخ الرياضيات".
ويرى آخرون –جورج سارتون أو كانكليم مثلا- أن تاريخ العلوم لا يقتصر على دراسة الفيزياء والرياضيات، بل يشمل كذلك علوم الإنسان؛ والمسألة لا تتوقف عند الاختلاف في تحديد مجال تاريخ العلوم وموضوعاته بل يتعدى الأمر ذلك إلى الاختلاف حول أزمنة العلم، وحقبه، وطبيعة التطورات التي لحقته عبر الزمان، فهناك مثلا مباحث نظرية اعترف بعلميتها في زمن ولم تعد تعتبر علوما في زمن آخر، بل حلت محلها علوم لم تكن معروفة من قبل. وتطرح علينا، كذلك، مشكلات تتعلق بالمنهج أو بالمناهج التي تقربنا أكثر من غيرها من حقيقة موضوعات هذا المبحث، والأوليات النظرية التي ينبغي الانطلاق منها، والسمات والخصائص التي تحدد كل مرحلة من مراحل تطور التفكير العلمي، إلى حد يصبح فيه البحث عن نوع من الاتفاق أو التقارب حول قضية من قضايا تاريخ العلوم ضربا من العبث.
لكن، وبالرغم من كل هذه الصعوبات، يمكننا الإقرار مع جورج كانكليم (1904-1994) على أن موضوع تاريخ العلوم، في جميع الحالات، يتشكل من مجموعة من الخطابات أو الأقوال أصدرها باحثون حول موضوعات علمية محددة؛ فالباحثون والعلماء هم الذين يصوغون نتائج أبحاثهم على شكل قضايا مترابطة فيما بينها، ومحكومة بمنطق دقيق وصارم.. إن الموضوعات التي يدرسها العلماء، وقبل أن تتشكل في خطاب أو قول محدد ليست هي موضوع تاريخ العلوم؛ بل موضوعه هو هذه الموضوعات وقد تمت صياغتها صياغة نظرية في خطاب محدد.. فتاريخ العلوم إذن، هو خطاب حول خطاب أو خطابات تجسد نتائج متميزة أو حاسمة في حقل علمي ما، وترتبط فيما بينها، متبادلة التأثير والتأثر عبر التاريخ، بحيث يصبح لها معنى ودلالة تاريخيين بمقتضى هذا الارتباط ذاته..
قد يظهر هذا التعريف مقبولا، ولكن ألا ينطبق على كل المباحث المعرفية الأخرى كتاريخ الفلسفة وتاريخ الفن مثلا.. مما يجعله يفقد كل إجرائية في تحديد موضوع تاريخ العلوم؛ إذ يمكن –كذلك- أن نعرف تاريخ الفلسفة أو تاريخ الفن بأنه خطاب يريد أن يتملك خطابات أخرى، وينظر إليها في ترابطها وتسلسلها التاريخ وفق رؤية محددة..
إن صعوبة إعطاء تعريف أو تحديد دقيق لما نسميه تاريخ العلوم قد يدفعنا إلى تغيير المنظور الذي نحاول من خلاله الاقتراب من هذا المفهوم، فنطرح المسألة لا من منطلق تحديد الماهية والجوهر، بل من منطلق الأهمية التي يكتسيها هذا المبحث بالنسبة لمباحث أخرى تستغله لأغراضها في فترات تاريخية مختلفة.. ولا شك أن الحفر عن جذور هذا المفهوم، والأهمية التي أعطاها إياه باحثون مختلفة من شأنه أن يساعدنا على الاقتراب منه.
لقد ارتبط هذا المبحث، منذ نشأته إلى اليوم، بثلاثة أنواع من التوجيهات أو الخلفيات النظرية، أضفت عليه دلالات ومرامي خاصة ومحددة في إطار أنساقها الداخلية: ففي البداية ارتبط مبحث تاريخ العلوم بخلفيات إيديولوجية برزت في إطار التحول الكيفي الذي عرفه المجتمع الأوروبي ابتداءا من القرن السابع عشر، والذي مس جل مكوناته، خصوصا الجانب المعرفي، حيث أدى ظهور العلم الحديث في تلك الفترة إلى تبلور تصور لدى الإنسان الأوربي، يعتبر أن تقدم المجتمع رهين بمدى اهتمامه بهذا النوع الجديد من المعرفة، وبمدى تحكمه في الإمكانات الهائلة التي يخولها، والتي من شأنها وحدها أن تجعله مسيطرا على الطبيعة وسيدا عليها..
وارتبط هذا المبحث كذلك بتوجهات فلسفية، خصوصا في القرن الماضي وأوائل هذا القرن، توجهات سنجد لها صدى، على سبيل المثال، عند ليون برنشفيك الذي يعتبر أن تاريخ العلوم لا يعدو أن يكون وسيلة، أو مجالا يظهر من خلاله نشاط الفكر الخلاق، هذا النشاط الذي يعتبره موضوع الفلسفة الأساسي والحقيقي..
وسيرتبط هذا المبحث أخيرا بتوجهات إبستمولوجية وبيداغوجية، سنعرض لها انطلاقا من التصور الذي أعطاه جاستون باشلار لمفهوم تاريخ العلوم باعتباره وسيلة أو أداة لإبراز القيم الإبستمولوجية للعلم الراهن..
1 – تاريخ العلوم وخلفياته الإيديولوجية:
يرتبط الاهتمام بالتاريخ عموما بفترات حاسمة في تاريخ المجتمعات، فعندما يعرف هذا المجتمع أو ذاك تحولا جذريا، ويحدث انقلاب شامل يمس ركائزه وأسسه، تبرز الحاجة إلى وضع هاته الفترة أو تلك في إطار السياق العام للتاريخ قصد رصد الأجوبة لأسئلة ممكنة، تتعلق بتحديد الأسباب التي أدت إلى هذه التقلبات والأحداث.. وبروز الاهتمام بتاريخ العلوم هو أمر لا يخرج عن هذه القاعدة، كما سنبين ذلك فيما بعد، إذ لا يمكن أن نفهم طبيعة هذا المبحث إلا في إطار شروط نظرية واجتماعية محددة هي التي جعلت تاريخ العلوم أمرا ممكنا. وقد بينا سابقا كيف ربط جورج سارتون نشأة تاريخ العلوم بكتاب وليم وويل "تاريخ العلوم الاستقرائية"، إلا أن تحديد النشأة بهذا الشكل المطلق قد لا يكون صحيحا، خصوصا إذا عرفنا أن ثمة حديثا عن تاريخ العلوم وعن أهميته، ليس فقط عند وليم وويل، بل كذلك عند أوكست كونط مثلا، وقبلهما عند فونتنيل وفرنسيس بيكون. فالأسباب والعوامل التي أدت إلى نشوء مبحث تاريخ العلوم إذن لم تكن مرتبطة بشخص أو بمؤلف ما، بل بمناخ فكري عام.
إن تقصي الأسباب أو الشروط التي سمحت بنشوء هذا المبحث، يبين أن من أهمها بروز نموذج معرفي جديد سيتعرض بشكل قوي مع النموذج المعرفي القديم الذي تأسس على آراء أرسطو وبطليموس وغيرهما، واستمر مع مفكري العصور الوسطى وعصر النهضة: فقد ظن هؤلاء أن المعرفة الحقيقية أعطيت مرة واحدة في التاريخ مع أرسطو، وبطليموس وإبوقراط، وجالينوس، وغيرهم... لذا سيكتفون بإيراد الشروح والتفاسير والحواشي على كتب هؤلاء، كما لو أن كتاباتهم تضمنت العلم كله، وترسخت أسسها بصفة نهائية..
ومع بداية العصر الحديث بدأت بوادر نظام معرفي جديد تظهر مع مفكرين وعلماء وفلاسفة، سيتعبرون أن المجال الحقيقي للمعرفة البشرية هو الطبيعة، وأن التنقيب والبحث عن خفاياها، واستقراء عناصرها المختلفة لغرض ترتيبها، وتصنيفها، ومعرفة قوانينها العامة، هو المجال الحقيقي للنشاط الفكري للإنسان.
وكان من الطبيعي أن يؤدي بروز هذا المنحى المعرفي الجديد إلى زعزعة التصور القديم للعلم وللحقيقة العلمية، إذ لم يعد هناك أي مجال للحديث عن معرفة مطلقة خارج الزمن، بل أصبحت كل معرفة معرفة زمانية أو تاريخية، تتعاون الأجيال المتعاقبة على صياغتها باعتبارها حقيقة مفتوحة على المستقبل، حقيقة أهم ما يميزها هو بالذات عدم قابليتها للاكتمال. كما أن منهج تحصيلها لم يعد هو الحدس أو الإلهام أو التحليل الفيللوجي للنصوص القديمة، التي استطاعت أن تقاوم الزمن وتستمر، بل اعتمدت أساسا على التنقيب والفحص، والبحث عن الماهية الحقيقية للظواهر بواسطة مناهج الرياضيات، والهندسة، والملاحظة والتجريب..
لقد كان من الضروري إذن، أن يتم هذا التحول الحاسم في تصور طبيعة المعرفة والعلم، لكي يصبح مبحث تاريخ العلوم ممكنا، وكما يقول كيسدورف Gusdorf "لكي يصبح تاريخ العلوم ممكنا وضروريا، كان لا بد أن تتخلص المعرفة من معانيها المتعالية، وتصبح نسبية إلى حد تتحول معه إلى موضوع لفعالية عامة قابلة للتنقيح باستمرار".
كان من الضروري، إذن، استبدال معرفة متعالية لا زمانية بمعرفة نسبية تاريخية تمثل حقلا لنشاط إنساني عام يمكن لأي شخص أن يساهم فيه إذا ما توفرت لديه الشروط والوسائل اللازمة لذلك.
إن هذا التحول الفكري الذي أجراه مفكرون وعلماء أفذاذ من أمثال كوبرنيك، وجاليلي، وديكارت، وكبلر ونيوتن.. الخ وما فتحته مؤلفاتهم من آفاق جديدة للفكر الإنساني، هو ما سيفسح المجال لظهور مبحث تاريخ العلوم..
الاهتمام بتاريخ العلوم، إذن، هو اهتمام معرفي أولا، ولكنه أيضا اهتمام مجتمعي بحكم أن هذه التحولات النظرية، والممارسات العلمية ستتخذ بعدا اجتماعيا وسياسيا، إذ ستبرز الدعوة آنذاك إلى التأريخ للعلوم في إطار إنجاز تصور عام للتاريخ البشري، بمعنى أن تاريخ العلوم سيظهر أولا كحقل يتبين من خلاله تقدم الوعي أو الفكر البشري، والذي لا بد أن يرتبط به وبشكل مواز تقدم الجنس البشري.. وسيظهر صدى هذه الدعوة عند كل من فرنسيس بيكون، وفونتنيل، وخصوصا عند أوكست كونط.
يعتبر فرنسيس بيكون من المفكرين الأوائل الذين سيعملون على إعادة النظر في مفهوم الحقيقة بمعناها القديم، فالحقيقة بالنسبة له لم تعد توجد خارج هذا العالم، ولم يعد يتوصل إليها بالحدس، والإلهام، أو بنوع من التجريد العقلي، بل تحولت إلى حقيقة نسبية تتحقق عبر التاريخ بحيث يمثل الماضي والحاضر والمستقبل أبعادا لنموها وتطورها، إنها بنت الزمن كما يقول فرنسيس بيكون.
إن هذا التصور الجديد للمعرفة وللحقيقة هو ما سيبرزه بيكون من خلال فلسفته، وعلى الخصوص من خلال تصنيفه لعلوم ومعارف عصره حيث سيقسم هذه العلوم أو المعارف إلى ثلاثة أنواع حسب ملكات المعرفة المختلفة: فملكة الذاكرة يقابلها علم التاريخ، ويقابل ملكة المخيلة الشعر، أما ملكة العقل فيقابلها مبحث الفلسفة.
وينقسم علم التاريخ عنده إلى صنفين: التاريخ الطبيعي والتاريخ المدني. أما التاريخ الطبيعي فينقسم بدوره إلى قسمين: تاريخ المخلوقات ويهتم بوصف الظواهر الطبيعية الفيزيائية سواء منها الأجرام السماوية والنيازك وغيرها، أو الظواهر الطبيعية من بحار وأنهار وبراكين وغيرها.. وتاريخ المسوخ والصنائع، ويهتم بالأجسام المصنوعة أو بمعنى آخر بكل التغيرات والتحويلات التي أحدثها الفعل البشري على الظواهر الطبيعية.
أما فيها يتعلق بالتاريخ المدني فيقسمه بيكون إلى ثلاثة أنواع:
ـ التاريخ الكنسي.
ـ التاريخ المدني بالمعنى الضيق للكلمة ويهتم أساسا بالسير الذاتية وبتاريخ الملوك.
ـ التاريخ الأدبي، وينصب على دراسة التقنيات والعلوم في تطورها وتقدمها. وسيهتم بيكون خاصة بهذا النوع الثالث من التاريخ على أساس أنه نوع جديد لم يوجد من قبل، وظهرت الحاجة إليه، عندئذ، بحكم الشروط الفكرية الجديدة، يقول بيكون: "إننا في حاجة إلى تاريخ دقيق للمعرفة يحتوي على الجذور القديمة للعلم، والفرق المختلفة، والاختراعات، والسنن، ومختلف أنواع التهيئ والتنظيم، والمعارضات، وأنواع الإخفاق والفشل والنسيان مع ذكر أسبابها وظروفها، وكل الأحداث الأخرى المتعلقة بالمعرفة عبر كل مراحل الإنسانية".
وأهمية هذا النوع من التاريخ أنه يجعل: "العلماء أكثر تبصرا في استعمال وإدارة العلم".
إن ما يدعو إليه بيكون هنا، يتطلب مراجعة وتقييم كل ما أنتجته البشرية من علوم، وأفكار، وذلك حتى يتمكن العلماء، انطلاقا من تجارب الأجيال السابقة من العلماء ومن إخفاقاتهم ونجاحاتهم، من التحكم في قيادة العلوم وإدارتها، والتخطيط لها.. إذ من شأن هذا وحده أن يسمح للإنسان بالسيطرة على الطبيعة، وتسخيرها لمصلحة البشرية كلها..
إن الأهمية الكبرى التي اتخذها العلم الجديد في أوربا في القرن السابع عشر، والثامن عشر، لم تنعكس على أنساق الفلاسفة والمفكرين فقط، بل ستدفع الدول آنذاك إلى إنشاء معاهد، وأكاديميات للعلوم، في كل أنحاء أوروبا ستضم خيرة العلماء والباحثين، كما ستعمد هذه المعاهد والأكاديميات إلى إنشاء محاضر، ودوريات، كانت تسجل فيها نتائج البحوث والدراسات التي ينجزها الباحثون لغرض التواصل المعرفي والعلمي، ثم لهدف وضع سجلات لها مغزى توثيقي وتاريخي؛ ولا شك أن كل هذا يفترض تصورا جديدا للمعرفة، يعتبر أنها بطبيعتها تراكمية، وتتحقق عبر الزمن. من هنا يمكننا فهم الدور الكبير الذي سيلعبه فونتنيل Fontenelle (1657-1757) في تأسيس تاريخ العلوم في فرنسا. إذ كان لطبيعة المنصب الذي شغله دور كبير في ذلك: فقد عين منذ سنة 1697 كاتبا دائما للأكاديمية الملكية للعلوم بباريس؛ ومن موقع منصبه ذاك، كان يهتم بتكريم العلماء الذين قد يتعرضون للوفاة داخل فرنسا أو خارجها؛ كما كان يؤرخ لأهم الأبحاث والاكتشافات العلمية التي أنجزت آنذاك في حقل العلوم والمعارف عموما..
إن التأريخ للعلوم، والذي انطلق أساسا منذ أواخر القرن السابع عشر والنصف الأول من القرن الثامن عشر مع فونتنيل، حددته آنذاك مجموعة من المبادئ، نذكر منها على وجه الخصوص، بروز مفهوم جديد للفكر أو العقل، يفترض أنه وراء العقول الفردية المختلفة، هناك عقل لا شخصي حامل للمعرفة البشرية، هذا العقل المشترك، والذي يشبه إلى حد كبير روح العالم عند هيكل، هو ما يجسد تقدم المعرفة البشرية، ويضفي عليها التناسق والوحدة..
من هنا سيتكون وعي لدى مؤرخي الفكر بأن تأريخهم للمنجزات العلمية هو، في نهاية المطاف، تأريخ لمسار ضروري يستهدف الوصول إلى الحقيقة.. وفونتنيل لا يخرج عن هذا المنحي، فتطور العلوم عنده لا تتحكم فيه الصدفة، بل هناك غائية تنظم مساره، وتجعله يسير سيرا تصاعديا من الأسفل إلى الأعلى، ومن البسيط إلى المعقد، أو من العام إلى الخاص؛ فالعلوم والحقائق تتطور كما لو أن بعضها يستدعي بالضرورة البعض الآخر، يقول فونتنيل: "فالحقائق مستعدة أن تقبل بين ظهرانيها حقائق أخرى، وذلك لأنها تترك لها –إن صح القول- أمكنة فارغة، ما عليها إلا أن تحتلها".
هناك إذن تنسيق قبلي ما دامت كل المعارف حتى المجهولة في لحظة زمنية محددة لها محلها في النسق العام للمعرفة، فكل المعارف والعلوم إذن، تسعى إلى التجاذب والتناسق، يقول فونتنيل في سياق حديثه عن المذكرات العلمية لأكاديمية العلوم: "سيأتي الوقت الذي تتجمع فيه كل هذه الأجزاء المتناثرة في جسم واحد متناسق، وإذا كان الأمر كما نريد فستتجمع بذاتها، إذ بمجرد أن تصبح هذه الحقائق المتفرقة أكثر عددا، ستقدم نفسها إلى العقل كعلاقات، وارتباطات متبادلة، بحيث يظهر أنها بعد أن تفرقت تحاول بشكل طبيعي أن تتجمع".
إن تطور المعرفة عند فونتنيل يشبه تطور الكائنات الحية، فليست هناك أزمات، أو تحولات مفاجئة، بل هناك: "نظام يوجه تقدمنا، فكل معرفة لا تنمو إلا بعد نمو مجموع المعارف السابقة عليها، وعندما يحين دورها فإنها تتفتح".
هذا التقدم العلمي الذي يتحدث عنه فونتنيل هو ما سيحاول أوكست كونط (1798-1857) أن يؤسسه على قانون عام، يفترض أن تطور الفكر البشري، وكذا تطور المعارف عبر الزمن، عرف مراحل ثلاث:
ـ المرحلة اللاهوتية.
ـ المرحلة الميتافيزيقية.
ـ المرحلة الوضعية.
وتعتبر هذه المرحلة الأخيرة هي آخر ما وصل إليه الفكر البشري في تطوره، أما المرحلتان اللاهوتية والميتافيزيقية فهما مرحلتان انتقاليتان فقط، تم تجاوزهما، أو هما في طريق الزوال. ويرى كونط أن تاريخ العلوم لم يكن من الممكن ظهوره في المرحلتين الأوليتين، لأن هذا المبحث لا يمكن أن يتأسس إلا عندما يصل الفكر إلى المرحلة الوضعية، يقول أوكست كونط في الرسالة التي بعث بها سنة 1832م إلى المؤرخ كيزو Guizot، والذي كان آنذاك وزيرا للتعليم، يطالبه فيها بإنشاء كرسي لتاريخ العلوم بكوليج فرنسا: "ففي زماننا هذا فقط، يمكن وضع كرسي كهذا بشكل مرض، ما دام أنه قبل قرننا هذا لم تحصل مختلف الفروع الأساسية للفلسفة الطبيعية على خصائصها النهائية، ولم تظهر العلاقات التي تربطها بشكل ضروري، ففي هذه الحالة للفكر فقط يمكن للعلم البشري، بما يتميز به من روح وضعية أن يظهر بشكل موحد، وبالتالي يمكن تصور تاريخه كشيء ممكن".
أوكست كونط إذن، واع بضرورة تأسيس هذا المبحث الجديد الذي يلائم البنية الإبستمولوجية للمعرفة والعلم في عصره، بل أكثر من ذلك، يطالب بإدخال مادة تاريخ العلوم في البرامج التعليمية الفرنسية؛ وتنسجم هذه الدعوة لإدخال تاريخ العلوم في البرامج التعليمية تماما مع النسق الفكري العام لأوكست كونط، الذي يعتبر أن الفلسفة ينبغي أن تتجاوز التأمل الميتافيزيقي بمعناه القديم، لتعمد إلى دراسة طرق ومناهج العلوم وتحليلها بقصد إقرار الفكر العلمي، وترسيخ الروح الوضعية، وذلك أنه بدون تحقيق هذا المطلب سوف يتعذر مشروع إصلاح المجتمع؛ يقول أوكست كونط: "لا يمكننا أن ندرس طبيعة العقل البشري، وأن نحدد قواعد لعملياته بشكل قبلي، بل بشكل بعدي فقط، أي انطلاقا من نتائجه، ومن ملاحظاتنا على موضوعاته التي هي العلوم. إننا لا يمكن أن نصل إلى قواعد يقينية مجدية حول الطريقة التي نقود بها عقلنا إلا بملاحظات دقيقة حول الكيفية التي يعمل بها العقل في كل علم، حول مختلف الطرق التي يتبعها للوصول إلى الاكتشافات، وفي كلمة واحدة حول المناهج".
انطلاقا من كل هذا إذن، سيدعو أوكست كونط إلى ضرورة الاهتمام بتاريخ العلوم، بل سيقرر أنه لا يمكن أن نعرف علما من العلوم على حقيقته إلا إذا عرفنا تاريخه، يقول كونت في الدرس الثاني من دروس الفلسفة الوضعية: "نحن مقتنعون اقتناعا راسخا أن معرفة تاريخ العلوم هو ذو أهمية قصوى، بل أعتقد أننا لا نعرف علما من العلوم بشكل تام ما لم نعرف تاريخه".
وقد ميز كونط بين كريقتين للتأريخ للعلوم أو نظامين للعرض: الطريقة الأولى يسميها طريقة العرض التاريخي للعلوم، أو النظام التاريخي للعرض، وهناك الطريقة الثانية التي يسميها النظام الدوكماتيقي للعرض.. بالنسبة للطريقة الأولى يتم بمقتضاها عرض المعارف تباعا، حسب النظام الفعلي الذي اتخذه الفكر البشري لتحصيلها، أما الطريقة الثانية فتقوم على نوع من التنسيق، والتنظيم يقوم به فكر حائز على جميع المؤهلات النظرية، التي تمكنه من تصور التسلسل العام للمعارف البشرية في نسق واحد، بحيث يمكن إعادة بناء العلم في كليته. ويعتبر كونط أن الطريقة التاريخية غالبا ما تلائم العلوم الناشئة أو العلوم التي لم تصل بعد إلى مرحلة النضج، بينما تلائم الطريقة الدوكماتيقية المراحل التي يكون فيها العلم متطورا، يقول كونط: "إن الاتجاه الثابت للعقل البشري فيما يتعلق بعرض المعارف هو استبدال النظام التاريخي بالنظام الدوكماتيقي –أكثر فأكثر-وذلك لأن هذا هو ما يوافق الوضعية المتطورة لفكرنا".
من خلال هذا النص يظهر أن تاريخ العلوم في المرحلة الوضعية يعتمد الطريقة الدوكماتيقية، لكونها تسمح بإعادة سبك كل المعارف السابقة في نسق عام، مبني على القواعد المنطقية للفكر البشري، وعلى القانون العام لتطوره، إلا أن الأمر ليس بهذا التحديد، كما سيبين كونط، فالطريقة التي تعرض بها العلوم ينبغي أن تكون تركيبا بين الطريقتين التاريخية والدوكماتيقية: "لا بد أن نضيف حتى نتجنب كل مبالغة، أن أي نمط حقيقي للعرض هو بالضرورة تركيب بين النظام الدوكماتيقي والنظام التاريخي، وهذا التركيب ينبغي أن يهيمن فيه باستمرار، وشيئا فشيئا النظام الأول".
يتصور كونط، إذن، تاريخ العلوم كبناء لا بد أن يراعى فيه قبل كل شيء التسلسل المنطقي للمعارف، وعرضها بشكل نسقي وفق قواعد محددة، وذلك لأن الاكتفاء بطريقة العرض التاريخية سيدفع العقل إلى الدخول في تفاصيل وجزئيات لا حصر لها، ويهمل بالتالي المسار الحقيقي للفكر البشري: "فما يسمى بالنظام التاريخي للعرض، حتى إذا أمكن تتبعه بشكل دقيق فيما يخص جزئيات كل علم على حدة، يبقى افتراضيا ومجردا.. لكونه يعتبر العلم كما لو كان معزولا، فبدل إبراز التاريخ الحقيقي سيتجه إلى إبراز رأي خاطئ جدا".
فطريقة العرض التاريخية تفتقر إذن، إلى الشمولية في تصورها لتطور المعارف، مما يؤدي بها في الأخير إلى نتائج مجردة وبعيدة عن التاريخ العقلي للعلوم، الذي ينظر إلى الوقائع العلمية في إطار الوحدة الأصلية للمعرفة البشرية، وفي إطار التأثير المتبادل للعلوم والصنائع فيما بينها، بل وفي إطار تاريخ البشرية ككل، يقول كونط: ".. لكن باعتبار تطور العقل في عموميته، سنرى أكثر من ذلك أن مختلف العلوم قد تقدمت فعليا في نفس الوقت، وفي ترابط فيما بينها. إن تقدم العلوم والصنائع قد تم في ارتباط بعضها بالبعض الآخر عن طريق تأثيرات متبادلة لا حصر لها، وأخيرا إنها جميعا ارتبطت ارتباطا وثيقا بالتطور العام للمجتمع البشري.. ونستنتج من هذا أنه لا يمكن أن نعرف التاريخ الحقيقي لكل علم، أي الشكل الحقيقي للاكتشافات التي يتكون منها إلا بدراسة تاريخ البشرية بشكل عام، ولهذا السبب، فكل الوثائق المحصل عليها حتى اليوم حول تاريخ الرياضيات والفلك والطب، مهما كانت قيمتها لا يمكن اعتبارها إلا كأدوات".
يتبين، إذن، من كل هذا أن مبحث تاريخ العلوم عند كل من بيكون وفونتنيل، وخصوصا أوكست كونط، قد ارتبط في بدايته الأولى بأغراض إيديولوجية وبيداغوجية، تقوم على أساس أن العلم أصبح يشكل العمود الفقري للحضارة الإنسانية، وأنه سيمكن الإنسان من تجديد قوة الجنس البشري، ويوسع من سيطرته على الطبيعة، وأنه الوسيلة الحقيقية التي ستعمل على تقدم الفكر والمجتمع البشريين.. من هنا سيهتم الفلاسفة والمفكرون بتاريخ العلوم، وسيتسحضرونه في تصانيفهم موضوع قائم بذاته ومستقل عن أية اعتبارات خارجة عنه.. بل ارتبط كما رأينا بفكرة مجتمع إنساني يتوق إلى التقدم، ويرى في هذا العلم الجديد الذي ظهر في القرن السابع عشر الأداة التي ستمكنه من تحقيق ما يتوق إليه..
2 – التوظيف الفلسفي لتاريخ العلوم:
بينا سابقا كيف أن الفلسفة كانت تستند دوما على علوم عصرها لتستوحي منها قضاياها ومبادئها، هذا الاستيحاء كان ضمنيا مرة، وصريحا مرة أخرى، والأمثلة على ذلك متعددة في تاريخ الفلسفة، ويكفي أن نذكر نموذج فيتاغوراس أو أفلاطون أو أرسطو أو ديكارت أو كنط.. وفي العصر الحديث يمكن أن نذكر على سبيل المثال، ليون برنشفيك وكاستون باشلار.
فبنشفيك يمثل بالنسبة للفلسفة الفرنسية في بدايات القرن العشرين نموذجا متميزا، إذ رغم اهتمامه بقضايا ميتافيزيقية ودينية فرضها الجدال الفكري الذي احتدم بينه وبين فلاسفة استوحوا موضوعاتهم من تاريخ متجاوز للفكر، يعد من أكبر الممثلين للنزعة العقلية الجديدة التي كانت تسعى إلى إحياء القيم العقلية الكلاسيكية للقرنين السابع والثامن عشر: لقد انطلق برنشفيك من اعتبار أن مهمة الفلسفة تتمثل أساسا في التعرف على حقيقة أساسية، هي حقيقة الفكر البشري، وتحديد طبيعة نشاطه لا الفكر في معناه المجرد، بل في علاقته بالتجربة، لأنه لا يمكن تصور النشاط الخلاق للفكر إلا إذا توفرت له معطيات التجربة.
إن تفكير برينشفيك هنا شبيه بما يذهب إليه كنط، إلا أنه إذا كان ينطلق من نفس أطروحات هذا الأخير، فإنه يختلف عنه في كونه لا يرمي إلى استنباط مبادئ تركيبية أو مقولات تامة ونهائية.. بل إن ما يعيبه على كنط وأتباعه بالذات، هو محاولته حصر الديناميكية الخلاقة والحية للفكر في نسق من القوالب المعرفية المطلقة والجامدة.
إن معرفة الفكر البشري تقتضي حسب برنشفيك تجاوز الروح النسقية التي طغت على أنظمة التفكير سواء في العصر الكلاسيكي أو في العصور الحديثة، ورصد نشاط العقل من خلال التأمل في نتاجاته المتتالية عبر الزمن، وذلك أن كل مرحلة من مراحل تقدمه هي مناسبة له للوعي بقوته الخلاقة. ولكي يوضح برنشفيك ذلك لجأ إلى وصف عمليات الفكر التي سمحت له بإنجاز بناءاته في مجال العلوم وغيرها.. وذلك من خلال تتبع مساره في حقول الرياضيات والفيزياء والفلسفة.. حيث يتجلى الفكر وهو يعمل على صياغة الواقع المعطى ليحوله من واقع خام، غفل، إلى واقع عقلي من جهة، ومن جهة أخرى على إعادة النظر في ذاته ليطور أدواته وأطره ويدققها، فالفكر عند برنشفيك ليس هو ذلك العقل الميرسوني المطابق لذاته عبر الزمن، بل هو فكر متجدد باستمرار، يظهر بشكل جديد في كل إنجاز من إنجازاته، إنه لا يتقدم العلوم ليقودها، بل يقتفي آثار العلوم في تقدمها ويستفيد من تطورها..
إن هذا التقدم للفكر أو الوعي هو ما سيؤرخ له برينشفيك من خلال عرضه للمراحل التي عرفتها علوم كالرياضيات والفيزياء والفلسفة، والتي هي في حقيقتها تجليات لدينامية الفكر وتقدمه في مسيرته الإبداعية الخلاقة، يقول برينشفيك: "إن نشاط الفكر عندما يعي ذاته، هذه هي الدراسة الكاملة للمعرفة الكاملة، وهذه هي الفلسفة".
واضح إذن، أن تاريخ العلوم يعتبر مبدأ أساسيا من المبادئ التي تحدد طبيعة الفلسفة عند برينشفيك، ووسيلة ضرورية للتعرف على الفكر الذي يصوغها من خلال جدليته الخلاقة..
انطلاقا من هذا الاعتبار، سيعمد برينشفيك للتأريخ للعلوم خصوصا في كتابيه الأساسيين: مراحل الفلسفة الرياضية، والتجربة الإنسانية والسببية الفيزيائية. فهل يعني هذا أنه كان مؤرخا حقا؟
لقد ظهر مثل هذا الاعتقاد، خصوصا بعد صدور كتابه: مراحل الفلسفة الرياضية إلا أنه لم يقبل أن يصنف من بين مؤرخي العلم، ولم يكن يطمح إلى أن يكون كذلك أبدا، يقول برينشفيك: "هناك سوء تفاهم حصل بصدد كتاب "مراحل الفلسفة الرياضية"، أثار تعجبنا، ونريد أن ننبه إليه، وذلك أننا بعد أن اقترحنا ربط كل النظريات الفلسفية الكبرى بالأسس التي يقدمها لها تقدم العلم عبر تتابعه الكرنلوجي، حدث أن تم تصنيفنا، وبحسن نية، من بين مؤرخي الرياضيات. ونعتقد أن هناك من الأسباب ما يجعلنا نرفض مثل هذا الشرف، ونرى أن من واجبنا التنبيه إلى أنه لا ينبغي أن ينتظر –من عملنا- أي شيء يتعلق مباشرة بالتاريخ بمعناه الحقيقي، أو بمحتوى العلوم الفيزيائية، فنحن لا نستهدف معرفة طبيعة الأشياء، بل معرفة طبيعة الفكر الإنساني".
واضح إذن، أن برينشفيك، انطلاقا من تصوره لما ينبغي أن تكون عليه مهمة الفلسفة، يوظف تاريخ العلوم لأغراض لا تستهدف تاريخ العلوم لذاته، بل لأغراض أخرى صريحة، تتجلى أساسا في تتبع الفكر في نشاطه الدائب الساعي إلى الحقيقة؛ وكما يقول: "ليس على الفلسفة أن تخترع حلا لمشكلة الحقيقة، بل عليها فقط أن تكتشف كيف حلت الإنسانية هذه المشكلة فعليا، ومن وجهة النظر هذه ليس هناك وسيلة للعمل أفضل من بحث كامل –بما فيه الكفاية- حول ماضي العلم.. وذلك ببذل الجهد في تتبع تسلسل الأفكار من خلال التأثير المتبادل للأبحاث التقنية والرؤى الفلسفية. كما أن نظريات العلماء حول مبادئ العلم تظهر بشكل طبيعي كعناصر أساسية في هذا البحث، فهي تنير الطرق الأساسية التي قد تبقى ثاوية في الإنتاج التلقائي اللاواعي، لكن بفضل تحليل الوظائف السيكوسوسيولوجية التي أنتجت الرياضيات، يمكن أن نعيد لها القاعدة التي بدونها ستبقى تأملات في الفراغ، أو على الأقل تأملات مجردة.
وباختصار، فإن أصالة المرحلة الجديدة التي نحاول أن نحدد خصائصها تكمن في أن الفلسفة الرياضية لم تعد تهدف إلى إضافة نسق فلسفي آخر إلى الأنساق التي اتخذت مكانها في التاريخ، بل ترجع إلى التاريخ ذاته، لتبحث عن التقارب والتناسق بين النتائج التي تم الحصول عليها في مختلف المراحل، وتسجيلها كعلامات إيجابية للموضوعات".
هناك إذن حقيقة موضوعية تتشكل عبر الزمن، ويشارك علماء ومفكرو العصور المختلفة في صياغتها، وما على الفيلسوف إلا أن يرصد هذه الحقيقة، ويكشف عن تجلياتها المتعددة واللامتناهية بواسطة التأمل في إبداعات الفكر وإنتاجاته، مستهدفا من ذلك على الخصوص، التمييز بين قيم إيجابية، هي عبارة عن قيم مطابقة وملائمة لعصرها، ولها قيمة فلسفية حقيقية، وبين قيم أخرى يسميها برينشفيك قيما بالية، هي بمثابة بقايا أو أحكام مسبقة تقفز على الزمن وتظهر في زمان غير زمانها؛ ويتحدد عمل الفيلسوف أساسا في إبراز سلبيتها وعدم مطابقتها للعصر الذي ظهرت فيه.. من هنا يتضح أن اهتمام الفيلسوف بتاريخ العلوم له مغزى محدد: فهو لا يستهدف من ذلك إعادة تاريخ العلم الماضي كما هو، بل ينظر إليه بعين علم الحاضر، وذلك ليميز فيه بين ما يساهم في تحقيق نموذج الحقيقة الموضوعية، وبين ما يمثل آراء وقيما زائفة ينبغي نقدها وتجاوزها.
3 – التوظيف الإبستمولوجي لتاريخ العلوم:
يقرر باشلار كذلك، من خلال حديثه عن تاريخ العلوم، لأنه لا يريد أن يؤرخ للعلوم بالمعنى الاحترافي فالتأريخ الذي يستهدف إعادة إنتاج مرحلة محددة من تاريخ العلم، وإعادة صياغتها في حقيقتها الفعلية لم يكن من القضايا التي اهتم بها باشلار، بل يمكن القول إنه لم يكن مؤرخا بالمعنى الحقيقي للكلمة، ففي جل كتاباته لم يحاول أن يؤرخ بالشكل الذي نجده عند مؤرخين محترفين معاصرين له أمثال بول تانري ودوهيم أو ألكسندر كوبري مثلا.. بل إنه حتى عندما كان يعرض لبعض القضايا التي كانت تشغل مؤرخي العلوم كان يمر عليها بشكل عرضي وسطحي، فخلال تعرضه، مثلا، لمسألة تحقيب الفترات أو المراحل الأساسية التي عرفها العلم في تطوره نجده يلجأ إلى تحقيبات عامة، يقول باشلار في كتابه العقلانية التطبيقية: "نعتقد أنه انطلاقا من اعتبار الثورات العلمية المعاصرة، يمكننا الحديث –على منوال الفلسفة الكونطية- عن مرحلة رابعة (في تاريخ العلوم)، فالمراحل الثلاث الأولى تطابق العصر القديم والعصر الوسيط والعصور الحديثة، بينما تطابق المرحلة الرابعة عصرنا هذا".
ويعطي تحقيبا مخالفا في كتابه "تكوين الفكر العلمي": "..لكن إذا اضطررنا لرسم محطات تاريخية كبرى لمختلف أعمار الفكر العلمي، فإننا بالتأكيد سوف نميز بين ثلاث مراحل كبرى:
ـ المرحلة الأولى تمثل المرحلة الما قبل-علمية، وتشتمل في آن واحد على الأزمنة القديمة وعصر النهضة والجهود المستجدة في القرن السادس عشر والسابع عشر وحتى في القرن الثامن عشر.
ـ وتمثل المرحلة الثانية، الحالة العلمية التي بدأت في أواخر القرن الثامن عشر وشملت القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين. وفي المقام الثالث سيتحدد بدقة تامة عصر الفكر العلمي الجديد ابتداء من عام 1905، حين بدأت نظرية آينشتين".
واضح إذن، أن باشلار لا يولي مسألة التحقيب أهمية كبرى، مما يبين –بالتالي- أن التأريخ للتطورات التي عرفتها العلوم عبر تاريخها لم يكن من الأولويات في مشروعه الإبستمولوجي العام. ورغم ذلك فقد حاول في بعض مؤلفاته التأريخ لبعض النظريات الخاصة كنظرية الانتشار الحراري في الأجسام الصلبة، ونظرية العناصر في الكيمياء، ونظرية الضوء، والنظريات الذرية كما حاول أن ينظر لتاريخ العلوم، رغم أن المناسبات التي تعرض فيها لهذا الموضوع كانت نادرة جدا..
وأعتقد أنه لا يمكن أن نفهم تصور باشلار لتاريخ العلوم، إلا انطلاقا من مشروعه الإبستمولوجي، الذي يستهدف أساسا إبراز القيم الحقيقية للفكر العلمي المعاصر، وذلك بناء على فكرة تقدم العلم والفكر معا. إن باشلار، الذي انطلاق من نفس الأرضية النظرية التي انطلق منها برينشفيك قبله، سيعمل على إبراز القيم المعرفية التي ساهمت في تجاوز التصورات المطلقة في الفلسفة العقلانية الكلاسيكية، فالعقل الذي اعتبر منذ ديكارت وكنط وإلى هاملان Hamelin (1907-1856) ورونوفييه Renouvier (1815-1903) كمجموعة من القوالب والمقولات التي تؤسس العقل والتجربة، انخرط في الديمومة والتاريخ وأصبح قابلا للتغيير والتطور بمقتضى التطورات والتحولات التي طرأت على العلوم، ذلك أن علاقة العقل بالعلم والمعرفة هي علاقة طالب علم بمعلمه، فهو ينقاد له ويتعلم منه، كما يقول باشلار: "فعلى العقل أن يخضع لشروط المعرفة، عليه أن يخلق في ذاته بنية مطابقة لبنية المعرفة".
من هنا يصبح من الضروري أن يتطور الفكر ويتقدم، وتصبح الفكرة القائلة بفكر مطلق وبمقولات عقلية ثابتة يمكن استنباطها خارج الزمن، مجرد فكرة بالية ومتجاوزة حسب باشلار.
إن تصور باشلار هذا للفكر العلمي، سيكون له تأثير قوي على مفهومه لتاريخ العلوم، وهكذا عندما يتحدث عن واقع هذا المبحث فإنه يختزله في أسلوبين أو نمطين من التأريخ:
ـ تأريخ يستهدف إثبات الوقائع العلمية في الديمومة اعتمادا على تحليل الوثائق العلمية ونقدها.. حيث يقتصر مؤرخ العلم على وصف هذه الوقائع العلمية وإثبات انتمائها إلى زمان ومكان محددين..
ـ في مقابل هذا يتبنى باشلار نوعا آخر من التأريخ يمكن أن نسميه تاريخا إبستمولوجيا، فإذا كان مؤرخ العلوم ينظر إلى الأفكار كما لو كانت وقائع، فإن الإبستمولوجي يعتبر الوقائع العلمية كما لو كانت أفكارا، فإذا كان النوع الأول من التاريخي يسعى إلى تحقيق نوع من الموضوعية بإبعاده لكل الاعتبارات الذاتية والاكتفاء بوصف الظواهر فإن تاريخ العلوم، بالمعنى الباشلاري، له وضع خاص، يقول باشلار: "في تعارض تام مع التعليمات التي تطالب العقل بالابتعاد عن الحكم، ينبغي أن نطلب من مؤرخ العلوم، على العكس من ذلك، إصدار أحكام قيمة"، وذلك لأن الباحث الإبستمولوجي محكوم عليه أن يقيم الوثائق والإنجازات العلمية من وجهة الفكر العلمي الجديد. إن هذه التاريخ الوصفي الذي يدعي الابتعاد عن التقييم هو في حقيقته تاريخ ذاتي قيمي، فهو يعمد إلى وصف الصراعات والمصاعب التي تجشمها علماء ومفكرون أفذاذ –كبرونو وكاليليو وغيرهما.. – ضد مواطنيهم، ويبرز ما لاقاه هؤلاء العلماء من قهر وقمع اجتماعيين، مبينا في مقابل ذلك سعادتهم الروحية، ونجاحهم في تسجيل أسمائهم من بين الخالدين… يذكر باشلار هذا الأسلوب من التأريخ كما لو كان يمثل تاريخ العلوم الرائج في عصره، ليضع في مقابله تأريخا للعلوم يقوم، أساسا، على التقييم والتمييز بين النظريات العلمية لغرض إبراز القيم الإبستيمولوجية الراهنة للعلم، وكما يقول: "تحدد وجهة النظر الحديثة –في العلم- بعدا جديدا لتاريخ العلوم، بعدا يطرح مشكلة الفعالية الراهنة لهذا التأريخ للعلوم في الثقافة العلمية".
إن من شأن ارتكاز تاريخ العلوم على النتائج الراهنة للعلوم أن يدفع المؤرخ إلى الارتداد إلى ماضي العلم لاسترجاعه لا كما هو في ذاته، بل كما يظهر له من خلال مقارنته بالعلم الراهن، إن استرجاع العلم القديم، إذن، لا يستهدف استرداد الوقائع العلمية في ذاتها، بل رصد القيم العلمية الجديدة، وبيان كيف ساهمت في إعادة تنظيم المعارف والعلوم، وكيف حددت أطر الفكر وقوالبه، وأعادت صياغتها صياغة مختلفة ومتميزة.
تاريخ العلوم إذن، كما يفهمه باشلار يفترض أساسا معرفة المؤرخ بالقيم العقلية المهيمنة والفاعلة في الفكر العلمي المعاصر، مع اعتبار أن ما هو علمي وراهن اليوم سيصبح متجاوزا بعد ذلك.. وهذا يستتبع أن عملية التأريخ للعلوم هي في حقيقتها عملية مستمرة ولا متناهية..
ليس معنى هذا أن باشلار ينتهي في تحليلاته إلى نوع من النسبية المطلقة، أو قل نوعا من الشك، يفترض أن كل حقيقة هي مؤقتة ومتغيرة عبر الزمن، وبالتالي قد لا توجد حقيقة أصلا، بل، على العكس من ذلك، يرى أن هناك حقائق تندرج بصفة نهائية في الحصيلة الموضوعية للفكر البشري، حقائق من شأنها أن تساهم في زيادة وتراكم المعرفة العلمية وتقدمها، لذا فعندما يتحدث باشلار عن تاريخ العلوم فهو يميز بين نوعين من التاريخ:
أ – تاريخ بال أو متجاوز: ويشتمل على كل النظريات والمفاهيم، أو القيم العلمية التي لم تعد لها سوى قيمة تاريخية؛ هذا التاريخ البالي –كما يرى باشلار- لم يعد إجرائيا في إطار العلم الراهن، ولا يعني هذا أنه ينبغي إهماله بشكل مطلق، بل يمكن لمؤرخ العلوم أن يرجع إليه فقط، إذا كان يريد إبراز المشكلات والقيم والعوائق الإبستيمولوجية التي عرفها العلم السابق، فدوره يقتصر إذن في كونه يشكل مختبرا يسمح للإبستمولوجي بتأسيس ممارسة تحليل-نفسية للمعرفة العلمية.
ب – التاريخ الحي أو الفعال: ويشتمل على كل القيم التي لا زالت تساهم في تشكل الحقيقة العلمية، وذلك أن العلم في تاريخيته لا يبرز الأخطاء والقيم البالية فقط، بل يبرز، كذلك، قيما تساهم في الاقتراب أكثر فأكثر من الحقيقة العلمية؛ من هنا يبقى جانب من تاريخ العلوم حيا وفعالا، تتجلى من خلاله قيم لا تخضع للتغيير والاندثار، بل تندمج في تركيبات معرفية أعلى وتنتظم فيها.
واضح، إذن، من خلال تحليلنا لمفهوم تاريخ العلوم، ليس فقط عند كاستون باشلار، بل كذلك عند بيكون، وفونتنيل، وكونط، وبرنشفيك، أن هذا المبحث ارتبط في كل هذه الحالات بتوجهات خارجة عنه، وقام على خلفيات ومقاصد تتجاوزه، ووظف لأهداف ومرامي إيديولوجية أو فلسفية أو إبستمولوجية أكثر مما درس لذاته .
 

المعارف النظرية والعلمية والتطبيقية في المجال التربوي- غاستون ميالاريه


ترجمة: نور الدين البودلالي
خلال النصف الثاني من هذا القرن العشرين، تغيرت عقليات المدرسين والتلاميذ والآباء، وتغيرت آمال المجتمع وعلاقات المدرسة بعالم الشغل. ولم يعد بمقدور المدرسة أن تشتغل بنفس طريقة اشتغالها عند بداية القرن: لذلك أصبح من الضروري ابتكار مرامي جديدة، وأنماط فعل جديدة، وطرق جديدة في التربية دون أن يعني هذا إقصاء منهجيا للأشكال القديمة القابلة للاستعمال... ولا يمكننا اليوم، بأي حال من الأحوال، أن ننكر أو نتجاهل ما يقدمه كل من العلم المعاصر والتطبيقات التربوية والبحث العلمي في المجال التربوي من إسهامات.
مقدمة: الوضعية الخاصة للتربية  :

المنبع الأول له صلة بشكل التفكير الفلسفي والتاريخي الخاص بالمرامي والأهداف التربوية. منبع ضروري وذو أهمية قصوى، ولهذا يعرف حاليا تجددا ملفتا للنظر ببعض الدول الناطقة باللغة الفرنسية.
بينما يتصل المنبع الثاني بالوضعية الحالية التي تولدت عن وجود مجموع وسائل الاتصال (صحف، مذياع، تلفاز، بنوك المعلومات وغيرها…) وعن وجود المنظمات العالمية الكبرى (اليونسكو على الخصوص)، التي قامت بتجميع ومراكمة عدد هائل من المعلومات المرتبطة بمجموع القضايا التربوية المطروحة على المستوى العالمي. وتشكل إمكانيات الطبع والنشر الحديثة عنصرا جديدا في بناء هذه المعرفة الوثائقية، التي سنعود إليها بالتحليل خلال هذه الدراسة.
أما المعرفة التي تتأسس انطلاقا من الـ"تجربة اليومية" للمربي أو، باصطلاح أكثر علمية (وأكثر حذلقة)، المعرفة ذات طابع النهج العلمي (praxéologique) فتشكل المنبع الثالث المتميز بغناه. لكن، وللأسف، غالبا ما تضيع "تجربة" المدرسين هذه دون الاستفادة منها، لكونها تظل مرتبطة بالشخص دون أن يطلع عليها أحد. وقد عملت الدول الشرقية على تصحيح هذه الوضعية عن طريق خلق الـ"أكاديميات البيداغوجية"، التي من بين مهامها تجميع، وبناء ونشر المعارف المتأتية عن التطبيق العملي للمدرسين.

أخيرا، يتكون المنبع الرابع من معرفة ذات نمط علمي، نتجت عن البحوث الدارسة للوضعيات التربوية وعما قدمته الدراسات من مساهمات علمية في التاريخ، والبيولوجيا، وعلم النفس، والاقتصاد، وعلم الاجتماع والسياسة… وهي مجالات تقدم فرصة إغناء تفسير وشرح الوضعيات التربوية. إن ظهور وتطور البحث العلمي في التربية (أو حول التربية) يشكلان واقعة جديدة في تاريخ التربية، ويطرحان، في صورة جديدة، مسألة العلاقات الكائنة بين كل من المعارف النظرية، والمعارف العلمية والمعارف الخاصة بالفعل، وكذلك مسألة مساهمة كل واحدة منها.

غايتنا إذن أن نكتفي بفحص الخصائص المميزة للأنماط المعرفية الثلاثة الآتية: معرفة النهج العلمي praxéologique، المعرفة العلمية والمعرفة النظرية، قصد دراسة العلاقات التي توجد -أو من المفروض أن توجد- بينها. ليس الغرض إذن جعل هذه المعارف متقابلة ولا ترتيبها حسب أهميتها، وإنما فقط تحليل الوقائع الحالية. سيؤدي بنا هذا، بطبيعة الحال، إلى دراسة حجم استفادة كل نمط معرفي من الآخر، والنظر فيما ستكون عليه التطورات المرجوة على مستوى التطبيق التربوي اليومي وعلى مستوى تكوين المدرسين.



-التربية-المؤسسة،

-التربية-الفعل،التربية-العملية،

-التربية-المحتوى،

-التربية-المنتوج، التربية-النتائج.

من المؤكد أن العلاقات المتواجدة بين المعارف النظرية، والمعارف العلمية والمعارف التطبيقية، بالنسبة لكل ميدان من هذه الميادين، ليست تماما من نفس الطبيعة. وسنقتصر خلال هذه الدراسة على جانب "التربية-الفعل" وحده.



وعليه فسنحاول خلال هذه الدراسة الإجابة على الأسئلة التالية:

-ما هي مستويات التطبيق، والتربوي منه على الخصوص؟

-كيف تتكون الـ"معرفة التطبيقية" لدى المربي؟

-ما هي مميزات الـ"معرفة العملية" وكيف تنشأ؟

-ما المقصود بالـ"معرفة النظرية" في المجال التربوي؟

-ما هي العلاقات الكائنة بين كل هذه الأشكال المعرفية؟

المعرفة التطبيقية لدى المربي:



كلمة "تطبيق" كلمة جد فضفاضة، تستند إلى أشكال ومستويات جد متنوعة من النشاط الإنساني، مما يستدعي تدقيقها وتمحيص ما نسميه بـ"مستويات" التطبيق.

المستوى الأول الذي سندعوه المستوى الـ" إندفاعي" (إحالة إلى المرحلة الـ"إندفاعية" لفالون)، يكون فيه الفعل استجابة فورية إزاء المؤثرات الداخلية أو الخارجية عن المحيط. فعندما لا يستطيع المدرس التحكم فيما يحدث داخل القسم، فإنه "يقوم بأي تصرف" في محاولة منه للتغلب على الوضعيات المواجهة. في حالات قصوى كهذه، يعجز الفرد على تعليل سبب تصرفه أو استجابته بهذه الطريقة؛ فالاستجابة الـ"إندفاعية" نادرا ما تناسب المثير أو تؤدي إلى حدوث خبرة تعلمية.

في المستوى الثاني يكون التطبيق استجابة تلائم إلى حد ما الواقع الخارجي، ومبنيا إلى حد ما على ما سبق تعلمه، إلا أنه يظل منغلقا على نفسه حتى وإن كان فعالا في استجابته لمتطلبات الوضعية. فالفرد ينشغل بالوضعية وبالحاجة إلى الاستجابة إليها، فيشوب سلوكه نوع من النمطية، والتكرارية. لنا مثال عن الحالة القصوى والشبه مرضية في شخصية شارلي شابلن وقد كلف، في سلسلة عمل بالمعمل، بحزق boulonner الأجزاء التي تمر أمامه (انظر فيلم "الأزمنة الحديثة"). أما على المستوى التعليمي، فلنا مثال في حالة المدرس الذي يلبي متطلبات المؤسسة المدرسية بتدريس نفس المستوى بنفس الطريقة لسنوات عديدة دون أن يحدث أدنى تعديل عليها. قد يحالف بعض النجاح فردا من هذا القبيل لفترة محدودة، دون أن يظهر قدرا من الإبداع. يمكن القول، بلغة متداولة، "إن هذا المدرس ينفذ بأمانة بعض الأوصاف".

أما في المستوى الثالث فليس التطبيق استجابة تلبي متطلبات الوضعية فحسب، بل إنه بالنسبة للفرد، بحث عن الحل -الخلاق بطبيعة الحال- الذي يوافق المشاكل التي تعترضه في واقعه اليومي. إنه، بذلك، مرتبط ارتباطا وثيقا بنوع من النشاط السيكولوجي المكثف من أجل معرفة أو الوقوف على المشاكل المطروحة، وتحليل عناصر الوضعية، والبحث عن حل عوض الاكتفاء بتطبيق الوصفات المعروفة قبل (أو، إن تعلق الأمر بوصفة، القيام بها عن وعي تام وقدرة على تبريرها). من المفروض أن تكون هذه الحالة حالة كل المربين والمكونين داخل أقسامهم وبين مجموعاتهم. فلكل وضعية تربوية مشكلها أو مشاكلها الخاصة، ومن الصعوبة بمكان تخصيص حلول بيداغوجية لكل وضعية تربوية، سواء أكانت هذه الحلول منتظرة أم محددة سلفا: فالبحث المتواصل عن الحلول الأكثر ملاءمة لتجاوز الوضعيات المواجهة هو بالضبط ما يجب على المدرس أو المكون القيام به.



سنعيد النظر في مستويات التطبيق، المشار إليها سابقا، من زاوية مغايرة وذلك لمعرفة الطريقة التي تتكون بها "المعرفة الامبريقية" لدى الممارس.

أ - إن الدراسة الممحصة للمسألة تستوجب استحضار كل ما أنجز من دراسات حول "نظريات الفعل" من قبل مختلف الباحثين. سيتطلب الأمر دراسة مطولة جدا، تبدأ بأرسطو، وتمر بكانط وعقلـ (ـه) الخالص، فماركس وتحليلاته لـ"شروط وجود" المجتمعات، فبولندل Blondel و"نظريتـ (ـه) في الفعل"، وصولا، عبر قفزات كبيرة، إلى علماء الاجتماع المعاصرين من أمثال بورديوه ومفهومه في الـ"حس التطبيقي". في الجانب السيكولوجي لن ننسى مدرسة الاتحاد السوفيتي سابقا (فيجوتسكي، ليونتييف، لوريا)، وجون ديوي من العالم الأنكلوساكسوني، ومن العالم الفرانكفوني أسماء مثل جان بياجيه، إيدوارد كلاباريد، وعلى الخصوص هنري فالون في مؤلفه الأساسي: "من الفعل إلى التفكير".

ب - كل الأفعال تولد معرفة، ما عدا الأفعال الإرادية والحركة النمطية (وفيها نقاش). والمدرس يكتسب ما نسميه "تجربة". والتجربة، كما نعرفها، هي: "مجموع المعلومات، والمعارف connaissance، والمواقف التي اكتسبها الفرد خلال حياته عن طريق الملاحظة التلقائية للواقع ولسلوكاته اليومية، والتي تندمج مجتمعة في الشخصية بشكل تدريجي". باصطلاحات عالمة أكثر سيتحدث بيير بورديوه عن "استدخال الماهو خارجي Une intériorisation de l'extériorité ". عندها نقول إن المدرس قد اكتسب من الأقسام الابتدائية تجربة قائمة على دراية واسعة بها، وذلك في حالة ما إذا كان قد درس بها سنوات طويلة وطبق نشاطا بيداغوجيا من نمط المستوى الثالث أو الثاني.

ومع التقدم في العمر، تنمو، بشكل طبيعي، هذه التجربة المكتسبة"، وتتنوع بتنوع الوضعيات التي خبرها وعاشها الفرد. تجربة تختلف من فرد لآخر وترتبط بشخصيته: إذ يحتاج البعض لوقت قصير، والبعض الآخر لوقت أطول لتكوين "تجربة" خاصة. وفي كل الحالات تظل هذه التجربة شخصية جدا وصعبة -إن لم نقل مستحيلة- النقل.

تعتمد هذه "التجربة المكتسبة" بالأساس على حدس المدرس و"فطنتـ"ـه، دون أن يكون للإجراءات السيكولوجية أو العلمية الخاصة أي تدخل واضح؛ وبتعبير آخر، غالبا ما تكتسب هذه التجربة بطريقة شبه لا شعورية، ولا تمر إلى الآخرين بشكل تلقائي. فعادة ما يعجز الفرد عن تحليل سبب وكيفية حصوله على هذه الطريقة في الفعل أو تلك الطريقة في التفكير. وعلى الرغم من ذلك تترجم هذه الطريقة في سلوك وعادات الفرد وشخصيته ، لتصبح له طبيعة ثانية. غير أن اكتسابها بطريقة لا شعورية يجعل نقاشها يقل بشكل تدريجي، وتقل بذلك مراقبتها الواعية.

نشير من جهة أخرى إلى أن هذه التجربة تكون إما غنية جدا، وإما جامدة تماما وإما خليطا بينهما. فهي غنية إذا حملت المدرس على التفكير فيما يقوم به، وكانت المواجهة بين رغباته، وبين متطلبات الواقع تؤدي إلى جدل ثاقب يدفع إلى التأمل. وهي جامدة إذا ما اعتقد المدرس، دون تمحيص، أن ما يقوم به فعلا حسن لا يتطلب أي تعديل أو تطوير. في هذه الحالة، يجعل التطبيق الممارس، تدريجيا، يقمع تماما بالمحاولات الأولى، فيحول بينه وبين كل أشكال التأمل وأية محاولة للتحسن. وعليه، فإذا كانت الحالة الأولى تعرف التطور والتحسن انطلاقا من تحليل الإخفاقات، يتم في الحالة الثانية إحالة حالات الفشل -خاصة تلك التي يقع فيها التلاميذ- على عوامل خارجية: اكتظاظ القسم، المستوى العقلي للتلاميذ…. فيصبح المدرس سجين ممارسته التطبيقية. نضيف في النهاية أن المدرسين الذين لهم سلطة داخل القسم، ودأبوا على اعتبار أنهم "على صواب دوما"، ينتهون إلى الميل نحو "الانغلاق دون التجربة imperméable à l'expérience"، حسب تعبير ليفي ستراوس.

ج - التكيف مع الوضعية ومع الأفراد ومع الشروط الآنية خاصية كل فعل يستحق حقا صفة التربوي. إننا لا ننكر أبدا عمل نفس الشيء، والوضعيات التربوية لا تتشابه تشابها مطلقا: إذ الزمن يجري بشكل غير متجانس، فيتغير التلاميذ بفعل التقدم في السن، ويتبدل المدرسون. ولقد أخبرنا هيراقليط، منذ زمن بعيد، أننا: "لا نستحم دوما في نفس النهر". إذ ذاك تبرز، في الحالات المثلى، تغيرات "إمبريقية" على التكيف، تغيرات تقع على العمليات التي كانت تبدو للمربي سليمة، كما تقع على ما يجعله يعتقد في السير الأفضل للأمور. حينما تحدث هذه التغييرات عن وعي، فلن يتردد المدرس عن إعلان نيته في البحث عن أحسن السبل لأداء عمله؛ له الحق في هذا ما دام أن هناك مجهودا لتغيير أو تحسين الفعل التربوي. غير أن اصطلاح الـ"بحث" هنا كما هو واضح ينتمي إلى مجال هذه الـ"بحوث الإمبريقية"، التي تشابه طبيعتها الإبيستيمولوجية طبيعة البحوث العلمية التي سنتناولها بالدرس فيما سيأتي؛ إذ يتحدد الهدف الأساسي من "الـبحث الإمبريقي"، في المقام الأول، في تعديل الفعل الذي يمارسه المدرس على التلاميذ، الأمر الذي لن يخلع عنه أهميته بالنسبة للتطور البيداغوجي، ولا القيمة التي يمثلها بالنسبة للتوازن النفسي ووعي الفرد بذاته. وعلى العموم، فما يكون "تجربة" المدرس، في جزء كبير منها، هي نتائج هذه المحاولات، موفقة كانت أم فاشلة، علما أن لهذه "التجربة" ارتباطا وثيقا بحياة المدرس وفعله والظروف التي يختبرها (تلاميذ، مؤسسات، زملاء…). وفي أفضل الحالات، يعطي الاندماج الأحسن لمجموع الشخصية سمات خاصة يمكن التعرف عليها بسهولة وتجيز الحكم دون قيد بـ"أنه(ـها) مدرس(ـة) مجرب(ـة) أو أن له(ـها) تجربة غنية".

د - من الأهمية بمكان الإحاطة بصيغ تشكل هذه "التجربة"، وذلك لقدرة هذه الأنماط على التمييز بين المدرسين ولتوضيح نوعية العلاقات الممكن قيامها بما سنسميه بـ"التجربة العلمية". وبالفعل يمكننا ملاحظة وجود مستويات لتشكل هذه "التجربة"، والتي سنفصل فيها القول أدناه.

من الممكن، في مقاربة أولية، التمييز بين عمليات تأخذ المدرس إلى ثلاث وجهات جد متباينة من حيث النتائج:

-إلى تجربة جامدة Sclérosante؛

-إلى تجربة مغتنية؛

-إلى تجربة من النمط العلمي.

في الحالة الأولى يكون التكيف مع الوضعيات الجديدة منعدما، حيث تحدث الأشياء تماما كما حدثت أول مرة، دون إمكانية تسجيل أي تغيير وإقصاء كلي للتكيف، فيعيد المدرس فعل ما فعله في السابق دون ملل ولا كلل. إن التجربة المهنية -وأيضا المعيشية بكل تأكيد- محصنة بدرع حجري يتقوى بشكل تدريجي، تتزايد معه استحالة حدوث أي تغير أو تكيف، إراديا كان أم مفروضا. في وضعية قريبة من هذه، وهي قليلة نسبيا، يحدث بعض الأفراد أحيانا بعض التغييرات تنفيذا لرغبة تلبي حاجة مرضية في التجديد، دون أي استفادة من التجربة السابقة في بناء التجربة الجديدة. في هذه الحالة أيضا لا تقوم التجربة الحالية بتعديل أو تقويم للتجربة المكتسبة ولا تؤدي، بالتالي، إلى أي تغيير سيكولوجي لدى الفرد.

أما في الحالة الثانية، وهي الأكثر شيوعا لحسن الحظ، فالوعي بأشكال النجاح والفشل، وبالخصائص المتجددة للوضعيات والشركاء (تلاميذ، زملاء، آباء…) يحمل الفرد على أن يسائل تجربته ويطرحها للنقد باستمرار، وأن يصحح ممارسته وأشكال علاقته بالعالم الخارجي. لا يتعلق الأمر هنا بإجراء من النمط الـ"علمي"، وإنما إجراء من نمط فينومينولوجي يعد عاملا من العوامل الأساسية للإثراء النفسي لدى الفرد. في هذه الحالة، غالبا ما نجد مدرسين لا يقفون عند استثمار تجربتهم الحالية فقط، وإنما يعملون على إغنائها بالاستفادة من تجربة الآخرين، إما عبر القراءة وإما عن طريق مشاركتهم في العمليات البيداغوجية التي تعتبر إمكانية تبادل التجارب الشخصية من بين أهدافها. فالتجربة المكتسبة حسب المعنى الأقرب إلى الاصطلاح، تجربة "مغتنية".

في مستوى أعلى، يمكن لهذا التكيف، وهذه التعديلات أن تحدث تبعا لشروط أكثر موضوعية، متمثلة في الاهتمام بالمراقبة الموضوعية للنتائج، أي بالتقييم (حتى وإن ظل هذا التقييم ذا طابع كيفي). وهكذا يعمل المدرس على ملاحظة وتقييم وقياس النتائج الجديدة التي يسجلها مع تلامذته، ومقارنتها بالنتائج السابقة… فلم يعد يكتفي بذاك الشعور الغامض، أو بالاقتناع القائم تقريبا على الحدس، أو بالانطباع؛ بل أصبح يبحث عن سبل جعل أحكامه أحكاما قائمة على أسس أكثر متانة وموضوعية. ليس ضروريا أن يستعمل المدرس، في حالات كثيرة، الـ"أدوات علمية" متخصصة، وإنما يكتفي باستعمال وسائل المراقبة والتقييم التي تدخل في نطاق عمله، بحيث يمكن القول إنه يشق طريقه نحو "تجربة من النمط العلمي". وهذه الطريقة في تحليل النتائج قد تؤدي، في حالات معينة، إلى نوع من التنسيق بين المدرسين للقيام بمقارنات بين مناهجهم وبين النتائج التي يتوصلون إليها. وهنا أيضا يمكن للقاءات التي تتم خلال العمليات البيداغوجية أن تلعب دورا جد إيجابي. على أن من أهم مميزات هذه الـ"تجربة من النمط العلمي"، إمكانية نقلها إلى الآخرين، نظرا لما تبذله من جهد في شرح وتوضيع معاييرها في الحكم، وفي استعمال وسائل تقييم من الممكن تقديمها، ونقلها، تحليلها ومناقشتها.

لنشر أيضا إلى أن تطبيق المدرس للمستوى الثالث من الممارسة البيداغوجية، سيجعل تلامذته يعتادون موقفا علميا قريبا من موقف الدارس، كما سنرى فيما بعد.

على هذا النحو تتشكل "معرفة المنهج العلمي" هذه، متميزة بذلك عن الـ"معرفة العلمية" التي سنقوم بمعالجتها بعد حين. من الملاحظ أن هذه المعرفة، في مجموعها، غير متجانسة سواء على المستوى الفردي أو على مستوى مجموع هيئة التدريس. فمن الصعب القول، عن فرد واحد إن "تجربتـ"ـه من هذا النمط أو ذاك فحسب، بل من البديهي أن تكون تجربتنا الشخصية مزيجا من الأنماط الثلاثة، التي سبق تقديمها موجزة، مع سيطرة كبيرة نسبيا لنمط على الأنماط المتبقية. هنا يبرز سؤال على جانب كبير من الأهمية، لكنه خارج عن نطاق هذا الفصل: كيف يمكن للتكوين الأصلي، وللتكوين المستمر على الخصوص أن يساهم في تغيير بنية "تجربتـ(نا) الشخصية"، وبأية طريقة؟ إنها مسألة أخرى كما يقال.

حول البحث العلمي في المجال التربوي:

إذا كان البحث العلمي آخر مستجدات العقل البيداغوجي، فلقد أسس "معرفة" ذات طبيعة إبيستيمولوجية مغايرة، الأمر الذي سنعمل على توضيحه الآن:















ملاحظات حول الـ"معرفة النظرية" في المجال التربوي:

اصطلاح الـ"نظرية" في المجال التربوي اصطلاح غير واضح بما فيه الكفاية لكونها تنبني على صرح حقائق تنتمي لمستويات تتباين فيما بينها تباينا كليا رغم العلاقات التي تجمعها.



غالبا ما يقارن المربون ممارستهم اليومية بالنصوص الرسمية (التوجيهات الرسمية)، وبالبرامج المقترحة من قبل القانون. فالـ"نظري" هو كل ما يتم اقتراحه، ما يتم فرضه، الشيء الذي يعطي الإحساس بضعف الصلة بين النصوص الوزارية والممارسة اليومية. وكلما ذكر أحد المسؤولين بالتوجيهات الرسمية اعتبره المربي "منظرا".







أشكال العلاقات بين التطبيق، والنظرية، والبحث والتكوين:



أ - إن الـ"معرفة الإمبريقية" بالضرورة معرفة متخصصة وموضعية، في حين أن الـ"معرفة العلمية" تطمح لأن تكون معرفة عامة. والحال أن كل تفسير أو فعل، سواء في علوم التربية أو خلال الممارسة التربوية، لا يقبل أن يكون خاصا فقط، أو عاما، فقط. فمن الضروري أن يمتح تكوين فرد ما من ينبوعي الفردانية والكونية. نفس القول يصدق على تفسير نتائج البحث العلمي: إذ عليها أن تهتدي إلى الجانب المتفرد والجانب المشترك مجتمعين لدى الكثير من مجموعات الأفراد؛ غناها يكمن، بالضبط، في هذه الجدلية الدقيقة التي تربط بين هذين النمطين من المعرفة. لذا نعتقد أن هذين النمطين لا يغتنيان داخل حصون نقائهما وقيمتهما وإنما خلال تواجههما.

ب - ومع ذلك، لا بد من التساؤل بدقة كبيرة عما يمكن للبحوث العلمية في المجال التربوي أن تقدمه من مساعدة لتحسين أداء المربي، وبالتالي، لإغناء الـ"معرفة المتعلقة بالتطبيق العملي"؟ أهمية هذه النقطة تكمن في كونها تبرر جزئيا، وجود علوم التربية.

-الوصف الدقيق والموضوعي لما يجري داخل وضعية تربوية، وإمكانية نقل صادق وأمين لما يجري بالفعل كي يراه المدرس (مواقفه، مواقف تلامذته، مجموع العلاقات، اتصالات…) يشكلان واحدا من العناصر الأساسية التي تسمح بتشكل الوعي لدى كل مربي في حالة ما إذا لم يكن يرغب في العمل كالأعمى في الظلمة. ودون إصدار أي حكم قيمة على التصرفات الملاحظة، بمقدور الباحث أن يساعد المدرس على الوعي. بواقع عاشه دون أن يتمكن من ملاحظته بدقة، لكونه عنصرا من عناصر الوضعية النشيطة. ومفعول المرآة (انظر أعمال فالون حول مرحلة "المرآة" في نمو الطفل مثلا) مفعول مفيد دوما لمعرفة الذات. فكل المكونين يعرفون أهمية التسجيلات المنجزة داخل الأقسام وما ينسج حولها من تعاليق من قبل كل من المدرسين والباحثين مجتمعين.

-كما سبقت الإشارة إليه، من الضروري المرور من الوصف البسيط إلى محاولة ملامسة تفسير لما يقع وفهم أسباب الفعل التربوي، ودينامية الوضعية، وبروز التناقضات، والصعوبات أو التسهيلات، وكذا فهم أسباب عدم تحقق الأهداف المتوخاة. هكذا يمكننا، بطبيعة الحال، المساهمة في تحسين أداء المدرس بالانطلاق من نشاطه الخاص. كما يمكن للباحث وللمدرس على حد السواء القيام، من جهة أخرى، بمقارنة الوضعيات مقارنة موضوعية والوصول إلى نوع من التعميم، انطلاقا من التحديد الموضوعي لمتغيرات الوضعية وللمؤشرات المرتبطة بها التي تسمح بوصفها.

-من الانعكاسات المباشرة لهذا الإجراء البحث عن تفسير السلوكات وفق تصور أكثر شمولية والانتهاء إلى منح الوضعية معنى جديدا (مثلا إدخال عناصر تاريخية أو سياسية أو إثنولوجية مرتبطة بالوضعية). من شأن هذا إعادة طرح مشكل المرامي الدقيقة والمحددة ورسم الحدود التي لا تحتاج بعدها إلى تعديل. فالتعارض بين ما يخططه المربي من مشاريع، وبين تحقيق فعله التربوي المتوخى، وبين ما يحققه التلميذ من نتائج، قد يبيح التساؤل من جديد حول بعض المرامي والأهداف المرجوة سواء من طرف المعلم، أو من طرف التعليمات الرسمية.

-الوصف الموضوعي الذي يرافق البحث عن الدلائل والمؤثرات المناسبة التي تسمح بهذا الوصف، والاهتمام بتقديم تفسير موضوعي يشكلان عونا واضحا ومثمرا لتقييم الوضعية التربوية بشكل أكثر دقة. فعلاوة على ما يعرفه التقييم من مشاكل في الوقت الحاضر، يعتبر التقييم "الإجمالي" القديم متجاوزا بشكل كبير، ومن الضروري البحث عن أشكال جديدة لكل تقييم يتغيى الموضوعية والسداد.

-بحوث من هذا القبيل تعتبر ضرورية خاصة إذا تعلق الأمر بمسألة نقل المعرفة البيداغوجية، ومن ثمة، بمشكلة تكوين المدرسين. ففي الوقت الراهن لا يمكن أن ينحصر تكوين المدرسين على الخطب الفضفاضة حول الوظيفة التربوية أو على تقديم المناهج والتقنيات والإجراءات المتعامل بها. إذا أردنا أن يكون مربي الغد، بالفعل، فردا قادرا على أن يفكر في عمله وفق طرحات جديدة، فمن الضروري تعويده على تحليل الفعل الذي يقوم به بغرض تجاوزه بشكل مستمر، والسماح له بإيجاد حلول تتجدد بتجدد المشاكل التي تعترضه -وستعترضه مستقبلا-



أ - واضح أن نشاطا من النمط الأول لن يجد له امتدادا في أي من المستويات الثلاث التي نريد تقصيها. فالنشاط لا يخضع لأية سلطة ولا يسمح بأية عودة إليه. استخدام النشاط الفكري منعدم، والتجربة الشخصية للفرد لا تغتني، ولا تضيف أية خبرة. وبين الفعل السابق والفعل اللاحق يتقدم الفرد في السن دون أن يغني تجربته.

ب - تتغير الوضعية تماما حالما يتعلق الأمر بالنمط الثاني من النشاط. فالفرد يستجيب لمؤثرات الوسط عبر سلسلة من الأفعال والسلوكات والممارسات المكتسبة دون الذهاب بعيدا في البحث عن حل للمشاكل التي تعترضه. إنه فرد مهووس بالتنفيذ الآلي اليومي، وتفكيره موجه كلية إلى ما يقوم به من فعل، وإلى تحسين فعله التربوي حتى وإن لم يكن، في الحالات القصوى، ذا علاقة بالتكيف مع الوضعيات الحقيقية.

-يظل البحث محصورا في مدار الفعل المباشر، فيطبق الفرد، في أحسن الحالات، ما قدم له من وصفات بشكل رائع، لكنه خال من كل أصالة وإبداع.

-يكتسب الفرد شكلا من الممارسة المتكررة، فلا تراوح خبرته منها مكانها، بعد وقت قصير، ستصبح هذه الممارسة ذاتها جزءا من شخصية الفرد، لدرجة اعتبارها معرفة صلبة ويقينية. إنها حالة المدرسين الذين بعد تقديمهم نفس الدروس لسنوات عديدة -مع تفاوت في الدقة- يعتبرون أنهم قد اكتسبوا معرفة واسعة بمواضيع هذه الدروس، والتي لا تماثلها في القيمة أية معرفة نظرية أخرى. إنهم لا يقبلون بتاتا أن يفكر الآخرون عكس ما يتقنونه من معرفة، لأنهم متأكدون أنهم على حق "بناء على تجربتهم". لكل منا معرفة بأساتذة شيوخ يتبجحون بترديد: "عندما تصبح لكم تجربة هذه السنوات العديدة مثلي…"، قولة تصبح حاجزا منيعا أمام كل تطور. يماثله في هذا الإسكافي الذي لا يتقن سوى صنع نوع واحد من الأحذية، دون القدرة على تعديل التصاميم الأولية حتى تساير أشكالا أخرى وأنماطا جديدة؟ وهكذا يصبح الاهتمام متزايدا، بالفعل، بالإجراء عوض المنهج وبالتنفيذ المباشر عوض الرؤية الشاملة وبناء الفعل. فإذا كان المعلم يصحح الأخطاء الإملائية التي يرتكبها التلاميذ، فإنه لا يفكر في طرق تجنب الوقوع فيها من جديد؛ يصحح الأخطاء دون تطبيق أي بيداغوجية ذكية وفعالة في درس الإملاء.

-بإمكاننا أن نضع اليد على ما ينتج عن أي موقف من المواقف من عواقب، سواء تعلق الأمر بالراشدين أم بالأطفال. ففي مستوى أعلى، يرتكز التكوين المهني للمدرسين على تلقين الطلبة-المعلمين وصفات جاهزة وطرق للاشتغال، وكأن النظام التربوي يعيد إنتاج وضعيات لا تتغير لا في المكان ولا في الزمان. فيتحول التكوين البيداغوجي إلى مجموعة "طرق العمل". ويصبح للطلبة-المعلمين قدوة يتشبهون به متمثلا في نموذج "أحسن معلم". أما في مستوى أقل، فيتعرض تكوين التلاميذ لخطر بيداغوجية الوصفات الجاهزة، التي تحول دون تحفيزهم على التفكير، وعلى جعلهم يبحثون بأنفسهم عن سبل حل المشاكل: إنها تحمل معها حلا جاهزا للمشاكل، وهو الميدان المفضل لـ"بيداغوجية التماثل la pédagogie de la convergence"، حيث إننا إزاء بيداغوجية مستوحاة من بيداغوجية هوكسلي A. Huxley القائلة "بالأفضل بين الأقران".

-لا بد من الاعتراف بأن الأوساط المعنية (البيداغوجية والمهنية) لا تتخذ دائما موقفا نقديا تجاه بيداغوجية من هذا القبيل. فتلك الأوساط، ولتمجيدها لـ"التكوين التطبيقي" ترى أن لهذه البيداغوجية الفضل في عدم تعويد التلاميذ والعمال التفكير والتبصر، ومن ثمة طرح الأسئلة. فتكون سعادة المشغلين عارمة إذا اكتفى العمال بالامتثال لما أمروا به، وبتشغيل الآلات التي يعملون عليها تشغيلا سليما‍‍‍‍‍‍‍! إذ الممارسة العملية هي الأهم دون سواها. كم ستكون الحياة العملية سعيدة وهي خالية من طلبات العمال! تحليلنا قد يأخذ هنا، أبعادا اجتماعية-سياسية، لذا نكتفي بهذه الإشارة، مذكرين أن التطبيق العملي لا يتطور في الفراغ وإنما ضمن فضاء إنساني، وتاريخي، واجتماعي، وسياسي يصبغ عليه معناه الكلي.

ج - مسألة العلاقات الكائنة بين التطبيق والنظرية والبحث ستأخذ أبعادها الحقيقية مع الممارسة العملية التي سبق لنا اعتبارها من النمط الثالث. التطبيق هنا لا ينفصل عن التفكير والبحث عن الحلول، وعن التدخل المكثف للنشاط النفسي. كل موقف يبدو وكأنه مشكل يتطلب حلا، مشكل يستوجب حلا يناسبه. إن التطبيق ليس استعمالا آليا ممنهجا للوصفات الجاهزة، بل إنه الاحتفاظ بالذهن في حالة تيقظ مستمر، مما يجعل التطبيق يقترن بالتفكير اقتران الروح بالجسد. وعليه، فالقيام بفعل قصدي هو، قبل كل شيء، إبراز المشكل والعمل على إيجاد الحل المناسب له؛ أما إبراز المشكل فهو تحديده، وتحليل مكوناته المختلفة وأوجهه المتعددة، وتحليل علاقاته بالسياق العام (المحيط). أما العمل على إيجاد الحل المناسب للمشكل فالمقصود منه الاستعمال الأصيل والغير النمطي لخطاطات الفعل المتوفرة قبلا أو المكتسبة خلال تكوين ما، كما يقصد به، بطبيعة الحال، البحث عن خطاطات فعل أخرى الغرض منها الوصول إلى الحل السليم. من الضروري أن تصاحب هذه العملية رؤية نقدية تجعل من كل مرحلة من مراحل حل المشكل وقفة لتقييم مدى ملاءمة الحل المبتكر وفعالية نتائجه. لتوضيح قولنا هذا نقدم، فيما يلي، تعليقا وتفسيرا.

"اكتشاف المشكل"-الواقع أن الخطوة الأولى لكل تطبيق ذكي هي معرفة طبيعة المشكل المطروح ولماذا طرح. لنضرب مثالا على هذا بجماعة القسم أو جماعة المتكونين، حيث يلاحظ الأستاذ أو المنشط أو المكون، وقد شرع في نشاطه التربوي، أن هناك نوعا من الاعتراض (المقاومة) من قبل المجموعة الجالسة أمامه والتي يطمح في مشاركتها. إذا كان المدرس ينتمي لفئة المستوى 2، الذي سبق لنا التعرف عليه، فسيطبق وصفته الجاهزة مثيرا بذلك معارضة أكبر أو إهمالا كبيرا من قبل المستقبلين، وذلك نتيجة عدم وعيه باختلاف الوضعية الحالية عن الوضعيات السابقة التي خبرها من قبل. أما المدرس أو المنشط المنتمي لفئة المستوى 3، فسيدرك منذ البداية أن هناك وضعية مختلفة عن التي كان يتوقع، وسيتساءل عن السبب في هذا الاختلاف، فيعمل على تحليل المتغيرات المحددة للوضعية لمعرفة أيها يسبب الصعوبة، أو الصعوبات المواجهة حاليا. هذا أمر يتطلب من المدرس أو المكون أن تكون له دراية مسبقة بتحليل الوضعيات التربوية (Mialaret, 1991) مما يعني اكتسابه، من خلال التكوين، للعناصر الأساسية للنظرية البيداغوجية وللبحث في المجال التربوي. انطلاقا من مستوى التكوين هذا يجب (بل وجب) أن يعمل التطبيق، والنظرية والبحث بطريقة متساوية، وعلى قدم وساق.

"البحث عن الحلول" - يتعلق الأمر هنا، سواء بالنسبة للأستاذ أو المكون أو المنشط، بالبحث عن الحلول الملائمة للمشكل الذي تطرحه الوضعية. الحل ليس آنيا ولا آليا (كما سيكون عليه الحال إذا ما تموقعنا في المستوى 2 الذي عرفناه قبلا). إن خطاطات الفعل التي اكتسبها الفاعل من قبل، تستعمل كما هي أو تستعمل في نطاق لم تخلق له أصلا، مما يستدعي، أحيانا، ابتكار تقنيات فعل جديدة. في هذه اللحظة بالذات، يصبح من الضروري أن يتصف الممارس أو الباحث بسمة أساسية ألا وهي: المخيال المبدع. لا علاقة لهذا الأخير بالمخيلة la folle du logis التي يتخوف منها البعض، لكون ديناميته تدخل ضمن الإطار النظري الذي يعتمد عليه الفاعل التربوي: فهو لا يؤدي إلى فعل غير مراقب (حالة المستوى1) ولا إلى سلسلة أفعال مقولبة Stéréotypées شبيهة بـ"المفتاح العمومي" (حالة المستوى 2). المخيال المبدع يؤدي بالفاعل التربوي، على العكس من ذلك، إلى تمثل صيغة الفعل تمثلا جيدا، وتحديد طبيعته ووظائفه التحديد الدقيق: إذ تتم، بالفعل، مرافقته بتفكير ذي طابع نظري حول مدى ملاءمة صيغة الفعل المتبنى للوضعية. وعليه تصبح ضرورة التنسيق ما بين معطيات الوضعية، والإحالات النظرية، وصيغ الفعل الجديدة المختارة، أمرا أساسيا عند البحث عن حل يلائم الوضعية.

ليس البحث عن هذا الحل من اختصاص المدرس أو المكون فقط، فقد سبق أن نبهنا إلى أن فعلنا لا يأتي من فراغ، بل إنه في تفاعل مستمر مع الوسط المحيط، الإنساني منه والجغرافي والمادي. إننا هنا أمام واحدة من أهم خصائص الفعل التربوي الناجح: ضرورة إشراك المعنيين بالفعل التربوي في تكوينهم الخاص. فما دام الفعل الذي يود المربي القيام به فعلا منظما يستشرف التأثير إيجابيا على المربى، فلقد أصبح حريا على هذا الأخير، حاليا، أن يكون "المربي لنفسه" le "s'éduquant ". كل هذا يدخل في إطار ما أكد عليه كانط من تقليد كبير مؤداه أن الإنسان هو الذي يؤسس معرفته وأنها ليست انعكاسا بسيطا للأفكار الأبدية؛ موقف سيقول به كذلك جان بياجيه في إطار نظريته البنائية، كما سيقول به أصحاب التيارات التربوية الحديثة ( وفي هذا الصدد تظل صياغة فريق G.F.E.N القائمة على "الإنبناء الذاتي – الاجتماعي للمعرفة" متميزة). إن إشراك التلاميذ أو الراشدين في البحث عن حل للوضعيات فعل تربوي من مستوى عال جدا (فعل تنكره البيداغوجية التقليدية التي تفرض الطريق الذي على الجميع تتبعه). وعليه فالبحث عن الحلول مسؤولية الجميع، والمربي مطالب بجعل هذه المرحلة من التكوين عنصرا من مشروع فعله التربوي. البحث عن الحلول وإيجادها تشكل معرفة جديدة تنضاف للفاعل التربوي (مدرسا كان، أم مكونا أن منشطا)، وعنصرا من عناصر تعلمه و "تجربتـ (ـه) المعيشة"؛ وتبعا للمبدإ الذي تعرفنا عليه سابقا، فالمعرفة الجديدة المكتسبة أحسن وأفضل نظرا لمشاركة الفرد في بلورتها وإدماجها المباشر في ممارسته العملية. إن التجربة المكتسبة ليست إذن تجربة معززة للخطاطات المكتسبة والمستعملة قبلا (حالة المستوى الثاني)، بل إنها معرفة مغتنية ومبتكرة، لا تسجن المعني في سلوكات سابقة، وإنما تجعل منه فردا منفتحا على كل الوضعيات المستقبلية، وتنمي لديه موقفا إيجابيا من التغيير يعتبره العديد من الفلاسفة والبيداغوجيين موقفا ضروريا من أجل العيش في الحضارة المعاصرة والتكيف مع العالم الحديث (Mialaret, 1991). ألسنا أمام واحد من المرامي الأساسية للتربية الحديثة؟

كل تطبيق ذكي (من نمط المستوى الثالث) يصاحبه بالضرورة "مجهود تقييمي" للآثار المحدثة. ففي حالة تطبيق من النمط الثاني يستعمل الفاعل التربوي الخطاطات المعروفة، فإن كانت النتائج غير مقنعة فإنه يميل إلى إلصاق سبب الإخفاقات بالتلاميذ والراشدين بدعوى "أنهم دون المستوى" أو، بشكل أشد قسوة، " أنهم بلداء". أما في حالة تطبيق من المستوى الثالث لا تشكل مسؤولية التلاميذ والراشدين التفسير الوحيد للوضعية، بقدر ما يتم تحليل النتائج حسب المتغيرات الكائنة. فالممارس للمستوى الثالث يعلم أن عوامل عديدة تدخل في كل وضعية تربوية معطاة، وأن فشل الوضعية إنما تشارك فيه وتساعد عليه هذه العوامل إما بشكل انفرادي أو ثنائي أو ثالوثي، أو بشكل جماعي، عوامل نذكر منها: الوضعية العامة، مجموعة المدرسين، مجموعة التلاميذ، عوامل خارجية، عوامل بنيوية… علاوة على ذلك، لا يمكن قط أن يكون فشل الوضعية من فشل التلاميذ: قد يعود سبب فشلها إلى المدرس، أو إلى الوضعية، أو إلى حجم ومحتوى الإرساليات المبعوثة (مفاهيم صعبة أو مقدمة بشكل رديء) (Mialaret, 1994). ويتزايد وعي الممارسين للمستوى الثالث بتعقد الوضعية التربوية وتعقد المحددات الفاعلة، التي تحددها وتوجه دينامياتها. فبقدر ما يتم الوعي بهذه العمليات، بقدر ما يصبح التطبيق مدرسة تكوينية بامتياز، وبقدر ما يمكن التأكيد على أن الإنسان يصير :"نتاج أفعاله عوض أن يكون السبب الدائم للأفعال الظرفية" (Dessanti, 1969). هذا الوعي سيبيح في ذات الوقت ابتكار فرضيات جديدة، وتدقيق بعض أوجه النظرية، والعمل على تغيير بنية النظريات الحالية اعتمادا على التطبيق الواقعي الذي تم تنفيذه بشكل ذكي. أضف إلى أن الموقف المنفتح و"القلق"، سواء للمدرس أو المكون، يحمله على التساؤل وإبراز المشاكل المطروحة، وبالتالي، على تبني أحد الشكلين الأساسيين للبحث في المجال التربوي: البحث من نمط النهج العلمي praxeologique، والبحث ذي الصيغة العلمية في المجال التربوي.

أثناء القيام بهذا النوع من التحليل تبرز المظاهر الجدلية للعلاقات الكائنة بين التطبيق، والنظرية والبحث. من البديهي أن يؤدي البحث عن حل لمشكل التطبيق إلى إحداث تغييرات عليه، وبالتالي، إلى إغنائه وإغناء البحث على حد سواء. إن التفكير في الجوانب النظرية لمسألة الممارسة التطبيقية يقود إلى إعادة النظر في أسس هذه النظرية وهي في حضرة حالة واقعية، وكذا إلى بلورة هذه النظرية وتحسينها انطلاقا من تأهيل التطبيق لأخذ مكانة أفضل داخل تصور نظري أوضح. وقد سبق أن أوضحنا أن الممارس للمستوى الثالث يحسن باستمرار أداءه الشخصي. ومطالبة المدرس أو المكون أو المنشط بتبني ممارسة من المستوى الثالث، يعني ضمان تطور إيجابي مستمر، واتصال فاعل بشكل متواصل مع الـ"مربي لنفسه".

أحيانا يؤدي تفكير الفاعل التربوي في التطبيق إلى بلورة نظرية قائمة بذاتها. لنكتف الآن بذكر حالتين شهيرتين من بين أخريات عديدات. فمكارينكو Anton S. Makarenko بالاتحاد السوفياتي، وفرينه Celestin Freinet بفرنسا يشكلان حالتين نموذجيتين في هذا المجال: إذ أنهما أسسا نظريتهما التربوية على صرح ممارستهما التطبيقية. وهكذا قام ماكارينكو، سنة 1920، بتأسيس وتسيير إصلاحية قرب بلدة بولتافا Poltava، خاصة بالأحداث الجانحين (إصلاحية كوركي)؛ وانطلاقا من ممارسته العملية بلور نظرية في الآداب الجماعية والنزعة الإرادية، الموجهة بشكل حازم والقائمة على الحياة داخل الجماعة، نظرية ضمنها كتابه الأساسي "قصيدة تربوية" - الذي سينشره كوركي سنة 1933، وهي الفترة التي عرفت بداية تبلور النظريات اللاتوجيهية. من جهته سيعمل فرينيه، بمدرسته الشهيرة بفانس Vence، على تطبيق تربية تقوم على ملاحظة ردود أفعال الطفل الموجه نحو التعبير عن موقفه والعمل بحرية داخل جماعة صغيرة منظمة بشكل ديمقراطي، والمتمثلة في المدرسة. سيتوصل فرينيه إلى تصورات نظرية هامة جدا طبعت كل بيداغوجية نهاية القرن: تطبيق نشاط حر للطفل و"الاستقصاء بالمحاولة والخطأ التجريبي"، وتنمية أشكال التعبير والابتكار (الجريدة المدرسية والتراسل المدرسي)، والتنظيم الاجتماعي والديمقراطي للقسم (أفكار وتصورات سيعود إليها، فيما بعد، منظرو البيداغوجية المؤسساتية). هذان النموذجان اللذان يستحقان لوحديهما فقط تحليلا معمقا، يجسدان التيار الذي ينتقل من التطبيق إلى النظرية، ليعود إلى التطبيق، فالتفكير، كما يقول لا نجوفان Paul Langevin "ينطلق من الفعل ليعود إليه" (Langevin, 1947).

قبل الختام لا بد من الإشارة إلى مسألة تكوين المدرسين، والمكونين والمنشطين من جميع الفئات. سنتناول هذه المسألة على مستويين: مستوى التكوين البيداغوجي نفسه ومستوى المناهج والطرق البيداغوجية المطبقة على المجموعات داخل المدارس. في هذا السياق سبق لنا أن تحدثنا، في مناسبة غير هذه (Mialaret, 1977)، عن مبدأ "تماثل شكل" التكوين البيداغوجي المقدم للمربين، والذي بمقتضاه يتم، خلال التكوين، تطبيق المناهج والطرق التي نأمل من المتدربين، وقد أصبحوا فاعلين في العملية التربوية، أو يعملوا على تطبيقها داخل أقسامهم أو مع المجموعات التي يكونونها أو ينشطونها. لم يعد الأمر يتعلق، إذن، بتعليم تلقيني أو نظري أو دغمائي: فانطلاقا من الواقع البيداغوجي ومن تحليل مكوناته، سيتوجب علينا أن نبرز من جديد العناصر الأساسية للنظرية التي ستكون، في هذه اللحظة، مقبولة ومستوعبة أكثر من غيرها كحل ممكن للمشاكل التي تعترض المتدرب. في إطار هذا التصور وجب موضعة التعلم التبادلي، سواء تعلق الأمر بالتلاميذ المتمدرسين، بالطلبة-المعملين، بالأساتذة المكونين أم بالمنشطين.

أما إذا لم تفد النظرية و/أو التفكير الشخصي في حل المشاكل المطروحة، فقد يبرز البحث العلمي كسبيل جديد من الممكن خوض غماره. إنه، بذلك، ليس ببحث من أجل البحث، أو ما يسمى بالبحث "الأساسي"، ولكنه بحث مرتبط بالواقع، غرضه إيجاد حل مناسب للقضايا التي لا تزال عالقة. وبناء عليه تتأسس علاقة قوية وكبيرة بين التطبيق، والنظرية، والبحث والتكوين، فيستفيد التكوين الأولي، مثلا، من تجربة الممارسين، كما يمكن للممارسين، المشاركين في دورات تدريبية من التكوين المستمر، أن يستفيدوا بشكل أفضل من الإضافات النظرية التي يقدمها المكلفون بتكوين المدرسين (Mialaret, 1977). وإذا كان البحث العلمي في التربية يعتمد بشكل كبير على مساهمة الممارسين المهيئين لهذا الموقف خلال التكوين (دون أن يكونوا قد كونوا كباحثين مختصين)، فمن الممكن أن تغني نتائج هذه البحوث التطبيق والنظرية التربويين.

خلاصة واستنتاج

في اعتقادنا، يتلخص المشكل الأساسي الذي تجب مواجهته في معرفة كيفية ترابط مختلف أنماط المعرفة، وكيفية قدرتها على التفاعل فيما بينها وذلك دون أن تقوم بينها أية تراتبية. فلكل نمط من هذه الأنماط المعرفية نسقه الإبيستيمولوجي الخاص، ووظيفته الخاصة، وأهميته الخاصة (وذلك بالخصوص حسب نوعية الفاعلين التربويين). إلا أننا نعتقد بقوة في ضرورة وجود كل هذه الأشكال المعرفية وفي التنسيق فيما بينها، أملا في خروج التربية من الوضع الصعب الذي توجد فيه، وفي تجاوز كل إمبريقية ودغمائية ترتبط أكثر فأكثر بممارسات عملية موروثة عن الماضي عوض أن يكون لها وعي حقيقي بالتطور. إننا نعيش في مجتمع يتطور بشكل سريع ومستمر، والمؤسسة المدرسية، على اختلاف مستوياتها، واحدة من العناصر الأساسية لهذا المجتمع، وهي كذلك، في الآن ذاته، انعكاس وعنصر محرك لهذا التطور. لذا لم يعد بإمكانها أن تستمر في الاشتغال بنماذج لم تعد مناسبة اليوم-مهما كانت قيمة هذا النموذج في الزمن الماضي. فخلال النصف الثاني من هذا القرن العشرين، تغيرت عقليات المدرسين والتلاميذ والآباء، وتغيرت آمال المجتمع وعلاقات المدرسة بعالم الشغل. ولم يعد بمقدور المدرسة أن تشتغل بنفس طريقة اشتغالها عند بداية القرن: لذلك أصبح من الضروري ابتكار مرامي جديدة، وأنماط فعل جديدة، وطرق جديدة في التربية-دون أن يعني هذا إقصاء منهجيا للأشكال القديمة القابلة للاستعمال. فالحاجة كبيرة لبذل جهد مضاعف في سبيل ابتكار مناهج جديدة، تقنيات جديدة، مضامين جديدة ومرامي جديدة. ولا يمكننا اليوم، بأي حال من الأحوال، أن ننكر أو نتجاهل ما يقدمه كل من العلم المعاصر والتطبيقات التربوية والبحث العلمي في المجال التربوي من إسهامات.

الهوامش والمراجع:

*المصدر: كتاب جماعي: "المعارف النظرية ومعارف الفعل" تحت إشراف جون ماري باربيي J. M. Barbier، مطبوعات PUF، سلسلة بيداغوجية الوقت الحالي، 1996، ص ص:161-187.

** "وهي نظرية، مبنية أساسا على صرح التفاعل الكائن بين مجالات عديدة، تفسر السلوكات، المأخوذة كمردودية واختيارات، باعتبارها علاقات بين الوسائل والغايات" (جون بياجيه: ابستمولوجية علوم الإنسان، 1970، ص 314).



Dessanti J., In les dictionnaires Marabout/Université, Savoir moderne, la philosophie, Marabout, Centre de promotion de la lecture 1969.

Freinet C., la méthode naturelle, Paris Neuchâtel. Delachaux & Niestlé, 3vol. 1968, 1969, 1971.

Gillet P., Pour une pédagogique ou l'enseignant-praticien, Paris PUF, coll. "Pédagogie d'aujourd'hui", 1987, 286p.

Groupe français d'éducation nouvelle, le Plan Langevin -Wallon de réforme de l'enseignement, Paris, PUF, 1964, 298p.

Langevin P., Ecrits philisophiques et pédagogiques, Paris GFEN, 1947.

Lézine L., A.S. Makarenko, pédagogue soviétique (1888-1939), préface de H.Wallon , Paris, PUF,

1954, 172p.

Makarenko A.S., Le chemin de la ive (trad. franç. Du Poème pédagogique) Paris, Ed. Du Pavillon 1950.

Makarenko A.S., L 'éducation dans les collectivités d'enfants, Paris, Ed. Du Scarabée. 1956, 228p.

Mialaret G., la formation des enseignants, Paris, PUF, coll. "Que sais-je? , n° 1703, 1977nn 4ème ed., 1996, trad. Espagnole, italienne, portugaise, arabe.

Mialaret G., Pédagogie générale, Paris, PUF, coll. "Fondamental ",1991, 600p.

Mialaret G., La psychopédagogie, Paris, PUF, coll. "Que sais-je? ", n° 2357, 3ème ed., 1994, 128p., trad. Italienne, portugaise.

Mialaret G., Les "objets " de la recherche en sciences de l'éducation, in l'Année de la recherche en sciences de l 'éducation, 1994, p. 5-27.

Montessori M., Pédagogie scientifique, Lamaison des enfants, introduction de Mario Montessori, préface de A.M. Gillet-Bernard. Paris, Desclée de Brouwer, coll. "Epi/Formation", rééd. De 1926 en 1992, 264p.

Rousseau J. J., Emile ou de l'éducation, Paris, Garnier, 1957, 666p.

Wallon H., De l'acte à la pensée, Paris, Flammarion, 1942, 252p
1 - للــ"معارف" في مجال (مجالات) التربية وضعية جد خاصة. إننا إزاء وضعيات لها، على الأقل، أربعة ينابيع معرفية: 2 - علينا أن نشير أيضا إلى مسألة تعدد معاني كلمة "التربية" تعددا يحيلنا خلال نقاشنا، إلى ميادين و/أو إلى حقائق مختلفة لا تملك نفس النظام. وهكذا أمكننا التمييز بين: 3 - وقبل أن نتقدم أكثر في دراستنا، نشير إلى خصوصية تميز ميدان التربية، حيث لا يمكن أبدا عدم الأخذ بعين الاعتبار ما يسمى بـالـ"مرامي" التربوية. تنتج عن هذه الوضعية علاقات متميزة تجمع بين الـ"فعل" (مناهج، تقنيات)، والـ"نظرية" والـ"بحث العلمي"، ما دامت مرامي نفس الوضعية التربوية قادرة على أن تتنوع بشكل كبير وأن تؤدي إلى مناهج وتقنيات مختلفة. 1 - مستويات التطبيق: 2 - كيف تتشكل المعرفة الإمبريقية؟ 1 - تختلف أهداف الـ"بحث العلمي" كلية عن أهداف الـ"بحث الإمبريقي". فإذا كان الهدف الأساسي من الـ"بحث الإمبريقي" تقويم الفعل، كما سبق قوله، فالهدف الأساسي من الـ"بحث العلمي" البحث عن "تفسير" و"فهم" (بالمعنى الديكارتي، لا الفينومينولوجي، للإصطلاح) الذي يحدث أثناء الوضعيات التربوية، والبحث ضمنها عن أسباب وكيفيات حدوثها، ثم تحليلها. آثار هذا الفعل سيتم استخراجها من خلال النتائج، مما يعني وجود مدة زمنية، قد تكون طويلة أحيانا، تفصل البحث عن الفعل. وبالفعل فالهدف، كما يقول بويز R. Buyse الباحث التجريبي، هو اكتشاف و/أو البرهنة على القوانين التي تعمل الوضعيات التربوية حسبها (مع أخذ كلمة القانون هنا بالمعنى العام أي إبراز التنظيمات، والعلاقات النوعية والكمية). 2 - خطوات البـ"بحث العملي" مختلفة كثيرا عن خطوات الـ"بحث الإمبريقي". فعلى عكس المربي، يعود الباحث نفسه، بالدرجة الأولى، على تنصيب مسافة تأمل بينه وبين موضوع البحث. أما المدرس فمكانه داخل قسمه، يندمج مع كل ما يقع داخله، ويتفاعل وجدانيا وعلى الأخص، بشكل آني مع ردود أفعال تلامذته. في حين يتعين على الباحث المجرب اتخاذ موقف مغاير: أن يحاول قدر الإمكان أن لا ينصهر بشكل عاطفي في الوضعية، ويحاول عيش التجربة وكأنه خارج الوضعية، مما تتولد عنه صعوبات إبيستيمولوجية وأخلاقية مهنية في المجال التربوي. إنه، إذا صح التعبير، تعارض مشابه للتعارض الموجود بين الحدس البرغسوني والحدس الديكارتي. 3 - قبل البدء في الدراسة، والقيام بالتجربة، يتعين على الباحث البدء بتحليل موضوعي، شامل ودقيق للوضعية بغرض استخراج المتغيرات المحددة لها وجردها جردا شاملا. لا يطالب المدرس بإنجاز هذه الإجراءات خلال "بحثـ (ـه) الإمبريقي"، إذ أنه يكتفي، عموما، بالانطباعات العامة التي تسببها له الوضعية والتلاميذ، ويكتفي في إصدار حكمه على المعطيات الواضحة والخارجية التي تسهل ملاحظتها. أما الباحث العلمي، فغالبا ما يتوجب عليه الشروع، في مرحلة أولى، في إجراء بحث أولي يبرز فيه ويحصي المتغيرات المحددة للوضعية. ولا تصبح التجربة قابلة للتنفيذ إلا حين ينجز هذا العمل ويصبح من الممكن، أثناء بلورة تصميم التجربة، تحديد المتغيرات المستقلة، ومعاينة كيفية تبدل المتغيرات التابعة تحت تأثير عامل التجربة. وعليه فالـ"تجربة الإمبريقية" للمدرس تجربة آنية مباشرة، في حين تحتاج الـ"تجربة العلمية" إلى وقت أطول. 4 - أثناء القيام بدراسة علمية من الضروري تجميع الملاحظات والمعطيات المباشرة المتاحة تجميعا شاملا قدر الإمكان. فالعالم الباحث يعلم حق العلم أن عدد المتغيرات في كل وضعية تربوية، ولو كانت "بسيطة"، يكون جد مرتفع حتى لا نقول لا نهائي؛ وعلى الرغم من أننا لا نعرف بشكل مقنع إن كان التمييز بين المتغيرات الأساسية والمتغيرات الثانوية مناسبا بالفعل، إلا أنه يبقى أمرا ضروريا. أما المدرس فليس له سوى تجميع بعض وجهات النظر: ردود أفعاله وأفعال تلامذته، وأحيانا ردود أفعال الإدارة والآباء. إن تفسير النتائج العلمية المحصل عليها تفسيرا سليما يقتضي الأخذ بعين الاعتبار عددا كبيرا من المتغيرات؛ نسيان واحد أو أكثر من المتغيرات قد يؤدي إلى تغيير كلي في تفسير النتائج، الأمر الذي يسهل تقديم أمثلة عنه. 5 - يضم البحث العلمي، على اختلاف ميادينه، مبدأين أساسيين، هما: مبدأ الشفافية، ومبدأ القابلية النسبية لإعادة التجربة. فمن الضروري أن تكون كل الخطوات التي يقوم بها الدارس واضحة ومقبولة، ما دامت شفافية مجموع هذه الإجراءات هي أولى مميزات كل عمل علمي. بالمقابل ليس بمقدور المدرس دوما تفسير سبب قيامه بهذا الإجراء أو ذاك، لاعتماده على حدسه دون أن يكون قادرا دوما على تبرير وتفسير سبب نهجه تلك الخطوات. أما المبدأ الثاني الصعب، إن لم نقل المستحيل، أعني التحقق بشكل مضبوط ضمن وضعيتنا التربوية، فهو مبدأ قابلية التجربة للإعادة: إذ من الضروري أن تكون التجربة قابلة لأن تكرر حتى تؤكد أو تلغى. نعلم، بالاتفاق مع هيراقليط، أن الشروط لا يمكنها أن تكون دوما متماثلة بشكل دقيق، إلا أن المناهج الحديثة في تحليل النتائج تسمح لنا بإبراز العوامل التفاضلية وأهمية كل واحد منها، مما يمكننا من إيجاد المجموعات المتشابهة نسبيا التي يمكن إجراء التجربة عليها من جديدوضعية المدرس تختلف اختلافا جوهريا: فمن غير الممكن أن يعيد الوضعية التربوية التي عاشها هو وتلامذته بدقة تامة، لكون الفعل التربوي فعلا محددا في الزمن، ولأن كل إعادة تعد، في حقيقة الأمر، وضعية جديدة. 6 - أحيانا يتعذر على المدرس استيعاب مناهج تحليل النتائج المقنعة التي يستعملها الباحث. فإذا أخذنا، مثلا، دراسة إملاء تلاميذ قسم معين، نجد أن المدرس يصحح التمارين، ثم قد يعمد إلى تحليل الأخطاء المرتكبة أو أنماط معينة منها، وتحليل أشكال بسيطة من العلاقات الكائنة بين التلاميذ وبين الأخطاء التي ارتكبوها. إنه عمل طويل لا يمكن أن يشمل جميع التمارين، الواحد بعد الآخر. أما الباحث فباستعماله الوسائل المعلوماتية يمكنه بسهولة كبيرة القيام بنفس العمل، بل ويضيف إليه الارتباطات الإحصائية بغرض إبراز أوجه أسباب الخلل، وبحث العلاقة الممكنة بين الأخطاء المرتكبة وبين عوامل أخرى من قبيل المستوى اللغوي، والمستوى الفكري، والفئة الاجتماعية واللغوية للتلميذ، ودور عامل الجنس، ورتبة الطفل بالنسبة لإخوانه في الأسرة… وهكذا تنضاف إلى النتائج الفردية سلسلة معلومات تسمح بتفسير سليم للأخطاء المرتكبة، وبالتالي، استنتاج ما يمكن أن يفيد، بشكل عام، جانب الفعل التربوي. 7 - بحث الدارس عن التفاسير الممكنة مرحلة أساسية من مراحل البحث: فالنتائج، الكيفية منها والكمية شيء، والدلالة التي يجب إعطاؤها لها شيء آخر. إن النتيجة من حيث هي كذلك فارغة: إذ يجب أن نعيد تحديد موقعها إزاء الوضعية أو الوضعيات التي حصلت ضمنها، وأن تقارن مع نتائج أخرى غيرها لتكون لها دلالة مقبولة ومعترفا بها من قبل جميع الباحثين والممارسين. تتطلب هذه المرحلة كثيرا من روح "الدقة" "de finesse" esprit كما قال باسكال، ومعرفة كاملة بالوسط الذي حصلنا فيه على تلك النتائج، مما يجعل التعاون بين المدرسين والباحثين أمرا ضروريا في هذه المرحلة من البحث. سيؤدي بنا هذا إلى التساؤل فيما بعد عن نوعية العلاقة الكائنة، أو التي يمكن أو يجب أن تقوم، بين هذه الـ"معرفة من نمط النهج العلمي" وبين الـ"معرفة من النمط العلمي". بعبارة أخرى. ما هي الجوانب التي يمكن لهذين الشكلين التعاون فيها بشكل ثنائي، وما نوع الإفادة التي يمكن للباحث أن يقدمها للممارس؟ 1 - التنظير المؤسساتي، البرامج، التوجيهات الرسمية والتطبيق. 2 - تشمل المعرفة النظرية مجموع التصورات الفلسفية-التاريخية التي سبق لنا الحديث عنها في بداية هذا الفصل. إنها مجموع ما تراكم من تحاليل فكرية ونظريات وتعاليق، سواء قدمها المربون والفلاسفة، أوقدمها مختصون آخرون ينتمون حاليا لحقل علوم التربية: اقتصاديون، ديموغرافيون، اثنولوجيون، سوسيولوجيون… غير أن فلسفة التربية وتاريخ التربية، على الخصوص، يشكلان معارف نظرية ذات أهمية قصوى، رغم أنهما يبدوان أحيانا بعيدين عن اهتمامات المدرسين العملية داخل القسم، واهتمامات المكونين بالميدان. 3 - تأخذ المعرفة النظرية أيضا شكل إيديولوجيات بيداغوجية وتترجم في مبادئ تيارات تربوية كبرى: ونتيسوري، ديكرولي، كوسيفيه، فرينيه و G.F.E.N… وعلى الرغم من أنها تنادي بمبادئ متقاربة، إن لم نقل مشتركة، وأنها تعترف بما نسميه بالـ"تربية الحديثة"، فإن لكل تيار مذهبه، وخطواته الخاصة، ومناهجه وتقنياته. 4 - تبقى، أخيرا، المعرفة النظرية التي تنحدر عن التطبيق والتي لها صلات قوية بما سميناه بالـ"المعرفة الفعل". ففي حالة تطبيق ممارسة تربوية من المستوى الثالث (انظر قبله)، لا تغتني تجربة المربي بالمعارف فحسب، وإنما يتبلور قبس تفسير نظري للتجربة المكتسبة. 1 - تتلخص الفكرة العامة التي ننطلق منها في تبيان أن الـ"معرفة الإمبريقية" والـ"معرفة النظرية" والـ"معرفة العلمية" لا يجب أن تكون متقابلة ولا متراتبة: فلكل واحدة منها مبررات وجودها، وأهميتها وضرورتها. لا يجب على أي منها إقصاء الأخريات، ولا أن يكون لها امتياز عليها. لكن هل يتعلق الأمر فقط بتعايش ساكن؟ على العكس من ذلك نعتقد أنه يتعلق بتعاون دينامي، يخدم بالدرجة الأولى مصلحة التلاميذ والمدرسين والباحثين والمجال التربوي. وسنعمل على توضيح هذه الفكرة بشكل موجز، ما دام التحليل الشامل للعلاقات الكائنة بين المجالين تتطلب لوحدها فصلا طويلا جدا. 2 - من الممكن معالجة المسألة بشكل آخر، وذلك انطلاقا من التمييز بين مستويات التطبيق المشار إليها سابقا. Decroly O. Méthode Decroly, initiation à la méthode. Cinq cahiers: Princpes et méthodes, l'observation et la mesure, l'association, l'expression, la méthode globale. Bruxelles, Ed. Du Centre Nationa de l'Education, collection bleue 1937.