هنا عشت و من هذا الطريق سلكت و لأنها الحياة رحلت

السبت، 25 يونيو، 2011

المدونة الكبرى المؤلف : مالك بن أنس : كتاب الجنائز

كتاب الجنائز
ما جاء في القراءة على الجنائز
قلت لعبد الرحمن بن القاسم: أي شيء يقال على الميت في قول مالك؟ قال: الدعاء للميت. قلت: فهل يقرأ على الجنازة في قول مالك؟ قال: لا. قلت: فهل وقت لكم مالك ثناء على النبي وعلى المؤمنين؟ فقال: ما علمت أنه قال إلا الدعاء للميت فقط. قال ابن وهب عن داود بن قيس أن زيد بن أسلم حدثه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في الصلاة على الميت: "أخلصوه بالدعاء1", قال ابن وهب عن رجال من أهل العلم عن عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وعبد الله بن عمر وفضالة بن عبيد وأبي هريرة وجابر بن عبد الله وواثلة بن الأسقع والقاسم بن محمد وسالم بن عبد الله وابن المسيب وربيعة وعطاء بن أبي رباح ويحيى بن سعيد: أنهم لم يكونوا يقرءون في الصلاة على الميت. قال ابن وهب وقال مالك: ليس ذلك بمعمول به ببلدنا إنما هو الدعاء، أدركت أهل بلدنا على ذلك. قال ابن وهب عن الليث بن سعد عن إسماعيل بن رافع المدني، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول إذا صلى على الميت: "اللهم إنه عبدك وابن عبدك وابن أمتك أنت هديته للإسلام وأنت قبضت روحه وأنت أعلم بسره وعلانيته جئنا لنشفع له فشفعنا فيه، اللهم إني أستجير بحبل جوارك له إنك ذو وفاء ذمة وقه من فتنة القبر وعذاب جهنم". قال ابن وهب عن عمرو بن الحارث عن أبي حمزة بن سليم عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير عن أبيه عن عوف بن مالك الأشجعي قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "اللهم اغفر له وارحمه واعف عنه وعافه وأكرم نزله ووسع مدخله واغسله بماء وثلج وبرد ونقه من الخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، وأبدله دارا
ـــــــ
1 رواه أبو داود في كتاب الجنائز باب 56. بلفظ "فأخلصوا له الدعاء".
خيرا من داره، وأهلا خيرا من أهله وزوجا خيرا من زوجه، وقه من فتنة القبر وعذاب النار1" . قال عوف فتمنيت أن لو كنت أنا الميت لدعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال ابن وهب عن مالك عن سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبيه أنه سأل أبا هريرة كيف تصلي على الجنازة؟ فقال: أنا لعمر الله أخبرك، اتبعها من أهلها فإذا وضعت كبرت وحمدت الله وصليت على نبيه ثم أقول: اللهم إنه عبدك وابن عبدك وابن أمتك، كان يشهد أن لا إله إلا أنت وأن محمدا عبدك ورسولك وأنت أعلم به، اللهم إن كان محسنا فزد في إحسانه وإن كان مسيئا فتجاوز عن سيئاته، اللهم لا تحرمنا أجره ولا تفتنا بعده2. قال مالك: هذا أحسن ما سمعت في الدعاء على الجنازة وليس فيه حد معلوم. قال سحنون عن أنس بن عياض عن إسماعيل بن رافع المدني عن رجل قال: سمعت إبراهيم النخعي يقول، كان ابن مسعود يقول إذا أتى بالجنازة استقبل الناس فقال: أيها الناس إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "كل مائة أمة ولن تجتمع مائة لميت فيجتهدون له بالدعاء إلا وهب الله ذنوبه لهم وإنكم جئتم شفعاء لأخيكم فاجتهدوا له بالدعاء" ، ثم استقبل القبلة فإن كان رجلا قام عند وسطه، وإن كانت امرأة قام عند منكبيها ثم قال: اللهم إنه عبدك وابن عبدك أنت خلقته وأنت هديته للإسلام، وأنت قبضت روحه وأنت أعلم بسره وعلانيته جئنا شفعاء له، اللهم إنا نستجير بحبل جوارك له إنك ذو وفاء وذمة، اللهم أعذه من فتنة القبر وعذاب جهنم، "اللهم إن كان محسنا فزد في إحسانه وإن كان مسيئا فتجاوز عن سيئاته، اللهم نور له في قبره وألحقه بنبيه"، قال: يقول هذا كلما كبر، وإذا كانت التكبيرة الآخرة قال مثل ذلك ثم يقول: "اللهم صل على محمد وعلى آل محمد وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما صليت وباركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، اللهم صل على أسلافنا وأفراطنا، اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات، والمؤمنين والمؤمنات، الأحياء منهم والأموات، ثم ينصرف". قال إسماعيل قال إبراهيم: كان ابن مسعود يعلم الناس هذا في الجنائز وفي المجالس، قال: وقيل له: أكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقف على القبر إذا فرغ منه؟ قال: نعم، كان إذا فرغ منه وقف عليه ثم قال: "اللهم نزل بك صاحبنا وخلف الدنيا وراء ظهره ونعم النزول به أنت، اللهم ثبت عند المسألة منطقه، ولا تبتله في قبره بما لا طاقة له به، اللهم نور له في قبره وألحقه بنبيه".
ـــــــ
1 رواه مسلم في كتاب الجنائز حدي 86,85. الترمذي في كتاب الجنائز باب 38. النسائي في كتاب الجنائز باب 49. متاب الجنائز باب 77. ابن ماجة في كتاب الجنائز باب 23. أحمد في مسنده "6/28,23".
2 رواه مالك في الموطأ في كتاب الجنائز حديث 17.

رفع الأيدي في التكبير على الجنائز
قال: وقال مالك بن أنس: لا ترفع الأيدي في الصلاة على الجنائز إلا في أول
تكبيرة. قال ابن القاسم: وحضرته غير مرة يصلي على الجنائز فما رأيته يرفع يديه إلا في أول تكبيرة. قال ابن القاسم: وكان مالك يرى رفع الأيدي في الصلاة على الجنازة إلا في أول مرة. قال ابن وهب وأن عبد الله بن الخطاب والقاسم بن محمد وعمر بن عبد العزيز وعروة بن الزبير وعطاء بن أبي رباح وموسى بن نعيم وابن شهاب وربيعة ويحيى بن سعيد، كانوا إذا كبروا على الجنازة رفعوا أيديهم في كل تكبيرة. قال ابن وهب وقال لي مالك: إنه ليعجبني أن يرفع يديه في التكبيرات الأربع.
في المشي أمام الجنازة وسبقها إلى المقبرة
...
No pages
ما جاء في حمل سرير الميت
قال ابن القاسم قلت لمالك: من أي جوانب السرير أحمل الميت، وبأي ذلك أبدأ؟ فقال: ليس في ذلك شيء مؤقت، احمل من حيث شئت إن شئت من قدام وإن شئت من وراء، وإن شئت احمل بعض الجوانب ودع بعضها، وإن شئت فاحمل وإن شئت فدع، ورأيته يرى أن الذي يذكر الناس فيه أن يبدأ باليمين بدعة. قال ابن وهب عن الحارث بن نبهان عن منصور عن عبيد بن نسطاس عن أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود عن ابن مسعود قال: احملوا الجنازة من جوانبها الأربع فإنها السنة، ثم إن شئت فتطوع وإن شئت فدع.
في الصلاة على الجنازة في المسجد
قال: وقال مالك: أكره أن توضع الجنازة في المسجد، فإن وضعت قرب المسجد للصلاة عليها فلا بأس أن يصلي من المسجد عليها بصلاة الإمام الذي يصلي عليها إذا ضاق خارج المسجد بأهله. قال: وقال مالك: ولا بأس بالجلوس عند القبر قبل أن توضع الجنازة عن أعناق الرجال، وقد فعل ذلك عروة بن الزبير.
الصلاة على قاتل نفسه
قال : وقال مالك: يصلى على قاتل نفسه ويصنع به ما يصنع بموتى المسلمين وإثمه على نفسه، قال: وسئل مالك عن امرأة خنقت نفسها؟ قال مالك: صلوا عليها وإثمها على نفسها. قال ابن وهب وقال: وقال مثل قول مالك عطاء بن أبي رباح. قال: علي بن زياد عن سفيان عن عبد الله بن عون عن إبراهيم النخعي قال: السنة أن يصلى على قاتل نفسه.
الصلاة على من يموت من الحدود والقود
قال: وقال مالك: كل من قتله الإمام على قصاص أو قتله في حد من الحدود، فإن الإمام لا يصلي عليه ولكن يغسل ويحنط ويكفن ويصلي عليه الناس غير الإمام. قلت: فما قول مالك فيمن ضربه السلطان الحد مائة جلدة فمات من ذلك؟ قال: لا أحفظ هذا عن مالك ولكن أرى أن يصلي عليه الإمام. قلت: لم؟ قال: لأن حده هو الجلد، ولم يكن القتل وإنما مات من مرض أصابه من وجع السياط فأرى أن يصلي عليه. قال: وقال مالك: يصلي على المرجوم أهله والناس، ولا يصلي عليه الإمام ; لأنه قال: من قتله الإمام على حد من الحدود فلا يصلي عليه الإمام وليصل عليه أهله. قلت: أليس معنى قول مالك يصلي عليه أهله أن تصلي الناس كلهم سوى الإمام؟ قال: نعم هو تفسيره عندي. قال مالك: وسمعت ربيعة يقول في الذي يقتل قودا أن الإمام لا يصلي عليه ويصلي عليه أهله وبه يأخذ مالك. قلت: أرأيت من قتل في قصاص أيغسل ويكفن ويصلى عليه في قول مالك؟ قال: نعم، إلا أن الإمام لا يصلي عليه. قال ابن وهب، وقال مثل قول مالك ابن شهاب وربيعة بن أبي عبد الرحمن.
في الصلاة على الأعمى والصغير
قلت: أرأيت الصغير إذا صار في سهمان رجل من المسلمين، أو اشتراه فمات
الصلاة على السقط ودفنه
وقال مالك: لا يصلى على الصبي ولا يرث ولا يورث، ولا يسمى ولا يغسل ولا يحنط حتى يستهل صارخا وهو بمنزلة من خرج ميتا. قال ابن القاسم: وسألت مالكا عن السقط أيدفن في الدار؟ فكره ذلك. مالك. قال حدثني ابن شهاب أن السنة أن لا

يصلى على المنفوس حتى يستهل صارخا حين يولد. قال ابن وهب قال يونس وقال ابن شهاب: لا يصلى على السقط ولا بأس أن يدفن مع أمه.
في الصلاة على ولد الزنا
قلت: هل يصنع بأولاد الزنا إذا ماتوا صغارا أو كبارا ما يصنع بأولاد الرشدة؟ قال: نعم. قلت: أهو قول مالك؟ قال: نعم. قال ابن وهب عن محمد بن عمر عن سفيان يرفع الحديث إلى النعمان بن أبي عياش قال: صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم على امرأة هلكت من نفاس ولدها، وعن ابن عمر مثله. قال ابن وهب عن رجال من أهل العلم عن ابن عباس وربيعة بن أبي عبد الرحمن مثله.
في الصلاة على الغلام المرتد
قلت: أرأيت الغلام إذا ارتد من قبل أن يبلغ الحلم، أتؤكل ذبيحته ويصلى عليه إن مات في قول مالك؟ قال: لا يصلى عليه ولا تؤكل ذبيحته.
الصلاة على بعض الجسد
قال: وقال مالك : لا يصلى على يد ولا رأس ولا على رجل ويصلى على البدن. قال ابن القاسم: ورأيت قوله أنه يصلى على البدن إذا كان الذي بقي أكثر البدن بعد أن يغسل. قلت: ما يقول مالك إذا اجتمع الرأس والرجلان بغير بدن؟ قال: لا أرى أن يصلى إلا على جل الجسد وهذا عندي قليل.
في اتباع الجنازة بالنار وفي تقليم أظفاره وحلق العانة
قال ابن القاسم قال مالك: أكره أن يتبع الميت بمجمرة أو تقلم أظفاره أو تحلق عانته، ولكن يترك على حاله، قال: وأرى ذلك بدعة ممن فعله. قال مالك عن سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبي هريرة: أنه نهى أن تتبع جنازة بنار تحمل معه بعد موته1. قال ابن وهب عن رجال من أهل العلم عن عائشة وعمرو بن العاص وسعيد بن المسيب وغيرهم مثله، وقالت عائشة: لا يكون آخر زاده أن يتبعوه بنار.
ـــــــ
1 رواه مالك في الموطأ في كتاب الجنائز حديث 13 ونصه: "...... أنه نهى أن يتبع يعد موته بنار".
في الذي يفوته بعض التكبير
قال: وسألت مالكا عن الرجل يأتي الجنازة وقد فاته الإمام ببعض التكبير أيكبر
في الجنازة توضع ثم يؤتى بأخرى بعدما يكبر على الأولى
قلت: أرأيت لو أتي بجنائز فوضع بعضها وقدم بعضها ليصلى عليها، ثم قدم بعد ذلك ما وضع؟ قال: لا ينبغي ذلك وليس بحسن. قلت: فلو صلى على جنازة فلما فرغ من الصلاة عليها أتي بجنازة أخرى فنحيت الجنازة الأولى فوضعت، ثم صلى الناس على هذه التي جاءوا بها؟ قال: هذا خفيف وأرجو أن لا يكون بها بأس. قال: قال مالك في الجنازة إذا صلى عليها فإذا كبروا بعض التكبير أتي بجنازة أخرى فوضعت؟ قال: يستكملون التكبير على الأولى ثم يبتدئون التكبير على الثانية، ولا يدخلون الجنازة الثانية في صلاة الجنازة الأولى. قال: وقال مالك في الصلاة على الجنازة إذا صلوا عليها ثم جاء قوم بعدما صلوا عليها؟ قال: لا تعاد الصلاة ولا يصلي عليها بعد ذلك أحد، قال فقلنا لمالك: والحديث الذي جاء أن النبي عليه السلام صلى عليها وهي في قبرها؟ قال قال مالك: قد جاء هذا الحديث وليس عليه العمل.
جناز الرجال والنساء
قال مالك: إذا اجتمعت جنائز الرجال والنساء، جعل الرجل مما يلي الإمام والنساء مما يلي القبلة. قال فقلت له: فإن كانوا رجالا كلهم؟ فقال: في أول ما لقيته يجعلون واحدا خلف واحد يبدأ بأهل السن والفضل، فيجعلون مما يلي الإمام، ثم سمعته بعد ذلك يقول: أرى ذلك واسعا إن جعل بعضهم خلف بعض أو جعلوا صفا واحدا، ويقوم الإمام وسط ذلك ويصلي عليهم وإن كانوا غلمانا ذكورا ونساء جعل الغلمان مما يلي الإمام والنساء من خلفهم مما يلي القبلة، وإن كن نساء صنع بهن كما يصنع بالرجال، كل ذلك واسع بعضهم خلف بعض أو صفا واحدا. قال مالك: بلغني أن
في الصلاة على قتلى الخوارج والقدرية والإباضية
قلت: أرأيت قتلى الخوارج أيصلى عليهم أم لا؟ فقال، قال مالك: في القدرية والإباضية لا يصلى على موتاهم ولا يتبع جنائزهم ولا تعاد مرضاهم، فإذا قتلوا فذلك أحرى عندي أن لا يصلى عليهم.
في الشهيد وكفنه ودفنه والصلاة عليه
قال: وقال مالك: من مات في المعركة فلا يغسل ولا يكفن ولا يصلى عليه، ويدفن بثيابه قال: ورأيته يستحب أن يترك عليه خفاه وقلنسوته، قال: ومن عاش فأكل أو شرب أو عاش حياة بينة ليس كحال من به رمق وهو في غمرة الموت، فإنه يغسل ويكفن ويصلى عليه ويكون بمنزلة الرجل تصيبه الجراح فيعيش أياما ويقضي حوائجه ويشتري ويبيع ثم يموت فهو وذلك سواء. قال وقال مالك: ما علمت أنه يزاد في كفن الشهيد أكثر مما عليه شيئا. قال وقال مالك: لا ينزع من الشهيد الفرو، وقال وما علمت أنه ينزع مما عليه شيء. قال ابن القاسم: تفسير قول مالك أنه لا يدفن معه السلاح لا سيفه ولا رمحه ولا درعه، ولا شيء من السلاح وإن كان للدرع لابسا. قلت: فهل يحنط الشهيد في قول مالك؟ قال: قول مالك من لا يغسل لا يحنط ألا تسمع الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم: "زملوهم بثيابهم1 ". قلت: أرأيت من قتله العدو بحجر أو بعصا أو خنقوه خنقا حتى مات، أيصنع به ما يصنع بالشهيد من ترك الغسل وغيره؟ قال من قول مالك: أنه من قتل في المعركة فهو شهيد وقد تقتل الناس بالألوان من القتل، فكلهم شهيد فكل من قتله العدو أي قتلة كانت صبرا أو غيره في معركة أو غير معركة فأراه مثل الشهيد في المعركة.
ـــــــ
1 رواه النسائي في كتاب الجنائز باب 82. أحمد في مسنده "5/31""بلفظ: "زملوهم بدمائهم".
شهيد اللصوص
قال وقال مالك: ومن قتل مظلوما أو قتله اللصوص في المعركة فليس بمنزلة الشهيد، يغسل ويكفن ويحنط ويصلى عليه، وكذلك كل مقتول أو غريق أو مهدوم عليه إلا الشهيد وحده في سبيل الله فإنه يصنع بهذا وحده ما يصنع بالشهداء، لا يغسلون ولا يكفنون إلا بثيابهم ولا يحنطون ولا يصلى عليهم ولكن يدفنون. قلت: ويصنع بقبورهم ما يصنع بقبور الموتى من الحفر واللحد؟ قال: نعم. قلت: وهو قول مالك؟ قال: نعم، وهو رأيي. قال ابن القاسم: وهذه قبور الشهداء بالمدينة قد حفر لهم ودفنوا. قلت: أرأيت إن بغى قوم من أهل الإسلام على أهل قرية من المسلمين فأرادوا حريمهم فدافعوهم أهل القرية عن أنفسهم فقتل أهل القرية، أترى في قول مالك أن يصنع بهم ما يصنع بالشهيد؟ قال: لا أحفظ عن مالك فيه شيئا، ولا أراهم بمنزلة الشهيد وهم بمنزلة من قتله اللصوص.
في الصلاة على اللص القتيل
قلت: ما قول مالك في هؤلاء الذين كابروا إذا قتلوا، أيصلى عليهم أم لا؟ قال: نعم يصلى عليهم. قلت: أفيصلي عليهم الإمام؟ قال: لا. قلت وهو قول مالك؟ قال: لا، ولكنه رأيي ; لأنه إذا كان حقا على الإمام إذا أتي بهم إليهم قتلهم أو جاهدهم حتى ينبغي له أن يبعث من يقتلهم حين خربوا الطريق وقطعوا السبيل وقتلوا، فمن قتلهم من الناس فلا أرى للوالي أن يصلي عليهم ; لأنهم قتلوهم على حد من الحدود فرضه الله في كتابه، وليصل عليهم أولياؤهم. قال سحنون وقد ثبتنا آثار هذا في رجم المرجوم.

في غسل الميت
قال: وقال مالك: ليس في غسل الميت حد يغسلون وينقون. وقال مالك: ويجعل على عورة الميت خرقة إذا أرادوا غسله ويفضي بيده إلى فرجه الذي يغسله إن احتاج إلى ذلك، ويجعل على يده خرقة إذا أفضى بها إلى فرجه وإن احتاج إلى ترك الخرقة ومباشرة الفرج بيده كان ذلك واسعا. قلت: هل يوضأ الميت وضوء الصلاة في قول مالك إذا أرادوا غسله؟ قال: لم يحد لنا مالك في ذلك حدا، وإن وضئ فحسن وإن غسل فحسن. قلت: هل تحفظ من مالك أنه يغسل رأس الميت بالكافور؟ وقال: لا إلا ما جاء في الحديث. قال ابن القاسم قال مالك: يعصر بطن الميت عصرا خفيفا. قال ابن وهب عن يحيى بن أيوب عن يحيى بن سعيد قال: إذا غسل الميت فطهر فذلك له غسل وطهور، قال: والناس يغسلون الميت ثلاث مرات كل ذلك يجزئ عند الغسلة الواحدة، وما فوق ذلك مما تيسر من غسل فهو يكفي ويجزئ. قال مالك: وأحب إلي أن يغسل ثلاثا كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ثلاثا وخمسا بماء وسدر، ويجعل في الآخرة كافورا إن تيسر ذلك1". هذه رواية ابن وهب.
ـــــــ
1 رواه مالك في الموطأ في كتاب الجنائز حديث 2: عن مالك عن أيوب بن أبي تميمة السختياني عن ممد بن سيرين عن أم عطية الأنصاري قالت: دخل علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم حين توفيت ابنيه فقال: اغسلنها ثلاثا أو خمسا أو أكثر من ذلك إن رأيتن ذلك بماء وسدر, واجعلن في الآخرة كافورا أو شيئا من كافور, فإذا فرغتن فآذنني. قالت: فلما فرغنا آذناه فأعطانا حقوه فقال: "أشعرنها إياه " تعني بحقوه إزاره. ورواه البخاري في كتاب الجنائز باب 7. ومسلم في كتاب الجنائز باب 36.

غسل الرجل امرأته والمرأة زوجها
قال: وسألته عن الرجل يغسل امرأته في الحضر وعنده نساء يغسلنها؟ فقال: نعم. قلت: والمرأة تغسل زوجها وعندها رجال؟ فقال: نعم، فقلت له: أيستر كل واحد منهما عورة صاحبه؟ قال: نعم، وليفعل كل واحد منهما بصاحبه كما يفعل بالموتى يستر عليهم عورتهم. قال ابن القاسم: لو مات الرجل عن امرأته وهي حامل، فوضعت قبل أن يغسل؟ لم يكن بأس أن تغسله وإن كانت عدتها قد انقضت وليس يعتبر في هذا العدة ولا يلتفت إليها، ولو كان ذلك إنما هو للعدة ما غسل الرجل امرأته ; لأنه ليس في عدة منها. قال ابن القاسم: وأم الولد عندي بمنزلة الحرة تغسل سيدها ويغسلها سيدها. قلت: أرأيت الرجل إذا طلق امرأته بطلقة يملك الرجعة فمات أتغسله؟ قال: لا. وقال: ولقد سئل مالك عن المرأة يطلقها زوجها واحدة واثنتين وهو يملك رجعتها فتستأذن زوجها أن تبيت في أهلها ولم يراجعها؟ فقال: ليس إذنه بإذن وما له ولها لا قضاء له عليها حتى يراجعها فهذا مما يدل على الذي مات عنها وهي مطلقة واحدة أنها لا تغسله، وقد غسلت أسماء بنت عميس امرأة أبي بكر الصديق. قال ابن وهب، وذكر عبد الله بن يزيد عن رجل عن عبد الكريم عن أم عطية: أن أم عطية غسلت أبا عطية حين توفي. قال سحنون، وذكر ابن نافع: أن علي بن أبي طالب غسل فاطمة بنت النبي صلى الله عليه وسلم.
الرجل يموت في السفر وليس معه إلا نساء والمرأة كذلك
قال: وقال مالك في الرجل يموت في السفر وليس معه إلا نساء أمه أو أخته أو عمته أو خالته، وذات رحم محرم منه فإنهن يغسلنه ويسترنه، قال: وكذلك المرأة تموت في السفر مع الرجال ومعها ذو رحم محرم منها يغسلها من فوق الثوب، وهذا إذا لم يكن نساء وفي المسألة الأولى إذا لم يكن رجال. قال وقال مالك إذا مات الرجل مع النساء وليس معهن رجل ولا منهن ذات محرم منه تغسله، يممنه بالصعيد فيمسحن بوجهه ويديه إلى المرفقين يضربن بأكفهن الأرض ثم يمسحن بأكفهن على وجه الميت، ثم يضربن بأكفهن الأرض ثم يمسحن بأكفهن على يدي الميت إلى المرفقين، قال: وكذلك المرأة تموت مع الرجال إلا أن الرجال لا ييممون المرأة إلا على الكوعين فقط، ولا يبلغوا بها إلى المرفقين.
في غسل المرأة الصبي
وقال مالك : لا بأس أن تغسل المرأة الصبي إذا كان ابن سبع سنين وما أشبه.
في غسل الميت المجروح
قال: وسئل مالك عن الذي تصيبه القروح فيموت وقد غمرت القروح جسده، وهم يخافون غسله أن يتزلع. قال: يصب عليه الماء صبا على قدر طاقتهم. قلت: أليس قول مالك لا ييمم بالصعيد ميت إلا رجل مع نساء أو امرأة مع رجل؟ فأما مجروح أو أجرب أو مجدور أو غير ذلك ممن بهم الداء، فلا ييممون ويغسلون ويحنطون على قدر ما لا يتزلعون منه ولا يتفسخون؟ قال: نعم.
المسلم يغسل الكافر
قال ابن القاسم قال مالك : لا يغسل المسلم والده إذا مات الوالد كافرا، ولا يتبعه ولا يدخله قبره إلا أن يخشى أن يضيع فيواريه. قال ابن القاسم: وبلغني عن مالك أنه قال في كافر مات بين المسلمين وليس عندهم كفار، قال: يلفونه في شيء ويوارونه. قال ابن وهب قال الليث قال ربيعة: عليهم أن يواروه ولا يستقبلوا به القبلة ولا قبلتهم. وقال يحيى بن سعيد مثله.
في الحنوط على الميت
قال ابن القاسم: وسألت مالكا عن المسك والعنبر للميت؟ فقال: لا بأس بذلك، وقال ابن القاسم: يجعل الحنوط على جسد الميت فيما بين أكفان الميت ولا يجعل من فوقه. قال وقال مالك المحرم: لا بأس أن يحنط إذا كان الذي يحنطه غير محرم، ولا تحنطه امرأته بالطيب. وقال ابن وهب عن ابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب قال: إن السنة إذا حنط الميت يذر حنوطه على مواضع السجود منه السبعة. قال ابن وهب عن عطاء بن أبي رباح قال: أحب الحنوط إلي الكافور، ويجعل منه في مراقه وإبطيه ومراجع رجليه مع بطنه ورفغيه وما هنالك، وفي أنفه وفمه وعينيه وأذنيه ويجعل الكافور يابسا. وأن ابن عمر حنط سعيد بن زيد فقالوا: يأتوك بمسك؟ فقال: نعم، وأي شيء أطيب من المسك. وعن عطاء بن أبي رباح وسعيد بن المسيب مثله.
في ولاة الميت إذا اجتمعوا في الصلاة على الجنازة
قلت لابن القاسم: أيهم أولى بالصلاة الجد أم الأخ؟ قال: الأخ. قال ابن القاسم قال مالك: إنما ينظر في هذا إلى من هو أقعد بالميت فهو أولى بالصلاة عليه. قال: وقال مالك: العصبة أولى بالصلاة على الميتة من زوجها، وزوجها أولى بالدخول بها في قبرها من عصبتها. وقال مالك: الوالي والي المصر أو صاحب الشرط إذا كانت الصلاة إليه أولى بالصلاة على الميتة من وليها، والقاضي إذا كان هو يلي الصلاة. قلت: أرأيت صاحب الشرط إذا ولاه الوالي الشرط وهو مستخلف على الصلاة حين ولاه الشرط؟ قال: نعم هو عندي كذلك، وكذلك كل بلدة كان ذلك عندهم، وأن ابن عمر بن الخطاب وابن شهاب وربيعة وعطاء وبكير بن الأشج ويحيى بن سعيد: كانوا لا يرون لزوج المرأة إذا توفيت حقا أن يصلى عليها وثم أحد من أقاربها.
خروج النساء وصلاتهن على الجنائز
قلت: هل يصلين النساء على الجنائز في قول مالك؟ قال: نعم. قلت: هل كان مالك يوسع للنساء أن يخرجن مع الجنائز؟ قال: نعم، قال مالك: لا بأس أن تشيع المرأة جنازة ولدها ووالدها ومثل زوجها وأخيها وأختها، إذا كان ذلك مما يعرف أنه يخرج مثلها على مثله، قال فقلت: وإن كانت شابة؟ قال: نعم وإن كانت شابة، قال: فقلت له: فنكره لها أن تخرج على غير هؤلاء ممن لا ينكرها الخروج عليهم من قرابتها؟ قال:
في السلام على الجنازة
قال: وقال مالك في السلام على الجنائز: يسمع نفسه وكذلك من خلف الإمام يسمع نفسه وهو دون سلام الإمام تسليمة واحدة للإمام وغيره. وقال مالك في السلام على الجنازة: يسلم الإمام واحدة قدر ما يسمع من يليه، ويسلم من وراءه واحدة في أنفسهم وإن أسمعوا من يليهم لم أر بذلك بأسا. ابن وهب عن يونس بن يزيد عن ابن شهاب عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف عن رجال من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه يسلم تسليما خفيفا حين ينصرف، والسنة أن يفعل من وراءه مثل ما فعل أمامه. وقال القاسم بن محمد: سلم إذا فرغت من الصلاة رويدا، وقال يحيى بن سعيد خفيا سحنون عن علي عن سفيان عن إبراهيم عن مجاهد عن ابن عباس أنه كان يقول: يسلم تسليمة خفية، منصور عن إبراهيم مثل ذلك عن يمينه.
في تجصيص القبور
وقال مالك: أكره تجصيص القبور والبناء عليها وهذه الحجارة التي يبنى عليها. قال ابن وهب عن ابن لهيعة عن بكر بن سوادة قال: إن كانت القبور لتسوى بالأرض. قال ابن وهب عن ابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب عن أبي زمعة البلوي صاحب النبي عليه السلام: أنه أمر أن يصنع ذلك بقبره إذا مات، قال سحنون: فهذه آثار في تسويتها فكيف بمن يريد أن يبني عليها.
في إمام الجنازة يحدث
قلت: أرأيت رجلا صلى على جنازة فلما كبر بعض التكبير أحدث؟ قال: يأخذ بيد رجل فيقدمه فيكبر ما بقي على هذا الذي قدمه قلت: يجب عليه إن هو توضأ وقد بقي بعض التكبير من الصلاة على هذه الجنازة أن يرجع فيصلي؟ قال: إن شاء رجع فصلى ما أدرك، وقضى ما فاته وإن شاء ترك ذلك.
الصلاة على الجنائز بعد الصبح وبعد العصر
وقال مالك : لا بأس بالصلاة على الجنازة بعد العصر ما لم تصفر الشمس، فإذا