هنا عشت و من هذا الطريق سلكت و لأنها الحياة رحلت

الأحد، 8 أبريل، 2012

الكتاب المدرسي.. هذا الكائن العجيب ! بقلم : أسامة أمين




يعرفه كل الناس، الأطفال في المدارس، والآباء والأمهات في البيوت، الصحفيون يتحدثون عنه وعن التعليم يومًا بعد يوم، والبرلمانات تتكلم عن مستقبل الأمة، والمحتوى الذي يرد في الكتاب المدرسي، مجلس الوزراء يعرف أهمية التعليم، ويضع السياسات، ويرسم الخطوط العامة لما ينبغي أن يتعلمه التلاميذ وما يتضمنه الكتاب المدرسي، علماء الدين يراجعون ما يرد في الكتاب المدرسي، ثم يمدحونه أو يقدحونه. وفي نهاية كل عام دراسي للأسف الشديد، يتحول الكتاب المدرسي إلى عبء، يلقيه الطلاب في كل مكان، ويكون عامل النظافة هو من ينشغل بالكتاب المدرسي، يجمع العلم المتناثر أوراقًا مبعثرة، وكتبًا ممزقة، تحولت إلى قمامة.
الكتاب المدرسي هنا وهناك
اعتدنا في بلادنا العربية على أن نستلم الكتب المدرسية في اليوم الأول للدراسة، نذهب مع مربي الصف إلى المستودع، ونقف صفًا طويلًا، ويحصل كل واحد على كتب كثيرة، كلها جديدة، رائحة الورق والحبر مازالت فيها، ولا يتخيل أحدنا أن يستلم كتابًا قديمًا، استعمله غيره من قبله، حتى ولو كان المنهاج لم يتغير، فقواعد اللغة العربية لا تتغير، والنصوص الواردة فيها صالحة لهذا العام ولأعوام كثيرة قبله وبعده، ولذلك يمكن استخدام نفس الكتاب لسنوات كثيرة، كما يفعل غيرنا في دول لا تعاني من ضعف الموارد ولا من كثرة عدد التلاميذ.
في كل عام تأتي ابنتي من مدرستها الألمانية، ومعها كتب العام الدراسي الجديد، لكن غالبية هذه الكتب يتراوح عمرها بين سنة إلى ثمان سنوات، وفي الصفحة الأولى، تجد ابنتي أسماء من استخدموا الكتاب قبلها، فتسجل اسمها تحتهم، لا تشعر بغضاضة ولا بضيق، لأنها مثل جميع زملائها وزميلاتها اعتادوا على ذلك، الكل يستلم الكتاب نظيفًا، ويعيده كما استلمه، وإلا طالبت المدرسة ولي أمره بدفع ثمن الكتاب، والذي يبلغ في المتوسط 25 - 30 يورو (حوالي 122-  146 ريالًا).
لكن إذا تخيلنا أن الكتاب سيستعمله الطلاب عشر سنوات متتالية، فإن الإحصائيات تشير إلى أن ذلك يعادل 2000 ساعة استعمال، من تقليب الصفحات، وفتحه وإغلاقه، ووقوعه أحيانًا، وحشره بين الكتب في الحقيبة، وجذبه بقوة من بينها، في حين يبلغ متوسط استعمال الرواية 20 ساعة فقط، الأمر الذي يعني ضرورة أن تكون للكتاب المدرسي مواصفات مختلفة عن غيره من الكتب.
مواصفات الكتاب
الكتاب المدرسي في ألمانيا يجب أن يكون قادرًا على البقاء مفتوحًا على الطاولة، دون أن يسنده الطالب بيده، أو يضطر لوضع كلتا يديه على الجانبين، حتى يظل مفتوحًا، لأن الطالب يحتاج يديه في الكتابة، الأمر الذي يقتضي أن يكون جمع أوراق الكتاب بطريقة الخياطة الجانبية، التي تضمن متانته، ويجب أن تكون الأوراق لا تشف الصورة المطبوعة على الصفحة الأخرى من الورقة، ويجب ألا تكون لامعة تعكس الضوء وتؤذي العين، ولا تكون سهلة التمزق، ولا تجرح اليد، وفوق كل ذلك يجب ألا يكون الكتاب ثقيلًا.
الكتاب المدرسي في ألمانيا ليس ملكًا للطالب، بل تملكه المدرسة، وتعيره للطلاب ثم تسترده، أو تحصل على تعويض عن ثمنه، لشراء نسخة بديلة، وإذا كان الكتاب ثقيلًا، توفِّر المدرسة نسخًا للطلاب يأخذونها معهم في البيت، ونسخًا أخرى للصف، يستلمها الطلاب أثناء الحصة فقط، ونظرًا لأن الغرف المدرسية توزع حسب المواد، وليس حسب الصفوف، فإن الطلاب هم من يغادر الغرفة، ويتركون الكتب لمن يدرس المادة في هذه الغرفة بعدهم، أي تكون هناك غرفة للغة الإنجليزية، بها صور ووسائل تعليمية وكتب دراسية تخص هذه المادة، وغرفة أخرى للتربية الدينية، ومعمل لمادة العلوم، وهكذا يتحرك الطلاب ويتنقلون، ويبقى الكتاب معززًا مكرمًا في داره، في غرفة مادته.
المنهاج الدراسي بين الخيال والواقع
كنت أتخيل دومًا أن الدولة تنتقي أفضل علمائها في جميع فروع العلم، ثم تقوم بتكليفهم بإعداد المناهج الدراسية، يلتقي كل عالم مع زملائه في التخصص، ينتقلون إلى صوامع بعيدة عن البشر، فوق جبل عال، أو في قاعات داخل مبان سرية، لا يزعجهم هاتف، ولا يدخل عليهم فضولي، لديهم كل المراجع التي يحتاجون إليها، وعندهم كتب هذه المادة من مختلف دول العالم المتقدم، يطالعونها بدقة ويتفحصون كل جزئية فيها، ويكتب كل واحد منهم ملاحظاته، ثم يبدؤون المناقشات حول ما يناسب طلاب بلادهم، وما يتفق مع دينهم وثقافتهم، وأي التمارين أفضل لهم، وأي الطرق تضمن الارتقاء بمستواهم العلمي، دون تكليفهم بما يفوق طاقتهم، وبما يقدر المعلمون على تدريسه لهم.
تخيلت أنهم يستمرون أسابيع وشهورًا في الاعتكاف لإنجاز هذه المهمة، ينسون خلال هذه الفترة العالم الخارجي، لا يفكرون في طعام أو شراب، لا يهتمون بالأخبار، ولا صحف ولا إذاعة ولا تلفزيون، لأنهم يعرفون عِظَم المسؤولية التي يجب عليهم القيام بها، تمر الليالي عليهم، وهم لا يعرفون للنوم طعمًا، حتى يصلوا إلى تصور واضح، وعندها فقط ينهارون من فرط التعب والسهر والتفكير، وينامون نومًا طويلا، ثم يستيقظون ليجدوا مأدبة كبيرة، ووزير التعليم يجلس بينهم، ويهنئهم على ما توصلوا إليه بعد كل هذا الجهد، ثم يعودون لمواصلة العمل، وتحويل هذا التصور إلى أبواب وفصول وموضوعات، ويبقى هذا الكتاب (سرًا من أسرار الدولة)، ثم ينتقل إلى المطبعة الحكومية، لتتحول هذه الأفكار إلى الكتب المدرسية التي يستلمها الطلاب في اليوم الأول من الدراسة.
الحقيقة أنني لا أعرف شيئًا عن كيفية إعداد المنهاج الدراسي في بلادنا العربية، لذلك أترك الخيال، لأنقل للقارئ الوضع في ألمانيا، كنموذج ربما يكون مختلفًا تمامًا عن عالمنا العربي، لأسباب كثيرة، من أهمها أن المسؤولية عن التعليم تقع ضمن صلاحيات الولايات، ولذلك هناك 16 ولاية، و16 نظام تعليم، وبالتالي 17 وزيرًا للتعليم، أحدهم وزير اتحادي، يتحدث باسم التعليم في ألمانيا كلها، لكنه لا يملك صلاحيات في أي من هذه الولايات، حتى المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، لا تستطيع التدخل في شؤون التعليم في بلادها.
مراحل إعداد الكتاب المدرسي
تضع حكومة كل ولاية، ممثلة في وزير التعليم المحلي، الخطوط العريضة للمنهاج الدراسي لكل مادة، وتعلنها على موقع وزارة التعليم في الإنترنت، فتطلع عليها دور النشر المتخصصة في طباعة الكتب المدرسية، وعددها 60 دار نشر كبرى، ليس بينها دار نشر حكومية واحدة، لأن وجود هذا العدد الضخم من دور النشر، يحقق التعددية والمنافسة، على عكس الحال حين تضمن دار النشر الحكومية الوحيدة فوزها بهذه المهمة.
يكون المطلوب من دار النشر أن تسعى لتحويل الخطوط العريضة -التي تعتبر إلزامية للجميع- من كلام نظري إلى دروس مطبوعة في الكتاب المدرسي، وتستغرق هذه العملية حسب ما تعلنه دور النشر، فترة تستمر أحيانًا ثلاث سنوات كاملة. الخطوة الأولى هي استعانة دار النشر بمؤلفين لهم خبرة في هذا الشأن، وغالبًا ما يكونون من المعلمين، من أصحاب التجارب التعليمية الطويلة، أو من علماء التربية بالتعاون مع علماء في المواد العلمية المختلفة، ويعمل المؤلفون في إطار فريق يضم أيضًا محررين، متخصصين في الصياغة اللغوية المناسبة لكل فئة عمرية، وفي حالة كتب المرحلة الابتدائية بصورة خاصة، يضم الفريق أيضًا منذ البداية بعض الرسامين، الذين يقدمون الرسومات والصور المناسبة للنصوص، بل ربما يبتكرون شخصية خرافية، تستمر مع التلاميذ الصغار طوال السنة، وفي كل الدروس في هذا الكتاب الدراسي.
بعد وضع التصور الأولي للكتاب، يرسل فريق التأليف، ما توصلوا إليه إلى معلمين في المدارس، للاطلاع عليه، وإبداء الرأي فيه، وتقديم الاقتراحات حول سبل تحسينه من وجهة نظر المعلمين، وبحث استيفاء الكتاب لمختلف المتطلبات التربوية والتعليمية، والأهداف الاستراتيجية للتعليم، والمنصوص عليها في تعليمات الوزارة، ودراسة إمكانية قيام المعلمين بتحقيق الأهداف المرجوة من خلال هذا الكتاب المدرسي المقترح.
في هذه المرحلة تحرص دار النشر على التأكد من التصميم المناسب للكتاب، إذ لابد من مراعاة سن الطالب في اختيار حجم الخط المستخدم في الطباعة، والصور التي تناسب العمر، ونسبة الصور إلى النصوص، وكيفية التعامل مع الألوان، بحيث يكون الكتاب أكثر تشويقًا، خاصة بالنسبة للتلاميذ الصغار.
تستمر عملية تبادل الرأي، وإجراء التعديلات مدة ستة إلى سبعة أشهر، وعندها يضع فريق إعداد الكتاب من المؤلفين والمحررين، التصور الدقيق للكتاب، كيفية توزيع عناصر الدرس، والتمارين المناسبة للتدريب على المادة العلمية، والصور الكفيلة بمساعدة الطالب على فهم الدرس، وتعديل النصوص بما يتلاءم مع واقع المدارس، من مراعاة التعددية الثقافية، وأن يجد ذلك انعكاسه في الصور أيضًا، مثل وجود طلاب من جنسيات وثقافات وأديان مختلفة.
بعد ذلك يجري التأكد من حقوق الطبع والنشر، والحصول على الموافقة من أصحاب هذه الحقوق، مثل النصوص المقتبسة من أعمال مؤلفين آخرين، والصور التي يرغب فريق الكتاب في استخدامها، وفي نفس الوقت تنتدب دار النشر مستشارين لتقييم العمل بصورة محايدة، ومقارنتها بغيرها من الكتب الصادرة من دور النشر الأخرى، التي تتنافس على الحصول على قبول المعلمين والطلاب.
بعد طباعة النسخ التجريبية من الكتاب، يقوم قسم التسويق في دار النشر بتوزيعها مجانًا على المدارس، للتعريف بها، واستشعار الرأي النهائي للمعلمين في هذا الكتاب، مع الاستعداد لإجراء أي تعديلات أو تصحيح لما ورد فيه، قبل تقديم نسخة منه لوزارة التعليم للحصول على الموافقة على الكتاب، وبالتالي إدراجه على موقع الوزارة باعتباره أحد الكتب التي تستوفي الشروط، والتي يمكن للمدارس أن تختار أحدها، دون تدخل من الوزارة في ذلك الشأن.
الحصول على تصريح الوزارة
تشترط الوزارة أن تكون النسخة المقدمة لها نهائية، وألا تجرى عليها أي تعديلات بعد الحصول على الموافقة، وأن تقدم دار النشر مع الطلب أي مواد تكميلية، مثل كتاب المعلم أو أي وسائل تعليمية، مثل الأقراص المدمجة وغيرها من التقنيات الحديثة.
وهناك نوعان من التصاريح، الأول عبارة عن تكليف الوزارة لخبيرين أو ثلاثة بدراسة الكتاب بالكامل، وإعداد تقرير عنه، وتتحمل دار النشر دفع تكاليف الخبراء، بشرط أن تكون الوزارة وسيطًا بينهم، أي تلتزم دار النشر بالدفع سواء كان التقرير إيجابيًا أو سلبيًا، وتقوم الوزارة باستلام المبلغ من دار النشر، ثم تقوم بتحويله للخبراء، بحيث لا تكون هنا علاقة أو مصلحة بين الخبراء وبين دار النشر.
أما النوع الثاني من التصاريح، فيكون عبارة عن شهادة من دار النشر، بضمان التزامها بكل الشروط والمعايير الواردة في صفحة وزارة التعليم، ولكن هذا التصريح يكون متضمنًا لحق الوزارة إلغاء هذا التصريح، إذا تبين عكس ما تعهدت به دار النشر، دون حصولها على أي تعويض، وتتحمل دار النشر عندئذ كافة الخسائر الناجمة عن ذلك.
وجدير بالذكر أن وزارة التعليم لا تقوم بإصدار التصاريح لكتب التربية الدينية إلا بعد حصول دار النشر على موافقة المؤسسة الدينية المعنية المعتمدة على الكتاب، وبناء على هذه الموافقة تصدر الوزارة لاحقًا التصريح، بعد تحصيل الرسوم المستحقة.
ولابد من التأكيد على أن الحصول على التصريح من الوزارة لا يضمن لدار النشر بيع أي كتاب، إذ لا تتعهد الوزارة بشراء المدارس لهذا الكتاب، وعلى دار النشر أن تتحمل المخاطرة وحدها، وأن تحدد عدد النسخ التي تعتقد أنها ستقدر على تسويقها، وهي عملية حسابية معقدة، تراعي فيها أعداد الطلاب، والمدارس المتوفرة في كل منطقة، والخبرات السابقة لدار النشر مع كل مدرسة، والسعر الذي ستحدده ثمنًا للكتاب، علمًا أن القوانين الألمانية تمنع بيع أي كتاب بأسعار متفاوتة، وتحظر تقديم تخفيضات على الكتب، وتسعى من وراء ذلك إلى وقف المضاربة على الكتب، والإبقاء على سعر مرتفع، يكفل حصول دار النشر على الأموال الكافية، للحفاظ على الجودة العالية، علمًا بأن نسبة الربح لا تزيد عن ثمانية في المائة، وتحصل الدولة على ضريبة مبيعات بنسبة 7 في المائة.
وإذا علمنا أن مجموع المناهج المقررة في كل الولايات الألمانية يبلغ حوالي 2000 منهاج في مختلف المواد ولكافة المراحل المختلفة، فإننا نتفهم سعي دار النشر لتوفير النفقات، من خلال عمل كتاب دراسي يصلح للتدريس في أكثر من ولاية، إذا كانت الاختلافات بينهما ضئيلة، ويمكن التنبيه إليها في الكتاب.
لعل كل هذه التفاصيل كافية لتوضيح سبب الحرص على أن يستمر التدريس من الكتاب لمدة تصل إلى عشر سنوات، طالما أن المادة الدراسية لا تتعرض للتغيير المستمر، فإذا حدث مثلا تبدل في الأوضاع في العالم، أو حدثت اكتشافات أدت إلى تغيير المفاهيم العلمية في قضية ما، فإن دار النشر تقوم بإصدار طبعة جديدة معدّلة، تحصل على موافقة عليها من جديد، قبل عرضها على المدارس.
المنهاج الدراسي والمعلم
إن سعي المسؤولين للنهوض بالتعليم، من خلال توفير مناهج دراسية طموحة، وكتب مدرسية تستوفي أفضل المعايير العالمية، لا يعني بالضرورة أن تصل النتائج الإيجابية إلى الطلاب، لأن هناك عنصرا هاما للغاية، هو مدى التزام المعلم بهذا المنهاج الجديد المتطور.
والحديث هنا لا يقتصر على دولة بعينها، بل يبدو أنها ظاهرة عالمية، وهي وجود قناعة عند بعض المعلمين بأن المنهاج الدراسي ليس ملزما لهم، وأن لديهم من الخبرة والكفاءة ما يجعلهم قادرين على الاستغناء عن الكتاب المدرسي بالكامل، وهناك معلمون آخرون يرون أن الطلاب هم المعيار، فيقدمون لهم من المادة التعليمية على قدر طاقتهم، ويشددون على أن القضية بالكيف وليست بالكم، وأن تعلم نصف المنهاج الدراسي بصورة جيدة، أفضل من الانتهاء من الكتاب المدرسي بأكمله دون استيعابه.
ربما يتفهم البعض هذا الرأي، خاصة إذا نظرنا للأمر من خلال المهام الكثيرة الملقاة على عاتق المعلم، من إعداد الاختبارات، وتصحيح الواجبات، والمناوبة في الاستراحة، ومتابعة الأنشطة المختلفة للطلاب، والاجتماعات داخل القسم، ومع الإدارة، ومع المسؤولين الزائرين، وحضور الدورات التدريبية، كل ذلك يجعل بعض المعلمين لا يطيق تحضير الدروس، ولا يجد الوقت لقراءة الكتاب المدرسي بدقة، والتعرف على ما فيه من جهد وإبداع.
بين المعلم والطالب
ربما كان من الطريف استعراض ما ورد في مقال صدر بعنوان (القصور في تطبيق المناهج الدراسية في الواقع المدرسي)، تساءل فيه معلم عن كيفية رد فعل زملائه المعلمين على الطالب الذي لا يؤدي واجباته المدرسية يوما بعد يومًا، ويقدم الأعذار التالية:
-«أنا أرفض كتابة الواجبات، لأنني أعتبر أنها وسيلة غير مقبولة للرقابة على عملي».
-«أنا لا أكتب الواجبات، لأن لدي من الكفاءة، ما يجعل هذه الواجبات غير مبررة».
-«أنا أكتب من الواجبات ما أقتنع بجدواه، وما أرى أنه ضروري لهذه المادة».
-«أنا أكتب من الواجبات، ما يتسع له وقتي، لأن عندي الكثير من المشاغل الأخرى».
-أنا أكتب من الواجبات أقل مما هو مفروض عليّ، لأن المطلوب من الطالب مبالغ فيه».
ويعلق الكاتب بقوله إن المعلم لن يقبل في الغالب بهذه الحجج، وربما يغضب ويقرر معاقبة الطالب، معتبرًا أنه أهمل في عمل الواجب المطلوب منه، مع أن المعلم نفسه ربما يستخدم نفس الحجج في تبرير عدم التزامه بالكتاب المدرسي، وتنفيذ البرنامج التعليمي المكلف به، ويتناسى أنه لا يجوز أن نطالب الآخرين، بما لا نلتزم به.
المنهاج الدراسي كمعيار
المسألة ليست تقليلا من شأن المعلم، أو إعطاءه (خطة طريق) يسير عليها، ولا يجوز أن يحيد عنها، لأنه عاجز عن وضع خطة بنفسه، بل القضية أن الأمر يتعلق بالطلاب، وبجيل بأكمله، وضرورة وضع الآلية التي تضمن حصول كل الطلاب على نفس الكم من المعلومات، بحيث إذا تغير المعلم أو انتقل طالب إلى مدينة أخرى، يستطيع المعلم الجديد أن يبني على ما أنجزه زميله من قبله، وأن يكون جميع الطلاب الحاصلين على شهادة، قادرين على الانتقال إلى مرحلة أعلى، وهم يملكون أسسًا مشتركة متساوية تقريبًا.
ليس المطلوب من المعلم أن يعتبر الكتاب المدرسي نصًا مقدسًا، بل لابد أن يظل هناك مجالًا كافيًا للإبداع، لكنه إبداع في نقل المعلومة أو التوسع فيها أو توضيحها بالأمثلة الإضافية، أو حث الطلاب على الاطلاع على مراجع أخرى، وعمل أبحاث عنها، لكن في المقابل لا يُقبل أن يبتكر منهاجًا دراسيًا مستقلًا، يعتقد بأنه أكثر أهمية وأجدى لطلابه من المنهاج الدراسي.
هناك دول تراقب عمل المعلم من خلال زيارات رئيس القسم في المدرسة، والمدير، والموجَّه، والمتابعة المستمرة لدفتر التحضير، ومراجعة أسئلة الاختبارات، وهناك دول أخرى مثل هولندا، لا توجد بها مناهج دراسية مشتركة من الأصل، ولا تقوم بأي رقابة على المعلم، بل تفرض اختبارات مركزية على مستوى الدولة، بحيث تضمن وجود معايير موضوعية، تسري على الطلاب في جميع المدارس، وبذلك يمكن الحكم على عمل المعلم والمدرسة من خلال نتائج الطلاب.
لعل الأفضل هو الالتزام بمبدأ (خير الأمور الوسط) في التعامل مع الأمر، فلا يجوز فرض القيود على المعلم، ولكن في الوقت ذاته لا بأس من وجود آليات لمتابعة التزامه بالمنهاج الدراسي، وقبل ذلك بإقناعه بجدوى الالتزام بهذا المنهاج، وبتعريفه بالجهد المبذول في الكتاب المدرسي، لصالح العملية التعليمية بأكملها.
المنهاج الدراسي ليس رفاهية، لا ضرورة لوجودها، بل هو المعيار الذي يستطيع المعلم أن يقيس عليه ما استطاع تنفيذه، وما لم يقدر عليه، ويبحث عن الأسباب، بل ربما أبلغ زميله من بعده بما درسه الطلاب معه فعليًا، وليس ما كان ينبغي عليهم أن يدرسوه.