الجمعة، 23 يوليو 2010

من قصة الحضارة :الأخلاق والآداب في العالم المسيحي










 

الباب الثلاثون



الأخلاق والآداب في العالم المسيحي


700 -1300


الفصل الأول


القانون الأخلاقي المسيحي


كان لا بد للإنسان في مرحلة سكنى الغاب أوفى مرحلة الصيد أن يكون شرهاً- حريصاً في بحثه عن الطعام، نهما في ابتلاعه - لأنه إذا جاءه الطعام مرة لا يدري متى يأتيه مرة أخرى. وكان لا بد له أن يكون شديد الحساسية الشهوانية، وكثيراً ما يطلق لهذه الشهوات العنان، فلا يتقيد بزواج لأن ارتفاع نسبة الوفيات تحتم ارتفاع نسبة المواليد، فكل امرأة يجب أن تصير أما كلما كان ذلك مستطاعاً، ولا بد أن تكون وظيفة الذكر حامية على الدوام. ولا بد أن يكون مشاكساً دائم الاستعداد للقتال من أجل طعامه ورفيقته.
لقد كانت الرذائل في وقت ما فضائل لا غنى عنها للمحافظة على البقاء، فلما وجد الإنسان أن أحسن سبيل إلى البقاء - بقاء الفرد وبقاء النوع - هي سبيل التنظيم الاجتماعي، وسع نطاق عصبة الصيد، فجعلها هيئة من النظام الاجتماعي لا بد فيها من كبح جماع الغرائز التي كانت عظيمة النفع في مرحلة الصيد عند كل خطوة يخطوها الإنسان، حتى يستطاع بذلك قيام المجتمع. فليست كل حضارة إلا توازناً وتجاذباً بين غرائز الإنسان ساكن الغابة وقيود 

القانون الأخلاقي، فإذا وجدت الغرائز دون القانون الأخلاقي قضى على الحضارة، وإذا وجدت القيود دون الغرائز قضى على الحياة، فالمشكلة التي تواجهها الأخلاق هي أن تنظم القيود بحيث تحمي الحضارة دون أن توهن الحياة.
وكانت بعض الغرائز، وأكثر ما تكون غرائز اجتماعية، هي صاحبة السبق في تهدئة العنف البشري، والاختلاط الجنسي الطليق، والشره، وكانت هي أساساً حيوياً للحضارة. فقد خلق الحب الأبوي، في الحيوان والإنسان، نظام الأسرة الاجتماعي الفطري، وما فيها من تأديب تعليمي، ومساعدة متبادلة، ونقلت السلطة الأبوية، وهي مزيج من ألم الحب ومتعة الاستبداد، قانون السلوك الاجتماعي المنقذ للحياة إلى الطفل صاحب النزعة الفردية. وأحاطت القوة المنظمة التي يمارسها الزعيم، أو الشريف، أو وتمارسها المدينة أو الدولة، أحاطت هذه القوة وداجت إلى حد كبير قوة الأفراد غير المنظمة. وأخضع حب الاستحسان النفس البشرية إلى إرادة الجماعة، وهدت العادة والمحاكاة من حين إلى حين المراهق والمراهقة إلى السبل التي ارتضاها الناس عد تجاربهم وأخطائهم . وأرهب القانون الغرائز بشبح العقاب، وذلل الضمير الشاب بطائفة لا حصر لها من الموانع والمحرمات.
واعتقدت الكنيسة أن هذه المنابع الطبيعية أو الزمنية للأخلاق لا تكفي وحدها للسيطرة على الدوافع التي تحفظ الحياة في الغابة، بل تقضي على النظام في المجتمع، وقالت إن هذه الدوافع أقوى من أن تكبحها أية سلطة لا تكون لها في كل مكان وفي وقت واحد قوة مانعة رهيبة. ولهذا القانون الأخلاقي شديد الوقع على الجسم لا بد له أن يكون مختوماً بخاتم قوة غير بشرية إذا أريد أن يطيعه الناس، ولا بد له أن يكون مؤيداً بقوة إلهية وذا مكانة فوق المكانة الآدمية تحترمها النفس في غياب كل سلطة،وفي أثناء لحظات الحياة وخباياها الخفية، إن السلطة الأبوية نفسها، وهي عماد كل نظام أخلاقي واجتماعي، لتنهار في النزاع 

القائم ضد الغرائز البدائية إلا إذا كان لها دعامة من العقيدة الدينية تغرس في قلب الطفل. فإذا أريد خدمة المجتمع ونجاته، فلا بد له من دين يقاوم الغرائز الملحدة بأوامر ليست من عند البشر ولا تقبل قط نزاعاً، بل هي أوامر من عند اللّه نفسه، محددة واضحة لا تقبل جدلا. وإذ كان الإنسان شديد الإثم والشراسة فإن هذه الوصايا الإلهية يجب ألا يؤيدها الثناء والشرف اللذان يمنحنهما الناس من يطيعونها، أو الخزي والعقاب اللذان يلحقان بمن يخرج عليها، بل يجب أن يؤيدها، فضلا عن هذا، الأمل في نعيم السماء تناله الفضيلة التي لا تلقى جزاءها في هذه الدنيا، وخوف الجحيم التي يتردى فيها الآثمون الذين لا يلقون على ظهر الأرض عقاباً. إن هذه الوصايا يجب ألا تأتي من عند موسى بل عند اللّه.
وكانت عقيدة الخطيئة الأولى في اللاهوت المسيحي هي التي مثلت بها النظرية القائلة إن الغرائز البدائية تجعل الإنسان غير صالح للحضارة وكانت هذه النظرية، كما كانت فكرة"كارما" في الديانة الهندية محاولة قصد بها ما يحل بالناس من آلام هم في الظاهر غير خليقين بها، وهذا التفسير هو أن "الصالحين يقاسون الآلام في هذه الحياة لأن أسلافهم ارتكبوا الإثم، وتقول النظرية المسيحية إن الجنس البشري على بكرة أبيه قد لوثته خطيئة آدم وحواء، ويقول جراتيان Gratiun في كتابه Decrtum (القرار) (حوالي عام 1150) الذي اتخذته الكنيسة بصفة غير رسمية جزءاً من تعاليمها: كل آدمي ولد نتيجة لاتصال الرجل بالمرأة يولد ملوثاً بالخطيئة الأولى؛ معرضاً للعقوق والموت، ولهذا فهو طفل مغضوب عليه(1) لا ينجيه من الخبث واللعنة إلا رحمة اللّه وموت المسيح الذي كفر عن آثامه (ولا ينقذ الإنسان من العنف، والشهوة، والشره، وينجيه هو والمجتمع الذي يعيش فيه من الهلاك إلا المثل الذي ضربه المسيح الشهيد في الوداعة ودماثة الخلق). وبعثت الدعوة إلى هذه العقيدة، مضافة إلى الكوارث الطبيعية التي لم تستطع العقول فهمها إلا على عقاب عن الخطايا، بعثت هذه


الدعوة في الكثيرين من الناس في العصور الوسطى شعوراً بأنهم مفطورون على الدنس، والانحطاط، والإجرام، وهو الشعور الذي غلب على كثير من أدبهم قبل عام 1200. ثم أخذ ذلك الشعور بالخطيئة والخوف من الجحيم يتناقض حتى جاء عهد الإصلاح الديني، وظهر بعدئذ بقوة ورهبة جديدين بين المتطهرين المتزمتين.
وتحدث جريجوري الأول ومن جاء بعده من علماء الدين عن سبع خطايا - الكبرياء، والبخل، والحسد، والغضب، والشهوة، والشره، والكسل، تقابلها في رأيهم السبع الفضائل الرئيسية: أربع منها"فطرية" أو وثنية امتدحها فيثاغورس وأفلاطون - الحكمة، والشجاعة، والعدالة، والاعتدال، وثلاث فضائل "دينية" - الإيمان، والأمل، والإحسان. ولكن المسيحية لم تؤمن قط بالفضائل الوثنية وإن ارتضتها، وكانت تفضل الإيمان عن العلم، والصبر عن الشجاعة، والحب والرحمة عن العدالة ، والتعفف والظهر عن الاعتدال. ورفعت من شأن الإتضاع، ووصفت الكبرياء(وهو من أبرز صفات رجل أرسطو المثالي) بأنه أشنع الذنوب الشنيعة. وكانت المسيحية تتحدث أحياناً عن الحقوق الإنسان، ولكن أكثر ما كانت تؤكده هو واجبات الإنسان - واجباته نحو نفسه، ونحو بني جنسه، ونحو كنيسته وربه. ولم تكن الكنيسة تدعو إلى الاقتداء بالمسيح الرقيق، الوادع، الرحيم، لأنها كانت تخشى أن تجعل الرجال مخنثين. والحق أن رجال المسيحية اللاتينية في العصور الوسطى كانوا أكثر رجولة من ورثتهم وخلفائهم في هذه الأيام، لأنهم كانوا يواجهون من الصعاب أكثر مما يواجهه هؤلاء. ذلك أن علماء الدين والفلاسفة، كالرجال والدول، يتصفون بما يتصفون به، لأنهم في زمانهم ومكانهم، لم يكن لهم مما كانوا عليه بد.

الفصل الثاني


الآداب قبل الزواج


ترى إلى أي حد كانت آداب الناس في العصور الوسطى تمثل أو تحقق المبادىء والنظريات الأخلاقية في تلك العصور؟ فلتنظر أولا إلى الصورة التي كانت عليها تلك العصور دون أن يكون لدينا رأى سابق نريد اثباته.
لقد كانت أولى الحادثات التي تمت بصلة إلى الأخلاق في الحياة المسيحية هي التعميد: به كان الطفل يندمج جدياً في المجتمع وفي الكنيسة، ويخضع- أو يخضع عنه من يعمدونه - إلى قوانينهما. وفي هذه الحفل يتلقى كل طفل "اسماً مسيحياً" - ويكون هذا الاسم في العادة اسم أحد القديسين المسيحيين. أما الأسماء التي تضاف بعد هذا الاسم فكانت مختلفة الأصول، ويمكن الرجوع بها خلال أجيال متعددة إلى القرابة، أو المهنة، أو المكان، أو إلى شيء من معارف الجسم أو معالم الخلق، بل يمكن الرجوع بها أحياناً إلى شيء من الطقوس الكنيسة: ومن أمثلة هذه الأسماء سسلي ولكنز دوتر Cicely wilkinsdoughter وجيمس اسمث James Smith، ومرجريت فري ومن Margret Ferrywoman وماثيو باريس Matthew Paris، وأجنيس ردهد Agnes Redhead، وجون مريمان Jogn Merriman، وروبرت لتاني Robert Litany، وروبرت بندبسيت Robert Bendicite أو Benedict.
وكان جرجوري الأكبر، كما كان روسو، يحث الأمهات على أن يرضعن أطفالهن(3)، وكانت معظم النساء الفقيرات يفعلن هذا، أما نساء الطبقات العليا 

فكانت الكثرة الغالبة منهن لا تفعلنه(4). وكان الأطفال محبوبين، كما هم محبوبين الآن؟ ولكنهم كانوا يضربون أكثر مما يضربون في هذه الأيام، وكانوا كثيري العدد بالرغم من كثرة من يموتون منهم في سن الطفولة وسن المراهقة. وكان بعضهم يؤدب البعض لاجتماعاتهم في مكان واحد، وقد تحضروا بسبب خوفهم من ارتكاب الذنوب. وتعلموا من أقاربهم ورفاقهم في اللعب كثيراً من فنون القطر أو المدينة، وتقدموا تقدماً سريعاً في معارفهم وخبثهم. وفي ذلك يقول تومس من أهل سيلانو Celano في القرن الثالث عشر: "لا يكاد الأولاد ينطقون حتى يتعلموا الخبث، وكلما تقدموا في السن زادوا سوءاً على سوء حتى يصبحوا مسيحيين بالاسم لا أكثر"(5). ولكن الذين يكتبون في الأخلاق مؤرخون غير صادقين، فقد كان الأولاد يبلغون سن العمل وهم في الثانية عشرة من عمرهم ويبلغون سن الرشد القانوني في السادسة عشرة.
وكانت مبادئ الأخلاق المسيحية تتبع مع المراهقين سياسة صامتة بآراء الأمور الجنسية. فقد كان النضج المالي أي القدرة على كفالة الأسرة يجيء بعد النضج الجنسي أي القدرة على الخلف، وكان الاعتقاد السائد أن التربية الجنسية قد تزيد آلام العفة في تلك الفترة من العمر، وكانت الكنيسة تتطلب العفة قبل الزواج لتساعد بذلك على الاحتفاظ بالوفاء بعده وعلى النظام الاجتماعي والصحة العامة. ولكن الشاب في العصور الوسطى كان في أكبر الظن قد ذاق أنواعاً من الصلات الجنسية قبيل بلوغه السادسة عشرة من عمره. فقد عاد اللواط إلى الظهور في أثناء الحروب الصليبية، وفي أثر تيار الآراء الشرقية ، وعزلة الرهبان والراهبات(6). وكانت المسيحية قد أفلحت في مهاجمة هذا الداء في العصور القديمة المتأخرة. وقد كتب هنري رئيس دير كليرفو عن فرنسا في عام  


1177 يقول!"إن سدوم القديمة قد أخذت تقوم فوق أنقاضها"(7). واتهم فليب الجميل رهبان المعبد بانتشار اللواط بينهم. وفي كتب التوبة الدينية التي تصف وسائل التكفير عن الذنوب ذكر لضروب الفحش من بينها البهيمية، وكانت طائفة كثيرة التنوع عن البهائم موضع صلات جنسية بالآدميين(8). وكانت الصلات الجنسية من هذا النوع إذا كشفت عوقب الطرفان المشتركان فيها بالإعدام، وفي سجلات البرلمان الإنكليزي ذكر لطائفة من الكلاب، والمعز، والبقر،والخنازير،والإوز، حرقت حية هي ومن ارتكب معها الفحشاء من الآدميين. كذلك كثرت مضاجعة المحارم في تلك الأيام.
ويبدو أن العلاقات الجنسية قبل الزواج، وفي خارج نطاق الزواج، كانت منتشرة أنشارها في أي وقت بين أقدم الأزمنة والقرن الثاني عشر، ذلك أن غريزة الإنسان المختلطة كانت تتعدى الحدود التي تقيمها الشرائع الزمنية والكنسية، وكانت بعض النساء يعتقدون أن ورعهن في آخر الأسبوع يكفر عن مرحهن وبطنتهن. وكان الاغتصاب شائعاً(9) رغم ما يتعرض له المغتصب من أشد ضروب العقاب، وكان الفرسان الذين يخدمون النساء أو الفتيات الكريمات المولد نظير قبلة أو لمسة من أيديهن يسلون أنفسهم بخادمات هؤلاء السيدات والفتيات، ومن أولئك السيدات من لم يكن يستطعن النوم مرتاحات الضمائر إلا إذا هيأت بأنفسهن هذه التسلية(10). كان مما يألف له فارس لاتور لاندرى La Tour Landry انتشار الفسق بين بعض الشبان من أبناء الأشراف، وإذا أخذنا بأقواله فإن بعض رجال الطبقة التي ينتمي إليها كانوا يفسقون في الكنائس بل "على المذبح" نفسه؛ وهو يحدثنا عن "ملكتين استمتعتا ببهجتهن الآثمة وبلذتهن داخل الكنيسة في أثناء الصلاة المقدسة في يوم خميس الصعود

أثناء الصيام(11). ويصف وليم المالمزبري Wiliam of Malmsbury أشراف النومان بأنهم منهمكون في البطة والدعارة" وأنهم يتبادلون العاشقات بعضهم مع بعض(12) خشية أن يضعف الوفاء حدة الشهوة. وكان الأطفال غير الشرعيين منتشرين في جميع أنحاء العالم المسيحي، وكانت سيرتهم موضوعاً لآلاف القصص، وكان أولاد الزنا أبطال عدد من هذه القصص فمنهم كوشولان Cuchulain ، وآرثر Arthur، وجاوين Gawain ورولان Roland، ووليم الفاتح، وكثيرون من الفرسان المذكورين في تواريخ فرواسار Froissart.
وتمشى العهر مع مطالب ذلك الوقت، فقد كان بعض النساء الذاهبات إلى الحج يكسبن نفقة الطريق، كما يقول الأسقف بنيفاس، ببيع أجسادهن في المدن القائمة في طريقهم(13). وكان كل جيش يتعقبه آخر من العاهرات لا يقل خطراً عن جيش أعدائه. ويحدثنا ألبرت من أهل إيكس Aix فيقول إن "الصليبيين كان بين صفوفهم جمع حاشد من النساء في ثياب الرجال، يسافرون معهم دون أن يميزون عنهم، ويغتنمن الفرصة التي تتاح لهم مع الرجال"(14). ويقول المؤرخ العربي عماد الدين إنه في أثناء حصار عكا حضرت ثلاثمائة من الفرنسيات الحسان ليروحن عن الجنود الفرنسيين... لأن هؤلاء أبوا أن يخرجوا للقتال إذا حرموا لذة النساء، فلما رأى جنود المسلمين هذا طلبوا أن يهيأ لهم ما هيئ لهؤلاء(15). ويقول جرانفيل إن الأشراف الذين كانوا مع القديس لويس في حربه الصليبية "أقاموا مواخيرهم حول خيمة الملك"(16). وكان طلبة الجامعات، وبخاصة في باريس، ممن استبدت بهم الحاجة إلى هذا الترفيه أو رغبوا في محاكاة غيرهم فيه، ولهذا أنشأت الفتيات مراكز لسد هذه الحاجة(17).
وأباحت بعض المدن- أمثال طولوز (طلوشة)، وأفينون، ومنبليه، ونورمبرج- هذه الدعارة قانوناً. ووضعتها تحت إشراف البلديات بحجة أنه بغير

هذا الدنس لا تستطيع النساء الصالحات أن يخرجن إلى الشوارع وهم آمنات على أنفسهم (18). وكتب القديس أوغسطين يقول: "إذا منعت العاهرات والمواخير، اضطربت الدنيا من شدة الشبق"(19)، ووافقه على ذلك القديس تومس أكويناس(20). وكان في لندن في القرن الثاني عشر صف من "المواخير" بالقرب من جسر لندن. وقد أجاز أسقف ونشستر في بادئ الأمر قيامها، ثم صدق البرلمان على قيامها فيما بعد(21). وقد حرم القانون الذي أصدره البرلمان عام 1161 على صاحبات بيوت الدعارة أن يأوين فيها نساء يعانين آلام "الضعف الخطر من الاحتراف" - وهذا أول ما عرف من التشريع ضد انتشار أمراض السرية. وقرر لويس التاسع في عام 1254 نفي جميع العاهرات من فرنسا، ونفذ هذا القرار فعلا، ولكن الدعارة السرية لم تلبث أن حلت محل التجارة العلنية، حتى أهل الطبقات الوسطى من أنه يكاد من المستحيل حماية الفضيلة لدى زوجاتهم ونسائهم من إلحاح الجنود والطلاب. وعن انتقاد هذا القرار في آخر الأمر حتى ألغي في عام 1256. وحدد المرسوم الجديد الأماكن التي تستطيع فيها العاهرات أن يسكن ويمارسن مهنتهن في باريس، وحدد أيضاً ملابسهن وزينتهن، وأخضعهن لرقابة رئيس من رؤساء الشرطة يسمى ملك القوادين أو المتسولين أو الأفاقين Roi de Ribauds(23). ونصح لويس التاسع وهو يحتضر ولده أن يعيد المرسوم الذي قضى بنفي العاهرات، ونفذ فليب وصيته، وكانت النتيجة هي النتيجة السابقة نفسها، وبقى القانون مدوناً في سجل الشرائع الفرنسية ولكنه لم ينفذ(24). وكان في روما، كما يقول الأسقف دوران الثاني المندى Bishop Durand II of Mende (1311)، مواخير بالقرب من الفاتيكان، وقد أجاز رجال البابا إقامتها نظير ما يتقاضون من الأجور(25). وكانت الكنيسة تظهر العطف على العاهرات، وأقامت ملاجئ للتائبات من النساء ووزعت على الفقيرات الصدقات التي كانت تتلقاها من العاشقات التائبات(26). 



الفصُل الثالث


الزواج


كان الشاب في عصر الإيمان قصير الأجل، وكان الزواج يحدث فيه مبكراً، وكان في وسع الطفل وهو في السابعة من عمره أن يوافق على خطبته، وكان هذا التعاقد يتم في بعض الأحيان ليسهل به انتقال الملكية أو حمايتها. ولقد تزوجت جراس صليبي Grace de Saleby في الرابعة من عمرها بشريف عظيم يستطيع حماية ضيعتها الغنية، ثم مات هذا الشريف ميتة سريعة فتزوجت وهي في السادسة من عمرها بشريف آخر، وزوجت وهي في الثالثة عشرة بشريف ثالث(27). وكان يستطاع حل هذا الرباط في أي وقت من الأوقات قبل سن البلوغ، وكان يفترض أن تكون هذه السن هي الثانية عشرة للبنت، والرابعة عشرة للولد(28). وكانت الكنيسة ترى أن رضي الوالدين أو الأوصياء غير ضروري للزواج الصحيح إذا بلغ الزوجان سن الرشد، وتحرم زواج البنات قبل سن الخامسة عشرة،ولكنها كانت تسمح بكثير من الاستثناءات، لأن حقوق الملكية في هذه المسألة كانت تطغى على نزوات الحب، ولم يكن الزواج إلا حادثا من حوادث أعمال المالية. وكان العريس يقدم لوالدي الفتاة هدايا أو مالا، ويعطيها"هدية الصباح" ويضمن لها حق بائنة في مزرعته. وكان هذا الحق في إنجلترا هو أن يكون للأرملة استحقاق مدى الحياة في ثلث ما يتركه الرجل من الأرض. وكانت أسرة الزوجة تقدم الهدايا للزوج، وتخصص لها بائنة تتكون من الثياب، والأثواب الثمينة، والآنية والأثاث، والأملاك في بعض الأحيان. وكانت الخطبة عبارة عن تبادل عهود أو مواثيق، وكان العرس نفسه ميثاقا واسمه 

الإنجليزي Wedding مشتق من اللفظ الإنجليسكسوني Weddian ومعناه (الوعد) وكان القرين spouse هو الشخص الذي أجاب Responded "إني أريد".
وكانت الدولة والكنيسة معاً تعدان الزواج صحيحاً إذا تم بناء على تبادل عهد شفوي بين الطرفين ولو لم يصحبه أي احتفال قانوني أو كنسي(29). وكانت الكنيسة تريد أن تحمي النساء بذلك من أن يهجرهن من يغوينهن، وتفضل هذا الاتحاد عن الفسق أو التسري، ولكنها كانت بعد القرن الثاني عشر تنكر شرعية الزواج الذي يتم دون مصادقة الكنيسة، وأخذت بعد مجلس ترنت (1563) تتطلب حضور قس في هذا التعاقد. وكان القانون الزمني يرحب بتنظيم الكنيسة لشئون الزواج، فكان براكتن Bracton (المتوفى عام 1268) يرى أن لا بد من إقامة احتفال ديني لكي يصبح الزواج صحيحاً. ورفعت الكنيسة شأن الزواج إلى مقام القداسة، وجعلته ميثاقاً مقدساً بين الرجل والمرأة واللّه، ثم بسطت سلطانها القانوني تدريجيا على كل خطوة من خطوات الزواج، من واجبات فراش الزوجية إلى وصية الزوج الأخيرة قبل الوفاة. وذكر قانونها ثبتاً طويلا من "موانع الزواج"، فكان يجب أن يكون كلا الطرفين غير مقيد برباط زواج سابق، أو بنذر أنذره أن يظل بغير زواج، وكان الزواج بمن لم يعمد محرماً، غير أنه وجدت مع ذلك حالات من الزواج بين المسيحيين واليهود(30). وكان الزواج بين الأرقاء بعضهم وبعض، وبين الأرقاء والأحرار، المستمسكين بالدين الصحيح والضالين، وحتى بين المؤمنين والمحرومين، كان الزواج بين هؤلاء يعد صحيحاً(31). ويجب ألا يكون بين الطرفين صلة تصل إلى الدرجة الرابعة من القرابة- أي أنه يجب ألا يكون لهما جد مشترك في خلال أربعة أجيال، وفي هذه المسألة كانت الكنيسة ترفض القانون الروماني وتقبل القانون البدائي قانون الزواج من خارج العشيرة خشية أن يؤدى الزواج بين الأقارب الأدنين إلى الانحطاط الناشئ من التناسل داخل دائرة الأسرة، ولعلها كانت تعمل بذلك على منع تركيز الثروة
نتيجة للروابط الأسرية الضيقة. وكان من الصعب تجنب هذا التزاوج الداخلي في القرى الريفية، فكان لا بد للكنيسة أن تتغاضى عنه، كما كانت تتغاضى عن كثير من الثغرات الأخرى بين الحقيقة والقانون.
ويجئ بعد حفلة الزواج موكب العرس - بموسيقاه المدوية وثيابه الحريرية الفاخرة - يسير من الكنيسة إلى منزل العريس، وتعقبه الحفلات في هذا البيت طول النهار كله ونصف الليل. ولا يصبح الزواج صحيحاً حتى يتم اتصال الزوجين. وكان منع الحمل محرما، ويرى أكويناس أنه جريمة لا تزيد عنها شناعة إلا جريمة القتل العمد(32)، بيد أن وسائل مختلفة بعضها آلية: وبعضها كيميائية وبعضها سحرية، كانت تستخدم لهذا المنع، وكان أكثر ما يعتمد عليه هو وقف الجماع(33). وكانت العقاقير المجهضة، أو المؤدية إلى العقم، أو إلى العجز الجنسي، أو إلى الشبق، تباع مع الباعة المتنقلين. وكانت العقوبات التي وضعها ربانس مورس Rabanus Maurus للتكفير عن الآثام تقضي على "من تخلط منى زوجها بطعامها حتى تحسن قبول حبه، بالندم على فعلتها ثلاثة أعوام"(34). وكان وأد الأطفال نادراً، وقد أنشأت الكنيسة من أموال الصدقات في القرن السادس وما بعده الثامن النساء اللاتي ولدن أطفالا في السر أن يودعنهم عند باب الكنيسة، وأعلنت أنها ستكفلهن، وكان أولئك الأيتام يربون ليكونوا أرقاء أرض يعملون في أملاك الكنيسة. وقرر قانون أصدره شالمان أن الأطفال الذين يعرضون للجو في الخلاء يصبحون عبيداً لمن ينقذونهم ويربونهم. وأنشأ راهب من منبليه حوالي عام 1190 جماعة إخوان الروح القدس التي تخصصت في حماية اليتامى وتعليمهم.
وكان عقاب الزنا قاسياً، مثال ذلك أن أقل ما كان يحكم به القانون السكسوني على الزوجة التي تخون زوجها هو جدع أنفها وصلم أذنيها، وأجاز لزوجها أن يقتلها ولكن الزنا كان منتشراً رغم هذه العقوبات الشديدة وأمثالها(35)، وكان أقل ما يكون انتشاراً بين الطبقات الوسطى، وأكثر ما بين الأشراف. فكان سادة الإقطاع يغوون رقيقات الأرض ولا يحكم عليهم بغرامة قليلة: فمن "وطئ بنتاً من غير شكرها" -أي رغم إرادتها- أدى للمحكمة ثلاث شلنات(36). ويقول فريمان Freeman إن القرن الحادي عشر "كان عصراً فاسقاً"، وكان يعجب من وفاء وليم الفاتح الظاهري لزوجته(37) وهو وفاء لا يستطيع أن يعزو مثله لأبيه، ويقول تومس رايت Thomas Wright الأريب إن "مجتمع العصور الوسطى كان مجتمعاً فاسد الأخلاق فاجراً"(38).
وكانت الكنيسة تجيز انفصال الزوجين بسبب الزنا، أو الارتداد عن الدين، أو القسوة الشديدة وكان هذا الانفصال يسمى divortium ولكن معناه لم يكن إبطال الزواج، أما هذا الإبطال فلم يكن يمنح إلا إذا ثبت أن الزواج قد خالف أحد الموانع الشرعية التي نص عليها قانون الكنيسة. ويبعد أن تكون هذه الموانع قد ضوعف عددها عن قصد لكي يستعين على الطلاق من يستطيعون أداء الرسوم والنفقات الضخمة التي يتطلبها إبطال الزواج، بل إن الكنيسة كانت تستخدم هذه الموانع استخداماً حكيماً مرناً في الظروف الاستثنائية التي يرجى أن يؤدى الطلاق فيها إلى وجود وارث إلى ملك لم ينجب أبناء، أو يكون من ورائه فائدة أخرى للسلم أو السياسة. وكان القانون الألماني يجيز الطلاق في حالة الزنا، بل كان يجيزه في بعض الأحيان إذا اتفق عليه الطرفان(39). وكان
الملوك يفضلون قانون أسلافهم على قانون الكنيسة الصارم، وكان سادة الإقطاع وسيداته يعودون إلى القوانين القديمة فيطلق بعضهم بعضاً من غير إذن الكنيسة، ولم تبلغ الكنيسة في سلطانها واستمساكها بمقتضيات الذمة والضمير درجة من القوة تمكنها من تنفيذ قرارتها إلا بعد أن رفض إنوسنت الثالث أن يوافق على طلب الطلاق الذي تقدم به إليه فليب أغسطس ملك فرنسا القوي.



الفصُل الرابع


النساء


كانت نظريات رجال الكنيسة بوجه عام معادية للمرأة، فقد غالت بعض قوانين الكنيسة في إخضاعها، لكن كثيراً من مبادئ المسيحية وشعائرها رفعت من مكانتها. وكانت المرأة في تلك القرون لا تزال في نظر القساوسة وعلماء الدين كما كانت تبدو لكريستوم - (شراً لا بد منه، وإغواء طبيعياً، وكارثة مرغوباً فيها، وخطراً منزلياً، وفتنة مهلكة، وشراً عليه طلاء)(40). وكانت لا تزال حواء مجسدة في كل مكان، حواء التي خسر بسببها الجنس البشري جنات عدن، وأداة الشيطان المحببة التي يقود بها الرجال إلى الجحيم. وكان تومس أكويناس، وهو في العادة رسول الرحمة، يتحدث عنها كما يتحدث الرهبان، فينزلها من بعض النواحي منزلة أقل من منزلة الرقيق:
إن المرأة خاضعة للرجل لضعف طبيعتها، الجسمية والعقلية معاً(41). والرجل مبدأ المرأة ومنتهاها كما أن اللّه مبدأ كل شئ ومنتهاه(42)... وقد فرض الخضوع على المرأة عملا بقانون الطبيعة، أما العبد فليس كذلك(43).. ويجب على الأبناء أن يحبوا آباءهم أكثر مما يحبون أمهاتهم(44).
وأوجب قانون الكنيسة على الزوج حماية زوجته، كما أوجب على الزوجة طاعة زوجها. وقد خلق اللّه الرجل لا المرأة، في صورته هو. ويعقب العالم بالقانون الكنسي على ذلك بقوله: (ويتضح من هذا أن الزوجة يجب أن تكون خاضعة لزوجها بل يجب أن تكون له أقرب ما تكون إلى الخادمة)(45) على أن في هذه الفقرات نغمة الرغبات المرجوة لا الحقائق الواقعة، غير أن الكنيسة

كانت تحتم على الرجل ألا يتزوج أكثر من واحدة، وتصر على أن يكون القانون الأخلاقي ذا مستوى واحد للرجال والنساء على السواء وتكرم المرأة بعبادة مريم وتدافع عن حق المرأة في وراثة الممتلكات.
وكان القانون المدني أشد عداء للمرأة من القانون الكنسي. فقد كان كلا القانونين يجيز ضرب الزوجة(46) ولما أن أمرت "قوانين بوفيه وعاداتها في القرن الثالث عشر" الرجل ألا يضرب زوجته" إلا لسبب(47) كان ذلك خطوة كبرى إلى الأمام. وكان القانون المدني ينص على ألا تسمع للنساء كلمة في المحكمة "لضعفهن"(48) ويعاقب على الإساءة للمرأة بغرامة تعادل نصف ما يفرضه على الرجل نظير هذه الإساءة نفسها(49) وقد حرم القانون النساء حتى أرقاهن مولداً، من أن يُمثلن ضياعهن في برلمان إنجلترا أو في الجمعية العامة للطبقات بفرنسا. وكان الزواج يعطى الزوج الحق الكامل في الانتفاع بكل ما لزوجته من متاع وقت الزواج والتصرف في ريعه(50) ولم يكن يرخص للمرأة أن تكون طبيبة.
وكان في حياتها الاقتصادية من التنوع بقدر ما كان حياة الرجل، فكانت تتعلم وتباشر فنون البيت العجيبة المجهدة: تصنع الخبز والفطائر المتنوعة، وتطهو اللحم، وتصنع الصابون والشمع، والزبد والجبن، وتعصر الجعة، وتستخرج الأدوية البيتية من الأعشاب وتغزل الصوف وتنسجه، وتنسج الأقمشة التيلية من الكتان، وتخيط الملابس لأسرتها، والسجف والملاءات، وأغطية الأسرة، والأنسجة التي تزين بها الجدران. وكان عليها أن تزين بيتها وتحتفظ به نظيفاً إلى الحد الذي يسمح به من فيه من الرجال، وأن تربي الأطفال. وكانت في خارج الكوخ الزراعي تشترك بقوة وجلد في أعمال المزرعة: تبذر، وتزرع، وتحصد، وتطعم الفراخ الصغار، وتحلب البقر، وتجز الأغنام، وتساعد على إصلاح البيت ونقشه وبنائه. وإذا كانت من سكان المدن، كانت وهي في 


البيت أو الحانوت، تقوم بغزل ما يلزم لنقابات المنسوجات الطائفية من غزل ونسيج. ولقد كانت شركة من (نساء الحرير) أول ما أنشأ في إنجلترا فنون غزل الحرير وثنيه ونسجه(51). وكان عدد النساء في معظم نقابات الحرف الإنجليزية مساوياً لعدد الرجال، ويرجع معظم السبب في نقابات الحرف الإنجليزية مساوياً لعدد الرجال، ويرجع معظم السبب في هذا إلى أن الصناع كان يسمح لهم أن يستخدموا زوجاتهم وبناتهم، ويسجلوا أسماءهن في النقابات. وكانت بعض النقابات الطائفية المخصصة للصائغات من النساء تتألف من النساء وحدهن، وكان في باريس في آخر القرن الثالث عشر خمس عشرة نقابة طائفية من هذا النوع(52). على أن النساء قلما كن رئيسات في نقابات الحرف المكونة من الذكور والإناث، وكن يتقاضين أجوراً أقل من أجور الرجال نظير الأعمال المتساوية. وكانت نساء الطبقات الوسطى يعرضن بملابسهن ثروة أزواجهن، ويقمن بدور مثير في الأعياد الدينية والحفلات الاجتماعية التي تقام في البلدة. وقد ارتفعت نساء الأشراف الإقطاعيين، باشتراكهن في تحمل التبعات مع أزواجهن، وتقبلهن في ظرف وتمنع ما يقدمه الفرسان وشعراء الفروسية الغزلون من مراسم التبجيل والغرام، ارتفعت أولئك النسوة إلى منزلة اجتماعية قلما ارتفعت إليها النساء من قبل.
وقد وجدت المرأة في العصور الوسطى بفضل مفاتنها، كما تجد عادة، رغم أوامر الدين والقانون، وسائل للتحرر من نتائج عجزها، ولهذا فإن آداب ذلك العصر ملآى بأخبار النساء اللاتي حكمن رجالهن(53). ولقد كانت المرأة من وجوه كثيرة متفوقة على الرجل معترفاً لها بهذا التعوق، فكانت في أسر الأشراف تتعلم شيئاً من الأدب، والفن، والتهذيب، بينما كان زوجها غير المتعلم يكدح ويحارب، وكان في وسعها أن تظهر بكل ما لصاحبات الندوات الأدبية في القرن الثامن عشر من رشاقة، وتتصنع الإغماء كما تتصنعه البطلة في الروايات رتشاردسنRichardson وكانت في الوقت نفسه تنافس الرجل في حريته البذيئة في القول والفعل، وتتبادل
وإياه قصص المغامرات،وكثيراً ما كانت هي البادئة في الغرام دون حياة(53). وأيا كانت الطبقة التي تنتمي إليها فقد كانت تتنقل بكامل حريتها، وقلما كان معها محرم. وكانت تزحم الأسواق وتسيطر على الاحتفالات، وتصاحب الرجال في الحج، وتشترك في الحروب الصليبية، ولم يكن شأنها فيها للتسلية فحسب، بل كانت في بعض الأوقات جنديا في عدة حروب الكاملة. وكان الرهبان الخوار والعود يحاولون أن يقنعوا أنفسهم بأن منزلتها دون منزلة للرجال، ولكن الفرسان كانوا يقتتلون لنيل رضاها والشعراء يقرن بأنهم عبيد لها. وكان الرجال يتحدثون عنها وصفها خادماً مطيعاً، ويحملون بها على أنها إلهة معبودة. وكانوا يصلون لمريم العذراء ولكنهم يقنعون إذا حصلوا على إليانور الأكتانية Eleanor of Aquitine.
ولم تكن إليانور هذه إلا واحدة من عشرات النساء العظيمات في العصور الوسطى- أمثال جلا بلاسيديا Galla Plaisedia، وثيودورا، وإيرينه Irene، وأناكميناAnna Commena، وما تلده كونتة تسكانيا، وماتلده ملكة إنجلترا، وبلانش النفبرية Blanch of Navarre، وبلانش القشتالية، وهلواز Heloise. وكان جد إليانور وليم العاشر الأكتاني، أميراً وشاعراً ونصيراً للشعراء الغزليين وزعيما لهم. وكان يفد إلى بلاطه في بوردو أحسن الفكهين والظرفاء وذوو الشهامة في جنوبي فرنسا الغربي، وقد تربت إليانور في هذا البلاط لتكون ملكة الحياة والآداب جميعاً. واتصف بكل ما كان في هذا الجو المشمس الحر من ثقافة وأخلاق: قوة في الجسم، ورشاقة في الحركة، وقوة في العاطفة الخلقية والجسمية، وحرية في العقل والآداب والحديث، وخيال شعري، وروح مشرقة، وهيام لا حد له بالحب، والحرب، والملذات كلها، يكاد يصل إلى الموت. ولما بلغت الخامسة عشرة من عمرها(1137) عرض عليها ملك فرنسا أن يتزوجها، لأنه كان يتوق إلى ضم دوقيتها أكتين،

وثغرها العظيم بوردو إلى تاجه وموارده المالية. ولم تكن تعرف أن لويس السابع بليد ورع، منهمك أشد الانهماك في شئون الدولة. فانتقلت إليه بمرحها، وجمالها، وتحررها من مقتضيات الضمير، فلم يعجبه إسرافها، ولم يهتم بالشعراء الذين تبعوها إلى باريس ليجزوها على رعايتها إياهم بالمدائح والقوافي.
وكانت شديد الشوق إلى المغامرات، فاعتزمت أن تصحب زوجها إلى فلسطين في الحملة الصليبية الثانية (1147)، وليست هي ووصيفاتها ملابس الرجال والحلل العسكرية، وبعثن بمغازلهن في ازدراء إلى الفرسان القاعدين في أوطانهم، وركبن في مقدمة الجيش يلوحن بالأعلام الزاهية ومن ورائهن الشعراء الغزلون(55). وأهملها الملك أو لامها فسمحت لنفسها في إنطاكية وغيرها من الأماكن ببعض مغامرات الحب، فأشيع مرة أنها تحب عمها رايمند البنتييري Raymond of pontiers، ومرة أخرى أنها تحب عبداً مسلماً جميلا، وقال النمامون الجهلاء مرة إنها تحب صلاح الدين التقي الورع نفسه(56). وصبر لويس على هذا العبث، وعلى لسانها السليط، ولكن القديس برنار شهر بها في العالم. وظنت أن الملك سيطلقها، فقاضته في عام 1152 تطلب الطلاق منه بحجة أن نسبهما متصل في الدرجة السادسة. وابتسمت الكنيسة ساخرة من هذه الحجة، ولكنها منحت الطلاق، وعادت إليانور إلى بوردو، واستعادت حقها في الملك أكتين، وفيها التفت حولها طائفة كبيرة من الخاطبين، اختارت منهم هنري بلانتاجنت Henry Plantagenet ولي عهد إنجلترا، وبعد سنتين من ذلك الوقت أصبح هنري الثاني، وعادت إليانور ملكة مرة أخرى (1154) - "ملكة إنجلترا بغضب اللّه" على حد قولها.
وجاءت إلى إنجلترا بأذواق الجنوب، وظللت فيها، كما كانت في فرنسا، المشترعة العليا للشعراء القصاصين والغزلين، ونصيرتهم، ومعبودتهم. وكانت وقتئذ قد بلغت السن التي تمكنها من أن تكون وفية، ولم يجد هنري ما يشينها.
ولكن الآية انعكست، فقد كان هنري أصغر منها بإحدى عشرة سنة ولم يكن ينقص عنها في حدة المزاج وقوة العاطفة، وسرعان ما أخذ يشيع حبه بين نساء البلاط. واستشاطت إليانور غضباً واكتوى قلبها بنار الغيرة، وهي التي من قبل تحتقر الرجل الغيور. ولما أنزلها هنري عن عرشها هربت من إنجلترا، نريد أن تحمي بأكتين، فأمر بتعقبها، وقبض عليها، وزجت في السجن، وظلت ستة عشر عاماً يذبل غصنها فيه وإن لم يفل ذلك من قوة إرادتها. وأثار الشعراء الغزلون عواطف أوربا على الملك، وائتمر به أبناءه، بإيعاز منها، لخلعه، ولكنه ظل يقاومهم ويحاربهم إلى يوم مماته (1189). وخلف رتشارد قلب الأسد أباه، وأخرج أمه من السجن، وعينها نائبة لملك إنجلترا حين خرج لقتال صلاح الدين في الحرب الصليبية، ولما أصبح ابنها جون ملكاً، آوت إلى دير فرنسا، حيث ماتت "من الحزن، وضعف العقل" في الثانية والسبعين من عمرها. لقد كانت إليانور "زوجة فاسدة، وأما فاسدة وملكة فاسدة"(57)، ولكن منذا الذي يفكر فيها على أنها من جنس خاضع ذليل.

الفصُل الخامِس


الأخلاق العامة


ما فتئت الشرائع والحكم الأخلاقية في كل عصر من العصور تقاوم ما درج عليه الآدميون من غش وخيانة. ولم يكن الناس في العصور الوسطى الطيب منهم والخبيث أكثر أو أقل من غيرهم في هذه الناحية، فكانوا يكذبون على أبنائهم وأزواجهما وطوائفهم، وأعدائهم، وأصدقائهم، وحكوماتهم، وريّهم، كان الرجل في العصور الوسطى مولعاً أشد الولع بتزوير الوثائق، يزور الأناجيل غير الصحيحة، ولعله لم يقصد في يوم من الأيام أن تؤخذ على أنها أكثر من قصص طريفة، ويزور الأوامر البابوية ليتخذها سلاحاً في السياسة الدينية، وكان الرهبان الأوفياء يزورون العهود ليكسبوا بها منحاً لأديرتهم من الملوك(58). ولقد زور لافرانك رئيس أساقفة كانتربري، كما تقول المحكمة البابوية، عهداً يثبت به قدم كرسيه الديني(59)، وزور المدرسون عهوداً يخلعون بها بعض الكليات في كيمبردج أقدمية زائفة، وكثيراً ما أفسدت "الأكاذيب التقية" النصوص، واخترعت ألف معجزة تعظم بها أصحابها. وكانت الرشوة منشرة في التعليم، والتجارة، والحرب، والدين، والحكومة، والقانون(60) وكان تلاميذ المدارس يرسلون الفطائر لممتحنيهم(61)، ورجال الحكم يقدمون الرشا ليعينوا في المناصب العامة، ويجمعون من أصدقائهم ما يلزمهم من المال(62). وكان من المستطاع تقديم الرشا للشهود لكي يقسموا أي قسم يراد منهم، كما كان المتقاضون يقدمون الهدايا إلى المحلفين والقضاة(63)، وقد اضطر إدوارد ملك إنجلترا أن يفصل معظم قضاته ووزرائه في عام 1289 لأنهم مرتشون(64).

وكانت القوانين تتطلب أن يقسم الناس الأيمان في كل صغيرة وكبيرة، فكانوا يقسمون على الكتب أو المخلفات المقدسة، وكان يطلب إليهم في بعض الأحيان أن يقسموا بألا ينقضوا القسم الذي يوشكون أن يقسموه(65)، ومع هذا فإن الحنث بالأيمان قد كثر إلى حد جعل الناس يلجئون إلى تحكيم القتال رجاء أن يظهر اللّه أي الجانبين أكثر كذباً من الجانب الأخر(66).
وكثيراً ما كان أرباب الحرف في العصور الوسطى يخدعون المشترين ببيعهم بضائع قديمة بالية، أو منقوصة الطول، أو يحتالون عليهم ببيعهم سلعاً غير المرغوب فيها. وكان بعض الخبازين يسرقون أجزاء صغيرة من العجين أمام أعين ملاكهم، ويستخدمون لذلك الغرض باباً سرياً في وعاء العجين، وكانت أقمشة رخيصة توضع سراً في مكان أقمشة غالية دفع ثمنها وتعهد البائعون بتوريدها، وكان الجلد الرخيص "يزين" لكي يبدو شبيهاً بأحسن أنواع الجلود(67)، وكانت الحجارة تخبأ في أكياس الدريس والصوف التي تباع بالوزن(68)، واتهم الذين يعبئون اللحوم في نورتش Norwich بأنهم "يشترون الخنازير المصابة بالحصبة، ويصنعون منها وزما وفطائر مضرة بالصحة"(69). ويصف برنلد الرجنسيرجي Berthold of Regenesburg (حوالي 1220) مختلف أنواع الغش التي تستخدم في الحرف المتباينة، والحيل التي يحتال بها التجار في الأسواق على أهل الريف(70). وكان الكتاب والوعاظ ينددون بالجري وراء الثروة، لكن حكمة ألمانية من حكم العصور الوسطى تقول: "إن كل الأشياء تطيع المال"؛ وكان بعض الأخلاقيين في تلك العصور يرون أن حب الكسب أقوى من الغريزة الجنسية(71). ولسنا ننكر أن شرف الفروسية كثيراً ما كان من الحقائق الواقعة في نظام الإقطاع، ولكن يبدو أن القرن الثالث عشر لم يكن يقل ولعاً بالمادة عن أي عهد آخر من عهود التاريخ. تلك كلها أمثلة من الاحتيال والخداع جمعناها من أزمنة طويلة ومساحات واسعة؛ وهي بلا ريب من الوقائع

الشاذة رغم كثرة عددها، وليس من حقنا أن نستخلص منها نتيجة أكثر من أن الناس في عصر الإيمان لم يكونوا خيراً منهم في عصرنا هذا عصر الشك، ومن أن القانون والأخلاق قلما أفلحا في الاحتفاظ بالنظام العام ضد ما ركب من نزعة فردية في طبيعة الناس الذين لم يقصد بهم بفطرتهم أن يكونوا مواطنين، خاضعين للقانون.
وكانت معظم الدول تعاقب على جريمة السرقة الخطيرة بالإعدام، كما كانت الكنيسة تحكم على مرتكبي السطو بالحرمان من الدين، ومع هذا فإن السرقة بأنواعها - من النشل في الطرق إلى الأشراف النهابين على ضفاف الرين - كانت من الجرائم الواسعة الانتشار. وكان مرتزقة الجنود الجياع، والمجرمون الفارون والفرسان المفلسون، يجعلون الطرق غير آمنة، وكانت شوارع المدن تشهد في ظلام الليل كثيراً من الشجار، والسرقة، والاغتصاب، والاغتيال(72). وتدل سجلات أسباب الوفاة في "إنجلترا الطروب" في القرن الثالث عشر على "نسبة في الاغتيال إذا حدثت في هذه الأيام عدت من الفضائح"(73). ويكاد الاغتيال يبلغ ضعفي عدد حالات الموت بسبب الحوادث المفاجئة، وقلما كان يقبض على المجرمين. وكانت الكنيسة تجاهد وهي صابرة للقضاء على حروب الإقطاع، ولكن ما نالته من نصر متواضع في هذه الناحية كان سببه أنها حولت الناس وخصامهم إلى الحروب الصليبية، التي كانت من إحدى النواحي حروباً استعمارية تبغي الفتح والمكاسب التجارية، فلما اشتبك المسيحيون في الحرب لم يكونوا أكثر رضا بالهزائم أو أكثر وفاء بالعهود والمعاهدات من المحاربين المنتمين إلى الأديان والعهود الأخرى.
ويبدو أن القسوة والوحشية كانتا في العصور الوسطى أكثر منهما في أية حضارة قبل حضارتنا نحن. ذلك أن المتبربرين لم يتخلوا عن بربريتهم بمجرد أن صاروا مسيحيين. وكان رجال الأشراف ونساؤهم يصفعون خدمهم ويصفع

بعضهم بعضاً، كما كان القانون الجنائي قاسياً قسوة وحشية، ولكنه عجز مع ذلك عن قمع الوحشية والجريمة. فكثيراً ما كان التعذيب بالعذراء، وبجفنة الزيت الملتهب، وبعمود الإحراق، وحرق الأحياء، وسلخ جلودهم، وتمزيق أطرافهم بشدها إلى الحيوانات، كثيراً ما كانت هذه الوسائل الوحشية تستخدم في العقاب. وكان للقانون الأنجليسكوسوني يعاقب الجارية السارقة بإرغام ثمانين جارية على أن تؤدى كل واحدة منهن غرامة، وأن تأتي بثلاث حزم من الوقود وأن تحرق السارقة حية(75). ويقول سلمبيني Salimbene الراهب الإيطالي في تاريخه الإخباري، وكان معاصراً للحروب التي شبت نارها في إيطاليا الوسطى في القرن الثالث عشر، إن المسجونين كانوا يعاملون بوحشية لو أننا سمعنا بها في شبابنا لما صدقناها:
فقد كانوا يربطون رؤوس بعض الرجال بحبل ومخلة، ويشدون الحبل بقوة تخرج عيونهم من أوقابها، وتسقطها على خدودهم، ومنهم من كانوا يربطونهم بإبهام يدهم اليمنى أو اليسرى وحدها، تحمل ثقلهم كله بعد أن يرفعوا عن الأرض، ومنهم من كانوا يعذبون بصنوف من العذاب أشنع من هذه وأشد منها رهبة أخجل من ذكرها، وآخرون... كانوا يجلسون وأيديهم مشدودة خلف ظهورهم، ويضعون تحت أقدامهم أوعية مملوءة بالفحم الملتهب... أو يربطون أيديهم بأرجلهم حول حفرة (كما يربط الحمل وهو ينقل إلى القصاب) ويبقونهم معلقين على هذا النحو طول النهار من غير طعام ولا شراب، أو كانوا يحكون قصبات أرجلهم بقطعة خشنة من الخشب حتى يظهر عظم الساق عارياً من اللحم؛ وهو عمل تكفي رؤيته وحدها لأن تبعث الأسى والألم في النفوس(76).
وكان رجل العصور الوسطى يتحمل الألم بشجاعة، ولعله كان أقل إحساساً به مما يبدو على رجال أوربا الغربية في هذه الأيام. وكان الرجال والنساء من جميع الطبقات شهوانيين إلى حد بعيد، وكانت أعيادهم ولائم شراب، وميسر،


ورقص، وانطلاق في العلاقات الجنسية؛ وكانت فكاهاتهم صريحة في بذاءتها صراحة لا تكاد تماثلها فيها فكاهات هذه الأيام(77)، وكانت أحاديثهم أكثر من أحاديث هذه الأيام حرية وأوسع منها مجالا(78)، وقلما كان رجل فرنسا يفتح فاه من غير أن يذكر الشيطان، على حد قول جواتفيل(79). وكان الناس في العصور الوسطى أقدر على سماع الفحش منا، ولم يكونوا يبرمون من الإصغاء إلى أفحش الأقوال التي وردت في مقالات رابليه Rabelais، وحسبنا أن نذكر أن الراهبات في كتب تشوسر كن يستمعن دون حياء إلى الأقذار الواردة في قصة ملر Millers، وفي أخبار سلمبيني الصالح أجزاء تبلغ من البذاءة والفحش درجة تعز على الترجمة(80) وكانت الحانات كثيرة العدد، وكان منها ما يقدم "فطائر" بالجعة على طراز هذه الأيام(81). ولقد حاولت الكنيسة أن تغلق الحانات في أيام الآحاد، ولكنها لم تلق إلا قدراً ضئيلا من النجاح. وكان من حق جميع الطبقات أن تسكر في بعض الأوقات، وقد وجد زائر لمدينة لوبك Lubeck نساءاً من طبقة الأشراف في حجرة الخمور يد من الشرب من تحت أقنعتهن(83). وكان في كولوني جمعية يلتقي أعضاؤها لشرب النبيذ مجتمعين وقد اتخذت شعاراً لها: "اشرب وأنت مرح" ولكنها كانت تفرض على أعضائها قواعد من الاعتدال في السلوك والآداب في الحديث.
وكان رجل العصور الوسطى كغيره من الرجال مزيجا بشرياً كاملا من الشهوانية والغرام، والذلة، والأنانية، والقسوة، والرقة، والصلاح، والشره، فقد كان أولئك الرجال والنساء، الذين يشربون ويسبون بكل ما فيهم من قوة، رحماء رحمة تمس شغاف القلوب، يخرجون آلاف الصدقات. وكانت القطط والكلاب وقتئذ كما هي الآن حيوانات مدللة، وكانت الكلاب تدرب على قيادة المكفوفين(85)، وقد نمت في قلوب الفرسان عاطفة الحب لخيلهم، وصقور صيدهم، وكلابهم، وبلغ تنظيم الصدقات مستوى رفيعاً

جديداً في القرنين الثاني عشر والثالث عشر، فكان الأفراد، وكانت النقابات الطائفية، والحكومات، والكنيسة تشترك كلها في تخفيف آلام المنكوبين. وكان خراج الصدقات واجبا عاما يؤديه الجميع، فالذين يرجون دخول الجنة يوصون بالأموال للصدقات، والرجال الأغنياء يتبرعون بمهور البنات الفقيرات، ويطعمون العشرات من الفقراء في كل يوم، والمئات منهم في الأعياد الكبرى، وكان الطعام يوزع عند كثير من أبواب بيوت الأشراف ثلاث مرات في الأسبوع على كل من يعطيه(86). وكانت كل سيدة عظيمة، إلا القليل النادر منهن، تحسن أن واجبها الاجتماعي، إن لم يكن واجبها الأخلاقي، أن تشترك في تدبير شئون الصدقات، ولقد دعا روجر بيكن في القرن الثالث عشر إلى أن تنشى الدولة رصيداً للإنفاق منه على الفقراء، والمرضى، والطاعنين في السن(87)، ولكن القسط الأكبر من هذا العمل ترك تدبيره إلى الكنيسة، فقد كانت الكنيسة من إحدى نواحيها منظمة للصدقات تشمل القارة بأسرها، وكان جريجوري الأكبر، وشارلمان، وغيرهم يحتمون أن يخصص ربع العشور التي تجنيها كل أبرشية لمعونة الفقراء والعجزة(88)، وقد نفذ هذا إلى حين، ولكن استيلاء الرؤساء من رجال الدين والعلمانيين على إيرادات الأبرشيات، أخل بإدارتها لمواردها في القرن الثاني عشر، وتحمل عب هذه الصدقات أكثر من ذي قبل الأساقفة، والرهبان، والراهبات والبابوات. وكانت الراهبات كلهن، إلا عددا قليلا من الخاطئات، يهبن أنفسهن للتعليم، والتمريض، وأعمال البر، وإن أعمالهن المطردة الاتساع في هذه النواحي لتعد من أنصع الأعمال وأعظمها تقوية للعزائم في تاريخ العصور الوسطى وتاريخ هذه الأيام. وكانت الأديرة التي تستمد مواردها من الهبات والصدقات، وإيراد الأملاك الكنيسة، تطعم الفقراء، وتعنى بالمرضى، وتفتدى الأسرى، وكان آلاف من الرهبان يعلمون الشبان، ويعنون بالأيتام، ويعملون في المستشفيات، وكان دير كلوني العظيم يكفر عما له من ثراء واسع بالتصديق بالكثير من أمواله،

وكان البابوات يبذلون كل ما وسعهم لمساعدة فقراء روما، وواصلوا بطريقتهم الخاصة النظام الإمبراطوري القديم نظام توزيع الطعام على الأهلين.
ولكن التسول كان كثيراً بالرغم من هذا البر كله، فقد كانت المستشفيات وبيوت الإحسان تحاول إطعام من يقصدها وإيواءهم، وسرعان ما أحاط أبوابها الُرج، والمقعدون، والمقطوعوا السيقان، والمكفوفون، والأفاقون ذوو الثياب البالية الذين يتنقلون من "مستشفى إلى مستشفى ويجوسون خلالها يتصيدون لقيمات الخبز وقطع اللحم"(89). وقد اتسع نطاق التسول في العالم المسيحي في العصور الوسطى وزاد المتسولون إصراراً على مهنتم، وبلغ هذا الاتساع والإصرار حداً لا نظير له في أفقر الأراضي في الشرق الأقصى.
لفصل السادس


ملابس العصور الوسطى


ترى أي صنف من الناس كان سكان أوربا في العصور الوسطى؟ ليس في وسعنا أن نقسمهم عناصر، فقد كانوا جميعاً من "العنصر الأبيض" إذا استثنينا منهم العبيد الزنوج، ولكنهم كانوا مع هذا خليطاً متنوعاً من الخلق لا يستطيع أحد تصنيفهم. وكان منهم يونان بيزنطة وهلاس، والإيطاليون أنصاف اليونان سكان إيطاليا الجنوبية، وسكان صقلية اليونان - المغاربة - اليهود، وكان منهم أهل إيطاليا الرومان، والأميريون، والتسكان، واللمبارد، والجنوبيون، والبنادقة، وقد بلغ من تباين هؤلاء أن كانت كل طائفة منهم تنم عن أصلها بثيابها، وشعر رأسها، ولسانها، وكان منهم البربر، والعرب، واليهود، ومسيحيوا أسبانيا، وكان منهم الفرنسيون الغسقونيون، والبرغنديون، والباريسيون، والنورمان، ومنهم أهل الأراضي الوطيئة الفلمنكيون، والوالون Walloons، والهولنديون، ومنهم أهل إنجلترا الكلت، والإنجليز، والسكسون، والدنمرقيون والسلالات النورمانية، وكلت ويلز، وأيرلندة، وإسكتلندة، والنرويجيون، والسويديون، ومنهم مئات القبائل الألمانية، والفلنديون، والمجر والبلغار، وصقالبة بولندة، وبوهيميا، والدول البطية، والبلقان، والروسيا. وقصارى القول أن أوربا قد تجتمع فيها خليط من الدماء والأجناس، والانوف، واللحى، والثياب، لا ينطبق على تباينه العظيم أي وصف من الأوصاف.
وكان الجنس الألماني قد أصبحت له الغلبة في الطبقات العليا في جميع بلاد أوربا الغربية ما عدا جنوبي إيطاليا وأسبانيا، وذلك بسبب الهجرات والفتوح  


التي لا يحصى عديدها. وقد بلغ الإعجاب بشعر الجنس الأشقر وعيونه مبلغاً اضطر القديس برنار أن يجاهد طوال موعظة كاملة يوفق بين هذا الإعجاب بشعر الجنس الأشقر وعيونه مبلغاً اضطر القديس برنار أن يجاهد طوال موعظة كاملة لكي يوفق بين هذا الإعجاب وبين العبارة الواردة في نشيد الإنشاد القائلة: إني أسود ولكن جميل، وكان الفارس المثالي طويلاً، أشقر، ملتحياً، كما كانت المرأة المثالية في الملاحم والروايات نحيلة ممشوقة القوام، رشيقة، زرقاء العينين، ذات شعر طويل أشقر أو ذهبي. وقد حل محل شعر الفرنجة الطويل عند الطبقات العليا في القرن التاسع رؤوس مقصوصة الشعر من الخلف، وليس عليها من الشعر إلا غطاء في اعلاها، واختفت اللحى بين الطبقات العليا من الأوربيين في القرن الثاني عشر، غير أن الذكور من الزراع ظلوا يطيلون لحاهم القذرة وشعر رأسهم إلى حد اضطروا معه أحياناً إلى جمعه في جدائل(90). وكان أهل إنجلترا على اختلاف طبقاتهم يطيلون شعر رأسهم، وكان المتأنقون الفناجرة في القرن الثالث عشر يصبغون شعرهم ويلوونه بمكاو من الحديد، ويربطونه بالأشرطة(91). وكانت النساء المتزوجات في هذا القرن وذاك البلد يربطن شعرهن بشبكة من الخيوط الذهبية، بينما كان الغلمان من الطبقات العليا يرسلونه على ظهورهم، وكانت لهم في بعض الأحيان بالإضافة إلى هذا، جديلتان تنوسان على صدروهم منحدرتان فوق أكتافهم (92).
وكان أهل أوربا الغربية في العصور الوسطى أكثر جمالاً وأجمل ثياباً مما كانوا عليه قبل ذلك الوقت أو بعده، وكثيراً ما كان الرجال يفوقون النساء في زينة الثياب وبهجة ألوانها. وكانت الجبة والعباءة الرومانيتان الفضفاضتان في القرن الخامس عشر تحاربان حرباً خاسرة مع السراويل القصيرة والمناطق التي كان الغاليون يلبسونها ويتمنطقون بها، فقد كان جو الشمال البارد وأعماله الحربية يتطلبان ثياباً أضيق وأسمك مما أوحى به دفء الجنوب وما فيه من راحة، ولما انتقل مركز القوة إلى شمال جبال الألب أعقب ذلك الانتقال ثورة في الثياب. فكان الرجل العادي يلبس سروالاٌ طويلا ضيقاً يعلوه قباء، أو قميص نصفي، مصنوعان من
الجلد أو القماش المتين، ويعلق في منطقته سكيناً، وكيساً، ومفاتيح، وعدد الصانع إن كان من الصناع، وكان يرسل فوق كتفيه لفاعة أو حرملة، ويضع على رأسه قلنسوة أو قبعة من الصوف، او اللباد أو الجلد، ويغطي رجليه بجوربين طويلين، وينتعل حذائين عاليين من الجلد إلى أعلى أصابع القدمين، كيلا يتمزقا من الاصطدام. وازداد طول الجورب قرب أواخر العصور الوسطى حتى بلغ أعلى الفخذ، وتطور معه السروال غير المريح الذي استبدله الرجل الحديث بقميص الشعر ثوب القديسين في العصور الوسطى، كان هذا السروال كفارة غير منقطعة عن ذنوبه الماضية. وكانت أجزاء الثياب كلها تقريباً من الصوف إلا القليل منه المصنوع من الجلد المدبوغ وغير المدبوغ الذي كان يلبسه الفلاحون أو الصائدون، وكانت كلها تقريباً تغزل وتنسج وتفصل وتخاط في البيت، ولمن الأغنياء كان لهم خياطون خاصون يسمون في إنجلترا " المقصات "، واستغنى قبل القرن التاسع عشر عن الأزرار التي كانت تستعمل من حين إلى حين في العهد القديم، ثم عادت إلى الظهور لتكون زينة لا ينتفع بها في شيء، ومن هنا جاءت عبارة " لا يساوي زراً Not worth a botton الإنجليزية(93). ونشأت في ألمانيا في القرن الثاني عشر بين الرجال والنساء على حد السواء عادة لبس جلباب ذي حزام فوق الحلة الألمانية الضيقة.
وكان الأغنياء يزينون هذه الأثواب الأساسية بمائة من الوسائل التي تفتق عنها خيالهم. فكانت حواشيها وأطرافها اللاصقة للعنق تسوى بالفراء، وحلل الحرير، أو الأطلس، أو المخمل محل التيل أو الصوف حيث يسمح بذلك الجو، وغطى الرأس بقلنسوة من المخمل، وانتعلت أحذية من القماش الملون تنطبق كل الانطباق على شكل القدمين. وكانت أجمل الفراء تستورد من الروسيا، وأحسنها كلها الفراء الثمينة المتخذة من جلد القاقم الأبيض، وكان يحدث أن يرهن الأشراف أرضهم ليبتاعوا جلد قاقم لزوجاتهم. وكان الأغنياء يلبسون سراويل


تحتية من التيل الأبيض الرفيع، وجورباً طويلاً ملوناً في اغلب الأحيان، ومصنوعاً عادة من الصوف، وفي بعض الأحيان من الحرير، وقميصاً من التيل الأبيض، ذا ذوق فاخر وردن جميل، وكان يلبس فوق هذا كله مئزراً، ومن فوقها كلها في الجو البارد أو المطير عباءة، أو حرملة، يمكن أن تمد حتى تغطي الرأس. وكانت بعض القلانس ذات قمة مستوية مربعة، وقد اصطنع هذه القلانس المعروفة باسم " ألواح الملاط mortiers" المحامون والأطباء في أواخر العصور الوسطى، وبقيت الآن في أثواب كبار رجال الكليات الجامعية. وكان المتأنقون في الثياب يلبسون قفازين في كل الأجواء و "يكنسون الأرض التربة بأذيال مآزرهم وجلابيبهم الطويلة " كما يقول الراهب أردركس Ardericuse Vitalis شاكياً متحسراً (94).
ولم يكن الرجال يزينون بالحلي أجسامهم وحدها، بل كانوا يزينون بها أيضاً ثيابهم - قلانسهم، ومآزرهم ، وأحذيتهم. وكانت بعض الأردية تطرز عليها باللؤلؤ نصوص مقدسة أو عبارات بذيئة(95)، وأخرى تزين أطرافها بمخرمات منسوجة من خيوط الذهب أو الفضة، ومنهم من كان يلبس ثياباً من خيوط الذهب. وكان على الملوك أن يميزوا أنفسهم بزينة أكثر من هذه كلها، فكان إدوارد المعترف يلبس مئزراً مزكرشاً بالذهب من صنع زوجته المهذبة إدجيثا Edgitha، وكان شارل الجسور Chatles the Bold صاحب برغندية يلبس مئزراً فخماً مطعماً بالحجارة الكريمة ومثقلا بها يقدر ثمنه بمائتي ألف دوقة (نحو 000و280و1 دولار). وكان للناس كلهم عدا الفقراء منهم يختتمون، وكان لكل إنسان ذي شأن ولو ضئيل خاتم منقوش عليه رمزه الخاص، وكانت أية علامة بهذا الخاتم تقبل على أنها توقيعه هو نفسه.
وكانت الملابس تعد دليلاً على منزلة الإنسان أو ثرائه، وكانت كل طبقة تحتج إذا قلدت أثوابها الطبقة التي دونها، وقد سنت القوانين المالية - كما حدث 

في فرنسا سنتي 1149و1306 - لتنظم ما ينفقه الناس على ملابسهم حسب ثرواتهم وطبقاتهم. وكانت حاشية السيد العظيم، أو جماعة الفرسان التابعين له، تلبس في المناسبات والأعمال الرسمية أثواباً يهديها هو إلى أفرادها مصبوغة باللون المحبب له أو الذي يميزه عن غيره، وكانت هذه الحلل الخاصة تسمى بالفرنسية Iivéé (وبالإنجليزية Iivery) ومعناها الموزعة لأن السيد كان يوزعها (deliver) مرتين في العام. على أن الأثواب الجيدة في العصور الوسطى كانت تعمل لتبقى مدى الحياة، ومنها ما كان يعني أصحابه بالنص إلى من تؤول إليه في وصيته.
وكانت نساء الطبقات العليا يلبسن قميصاً طويلاً من التيل، ومن فوقه جلباب أو مئزر ذو حواش من الفراء يصل إلى حد القدمين ويعلوه قميص نصفي يبقى منفرج الطرفين إذا لم يكن في الدار غرباء، ولكنه يربط طرفاه إذا جاء البيت زوار، وذلك لأن جميع النساء المتأنقات يتقن إلى أن يظهرن نحيلات القوام، وقد يتمنطقن بمناطق مرصعة بالجواهر، ويمسكن بكيس من الحرير، ويلبسن بأيديهن قفازاً من جلد الشموا. وكثيراً ما كن يضعن الأزهار في شعرهن، أو يخطنه بخيوط من الحرير ذات الجواهر. وكانت بعض السيدات يثرن غضب رجال الدين، وغضب أزواجهن بلا ريب، بأن يلبسن قبعات طويلة مخروطية مزدانة بقرنين، وقد جاء على النساء حين من الدهر كانت فيه المرأة غير ذات القرنين هدفاً لسخرية الساخرين(96). وأصبحت الكعاب العالية في أواخر العصور الوسطى هي الطراز المحبب، وكان الناقدون الأخلاقيون يشكون من أن النساء كثيراً ما يرفعن أطراف أثوابهن بوصة أو بوصتين ليظهرن أرساغهن وأحذيتهن الظريفة، أما سيقان النساء فلم يكن يبصرها إلا الأخصاء، وكانت رؤيتها غالية الثمن. وقد ندد دانتي بنساء فلورنس لظهورهن علناً في ثياب "تكشف عن صدورهن وأثدائهن"(97). وكانت ثياب النساء في حفلات
البرجاس موضعاً للتعليقات المثيرة من رجال الدين، وقد وضع الكرادلة قوانين يحددون بها طول أثواب النساء، ولما أمر رجال الدين أن تلبس النساء النقاب حرصاً على أخلاقهن "جعلن هذا النقاب يصنع من الموصلين الرقيق والحرير المشغول بالذهب، فظهرن فيه أجمل عشرات المرات مما كن بغيره وأتلفتن عيون النظارة وأغرينهم بالفساد أكثر من ذي قبل"(98). وكان جوي البروفنسي Guyot of Provins يشكو من أن النساء يستخدمن المساحيق على وجوههن بكثرة لم يبق معها من هذه المساحيق شيء تلون به الصور والتماثيل في الكنائس، وأنذرهن بقوله إنهن حين يلبسن الشعر المستعار أو يضعن الكمادات أو مسحوق الفول لأبن الخيل على وجوههن لتجميلها، إنما يضفن بذلك مئات السنين لمقامهن في الأعراف(99). وقد عنف برثلد الرجنسبرجي Berthold of Regenesburg حوالي 1220 النساء بفصاحة ما كان أضيعها:
أيتها النساء، إنكن ذوات حنان عظيم، وإنكن لأسرع في الذهاب إلى الكنيسة من الرجال... ومنكن من سينجون لولا شرك واحد تقعن فيه... ذلك أنكن تردن أن تنلن إعجاب الرجال فتصرفن جهودكن كلها في زينة ثيابكن... والكثيرات منكن يؤدين للخياطة أجراً لا يقل عن ثمن الثوب نفسه، فالثوب يجب أن يكون له وقايتان على الكتفين، ويجب أن يثنى وتكون له أهداب حول أطرافه كلها، وأنتن لا تكتفين بإظهار فخركن في عُرَى أزراركن نفسها، بل إنكن فوق هذا ترسلن أقدامكن إلى الجحيم بما تحملنها من أنواع العذاب الخاصة بها... وأنتن تشغلن أنفسكن ببراقعكن! وتحولنها تارة إلى هذه الناحية وتارة أخرى إلى تلك، وتطرزنها مختلفة بخيوط الذهب، وتصرفن فيها كل جهودكن، فتقضي إحداكن ستة أشهر كاملة في صنع نقاب واحد، وهو عمل آثم لا تبتغي به أكثر من أن يثني الرجال على ثيابها فيقولون: "رباه! ما أجمله! هل وجد من قبل ثوب يضارعه في الجمال؟". أما هن
فيقلن: "أيها الأخ برثلد، إنا لا نفعل هذا إلا إكراماً للرجل الصالح، حتى تقل نظراته إلى غيرنا من النساء". لا، يا سيدتي، صدقيني، لو أن رجلك الصالح صالح بحق، لفضل أن يستمع إلى حديثك الطاهر عن النظر إلى زينتك الخارجية... إن في وسعكم أيها الرجال أن تقضوا على هذا، وتكافحوه بقوة، بالقول الحسن أولا، فإذا أصررن على عنادهن، فأقدموا بشجاعة... وانتزعوه من فوق رؤوسهن، ولو اقتلعت معه أربع شعرات أو عشر، وألقوه في النار ولا تفعلوا هذا مرتين أو أربع مرات فحسب، وسترون أنهن سرعان ما يرجعن عن غيهن(100).
وكانت النساء في بعض الأحيان يتأثرن بهذا الوعظ، وحدث قبل أيام سفنرولا Savonarola بمائتي عام أن ألقين ببراقهن وحليهن في النار(101). ولكن أمثال هذه التوبة كانت لحسن الحظ نادرة وقصيرة الأجل. الفصُل السّابع


في المنزل


لم يكن منزل العصور الوسطى مريحاً كثيراً، فقد كانت نوافذه قليلة، وقلما كان بها ألواح زجاجية، وكانت، المصاريع الخشبية تغلفها لتمنع البرد ووهج الشمس وكان موقد يدفئ المنزل أو أكثر من موقد، وكانت التيارات الهوائية تدخله من مئات الثقوب التي في الجدران، وتجعل المقاعد ذات الظهور العالية نعمة كبرى. وكان من عادة سكانها أن يلبسوا في الشتاء قبعات وفراء مدفئة في داخل المنزل نفسه. وكان الأثاث قليلاً ولكنه جيد الصنع، والكراسي أيضاً قليلة، وكانت في العادة غير ذات ظهور، ولكنها كانت في بعض الأحيان محفورة حفراً جميلاً، ومنقوشاً عليها شارات أصحابها المميزة، ومطعمة بالحجارة الكريمة. وكانت معظم المقاعد تحفر في أبنية الجدران أو تبنى فوق صناديق في مظلات البساتين. وكانت الطنافس نادرة الاستعمال قبل القرن الثالث عشر، ولكن إيطاليا وأسبانيا كانتا تستعملانها، ولما إنتقلت إليانور القشتالية إلى إنجلترا في عام 1254 للزواج من أدوارد الأول غطى خدمها أرض جناحها في وستمنستر بطنافس كما يفعل أهل أسبانيا ومن ثم انتشرت هذه العادة في إنجلترا. أما أرض البيوت العادية فكانت تنثر عليها الأعشاب أو القش، فكانت بعض البيوت لهذا السبب كريهة الرائحة إلى حد يأبى معه قس الأبرشية أن يزورها. وكانت أنسجة مزركشة تغطى بعض الجدران، لتزينها وتمنع عنها تيارات الهواء، ولتقسم بهو المنزل الكبير إلى حجرات صغيرة. وظلت بيوت إيطاليا وبروفانس تحتفظ بذكريات الترف الروماني، فكانت لذلك أوفر راحة وأكثر مراعاة
لشروط الصحة من بيوت شمال أوربا. وكانت بيوت الطبقات الوسطى في ألمانيا تحصل على ما يلزمها من الماء من مضخات مركبة على آبار توصل الماء إلى المطبخ(102).
ولم تكن النظافة في العصور الوسطى من الإيمان، وكانت المسيحية الأولى قد نددت بالحمامات وقالت إنها بؤر للفساد والفسق، وكان تحقيرها للجسم بوجه عام مما جعلها تهمل العناية بقواعد الصحة. ولم يكن استعمال المنديل على الطريقة الحديثة معروفاً في ذلك الوقت(103)، وكانت النظافة تتبع الثروة وتختلف باختلاف دخل الأفراد، فكان السيد الإقطاعي، ورجل الطبقة الوسطى المثري، يستحمان مرات معقولة في أحواض خشبية كبيرة، ولما انتشر الثراء في القرن الثاني عشر انتشرت معه نظافة الجسم، كانت مدن كثيرة في ألمانيا، وفرنسا، وإنجلترا في القرن الثالث عشر تحتوي حمامات، ويقول أحد الكتاب إن أهل باريس كانوا يستحمون في عام 1292 أكثر مما يستحمون في القرن العشرين(104)، وكان من نتائج الحروب الصليبية إدخال حمامات البخار العامة من بلاد الإسلام إلى أوربا(105). وكانت الكنيسة تعارض وجود الحمامات العامة بحجة أنها تفسد الأخلاق، وكان لهذه المخاوف ما يبررها في كثير من تلك الحمامات، وكان في بعض البلدان حمامات معدنية عامة.
وكان بالأديرة، وقصور سادة الإقطاع، وبيوت الأغنياء مراحيض تفرغ محتوياتها في بالوعات، ولكن معظم سكان البيوت كانوا يقضون حاجتهم في مراحيض خارج البيت، وكان المرحاض الخارجي الواحد في كثير من الحالات يفي بحاجة أثنى عشر منزلا(106). وكانت الأنابيب التي تنقل الفضلات من ضروب الإصلاح التي دخلت إلى إنجلترا في عهد إدوارد الأول (1271-1307) وكانت أوعية حجرات النوم في بيوت باريس في القرن الثالث عشر تفرغ من النوافذ في شوارع المدينة، ولا يصحب هذا العمل إلا تحذير للمارة:
إحذروا الماء! Carieau وظلت هذه الحوادث المفاجئة السيئة يتكرر ذكرها في المسالي إلى أيام موليير. وكانت المراحيض العامة ترفاً نادر الوجود، وقد وجد في سان جمينانو San Gimignano عام 1255، ولكن فلورنس لم يكن فيها وقتئذ شيء منها(107)، فكان الناس يقضون حاجتهم في فناء المنزل، وعلى درج السلم، وفي الشرفات، وكان ذلك يحدث في قصر اللوفر نفسه. وقد صدر مرسوم بعد وباء 1531 يحتم على أصحاب البيوت في باريس أن ينشئوا مرحاضاً في كل بيت، ولكن هذا الأمر كثيراً ما يخالف(108).
وكان أفراد الطبقات العليا والوسطى يغسلون أيديهم قبل الطعام وبعده، لأنهم كانوا يتناولون معظم الطعام بأصابعهم، ولم تكن هناك إلا وجبتان منتظمتان في اليوم، إحداهما في الساعة العاشرة، صباحا، والأخرى في الرابعة مساء، غير أن كلتا الوجبتين قد تدوم عدة ساعات. وكان موعد الوجبة في البيوت الكبيرة يعلن بالنفخ في بوق الصيد. وقد تكون مائدة الطعام ألواحاً خشنة تقام على قوائم من الخشب، وقد تكون أحيانا خوانا عظيما متين من الخشب الثمين المحفور حفراً يدعو إلى الإعجاب، وكان من حولها مقاعد أو دكك، والدكة تسمى بالفرنسية banc ومنها اشتق لفظ banquet للوليمة. وكانت في بعض البيوت الفرنسية آلات عجيبة ترفع مائدة كاملة الإعداد من طبقة سفلى أو تنزلها من طبقة عليا، ثم تزيلها من فورها حين يفرغ الجالسون من تناول الطعام(109)، وكان الخدم يحملون أباريق الماء لكل طاعم يغسل فيها يديه ويجففهما في قطائل يأخذها أولئك الخدم، ولم تكن هذه القطائل تستخدم في القرن الثالث عشر، ولكن الطاعمين كانوا يجففون أيديهم في غطاء المائدة(110). وكان الطاعمون يجلسون أزواجا، كل زوج مكون من رجل وامرأة، وكان كل اثنين يأكلان عادة من صحفة واحدة، ويشربان من كوب واحد(111). وكان كل فرد يعطي ملعقة، وكانت الشوك معروفة في القرن الثالث عشر، ولكنها قلما كانت تقدم

للطاعمين، وكان الآكل يستخدم سكينه الخاصة. وكانت الأكواب، وأطباقها والصحاف تصنع عادة من الخشب(112)، ولكن سادة الإقطاع والأغنياء من الطبقة الوسطى كانت لهم صحاف من الخزف أو من مزيج القصدير والرصاص ومنهم من كان يضع على المائدة أدوات من الفضة، بل إنها كانت تتخللها آنية من الذهب في بعض الأحيان(113). وقد تضاف إلى هذه الآنية صحاف من الزجاج، وصحفة أخرى كبيرة من الفضة في صورة سفينة، تحتوي أنواعا من التوابل، وسكين صاحب الدار وملعقته. وكان كل اثنين من الآكلين يعطيان قطعة كبيرة من الخبز، مستوية، ومستديرة، وسميكة، يضع عليها كل واحد اللحم والخبز يأخذهما بأصابعه من الصحفة العامة التي يدار بها عليه. وكان الطاعم يأكل هذه القطعة بعد نهاية الطعام أو تعطى إلى الكلاب والقطط التي يغص بها المكان، أو ترسل إلى الفقراء من الجيران. وكانت الوجبة العظيمة تختم بالتوابل والحلوى، ثم النبيذ.
وكان الطعام موفوراً، أو متنوعاً، وحسن الإعداد، ألا أن انعدام وسائل التبريد سرعان ما كان يفسد اللحم، ويملى من شأن التوابل التي يستطاع بها حفظه أو إخفاء تلفه. وكانت بعض هذه التوابل تستورد من بلاد الشرق ولكن غلو ثمنها كان يجعل الناس يزرعون غيرها في حدائق البيوت - ومن هذه البقدونس، والخردل، والقصعين، واليانسون، والثوم، والشبت... وكانت كتب الطهو كثيرة ومعقدة، وكان الطاهي في المنزل العظيم رجلا عظيم الشأن يحمل على كتفيه كرامة البيت وسمعته، وكانت لديه طائفة كبيرة من الأوعية النحاسية، وآنية الغلي، والقدور، وكان يفخر بما يقدمه من الأصناف التي تسر العين وتلذ الفم. وكان اللحم، والدجاج، والبيض رخيصا(114)، وإن كان ثمنها مع ذلك يضطر الفقراء إلى الاقتصاد على الحضر وهم كارهون(115). وكان الفلاحون يطعمون الخبز الأسمر الخشن المصنوع من دقيق الشعير، والشوفان،


أو الشيلم كاملا، يخبز في البيت، أما سكان المدن فكانوا يفضلون الخبز الأبيض -يصنعه الخبازون- يظهرون بذلك علوهم عن أهل الريف. ولم تكن هناك بطاطس، أو بن، أو شاي، ولكن اللحوم والخضر التي تؤكل الآن في أوربا - ومنها ثعابين الماء، والضفادع، وحيوانات القواقع أن يحل عهد شارلمان كان الأوربيون قد أتموا، أو كادوا يتمون، أقلمة الفواكه وأنواع النقل الأسيوية، غير أن البرتقال كان لا يزال نادراً في القرن الثالث عشر في شمال جبال اللب والبرانس. وكان أكثر اللحوم انتشاراً هو لحم الخنزير، فقد كانت الخنازير تقتات بالفضلات التي تلقى في الشوارع، ثم يأكل الناس الخنازير. وكان من الاعتقادات الشائعة أن لحم الخنزير يسبب الإصابة بالجذام، ولكن هذا الاعتقاد لم يقلل من رغبة الناس فيه، وكان الوزم والفصيد من الأطعمة المحببة في العصور الوسطى، وكان المضيف من العظماء يضع على المائدة في بعض الأحيان خنزيراً كاملا، ويقطعه أمام ضيوفه، وكان هذا يعد من الأطعمة الشهية التي لا تقل في ذلك عن لحوم الحجل، والسمان، والدج، والطاووس، والكركي.وكان السمك من الأطعمة الأساسية، والرنكة من الأطعمة التي يعمد إليها الجنود، والحارة، والفقراء، أما منتجات الألبان فكان استعمالها أقل منه في هذه الأيام، ولكن جبُن بري Brie اشتهر منذ ذلك الوقت البعيد(117). ولم تكن أنواع السلطة قد عرفت، وكانت الحلوى نادرة. وكان السكر لا يزال يستورد من الخارج، ولم يكن قد حل بعد محل عسل النحل في التحلية؛ وكانت الحلوى بعد الطعام هي الفاكهة والنقل، وكانت الفطائر لا حصر لها لأنواعها، يشكلها الخبازون هي والكعك بألطف ما يتصوره الخيال من أشكال ولا يلومهم على هذا أحد رجلا كان أو امرأة(118). وقد يبدو من الأمور الغريبة التي

لا يصدقها العقل أنهم لم يكونوا يدخنون بعد الطعام، وكان الرجال والنساء يستبدلون بهذا شرب الخمر.
وإذ كان الماء غير المغلي مما لا تؤمن عاقبته فقد كانت جميع الطبقات تجد في الجعة والنبيذ بديلا منه، ولهذا كان من الأسماء النادرة اسما Drinkwater Boileu, "اشرب الماء" وفي هذا دليل على عدم الميل إلى شربه. وكان من أنواع الخمور خمر التفاح والكمثرى، وكانا من المسكرات الرخيصة التي يتناولها الفلاحون. وكان السكر من الرذائل المحببة للرجال والنساء في العصور الوسطى، وكانت الحانات يخطئها الحصر، والجعة رخيصة الثمن، فكانت هي شراب الفقراء المعتاد يتناولونه في جميع الأوقات حتى في الفطور. وكان يسمح للأديرة والمستشفيات القائمة شمال جبال الألب بجالون من الجعة لكل شخص في اليوم(119). وكان لكثير من الأديرة، والقصور، وبيوت الأغنياء، معاصرها الخاصة، لأن الجعة في البلاد الشمالية كانت من ضرورات الحياة لا تزيد عليها في ذلك إلا الخبز. وكان الأغنياء في كل الأمم، وجميع الطبقات في أوربا اللاتينية، يفضلون عليها النبيذ، وكانت فرنسا تعصر أشهر أنواعه، وتتغنى بمديحه في مئات الأغاني الشعبية. وكان الفلاحون في وقت قطف الكروم يعملون أكثر مما يعملون في سائر أيام العام، وكان رؤساء الأديرة الصالحون يجزونهم على جدهم بإجازة من القواعد الأخلاقية، وتحتوى اغنية كان يتغنى بها نزلاء دير القديس بطرس في الغابة السوداء بعض عبارات رقيقة:
فإذا وضع الفلاحون العنب، جئ بهم إلى الدير وقدم لهم اللحم والشراب بكثرة، ووضعت هناك خابية كبيرة، ملئت بالنبيذ... ليشر منها كل واحد منهم... فإذا لعب الشراب برؤوسهم وضربوا الخازن أو الطاهي، لم يؤدوا غرامة من أجل هذا العمل، وظلوا يشربون حتى لا يستطيع كل اثنين منهم أن يحملا الثالث إلى العربة(120).
وكان رب البيت عادة يسلي المدعوين بعد الوليمة بضروب من الشعوذة، والشقلبة، والغناء، والتهريج. وكان لبعض سادة الإقطاع طائفة خاصة بهم من هؤلاء المسلين وكان لبعض الأغنياء مازحون في وسعهم أن يوجهوا وقاحتهم المرحة وفكاهاتهم البذيئة دون أن يخشوا عقاباً أو تأنيباً. وإذا أراد المدعوون أن يقوموا هم بتسلية أنفسهم كان في وسعهم أن يرووا القصص، أو يستمعوا إلى الموسيقى أو يعزفونها، أو يرقصوا، أو يتغازلوا، أو يلعبوا النرد والشطرنج، والألعاب الداخلية الأخرى، وحتى الأشراف أصحاب الألقاب من الرجال والنساء كانوا يتراهنون ويلعبون الغميضاء. ولم تكن ألعاب الورق قد عرفت بعد، وقد حرمت القوانين الفرنسية الصادرة في عام 1256 و 1291 صنع النرد أو لعبه، ولكن لعب الميسر بالنرد كان واسع الانتشار رغم هذا التحريم، وكان رجال الأخلاق يتحدثون عن ثروات فقدت ونفوس ضلت نتيجة للعب الميسر. ولم يكن هذا اللعب محرماً على الدوام بمقتضى القانون، وكانت سيينا Saiena تهيئ له أمكنة في الميدان العام(121)، وقد حرم بأمر من مجلس عقد في باريس (1213) وبمرسوم أصدره لويس التاسع (1254)، ولكن أحداً لم يهتم بهذا التحريم: وأضحت هذه اللعبة من ضروب التسلية التي ينهمك فيها الأشراف ويقضون فيها أوقاتاً طويلا، وهي التي اشتق منها اسم خازن بيت مال الملك exchequer من المنضدة أو لوحة الشطرنج المختلفة الألوان Chequered table أو Chessboard التي كان إيراد الدولة يعد عليها(122). وقد ذهل أهل فلورنس في أيام دانتي من لاعب مسلم كان يلعب على ثلاث لوحات مختلفة في وقت واحد مع أمهر لاعبي المدينة، فقد كان ينظر بعينيه إلى إحدى اللوحات، ويحتفظ بوضع اللوحتين الأخريين في عقله، وقد كسب لعبتين وتعادل مع اللاعب الثالث(123). وكانت لعبة الداما معروفة في فرنسا وإنجلترا، وتسمى في الأولى dames وفي الثانية draughts.

وكان الواعظون من رجال الدين يحرمون الرقص، ولكن الناس كلهم تقريباً يمارسونه إلا من وهبوا أنفسهم للدين. وكان تومس أكويناس ذو النزعة المعتدلة يبيح الرقص في حفلات العرس، أو في الاحتفال بقدوم صديق من خارج البلاد أو بنصر قومي، وقد بلغ من أمر هذا القديس الطيب القلب أن قال: إن الرقص إذا كنت في حدود الأدب رياضة بدنية مفيدة للصحة(124)، وأظهر ألبرتس مجنس مثل هذا التسامح، ولكن رجال الأخلاق في العصور الوسطى كانوا يعترضون على الرقص ويعدونه من اختراع الشيطان(125)، ولم تكن الكنيسة ترضى عنه، لأنها تراه مغرياً بالفساد(126)، ولقد بذل شباب العصور الوسطى الجرئ كل ما في وسعه لتبرير مخاوفها (127). وكان الفرنسيون وألمان بنوع خاص مولعين بالرقص، وابتدعوا كثيراً من ضروبه الشعبية، يمارسونها في مواسم السنة الزراعية، أو الاحتفال بالنصر، أو لتقوية روح الشعب المعنوية إذا ألمت به كارثة أو انتشر بينه وباء. ويصف أحد الكتاب أن رقص البنات في الحقول بقوله: إنه أبهج ملذات الربيع، وإذا ما احتفل بمنح لقب فارس لأحد الشبان اجتمع كل الفرسان المجاورون له بعدتهم الحربية كاملة، وقاموا بضروب من الألعاب على ظهور الخيل أو راجلين، والعامة من حولهم يرقصون على نغمات الموسيقى العسكرية. وكان الناس أحياناً يسرفون في الرقص حتى يصبح وباءاً: فقد حدث في عام 1237 أن فرقة من الأطفال الألمان ظلت ترقص على طول الطريق من إرفورت Erfurt إلى أرنسادت Arnsadt، حتى مات كثيرون منهم في الطريق، وظل بعض من نجا منهم ويعانون من مرض الرقاص St Yttus' Dance أو غيره من الاضطرابات العصبية الأخرى طول حياتهم(128).
وكان معظم الرقص يدور أثناء النهار وفي الهواء الطلق، ذلك بأن بيوت لم تكن جيدة الإضاءة بالليل - فقد كانت تنار بمصابيح مرتكزة أو معلقة ذات

فتائل وبها زيت، أو بمشعل من شحم الضأن، وإذ كان الشحم والزيت كلاهما غاليا فقد كان العمل والقراءة قليلين بعد غروب الشمس. ولهذا كان الضيوف يتفرقون بعد الظلام بزمن قليل، ويأوي أصحاب البيت إلى حجراتهم الخاصة. وقلما كانت حجرة النوم كافية، وكان يحدث أحياناً أن يجد الإنسان فراش نوم إضافي في بهو المسكن أو في حجرة الاستقبال. وكان الفقراء ينامون مستريحين على فراش من القش، والأغنياء ينامون متعبين على وسائد معطرة، وحشيات من الريش. وكانت فرش العظماء تغطى بكلة تقيهم البعوض ويستعان على تعليقها بكراسي. ولم تكن ثمة ما يمنع نوم عدد من الأفراد ذكورا كانوا أو إناثاً صغاراً أو كباراً في حجرة واحدة. وكان الناس مع جميع الطبقات في إنجلترا أو فرنسا ينامون عشرة(129).


الفصل الثامن


المجتمع والألعاب


لقد كانت الغلطة التي تتصف بها آداب العصور الوسطى بوجه عام يخففها بعض ما في التأديب والمجلات الإقطاعية من ظرف. فقد كان الرجال إذا التقوا يسلم بعضهم على بعض باليد، كأن هذا عهد منهم بالمسالمة وعدم الاستعداد لاستلام السيف. وكان ألقاب الشرف لا حصر لها وكانت متفاوتة المنزلة تبلغ المائة عدا، وكان من العادات الظريفة أن يخاطب كل كبير بلقبه واسمه الأول أو اسم ضيعته. وقد سن قانون للآداب يتبعه أفراد المجتمع الراقي في الظروف المختلفة- في البيت، وفي أثناء الرقص، وفي الشوارع، وفي ألعاب البرجاس، وفي بلاط الملك، وكان على السيدات أن يتعلمن كيف يمشين، ويحيين، ويركبن الخيل، ويلعبن، ويحملن الصقور برشاقة على معاصمهن...، وكانت هذه الآداب كلها وأخرى مثلها للرجال تؤلف ما يعرف باسم آداب البلاط Courtoisie. وقد نشرت القرن الثالث عشر إرشادات كثيرة الآداب اللياقة(130).
وكان المسافر ينتظر المجاملات والضيافة من أبناء طبقته. فكان المسافرون يستضافون أثناء سفرهم في أديرة الرجال إن كانوا ذكوراً والمسافرات يستضفن في أديرة النساء، على سبيل الصدقة إن كانوا فقراء أو نظير أجور أو هبات إن كانوا أغنياء. وقد أنشأ الرهبان منذ القرن الثامن مضايف عند ممرات جبال الألب، وكان لبعض الأديرة بيوت كبرى للضيوف تتسع لثلاثمائة من المسافرين وبها إسطبلات لخيولهم(131). على أن معظم المسافرين كانوا ينزلون في "نزل" أنشئت على الطريق، وكانت رخيصة الأجور، وفي استطاعته الرجل أن يجد فيها مومساً بأجر 

معتدل إذا حافظ على كيس نقوده من السرقة، وكان الكثيرون يتحدون أخطار السفر - لما يجدونه في الطريق من أسباب الراحة السالفة الذكر - ومن هؤلاء التجار، وأصحاب المصارف، والقساوسة، والدبلوماسيون، والحجاج، وطلاب العلم، والرهبان، والسائحون، والأفاقون. وكانت طرق العصور الوسطى، على ما فيها من متاعب وأخطار غير مشجعة على الأسفار، غاصة بالكثيرين من الناس ذوى التشوق والآمال الذين يظنون أنهم سيكون أسعد حالا إذا بدلوا أماكنهم.
وكانت الفروق بين الطبقات شديدة في الأسفار كما هي في التسلية والألعاب. ولكن الخاصة والسوقة كانوا يختلطون من حين إلى حين: إذا عقد الملك جمعية عامة من أتباعه الإقطاعيين، ووزع الطعام على المجتمعين، وإذا قام الفرسان الأشراف بحركات عسكرية، وإذا دخل أمير أو أميرة، أو ملك أو ملكة إحدى المدن كامل العدة في موكب فخم واصطف الناس على جانبي الطريق العام ليمتعوا أنظارهم بموكبه، وإذا أقيم برجاس أو عقدت محاكمة بالاقتتال وسمح للجمهور بحضورهما. وكانت المشاهد المنظمة جزءاً أساسياً من الحياة في العصور الوسطى، فقد كانت المواكب الدينية، والاستعراضات العسكرية، والاحتفالات التي تقيمها نقابات الحرف؛ تملأ الشوارع بالأعلام، والمشاعل، وصور القديسين من الشمع، والتجار السمان، والفرسان المتبخترين، والفرق الموسيقية العسكرية، وكان الماجنون المتنقلون يمثلون مسرحيات قصيرة في القرية أو ميدان المدينة، والمغنون الجائلون يغنون ويلعبون، ويقصون قصص الغرام، والمشعوذون والقفازون يعرضون ألعابهم، والرجال والنساء يمشون أو يرقصون على حبال مشدودة فوق هاويات سحيقة خطرة، وكنت ترى أحياناً رجلين معصوبي العيون يمارس كلاهما بعض الحيل على زميله، أو كان يؤتى بطائفة من الوحوش إلى البلدة حيث تعرض حيوانات غريبة ورجال عجيبون، وحيث يقتتل حيوان مع حيوان حتى يقتل أحدهما.
وكان الصيد رياضة ملكية يعمد إليها الأشراف ولا تقل شاناً عندهم عن المثاقفة. وكانت قوانين الصيد تحدد مواسمه بفترات قليلة من العام، وكانت للأشراف أملاك يصيدون فيها ويُعَد الاعتداء عليها سرقة بحكم القانون. وكانت غابات أوربا لا تزال مسكناً لوحوش لم تعترف بعد بفوز الإنسان في حربه من أجل الاستيلاء على الكواكب الذي تعيش فيه؛ وحسبنا أن نذكر أن مدينة باريس مثلا قد هاجمتها الذئاب عدة مرات في العصور الوسطى. وكان الصائد من ناحية ما يعمل للاحتفاظ بسيادة الآدمي المزعزعة على هذه الأرض، كما كان يعمل من ناحية أخرى لزيادة موارد الطعام، ولم يكن أقل من هذين العملين شأناً أنه كان يعد نفسه للحرب التي لا مفر منها بتقوية جسمه وروحه وتعويدهما ملاقاة الأخطار، والقتال، وسفك الدماء. وكان في الوقت عينه يجعل من عمله هذا مهرجاناً. فكانت القرون العظمية المصنوعة من العاج والمطعمة أحياناً بالذهب تدعو النساء، والرجال، والكلاب: النساء يجلسن في رشاقة على الجياد المتبخترة وأرجلهن على جانب واحد من السروج، والرجال في حلل زاهية وعدة حربية متباينة - القوس والسهم، والبلطة الصغيرة، والحربه، والسكين، وكلاب الصيد على اختلاف أنواعها تجذب مقودها. وإذ ما أدى الطراد إلى عبور حقول الفلاحين، كان من حق السيد وأتباعه، وضيوفه أن يعبروا هذه الحقول مهما يكن التلف الذي يصيب البذور والمحاصيل، ولم يكن يشكو من الفلاحين إلا المتهورون الذين لا يحسبون للعواقب حساباً(132). وقد نظم الفلاحون الفرنسيون الصيد فجعلوا له قواعد، وسمه الطراد، ووضعوا له مراسم وآداباً معقدة.
وكانت السيدات يشتركن بنوع خاص في أكثر ضروب الصيد أرستقراطية - وهو الصيد بالبزاة، فقد كان في جميع الضياع الأكرى أقفاص تحوي أنواعاً كثيرة من الطيور، أغلاها ثمناً هي البزاة. وكان البازي يعلم الجلوس على معصم السيد أو السيدة في أي وقت، وكانت بعض السيدات المتأنقات يحتفظن بها وهن
يستمعن إلى الصلاة في الكنائس. وقد ألف الإمبراطور فردريك الثاني كتاباً ممتازاً في الصيد بالبزاة بلغت عدد صفحاته 589 صفحة، وكان هو الذي جاء إلى أوربا من بلاد الإسلام بعادة السيطرة على أعصاب البازي وتشوقه بتغطية رأسه بغطاء من الجلد. وكانت أنواع مختلفة من البزاة تدرب على الطيران العالي، ومهاجمة أنواع مختلفة من الطيور، وقتلها أو جرحها، ثم العودة إلى معصم الصائد، حيث يقربها ويقدم لها قطعه من اللحم جزاء لها على صنعها فتسمح له بأن يضع رجليها في شرك حتى يبصر فريسة أخرى. ويكاد يكون البازي الحسن التدريب أحسن ما يهدى للشريف أو الملك، وقد أفتدى أحد أدواق برغندية ولداً له بأن أرسل أثنى عشر صقراً أبيض لأسرة السلطان بايزيد. وكان منصب حافظ البزاة الأكبر في فرنسا من أعلى المناصب وأكبرها مرتباً في المملكة.
وكانت كثيراً من الألعاب الأخرى تخفف عن الناس حر الشمس وبرد الشتاء، وتحول عواطف الشباب ونشاطه إلى ضروب من المهارة الحيوية. فقد كان كل صبي تقريباً يتعلم السباحة، وكان الناس كلهم في شمال أوربا يتعلمون الانزلاق على الثلج، وكان سباق الخيال من الألعاب المحبوبة الواسعة الانتشار وبخاصة في إيطاليا، وكانت كل الطبقات تمارس الرمي بالقوس والسهام، ولكن طبقات العمال وحدها هي التي كانت تجد فسحة من الوقت لصيد السمك، وكانت في العصور الوسطى ضروب مختلفة من ألعاب الكرة، ولعبة الكرة والصولجان hockey، ورمي القرص quoits، والمصارعة والملاكمة، والتنس Tennis، وكرة القدم... وقد نشأت لعبة التنس في فرنسا، ولعل منشأها هناك من أصل إسلامي، ويلوح أن اسمها مشتق من لفظ Tenezi الفرنسي أي "العب"- وهو اللفظ الذي كان اللاعب يعلن به بداية لعبه(133). وقد انتشرت هذه اللعبة في فرنسا وإنجلترا انتشاراً بلغ منه أن كانت تلعب أحيانا أمام جماهير كبيرة في دور التمثيل أو الهواء الطلق(134). وكان الأيرلنديون يلعبون لعبة الكرة والصولجان
منذ القرن الثاني الميلادي، ويصف مؤرخ بيزنطي من رجال القرن الثاني عشر وصفاً حياً مباراة في الجحفة (البولو) استخدمت فيها مضارب ذات أوتار من الحبال شبيهة بلعبة لاكرس Lacrosse الكندية(135). ويقول أحد مؤرخي العصور الوسطى الإخباريين وهو مروع وجل إن كرة القدم "لعبة بغيضة يدفع فيها الشبان كرة ضخمة، لا يقذفها في الهواء، بل يضربها بالقدم"(136). ويبدو أن هذه اللعبة جاءت من بلاد الصين إلى إيطاليا(137) وإنجلترا حيث انتشرت في القرن الثالث عشر انتشاراً واسعاً، وقد بلغ من عنفها أن حرمها إدوارد الثاني لأنها تؤدى إلى تعكير السلم (1314).
وكان الناس وقتئذ أكثر ميلاً إلى التآلف والاشتراك في الحياة مما هم الآن وكانت أنواع النشاط الجماعية تهز المشاعر في أديرة الرجال والنساء، وفي الجامعات، والقرى، ومراكز نقابات الحرف. وكانت الحياة بهجة مرحة في أيام الآحاد والأعياد بنوع خاص، ففي تلك الأيام كان الفلاحون، والتجار وكبار الملاك يلبسون أحسن ما عندهم من الثياب، ويطيلون الصلاة أكثر من المعتاد، ويشربون أكثر ما يستطيعون(138). وكان الإنجليز إذا حل أول يوم من شهر مايو يقيمون عمود هذا العام، ويضيئون المشاعل، ويرقصون حولها، وكأنهم يعيدون وهم نصف واعين ذكريات أعياد الخصب الوثنية. وكانت كثير من البلدان والقصور في أيام عيد الميلاد تعين "سيداً لسوء الحكم" ينظر للجماهير ضروب التسلية والمناظر. وكان المهرجون يلبسون الأقنعة، واللحى المستعارة، و ينشدون أغاني عيد الميلاد، وكانت البيوت والكنائس تزدان بشرابة الراعي واللبلاب "وبكل ما هو أخضر في هذا الفصل من السنة(139)". وكانت هناك
أعياد للفصول الزراعية، وللانتصارات القومية أو المحلية، وللقديسين، ولنقابات الحرف، وقلما كان يوجد في تلك الأيام رجل لا يملأ معدته بالشراب. وكان لإنجلترا المرحة أسواق تنساب فيها الأموال وتجرى فيها الجعة جرياناً سريعاً ولكنه ليس بالمجان، وكانت الكنيسة في القرن الثالث عشر تندد بهذه الاحتفالات، ولكنها هي نفسها اتخذتها أعياداً لها في القرن الخامس عشر(140).
وقد كيفت بعض الأعياد حفلات الكنيسة فجعلتها جدية في قالب هزلي، صخابة تختلف من الفكاهة الساذجة إلى الهجاء الشائن المقذع، وكانت مدينتا بوفيه Beauvais، وسان Sans، وغيرهما من البلدان الفرنسية تحتفل في اليوم الرابع عشر من شهر يناير بعيد "الحمار" fete a I ane. فتركب فتاة جميلة حماراً، ويخيل ألينا أنها تمثل بهذه الطريقة مريم أم المسيح أثناء فرارها إلى مصر، ثم يقاد الحمار إلى كنيسة، وينحني ويثني ركبته اليمنى احتراماً وعبادة، ويوضع بجانب المذبح، ويستمع إلى قداس وترانيم يتغنى فيها بمديحه، فإذا انتهت الصلاة نهق القس والمصلون ثلاث مرات تكريماً لهذا الحيوان الذي أنجى أم المسيح من هيرودس وحمل عيسى إلى أورشليم(141). وكانت أكثر من عشر مدائن في فرنسا تحتفل في كل عام - ويكون ذلك عادة في يوم عيد الختان - بعيد البلهاء fete de fous. وكان يسمح في هذا اليوم للطبقة الدنيا من القساوسة أن تثأر لخضوعها إلى كبار القسيسين والأساقفة طول العام بالسيطرة على الكنيسة والقيام بالشعائر الدينية، وكانو يلبسون في ذلك اليوم ملابس النساء أو ملابس الكهنوتية مقلوبة، ويختارون واحد منهم ليكون أسقف البلهاءepiscopus fatuorum، ثم ينشدون أناشيد بذيئة، ويأكلون الوزم على المذبح، ويلعبون النرد عند أسفله، ويحرقون أحذية قديمة في المبخرة، ويلقون مواعظ مرحة(142). وكانت


كثير من البلدان في إنجلترا، وألمانيا، وفرنسا، في القرنين الثالث عشر والرابع عشر تختار من أهلها أسقف صبيان episcopus puerorum، ليرأس زملاءه في تقليد فكه للحفلات الكهنوتية(143). وكان رجال الدين المحليون يبسمون لهذه المهازل الشعبية ويتسامحون فيها، وظلت الكنائس وقتاً طويلا تغض النظر عنها، ولكنها حين رأتها تنزع إلى الإسراف في التحقير والبذاءة اضطرت إلى مقاومتها حتى اختفت آخر الأمر في القرن السادس عشر .
وكانت الكنيسة بوجه عام متسامحة لينة الجانب إزاء فكاهات عصر الإيمان الوقحة، وذلك لعلمها أن الناس لا بد لهم أن يتحللوا بين الفينة والفينة من القواعد الأخلاقية، وان تفك القيود التي تعد في الأوقات العادية ضرورية للمجتمع المتمدين. ولقد يغضب بعض أشداء المتزمتين أمثال القديس يوحنا كريسستوم St.Johan Chrysostom وينادون: "أتضحكون وقد صلب المسيح؟" ولكن "الفطائر، والجعة لم تنقطع، والنبيذ ظل يجري ساخناً في الأفواه، وكان القديس برنار يرتاب في المرح والجمال، ولكن معظم رجال الدين كانوا في القرن الثالث عشر أكولين، يستمتعون باللحم والشراب، ولا يرون في هذا ما يؤنبهم عليه ضميرهم، ولا يغضبون إذا سمعوا فكاهة حلوة أو رأوا ساقاً جميلة، ذلك أن عصر الإيمان لم يكن عصر جد وكآبة، بل كان عصراً مليئاً بالحيوية والمرح الشديد، والعاطفة الرقيقة، والسرور الساذج من نعم الأرض. ولقد كتب طالب مفكر على ظهر كتاب المفردات اللغوية أمنية له يتمناها لنا جميعاً:
وإني لأرغب أن تكون الأيام كلها إبريل ومايو، وأن يجدد كل شهر جميع الفواكه مرة بعد مرة، وان تنبت في كل يوم أزهار الزنبق، والمنثور، والبنفسج، والورد في كل مكان يطرقه الإنسان، وأن تظل أشجار الغابات مورقة، والمروج خضراء، وأن ينال كل محب محبوبته، وأن يحب كلاهما الآخر حباً صادقاً أكيداً يمتلئ به قلبه، وأن يستمتع كل إنسان بما يحب من اللذة وأن يمتلئ القلب مرحاً وغبطة(145).الفصل التاسع



الأخلاق والدين


ترى هل تؤيد الصورة العامة لأوربا في العصور الوسطى الاعتقاد بأن الدين يبعث على مكارم الأخلاق؟.
إن الصورة التي تنطبع في أذهاننا بوجه عام لتوحي بأن الثغرة الفاصلة بين نظرية الخلق الطيب وحقيقته في العصور الوسطى أوسع منها في أي عصر آخر من عصور الحضارة. ذلك أن العالم المسيحي في تلك العصور لم يكن يقل عنه في عصرنا اللاديني الحاضر امتلاءاً بالشهوات الجنسية، والعنف، وإدمان الخمر، والقسوة، والفظاظة، والدنس، والشره، والسطو، والخيانة، والتزوير. ويلوح أنه يفوق عصرنا الحاضر في استعباد الأفراد. ولكنه لم يكن يضارعه في الاستعباد الاقتصادي للأقاليم المستعمرة أو الدول المغلوبة. وقد فاقنا في إذلال النساء، ولكنه لا يكاد يضارعنا في عدم الاحتشام، وفي الفسق، والزنا، وفي الحروب الضروس، وفي كثرة من يقتلون فيها. وإذا وازنا بين مسيحية العصور الوسطى والإمبراطورية الرومانية من نيفرا إلى أوليوس، حكمنا أن هذه المسيحية قد رجعت بالناس إلى الوراء من الناحية الأخلاقية، غير أن كثيراً من أجزاء الإمبراطورية كانت في عهد نيرفا قد استمتعت بقرون كثيرة من الحضارة على حين أن العصور الوسطى تمثل في معظم مداها كفاحاً بين المبادئ الأخلاقية المسيحية والهمجية القوية التي كانت تحمل إلى حد كبير المبادئ الأخلاقية لدين لم تهتم هي بتلقي تعاليمه. ولقد كان يسع البرابرة أن يسموا بعض رذائلهم فضائل تستلزمها أحوال زمانهم، فعنفهم تطرف في الشجاعة،


وشهوانيتهم زيادة في الصحة الحيوانية، وخشونتهم وصراحتهم في الحديث، وعدم حيائهم إذا تحدثوا عن الأشياء الفطرية ليست شراً من الخلق المصطنع الذي ينطوي عليه شبابنا.
ولقد يكون من الأمور المهمة السهلة أن ندين مسيحية العصور الوسطى بالاعتماد على أقوال من كتبوا في الأخلاق من أبنائها. فقد كان القديس فرانسس يندب سوء أحوال القرن الثالث عشر ويصفه بأنه "زمان الخبث والظلم اللذين لا حد لهما(146)، وكان إنوسنت الثالث والقديس بونافتوراً، وفنسنت البوفينري، ودانتي يرون أن أخلاق ذلك "القرن العجيب" هي الفظاظة التي لا أمل إصلاحها، وقال الأسقف جروستستي Grosseteste، وهومن اكثر أحبار ذلك العصر حصافة، للبابا "إن الكاثوليك في جملتهم أحلاف الشيطان"(147). وحكم روجر بيكن (1214-1249) على العصر الذي يعيش فيه حكماً كعادته فقال.
لم يوجد قط، ما يمثله في الجهل... لأن فيه من الرذائل، ما لا مثيل له في أي عصر سابق... فيه الفساد الذي لا حد له... والعهر... والنهم... ومع هذا فإن لدينا التعميد ولدينا وحي المسيح... اللذين لا يستطيع الناس أن يؤمنوا بهما حق الإيمان أو يجلوهما حق الإجلال... وإلا لما سمحوا لأنفسهم بان يقعوا في هذا الفساد كله... ولهذا فإن كثيرين من العقلاء يعتقدون أن أوان المسيح الدجال قد آن، وأن نهاية العالم قد اقتربت(149).
ولا حاجة إلى القول بأن هذه العبارات وأمثالها إنما هي مغالاة ضرورية يعمد إليها المصلحون، وأن في وسع الإنسان أن يجد أمثالها في كل عصر من العصور.
ويبدو أن أثر خوف الجحيم في رفع مستوى الخلقي كان أقل من أثر الرأي العام أو القانون في أيامنا هذه أو في ذلك الوقت، ولكن جديراً بنا أن نذكر أن
المسيحية هي التي خلقت الرأي العام في تلك الأيام، وأنها هي التي أوجدت القانون إلى حد ما، وأكبر الظن أنه لولا القانون الأخلاقي الذي خلقته المسيحية، وما كان له من أثر ملطف، لكانت الفوضى التي أوجدتها خمسة قرون من الغزو، والحروب، والتدمير والتخريب أشد مما كانت. ولقد يكون الباعث الذي حملنا على اختيار الأمثلة التي ذكرناها في هذا الفصل هو التحيز غير المقصود، فإن لم يكن فإن أحسن ما توصف به أنها جزئية غير وافية، ذلك أن الإحصاءات معدومة وإن وجدت فهي غير موثوق بها، ومن شأن التاريخ أن يسقط من حسابه على الدوام الرجل العادي.وما من شك في أنه كان العالم المسيحي في العصور الوسطى آلاف من السذج الأخيار أمثال أم الأخ سلمبين Salimbene التي يصفها بأنها:"سيدة متواضعة تقية مخلصة، تكثر الصوم، ويسرها أن توزع الصدقات على الفقراء"(140)، ولكن كم مرة نعثر في صفحات التاريخ على مثيلات هذه السيدة؟.
ولقد كانت للمسيحية في الأخلاق آثار رجعية وآثار تقدمية معاً. فلقد كان من الطبيعي أن تضمحل الفضائل الذهنية في عصر الإيمان، وحلت الغيرة والحماسة، والإعجاب بالصلاح والطهارة، والتقوى غير المستندة إلى الضمير، في بعض الأحيان؛ حلت هذه محل الذمة العقلية (النزاهة في النظر إلى الحقائق) والبحث عن الحقيقة. وبدا للناس أن "الأكاذيب التقية" الممثلة في تبديل النصوص، وتزوير الوثائق آثام عرضية بسيطة يتجاوز عنها. وتأثرت الفضائل المدنية بقصر الاهتمام على الحياة الآخرة، وتأثرت أكثر من هذا بانحلال الدولة، ولكن الذي لا شك فيه أن حب الوطن، مهما يكن حبا محليا، لم ينعدم في قلوب الرجال والنساء الذين شادوا هذه الكنائس الكبرى الكثيرة، وبعض الأبهاء العظيمة في المدن. ولعل النفاق، الذي هو من مستلزمات الحضارة، قد زاد في العصور الوسطى، إذ نظرنا إليه في ضوء نزعة القدماء الدنيوية الصريحة،

أو الوحشية الجماعية السافرة التي نشاهدها في هذه الأيام.
على أن هذه الرذائل وغيرها تقابلها كثير من الفضائل. فلقد كافحت المسيحية ببسالة وإصرار سيل الهمجية القوي الجارف، وبذلت جهوداً جبارة لتقليل الحروب والمنازعات، والالتجاء إلى القتال والتحكيم الإلهي في المحاكمات، وأطالت فترات الهدنة والسلام، وسمت بعض السمو بعنف الإقطاع ومنازعاته فجعلتهما وفاءاً وفروسية، وقاومت القتال في المجادلات، ومنعت استرقاق المسجونين، وحرمت اتخاذ المسيحيين عبيداً، وافتدت عدداً لا حصر لهم من الأسرى، وعملت على تحرير أرقاء الأرض أكثر مما عملت على استخدامهم في أراضيها، وغرست في النفوس احتراما جديداً للحياة والأعمال البشرية، وحرمت وأد الأطفال، وقللت من الإجهاض، وخففت أنواع العقاب التي كان يفرضها القانون الروماني، قانون القبائل المتبربرة، ولم تقبل مطلقاً أن يكون مستوى الأخلاق عند النساء مختلفاً عنه عند الرجال، ووسعت مجال الصدقات وأعمالها، ووهبت الناس طمأنينة عقلية وسط ألغاز العالم المحيرة للعقول، وإن كانت بعملها هذا قد ثبطت البحوث العلمية والفلسفية.وآخر ما نذكره لها أنها علمت الناس أن الوطنية إذا لم يقاومها ولاء أسمى منها تصبح أداة للشره والنهم الجماعيين. وقد فرضت على جميع المدن والدول الصغرى الأوربية المتنافسة قانوناً أخلاقياً واحداً، وحافظت عليه، واستطاعت أوربا بهديها، وبشيء من التضحية التي لابد منها ببعض حريتها، أن تستمتع مدى قرن من الزمان بالمبادئ الأخلاقية الدولية التي نتمناها ونكافح من أجلها في هذه الأيام - نعني بها أن يكون لها قانون يخرج الدول من قانون الغابة، ويوفر على الناس جهودهم لينفقوها في معارك السلام وانتصاراته.

الخميس، 22 يوليو 2010

من قصة الحضارة : المحققون (المفتشون)











 
الفصل الثالث



المحققون (المفتشون)


أرسل جريجوري وخلفاؤه بعد عام 1227 عدداً متزايداً من المحققين أو المفتشين الخصوصيين لمطاردة الضلال، وكان يفضل أن يختار لهذا العمل أعضاء طوائف الرهبان المتسولين الجدد لأن حياتهم البسيطة وإخلاصهم يختلفان عن ترف رجال الدين من ناحية، ولأنه من ناحية أخرى لا يستطيع الاعتماد على الأساقفة. على أنه لم يبح لأي محقق أن يقضي بحكم شديد على أي ضال من غير موافقة الأسقف، ولهذا اختير كثير من الرهبان الدمنيك لهذا الغرض، حتى لقد سموا من قبيل السخرية Domini Canes أي "كلاب الله" (الصيادين)(57). وكان كثيرون منهم رجالا متزمتين في أخلاقهم ولكن قل منهم من كان يتصف بالرحمة، ولم يكونوا يعتقدون في أنفسهم أنهم قضاة يزنون الأدلة بعدل ونزاهة، بل كانوا يظنون أنهم محاربون يطاردون أعداء المسيح. وكان منهم رجال ذو عناية وضمائر حية أمثال برنار جوي Bernard Gui، ومنهم من كانوا مرضى ساديين مثل روبرت الدمنيكي Robert the Dominican وهو رجل ضال تائب أرسل في يوم واحد من أيام 1239 مائة وثمانين شخصاً ليحرقوا أحياء، من بينهم أسقف منح الضالين حسب رأيه حرية أكثر مما يستحقون. وقد أعفى روبرت هذا من منصبه وحكم عليه بالسجن مدى الحياة (58).
وكان اختصاص محكمة التحقيق مقصوراً على المسيحيين دون سواهم، أما اليهود والمسلمون فلم يكونوا يدعون أمامها للتحقيق معهم إلا إن كانوا مسيحيين مرتدين (59). ولقد بذل الدمنيك جهوداً خاصة لتحويل اليهود إلى المسيحية،

ولكنهم لم يكونوا يلجئون في هذا العمل لغير الوسائل السلمية، وبلغ من حرصهم على هذا أنه لما اتهم بعض في عام 1256 بقتل بعض أطفال المسيحيين في بعض طقوسهم، عرض الرهبان الدمنيك والفرنسسكان حياتهم للخطر لإنقاذهم من الغوغاء (60). وخير ما يوضح لنا الغرض من إنشاء محكمة التحقيق ودائرة اختصاصها مرسوم بابوي أصدره نقولاس الثالث (1280).
نعلن بهذا حرمان جميع الضالين ونصب عليهم اللعنة - الكاثارى، والبتارين، ورجال ليون الفقراء. ..وكل من عداهم أياً كان الاسم الذي يسمون به. فإذا أدانتهم الكنيسة وجب إسلامهم إلى القاضي الزمني لمعاقبتهم.... وإذا ما ندم واحد منهم بعد اعتقاله وأراد أن يكفر عن ذنبه، وجب سجنه مدى الحياة... وكل من يأوي الضالين، أو يحميهم، أو يساعدهم، يحرم من الدين، وإذا لم يستطع المتهمون بالضلال أن يثبتوا براءتهم، طردوا من حظيرة الدين، فإذا بقوا محرومين عاماً كاملا حكم عليهم بما يحكم على الضالين. وليس لهؤلاء حق استئناف الحكم... وكل من يمنحهم دفنة مسيحية يحكم عليه بالحرمان ويظل كذلك حتى يعمل ما يستوجب الرضا عنه.. فلا يغفر له ذنبه حتى يخرج بيده جثث المحرومين ويطرحها في العراء. ونحن نحرم على غير رجال الدين جميعهم أن يناقشوا في مسائل الدين الكاثوليكي، ومن يفعل هذا يحرم من الدين، وعلى كل من يعرف أحداً من الضالين، أو ممن يعقدون اجتماعات سرية، أو ممن لا يؤمنون بعقائد الدين القويم أياً كانت، أن يبلغ ذلك إلى من يفضي إليه باعترافه، أو إلى شخص آخر يبلغه إلى الأسقف أو المحقق، فإذا لم يفعل هذا حرم من الدين. والضالون، وكل من يأوونهم، أو يؤيدونهم، أو يساعدونهم، وكذلك أبناؤهم حتى الجيل الثاني - هؤلاء لا يسمح لهم بتولي المناصب الكنسية.. وهانحن أولاء نحرمهم جميعاً وأمثالهم من دخلهم إلى أبد الدهر(61).

ويجوز أن تبدأ إجراءات محاكم التحقيق بالقبض العاجل على جميع الضالين، وعلى جميع المشتبه في ضلالهم أحياناً وقد تبدأ بأن يستدعى المحققون الزائدون على جميع السكان البالغين في مكان ما للبحث المبدئي. والذين يقرون بضلالهم في خلال "المهلة القانونية" الأولى، ومدتها ثلاثون يوما، ثم يتوبون، يطلق سراحهم بعد حبسهم زمناً وجيزاً، أو بعد أن يقوموا بعمل من أعمال التقى، أو يتصدقون بالمال (62) أما الضالون الذين لا يعترفون في أثناء هذه المهلة، ثم يكشف عن أسرهم في هذا التحقيق المبدئي، أو تدل عليهم عيون محكمة التحقيق(63)، أو يكشف عنهم بأية طريقة أخرى، أما هؤلاء جميعاً فيدعون إلى المثول أمام محكمة التحقيق، وكانت هذه المحكمة تؤلف الأحوال العادية من أثنى عشر رجلا يختارهم الحاكم الزمني في الإقليم من ثبت يحتوي أسماء المرشحين، يعرضه عليه الأسقف وهيئة المحققين، ويضم إليه اثنان من المسجلين وعدد من الحجاب فإذا ما انتهز المتهمون هذه الفرصة الثانية، وأقروا بذنبهم، عوقبوا عقاباً يختلف باختلاف ذنبهم، وإذا أنكروا جرمهم زجوا في السجن وكان من المستطاع محاكمة المهتمين وهم غائبون أو بعد مماتهم. وكانت المحاكمة تحتاج إلى شاهدين من شهود الإثبات، وتقبل من يعترفون بذنبهم من الضالين شهود إثبات على غيرهم، وكان يسمح للزوجات أن يشهدن على أزواجهن وللأبناء على آبائهم، ولا يسمح لهؤلاء أو أولئك أن يشهدن أو يشهدوا لهم (64) ويسمح لجميع المتهمين في مكان ما بناء على طلبهم أن يطلعوا على ثبت شامل يحوى جميع أسماء من يتهمونهم، ولكن هذا الثبت لا يدل أي متهم على من اتهمه، فقد كان يخشى أنه إذا واجه أي متهم من اتهمه فقد يعمد أصدقاء المتهم إلى قتل من يتهمه. وفي ذلك يقول لي Lea: "والحق أن عدداً من الشهود قد قتلوا لريبة بسيطة حامت حولهم"(65). وكان يطلب إلى المتهم عادة أن يذكر أسماء أعدائه، وكانت المحكمة ترفض أي دليل يقدمه أولئك الأعداء(66)، 


وكان المبلغون الكاذبون يعاقبون أشد العقاب(67)، ولم يكن يسمح للمتهمين قبل عام 1300 بأن يستعينوا بأية معونة قانونية(68)، أما بعد عام 1354 فقد صدر مرسوم بابوي يحتم على المحققين ألا يعرضوا أدلة الإثبات على الأسقف وحده بل أن يعرضوها عليه وعلى رجال من ذوي السمعة الطيبة في الإقليم ، وأن يصدروا حكمهم بما يتفق مع آرائهم(69). وكانت هيئة من الخبراء (perite) تدعى في بعض الأحيان لتبدي رأيها في الأدلة. وقصارى القول أن الأوامر الصادرة إلى المحققين كانت تنبههم إلى النجاة المذنب من العقاب خير من إدانة البريء، وأن من واجبهم أن يحصلوا إما على دليل واضح أو اعتراف صريح.
وكان القانون الروماني القديم يجيز الالتجاء إلى التعذيب للحصول على الاعتراف، ولم تكن هذه الطريفة تتبع في المحاكم الأسقفية، أو في السنين العشرين الأولى من سني محاكم التحقيق، غير أن إنوسنت الرابع (1252) أجازها حيث يكون القضاة واثقين من جرم المتهم، ثم أجازها من جاء بعده من الأحبار(70). ولكن البابوات كانوا ينصحون بأن يكون التعذيب آخر ما يلجأ إليه مع المتهمين، وألا يلجأ إليه إلا مرة واحدة، "وألا يصل إلى ما يؤدي إلى فقد عضو من الأعضاء أو إلى خطر الموت". وفسر المحققون عبارة "مرة واحدة" بأنها تعني مرة واحدة في كل محاكمة، فكانوا لذلك يقطعون التعذيب في بعض الأحيان ليواصلوا المحاكمة، ويرون بعدئذ أن من حقهم تعذيب المتهم. وكان التعذيب يستخدم في كثير من الأحيان لإغرام الشهود على أداء الشهادة، أو لإجبار الضال المعترف على الإدلال بأسماء غيره من الضالين (71). وكان من أنواعه الجلد، والكي بالنار، والتعذيب بالعذراء، والسجن الانفرادي في جب مظلم ضيق، وكانت قدما المتهم توضعان أحيانا على الفحم المتقد، أو كان يشد إلى إطار على شكل مثلث ثم تجذب يداه وساقاه بالحبال الملفوفة حول آلة لاوية. وكان طعام السجين يقلل أحياناً حتى يضعف 

بذلك جسمه وإرادته فيؤثر فيه التعذيب النفساني، كالوعد بالرأفة أو التهديد بالقتل(72). وقلما كانت محكمة التحقيق ترى قيمة للاعتراف الذي يأتي من طريق التعذيب، ولكن هذه المشكلة كان يتغلب عليها بإرغام المتهم على أن يؤكد، بعد ثلاث ساعات من اعترافه، ما قرره أثناء التعذيب، فإذا أبى أمكن تعذيبه من جديد، وحدث في عام 1286 أن بعث موظفو كركسون Garcassonne برسالة إلى فيليب الرابع ملك فرنسا والى البابا نقولاس الرابع يشكون فيها من صعوبة التعذيب الذي يلجأ إليه المحقق جان جالان Jean Galand. فقد كان بعض المسجونين جان هذا يتركون زمناً طويلاً في السجن الانفرادي الحالك الظلام، وكانت قيود بعضهم تبلغ من الضيق جداً يضطرون معه إلى الجلوس في برازهم، أو لا يستطيعون ألا النوم على ظهورهم فوق الأرض الباردة(73). وقد شد بعضهم إلى العذراء شداً عنيفاً فقدوا معه استخدام أيديهم وأرجلهم، ومنهم من مات في أثناء التعذيب(74) وشنع فيليب على هذه الوحشية وحاول البابا كلمنت الخامس (1312) أن يحد من إلتجاء المحققين إلى التعذيب، ولكن سرعان ما أهملت أوامره (75).
وكان المسجونون الذين يأبون أن يفيدوا من الفرصتين اللتين تتاح لهم للاعتراف ثم يدانوا بعدئذ، والذين يرتدون إلى ضلالهم بعد توبتهم كان هؤلاء وأولئك يحكم عليهم بالسجن مدى الحياة أو الإعدام، وكان السجن مدى الحياة يخفف بمنح السجين شيئاً من الحرية في التنقل، والزيارة، والألعاب، أو يشدد بحرمانه من الطعام أو بتقييده بالأغلال(76). وكان الذين يدانون بعد أن يقاوموا يحكم عليهم بالإضافة إلى الأحكام الأخرى بمصادرة أملاكهم. وكان بعض هذه الأملاك المصادرة يعطى عادة لحاكم الإقليم الزمني، ويعطي بعضها للكنيسة، وكان ثلث هذه الأملاك يعطي في إيطاليا للذي يبلغ عن الضال، أما في فرنسا فكانت الأملاك المصادرة تذهب كلها للتاج. وكانت هذه الاعتبارات كلها 

تغري الدولة والأفراد بالإشتراك في تعقب الضالين، وفي محاكمة الموتى، وكان من المستطاع في أي وقت من الأوقات الاستيلاء على أملاك البريثين من الناس بحجة أن من أورثوهم إياها قد ماتوا وهم ضالون. وكان هذا من الشرور الكثيرة التي حاول البابوات أن يقضوا عليها، ولكن محاولاتهم ذهبت أدراج الرياح(77). وكان مما يفتخر به أسقف رودس أنه جمع مائة ألف "صول " في حملة واحدة على الضالين في أسقفيته(78).
وكان المحققون يعلنون في حفل رهيب يقام من آن إلى آن إدانة المذنبين وما يحكم به عليهم من عقاب. فأما التائبون فكانوا يوضعون على منصة في وسط الكنيسة، ثم يقرأ اعترافاتهم، ويطلب إليهم أن يؤكدوا هذا الاعتراف، وأن ينطقوا بصيغة خاصة يعلنون فيها إقلاعهم عن الضلال، ثم يقوم المحقق الذي يرأس الاحتفال فيعفي التائب من الحرمان، ويعلن سائر الإحكام المختلفة. فأما الذين "سيطلقون" أي يتركون إلى السلطات الزمنية فكان يسمح لهم بيوم آخر يرجعون فيه عن ضلالهم، وأما الذين يعترفون ويتوبون، ولو كانوا عند عمود الحرق، فكان يحكم عليهم بالسجن مدى الحياة، وأما اللذين يبقون على عنادهم فكانوا يحرقون وهم أحياء في ميدان العام.. وكان هذا الإجراء كله، من حكم، وتنفيذ يطلق عليه في أسبانيا اسم "عمل الإيمان aeto da fe" لأنه كان يقصد به أن يقوى عقائد الشعب الصحيحة، ويؤيد الإيمان بالكنيسة.ولم تنطق الكنيسة قط بحكم الإعدام، فقد كان شعارها القديم هو: إن الكنيسة تحجم عن إراقة الدماء (ecclesia aphorret a sanguine)، ولهذا كان القسيسون يؤمرون بألا يسفكوا دماء، ومن أجل ذلك فإن الكنيسة حين تبعث إلى السلطات الزمنية باللذين تدينهم لم تكن تطلب إلى ولاة رجال الدولة  


أكثر من أن يوقعوا عليهم (العقاب الذي يستحقونه) وتنبههم إلى أن يتجنبوا (كل ما من شأنه سفك الدماء أو التعريض لخطر الموت). ثم اتفقت الكنيسة والدولة بعد جريجوري التاسع على ألا يؤخذ هذا التحذير بمعناه الحرفي، بل أن يقتل المذنبون دون أن تسفك دماؤهم أي أن يحرقوا عند عمود الإحراق(79).
وكان عدد من حكمت عليهم محكمة التحقيق الرسمية بالموت أقل مما كان يعتقده المؤرخون في وقت من الأوقات(80). ومن الشواهد الدالة على ذلك أن برنار ده كو Bernard de Gaux وهو من المحققين المتحمسين، قد خلف سجلا طويلا بالقضايا التي نظر فيها؛ وليس في هذا السجل قضية واحدة حكم فيها بإرسال المذنب إلى السلطات المدنية(81). وحكم محقق يدعى برنارد جوى Bernard Gui في مدى سبعة عشر عاماً على تسعمائة وثلاثين ضالاً، فلم يتجاوز من حكم عليهم بالموت من بين هذا العدد خمسة وأربعين(82). وكانت الأحكام الصادرة في حفل عام بطولوز (طلوشة) عام 1310 وهي أن أمر عشرون شخصاً بأن يخرجوا للحج، وحكم على ستة وخمسين بالسجن، وعلى ثمانية عشر بالإعدام. وفي عمل الإيمان الذي حدث في عام 1312 أرسل واحد وخمسون إلى الحج، وحكم على ثمانية وستين بالسجن مدداً مختلفة، وأرسل خمسة إلى السلطات الزمنية (83). وقصارة القول أن شر مآسي محاكم التحقيق قد أخفتها السجون ولم تر الضوء عند أعمدة الإحراق.
الفصل الرابـع


النتائج


لقد حققت محاكم التحقيق في العصور الوسطى أغراضها العاجلة، فقد قضت على الكثارية. فرنسا، ولم تبق من الولدنسيين إلا عدداً قليلا من المتحمسين المتفرقين في أماكن مختلفة، وأعادت جنوبي إيطاليا إلى الدين القويم، وأجلت تمزق المسيحية الغربية مدى ثلاثة قرون. وبها انتقلت زعامة أوربا الثقافية من فرنسا إلى إيطاليا، ولكن الملكية الفرنسية المطلقة، بعد أن قويت باستيلائها على لانجويدك، بلغت من السلطان مبلغاً استطاعت به أن تخضع البابوية لأمرها في أيام بنيفاس الثامن، وأن تزجها في السجن في عهد كلمنت الخامس.
ولم يكن لمحاكم التحقيق في أسبانيا قبل عام 1300 إلا شأن صغير، وترجع نشأتها فيها إلى عام 1232 حين استطاع ريمند البنيافورتي Raymond of panafort الراهب الدمنيكي عند جيمس الأول ملك أرغونة، ان يقنع هذا الملك بإدخال محاكم التحقيق في بلده. ولعل هذا الملك أراد أن يقلل من شطط محاكم التحقيق فسن في عام 1233 قانوناً يجعل الدولة هي التي تؤول إليها أملاك الضالين المصادرة، وإن أصبح هذا العمل نفسه في القرون التالية حافزاً قوياً للملوك وجدوا أن التحقيق والاستيلاء عملان شديدا الاتصال أحدهما بالآخر.
وفي شمال إيطاليا ضل الضالون كثيري العدد فلم يكن أتباع الدين القويم يعنون كثيراً بالاشتراك في اصطياد الضالين، وكان الطغاة المستقلون أمثال إزلينو Ezzelino في فيشنزا Vicenza وبلافيشينو Pallaviclno في كرمونا وميلان يحمون الضالين سراً أو جهراً. وفي فلورنس أنشأ الراهب روجيري Ruggieri
جماعة عسكرية من النبلاء المتمسكين بالدين لتأييد محكمة التحقيق، واشتبك معهم البارتيون في معارك دموية في الشوارع ولكنهم هزموا فيها (1245)، ثم أخفت الضلالة في فلورنس رأسها فيما بعد، وحدث في عام 1252 أن اغتال بعض الضالين الراهب بيرودافرونا Piero da Verona في ميلان، فلما قتل سلكته الكنيسة في عداد القديسين الشهداء وأسمته الشهيد بطرس، وكان لعملها هذا الأثر في مقاومة الضلالة في شمالي إيطاليا أكثر مما كان لجميع فظائع المحققين. وشنت البابوية حروباً صليبية على إزلينو وبلافنسينو، وقضى على أولها في عام 1259 وعلى الثاني في عام 1268، وبهذا كان انتصار الكنيسة في إيطاليا نصراً حاسماً في ظاهر الأمر.
ولم تثبت محكمة التحقيق قدمها في إنجلترا. نعم إن هنري الثاني حرص على إثبات تمسكه بدينه في أثناء نزاعه مع بكت بأن جلد واحداً وعشرين من الضالين وكواهم بالنار في أكسفورد عام 1266 (84). ولكننا لا نكاد نسمع عن ضلالة في إنجلترا قبل أيام ويكلف Wycalf. وفي ألمانيا ترعرعت محكمة التحقيق وأقدمت على أعمال جنونية زمناً قصيراً، ثم ماتت. فقد حدث في عام 1212 أن أحرق هنري أسقف أسترسبرج ثمانين ضالاً في يوم واحد، وكان معظمهم ولديين،وأعلن زعيمهم القس يوحنا عدم إيمانه بالغفران، وبالمطهر، وببقاء رجال الدين بلا زواج، وقال إن رجال الدين يجب إلا تكون لهم أملاك. وفي عام 1227 عين جريجوري التاسع كنراد Gonard قس ماربرج Marburg رئيساً لمحاكم التحقيق في ألمانيا وأمره ألا يكتفي بالقضاء على الضلال ، بل أن يصلح أحوال رجال الدين بعد أن وصمهم البابا بالفساد، وقال إن فسادهم هو أهم أسباب ضعف الإيمان بين الناس. واضطلع كنراد بكلا الواجبين بمنتهى القسوة، وخير كل من اتهموا بالضلال بين واحدة من اثنتين: إما الاعتراف فالعقاب، أو الإنكار فالموت حرقاً. ولما أن سار في إصلاح رجال الدين على
هذا النحو من الجد، انضم المتمسكون بدينهم والضالون بعضهم إلى بعض في مقاومته، وانتهى الأمر بأن قتله أصدقاء ضحاياه (1233)، وتولى الأساقفة الألمان أعمال محاكم التحقيق، وخففوا من غلوائها، وجعلوا إجراءاتها أقرب إلى العدالة من ذي قبل. وبقيت بعض الشيع الدينية، بعضها شيع ضالة وبعضها صوفية، بوهيميا وألمانيا، ومهدت السبيل إلى هوس Huss ولوثرLuther.
وبعد فإنا حين نصدر حكماً على محاكم التحقيق يجب أن ننظر إليها على ضوء عصر اعتاد الوحشية، ولعل عصرنا الحاضر الذي قتل في الحروب وأزهق من الأرواح البريئة دون أية محاكمة، أكثر من أمثالهم بين أيام قيصر ونابليون، أقدر من غيره على فهم هذه المحاكم. إن التعصب يلازم الإيمان القوي على الدوام، والتسامح لا ينشأ إلا حين يفقد الإيمان يقينه، أما اليقين فسيف بتار. ولقد أقر أفلاطون التعصب في "قوانينه"، وأقره المصلحون في القرن السادس عشر، وإن بعض من ينتقدون محكمة التحقيق ليدافعون عن أساليبها إذا جرت عليها الدول الحديثة. ولقد تضمنت قوانين كثير من الحكومات الأساليب التي سارت عليها محاكم التحقيق، ولعل ما يحدث من تعذيب المشتبه فيهم سراً في هذه الأيام يسير على نمط محاكم التحقيق أكثر مما يسير على نمط القانون الروماني. وإذا وازنا بين اضطهاد المسيحيين للضالين في أوربا من 1227 إلى 1492، وبين اضطهاد الرومان للمسيحيين في الثلاثة القرون الأولى بعد المسيح، حكمنا من فورنا بأن هذا أخف وطأة وأكثر رحمة من ذاك. وإذا ما أسقطنا من حسابنا كل ما يطلب إلى المؤرخ من اعتدال في حكمه، وما يسمح به للمسيحي من تمسك بدينه. إذا أسقطنا من حسابنا هذا وذاك، فلا بد لنا أن نضع محاكم التحقيق في مستوى حروب هذه الأيام واضطهاداتها، ونحكم عليها جميعاً بأنها أشنع الوصمات في سجل البشرية كله، وبأنها تكشف عن وحشية لا نعرف لها نضيراً عند أي وحش من الوحوش.

الباب التاسع والعشرون


الرهبان والإخوان


1095 - 1300


الفصل الأول


حياة الرهبنة


لعل الذي أنجى الكنيسة من محنتها لم يكن هو ما لجأت إليه محاكم التحقيق من تعذيب، بل كان نشأة طوائف جديدة من الرهبان انتزعت من أفواه الضالين دعوة التقشف الديني والفقر، وظلت قرن من الزمان تهب طوائف الرهبان، وغير الرهبان من رجال الدين، مثلا طيباً من الإخلاص المطهر للنفوس.
وكانت الـأديرة قد تضاعف عددها في العصور المظلمة، وبلغت ذروتها في القرن العاشر المضرب الذي ساءت فيه الأحوال إلى أقصى حد، ثم أخذ عددها في النقصان حين أخذ النظام يسود الشئون الزمنية، وأخذ الرخاء في الازدياد: مثال ذلك أنه كان في فرنسا حوالي عام 1100 خمسمائة وثلاثة وأربعون ديراً، وفي عام 1250 كان فيها 287، وربما كان هذا النقص في عدد الأديرة قد عوضه ازدياد متوسط أعضائها، ولكن الأديرة التي كان رهبانها يبلغون المائة كان جد قليل وكان لا يزال من السنن المتبعة في القرن الثالث عشر عند الآباء الأتقياء أو ثقال الظهر أن يهبوا أطفالهم في سن السابعة أو ما بعدها إلى الأديرة "زلفى" إلى اللّه. وهكذا بدأ القديس تومس أكويناس حياته في الدير، وكانت طائفة الرهبان البندكتين ترى أن النذر الذي ينذره أبوا الطفل بأن يهباه إلى الدير  

لا يمكن الرجوع فيه(3). أما القديس برنار وطوائف الرهبان الجدد فكان من رأيهم أن لا ضير على الطفل الموهوب للدير إذا عاد إلى العالم متى بلغ سن الرشد(4)، وأصبح الراهب الراشد على مر الزمن في حاجة إلى إجازة بابوية إذا أراد أن يرجع في يمينه من غير لأن يرتكب ذلك إثما.
وكانت معظم الأديرة الغربية قبل عام 1098 تسير على نمط ما من أنماط طائفة الرهبان البندكتين بدرجات متفاوتة من الاستمساك بمبادئ هذه الطائفة فكانت تخصص للمبتدئ سنة يستطيع الطالب في أثنائها أن ينسحب من الدير بكامل حريته، وفي ذلك يقول الراهب قيصريوس الهيسترباخي Gaesarius of Heisterbach إن فارساً من الفرسان لنسحب من الدير "متذرعاً بتلك الحجة الدالة على الجبن وهي أنه يخشى الحشرات التي في ثياب (الرهبنة)، وذلك لأن ملابسنا الصوفية تأوي الكثير من الحشرات"(5). وكان الراهب يقضي من يومه أربع ساعات في الصلاة ، وكانت وجبات الطعام قصيرة الأجل، وتقتصر عادة على الخضر، أما بقية اليوم فكانت تقضي في العمل، والقراءة، والتعليم، وأعمال المستشفيات، والصدقات، والراحة. ويحدثنا قيصريوس بأن ديره وزع أثناء القحط الذي حدث في عام 1197 ألفاً وخمسمائة صدقة من الطعام في يوم واحد و "حافظ على حياة كل من جاءنا من الفقراء حتى حل موعد الحصاد"(6) وذبح دير للسترسيين في وستفاليا جميع ضأنه وماشيته، ورهن كتبه وآنيته المقدسة، ليطعم الفقراء(7) وشاد الرهبان بعملهم وعمل أرقاء أرضهم أديرة، وكنائس صغيرة وكبيرة، وفلحوا ضياعاً واسعة، وجففوا مستنقعات، واستصلحوا أرض الغابات، ومارسوا مائة من الصناعات اليدوية، وعصروا أحسن النبيذ والجعة. ولقد دربت الأديرة آلافاً من الرجال الصالحين القادرين على الآداب والأنظمة الخلقية والذهنية، وإن كانت في ظاهر الأمر قد انتزعت الكثيرين منهم من 

العالم لتدفنهم في غمار الصلاحية الأنانية، ثم أعادتهم إليه مرة أخرى ليكونوا مستشارين للأساقفة، والبابوات والملوك ومديرين لأعمالهم .
وفاض ثراء المجتمع المتزايد على مر الزمن على الأديرة، وكان سخاء الشعب مصدراً لما كان ينغمس فيه الرهبان أحياناً من ترف. ولنضرب لذلك مثلا دير القديس ركوبيه St. Riquier، ولم يكن من أغنى الأديرة ولكنه كان له 117 تابعاً يملكون 2500 بيت في البلدة التي كان قائماً فيها، ويحصل من مستأجريها على العشرة آلاف دجاجة وعشرة آلاف ديك مخصى مسمن، وخمسة وسبعين ألف بيضة، وعلى نقدي معتدل لكل فرد ولكنه في مجموعة كبيرة(8). وثمة أديرة من هذا الدير ثراءاً وهي أديرة مونتي كسينو Monte Cassino، وكلوني Cluny وفلدا Fulda، والقديس جول St. Gall، والقديس دنيس St. Denis. وكان رؤساء الأديرة أمثال سوجر Suger رئيس القديس دنيس، وبطرس المبجل رئيس دير كلوني، وحتى سامسون Samson رئيس دير القديس إدمند في بيوري، كان هؤلاء الرؤساء سادة أقوياء عظماء أصحاب ثروات مادية طائلة وسلطان سياسي واجتماعي عظيم، وهذا هو سوجر بعد أن أطعم رهبانه وشاد كنيسة(7) فخمة كبرى تبقى لديه من الموارد المالية ما يمكنه من أن يتكفل


بنصف نفقات إحدى الحملات الصليبية(9)، ولعل القديس برنار كان يعني سوجر حين كتب يقول:"لو أنني قلت إني لم أر رئيس دير يركب على رأس موكب من ستين فارساً أو أكثر لكنت من الكاذبين"(10). ولكن سوجر كان رئيس وزراء لا بد له أن يحيط نفسه بمظاهر الأبهة والفخامة ليؤثر بذلك في نفوس الشعب! أما في حياته الخاصة فكان يعيش معيشة التقشف والبساطة؛ في خلوة متواضعة مراعياً جميع قواعد طائفته بقدر ما تمكنه من ذلك واجباته العامة. وكان بطرس من المبجل رجلاً صالحاً ولكنه عجز رغم جهوده المتكررة عن أن يحول دون ازدياد الثروة الجماعية في الأديرة التابعة لدير كلوني - وهي التي كانت من قبل تتزعم حركة الإصلاح - إلى حد أمكن الرهبان من أن يعيشوا عيشة البطالة الموهنة للقوى وإن كانوا أفراداً لا يملكون شيئاً.
إن الأخلاق تفسد كلما زاد الثراء، وفطرة الإنسان تظهر كلما أمكنتها موارده من الظهور، وفي كل جماعة كبيرة أيا كان نوعها يوجد أفراد هم أقوى من إيمانهم. ولقد ظلت كثرة الرهبان مستمسكة بالقواعد التي ارتبطت بها وفيه لها، ولكن أقلية منهم أخذت تنظر إلى العالم وإلى شئون الجسم نظرة أكثر ليناً. وكان رئيس الدير في كثير من الأحيان يعينه سيد إقطاعي أو ملك ويختاره من طبقة تعودت الراحة، ولم يكن هؤلاء الرهبان يتقيدون بقيود الأديرة، فكانوا يستمتعون بالصيد، والقنص، وألعاب الفروسية، وينغمسون في السياسة، وسرت عدواهم إلى الرهبان أنفسهم. وها هو ذا جرالدس كمبرنسس Giraldus Cambrensis يصور لنا حياة رئيس دير إفشام Evesham بصورة مروعة فيقول: "لم يكن أحد بمنجاة من فجوره"، وكان، جيرانه يخصون له ثمانية عشر ولداً، وكان لا بد من خلعه آخر الأمر(11). وأصبح رؤساء الأديرة المنكبون على مباهج الدنيا، السمان، الأغنياء، الأقوياء، هدفاً لسخرية الشعب وتشهير الأدباء، فكان أقسى ما كتب من الهجاء وأبعده عن المعقول وصفاً لرئيس دير

بقلم ولتر ماب walter Map،(12). ومن الأديرة ما اشتهر بطعامه الشهي وخمرة. على أننا يجب ألا ننكر على الرهبان قليلا من الهناء، وفي وسعنا أن ندرك مقدار مللهم من الخضر، واشتياقهم إلى اللحوم، ولا يسعنا إلا أن نعطف على ثرثرتهم ، وشجارهم، ونومهم وقت الصلاة من حين إلى حين(13).
ولقد استخف الرهبان، وهم يقسمون بأن يبقوا عزاباً، بقوة الغريزة الجنسية التي يستثمرها مراراً وتكراراً ما يشاهدون من مناظر وأمثله من غير رجال الدين. ويروى قيصريوس الهيسترباخي قصة تتكرر كثيراً في العصور الوسطى، عن رئيس دير وراهب شاب خرجا راكبين معاً. ووقعت عينا الشاب على النساء للمرة الأولى فسأل رئيس الدير :"من هؤلاء؟" فأجابه "هؤلاء شياطين" فرد عليه الراهب بقوله :"لقد كنت أظنهم أجمل من رأيت في حياتي كلها"(14). ويقول الزاهد بطرس داميان في آخر أيام حياته الورعة المريرة:
في وسعي وأنا الآن رجل طاعن في السن أن أنظر وأنا آمن إلى وجه ذابل مجعد لإمرأة عجوز شمطاء عمشاء العينيين. أما من هن أجمل منها وجهاً وأكثر زينة فإني أغمض طرفي عنهن وأحذرهن كما يحذر الصبيان النار. ويلاه أيها القلب المفجوع!- الذي لا يستطيع الاحتفاظ بأسرار الكتاب المقدس التي قرأتها من أولها إلى آخرها مائة مرة، ثم لا تنمحي منه صورة لم أرها إلا مرة واحدة(15).
وكانت الفضيلة تبدو لبعض الرهبان كأنها صراع نفساني بين المرأة والمسيح ولم يكن تشهير بالنساء إلا جهود يبذلونها لإماتة شعورهن بمفاتنهن، كما كانت أحلامهم الصالحة النقية في بعض الأحيان يرطبها رضاب الشهوة، وكثيراً ما كانوا يعبرون عن رؤاهم القدسية الروحية بعبارات مستعارة من العشق الآدمي . وكانت قصائد أوفد من الأشعار المحبوبة في بعض الأديرة،

ولم تكن مؤلفاته في فن الحب بأقل منها تداولاً بين الرهبان(17). وكانت التماثيل المقامة في بعض الكنائس الكبرى، والنقوش المحفورة في أثاثها، بل الرسوم المصورة في بعض الكتب المقدسة نفسها، تمثل عبث الرهبان والراهبات - تمثل خنازير في ثياب الرهبان، وأثواب الدير بارزة فوق أعضاء التذكير المنتصبة، والراهبات يعشن مع الشياطين(18). ويمثل نقش بارز فوق مدخل يوم الحشر في كنيسة ريمس شيطاناً يجر الرجال الآثمين إلى الجحيم، ومن بينهم أسقف على رأسه تاج الأسقفية. وقد سمح رجال الكنيسة في العصور الوسطى - ولعلهم كانوا من غير الرهبان الذين يحسدون هؤلاء على ما هم فيه من نعيم - سمحوا بأن تبقى هذه الرسوم الهزليه في أماكنها، ولكن رجال الدين. هذه الأيام رأوا من الخير إزالة الكثرة الغالبة منها. ولقد كانت الكنيسة نفسها أقسى من وجه النقد إلى آثام رجالها، وقامت طائفة متتابعة من المصلحين الدينيين تبذل ما وسعها من الجهد لكي تعيد الرهبان ورؤساء الأديرة إلى المثل العليا التي جاء بها المسيح.
الفصل الثاني


القديس برنار


عمت العالم المسيحي في أواخر القرن الحادي عشر، وفي نفس الوقت الذي تطهرت فيه البابوية، وامتلأت القلوب تحمساً للحرب الصليبية الأولى، حركة من الإصلاح الذاتي تحسنت بسببها أحوال رجال الدين غير الرهبان، وقامت في أثنائها من الرهبان جديدة أخذت نفسها بقواعد الأوغسطيين والبندكتيين الصارمة. فقد حدث في وقت غير معروف قبل عام 1039 أن أسس القديس يوحنا جلبيرتس St. John Galbertus(19) طائفة من الفلمبروزا Vallombrosa في " الوادي الظليل" المسمى الاسم في إيطاليا، وبدأ فيه نظام الإخوة العلمانيين الذي دعائمه فيما بعد طوائف الرهبان المتسولين. وأهاب المجمع المقدس الذي عقد في عام 1059 برجال الدين الذين يقتسمون أعمال الكنيسة ومواردها أن يعيشوا جماعة، وأن تكون أملاكهم مشاعة بيتهم كما كان شأن الرسل الأولين. ولم يستجب بعضهم إلى هذا النداء وبقوا "كهنة علمانيين" ، واستجاب له كثيرون منهم، واتبعوا قاعدة رهبانية يعزونها إلى القديس أوغسطين، وكونوا من أنفسهم جماعات شبه رهبانية تعرف. مجموعها باسم "الكهنة الأوغسطيين أو الأوسطيين Austins . وأنشأ القديس برونو St.Bruno الكرلوني في عام 1084 ، من بعد أن رفض أن يكون رئيس أساقفة ريمس، طائفة الكرثوزيين Corthusians، وذلك بأن أسس ديراً في

بقعة منعزلة تدعى كارتريز Chartreuse في جبال الألب بالقرب من جرينوبل Grenoble، وأنشأ غيره من الأتقياء الصالحين وحدات كرثوزية في أماكن منعزلة بعد أن سئموا ما يسود العالم من نزاع وما ينصف به رجال الدين من تهاون. وكان كل راهب في هذه الأماكن يعمل، ويطعم، وينام، في خلوته الخاصة المنعزلة، ويعيش على الخبز واللبن، ويلبس ثياباً من شعر الخيل، ويكاد يلازم الصمت على الدوام. وكانوا يجتمعون معاً ثلاث مرات كل أسبوع للقيام بمراسيم القداس، وصلاة الغروب، وصلاة منتصف الليل، وفي أيام الآحاد، والأعياد ينطلقون في الحديث ويطعمون جماعة. وكانت هذه الطائفة أشد طوائف الرهبان صرامة، وظلت قرون كاملة تأخذ نفسها بقواعدها الأصلية وفيه لها أشد الوفاء.
وأنشأ ربروت المولسميسى Robert of Molesmes في عام 1098 بيت رهبنة جديد في مكان بري يدعى ستو Citeaux قريب من ديجون Djion، وذلك بعد أن أعيته الحيل لإصلاح أديرة البندكتين المتفرقة التي كان هو رئيساً عليها، واشتق من لفظ سيتو اسم الرهبان السترسيين كما اشتق من لفظ كارتريز اسم الرهبان الكرثوزيين. وأعاد ستيفن هاردنج من دورسسترشير Stephen Harding of Dorsestershire تنظيم هذا الدير ووسعه، وأنشأ له عدة فروع، ووضع عهد الحب Carta caritatis ليضمن به التعاون السلمي الموحد بين سيتو والبيوت السسترسية المختلفة وعادت مبادئ البندكيتين إلى كل ما كانت من صرامة، فكان الفقر التام أهم مستلزماتها، وامتنع الأعضاء عن أكل اللحم بكافة أنواعه، وحيل بينهم وبين التعليم، وحرم عليهم قرض الشعر، وأمروا أن يتجنبوا مظاهر الأبهة في الملابس الدينية، والآنية والأبنية. وحتم على كل راهب قوي الجسم أن يشترك في الأعمال اليدوية في الحدائق والمصانع التي تجعل الدير مستقلا عن العالم الخارجي، فلا يكون لراهب ما





حجة في مغادرة ديره. وامتاز السسترسيون عن جميع الطوائف الأخرى، رهبانية كانت أو غير رهبانية، بنشاطهم وحذاقهم في الأعمال الزراعية، وأنشأوا مراكز جديدة لطائفتهم في الأصقاع غير المسكونة، وجففوا المستنقعات، وقطعوا أشجار الغياض والغابات ليفسحوا مكاناً للزراعة، وكان لهم فضل كبير في استعمار ألمانيا الشرقية وإصلاح الأضرار التي ألحقها وليم الفاتح بإنجلترا. وكان يساعد الرهبان السترسين في هذه الجهود التي يبذلونها في سبيل الحضارة إخوان علمانيون مهتدون نذروا أن يبقوا عزاباً، صامتين،أميين(20)، يعملون زراعاً أو خدماً نظير الطعام والملبس والمسكن(21).
وبعثت هذه الصرامة الخوف في قلوب من يريدون الانضمام إلى هذه الطائفة،ولهذا كان نمو هذه الجماعة القليلة بطيئاً، ولولا ما بعثه القديس برنار في الطائفة الجديدة من حماسة قوية لقضي عليها في مهدها.
ولد القديس برنار بالقرب من ديجون (1091) من أسرة عريقة تنتمي إلى طبقة الفرسان، وكان في صباه شاباً حيياً تقياً، يؤثر العزلة. ولم يجد راحة في العالم الدنيوي، فأعتزم أن يدخل الدير، وكأنما أراد الرفقة في الوحدة، فأخذ ينشر دعاوة قوية موفقة بين أهله وأصدقائه ليدخلوا معه دير سيتو. ويحدثنا المؤرخون أن الأمهات والفتيات الصالحات للزواج كانت ترتعد فرائضهن حين يقترب منهن، خشية أن يغري أبناءهن أو عشاقهن بالتزام العفة، ولكنه نجح على الرغم من دموعهن. ولما أن قبل في دير سيتو (1113) جاء معه بتسعة وعشرين ممن يريدون دخول الدير، ومنهم إخوة له، وأحد اعمامه، وطائفة من اصدقائه، وأفلح فيما بعد بإقناع أمه وأخته بأن تترهبا، وأقنع أباه أيضاً بأن يترهب بعد أن توعده بأنه "إن لم يكفر عن ذنوبه فسيحترق إلى أبد الدهر ... وينبعث منه الدخان والرائحة الكريهة"(22).
وأجبت استيفن هاردنج من فوره يتقوى برنار ونشاطه إعجاباً حمله على أن
يرسله (1115) على رأس ثلاثة عشر راهباً لينشئ بيتاً سترسيا جديداً يكون هو رئيسه. واختار برنار لبيته الجديد بقعة شجرة على بعد تسعين ميلا من سيتو تعرف بإسم الوادي اللامع Claivaux أو Clara vallis، ولم يكن في هذا المكان مسكن ولم يكن فيه قط إنسان. وكان أول عمل قامت به الفئة المتآخية أن بنت بأدبها "ديرها" الأول- وهو بناء خشبي يحوي تحت سقف واحد مصلى، ومطعماً، وفي أعلاهما مكان للنوم يصلون إليه بسلم خشبي. وكانوا ينامون في صناديق نثرت عليها أوراق الأشجار، ولم تكن النوافذ أكبر من رأس الرجل ولم يكن على الأرض شيء. وكان طعامهم مقصوراً على الخضر إلا سمكة يطعمونها من حين إلى حين، ولم يكونوا يطعمون خبزاً أبيض، أو توابل، وقلما يشربون نبيذاً، فكان هؤلاء الرهبان الحريصون على دخول الجنة يأكلون كما يأكل الفلاسفة الراغبون في طول العمر. وكانوا يعدون الطعام بأيديهم، فيتناوبون طهوه. وكان من القواعد التي وضعها برنار ألا يبتاع الدير أملاكاً، وألا له إلا ما يوهب، وكان يرجو ألا يكون له من الأرض أكثر مما يستطيع الرهبان العمل فيه بأيديهم وبأدواتهم البسيطة. وأخذ برنار وإخوانه المتزايد عددهم يعملون في هذا الوادي الهادي في صمت وقناعة بعيدين عن " زوبعة العالم " يقطعون أشجار الغابة، ويزرعون، ويحصدون، ويصنعون أثاثهم بأيديهم، ويجتمعون في أوقات الصلاة ليرتلوا الأناشيد بغير أرغن، ويتلو مزامير اليوم وترانيمه. ويصفهم وليم السانت تيري William of St. Thierry بقوله: "كلما أمعنت النظر فيهم زاد يقيني أنهم أعظم أتباع المسيح كمالا ... لا ينقصون إلا قليلا عن الملائكة، ولكنهم أرقى كثيراً من الآدميين"(23). وانتشرت أنباء هذا السلام المسيحي وهذا الاستقلال الذاتي حتى كان في كليرفو قبل موت برنار سبعمائة من الرهبان. وما من شك في أنهم كانوا سعداء في ذلك المكان، لأن الذين بعثوا من هذه البيئة الشيوعية ليكونوا رؤساء أديرة، أو أساقفة،

أو مستشارين، كانوا كلهم تقريباً يتوقون للعودة إليها، وكان برنار نفسه - وقد عرضت عليه الكنيسة أرقى مناصبها، وذهب إلى أراضي كثيرة بناء على طلبها - يحن دائماً للعودة إلى صومعته في كليرفو ويقول سأبقى بكليرفو "حتى تسيل عيني، وحتى يواري جسدي في كليرفو بجوار أجساد الفقراء".
وكان رجلا متوسط الذكاء، ثابت اليقين، ماضي العزيمة، متناسق الصفات الخلقية، ولم يكن يعني بالعلم ولا بالفلسفة لأنه يحس أن عقل الإنسان وهو جزء من الكون متناه في الصغر عاجز عن الحكم على الكون، لا يستطيع الإدعاء بأنه يفهمه، وكان يدهش من كبرياء الفلاسفة السخيف وهم ينطقون بهذرهم عن طبيعة الكون،وأصله، ومصيره. وقد هاله ما يراه أبلار من تحكيم العقل في الدين، وقاوم هذه النزعة العقلية لأنها تجديف وقحة. وكان يفضل أن يمشي في ضياء معجزات الوحي غير سائل أو متشكك، مفضلاً هذا عن محاولة فهم العالم. وكان من رأيه أن الكتاب المقدس هو كلام الله، وإلا كانت هذه الحياة في رأيه بيداء من الشك الحالك الظلام، وكلما أوغل الدعوة إلى هذا اليمان الشبيه بإيمان الأطفال، ازداد يقينه بأن هذا هو الطرق السوي. ولم أن ما جاءه أحد رهبانه واعترف له في رهبة وفزع أنه لا يستطيع الإيمان بقدرة القس على أن يحول خبز القربان إلى جسم المسيح ودمه، لم يلمه برنار على ما قال، وأمره مع ذلك أن يشترك في العشاء الرباني، وقال له :" اذهب واشترك فيه بإيماني أنا"، ويؤكد لنا الرواة أن إيمان برنار فاض على المتشكك وأنجى روحه(25) وكان في وسع برنار أن يكره ويطارد حتى الموت، أو ما يقرب من الموت، الضالين أمثال أبلار أو آرنلد البريشيائي لأنهم أضعفوا كنيسة تبدو له رغم أخطائها وعيوبها مطية المسيح نفسها، وكما كان في وسعه أن يحب برقة لا تكاد تقل عن رقة العذراء التي كان يعبدها بغيرة منقطعة النظير. ورأى يوماً لصاً يساق إلى المشنقة فشفع له عند كونت شمبانيا ووعده أن يوقع عليه عقاباً أقسى من الموت




الذي لا يقاسيه إلا لحظة وجيزة(26). وكان يعظ الملوك والباباوات، ولكنه يكون أكثر رضاً عن نفسه حين يعظ الفلاحين والرعاة في واديه وكان يتسامح في أخطائهم، ويهدهم بما يضربه لهم بنفسه من مثل صالح، وينال حبهم الصامت ويبادلهم حباً بحب.ووصل في تقواه إلى حد الزهد المنهك للقوة، وقد أكثر من الصوم حتى اضطر رئيسه في سيتو أن يأمره بتناول الطعام. وظل ثمانية وثلاثين عاماً يعيش في صومعة واحدة ضيقة في كليرفو، على فراش من ورق الشجر، وليس فيها مقعد إلا حفرة في الجدار (27) وكانت طيبات العالم جميعها وما فيه من أسباب الراحة، تبدو له وكأنها لاشيء إذا قيست إلى التفكير في المسيح ووعده. وكتب وهو في هذه النشوة عدة ترانيم غاية في البساطة والرقة الأخاذة بمجامع القلوب:
أيها المسيح يا صاحب الذكرى الحلوة،

هب القلب البهجة الحقة،

إن أحلى من الشهد ومن الأشياء جميعها

مشهده الحلو،

وليس في كل ما يغنى شيء أجمل من ذكر عيسى أبن الله

ولا فيما يسمع شيء أحسن وقعاً على الأذن منه

ولا فيما يفكر فيه العقل أحلى منه.

أي عيسى يأمل التائبين

مارق قلبك على المتسولين!

وما أقربك لطالبيك!

ترى ماذا تكون لمن يلقوك؟

وقلما كان يعني بغير الجمال الروحي رغم إدراكه جمال اللفظ، فكان يغطي




عينيه خشية أن تسرفا في الاستمتاع الحسي بجمال بحيرات سويسرا(29). وكان ديره عارياً من جميع الزينة عدا صورة المسيح مصلوباً، وكان يلوم دير كلوني لكثرة ما ينفقه من المال في بناء الأديرة التابعة له وزينها، ويقول في هذا: "إن الكنيسة تتلألأ جدرانها وتغل يدها عن فقرائها، وتطلى حجارتها بالذهب وتترك أبناءها عراة، وتفتن عيون الأغنياء بالفضة التي تأخذها من البائسين"(30) وكان يشكو من أن دير القديس دنيس العظيم غاص بالفرسان المتكبرين المدرعين بدل العباد السذج، ويسميه:" حامية عسكرية، ومدرسة الشيطان، ومعشش اللصوص"(31) وتأثر سوجر بهذا اللوم، فأصلح عادات كنيسته ورهبانه، وعاش حتى استحق ثناء برنار.
ولم يكن إصلاح الأديرة الذي سطح ضياؤه من كليرفو، ورفع مستوى رجال الدين بترقية رهبان برنار إلى مراتب الأساقفة ورؤساء الأساقفة، لم يكن هذا إلا بعض ما أحدثه ذلك الرجل، الذي لم يكن يطلب شيئاً غير الخبز، من الأثر في جميع الطبقات وفي خلال نصف القرن الذي عاشه. وجاء لزيارته الأمير هنري الفرنسي أخو الملك وتحدث إليه برنار، وقبل أن ينقضي اليوم كان هنري راهباً يغسل الصحاف في كليرفو(32). وقد استطاع بعظاته - وقد أوشكت لفصاحتها وجزالة لفظها أن تكون شعراً - أن يؤثر في نفوس كل من سمعه، كما استطاع برسائله - وهي آيات خالدة في الدعوة الحماسة الحارة - أن يؤثر في المجالس، والأساقفة، والبابوات، والملوك، وأمكنه باتصاله الشخصي أن يشكل سياستي الكنيسة والدولة. وأبى أن يكون أكثر من رئيس دير، ولكنه رفع البابوات إلى عروشهم وأنزلهم عنها، ولم يكن الناس يستمعون إلى خبر من الأخبار بإجلال وخشوع أكثر مما يستمعون بهما إليه.
وقد خرج من صومعته ليقوم بنحو اثنتي عشرة مهمة دبلوماسية عالية، كانت في العادة بناء على طلب الكنيسة ولما أن اختارت طائفتان متنازعتان

أنكليتس الثاني وإنوسنت الثاني للجلوس على كرسي البابوية (1130) أيد برنار إنوسنت، ولما استولى أنكليتس على روما دخل برنار إيطاليا وأثار بقوة شخصيته وخطبه الحماسية مدن لمبارديا لتأييد إنوسنت، وسكرت الجموع بخطبه وتقاه فانكبت عليه تقبل قدميه ومزقت مئزره إرباً اتخذتها مخلفات مقدسة تورثها من بعدها. وأقبل عليه المرضى في ميلان، وأعلن المؤمنون المصابون بالصرع والشلل وغيرهما من الأمراض أنهم شفوا من أمراضهم بلمسه. ولما عاد إلى كليرفو بعد انتصاراته الدبلوماسية جاءته جموع الفلاحين من الحقول والرعاة من أعالي التلال،يطلبون إليه أن يباركهم، فلما تلقوا منه هذه البركة عادوا إلى كدحهم مرفوعي الرأس راضين.
وقبل أن يتوفى برنار في عام 1153 كان عدد أديرة السسترسيين قد زاد من ثلاثين ديراً في عام 1134 (وهي السنة التي مات فيها استيفن هاردنج) إلى 343 ديراً وانضم إلى هذه الطائفة عدد كبير من الناس متأثرين بتقواه وقوته، فلم يحل عام 1300 حتى كان عدد أفرادها ستين ألفا يقيمون في 693 ديراً. ونشأت طوائف أخرى من الأديرة في القرن الثاني عشر، فأنشأ روبرت الأبرسولي Robert of Abrissol حوالي عام 1100 طائفة الفنتفرول Fontevroult في أنجو، وفي عام 1120 تخلى القديس نربير Norbert عن ثروة عظيمة آلت إليه وأنشأ طائفة "رهبان المرعى الموعود" النظامية في بريمنتريه Premontre بالقرب من ليون Leon . وفي عام 1131 أنشأ القديس جلبرت طائفة

السمبرنجهام Sempringham الجلبرتيين الإنجليز على غرار طائفة فنترفول. وفي عام 1150 سار بعض الزهاد الفلسطينيين على سنة القديس باسيلي وانتشروا في جميع أنحاء فلسطين. ولما استولى المسلمون على فلسطين هاجر هؤلاء الرهبان "رهبان الكرمل" إلى قبرص، وصقلية، وفرنسا وإنجلترا. وفي عام 1198 صدق إنوسنت الثالث على قانون طائفة الرهبان "الثالوثيين Trinitarians"، وحضهم على افتداء المسيحيين الذين وقعوا أسرى في أيدي المسلمين. وكانت هذه الطوائف الجديدة مشعلا أضاء ظلمات الكنيسة المسيحية.
وأخذت حركة الإصلاح في الأديرة التي بلغت ذروتها على يد القديس برنار تضعف خلال القرن الثاني. فقد كانت الطوائف الحديثة النشأة تحافظ على مبادئها الصارمة بإخلاص معقول، غير أنه لم يكن من المستطاع أن يوجد الكثيرون من الناس الذين يستطيعون الصبر على هذا النظام الصارم في ذلك العهد السريع الخطى، فأثرى السسترسيون- ومنهم أتباع برنار نفسه في كليرفو- على مر الزمن بما انهال عليهم من هدايا ذوي الآمال، واستطاع الرهبان بفضل الأعيان الموقوفة من (التائبين) أن يضيفوا إلى طعامهم اللحم وكثيراً من النبيذ(33)، وعهدوا بجميع الأعمال اليدوية إلى أخوانهم العلمانيين، ولما مضت أربع سنين على موت برنار ابتاعوا عدداً من الأرقاء المسلمين(34) وكانت لهم تجارة واسعة تدر عليهم أرباحاً طائلة في منتجات صناعاتهم المشاعة، وأثاروا حقد نقابات أرباب الحرف لأنهم كانوا معفين من العوائد المفروضة على نقل البضائع(35). ولما ضعف إيمان الناس على أثر إخفاق الحملات الصليبية قل عدد الطلاب الجدد وانحطت بسبب هذا الضعف أخلاق جميع طوائف الرهبان، > عصر الإيمان -> المسيحية في عنفوانها -> الرهبان والإخوان -> القديس برنار


ولكن المثل الأعلى القديم القاضي بأن يحيا الرهبان كما كان يحيا الرسل حياة شيوعية خالية من الملك الفردي لم يمت، بل بقي في نفوس الآلاف من الناس الاعتقاد الراسخ أن من واجب المسيحي الصادق أن يبتعد عن الثروة والسلطان. وأن يحافظ أشد المحافظة على السلام. ثم ظهر في تلال أمبريا Umbria بإيطاليا في أوائل القرن الثالث عشر رجل أعاد تلك المثل العليا القديمة إلى سابق قوتها وذلك ببساطته، وطهارته، وتقواه، وحبه وأدهش الناس بهذه الصفات حتى ظنوا أن المسيح قد ولد من جديد.
الفصل الثالث


القديس فرانسس


ولد جوفيني ده برنادون Giovanni de Bernadone في أسيسي Assisi عام 1182. وكان أبوه سربيترو ده برنادون Ser Pietro de Bernadone من أثرياء التجار، ذا تجارة واسعة مع برو فانس، وفيها أحب فتاة فرنسية تدعى بيكا pica وتزوجها وجاء بها إلى أسيسي. ولما عاد من رحلة أخرى ووجد أنها أنجبت له ولداً بدل اسم الطفل وجعله فرانسسكو Francesco أي فرانس، ويبدو أن ذلك كان تحية لبيكا. وشب الطفل وترعرع في أجمل صقاع في إيطاليا، ولم يفقد قط حبه لمناظر أمبريا الجميلة وسمائها الصافية. وتعلم من والديه اللغتين الفرنسية والإيطالية، وأخذ لغة اللاتينية عن قس الأبرشية، ولم يكن له بعدئذ نصيب من التعليم المنظم، ولكنه سرعان ما انتظم في عمل أبيه، وأغضب سربيترو بما أظهره من قدرة على صرف المال تفوق قدرته على كسبه، فقد كان أغنى شباب البلدة وأسخاهم يداً، يجتمع حوله أصدقاؤه يطعمون معه ويشربون ويغنون أغاني الشعراء الغزلين. وكان فرانس بين الفينة والفينة يرتدي حلة المنشدين الجاثلين المتعددة الألوان(36). وكان شاباً وسيما، أسود العينين، فاحم لون الشعر،صبوح، جميل الصوت. ويقول المترجمون الأولون له إنه لم تكن له قط صلة بالنساء، وإنه لم يعرف إلا امرأتين معرفة لا تتجاوز النظر


إليهما(27)، ولكن هذا بلا ريب يظلم فرانس بعض الظلم.ولعله سمع من أبيه في تلك السنين التي يتشكل فيها خلقه شيئا عن الضالين الإلبجنسيين والولدنسيين في جنوبي فرنسا، وعن إنجيلهم الجديد إنجيل الدعوة إلى الفقر.
وحارب في عام 1202 في جيش أسيسي بروجيا Perugia، وأسر، وقضى في الأسرة سنة شغلها كلها بالتأمل العميق. وفي عام 1204 تطوع في جيش البابا إنوسنت الثالث. وبينما هو طريح الفراش في إسبوليتو ينتفض جسده من الحمى إذا خيل إليه أن صوتاً يناديه"لم تهجر الإله إلى الخادم، والأمير إلى تابعه؟ فسأل هو ذلك الصوت:"رباه ماذا تريدوني أن أفعل؟" فأجابه الصوت: "عد إلى موطنك، وهناك سيقال لك ماذا تفعل"(28). فما كان منه إلا ترك الجيش وعاد إلى أسيسي، ومن ذلك الوقت أخذ اهتمامه بتجارة أبيه يقل واهتمامه بالدين يزيد. وكان بالقرب من أسيسي مصلى صغيرة للقديس دميان. وبيتاً كان فرانسس يصلي فيها ذات يوم من أيام شهر فبراير عام 1207 إذ خيل إليه أنه يسمع المسيح يتحدث إليه من المذبح، ويتقبل حياته وروحه قرباناً له. وأحس من تلك اللحظة أنه موهوب إلى حياة جديدة، فأعطى قس المصلى كل ما معه من المال وعاد إلى منزله. والتقى ذات يوم بشخص مصاب بالجذام ففر منه مشمئزاً، ثم لام نفسه لعدم إخلاصه للمسيح، وعاد أدراجه وأفرغ ما كان كيسه من النقود في يد المجذوم وقبل يده، ويقول لنا هو أن هذا العمل كان بداية عهد جديد في حياته الروحية(29). وأخذ من ذلك الحين يزور مساكن المجذومين ويتصدق عليهم.
وقضى بعد قليل من ذلك الحادث عدة أيام في المصلى أو بالقرب منها، ويبدو أنه لم يكن يأكل في تلك الأيام إلا القليل الذي لا يغني عن الجوع، فلما ظهر مرة أخرى في أسيسي كان جسمه قد ضعف واهزل، ولونه قد امتقع، وثيابه قد تمزقت، وعقله قد تحير، حتى أخذ الأطفال في الميدان العام يصيحون 

"بزو، بزو! pazzo!pazzo المجنون، المجنون!" وهناك عثر عليه أبوه، وسماه بالشاب الذي ذهب نصف عقله؛ وجره إلى منزله، وأغلق عليه حجرة ضيقة. ولما أطلقته أمه من حبسه عاد مسرعاً إلى المصلى، فحلق به أبوه الغاضب، وأنبه لتعرضه أسرته للسخرية، ولامه لأنه لم يفد قيها من المال الذي أنفقه على تربيته، وأمره أن يخرج من البلدة التي هو فيها. وكان فراسيس قد باع كل ممتلكاته الشخصية لينفق من ثمنها على المصلى، فلما سمع هذا القول من أبيه أعطاه ما كان معه من ثمنها، وقبله منه أبوه، ولكنه لم يعترف لوالده بحقه في أن يأمر شخصاً هو وقتئذ ملك للمسيح. ولما استدعى للمثول بين يدي محكمة الأسقف في ميدان القديسة مارياما جوري، مثل أمامها في خشوع وحوله جمع حاشد ينظر إليه. وقد خلد جيوتو هذا المنظر في صورة له ذات روعة. ووثق الأسقف بما قطعه على نفسه من وعد وأمره أن يتخلى عن جميع أملاكه. وآوى فرانسيس إلى حجرة في قصر الأسقفية، وما لبث أن عاد عارياً كما ولدته أمه، وألقى أمام الأسقف بثيابه المحزومة وما كان باقيا معه من نقود قليلة وقال :" لقد ظللت حتى هذه الساعة أدعو بيترو برنادون أبي، أما الآن فأحب أن أكون خادماً للّه، لأني من هذه الساعة لن أنطق بغير "أبانا الذي في السموات"(40). وأخذ برنادون الثياب وغطى الأسقف فرنسس المرتجف بمئزره، وعاد فرانسس إلى مصلى القديس داميان، ونسج لنفسه ثوباً من أثواب النساك، وأخذ يسأل الناس طعامه من باب إلى باب، وشرع يبني بيديه المصلى المتصدعة ، وجاء بعض أهل القرية يساعدونه، وكانوا يغنون جميعاً وهم يعملون.
وبينما كان يستمع إلى القداس في شهر فبراير من عام 1209 أثرت في نفسه العبارات التي كان القس يتلوها من تعاليم المسيح إلى الرسل : وفيما" أنتم ذاهبون أكرزوا قائلين إنه قد اقترب ملكوت السموات، أشفوا مرضى، طهروا برصاً

أقيموا موتاً، أخرجوا شياطين، مجانا أخذتم مجاناً أعطوا، لا تقتنوا ذهباً ولا فضة ولا نحاساً في مناطقكم، ولا مزوداً في الطريق ولا ثوبين، ولا أحذية ولا عصا"(متى 10:7 - 10).
وخيل إلى فرانسس أن المسيح نفسه هو الذي يتكلم وأنه يتكلم إليه مباشرة، وصمم على أن يطيع هذه الألفاظ وينفذها بنصها - أن يدعو إلى ملكوت السموات، وألا يفتني شيئاً، وأن يرجع إلى الوراء خلال المائتين والألف من الأعوام التي اختفت عن الناس صورة المسيح، وأن يعيد تشكيل حياته على غرار هذا المثل القدسي.
وهكذا وقف في ربيع ذك العام في ميدان أسيسي متحدياً سخرية الساخرين جميعها يدعو إلى إنجيل الفقر وإلى المسيح. واشمأزت نفسه مما كان سائداً في هذا العصر من سعي لكسب المال بالحق أو بالباطل، وروعة ما رآه من ترف بعض رجال الدين وأبهتهم، فأخذ يندد بالمال نفسه ويقول إنه هو الشيطان وهو اللعنة، وأمر أتباعه أن يجتنبوه كما الرجس(41). وأهاب بالرجال والنساء أن يبيعوا كل ما يملكون وأن يهبوا يجتنبوا ثمنه للفقراء. واستمعت إليه جماعات قليلة في دهشة وإعجاب، ولكن الكثرة مرت به وحسبته أبلها مفتوحاً بالمسيح، ولما قال له أسقف أسيسي الصالح:" يبدو لي أن طريقتك في الحياة من غير أن تملك شيئاً قاسية صعبة على النفس" أجابه فرانسس بقوله :"مولاي، إننا إذا كان لنا ملك احتجنا إلى الأسلحة للدفاع عنه"(42). وتأثرت به بعض النفوس، وعرض عليه اثنا عشر ممن تأثروا به أن يتبعوا تعاليمه ويسيروا على سننه، فرحب بهم، ولقنهم الفقرة السالفة الذكر من أقوال المسيح ليتخذوها رسالة وقاعدة يسيرون عليها، ونسجوا لأنفسهم ثياباً سمراء، وأقاموا لهم أكواخاً من أغصان الأشجار، ونبذوا هم وفرانسس عزلة الرهبان القديمة، فكانوا يخرجون كل يوم حفاة، ليس معهم من المال، يعظون الناس. وكانوا في بعض
الأحيان يغيبون عدة أيام، وينامون في مخازن الدريس، أو مستشفيات المجذومين، أو تحت أبواب الكنائس، فإذا عادوا غسل فرانسس أقدامهم وقدم لهم الطعام.
وكانوا يحيون بعضهم البعض، ويحيون كل من يلتقون بهم في الطريق، التحية الشرقية القديمة: "سلام الله عليكم" ولم يكونوا حتى ذلك الوقت قد أطلق عليهم اسم "فرانسسكان"، فقد كانوا يسمون أنفسهم "الإخوان الصغار Minorities Fratres أو المينوريين Minores". ذلك أنهم كانوا إخواناً لا قساوسة، ومعنى كونهم صغاراً أنهم أصغر خدام المسيح شأناً، وأنهم لا يمارسون قط سلطاناً، بل يخضعون على الدوام لسلطان من هم أرقى منهم؛ فهم يخضعون لأقل القساوسة درجة، ويقبلون يد أي قسيس يلقونه، ولم يرسم إلا عدد قليل منهم في الجيل الأول من نشأتهم قساوسة، ولم يرق فرانسس نفسه إلى أكبر من مرتبة شماس، وكانوا في جماعتهم الصغيرة يخدم بعضهم بعضاً، ويشتغلون بالأعمال اليدوية، ولم يكونوا يسمحون بوجود متعطل منهم، أو يشجعون الدراسة العقلية بينهم، لأن فرانسس لم يكن يرى في المعلومات الزمنية أية فائدة غير تكديس الثروة أو الجري وراء السلطان: "وسيجد إخواني الذين تغويهم الرغب الرغبة في العلم أنهم صفر الأيادي في يوم المحنة"(43). وكان يسخر من المؤرخين الذين لا يقومون هم أنفسهم بعمل عظيم، ولكنهم يشرفون لأنهم يسجلون ما يقوم به غيرهم من جليل الأعمال(44). وقد سبق فرانسس قول جيتة إن العلم الذي يستخدمه في العمل"(45) ولم يكن واحد من الإخوان يمتلك كتاباً بما في ذلك كتاب الترتيل نفسه؛ وكانوا في عظاتهم يلجأون إلى الغناء كما يلجأون إلى الخطابة، بل كانوا يحذون حذو الشعراء المغنين الجائلين فيكونون مطربي الله(46).
وكان الإخوان أحياناً يُسخر منهم ويُضربون، وتُسرق منهم أثوابهم حتى الثوب الأخير. وقد أمر فرانسس ألا يبدو أية مقاومة. وكان المعتدون

في كثير من الأحيان يدهشون من احتقار الإخوان للمجد والملك، وهو احتقار كان يبدو لهم فوق الطاقة البشرية، ولهذا كانوا يتقدمون إليهم يطلبون الصفح ويعيدون إليهم ما سرقوه(47). ولسنا نعرف هل هذا المثل الآتي المأخوذ من زهيرات القديس فرانسس تاريخ حق أو خيال، ولكنه في كلتا الحالتين يصور نشوة التقوى التي تسري في كل ما نسمعه عن القديس:
قال فرانسس في يوم من أيام الشتاء وهو سائر في طريقه من بروجيا يعاني الأمرين من برد الشتاء القارس: "أيها الأخ ليو، إن الإخوان الصغار يضربون أحسن الأمثلة في الصلاح والتهذيب، ومع هذا فاكتب إليهم، ولا تتوان عن تعليمهم، أن البهجة الكاملة ليست في هذا". وبعد أن واصل فرانسس السير في طريقه بعض الشيء قال: "أيها الأخ ليو، إن الإخوان الصغار قد ردوا البصر إلى المكفوفين، وقوموا المعوجين، وأخرجوا الشياطين، وأعادوا السمع إلى الصم، ومكنوا العرج من المشي المستقيم... وأحيوا من قضوا في القبر أربعة أيام، ومع هذا فاكتب: إن السرور الكامل ليس في ذاك". ثم سار في طريقه قليلاً ثم صاح بأعلى صوته: "أيها الأخ ليو، لو أن الأخ الصغير عرف كل اللغات والعلوم، وجميع الكتب المقدسة حتى استطاع أن يكشف عن الأمور المستقبلة ويتنبأ بها، بل استطاع أكثر من هذا أن يكشف عن مخبآت الضمائر والنفوس- فاكتب: إن السرور الكامل ليس في ذاك"... ومع هذا فقد سار بعدئذ قليلاً وصاح قائلاً: "أيها الأخ ليو، إن الأخ الصغير يحذق الوعظ إلى حد يستطيع معه أن يهدي الكفرة إلى دين المسيح- فاكتب: "ليس السرور في ذاك". ولما استمر هذا الطراز من الحديث ميلين كاملين سأله الأخ ليو:... "أبي، بالله قل لي أين يوجد السرور الكامل؟" فأجابه فرانسس بقوله: "حين نصل إلى كنيسة مارية الملائكة" (وكانت وقتئذ مصلى الفرانسسكان في أسيسي) يبللنا المطر، متجمدين من شدة البرد، ملطخين
بالوحل، معذبين من شدة الجوع، وحين تدق الباب ويقبل البواب ثائراً ويقول: "من أنتما؟" فتقول له: "نحن اثنان من إخوانك" فيرد علينا قائلاً: "إنكما كاذبان، بل أنتما وغدان تسيران في الطرق تخدعان العالم، وتختلسان صدقات الفقراء. اذهبا!" ثم يفتح لنا الباب، ويتركنا في خارجه نعاني آلام الجوع والبرد طوال الليل في المطر والثلج ، فإذا ما تحملنا هذه القسوة صابرين... من غير أن نشكر أو نحزن، ونعتقد في ذلة وشفقة أن اللّه هو الذي أنطق البواب بالسخرية منا - ألا أيها الأخ ليو، أكتب، هناك السرور الكامل! وإذا ما واصلنا دق الباب، وخرج هو وطردنا وهو غاضب، وسبنا ولطم خدودنا وقال لنا: "أبعد أيها اللصان السافلان! - فإذا ما تحملنا هذا صابرين يملأ فلبينا الحب والفرح فاكتب أيها الأخ ليو: هذا هو السرور الكامل! وإذا ما عضنا الجوع وآلمنا البرد فدفعنا الباب مرة اخرى ودعوناه بحب اللّه أن يفتح لنا... فخرج بعصا كبيرة معقدة وقبض علينا من قلنسوتينا، وألقانا على الأرض، ودحرجنا على الثلج، ورض كل عظم من عظامنا بتلك العصا الثقيلة، فإذا ما فكرنا في آلام المسيح الرحيم، وتحملنا هذه الآلام كلها في صبر وسرور مدفوعين إليه بحب اللّه - فأكتب أيها الأخ ليو أن هنا لك وفي هذا يوجد السرور الكامل"(48).
وكانت ذكرى حياته المترفة الباكرة تبعث في نفوس شعوراً بالخطيئة يؤرقه ويقض مضجعة، وإذا كان لنا أن نصدق ما جاء في الزهيرات فأنه كان في بعض الأحيان يسائل نفسه في حيرة هل يغفر له اللّه ذنوبه؟ وثمة قصة مؤثرة تقول إنه الأيام الأولى من نشأة الطائفة حين لم يكن في وسعهم أن يجدوا كتاب صلوات يتلون منه أدعيتهم المقدسة، ارتحل فرانسس ورداً للتوبة، وأمر الأخ ليو أن يعيد بعده عبارات تتهم فرانسس بالخطيئة. وحاول ليون أن يعيد التهمة في كل جملة، ولكنه وجد أنه لم يكن يكرر التهمة، بل كان يقول بدلا منها

إن "رحمة اللّه وسعت كل شيء"(49). وحدث في مرة أخرى، وكان فرانسس قد نقه تواً من الحمي، أن طلب أن يجر وهو عار من الثياب أمام الناس في سوق أسيسي وأن يلقى أحد الإخوان على وجهه صفحة من الرماد، ثم قال هو للحاضرين: "إنكم تعتقدون أني ولي صالح، ولكن أعترف للّه ولكم أنني في ضعفي هذا أكلت لحماً وشربت مرق لحم"(50). وزاد ذلك القول يقين الناس بطهره وقداسته، ورووا أن أخا شاباً أبصر المسيح والعذراء يحدثانه، وكانوا يعزون له عدة معجزات، ويأتون إليه بمرضاهم ومن بهم "مس " ليشفيهم. وأصبحت صدقاته مضرب المثل وموضوع القصص، فلم يطيق أن يرى أحداً أفقر منه، وكثيراً ما كان يتصدق على من يمر به من الفقراء بالثوب الذي يلبسه حتى كان مريدوه يجدون من أصعب الصعاب أن يبقوه مكتسياً. وتقول مرآة الكمال التي هي في أكبر الظن من نسج الخيال(51):
وبينما هو عائد من سينا Siena إذ التقى في طريقه برجل فقير، فقال لزميل من الرهبان: "يجب أن نعيد هذا المئزر إلى صاحبه، لأنا لم نأخذه إلا عارية حتى نعثر على من هو أفقر منا... وإنا إذا لم نعطه من هو أشد حاجة إليه منا عُدّ هذا منا سرقة".
وفاض حبه من الآدميين على الحيوان والنبات، وعلى الجماد نفسه. وتعزو إليه مرآة الكمال التي لم تثبت صحتها تسبيحاً للشمس يقول فيه:
حين تشرق الشمس في الصباح، يجب على كل إنسان أن يحمد اللّه الذي خلقها لننتفع بها.. وإذا جن الليل وجب على كل إنسان أن يسبح بحمد اللّه الذي أمدنا بأختنا النار التي تبصر بها أعيننا، لأننا جميعاً أشبه بالمكفوفين، وقد أضاء اللّه أعيننا بهذين الأخوين.
وكان يعجب بالنار إعجاباً يحمله على التردد في إطفاء شمعة، لأن النار قد
تعارض في أن تطفأ. وكان قوى الإيمان بما بينه وبين كل كائن حي من أواشج القربى. وأراد أن "يتوسل إلى الإمبراطور" (فردريك الثاني الذي كان مولعاً بصيد الطير) "لكي يخبره بحق حبه للّه ولي لأن يضع قانوناً خاصاً يحرم على أي إنسان أن يقبض على أخوتنا القبرات أو يقتلها، أو يلحق بها أذى ما، وأن يطلب رؤساء البلديات وعمد البلاد، وملاك القصور والقرى، إلى كل رجل أن ينثر الحب في خارج المدن والقصور في يوم عيد الميلاد من كل عام حتى تجد أخواتنا القبرات وغيرها من الطير ما تأكله"(52). والتقى مرة بشاب اقتنص بضع قمريات وسار بها إلى السوق. وأقتنع فرانس الشاب أن يعطيه إياها، وبنى القديسون عشوشاً لها "حتى تثمر وتتضاعف"، وأطاعت القمريات فأثمرت وتضاعفت أضعافاً مضاعفة، وعاشت بجوار الدير سعيدة بصداقة الرهبان، وكانت أحياناً تخطف الطعام من المائدة التي يطعم عليها أولئك الرهبان(53). ونسجت حول هذا الموضوع عشرات من الأقاصيص لتزينه وتجمله، منها واحدة تقول إن فرانس خطب في " أخواتي الصغار من الطير" وهو في طريقه من كانورا Cannora إلى بيفانا Bevagna، فنزلت إليه الطيور التي عاشت على الأشجار لتستمع إليه، وظلت ساكنة بينما كان فرانس يختم عظته:
أخواتي الصغر من الطير! ما أكثر ما أنتن مدينات به إلى اللّه خالقكن، ومن واجبكن أينما كنتن وأنى كنتن أن تحمدنه لأنه وهبكن حلة ثنائية هذا إنكن لا تزرعن، ولا تحصدن، واللّه يطعمكن ويهبكن الأنهار والعيون لتشربن مائها، ويهبكن الجبال والوديان لتأوين إليها، والأشجار الباسقة التي تبنين فيها أعشاشكن، وإذ كنتن لا تستطعن أن تغزلن أو تخطن فإن اللّه يكسوكن أنتن وأبناءكن... فاحذرن إذن يا أخوتي الصغار أن ترتكبن ذنب الكفران بالنعمة، ولا تغفلن أبداً عن حمد اللّه(54).

ويؤكد لتا الأخوان جيمس وماسيو أن الطيور كانت تنحني احتراماً لفرانس، وأنها لم تكن تبرح أماكنها حتى يباركها. والزهريات Fioretta التي نقلنا منها هذه القصة هي تبسيط باللغة الإيطالية لكتاب Actus Beati Francisci المكتوب باللغة اللاتينية (1323)، وهي اقرب إلى الأدب منها إلى التاريخ الحق، ولكنها تعد في مستوى أجمل مؤلفات عصر الإيمان وأعظمها متعة.
ولما قيل له إن إنشاء طائفة دينية جديدة يتطلب الحصول على إذن من البابا، سافر فرانسس ومريده الاثنا عشر إلى روما في عام 1210، وعرضوا طلبهم ومبادئهم على إنوسنت الثالث. فنصحهم البابا العضيم بلطف أن يؤجلوا مسألة الإنشاء الرسمي للطائفة الجديدة حتى يحين الوقت لاختبار مبادئهم اختباراً عمليا، وقال لهم:"أبنائي الأعزاء، إن حياتكم لتبدو لي أقسى مما تطيقون، نعم إني أرى أنكم شديدوا التحمس لمبادئكم...ولكن من واجبي أن أفكر فيمن سيأتون بعدكم خشية أن يكون أسلوب حياتكم فوق ما يطيقون"(55). وأصر فرانسس على طلبه، وخضع له البابا آخر الأمر- خضعت القوة المتمثلة في شخص البابا إلى الإيمان الممثل في شخص فرانس-، وقص الإخوان شعورهم، وخضعوا لرجال السلطة الدينية،وحصلوا من البندكتين في مونت سياسيو Mt. Subasio القريب من أسيسي على مصلى القديسة ماري الملائكية St. Mary of the Angeles، وهي مصلى لا يزيد طولها عن عشرة أقدام، وقد بلغ من صغر مساحتها لأن أطلق عليها اسم بورتي نيكولا portiuncula- "أي الجزء الصغير".وبنى الإخوان لهم أكواخا حول المصلى، وكانت هذه الأكواخ أولى أديرة طائفة القديس فرانسس الأولى.
وانضم إلى الطائفة أعضاء جدد، ولم يقتصر الأمر على هذا، ولكن فتاة ثرية في الثامنة عشرة من عمرها هي كلارا ديي اسكفي Clara dei Sciffi طلبت
إليه أن يأذن لها بإنشاء طائفة ثانية من طوائف القديس فرانسس خاصة بالنساء (1212). وابتهج القديس لهذا الطلب ابتهاج - فقد غادرت الفتاة بيتها ونذرت نفسها للفقر، والطهر، وأصبحت رئيسة دير فرنسيسى أقيم حول مصلى القديس دميان. ثم أنشئت طائفة ثالثة من طوائف القديس فرانسس- وهي الطائفة الثلاثية- من بين العلمانيين الذين لم يكونوا يرتبطون بقواعد القديس فرانسس كاملة، ولكنهم أرادوا أن يتبعوا هذه القواعد قدر المستطاع، وأن يعيشوا في "الدنيا"، ويساعدوا الطائفة الأولى والثانية بعملهم وصدقاتهم. وحملت الطوائف الفرنسيسية المطردة الزيادة إنجيلها إلى بلدان أمبريا (1211)، ثم حملته فيما بعد إلى غيرها من مقاطعات إيطاليا. ولم يكن هؤلاء الرهبان ينطقون بشىء عن الضلالة بل كانوا يعظون الناس عظات بسيطة في شئون الدين، ولم يكونوا يطلبون إلى المستمعين أن يأخذوا أنفسهم بالعفة، والفقر، والطاعة التي وهبوا هم أنفسهم لها، بل كانوا ينادونهم " خافوا اللّه وعظموه؛ وأثنوا عليه وسبحوه... وتوبوا إليه واستغفروه... فإنكم تعلمون أنا عما قليل ميتون... تجنبوا الشر، وثابروا على الخير".
لقد طالما سمعت إيطاليا هذه الألفاظ من قبل، ولكنها قلما سمعتها من رجال أوتوا من الإخلاص البين مثل ما أوتي هؤلاء الرجال. وأقبل الناس زرافات ليستمعوا إلى مواعظهم، وعرفت قرية في أمبريا أن القديس فرانسس مقبل عليها، فخرجت على بكرة أبيها لتحييه بالأزهار، والأعلام،والأناشيد(56). ولما أقبل على سينا Siena وجد المدينة في حرب أهلية، فلما استمع الحزبان المتحاربان إلى مواعظه أقبلوا عليه خاضعين، وأنهوا نزاعهم طوعاً لأمر إلى حين(57). وكانت هذه الرحلات التبشيرية التي قام بها في إيطاليا هي التي أصيب فيها بالملاريا التي قضت على حياته في سن مبكرة.
بيد أن ما لقيه من النجاح في إيطاليا وجهله بالإسلام قد شجعاه على مواصلة
العمل، فاعتزم أن يذهب إلى بلاد الشام ويدعو المسلمين والسلطان نفسه إلى اعتناق الدين المسيحي. ولهذا أبحر في عام 1212 من إحدى الثغور الإيطالية ولكن عاصفة بحرية قذفت بسفينته إلى شاطئ دلماشيا واضطرته أن يرجع إلى إيطاليا، غير أن إحدى الأقاصيص تقول إن "القديس فرانسس أدخل في دينة سلطان بابل"(58). وتقول قصة أخرى أكبر الظن أنها غير صادقة كسابقتها إنه سافر في ذلك العام نفسه إلى أسبانيا ليدخل المسلمين في دين المسيح، ولكنه حين وصل إليها أصيب بمرض شديد اضطر مريديه أن يعودوا به إلى أسيسي. وتروى قصة أخرى مشكوك في صحتها أنه جاء إلى مصر، وأنه مر بسلام في صفوف المسلمين الذي كان يقاوم الصليبيين عند دمياط، وعرض أن يخوض النار إذا وعده السلطان أن يعتنق هو وجنوده الدين المسيحي إن خرج من النار سالما، ورفض السلطان هذا العرض ولكنه أمر بأن يعد للقديس حرس بصحبه إلى معسكر المسيحيين. وروع فرانسس حين رأى ما أظهره جنود المسيح من وحشية وهم يذبحون السكان المسلمين حين تولى الصليبيون على دمياط(59)، فعاد إلى إيطاليا مريضاً محزونا، وأصيب وهو في مصر، فضلاً عن مرض الملاريا، برمد أوشك في مستقبل حياته أن يفقد بصره.
وأزداد أتباع للقديس في أثناء غيابه زيادة أسرع مما يستطيع معها السيطرة عليهم. ذلك أن شهرته جعلت الأتباع ينضمون إليه دون أن يفكروا في الأمر التفكير الواجب، فأخذ بعضهم يندمون على تسرعهم، وشكا البعض الآخر من صرامة مبادئ الطائفة ، فنزل فرانسس عن بعض القواعد وهو كاره وما من شك كذلك في أن انتشار الطائفة التي انقسمت إلى عدة بيوت منتشرة في أنحاء أمبريا قد تطلب مهارة إدارية وكياسة لا قبل له بهما لشدة انهماكه في مبادئه الصوفية. من ذلك ما يروى أن راهبا اغتاب زميلا له فأمره فرانسس أن يأكل قطعة من روث حمار حتى لا يحلو الخبث في لسانه من بعد. وصدع


الراهب بالأمر ولكن زملاءه هالهم العقاب أكثر مما هالتهم الجريمة(60). وتخلى فرانسس في عام 1220 عن زعامة الطائفة، وأمر أتباعه لأن يختاروا لها غيره مرشداً عاماً؛ وارتضى فيما بعد أن يكون راهباً بسيطاً. لكنه أزعجه بعد عام من ذلك الوقت ما رآه من استمرار التراخي في إطاعة المبادئ الأولى (1210) فوضع للطائفة قواعد جديدة - هي "الهد" الذائع الصيت - أراد بها أن يتقيد أتباعه تقيداً تاماً بمراعاة يمين الفقر التي أقسموا أن يراعوها ؛ ونهى الرهبان عن الانتقال من أكواخهم عند البورتي أنكولا إلى الأحياء الطيبة الهواء التي أنشأها لهم أهل المدينة، وعرض هذه القواعد على هونوريوس الثالث فأحالها إلى لجنة من المطاردة لمراجعتها، فلما خرجت من أيديهم كانت قد أخذت بنحو اثنتي عشرة قاعدة من قواعد فرانسس ويمثلها من التعديلات المحففة، وهكذا تحققت نبوءة إنوسنت الثالث.
وعمد فرانسس في ذلك الوقت على كره منه، وإطاعة لما أخذه به نفسه من خشوع، عمد إلى حياة قضى معظمها في التفكير، والعزلة،، والزهد، والصلاة. وجاءته شدة خشوعه وقوة خياله من حين إلى حين برؤى المسيح، أو مريم، أو الرسل. وفي عام 1224 غادر أسيسي مع ثلاثة من مريديه وخرج يقطع الجبال والسهول حتى وصل صومعة على جبل فرنا M.Verna بالقرب من شوزي chiusi، وأقام منفرداً في كوخ منعزل وراء أخدود عميق لا يسمع لأحد ليو أن يزوره، وأمره ألا يأتي مرتين كل يوم، وألا يجئ إذا لم يتلق رداً على ندائه بأنه قريب منه. وفي اليوم الرابع عشر من سبتمبر عام 1224 يوم عيد تمجيد الصليب المقدس، وبعد صوم طويل وليلة قضاها ساهراً مصلياً - في هذا اليوم خيل إلى فرانسس أنه رأى ملكاُ ينزل من السماء معه صورة للمسيح المصلوب، ولما توارى الشبح أحس بآلام غريبة وتبين زوائد لحمية في كفيه وظهرت يديه، وفي أسفل قدميه وأعلاهما، وفي جسمه كله شبيهة في أماكنها

وفي لونها بالجروح التي أحدثتها في ظن الناس المسامير التي يعتقدون أنها دقت أطراف المسيح في الصليب والحربة التي نفذت في جنبه .
وعاد فرانسس إلى صومعته وإلى أسيسي، وشرع بعد عام من الظهور تلك القروح يفقد بصره، إلى أن كان يوماً في زيارة لدير القديسة كلارا ففقد بصره فقداناً تاما. ومرضته كلارا حتى عاد إليه نور عينيه واستبقته في دير القديس دميان شهراً من الزمان، وفيه ألف في يوم من أيام 1224 "تسبيحه الشمس" بالنثر الإيطالي الموزون، ولعله ألفها وهو في نشوة الفرح أيام النقاهة من مرض عينيه(62):
رباه يا ذا الخير والجلال والسلطان الأعظم،

إليك الحمد.والمجد، والتكريم، وكل البركات،

انك أنت وحدك يا ذا الجلال خليق بها

وما من أحد يليق به أن يذكرك.

إليك الحمد يا رب أنت وجميع مخلوقاتك.

وأكثر ما يكون ذلك الحمد لأخينا الشمس

الذي يهبنا النهار ويضيؤنا به

والشمس جميلة ساطعة ذات روعة،

بينها وبينك يا ذا الجلال بعض الشبه،

تسبح بحمدك يارب قمر السماء ونجومها،

فقد خلقتها في السماء صافية، ثمينة، جميلة

الطيب منها وغير الطيب، وهي التي تهب بها القوت لمخلوقاتك.

تسبح بحمدك يا رب أختنا المياه

ذات النفع العظيم والتواضع الجم، الثمينة النقية.

تسبح بحمدك يا رب أختنا النار

التي أضاءت بها دجى الليل،

وهي جميلة؛ ومبتهجة، وشديدة وقوية:

تسبح بحمدك يا رب أختنا وأمنا الأرض،

التي تمدنا بالغذاء وتسيطر علينا،

وتخرج لنا الفاكهة المختلفة الأشكال والأزهار

والأعشاب ذات الألوان.

يسبح بحمدك من يعفون عن الناس حبا فيك،

ويحتملون آلام المرض والمحن،

طوبى لمن يحتملونها في هدوء،

لأنك أنت يا العظمة ستضع على رؤوسهم التيجان.

ورأى بعض الأطباء في ريتي أن يمروا بقضيب من الحديد المتوهج على جبهته ليعالجوا بذلك مرض عينيه بعد أن مسحوهما "ببول غلام لم يباشر قط النساء" ويقال إن فرانسس نادى: "الأخ النار: إنك جميل فوق كل المخلوقات، فمن على في هذه الساعة، وانك لتعلم مقدار حبي العظيم الدائم لك"، وقال فيما بعد أنه لم يحس قط بألم. واسترد من قوة البصر ما يكفيه لأن يبدأ رحلة أخرى يعظ فيها الناس، ولكن متاعب السفر لم تلبث أن أنهكت قواه، وأقعده داء الملاريا ومرض الاستسقاء، فعادوا به إلى أسيسي.

واضطر رغم احتجاجه إلى، الرقاد في قصر الأسقفية، وسأل الطبيب أن يصدقه الخبر، فقيل له: انه لا يكاد يبقى حيا بعد الخريف، وأدهش جميع الحاضرين إذ بدأ يغني، ثم أضاف، على حد قولهم، مقطوعة أخرى إلى تسبيحة الشمس:
تسبح بحمدك يا رب يا من مننت علينا بأختنا ميْتَة الجسد التي لا ينجو منها بشر.

فوا أسفي على من يموتون وهم آثمون

وطوبى لمن هم طوع إرادتك المقدسة،

لأن الميتة الثانية لن ينالهم منها أذى.

ويقال؛ انه ندم في تلك الأيام الأخير على زهده لأنه "أساء به إلى أخيه الجسم"(64). ولما خرج الأسقف من عنده أقنع فرانسس الرهبان - أن ينقلوه إلى بورتي أنكولا، وفيها أملى وصيته، وهي وصية تجمع بين التواضع والقوة، فقد أمر أتباعه أن يقنعوا "بالكنائس الفقيرة المهجورة"، وإلا يقيموا في بيوت لا تتفق مع الأيمان التي أقسموها بأن يظلوا فقراء، وأن يسلموا للأسقف كل ضال أو ناكث للعهد من رهبان الطائفة وألا يغيروا قط مبادئهم(65).
وأدركته في اليوم الثالث من اشهر أكتوبر من عام 1226 ولم يتجاوز الخامسة والأربعين من عمره، وكان في اللحظة الأخيرة ينشد أحد المزامير. وبعد سنتين من وفاته سمته الكنيسة قديسا. وكان زعيمان آخران يسيطران على هذا العصر القوي الحركة هما إنوسنت الثالث وفردريك الثاني. فأما إنوسنت فقد رفع مقام الكنيسة إلى أعلى ذروة مجدها، ومن هذه الذروة هوت بعد عقد واحد. ولسنا ننكر أن فرانسس قد بالغ في فضائل الفقر والجهل،




ولكنه بعث القوة في الدين المسيحي بأن أعاد إليه روح المسيح. وأولو العلم وحدهم هم الذين يعرفون اليوم البابا والإمبراطور، أما القديس الساذج فيتغلغل حبه في قلوب الملايين من بني الإنسان.
وبلغ عدد أعضاء الطائفة التي أنشأها خمسة آلاف عضو عند وفاته وانتشرت في بلاد المجر، وألمانيا، وإنجلترا، وفرنسا، وأسبانيا. وكانت هي الدعامة التي تعتمد عليها الكنيسة في عودة شمالي إيطاليا من الضلالة إلى الكثلكة. ولم تقبل إنجيل الفقر والأمية الذي كانت تنادي به إلا أقلية صغيرة، لأن أوربا أصرت على التخبط في نية الثروة، والعلم، والفلسفة، والشك المثير للنفوس. وفي هذه الأثناء (1230) تحلل رهبان الطائفة مرة أخرى من القواعد أن يبقوا زمناً طويلا، وأن يبقوا بالعدد المطلوب، محتفظين بذلك المستوى العالي من الزهد الذي لا يكاد يقبله عاقل، والذي عجل منية فرانسس. فلما خفت وطأة قواعد الطائفة بعض الشيء زاد عدد الإخوان الصغار حتى بلغ قبل عام 1280 نحو مائتي ألف راهب يقيمون في ثمانية آلاف دير، وحتى أصبحوا من كبار الواعظين، وحتى حملوا رجال الدين بما ضربوه لهم من الأمثلة على أن يقوموا بالوعظ والإرشاد، وكانت هذه العادة حتى ذلك الوقت مقصورة على الأساقفة دون غيرهم. وخرج من بينهم قديسون أمثال القديس برنردينو السينائي Bernardino of Siena والقديس أنطوني البدوائي Antony of Padua، كما قام من بينهم علماء مثل روجر بيكن، وفلاسفة مثل دن اسكوتس Dun Scotus ومعلمون مثل أسكندر الهاليس Alexander of Hales، وأضحى بعضهم عمالاً لمحاكم التحقيق، وارتقى بعضهم إلى كراسي الأساقفة، ورؤساء الأساقفة، والبابوية، وقام كثيرون منهم بمغامرات تبشيرية في بلاد أجنبية بعيدة. وتوالت عليهم الهبات من الأنقياء الصالحين، وتعلم بعض زعمائهم ، مثل الأخ إلياس،
حب الترف، وأقام لذكرى فرانسس تلك الباسلكا الرائعة التي لا تزال تتوج تل أسيسي وإن كان مؤسس الطائفة قد حرم إقامة الكنائس الكبرى. ولقد كانت رسوم سيمابيو Cimabue وجيتو Giotto في هذه الباسلكا أول نتاج ذلك الأثر العظيم الخالد الذي كان للقديس فرانسس ولتاريخه وقصصه في الفن الإيطالي.
واحتج كثيرون من أبناء الطائفة على التحلل من بعض قواعد فرانسس وآووا إلى صوامع أو أديرة صغيرة في جبال الأبنين يعيشون فيها زهاداً "روحيين" أو"متحمسين"، أما بقية الفرنسيسيين فقد آثروا لأديرة الرحبة. وكان الروحيون يقولون إن المسيح والحواريين لم يكن لهم متاع، ووافقهم على هذا القديس بونا فنتوراBonaventura ، وصدق البابا نقولاس الثالث على ذلك الرأي في عام 1279، غير أن البابا يوحنا الثاني والعشرين أعلن في عام 1323 أنه رأى خاطئ، ومن ذلك الحين عد الروحيون الذين أصروا على الدعوة إلى هذا المبدأ من الضالين، وقمعت حركتهم. وبعد مائة عام من وفاة فرانسس حرقت محاكم التحقيق اتباعه عند أعمدة التحريق.