الثلاثاء، 10 أغسطس 2010

قصة الحضارة : مغامرات العقل










 

الباب السادس والثلاثون



مغامرات العقل


1120-1308


الفصل الأول


مدرسة شارتر


ترى كيف نفسر تلك الثورة الفلسفية العجيبة التي بدأت بأنسلم، وروسلأن وأبلار، وبلغت ذروتها في ألبرتس مجنس والقديس تومس أكوناس؟ لقد كان لهذه الثورة، كما هي السادة، كثير من الأسباب: منها أن الشرق اليوناني لم يكن قد تخلى قط عن تراثه الثقافي القديم، بل كانت كتب الفلاسفة الأقدمين تدرس في كل قرن في القسطنطينية، وإنطاكية، والإسكندرية؛ وكان رجال أمثال ميخائيل بسلس Miehael Psellus، ونقفورس بلميدس Nicephorus Blemydes (1197؟-1272)، وجورج بشميرس George Pachymeres (1242؟- 1310)، وبارهبريوس Bar Hebareus السوري (1226؟-1282) كان رجال من أمثال هؤلاء مطلعين على مؤلفات أفلاطون وأرسطو بلغتها الأصلية؛ وأخذ المعلمون اليونان يدخلون بلاد الغرب كما أخذت المخططات اليونانية تدخلها تدريجاً. وحتى في تلك البلاد نفسها كان قليل من التراث اليوناني قد بقى بعد العاصفة البربرية؛ فقد بقى الجزء الأكبر من أرغنوق أرسطو في المنطق، ومن كتابي مينوق وتيماوسي لأفلاطون، وكانت
الصورة التي رسمها هذا الفيلسوف لإر Er هي التي لونت خيال المسيحيين عن الجحيم. وقد جاءت الموجات المتتابعة من الكتب العربية واليونانية والإسلامية من أفكار جديدة تتحدى الأفكار المسيحية وتختلف عنها اختلافاً يهدد باكتساح لاهوت العالم المسيحي كله إذا لم تنشئ المسيحية لها فلسفة مناهضة لهما. على أن هذه المؤثرات لم نكن تستطيع أن تنشئ تلك الفلسفة المسيحية إذا كان الغرب قد ظل فقيراً كما كان؛ أما الذي جعل لهذه العوامل أثراً فعالاً فهو نمو الثورة حين أخذت الزراعة تعزو القارة الأوربية، وأتسع نطاق التجارة والصناعة، وتكاثرت الأموال وما تؤديه من خدمات. وتعاونت هذه النهضة الاقتصادية مع تحرر المدن ذات الحكم الذاتي، وقيام الجماعات، وإحياء الآداب اللاتينية والقانون الروماني، وتقنين الشريعة الكنيسة، ومجد الفن القوطي، وازدهار الأدب الخيالي، و(علم) الشعراء الغزلين (المرح)، واستيقاظ العلوم، وبعث الفلسفة، وتعاونت هذه كلها على إيجاد (نهضة القرن الثاني عشر).
وجاء في أعقاب ثورة الفراغ، والدرس، والمدارس. وكانت كلمة Scholê تعنى في أول الأمر الفراغ. وكان الأسكلاستكوس scholasticus هو المدرس أو الأستاذ، كما كانت عبارة (الفلسفة المدرسية) تعنى الفلسفة التي تدرس في مدارس العصور الوسطى الثانوية أو في الجامعات التي نشأت كثرتها الغالبة من هذه المدارس الثانوية. كذلك كانت (الطريقة المدرسية) هي أسلوب الجدل الفلسفي والعرض الفلسفي الذين يستخدمان في هذه المدارس. وإذا ما استثنينا فصول أبلار التي كانت في باريس أو قريبة منها، فقد كانت مدرسة شارتر أكثر هذه المدارس نشاطاً وأعظمها شهرة؛ ففيها امتزجت الفلسفة بالأدب، وكان في وسع من يتخرج فيها أن يكتب في المسائل الخفية العويصة بالوضوح والظرف اللذين أصبحا من التقاليد المشرفة في فرنسا. وكان أفلاطون، الذي جعل هو
أيضاً الفلسفة مفهومة مستساغة، من الفلاسفة المحببين هناك؛ وفيها سوى النزاع القائم بين الواقعيين والقائلين بأن الكليات أن هي إلا الألفاظ وليس لها وجود حقيقي في العقل أو في خراجه، سوى هذا النزاع بقولهم أن الكلمات (الحقيقية) هي بعينها الأفكار الأفلاطونية، أو النماذج الأولى الخلافة التي في عقل الله. وبلغت مدرسة شارتر ذروة نفوذها في عهد برنار أحد مواطنيها (حوالي 1117) وأخيه ثيودريك (حوالي 1114)؛ وكان ثلاثة من خريجيها يسيطرون على ميدان الفلسفة بأوربا الغربية في النصف القرن التالي لحياة أبلار وهم: وليم الكوشي، وجلبرت ده لا بريه، ويوحنا السلزبري.
ويتبين الإنسان اتساع مجال الفلسفة المدرسية بوضوح عجيب في سيرة وليم الكوشي (1080؟- 1154). فقد كان رجلاً ملماً بكتب أبقراط، ولكريشيوس، وحنين بن أسحق، وقسطنطين الأفريقي، بل وحتى دمقريطس نفسه(1). وقد أفتتن بالنظرية الذرية؛ واستنتج أن جميع أعمال الطبيعة تبدأ في الأصل باجتماع الذرات، ويصدق هذا على أرقى عمليات الجسم البشري وأعظمها خطراً(2). والنفس عنده هي اتحاد العناصر الجوهرية في الفرد مع النفس الكونية أو العنصر الجوهري في العالم(3). ونهج وليم نهج أبلار في إحدى المسائل الخفية الشديدة الخطورة فكتب يقول: "في الألوهية قدرة، وحكمة، وإرادة، وهي التي يسميها القديسيون أقاليم ثلاثة(4)". وهو يفهم القصة القائلة أن حواء خلقت من ضلع آدم فهما يعتمد على المجاز الواسع. وهو يرد بعنف على شخص ما يدعى كرنفيوس Cornifius وغيره من (الكرنفيوسيين) الذين يقامون العلم والفلسفة بحجة أن في الإيمان الساذج ما يكفيهم. "فهم لا يطيقون أن يبحث غيرهم شيئاً ما، ويريدون منا أن نؤمن كما يؤمن السذج والهمج من غير أن نسأل عن السبب، كي يكون لهم رفاق في الجهالة... ولكنا نقول: أن من واجبنا أن نبحث لكل شيء عن علة، فإذا عجزنا عن معرفة تلك العلة


وكلنا الأمر إلى... إلى الروح القدس وإلى الإيمان(5)... (ويقولون): لسنا نعرف كيف يكون هذا، ولكننا نعرف أن في قدرة الله أن يفعله... ألا أيها البلهاء المساكين! أن في قدرة الله أن يخلق غراباً من شجرة، ولكن هل فعل الله هذا في يوم من الأيام؟ فعليكم إذن أن تدلوا بعلة لوجود شيء ما بالصورة التي هو عليها، وإلا فامتنعوا عن الاعتقاد بأنه على هذه الصورة...(6) أننا لا تسرنا الكثرة، وإنما تسرنا الغلة المختبرة، ونحن نكد في البحث عن الحقيقة وحدها.
لقد كان هذا القول أكثر مما يطيقه وليم التييري، ولهذا بادر الراهب المتحمس، الذي أغرى القديس برنار بمهاجمة أبلار، بالطعن على هذا الثائر الجديد صاحب النزعة العقلية والتنديد به عند رئيس دير كليرفو اليقظ المترقب. ورجع وليم الكوشي عن إلحاده، ووافق على أن حواء خلقت من ضلع آدم(8)، وهجر الفلسفة لأنها مغامرة لا يتناسب فيها الكسب مع ما يتعرض له صاحبها من أخطار، واشتغل مريباً لهنري بلانتجنت Henry Plantagenet الإنجليزي واختفى أسمه من التاريخ. وكان جلبرت ده لا يريه Gilbert de la Porrée (1070- 1154) أكثر من وليم توفيقاً في هذا العمل المفعم بالأخطار. فقد تعلم ودرس في شارتر وفي باريس، وصار أسقفاً لبتيير Potiers ووضع كتاباً ذا ستة مبادئ Liber sex prencepiorium ظل ستة قرون النص الذي يرجع إليه في علم المنطق؛ ولكن التعليق على بؤتيوس قد فهم منه أن طبيعة الله بعيدة عن إدراك العقل البشري بعداً يتحتم معه أن يؤخذ كل قول عنها على أنه تشبيه أو مجاز لا أكثر، ثم أنه أكد وحدة الله تأكيداً يجعل التثليث يبدو وكأنه مجاز لا غير(6). وفي عام 1148 اتهمه القديس برنار بالإلحاد، وأن كان وقتئذ في سن الثانية والسبعين، وحوكم على هذه التهمة في أوكسير Auxerre، وحير 


معارضيه بما أورده من فروق دقيقة، وعاد إلى موطنه غير مدين. وحوكم مرة أخرى بعد سنة من ذلك الوقت، ورضى أن تحرق بعض فقرات انتزعت من كتبه، ولكنه عاد حراً إلى أبرشيتة؛ ولما طلب إليه أن يناقش آراءه مع برنار رفض الاقتراح وقال: أن هذا القديس يعوزه التبحر في اللاهوت إلى حد لا يستطيع معه فهم آرائه(10)، ويقول عنه يوحنا اللزبري: أن جلبرت "ناضج في الثقافة الحرة نضوجاً لا يفوقه فيه أحد من الناس(11)".
وكان في مقدور يوحنا أن يقول هذا القول عن نفسه، لأنه كان من بين الفلاسفة المدرسيين أوسعهم ثقافة وأكثرهم تهذيباً، وأبلغهم قلماً. وكان مولده في لزبري حوالي عام 1117، وتتلمذ على أبلار في جبل القديس جفيف، وعلى وليم الكوشي في شارتر، وعلى جلبرت ده لابريه في باريس، ثم عاد إلى إنجلترا في عام 1149، وعمل أميناً لاثنين من رؤساء أساقفة كنتر بري هما: ثيوبولد وتومس أبكت، وقام لهما بعدة مهام دبلوماسية، زار فيها إيطاليا ست مرات، وأقام في البلاط البابوي ثماني سنين، وشارك بكت في ألقى في فرنسا، وشاهد مقتله في كتدرائيته، وعين أسقفاً لشارتر في عام 1178، وتوفى في عام 1180. وكانت حياته مليئة بالجلد، متعددة النواحي، عمل فيها هذا الرجل على وضع المنطق تحت مخبار تجارب الحياة ودراسة الفلسفة بتواضع منقطع النظير. ولما تقدمت به السن ورجع إلى آراء المدارس الفلسفية المختلفة أدهشه أن يراها لا تزال تجادل في الفرق بين الاسمية والواقعية: "ليس في مقدور الإنسان أن يتجنب هذه المسألة، ولقد حرم العالم وهو يبحثها، واستغرق بحثها من الوقت أكثر مما أستغرقه القياصرة في فتح العالم وحكمه... وأيا كانت النقطة التي يبدأ منها النقاش، فأنه يعود على الدوام ويرتبط بتلك المسألة، فهي أشبه بجنون روفس Rofus بنيفيا Naevia: "أنه لا يفكر في شيء آخر، ولا يتحدث عن شيء آخر، ولو أن نيفيا لم يوجد لظل روفس أبكم لا يبين"(12). 


وحسم يوحنا نفسه الأمر من أيسر السبل حين قال: أن الكلى مدرك عقلي ييسر ربط الصفات المشتركة للكائنات المفردة؛ وكان جون لا أبلار هو الذي أقترح النظرية القائلة أن الكليات توجد في العقل مستقلة عن أفرادها المجسمة المادية.
وألف في تاريخ الفلسفة اليونانية والرومانية كتاباً بلغة لاتينية هي أحسن ما كتب منذ ظهرت رسائل الكوين - ويعد هذا الكتاب شاهداً عجيباً على اتساع الأفق العقلي في العصور الوسطى اتساعاً مطرداً؛ وظهر بعده كتاب المتالوجيكون Metalogicon الذي خفف فيه علم المنطق بما أضافه من ترجمة لنفسه، ثم كتاب بوليكراتكس Polycraticus (1159) الذي وضع له عنوناً ثانوياً غريباً (في حماقات رجال الحاشية وآثار الفلاسفة) De nugis Curialium et vistigüo philosophorum. وكان هذا الكتاب أول مقال في أدب العالم المسيحي عن الفلسفة السياسة. وهو يكشف عن أخطاء الحكومات القائمة في أيامه ورذائلها، ويرسم صورة للدولة المثالية، ويذكر صفات الرجل المثالي، ثم يواسينا بقوله: "كل شيء يشتري علناً، إلا إذا كان تواضع البائع هو الذي يمنع هذا الشراء، أن نار الجشع الدنسة تهدد مذابح الكنائس نفسها... وأن أحبار الكرسي الرسولي نفسه لا يضنون بأيديهم عن أن تدنسها المطايا" بل أنهم في بعض الأوقات يجوسون خلال الأقاليم في عربدة جنونية"(13). وإذا جاز لنا أن نصدق روايته التي نقلنا منها فقرات من قبل فأنه أبلغ البابا هدريان الرابع أن الكنيسة نصيباً موفوراً فيما يسود تلك الأيام من فساد، وأن البابا أجابه بما معناه أن الآدميين سيظلون آدميين مهما كانت أثوابهم؛ ويضيف يوحنا إلى ذلك تلك العبارة الحكومية: "في كل منصب من مناصب بيت الله (الكنيسة) إذا كان بعض رجالها يتكاسلون، فأن غيرهم يضافون إليهم ليؤدوا
عملهم. ولقد شاهدت من بين الشمامسة، ورؤساء الشمامسة، والأساقفة، والأحبار من يقومون بما يوجبه عليهم الله بجد وإخلاص يستبين الإنسان معهما أنهم أوتوا من مزايا الإيمان وفضائله أن من عهدوا إليه بحرث أبينا قد أحسنوا كل الإحسان"(14). وهو يرى أن الحكومة المدينة أكثر فساداً من رجال الذين، وأن من الخير لحماية الخلق أن يكون للكنيسة سلطان أخلاقي على جميع العالم ودوله(15).
وأوسع الفقرات شهرة في كتاب بوليكراتكس هي التي تشير إلى قتل الطغاة: "إذا حاد الأمراء شيئاً فشيئاً عن الطريق الحق، فليس من الخير في شيء أن يطاح بهم كلية على الفور، بل يكفي لومهم على ظلمهم بتعذيرهم والصبر عليهم، حتى يتبين أخيراً أنهم معاندون مصرون على فعل الشر... أما إذا تعارض سلطان الحاكم مع الأوامر الإلهية وأراد أن يحملني على أن أشاركه في حربه على الله، فأني لا أتردد قط في أن أرد عليه بقولي أن الله يجب أن يفضل على كل إنسان على ظهر الأرض أياً كان قدره... وليس قتل المستبد مشروعاً فحسب، بل هو حق وعدل"(16).
كانت هذه سورة من جون مهيجة مثيرة، أضاف إليها فقرة أخرى في موضع بعدها من الكتاب نفسه "بشرط ألا يكون القاتل مرتبطاً بالولاء للمستبد"(17). وهي جملة فيها نجاة للمستبدين لأن كل حاكم يلزم رعاياه بأن يقسموا يمين الولاء له. وفي القرن الخامس عشر دافع جان بتي (Jean Petie) عن اغتيال لويس صاحب أورليان بعبارات نقلها عن البوليكراتكس، ولكن مجلس كنستانس تغلب على بتي بحجة أن الملك نفسه لا يحق له أن يدين متهما دون أن يدعوه للمثول أمامه ويحاكمه.
ونحن (المحدثين) لا نستطيع أن نتفق على الدوام مع (المحدثين) في القرن الثاني عشر الذين كان يوحنا واحداً منهم؛ وهو يقول من آن إلى آن كلاماً 


يبدو لنا أنه هراء، ولكن هراءه نفسه مصوغ في أسلوب من التسامح والظرف لا نكاد نعثر على ما يماثله بعدئذ قبل إرزمس Erasmus. وكان يوحنا أيضاً من الإنسانيين، يحب الحياة أكثر مما يحب الخلود، ويعشق الجمال والرحمة أكثر مما يعشق العقائد التحكمية في أي دين، ويقتبس من الآداب اليونانية - الرومانية القديمة وهو منشرح مغتبط أكثر منه حين يقتبس من صحف الكتاب المقدس. وهو يضع ثبتاً (بالأشياء التي يصح للرجل الحكيم أن يشك فيها dubitabilia، ومنها طبيعة النفس ومنشؤها، وخلق العالم، والعلاقة بين علم الله السابق وحرية الإرادة. ولكنه كان أحصف من أن يندفع إلى الإلحاد، بل كان يسير وسط الجدل القائم في أيامه بحصافة دبلوماسية وسحر خلاب. ولم يكن يرى أن الفلسفة صورة من صور الحرب، بل كان يراها بلسما للسلام، وبقول أن الفلسفة قوة مطلقة معدلة في الأشياء جميعها، وأن من وصل بطريق الفلسفة إلى الإحسان والمحبة فقد بلغ هدفها الحق"(18).

الفصل الثاني


أرسطو في باريس


نشر بطرس لمبارد أحد تلاميذ أبلار في عام 1150 كتاباً جمع فيه آراء أبلار مطهرة من الإلحاد، وكان غي القوت عينه بداية للفلسفة المدرسية الرسمية؛ وكان بطرس هذا، كما كان أنسلم، وارنلدا البريشيائي، وبنوفنتورا، وتومس أكوناس، إيطاليَّا جاء إلى فرنسا ليواصل العمل الراقي في اللاهوت والفلسفة. وكان يحب أبلار ويسمى كتابه نعم ولا كتاب صلواته، ولكنه إلى هذا كان يريد أن يكون أسقفاً، وقد طبق كتابه المسمى أربعة كتب في الآراءSententearum طرائق نعم ولا بعد أن طهرها: وذلك بأن وضع تحت كل سؤال من أسئلة اللاهوت طائفة من العبارات المقتبسة من الكتاب المقدس ومن كتب آباء الكنيسة بعضها يؤيده وبعضها يعارضه؛ ولكن بطرس هذا وجد مخلصاً لكي يحيل كل الآراء المعارضة إلى نتائج تتفق مع الدين القويم. وقد عين أسقفاً لباريس وظل كتابه مدى أربعة قرون النص المحبب في برامج التعليم الديني إلى حد دعا روجر بيكن أن يأخذ عليه أنه حل محل الكتاب المقدس نفسه؛ ويقال إن أربعة من علماء اللاهوت ومنهم ألبرت وتومس كتبوا شروحاً على هذا الكتاب.
وإذا كان كتاب لمبارد قد أيد سلطان الكتب المقدسة والكنيسة على مطالب العقل الفردي، فقد حال مدى نصف قرن دون تقدم النزعة العقلية، ولكن حادثة عجيبة وقعت في تلك الخمسين عاماً بدلت علم اللاهوت؛ ذلك أن دخول أفكار أرسطو في ثوبها اللاتيني إلى أوربا بعد عامي 1150 و 1250 دفع علماء الدين الكاثوليك إلى أن يحاولوا التوفيق بين علم ما وراء الطبيعة اليوناني
وعلم اللاهوت المسيحي؛ كما أن مؤلفات ترجمة أرسطو العلمية وفيما وراء الطبيعة إلى اللغة العربية دفعت المفكرين المسلمين إلى أن يحاولوا التوفيق بين العقائد الإسلامية والفلسفة اليونانية. وكما إن اصطدام آراء أرسطو بعقول العبرانيين في أسبانيا قد اخذ يدفع ابن داود وابن ميمون في القرن الثاني عشر لان يحاولا التوفيق بين اليهودية والتفكير الهليني، وإن كان أرسطو قد بدا فوق متناول سلطان الكتب المقدسة، فقد اضطر علماء الدين المسيحي الى استخدام لغة العقل والمنطق وأسلحتهما. ولو أن الفيلسوف اليوناني كان حياً في هذه الأثناء لتبسم وهو يشهد كم من الأديان التي زلزلت العالم تجل آراءه.
ولكن ليس من حقنا أن نغالي في تقدير اثر المفكرين اليوناني في ازدهار الفلسفة أثناء تلك الفترة من الزمن. ذلك أن انتشار لتعليم، وما كان للجدل والحياة الذهنية من قوة حيوية في المدارس والجامعات خلال القرن الثاني عشر، والحافز القوي الذي كان لرجال من أمثال روسلان، ووليم الشمبوكسي، وأبلار، ووليم الكنشيسي، ويوحنا السلزبري؛ وأتساع آفاق الفكر بتأثير الحروب الصليبية، وازدياد علم الأوربيين بالحياة الإسلامية والتفكير الإسلامي في الشرق والغرب - كل هذا من شأنه أن يخلق رجالاً على شاكلة أكوناس ولو ظل أرسطو مجهولاً. والحق أن منشأ الجد الذي اتصف به أكوناس لم يكن حب أرسطو بل خشية ابن رشد. ذلك أن الفلاسفة العرب واليهود اخذوا منذ القرن الثاني عشر يؤثرون في التفكير المسيحي في أسبانيا؛ فقد دخل الكندي، والفارابي، والغزالي، وأبن سينا، وان جبيرول، وابن رشد، وابن ميمون أوربا اللاتينية من نفس الابواب التي دخلها منه افلاطون، وأرسطو، وأبقراط، وجالينوس، وأقليدس، وبطليموس.
وكان غزو التفكير الأجنبي على هذا النحو من أقوى الصدمات الذهنية للعقل الغربي الذي لم ينضج بعد، فلا عجب والحالة هذه إذا قوبل في بادئ الأمر 

بالعمل على قمعه أو تأخيره؛بل أن علينا أن نعجب من قوة التكييف المدهشة التي مكنت الجديد من امتصاص المعارف القديمة- الجديدة. وكان الأثر الأول لكتابي الطبيعة وما وراء الطبيعة لأرسطو، ولشروح ابن رشد، وهي الكتب التي وصلت الى باريس في العشر السنين الأولى من القرن الثالث عشر، أن زلزلت عقائد كثير من الطلاب، وان قام من العلماء أمثال أملريك البينيAmalric of Bène وداود الديننتيDavid of Dinant هاجمون بعض العقائد المسيحية الجوهرية كعقيدة خلق العالم، والإيمان بالمعجزات، والخلود الفردي. وظنت الكنيسة أن تسرب الأفكار العربية - اليونانية إلى جنوبي فرنسا أدى إلى تحلل الطبقات المتعلمة من الاستمساك بالدين القويم، واضعف من عزمها على مقاومة الحاد الألبجنسيين. ولهذا اجتمع مجلس كنسى في باريس عام 1210 وأدان أملريك وداود وحرم قراءة كتب أرسطو فيما (بعد الطبيعة والفلسفة الطبيعية) كما حرم قراءة (شروحها). وإذ كان هذا التحريم قد كرره مندوب من قبل البابا في عام 1215 فان لنا أن نفترض أن مرسوم عام 1210 قد أغرى الناس بقراءة هذه المؤلفات التي لولا هذا التحريم لكانت عندهم ممقوتة. وأجاز مجلس لاتران الرابع قراءة كتابي أرسطو في المنطق والأخلاق ولكنه حرم غيرهما من كتبه. وفي عام 1231 عفا جريجوري التاسع عن الأساتذة والعلماء الذين عصوا هذه المراسيم، ولكنه، جدد المراسيم (إلى اجل مؤقت حتى تبحث هذه الكتب وتطهر بما فيها). ويبدو أن الثلاثة الأساتذة الباريسيين الذين عينوا للقيام بمهمة تطهير كتب أرسطو قد تركوا هذا العمل. ولم تنفذ مراسيم التحريم زمناً طويلاً، لان كتابي الطبيعة وما وراء الطبيعة (الفيزيقا والمتافيزيقا) وغيرهما من كتب أرسطو كانا يقرأن في جامعة باريس عام 1222(19). وأعاد أربان الرابع أمر التحريم في عام 1263؛ ولكن يبدو أن تومس أكوناس أكد له أن كتب أرسطو يمكن ان تطهر،
ولم يعمل أربان على تنفيذ تحريمه. وانتهى الأمر في عام 1266، إلى أن كان مبعوثو أربان الخامس في باريس يطلبون إلى جميع الطلاب المتقدمين لنيل درجة في الآداب دراسة جميع مؤلفات أرسطو دراسة وافية شاملة(20).
وأحدثت المشكلة التي واجهت العالم المسيحي اللاتيني في الربع الأول من القرن الثالث عشر أزمة كبرى في تاريخ الدين المسيحي. ذلك أن التعطش إلى الفلسفة الجديدة كان وقتئذ حمى ذهنية لا يمكن السيطرة عليها؛ ولهذا لم تواصل الكنيسة جهودها لفرض هذه السيطرة، بل إنها بدلاً من هذا وجهت قواها لحصار الغزاة وامتصاصهم فيها، فاخذ رهبانها الأوفياء يدرسون هذا اليوناني المدهش الذي قلب ثلاثة أديان رأساً على عقب؛ حتى أن الرهبان الفرنسيس وهم الذين يفضلون أوغسطين على أرسطو، رحبوا بالاسكندر الهاليس الذي بذل أول الجهود للتوفيق بين (الفيلسوف) والمسيحية. وبذل الرهبان الدمنيكيون كان تشجيع مستطاع لألبرتس مجنس وتومس أكوناس في هذا المشروع عينه؛ ولما أن انم هؤلاء الرجال الثلاثة عملهم بدا أن أرسطو لم يعد خطراً على المسيحية.الفصل الثالث


الزنادقة


إذا شئنا إلاّ نفهم الفلسفة المدرسية على إنها تكديس لا طائل من ورائه للتجريدات المملة، وجب علينا ألا ننظر إلى القرن الثالث عشر على انه الميدان الذي يصول فيه الفلاسفة المدرسيون ويجولون غير منازعين، بل أن ننظر إليه على انه ميدان اصطرع فيه مدى سبعين عاما المتشككة، والماديون، والأحديون القائلون بوحدة الوجود، والجاحدون بالله، اصطرع فيه هؤلاء مع علماء اللاهوت المسيحي للاستحواذ على العقل الأوربي.
ولقد لاحظنا من قبل وجود نزعة عدم الإيمان بين أقلية ضئيلة من سكان أوربا، وزادت هذه الأقلية في القرن الثالث عشر على اثر اتصال الأوربيين بالمسلمين عن طريق الحروب الصليبية وتراجم الكتب العربية. ولما تبين الأوربيون وجود دين آخر، اخرج رجالاً عظاماً أمثال صلاح الدين والمندي، وفلاسفة مثل ابن سينا وابن رشد، كان ذلك في حد ذاته كشفاً اضطربت له نفوسهم؛ ذلك أن مقارنة الأديان لا تنفع الدين أي نفع. ومن الشواهد على هذا ما نقله ألفنسوا الحكيمAlfonso the wise، (1252- 1284) عن انتشار عدم الاعتقاد بالخلود بين مسيحي أسبانيا(21)؛ وليس ببعيد أن تكون آراء ابن رشد قد تسربت إلى الشعب نفسه. وكان في جنوبي فرنسا في القرن الثالث عشر جماعة من أصحاب النزعة العقلية القائلين بان الله بعد ان خلق العالم تركه تسيره القوانين الطبيعية؛ وكانوا يعتقدون أن المعجزات مستحيلة، وان الصلاة لا تستطيع تغيير مسلك العناصر، وان الأنواع الجديدة لم تخلق خلقاً خاصاً وإنما وجدت بالتطور الطبيعي(22). وكان بعض أصحاب التفكير الحر-

وبعض القساوسة أنفسهم - ينكرون تحول العشاء الرباني إلى جسم المسيح(23). واخذ أحد المدرسين في أكسفورد يشكو قائلاً (انه ليس ثمة ما هو أشبه بالوثنية من القربان عند المذبح)(24). ويقول أَلان الليليAlain of Lille (1114- 1203) أن كثيرين من المسيحيين الزائفين في وقتنا هذا ينكرون البعث لان الروح تفنى مع الجسم)؛ وهم يؤيدون اعتقادهم بأقوال أَبيفور ولكريشيوس. ويعتنقون مذهب الجوهر الفرد، ويخرجون من هذا إلى أن خير ما يفعله الإنسان هو ان يستمتع بالحياة على ظهر الأرض(25).
ويبدو إن انتشار الصناعة في حواضر فلاندرز قد عمل على نشر الإلحاد. وشاهد ذلك إننا نجد داود الديننتي في بداية القرن الثالث عشر وسيجر البرابنتي قرب اختتامه يتزعمان حركة تشكك قوية. وكان داود (حوالي 1200) يدرس الفلسفة في باريس، ويمتع أنوسنت الثالث بجدله الدقيق(26)، ويعبث بضرب مادي من عقيدة الأحدية مضمونة إن الله، والعقل، والمادة الخالصة (المادة قبل ان تتشكل) أصبحت كلها وحدة في ثالوث جديد(27). وحرم كتابه الكواترنوليQuaternuli ، والذي لا وجود له الآن. واحرق بأمر مجلس باريس المقدس الذي عقد في عام 1210. وندد هذا المجلس نفسه بأحدية قال بها أستاذ آخر من جامعة باريس هو أملريك البيني، ومضمونها ان الله والخليقة شيء واحد. وأرغم أملريك على أن يرجع عن قوله ومات، كما يقول، من حسرة الخيبة (1207) (28). وأمر المجلس تنبش عظامه وتحرق في ميدان باريس إرهاباً لاتباعه الكثيرين. غير انهم ظلوا مستمسكين بآرائهم على الرغم من هذا، ووسعوا نطاق آرائه فأنكروا وجود الجنة والنار، وقوة القربان المقدس. وحرق عشرة من اتباع أملريك هذا أحياء (1210)(29).
وازدهر التفكير الديني الحر في جنوبي إيطاليا الذي كان يحكمه فردريك الثاني، حيث شب القديس تومس، وحيث أعلن الكردنال أبلديني صديق

فردريك جهرة اعتناقه المذهب المادي(30). أما في إيطاليا الشمالية فان عمال الصناعة، ورجال التجارة والمال، والمحامين، وأساتذة الجامعات اندفعوا إلى حد ما في تيار المتشككين. واشتهرت جامعة بولونيا بعدم مبالاتها بالدين، فكانت المدارس الطبية فيها وفي غيرها من المدن مراكز للشك، وفيها نشأ القول المأثور (حيث يجتمع ثلاثة أطباء يكون اثنان منهم كافرينubi tres medici duo athei )(31)، وكادت آراء ابن رشد حوالي عام 1240 تصبح الطراز العصري بين الطبقات المتعلمة من غير رجال الدين في إيطاليا. وكان آلاف منهم يقبلون عقائد ابن رشد القائلة بان القانون الطبيعي يحكم العالم دون تدخل من قبل الله؛ وان العالم مخلد كله؛ وانه لا يوجد إلا نفس واحد خالدة هي (عقل) الكون (الفعال)، وان النفس الفردية ليست إلا مظهراً أو صورة عابرة زائلة من هذا العقل، وان الجنة والنار قصص اخترعت لتغرى العالم أو ترهبهم فيحسن سلوكهم(32). وأراد بعض المعتنقين لآراء ابن رشد ان يسترضوا محاكم التفتيش فتقدموا بعقيدة الحقيقة المزدوجة؛ فقالوا أن القضية قد تبدو صحيحة من ناحية الفلسفة أو حسب التعليل الطبيعي، ولكنها مع ذلك قد تكون خاطئة حسب الكتب المقدسة أو الدين المسيحي؛ واقروا في الوقت نفسه انهم يؤمنون بمقتضى الدين بما يشكون فيه حسب العقل والمنطق. وهذه النظرية تنكر الفرض الأساسي من فروض الفلسفة المدرسية - وهو إسكان التوفيق بين العقل والدين.
وكانت جامعة بدوا في أواخر القرن الثالث عشر، وطول القرنين الرابع عشر والخامس عشر مركزاً مضطرباً لفلسفة ابن رشد. ونذكر من الشواهد الدالة على هذا الاضطراب أن بطرس الأباويPeter of abano (حوالي 1250- 1316) أستاذ الطب في جامعة باريس ثم أستاذ الفلسفة في جامعة يدوا، الف كتاباً يراد به التوفيق بين النظريات الطبية والفلسفية. وقد اكتسب مكانة

ملحوظة في تاريخ العلوم الطبيعية لأنه قال في دروسه أن المخ هو مصدر الأعصاب وان القلب مصدر الأوعية الدموية. ولأنه قدر طول السنة تقديراً مدهشاً في وقته وهو 365 يوما، وست ساعات وأربع دقائق(34). وكان لثقته بالفلسفة يرجع العلل كلها تقريباً لقوة النجوم وحركتها، وكاد يبعد الله عن حكم العالم(35). واتهمه رجال محاكم التفتيش بالإلحاد؛ غير أن المركيز أزودستAzzo d'Este والبابا هونوريوس الرابع كانا من بين مرضاه فبسطا حمايتهما عليه. ثم اتهم مرة أخرى في عام 1315، ونجا هذه المرة من المحاكمة بان مات ميتة طبيعية. وحكم قضاة التفتيش بان تحرق جثته في ميدان الحريق، ولكن أصدقاءه أخفوا رفاته إخفاء محكما اضطرت المحكمة أن تنفذ حكمها بحرق صورة له(36).
ووجد تومس أكوناس بعد انتقاله من إيطاليا إلى باريسان فلسفة ابن رشد قد استحوذت من زمن بعيد على جزء كبير من الجامعة، ويؤيد هذا ما لاحظه وليم الأوفرني في عام 1240 من أن في الجامعة (كثيرين من الرجال يلتهمون هذه النتائج (من فلسفة ابن رشد) من غير تمحيص)؛ وان تومس نفسه وجد فلسفة أبن رشد منتشرة بين شباب الجامعة(37). ولعل ما نقله تومس عن هؤلاء قد روع البابا أسكندر الرابع (1256) فكلف ألبرتس مجنس أن يكتب رسالة في وحدة العقل ضد فلسفة ابن رشد. ولما جاء تومس ليدرس في باريس (1252- 1261، 1269- 1276) كانت حركة الفلسفة الرشدية قد بلغت ذروتها؛ وقد درس زعيمها في فرنسا سيجر البرابنتيSiger of Barbant في هذه الجامعة من 1266 إلى 1276. وظلت فلسفة ابن رشد والكثلكة تتخذان من جامعة باريس ميداناً لاقتتالهما جيلا من الزمان.
وكان سيجر (1235؟- 1281) وهو قس من غير رجال الدين الاديرة متجراً في العالم؛ وحتى الأجزاء القليلة الباقية من مؤلفاته تنقل عن الكندي، والفارابي، والغزالي، وأبن سينا، وابن باجة، وأبن جبروئيل، وأبن ميمون. ويقول سيجر في سلسلة

من الشروح والتعليقات على أرسطو، وفي مقالة جدلية ضد رجلي الفلسفة الذائعة الصيت، ألبرت وتومس، يقول سيجر في هذه وتلك أن ألبرت وتومس يفسران الفلسفة تفسيراً خاطئاً وان ابن رشد يفسرها تفسيراً صحيحاً(39). وهو يستخلص ما يستخلصه ابن رشد من أن العالم أزلي، وان القانون الطبيعي لا يتبدل، وان نفس النوع وحدها هي التي تبقى بعد موت الفرد. ويقول سيجر أن الله هو العلة النهائية، لا العلة الفعلية، للأشياء- وهو هدف الخليقة لا علتها. وقد افتتن بالمنطق فقاده هذا الافتتان كما قاد فيكوVico ونتشة إلى الإيمان بعقيدة تسلسل الحادثات تسلسلاً لا نهائياً فقال: بما أن جميع الحادثات الأرضية تحددها في نهاية الأمر تجمعات النجوم، وبما أن عدد التجمعات الممكن حدوثها محدودة، فان كل تجمع لا بد أن يتكرر بصورته نفسها المرة بعد المرة في زمن لا نهائي، تكراراً تعقبه حتما نفس النتائج التي أعقبته من قبل؛ وبذلك تعود (نفس الأنواع، ونفس الاراء، والقوانين، والأديان) (40). وقد حرص سيرجو على أن يضيف إلى هذا (ونحن نقول هذا أخذاً برأي الفيلسوف، دون أن نقطع بصحته) (41). وكان يضيف مثل هذا الاحتياط إلى كل رأي من آراءه الملحدة. ولم يكن يجهر بعقيدة الحقيقتين؛ وكان يعلم تلاميذه أن بعض النتائج تستتبعها آراء أرسطو ويستتبعها العقل؛ فإذا كانت هذه النتائج تناقض العقائد المسيحية، فانه يؤكد إيمانه بعقائد الدين، ويسمها هي وحدها، دون الفلسفة بميسم الحق(42).
ويدل تقدم سير إلى المطالبة بان يكون مديراً للجامعة على انه كان له فيها اتباع كثيرون، وان لم يوفق في طلبه هذا (1271). وليس أدل على تمكن فلسفة ابن رشد في جامعة باريس من تنديد إتين تمبييهEtienne Tempier أسقف باريس بهذه الحركة المرة بعد المرة. ففي عام 1269 حكم بأن ثلاث عشرة
قضية من القضايا التي يعلمها في الجامعة بعد الفلاسفة مبادئ الحادية لا تتفق مع الدين، وهذه القضايا هي:
انه لا يوجد في الناس كلهم إلا عقل واحد.... وان العالم أزلى... وانه لم يوجد قط رجل أول... وان النفس تفسد بفساد الجسم... وان إرادة الإنسان تريد وتختار بحكم الضرورة... وان الله لا علم له بالحوادث الفردية... وان أعمال الإنسان لا تسيطر عليها العناية الإلهية(43).
ويبدو أن مدرسة ابن رشد الفلسفية ظلت تعلم كما كانت تعلم من قبل، وشاهد ذلك أن الأسقف اصدر في عام 1277 ثبتاً بتسع عشرة ومائتي مسألة قرر رسمياً إنها تسم القائلين بها بالإلحاد. وهذه المسائل، على حد قول الأسقف، كان يعلمها سيجر أو بؤيثوس الداشياويBoethius of Dacia أو غيرهما من أساتذة جامعة باريس ومنهم القديس تومس نفسه. وكانت هذه المسائل التسع عشرة والمائتين تشمل التي حكم عليها في عام 1269 وغيرها من المسائل الشبيهة بالأقوال الآتية:
إن عملية الخلق مستحيلة... إن الجسم إذا فسد (بالموت) لا يمكن أن يقوم بعدئذ بوصف كونه الجسم نفسه... أن من واجب الفيلسوف ألا يؤمن ببعث في المستقبل، لان هذا لا يمكن ان يمحصه العقل... أن أقوال علماء الدين قائمة على الطرافات... أن علوم الدين لا تضيف شيئاً ما إلى معلوماتنا... أن الدين المسيحي يقف في سبيل العلم... أن الإنسان يحصل على السعادة في هذه الحياة لا في غيرها... أن العقلاء في هذه الأرض هم الفلاسفة وحدهم... انه ليس ثمة حالة افضل من أن يجد الإنسان فراغاً في دراسة الفلسفة(44).
وأدانت محكمة التفتيش سيجر في شهر أكتوبر من عام 1277؛ وقضى سنيه الأخيرة في إيطاليا سجيناً بأمر المحكمة الرومانية حتى اغتاله مختال نصف مجنون في أرفيتوOrvieto. الفصل الرابع


تطور الفلسفة المدرسية


لم يكن الحكم على هذه القضايا الإلحادية يكفي لصد هذه الهجوم الشديد على الدين المسيحي. ذلك أن الشباب ثمن بخمر الفلسفة القوي. فهل كان كسب المعركة بالالتجاء إلى العقل؟ لقد اقبل علماء الدين من الرهبان الفرنسيس والدمنيكيين، والأحبار من غير الرهبان أمثال وليم الأوفرني وهنري الغنتيHenry of Ghent ، للدفاع عن المسيحية وعن الكنيسة، كما كان المتكلمون من قبلهم يدافعون عن الإسلام ضد المعتزلة.
وقسم الدفاع نفسه الى معسكرين رئيسيين: المعسكر الصوفي- الأفلاطوني ومعظم رجاله من الرجال الفرنسيس؛ والمعسكر العقلي- الأرسطوي ليس ومعظم رجاله من الرهبان الدمنيكيين. أما البندكتيون أمثال هيوHugh ورتشرد السانت فكتوري فقد كانوا يحسون أن خير الدفاع عن الدين هو إدراك الإنسان المباشر وجود حقيقة روحية اعمق من كل تعمق ذهني. وكان (المتزمتون) أمثال بطرس رجل بلواBlois ، واستيفن رجل تورناي يقولون إن الفلسفة يجب ألا تبحث في مسائل اللاهوت، فإذا فعلت فعليها أن تتحدث وتسلك بوصفها خادماً للاهوت(46). ومن واجبنا أن نذكر أن هذا الرأي لم يكن يقول به إلا قسم من الجبهة المدرسية(47).
وعالج عدد قليل من الرهبان الفرنسيس أمثال اسكندر الهاليسي (1170؟- 1245) المسألة عن طريق العقل، وحاولوا أن يدافعوا عن المسيحية باستخدام المصطلحات الفلسفية والأرسطوطاليسية، ولكن معظم الرهبان الفرنسيس

لم يكونوا يثقون بالفلسفة؛ وكانوا يحسون أن مغامرات العقل مهما تأت للكنيسة بالقوة والمجد إلى حين، قد تفلت من السيطرة عليها فيما بعد، وتبعد الناس عن الدجين بعد أن تترك المسيحية ضعيفة لا نصير لها في عام جاحد فاسد الأخلاق. فكانوا لهذا يفضلون أفلاطون عن أرسطو، وبرنار عن أبلار، وأغسطين عن أكوناس. وكانوا يعرفون النفس كما عرفها افلاطون بأنها روح مستقلة تسكن الجسم وتسكن فيه، وهالهم أن يروا تومس يأخذ بتعريف أرسطو للنفس بأنها (الصورة المادية) للجسم. وقد وجدوا في أفلاطون نظرية للخلود غير الشخصي لا فائدة منها قط في قمع غرائز الناس الحيوانية. واتبعوا رأي أغسطين فوضعوا الإرادة فوق العقل في الله وفي الإنسان على حد سواء، وكان الهدف الذي يبتغونه هو الخير لا الحقيقة. وكانوا في تربيتهم للقيم يجعلون الصوفي اقرب من الفيلسوف لجوهر الحياة الخفي ومعناها.
وسيطر القسم الأفلاطوني- الأوغسطيني من جيش المدرسين على العلوم الدينية التقليدية في النصف الأول من القرن الثاني عشر. وكان اعظم الناطقين بلسان هذا القسم هو بونافنتورا التقي- وهو رجل طيب القلب طارد الإلحاد، وصوفى يكتب في الفلسفة، وعالم يستهجن العلم، وصديق مدى الحياة ومعارض لتومس أكوناس، ومدافع عن الفقر الذي يدعو إليه الإنجيل ومضرب المثل لهذا الفقر، جمعت طائفة الرهبان الفرنسيس بإشرافه ورعايته قدراً كبيراً من الثروة الجماعية ولقد ولد جيوفني دي فدنزاGiovanni di Fidanza في تسكانيا عام 1221 ثم اصبح اسمه لسبب لا نعرفه بونا فنتورا- الحظ الحسن. وكاد يموت وهو صغير من أحد أمراض الأطفال، وأخذت أمه تصلي الى القديس فرانسيس ليمن عليه بالشفاء؛ وأحس جيوفني بعدئذ بأنه مدين بحياته إلى هذا القديس. ولهذا انظم إلى اتباعه وأرسل إلى باريس ليدرس على الاسكندر الهاليسي، ثم شرع في عام 1248 يعلم اللاهوت في الجامعة، واختير في عام 1257،
وهو لا يزال شاباً في السادسة والثلاثين من عمره، راعياً عاماً لطائفة الرهبان الفرنسيس، فلم يدخر وسعاً في إصلاح ما دبَّ في الطائفة من تراخ، ولكن دماثة أخلاقه لم تمكنه من النجاح، وان كان هو نفسه يحيى حياة الزاهد البسيطة؛ ولما حاءه الرسل يبلغونه انه اختير كردنالاً وجدوه يغسل الصحاف؛ ومات بعد عام واحد (1274) منفرط الإجهاد.
وكانت كتبه جيدة الأسلوب، واضحة، موجزة. وكان يتظاهر بأنه الجامع لها لا اكثر، ولكنه بعث في كل موضوع مسه بقلمه روح النظام، والحماسة، والتواضع الذي يستل السخائم. وكان كتابه القول الموجز خلاصة للاهوت المسيحي كثير الإعجاب، كما كان الحديث المفرد، ورحلة العقل إلى الله درة في تاج النقي الصوفي. ومن أهم مبادئه ان المعرفة الحقة لا تأتي عن طريق إدراك الحواس للعالم المادي بل تأتي لإدراك النفس للعالم الروحي عن طريق اللقانة. وكان بونا فنتورا يحب القديس تومس، ولكنه كان يعارض في قراءة الفلسفة، وينتقد في صراحة بعض ما استخلصه أكوناس من النتائج. وكان يذكر الرهبان الدمنيكيين بان أرسطو كان كافراً، وانه يجب الا توضع أقواله في منزلة أقوال آباء الكنيسة، وتساءل هل في مقدور فلسفة أرسطو أن تفسر حركات نجم من النجوم لحظة واحدة؟(48). وهو يقول أن الله ليس نتيجة يصل إليها العقل عن طريق العقل بل هو وجود حي، الإحساس به خير من تحديده، وان الخير أسمى من الحقيقة، والفضائل الساذجة تعلو على كل العلوم. ويقولون ان الاخ إجيديوEgidio هاله في يوم من الأيام تبحر بونا فنتورا في العلم فقال له: (واحسرتاه! ماذا نفعل نحن الجهلاء السذج كي نكون خليقين بحب الله!) فأجابه بونا فنتورا بقوله: (أخي، انك لتعلم حق العلم انه يكفيك حب الله) فرد عليه أديجو بقوله: (فهل تؤمن إذن بان مقدور امرأة ساذجة ان تسره كما يسره أستاذ في اللاهوت؟). فلما أجابه بنعم اندفع ديجو الى الطريق وصاح

في امرأة متسولة: (ابتهجي، لأنك إذا أحببت الله، قد يكون لك مكان في ملكوت السموات أعلى من مكان الأخ بونا فنتورا!)(49).
وجلي أن من الخطأ أن نظن أن (الفلسفة) المدرسية المعروفة بهذا الاسم إنما هي آراء وأساليب في البحث مجدبة متفق عليها بالإجماع. لقد كانت هناك في واقع الأمر مائة من الفلسفات المدرسية؛ فقد كانت الكلية الواحدة من كليات الجامعة تضم أحد أشباع تومس الذي يمجد العقل، واحد أنصار بونا فنتورا الذي يستهجنه ويزدريه، واحد اتباع وليم الاوفرني (1180- 1240) الذي يقول مع ابن جبيرول بحرية الإرادة، واحد اتباع سيجر يعلم فلسفة ابن رشد. وكاد الاختلاف والنزاع بين أنصار الدين القويم يبلغان من الشدة ما بلغاه بين الدين واللادين. فكان يوحنا بكهام الأسقف الفرنسيسي يندد بأكوناس تنديداً لا يقل صرامة عن تنديد تومس بسيجر وابن رشد؛ وكتب ألبرتس مجنس في ساعة فارقة فيها صلاحه يقول: (هناك أناس جاهلون لا يتورعون في محاربة استخدام الفلسفة لكل سلاح، وأَخُصُ بالذكر من هؤلاء الرهبان الفرنسيس- أولئك الوحوش الكاسرة الذين يسبون مالا يعرفون)(50).
وكان ألبرت يحب العلم ويعجب بأرسطو الا حين يتطرق إلى الإلحاد في الدين، وكان أول من درس من الفلاسفة المدرسين جميع مؤلفات الفيلسوف الكبرى، واخذ على نفسه أن يفسرها تفسيراً يوافق الدين المسيحي. وكان مولده في لاننجنLaningen بسوايباSwabia حوالي عام 1201 وولده هو الكونت بلستادتBollst?dt الثري، ثم درس في يدوا وانظم الى الرهبان الدمنيكيين واشتغل في بالتدريس في مدارس الدمنيك في هلدسهايمHildesheim ، وفرايبرحFreibueg ، وراتسبونRatisbon ، واسترسبورج، وكولوني (1228- 1245) وباريس (1245- 1248). ثم عين بعدئذ مندوباً إقليمياً 

لطائفته في ألمانيا ثم أسقفاً لراتسبون (1260) على الرغم من تفضله حياة التدريس. وتقول الرواية المأثورة انه كان يمشي حافي القدمين في جميع أسفاره(51). وفي عام 1262 سمح له أن يعتزل العمل ويأوى الى دير في كولوني، ثم ترك ما كان فيه من هدوء وهي في السادسة والسبعين من عمره (1277) ليدافع عن عقيدة تلميذه المتوفى تومس أكوناس وعن ذكراه في جامعة باريس. وافلح فيما ندب إليه، وعاد الى ديره، وتوفي في التاسعة والسبعين من عمره. وان حياته العامرة بالوفاء والإخلاص لدينه، وتواضعه الخلقي، وتعدد نواحي نشاطه العقلي، لتظهر فيها حياة الأديرة في خير مظاهرها.
وليس ثمة ما يفسر لنا كيف يستطيع رجل قضا ما قضا من الوقت في التدريس والأعمال الإدارية أن يكتب مقالات في كل فرع من فروع العلم تقريباً، ورسائل قيمة في كل فرع من فروع الفلسفة وعلوم الدين، نقول ليس ثمة شيء يفسر لنا هذا إلا هدوء حياة الأديرة الرتيبة والصبر الفائق الذي يمتاز به العلماء الألمان%=@وإلى القارئ كتب ألبرت الكبرى في الفلسفة واللاهوت بأسمائها الأصلية:
(1) في المنطق de praedicabilibus; Philosophia Rationalis Perihermenias ؛ de sex principüs; de praedicamentis Analytica priora, (De interpretatione i. e)؛ libri elenchorum; Tropica; Analytica posteriora.؛ (2) وفيما وراء الطبيعة-De unitate intellictus contra Averroistas; metaphy Sica; de fato (3) وفي علم النفس De anima; De sensu et sensato, De memoria et reminiscentia, De intellectua et intelligibili, De potentüs animae (4) وفي علم الأخلاق Ethica (5) وفي السياسة Politicia(6) وفي اللاهوتSumma de creaturis; Summa theologiae Commentarium in sententias Petri Lombardi; ommentarium de divians nominibus. وتتكون الرسائل الخمس الواردة في هذا الثبت من واحد وعشرين مجلداً من مؤلفات ألبرت التي لم تنتشر كلها بعد.@ . وقلما يوجد في التاريخ من كتب هذا القدر من المكتب والرسائل والمقالات، واخذ من غيره مثل ما اخذ، او اعترف بمثل صراحته،

بدينه لمن اخذ عنهم. ويتخذ البرت مؤلفات أرسطو أسساً لكتبه وتكاد عناوينها كلها تكون هي بعينها عناوين مؤلفات الفيلسوف القديم؛ وهو يستعين بشروح ابن رشد على تفسير مؤلفات ذلك الفيلسوف، ولكنه يفسر المؤلفات الأصيلة والشروح تفسيراً جريئاً اذا ما ناقضت الدين المسيحي. وهو يرجع الى آراء المفكرين المسلمين بدرجة جعلت مؤلفاته مصدراً هاماً بما نعرفه عن الفلسفة الإسلامية. ولا تخلو صفحتان من كتبه من أقوال يقتبسها من ابن رشد، ويرجع أحياناً إلى كتاب دلالة الحائرين لابن ميمون، ويعترف بان أرسطو اعظم مرجع في العلوم والفلسفة، وأوغسطين اعظم مرجع في علوم الدين، والكتاب المقدس اعظم المراجع في كل شيء ومقالاتهم المكدسة التي يخطئها الحصر سيئة الترتيب ولا يمكن ان يستخلص منها نظام متسق للتفكير،وهو يدافع عن عقيدة ما في موضع ثم يهاجمها في موضع اخر او في الموضع نفسه احياناً؛ ولم يتسع وقته لتصفيه متناقضاته. وكان إفراطه في الطيبة والتقي يحول بينه وبين التفكير الموضعي؛ وكان في وسعه ان يتبع تعليقاً على أرسطو برسالة طويلة مؤلفة منن اثنى عشر (كتاباً) في الثناء على مريم العذراء المباركة يقول فيها أن مريم كانت ملمة إلماماً كاملاً بالنحو، والبيان، والمنطق، والحساب، والهندسة، والموسيقى، والفلك.
فما هي إذن أهم أعماله؟ أن أهم هذه الأعمال هي انه كان له نصيب موفور في البحث العلمي في ذلك الوقت وفي نظرياته؛ وانه كان في ميدان الفلسفة (قدم أرسطو للاتين)، وهو كل ما كان يهدف إليه؛ وكان له الفضل في استخدام مؤلفات أرسطو في تعليم الفلسفة؛ وجميع كنوز التفكير والجدل الوثنية والعربية واليهودية والمسيحية التي استخدمها تلميذه الذائع الصيت في فلسفته التركيبية التي تفوق فلسفة أستاذه وضوحاً وتنظيماً. ولسنا نجافي الحقيقة إذا قلنا انه لولا ألبرت لما وجد تومس.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق