هنا عشت و من هذا الطريق سلكت و لأنها الحياة رحلت

الخميس، 21 أكتوبر، 2010

الأغاني المؤلف : أبي الفرج الأصفهاني :بشار


فقال بشار أشعر ومروان أكفر
قال أبو حاتم وسألت أبا زيد مرة أخرى عنهما فقال مروان أجد وبشار أهزل فحدثت الأصمعي بذلك فقال بشار يصلح للجد والهزل ومروان لا يصلح إلا لأحدهما
كان الناس يعجبون بشعره ويتناشدونه
نسخت من كتاب هارون بن علي بن يحيى قال حدثنا علي بن مهدي قال حدثنا نجم بن النطاح قال
عَهدي بالبصرة وليس فيها غَزِل ولا غَزِلَةٌ إلاّ يَرْوِي من شعر بشّار ولا نائحة ولا مغنية إلا تتكسب به ولا ذو شرف إلا وهو يهابه ويخاف معرة لسانه
أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا محمد بن القاسم بن مهرويه قال حدثني أحمد بن المبارك قال حدثني أبي قال
قلت لبشار ليس لأحد من شعراء العرب شعر إلا وقد قال فيه شيئا استنكرته العرب من ألفاظهم وشك فيه وإنه ليس في شعرك ما يشك فيه قال ومن أين يأتيني الخطأ ولدت هاهنا ونشأت في حجور ثمانين شيخا من فصحاء بني عقيل ما فيهم أحد يعرف كلمة من الخطأ وإن دخلت إلى نسائهم فنساؤهم أفصح منهم وأيفعت فأبديت إلى أن أدركت فمن أين يأتيني الخطأ
أخبرني حبيب بن نصر المهلبي وأحمد بن عبد العزيز ويحيى بن علي قالوا حدثنا عمر بن شبة قال
كان الأصمعي يقول إن بشارا خاتمة الشعراء والله لولا أن أيامه تأخرت لفضلته على كثير منهم
أخبرنا يحيى بن علي قال حدثني أبو الفضل المروزي قال حدثني قعنب بن المحرز الباهلي قال قال الأصمعي
لقي أبو عمرو بن العلاء بعض الرواة فقال له يا أبا عمرو من أبدع الناس بيتا قال الذي يقول
( لم يَطُلْ ليلى ولكن لم أنَمْ ... ونفَى عنِّي الكَرَى طيفٌ ألمّ )
( رَوِّحي عنّي قليلاً واعلَمي ... أنّني يا عَبْدَ من لحمٍ ودَمْ )
قال فمن أمدح الناس قال الذي يقول
( لَمَستُ بكفّي كفَّه أبتغِي الغِنَى ... ولم أدر أنّ الجود من كفّه يُعْدِي )
( فلا أنا منه ما أفاد ذوو الغنَى ... أفدتُ وأعداني فأَتلفت ما عندِي )
قال فمن أهجى الناس قال الذي يقول
( رأيت السُّهيْلَينَ استوَى الجودُ فيهما ... على بُعْد ذا من ذاك في حُكم حاكمِ )
( سُهَيل بن عثمانٍ يَجود بماله ... كما جاد بالوَجْعا سُهَيلُ بن سالمِ ) قال وهذه الأبيات كلها لبشار
نسبة ما في هذا الخبر من الأشعار التي يغنى فيها
صوت
( لم بَطُّلْ ليلى ولكن لم أنَمْ ... ونَفى عنِّي الكرى طيفٌ ألمّ )
( وإِذا قلتُ لها جُودِي لنا ... خرجتْ بالصَّمْت عن لا ونعَمْ )
( نَفِّسي يا عَبْدَ عنِّي واعلمي ... أنّني يا عبدَ من لحمٍ ودمْ )
( إنَّ في بُرْدَيَّ جسماً ناحِلاً ... لو توكّأتِ عليه لانهدَمْ )
( ختَم الحبُّ لها في عُنُقي ... موضِعَ الخاتَمِ من أهل الذِّممْ )
غناه إبراهيم هزجا بالسبابة في مجرى الوسطى عن ابن المكي والهشامي وفيه لقعنب الأسود خفيف ثقيل
فأما الأبيات التي ذكر أبو عمرو أنه فيها أمدح الناس وأولها
( لَمَسْتُ بكفِّي كفَّه أبتَغِي الغِنَى ... )
فإنه ذكر أنها لبشار وذكر الزبير بن بكار أنها لابن الخياط في المهدي وذكر له فيها معه خبرا طويلا قد ذكرته في أخبار ابن الخياط في هذا الكتاب
أخبرنا يحيى بن علي قال حدثنا علي بن مهدي الكسروي قال حدثنا أبو حاتم قال
كان بشار كثير الولوع بديسم العنزي وكان صديقا له وهو مع ذلك يكثر هجاءه وكان ديسم لا يزال يحفظ شيئا من شعر حماد وأبي هشام الباهلي في بشار فبلغه ذلك فقال فيه
 ( أَدَيْسَمُ يابنَ الذئبِ من نَجْلِ زَارعٍ ... أَتَرْوِي هَجِائي سَادِراً غيرَ مُقْصِرِ )
قال أبو حاتم فأنشدت أبا زيد هذا البيت وسأتله ما يقول فيه فقال لمن هذا الشعر فقلت لبشار يقوله في ديسم العنزي فقال قاتله الله ما أعلمه بكلام العرب ثم قال الديسم ولد الذئب من الكلبة ويقال للكلاب أولاد زارع والعسبار ولد الضبع من الذئب والسمع ولد الذئب من الضبع وتزعم العرب أن السمع لا يموت حتف أنفه وأنه أسرع من الريح وإنما هلاكه بعرض من أعراض الدنيا
خبره مع حمدان الخراط
أخبرنا حبيب بن نصر المهلبي قال حدثنا عمر بن شبة قال
كان بالبصرة رجل يقال له حمدان الخراط فاتخذ جاما لإنسان كان بشار عنده فسأله بشار أن يتخذ له جاما فيه صور طير تطير فاتخذه له وجاءه به فقال له ما في هذا الجام فقال صور طير تطير فقال له قد كان ينبغي أن تتخذ فوق هذه الطير طائرا من الجوارح كأنه يريد صيدها فإنه كان أحسن قال لم أعلم قال بلى قد علمت ولكن علمت أني أعمى لا أبصر شيئا وتهدده بالهجاء فقال له حمدان لا تفعل فإنك تندم قال أو تهددني أيضا قال نعم قال فأي شيء تستطيع أن تصنع بي إن هجوتك قال أصورك على باب داري بصورتك هذه وأجعل من خلفك قردا ينكحك حتى يراك الصادر والوارد قال بشار اللهم اخزه أنا أمازحه وهو يأبى إلا الجد
قول بشار في جرير بن المنذر السدوسي
أخبرنا يحيى بن علي بن يحيى والحسن بن علي ومحمد بن عمران الصيرفي قالوا حدثنا العنزي قال حدثني جعفر بن محمد العدوي عن محمد بن سلام قال حدثني مخلد أبو سفيان قال
كان جرير بن المنذر السدوسي يفاخر بشارا فقال فيه بشار
( أَمِثْلُ بَني مُضَرٍ وَائِلٌ ... فَقَدتُكَ من فاخرٍ ما أَجَنْ )
( أفِي النومِ هذا أبا مُنْذِرٍ ... فَخَيْرا رأيتَ وخيراً يَكُنْ )
( رأيتُكَ والفخرَ في مثلِهَا ... كعاجنةٍ غيرَ ما تَطَّحِنْ )
وقال يحيى في خبره فحدثني محمد بن القاسم قال حدثني عاصم بن وهب أبو شبل الشاعر البرجمي قال حدثني محمد بن الحجاج السراداني قال
كنا عند بشار وعنده رجل ينازعه في اليمانية والمضرية إذ أذن فقال له بشار رويدا تفهم هذا الكلام فلما قال أشهد أن محمدا رسول الله قال له بشار أهذا الذي نودي باسمه مع اسم الله عز و جل من مضر هو أم من صداء وعك وحمير فسكت الرجل
أخبرني هاشم بن محمد الخزاعي قال حدثنا الرياشي قال أنشد بشار قول الشاعر
( وقد جَعل الأعداءُ ينتقِصُوننا ... وتطمَعُ فينا ألسُنٌ وعيونُ )
 ( ألا إنما ليلى عَصَا خَيزُرَانةٍ ... إذا غمزُوها بالأكفّ تَلينُ )
فقال والله لو زعم أنها عصا مخ أو عصا زبد لقد كان جعلها جافية خشنة بعد أن جعلها عصا ألا قال كما قلت
( ودَعْجاءِ المَحَاجِر من مَعَدٍّ ... كأن حديثَها ثَمرُ الجِنَانِ )
( إذا قامت لِمشيتها تثنَّتْ ... كأن عظامَها من خَيْزُرَانِ )
أخبرني حبيب بن نصر المهلبي قال حدثنا عمر بن شبة قال أخبرني محمد بن صالح بن الحجاج قال
قلت لبشار إني أنشدت فلانا قولك
( إذا أنتَ لم تَشْرَبْ مِرَاراً على القَذَى ... ظَمِئْتَ وأيُّ الناسِ تَصفُو مَشَارِبُهْ )
فقال لي ما كنت أظنه إلا لرجل كبير فقال لي بشار ويلك أفلا قلت له هو والله لأكبر الجن والإنس
خبره مع امرأة وعدته أن تزوره ليلا وأخلفت
أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا محمد بن القاسم بن مهرويه قال حدثني أبو الشبل عن محمد بن الحجاج قال
كان بشار يهوى امرأة من أهل البصرة فراسلها يسألها زيارته فوعدته بذلك ثم أخلفته وجعل ينتظرها ليلته حتى أصبح فلما لم تأته أرسل إليها يعاتبها فاعتذرت بمرض أصابها فكتب إليها بهذه الأبيات
( يا لَيْلَتي تَزدادُ نُكْرا ... مِن حُبِّ مَنْ أحببتُ بِكْرا )
 ( حَوراءُ إن نظرت إليك ... َ سقتكَ بالعينينِ خَمرا )
( وكأن رَجْعَ حديثِها ... قِطَعُ الرياض كُسِين زَهْرَا )
( وكأن تحت لسانُها ... هاروتَ ينفُثُ فيه سِحْرَا )
( وتَخالُ ما جمعَتْ عليه ... ثيابَها ذهباً وعِطْرا )
( وكأنّها بَرْدُ الشراب ... صَفَا ووافق منْك فِطْرَا )
( جِنِّيَّةٌ إنسيَّةٌ ... أوَ بينَ ذاك أجلُّ أمرَا )
( وكفاك أنّي لم أحِطْ ... بشَكاةِ مَنْ أحببتُ خُبَرا )
( إلا مقالةَ زائرٍ ... نثَرَتْ لِيَ الأحزانَ نثرَا )
( مُتَخشِّعاً تحت الهَوى ... عشراً وتحت الموتِ عشرَا )
حدثني جحظة قال حدثني علي بن يحيى قال
كان إسحاق الموصلي لا يعتد ببشار ويقول هو كثير التخليط في شعره وأشعاره مختلفة لا يشبه بعضها بعضا أليس هو القائل
( إنما عَظْمُ سُلَيمَى حِبِّتي ... قَصَبُ السُّكَّرِ لا عَظْمُ الجَمَلْ )
( وإذا أدْنَيتَ منها بَصلاً ... غلبَ المِسكُ على ريح البَصلْ )
لو قال كل شيء جيد ثم أضيف إلى هذا لزيفه
قال وكان يقدم عليه مروان ويقول هذا هو أشد استواء شعر منه وكلامه ومذهبه أشبه بكلام العرب ومذاهبها وكان لا يعد أبا نواس البتة ولا يرى فيه خيرا
هجاؤه للمنصور
حدثنا محمد بن علي بن يحيى قال حدثنا محمد بن زكريا قال حدثنا محمد بن عبد الرحمن التيمي قال
دخل بشار إلى إبراهيم بن عبد الله بن حسن فأنشده قصيدة يهجو فيها المنصور ويشير عليه برأي يستعمله في أمره فلما قتل إبراهيم خاف بشار فقلب الكنية وأظهر أنه كان قالها في أبي مسلم وحذف منها أبياتا وأولها
( أبا جَعفرٍ ما طولُ عيشٍ بدائمِ ... ولا سالمٌ عمَّا قَليلٍ بسَالمِ )
قلب هذا البيت فقال أبا مسلم
( على المَلِك الجَبّار يَقتحِمُ الردى ... ويصرَعُه في المأزقِ المتلاحمِ )
( كأنك لم تَسمَعْ بقتل مُتوَّجٍ ... عظيم ولم تسمع بفَتكِ الأعاجمِ )
( تَقَسَّمَ كِسرَى رهطُه بسيوفهم ... وأمسى أبو العباسِ أحلامَ نائمِ )
يعني الوليد بن يزيد
( وقد كان لا يَخْشَى انقلابَ مكيدةٍ ... عليه ولا جَرْيَ النُّحُوسِ الأَشائمِ )
( مقيماً على اللّذاتِ حتى بَدتْ له ... وجوهُ المنايا حاسِرَاتِ العمائمِ )
 ( وقد تَرِدُ الأيامُ غُرّاً ورُبَّمَا ... وَرَدْنَ كُلُوحاً بادياتِ الشَّكائمِ )
( ومَرْوانُ قد دارتْ على رأسه الرحى ... وكان لِمَا أجرمْتَ نَزْرَ الجرائمِ )
( فأصبحتَ تجري سادراً في طريقهم ... ولا تَتَّقِي أشباهَ تلكَ النقائمِ )
( تجرَّدتَ للإِسلام تَعفُو سبيلَه ... وتُعْرِي مَطاهُ للُّيوثِ الضَّراغِم )
( فما زِلتَ حتى استنصرَ الدينُ أهلَه ... عليكَ فعاذُوا بالسَّيوفِ الصوارمِ )
( فَرُمْ وَزراً يُنْجِيكَ يابنَ سَلاَمةٍ ... فلستَ بِنَاجٍ من مَضِيم وضَائِم )
جعل موضع يابن سلامة يابن وشيكة وهي أم أبي مسلم
( لَحَا الله قوماً رأَسُوكَ عليهمُ ... وما زِلتَ مَرْؤوساً خبيثَ المطاعِم )
( أَقُولُ لِبَسَّامٍ عليه جَلاَلَةٌ ... غَدَا أَرْيحيَّا عاشِقاً للمكارم )
( من الفاطمّيينَ الدُّعاة إلى الهدَى ... جِهَاراً ومَنْ يَهْدِيكَ مثلُ ابنِ فاطمِ )
هذا البيت الذي خافه وحذفه بشار من الأبيات
( سِراجٌ لعين المستضِيءِ وتارة ... يكون ظَلاَماً للعدوِّ المزاحِمِ )
( إذا بلغَ الرأيُ المَشُورة فاستعِنْ ... برَاْيِ نَصِيح أو نَصِيحةِ حازمِ )
( ولا تعجَلِ الشُّورَى عليكَ غضَاضَةً ... فإِنّ الخَوافِي قُوّةٌ للقَوادِمِ )
( وما خيرُ كفٍّ أمسكَ الغُلُّ أختَها ... وما خيرُ سَيفٍ لم يُؤيَّدْ بقائمِ )
 ( وخَلِّ الهُوينَا للضَّعيف ولا تكُنْ ... نَؤُوماً فإِن الحَزْمَ ليس بنائمِ )
( وحَارِبْ إذا لم تُعطَ إلا ظُلاَمةً ... شَبَا الحربِ خيرٌ من قَبُول المظالمِ )
قال محمد بن يحيى فحدثني الفضل بن الحباب قال سمعت أبا عثمان المازني يقول سمعت أبا عبيدة يقول ميمية بشار هذه أحب إلي من ميميتي جرير والفرزدق
قال محمد وحدثني ابن الرياشي قال حدثني أبي قال
قال الأصمعي قلت لبشار يا أبا معاذ إن الناس يعجبون من أبياتك في المشورة فقال لي يا أبا سعيد إن المشاور بين صواب يفوز بثمرته أو خطأ يشارك في مكروهه فقلت له أنت والله في قولك هذا أشعر منك في شعرك
خبر بشار مع رجل في دار المهدي
حدثني الحسن بن علي قال حدثنا الفضل بن محمد اليزيدي عن إسحاق وحدثني به محمد بن مزيد بن أبي الأزهر عن حماد عن أبيه قال
كان بشار جالسا في دار المهدي والناس ينتظرون الإذن فقال بعض موالي المهدي لمن حضر ما عندكم في قول الله عز و جل
( وأوحى ربك إلى النحل أن اتخذي من الجبال بيوتا ومن الشجر ) فقال له بشار النحل التي يعرفها الناس قال هيهات يا أبا معاذ النحل بنو هاشم
وقوله ( يخرج من بطونها شراب مختلف ألوانه فيه شفاء للناس ) يعني العلم فقال له بشار أراني الله طعامك وشرابك وشفاءك فيما يخرج من بطون بني هاشم فقد أوسعتنا غثاثة فغضب وشتم بشارا وبلغ المهدي الخبر فدعا بهما فسألهما عن القصة فحدثه بشار بها فضحك حتى أمسك على بطنه ثم قال للرجل أجل فجعل الله طعامك وشرابك مما يخرج من بطون بني هاشم فإنك بارد غث
وقال محمد بن مزيد في خبره إن الذي خاطب بشارا بهذه الحكاية وأجابه عنها من موالي المهدي المعلى بن طريف
بشار يسخر من خال المهدي
أخبرنا الحسين بن يحيى عن حماد بن إسحاق عن أبيه قال
دخل يزيد بن منصور الحميري على المهدي وبشار بين يديه ينشده قصيدة امتدحه بها فلما فرغ منها أقبل عليه يزيد بن منصور الحميري وكانت فيه غفلة فقال له يا شيخ ما صناعتك فقال أثقب اللؤلؤ فضحك المهدي ثم قال لبشار أعزب ويلك أتتنادر على خالي فقال له وما أصنع به يرى شيخا أعمى ينشد الخليفة شعرا ويسأله عن صناعته
أخبرني الحسين عن حماد عن أبيه قال
وقف على بشار بعض المجان وهو ينشد شعرا فقال له استر شعرك هذا كما تستر عورتك فصفق بشار بيديه وغضب وقال له من أنت ويلك قال أنا أعزك الله رجل من باهلة وأخوالي من سلول وأصهاري عكل واسمي كلب ومولدي بأضاخ ومنزلي بنهر بلال فضحك بشار ثم قال اذهب ويلك فأنت عتيق لؤمك قد علم الله أنك استترت مني بحصون من حديد
أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا محمد بن القاسم بن مهرويه قال حدثني الفضل بن سعيد قال حدثني أبي قال
مر بشار بقاص بالبصرة فسمعه يقول في قصصه من صام رجبا وشعبان ورمضان بنى الله له قصرا في الجنة صحنه ألف فرسخ في مثلها وعلوه ألف فرسخ وكل باب من أبواب بيوته ومقاصره عشرة فراسخ في مثلها قال فالتفت بشار إلى قائده فقال بئست والله الدار هذه في كانون الثاني
قال الفضل بن سعيد وحدثني رجل من أهل البصرة ممن كان يتزوج بالنهاريات قال تزوجت امرأة منهن فاجتمعت معها في علو بيت وبشار تحتنا أو كنا في أسفل البيت وبشار في علوه مع امرأة فنهق حمار في الطريق فأجابه حمار في الجيران وحمار في الدار فارتجت الناحية بنهيقها وضرب الحمار الذي في
الدار الأرض برجله وجعل يدقها بها دقا شديدا فسمعت بشارا يقول للمرأة نفخ يعلم الله في الصور وقامت القيامة أما تسمعين كيف يدق على أهل القبور حتى يخرجوا منها قال ولم يلبث أن فزعت شاة كانت في السطح فقطعت حبلها وعدت فألقت طبقا وغضارة إلى الدار فانكسرا وتطاير حمام ودجاج كن في الدار لصوت الغضارة وبكى صبي في الدار فقال بشار صح والله الخبر ونشر أهل القبور من قبورهم أزفت يشهد الله الآزفة وزلزلت الأرض زلزالها فعجبت من كلامه وغاظني ذلك فسألت من المتكلم فقيل لي بشار فقلت قد علمت أنه لا يتكلم بمثل هذا غير بشار
بعض من نوادره
أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا أحمد بن محمد جدار قال حدثني قدامة بن نوح قال
مر بشار برجل قد رمحته بغلة وهو يقول الحمد لله شكرا فقال له بشار استزده يزدك
قال ومر به قوم يحملون جنازة وهم يسرعون المشي بها فقال ما لهم مسرعين أتراهم سرقوه فهم يخافون أن يلحقوا فيؤخذ منهم
أخبرني يحيى بن علي بن يحيى عن أبيه عن عافية بن شبيب وأخبرني به وكيع عن محمد بن عمر بن محمد بن عبد الملك عن الحسن بن جمهور قالا
توفي ابن لبشار فجزع عليه فقيل له أجر قدمته وفرط افترطته وذخر أحرزته فقال ولد دفنته وثكل تعجلته وغيب وعدته فانتظرته والله لئن لم أجزع للنقص لا أفرح للزيادة
وقال يرثيه
( أَجَارَتَنا لا تَجْزَعِي وأنيبِي ... أتاني من الموت المُطِلِّ نَصِيبي )
( بُنَيِّي على رَغْمِي وسُخْطي رُزِئْتُه ... وبُدِّلَ أحجاراً وجالَ قليبِ )
( وكان كرَيحانِ الغصون تَخالُه ... ذَوى بعد إشراقٍ يَسُرُّ وطِيبِ )
( أُصِيبَ بُنَيِّي حين أورَقَ غُصنُه ... وأَلقَى عليّ الهَمَّ كُلُّ قَريبِ )
( عَجِبتُ لإسراع المنيّةِ نحوَه ... وما كان لو مُلِّيتُهُ بعَجِيبِ )
أخبرني يحيى بن علي قال ذكر عافية بن شبيب عن أبي عثمان الليثي وحدثني به الحسن بن علي عن ابن مهرويه عن أبي مسلم قالا
رفع غلام بشار إليه في حساب نفقته جلاء مرآة عشرة دراهم فصاح به بشار وقال والله ما في الدنيا أعجب من جلاء مرآة أعمى بعشرة دراهم والله لو صدئت عين الشمس حتى يبقى العالم في ظلمة ما بلغت أجرة من يجلوها عشرة دراهم
أخبرنا محمد ين يحيى الصولي قال حدثني المغيرة بن محمد المهلبي قال حدثنا أبو معاذ النميري قال قلت لبشار لم مدحت
يزيد بن حاتم ثم هجوته قال سألني أن أنيكه فلم أفعل فضحكت ثم قلت فهو كان ينبغي له أن يغضب فما موضع الهجاء فقال أظنك تحب أن تكون شريكه فقلت أعوذ بالله من ذلك ويلك
حدثني الحسن بن علي قال حدثنا ابن مهرويه قال حدثنا أحمد بن خلاد وأخبرنا يحيى بن علي ومحمد بن عمران الصيرفي قالا حدثنا العنزي قال حدثنا أحمد بن خلاد قال حدثني أبي قال قلت لبشار إنك لتجيء بالشيء الهجين المتفاوت قال وما ذاك قال قلت بينما تقول شعرا تثير به النقع وتخلع به القلوب مثل قولك
( إذا ما غَضِبنا عَضْبَةً مُضَرِيَّةً ... هَتكنا حِجابَ الشمس أو تُمْطِرَ الدمَا )
( إذا ما أعَرْنا سَيِّداً من قبيلةٍ ... ذُرَى مِنْبرٍ صلَّى علينا وسَلّمَا )
تقول
( رَبَابَةُ رَبَّةُ البيتِ ... تَصُبُّ الخلَّ في الزَّيتِ )
( لها عَشْرُ دَجَاجَاتٍ ... ودِيكٌ حَسَنُ الصّوتِ )
فقال لكل وجه وموضع فالقول الأول جد وهذا قلته في ربابة جاريتي وأنا لا آكل البيض من السوق وربابة هذه لها عشر دجاجات وديك فهي تجمع لي البيض وتحفظه عندها فهذا عندها من قولي أحسن من
( قِفَا نَبْكِ مِنْ ذِكْرى حبيبٍ ومَنزِلِ ... )
عندك
أخبرني الحسن بن علي قال حدثني أحمد بن محمد جدار قال حدثني قدامة بن نوح قال
كان بشار يحشو شعره إذا أعوزته القافية والمعنى بالأشياء التي لا حقيقة لها فمن ذلك أنه أنشد يوما شعرا له فقال فيه
( غَنِّني للغَريض يابنَ قنانِ ... )
فقيل له من ابن قنان هذا لسنا نعرفه من مغني البصرة قال وما عليكم منه ألكم قبله دين فتطالبوه به أو ثأر تريدون أن تدركوه أو كفلت لكم به فإذا غاب طالبتموني بإحضاره قالوا ليس بيننا وبينه شيء من هذا وإنما أردنا أن نعرفه فقال هو رجل يغني لي ولا يخرج من بيتي فقالوا له إلى متى قال مذ يوم ولد وإلى يوم يموت قال وأنشدنا أيضا في هذه القصيدة
( ووافاني هلالُ السماء في البردانِ )
فقلنا يا أبا معاذ أين البردان هذا لسنا نعرفه بالبصرة فقال هو بيت في بيتي سميته البردان أفعليكم من تسميتي داري وبيوتها شيء فتسألوني عنه
حدثني هاشم بن محمد الخزاعي قال حدثني أبو غسان دماذ واسمه رفيع بن سلمة قال حدثني يحيى بن الجون العبدي راوية بشار قال
كنا عند بشار يوما فأنشدنا قوله
( وجاريةٍ خُلِقَتْ وحدَها ... كأن النساءَ لديَهْا خَدَمْ )
 ( دُوَار العذارَى إذا زُرْنَها ... أطَفْنَ بحَوْراءَ مثلِ الصَّنَمْ )
( ظَمِئتُ إليها فلم تَسْقِني ... بِريٍّ ولم تَشْفِنِي من سَقَمْ )
( وقالت هَوِيتَ فمتْ راشِداً ... كما مات عُروةُ غمّاً بغَمّ )
( فلما رأيتُ الهوى قاتِلي ... ولستُ بجارٍ ولا بابنِ عَمّ )
( دَسَسْتُ إليها أبا مِجْلَزٍ ... وأيّ فتىً إن أصابَ اعتزّمْ )
( فما زال حتى أثابتْ له ... فراح وحلَّ لنا ما حَرُمْ )
فقال له الرجل ومن أبو مجلز هذا يا أبا معاذ قال وما حاجتك إليه لك عليه دين أو تطالبه بطائلة هو رجل يتردد بيني وبين معارفي في رسائل
قال وكان كثيرا ما يحشو شعره بمثل هذا
شعره في جارية
أخبرني محمد بن مزيد بن أبي الأزهر قال حدثنا حماد بن إسحاق عن أبيه قال
كانت بالبصرة قينة لبعض ولد سليمان بن علي وكانت محسنة بارعة
الظرف وكان بشار صديقا لسيدها ومداحا له فحضر مجلسه يوما والجارية تغني فسر بحضوره وشرب حتى سكر ونام ونهض بشار فقالت يا أبا معاذ أحب أن تذكر يومنا هذا في قصيدة ولا تذكر فيها اسمي ولا اسم سيدي وتكتب بها إليه فانصرف وكتب إليه
( وذاتِ دَلٍّ كأن البدرَ صُورَتُها ... باتَتْ تُغنّي عميدَ القلبِ سكرانَا )
( إنّ العيونَ التي في طَرْفِها حَوَرٌ ... قَتَلْننا ثم لم يُحيِينَ قتلانَا )
( فقلتُ أَحسنْتِ يا سُؤْلِي ويا أملي ... فأسمِعيني جزاكِ اللهُ إحسانَا )
( يا حبّذَا جبلُ الرّيان من جبلٍ ... وحبّذا ساكنُ الريّانِ مَنْ كانَا )
( قالتْ فهلاّ فَدتكَ النفسُ أحسن مِنْ ... هذا لِمَنْ كان صبَّ القلبِ حَيرانَا )
( يا قوم أُذْنِي لبعض الحيِّ عاشِقَةٌ ... والأذن تَعشَقُ قبل العين أحيانَا )
( فقلتُ أحسنتِ أنتِ الشمسُ طالعةً ... أضرَمْتِ في القلب والأحشاءِ نيرانَا )
( فأسمِعينِيَ صوتاً مُطرِباً هَزَجاً ... يزيدُ صَبّاً مُحِبّاً فيكِ أشجانَا )
( يا ليتني كنتُ تُفّاحاً مُفَلَّجةً ... أو كنتُ من قُضبِ الريحان رَيحانا )
( حتى إذا وَجَدَتْ ريحي فأعجبَها ... ونحن في خَلوةٍ مُثِّلْتُ إنسانَا )
( فحرّكَتْ عُودَها ثم انثنَتْ طَرَباً ... تَشْدُو به ثم لا تُخفِيه كتمانَا )
( أصبَحْتُ أطوعَ خَلق الله كُلِّهِمِ ... لأكثرِ الخلق لي في الحبّ عِصيانَا )
( فقلتُ أطربْتِنا يا زَيْنَ مجلِسَنا ... فهاتِ إنكِ بالإحسانِ أولاَنَا )
 ( لو كنتُ أعلمُ أنّ الحبَّ يقتُلُني ... أعددتَ لي قبل أن ألقاكِ أكفانَا )
( فغنَّتِ الشَّرْبَ صَوْتاً مُؤْنِقاً رمَلاً ... يُذْكِي السّرورَ ويُبْكي العينَ ألوانَا )
( لا يَقتُلُ اللهُ مَنْ دامَتْ مَوَدّتُهُ ... واللهُ يقتُلُ أهلَ الغَدْرِ أحيانا )
ووجه بالأبيات إليها فبعث إليه سيدها بألفي دينار وسر بها سرورا شديدا
هجاؤه لأعرابي
أخبرني أحمد بن العباس العسكري قال حدثني الحسن بن عليل قال حدثني علي بن منصور أبو الحسن الباهلي قال حدثني أبو عبد الله المقرئ الجحدري الذي كان يقرأ في المسجد الجامع بالبصرة قال
دخل أعرابي على مجزأة بن ثور السدوسي وبشار عنده وعليه بزة الشعراء فقال الأعرابي من الرجل فقالوا رجل شاعر فقال أمولى هو أم عربي قالوا بل مولى فقال الأعرابي وما للموالي وللشعر فغضب بشار وسكت هنيهة ثم قال أتأذن لي يا أبا ثور قال قل ما شئت يا أبا معاذ فأنشأ بشار يقول
( خليلي لا أنامُ على اقتسارِ ... ولا آبَى على مَوْلىً وجارِ )
( سَأُخبِرُ فاخرَ الأعراب عنّي ... وعنه حين تأذنُ بالفَخارِ )
( أحين كُسِيتَ بعد العُرْيِ خَزّاً ... ونادَمْتَ الكِرامَ على العُقَارِ )
( تُفَاخِرُ يابنَ راعيةٍ وراعٍ ... بني الأحرار حَسبُكَ مِنْ خَسَارِ )
( وكنتَ إذا ظمِئْتَ إلى قَرَاحٍ ... شَرِكْتَ الكلبَ في وَلْغِ الإِطارِ )
( تُريغُ بخُطْبَةِ كسرَ الموالي ... ويُنْسِيكَ المكارمَ صيدُ فَارِ )
 ( وتَغْدُو للقنافذ تَدَّرِيهَا ... ولم تَعْقِلْ بدَرَّاج الدِّيارِ )
( وتتَّشحُ الشِّمالَ لِلاَبِسيها ... وتَرعَى الضأنَ بالبلدَ القِفَارِ )
( مُقَامُكَ بيننا دَنَسٌ علينا ... فليتَكَ غائِبٌ في حَرِّ نارِ )
( وفخرُكَ بين خنزيرٍ وكلبٍ ... على مِثلي من الحَدَثِ الكُبَارِ )
فقال مجزأة للأعرابي قبحك الله فأنت كسبت هذا الشر لنفسك ولأمثالك
أخبرني أحمد بن العباس العسكري قال حدثني العنزي عن الرياشي قال
حضر بشار باب محمد بن سليمان فقال له الحاجب اصبر فقال إن الصبر لا يكون إلا على بلية فقال له الحاجب إني أظن أن وراء قولك هذا شرا ولن أتعرض له فقم فادخل
خبر بشار مع هلال الرأي
( أخبرني وكيع قال حدثنا أبو أيوب المديني عن محمد بن سلام قال
قال هلال الرأي وهو هلال بن عطية لبشار وكان له صديقا يمازحه إن الله لم يذهب بصر أحد إلا عوضه بشيء فما عوضك قال الطويل العريض قال وما هذا قال ألا أراك ولا أمثالك من الثقلاء ثم قال له يا هلال أتطيعني في نصيحة أخصك بها قال نعم قال إنك كنت تسرق الحمير زمانا ثم تبت وصرت رافضيا فعد إلى سرقة الحمير فهي والله خير لك من الرفض
قال محمد بن سلام وكان هلال يستثقل وفيه يقول بشار
( وكيفَ يَخِفُّ لي بصري وسمعي ... وحَوْلِي عَسكَرانِ مِنَ الثِّقَالِ )
( قُعُوداً حولَ دَسْكَرِتي وعندي ... كأنّ لهم عليّ فضولَ مالِ )
( إذا ما شِئتُ صبَّحني هِلالٌ ... وأيُّ الناس أثقل من هلالِ )
وأخبرني أبو دلف الخزاعي بهذا الخبر عن عيسى بن إسماعيل عن ابن عائشة فذكر أن الذي خاطب بشارا بهذه المخاطبة ابن سيابة فلما أجابه بشار بالجواب المذكور قال له من أنت قال ابن سيابة فقال له يابن سيابة لو نكح الأسد ما افترس قال وكان يتهم بالأبنة
قال أيوب وحدثني محمد بن سلام وغيره قالوا مر ابن أخي بشار به ومعه قوم فقال لرجل معه من هذا فقال ابن أخيك قال أشهد أن أصحابه أنذال قال وكيف علمت قال ليست لهم نعال
أخبرنا محمد بن علي قال حدثني أبي قال حدثني عافية بن شبيب عن أبي دهمان الغلابي قال
مررت ببشار يوما وهو جالس على بابه وحده وليس معه خلق وبيده مخصرة يلعب بها وقدامه طبق فيه تفاح وأترج فلما رأيته وليس عنده أحد تاقت نفسي إلى أن أسرق ما بين يديه فجئت قليلا قليلا وهو كاف يده حتى مددت يدي لأتناول منه فرفع القضيب وضرب به يدي ضربة كاد يكسرها فقلت
له قطع الله يدك يابن الفاعلة أنت الآن أعمى فقال يا أحمق فأين الحس
خبره مع نسوة خمس
أخبرني يحيى بن علي قال حدثني العنزي قال حدثني خالد ين يزيد بن وهب بن جرير عن أبيه قال
كان لبشار في داره مجلسان مجلس يجلس فيه بالغداة يسميه البردان ومجلس يجلس فيه بالعشي اسمه الرقيق فأصبح ذات يوم فاحتجم وقال لغلامه أمسك علي بابي واطبخ لي من طيب طعامي وصف نبيذي قال فإنه لكذلك إذ قرع الباب قرعا عنيفا فقال ويحك يا غلام انظر من يدق الباب دق الشرط قال فنظر الغلام فقال له نسوة خمس بالباب يسألن أن تقول لهن شعرا ينحن به فقال أدخلهن فلما دخلن نظرن إلى النبيذ مصفى في قنانيه في جانب بيته قال فقالت واحدة منهن هو خمر وقالت الأخرى هو زبيب وعسل وقالت الثالثة نقيع زبيب فقال لست بقائل لكن حرفا أو تطعمن من طعامي وتشربن من شرابي قال فتماسكن ساعة ثم قالت واحدة منهن ما عليكن هو أعمى فكلن من طعامه واشربن من شرابه وخذن شعره فبلغ ذلك الحسن البصري فعابه وهتف ببشار فبلغه ذلك وكان بشار يسمي الحسن البصري القس فقال
 ( لما طَلَعْنَ من الرّقيق ... عليّ بالبردانِ خمسَا )
( وكأنهنّ أهِلّةٌ ... تحت الثيابِ زَفَفْنَ شمسَا )
( باكَرْنَ عِطْرَ لَطِيمةٍ ... وغُمِسْنَ في الجادِيّ غمسَا )
صوت
( لمّا طَلْعَنَ خَفَفْنَها ... وأصَخْنَ ما يَهْمِسْنَ هَمْسَا )
( فسألنني مَنْ في البيوت ... فقلتُ مَا يُؤْوِينَ إِنسَا )
( ليتَ العيونَ الطارفات ... ِ طُمِسْنَ عنّا اليومَ طَمْسَا )
( فأصَبْنَ من طُرَفِ الحديثِ ... لَذاذةً وخَرَجْنَ مُلسَا )
( لولا تَعَرُّضُهُنَّ لي ... يا قَسُّ كنتُ كأنتَ قَسَّا )
غنى في هذه الأبيات يحيى المكي ولحنه رمل بالبنصر عن عمرو
أخبرنا يحيى قال حدثني العنزي قال حدثنا علي بن محمد قال حدثني جعفر بن محمد النوفلي وكان يروي شعر بشار بن برد قال جئت بشارا ذات يوم فحدثني قال ما شعرت منذ أيام إلا بقارع يقرع بابي مع الصبح فقلت يا جارية انظري من هذا فرجعت إلي وقالت هذا مالك بن دينار فقلت ما هو من أشكالي ولا أضرابي ثم قلت ائذني له فدخل فقال يا أبا معاذ أتشتم أعراض
الناس وتشبب بنسائهم فلم يكن عندي إلا أن دفعت عن نفسي وقلت لا أعود فخرج عني وقلت في أثره
( غَدَا مالكٌ بملاماته ... عليّ وما بات من باليَهْ )
( تَناول خَوْداً هَضِيم الحشَى ... من الحُور مَحظوظةً عاليَهْ )
( فقلتُ دَع اللّوم في حبّها ... فقبلكَ أعيَيتُ عُذّالِيَهْ )
( وإِنّي لأكتمهُم سِرّها ... غداةَ تقول لها الجالِيَهْ )
( عُبَيدةُ مالك مَسلوبةً ... وكنتِ مُعطَّرة حاليَهْ )
( فقالت على رِقْبةٍ إنّني ... رهَنتُ المرَعّث خَلخاليَهْ )
( بمجلس يوم سأُوفِي به ... ولو أَجْلبَ الناسُ أحواليْه )
شعره في محبوبته فاطمة
أخبرنا يحيى بن علي قال حدثنا العنزي قال حدثني السميدع بن محمد الأزدي قال حدثني عبد الرحمن بن الجهم عن هشام بن الكلبي قال
كان أول بدء بشار أنه عشق جارية يقال لها فاطمة وكان قد كف وذهب بصره فسمعها تغني فهويها وأنشأ يقول
( دُرّةٌ بَحرّيةٌ مكنونةٌ ... مازها التّاجرُ من بين الدُّررْ )
( عجِبتْ فَطْمةُ من نَعْتي لها ... هل يُجيد النَّعتَ مَكفوفُ البصرْ )
 ( أمَتَا بدّد هذا لُعَبي ... ووِشاحِي حَلّه حتّى انتثَرْ )
( فدَعِيني مَعه يا أمتا ... عَلَّنا في خَلْوةٍ نَقْضِي الوَطَرْ )
( أقبلتْ مُغضَبةً تضرِبها ... واعتراها كجنون مستعِرْ )
( بأبي والله ما أحسنَه ... دمعُ عين يَغْسِل الكحْلَ قَطَرْ )
( أيُّها النُّوّام هُبّوا ويَحْكَم ... واسألوني اليومَ ما طعمُ السَّهرْ )
أخبرني محمد بن عمران الصيرفي قال حدثنا العنزي قال حدثني خالد بن يزيد بن وهب بن جرير قال حدثني أبي عن الحكم بن مخلد بن حازم قال مررت أنا ورجل من عكل من أبناء سوار بن عبد الله بقصر أوس فإذا نحن ببشار في ظل القصر وحده فقال لي العكلي لا بد لي من أن أعبث ببشار فقلت ويحك مه لا تعرض بنفسك وعرضك له فقال إني لا أجده في وقت أخلى منه في هذا الوقت قال فوقفت ناحية ودنا منه فقال يا بشار فقال من هذا الذي لا يكنيني ويدعوني باسمي قال سأخبرك من أنا فأخبرني أنت عن أمك أولدتك أعمى أم عميت بعد ما ولدتك قال وما تريد إلى ذلك قال وددت أنه فسح لك في بصرك ساعة لتنظر إلى وجهك في المرآة فعسى أن تمسك عن هجاء الناس وتعرف قدرك فقال ويحكم من هذا أما أحد يخبرني من هذا فقال له على رسلك أنا رجل من عكل وخالي يبيع الفحم بالعبلاء فما تقدر أن تقول لي قال لا شيء إذهب بأبي أنت في حفظ الله
قوله في خالد بن برمك
أخبرني علي بن سليمان الأخفش قال حدثني هارون بن علي بن يحيى
المنجم قال حدثني علي بن مهدي قال حدثني العباس بن خالد البرمكي قال
كان الزوار يسمون في قديم الدهر إلى أيام خالد بن برمك السؤال فقال خالد هذا والله اسم استثقله لطلاب الخير وأرفع قدر الكريم عن أن يسمى به أمثال هؤلاء المؤملين لأن فيهم الأشراف والأحرار وأبناء النعيم ومن لعله خير ممن يقصد وأفضل أدبا ولكنا نسميهم الزوار فقال بشار يمدحه بذلك
( حذا خالدٌ في فعله حَذوَ بَرْمكٍ ... فَمجدٌ له مُستطرَف وأَصِيلُ )
( وكان ذوو الآمال يُدعَوْن قبلَه ... بلَفظٍ على الإِعدام فيه دَليلُ )
( يُسمَّون بالسُّؤَّال في كلّ مَوْطِنٍ ... وإِن كان فيهم نابهٌ وجَليِلُ )
( فسمّاهم الزّوّار سَتْراً عليهمُ ... فأستارُه في المُجْتَدين سُدُولُ )
قال وقال بشار هذا الشعر في مجلس خالد في الساعة التي تكلم خالد بهذا الكلام في أمر الزوار فأعطاه لكل بيت ألف درهم
أخبرني عمي قال حدثني محمد بن القاسم بن مهرويه قال حدثني أبو شبل عاصم بن وهب قال نهق حمار ذات يوم بقرب بشار فخطر بباله بيت فقال
( ما قام أيرُ حمارٍ فامتلا شَبَقاً ... إلا تحرّك عرقٌ في است تَسْنِيم )
قال ولم يرد تسنيما بالهجاء ولكنه لما بلغ إلى قوله إلا تحرك عرق قال في است من ومر به تسنيم بن الحواري وكان صديقه فسلم عليه وضحك فقال

في است تسنيم علم الله فقال له أيش ويحك فأنشده البيت فقال له عليك لعنة الله فما عندك فرق بين صديقك وعدوك أي شي حملك على هذا ألا قلت في است حماد الذي هجاك وفضحك وأعياك وليست قافيتك على الميم فأعذرك قال صدقت والله في هذا كله ولكن ما زلت أقول في است من في است من ولا يخطر ببالي أحد حتى مررت وسلمت فرزقته فقال له تسنيم إذا كان هذا جواب السلام عليك فلا سلم الله عليك ولا علي حين سلمت عليك وجعل بشار يضحك ويصفق بيديه وتسنيم يشتمه
أخبرنا عيسى بن الحسين قال حدثنا علي بن محمد النوفلي عن عمه قال قالت امرأة لبشار ما أدري لم يهابك الناس مع قبح وجهك فقال لها بشار ليس من حسنه يهاب الأسد
بشار وعقبة بن رؤبة في حضرة عقبة بن سلم
أخبرني حبيب بن نصر المهلبي قال حدثنا عمر بن شبة قال حدثنا محمد ابن الحجاج قال
دخل بشار على عقبة بن سلم فأنشده بعض مدائحه فيه وعنده عقبة بن رؤبة ينشده رجزا يمدحه به فسمعه بشار وجعل يستحسن ما قاله إلى أن فرغ ثم أقبل على بشار فقال هذا طراز لا تحسنه أنت يا معاذ فقال له بشار إلي يقال هذا أنا والله أرجز منك ومن أبيك وجدك فقال له عقبة أنا والله وأبي فتحنا
للناس باب الغريب وباب الرجز ووالله إني لخليق أن أسده عليهم فقال بشار ارحمهم رحمك الله فقال عقبة أتستخف بي يا أبا معاذ وأنا شاعر ابن شاعر ابن شاعر فقال له بشار فأنت إذا من أهل البيت الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا ثم خرج من عنده عقبة مغضبا
فلما كان من غد غدا على عقبة ابن سلم وعنده عقبة بن رؤبة فأنشده أرجوزته التي مدحه فيها
( يا طَلَلَ الحيِّ بذات الصَّمْدِ ... بالله خبِّرْ كيف كنتَ بعدي )
( أَوْحَشْتَ من دعدٍ وتِرْب دعدِ ... سَقْيا لأسماءَ ابنةِ الأشَدِّ )
( قامَت تَراءَى إذ رأتْني وَحْدِي ... كالشّمس تحتَ الزِّبْرِج المُنْقدِّ )
( صدّت بخدّ وجَلَتْ عن خدِّ ... ثم انثنتْ كالنّفس المُرتَّدِّ )
( عَهْدي بها سَقْياً له من عَهْدِ ... تُخلِفُ وعداً وتَفِي بوعدِ )
( فنحن من جَهْد الهوى في جَهْدِ ... وزاهرٍ من سَبِطٍ وجَعْدِ )
( أهدى له الدّهرُ ولم يَستهدِ ... أفوافَ نَوْرِ الحِبرِ المُجَدِّ )
( يلقَى الضُّحى رَيحانُه بسَجْدِ ... بُذِّلتُ من ذاك بُكىً لا يُجدِي )
( وافقَ حظّاً من سَعَى بجَدَّ ... ما ضرَّ أهل النَّوْكِ ضعفُ الجِدِّ )
( الحُرّ يُلْحَى والعصا للعبدِ ... وليس للمُلْحِف مثلُ الردِّ )
 ( والنَّصْفُ يَكْفيك من التعدّي ... وصاحبٍ كالدُّمَّلِ المُمِدِّ )
( حملتُه في رُقعةٍ من جِلْدِي ... أرقُبُ منه مثلَ يومِ الوِردِ )
( حتى مضى غيرَ فقيد الفَقْدِ ... وما دَرى ما رَغْبتي من زُهدِي )
( اسلَمْ وحُيِّيتَ أبا المِلدِّ ... مفتاحَ باب الحدَث المنسدِّ )
( مُشتَرَك النَّيْل ورِيَّ الزندِ ... أغرَّ لبَّاسَ ثيابِ الحمدِ )
( ما كان منّي لك غيرُ الوُدِّ ... ثم ثناءٌ مثلُ ريح الوَرْدِ )
( نَسَجْتُه في مُحْكماتِ النَّدِّ ... فالبَسْ طِرازِي غيرَ مُستَردِّ )
( لله أيامُكَ في مَعَدِّ ... وفي بني قَحْطانَ غيرَ عَدِّ )
( يوما بذي طِخْفةَ عند الحدِّ ... ومثلَه أودَعْتَ أرضَ الهندِ )
( بالمُرْهَفاتِ والحَديد السَّرِد ... والمُقْربَات المُبْعَداتِ الجُرْدِ )
( إذا الحيا أكدى بها لا تُكْدي ... تُلْحِمُ أمراً وأموراً تُسْدِي )
( وابنُ حكيم إن أتاك يَرْدي ... أصمَّ لا يسمَعُ صوتَ الرعدِ )
( حيَّيْتَه بتُحفَة المُعِدَّ ... فانهَدَّ مثلَ الجبل المُنْهَدِّ )
( كُلّ امرىءٍ رَهْنٌ بما يُؤدِّي ... ورُبَّ ذي تاج كريم الجَدِّ )
( كآلِ كِسرى وكآل بُردِ ... أنكَب جافٍ عن سبيل القصدِ )
( فَضَلْتَه عن ماله والوُلْدِ ... )
فطرب عقبة بن سلم وأجزل صلته وقام عقبة بن رؤبة فخرج عن المجلس بخزي وهرب من تحت ليلته فلم يعد إليه
وذكر لي أبو دلف هاشم بن محمد الخزاعي هذا الخبر عن الجاحظ وزاد فيه الجاحظ قال فانظر إلى سوء أدب عقبة بن رؤبة وقد أجمل بشار محضره وعشرته فقابله بهذه المقابلة القبيحة وكان أبوه أعلم خلق الله به لأنه قال له وقد فاخره بشعره أنت يا بني ذهبان الشعر إذا مت مات شعرك معك فلم يوجد من يرويه بعدك فكان كما قال له ما يعرف له بيت واحد ولا خبر غير هذا الخبر القبيح الإخبار عنه الدال علي سخفه وسقوطه وسوء أدبه
شعره في امرأة من البصرة
أخبرني هاشم بن محمد قال حدثنا أبو غسان دماذ قال حدثنا أبو عبيدة قال
كان بشار يهوى امرأة من أهل البصرة يقال لها عبيدة فخرجت عن البصرة إلى عمان مع زوجها فقال بشار فيها
صوت
( هَوى صاحبي ريحُ الشَّمالَ إذا جَرَتْ ... وأشفَى لقلبي أن تهُبّ جَنُوبُ )
( وما ذاكَ إلا أنها حين تنتهي ... تَناهَى وفيها من عُبيدَةَ طِيبُ )
( عَذيرِي من العُذَّال إذ يَعْذِلُونِنِي ... سَفَاهاً وما في العاذِلين لَبيبُ )
صوت
( يقولونَ لو عَزَّيْتَ قلبَكَ لارْعَوَى ... فقلتُ وهل للعاشقين قُلوبُ )
 ( إذا نطقَ القومُ الجُلُوسُ فإِنّني ... مُكِبٌّ كأني في الجميع غَرِيبُ )
أخبرني هاشم قال حدثني دماذ قال حدثني رجل من الأنصار قال
جاء أبو الشمقمق إلى بشار يشكو إليه الضيقة ويحلف له أنه ما عنده شيء فقال له بشار والله ما عندي شيء يغنيك ولكن قم معي إلى عقبة بن سلم فقام معه فذكر له أبا الشمقمق وقال هو شاعر وله شكر وثناء فأمر له بخمسمائة درهم فقال له بشار
( يا واحدَ العرب الذي ... أمسى وليس له نَظِيرُ )
( لو كان مِثْلَكَ آخَرٌ ... ما كان في الدنيا فَقيِرُ )
فأمر لبشار بألفي درهم فقال له أبو الشمقمق نفعتنا ونفعناك يا أبا معاذ فجعل بشار يضحك
خبره مع أبي جعفر المنصور
أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا محمد بن القاسم بن مهرويه قال حدثنا زكريا بن يحيى أبو السكين الطائي قال حدثني زحر بن حصن قال
حج المنصور فاستقبلناه بالرضم الذي بين زبالة والشقوق فلما
رحل من الشقوق رحل في وقت الهاجرة فلم يركب القبة وركب نجيبا فسار بيننا فجعلت الشمس تضحك بين عينيه فقال إني قائل بيتا فمن أجازه وهبت له جبتي هذه فقلنا يقول أمير المؤمنين فقال
( وهاجرةٍ نَصبْتُ لها جَبِينِي ... يُقطِّعُ ظهرُها ظَهْرَ العظايهْ )
فبدر بشار الأعمى فقال
( وقَفْتُ بها القُلوصَ ففاضَ دمعي ... على خدِّي وأَقْصَرَ واعِظايَهْ )
فنزع الجبة وهو راكب فدفعها إليه فقلت لبشار بعد ذلك ما فعلت بالجبة فقال بشار بعتها والله بأربعمائة دينار
أخبرني أحمد بن العباس العسكري قال حدثنا الحسن بن عليل العنزي قال حدثني علي بن محمد النوفلي قال حدثني عبد الرحمن بن العباس بن الفضل بن عبد الرحمن بن عياش بن أبي ربيعة عن أبيه قال
كان بشار منقطعا إلي وإلى إخوتي فكان يغشانا كثيرا ثم خرج إبراهيم بن عبد الله فخرج معه عدة منا فلما قتل إبراهيم توارينا وحبس المنصور منا عدة من إخوتي فلما ولي المهدي أمن الناس جميعا وأطلق المحبوسين فقدمت بغداد أنا وإخوتي نلتمس أمانا من المهدي وكان الشعراء يجلسون بالليل في مسجد
الرصافة ينشدون ويتحدثون فلم أطلع بشارا على نفسي إلا بعد أن أظهر لنا المهدي الأمان وكتب أخي إلى خليفته بالليل فصحت به يا أبا معاذ من الذي يقول
( أُحِبُّ الخاتمَ الأحمر ... مِنْ حُبَّ مَوَالِيهِ )
فأعرض عني وأخذ في بعض إنشاده شعره ثم صحت يا أبا معاذ من الذي يقول
( إنّ سلْمَى خُلِقَتْ من قَصَبٍ ... قصبِ السّكر لا عظم الجَملْ )
( وإِذا أدنيتَ منها بصلاً ... غَلب المسكُ على ريح البصلْ )
فغضب وصاح من الذي يقرعنا بأشياء كنا نعبث بها في الحداثة فهو يعيرنا بها فتركته ساعة ثم صحت به يا أبا معاذ من الذي يقول
( أخشّابُ حقّاً أنّ داركَ تُزْعجُ ... وأنّ الذي بيني وبينك يَنْهَجُ )
فقال ويحك عن مثل هذا فسل ثم أنشدها حتى أتى على آخرها وهي من جيد شعره وفيه غناء
صوت
( فواكَبِدا قد أنضَجَ الشوقُ نصفها ... ونصفٌ على نار الصبَّابَة يَنضَجُ )
( وواحَزَنَا منهنّ يَحْفُفْنَ هودجاً ... وفي الهودج المحفوفِ بدرٌ مُتَوَّجُ )
( فإِن جئتَها بين النساء فقل لها ... عليكِ سلامٌ مات مَنْ يتزوّجُ )
 ( بكيتُ وما في الدمع منكِ خليفةٌ ... ولكنّ أحزاني عليكِ تَوَهَّجُ )
الغناء لسليم بن سلام رمل بالوسطى ووجدت هذا الخبر بخط ابن مهرويه فذكر أنه قال هذه القصيدة في امرأة كانت تغشى مجلسه وكان إليها مائلا يقال لها خشابة فارسية فزوجت وأخرجت عن البصرة
أخبرني عمي قال حدثني الكراني قال حدثني أبو حاتم
قال أبو النضير الشاعر أنشدت بشارا قصيدة لي فقال لي أيجيئك شعرك هذا كلما شئت أم هذا شيء يجيئك في الفينة بعد الفينة إذا تعملت له فقلت بل هذا شعر يجيئني كلما أردته فقال لي قل فإنك شاعر فقلت له لعلك حابيتني أبا معاذ وتحملت لي فقال أنت أبقاك الله أهون علي من ذلك
شعره في الاعتذار عن محاولة تقبيل جارية لصديق له
أخبرني عمي قال حدثنا الكراني عن العمري عن عباس بن عباس الزنادي عن رجل من باهلة قال
كنت عند بشار الأعمى فأتاه رجل فسلم عليه فسأله عن خبر جارية عنده وقال كيف ابنتي قال في عافية تدعوك اليوم فقال بشار يا باهلي انهض بنا فجئنا إلى منزل نظيف وفرش سري فأكلنا ثم جيء بالنبيذ فشربنا مع الجارية فلما أراد الانصراف قامت فأخذت بيد بشار فلما صار في الصحن أومأ إليها ليقبلها فأرسلت يدها من يده فجعل يجول في العرصة وخرج المولى فقال مالك يا أبا معاذ فقال أذنبت ذنبا ولا أبرح أو أقول شعرا فقال
( أتوبُ إليك من السيئات ... وأَستغفر اللهَ من فَعْلِتي )
 ( تناولتُ ما لم أُرِدْ نَيْلَه ... على جهلِ أمرِي وفي سكرتِي )
( ووالله واللهِ ما جئتُه ... لعمدٍ ولا كان من هِمَّتي )
( وإِلا فَمِتُّ إذاً ضائعاً ... وعَذَّبَني اللهُ في مِيتَتي )
( فمنْ نال خيراً على قُبْلةٍ ... فلا بارك اللهُ في قُبلَتِي )
أخبرنا هاشم بن محمد الخزاعي قال حدثنا الرياشي عن الأصمعي قال لما أنشد بشار أرجوزته
( يا طلَل الحيّ بذات الصَّمْدِ ... )
أبا الملد عقبة بن سلم أمر له بخمسين ألف درهم فأخرها عنه وكيله ثلاثة أيام فأمر غلامه بشار أن يكتب على باب عقبة عن يمين الباب
( ما زالَ ما مَنَّيتنِي من همِّي ... والوعدُ غمٌّ فأزِحْ من غَمِّي )
( إن لم تُرِدْ حَمْدي فَراقِبْ ذَمِّي ... )
فلما خرج عقبة رأى ذلك فقال هذه من فعلات بشار ثم دعا بالقهرمان فقال هل حملت إلى بشار ما أمرت له به فقال أيها الأمير نحن مضيفون وغدا أحملها إليه فقال زد فيها عشرة آلاف درهم واحملها إليه الساعة فحملها من وقته
أخبرني هاشم قال حدثنا أبو غسان دماذ قال
سألت أبا عبيدة عن السبب الذي من أجله نهى المهدي بشارا عن ذكر النساء قال كان أول ذلك استهتار نساء البصرة وشبانها بشعره حتى قال سوار بن عبد الله الأكبر ومالك بن دينار ما شيء أدعى لأهل هذه المدينة إلى الفسق من أشعار
هذا الأعمى وما زالا يعظانه وكان واصل بن عطاء يقول إن من أخدع حبائل الشيطان وأغواها لكلمات هذا الأعمى الملحد فلما كثر ذلك وانتهى خبره من وجوه كثيرة إلى المهدي وأنشد المهدي ما مدحه به نهاه عن ذكر النساء وقول التشبيب وكان المهدي من أشد الناس غيرة قال فقلت له ما أحسب شعر هذا أبلغ في هذه المعاني من شعر كثير وجميل وعروة بن حزام وقيس بن ذريح وتلك الطبقة فقال ليس كل من يسمع تلك الأشعار يعرف المراد منها وبشار يقارب النساء حتى لا يخفى عليهن ما يقول وما يريد وأي حرة حصان تسمع قول بشار فلا يؤثر في قلبها فكيف بالمرأة الغزلة والفتاة التي لا هم لها إلا الرجال ثم أنشد قوله
( قد لاَمني في خليلتي عُمَرُ ... واللَّومُ في غير كُنهِه ضجَرُ )
( قال أفق قلت لا فقال بلى ... قد شاع في الناس منكما الخبَرُ )
( قلتُ وإذ شاع ما اعتذارُك ممّا ... ليس لي فيه عندهم عُذُرُ )
( ماذا عليهم وما لهم خَرِسُوا ... لو أنّهم في عيوبهم نَظَرُوا )
 ( أعشَقُ وحدي ويؤخَذُون به ... كالتُّركِ تَغْزُو فتُؤخذُ الحَزَرُ )
( يا عجباً للخلاف يا عجبا ... بِفِي الذي لام في الهوى الحَجرُ )
( حَسْبِي وحَسْبُ الذي كَلِفْتُ به ... منِّي ومنه الحديثُ والنّظرُ )
( أو قُبلَةٌ في خلال ذاك وما ... بأسٌ إذا لم تُحَلَّ لي الأُزُرُ )
( أو عَضَّةٌ في ذراعها ولها ... فوق ذراعي من عَضِّها أثَرُ )
( أو لَمسةٌ دون مِرْطِها بيدي ... والبابُ قد حال دونه السُّتُرُ )
( والساقُ برَّاقَةٌ مُخَلخَلُها ... أو مَصُّ رِيقٍ وقد علا البُهُرُ )
( واسترختِ الكفُّ للعِراك وقالتْ ... إيه عنِّي والدَّمعُ مُنحَدِرُ )
( إنهضْ فما أنتَ كالذي زعموا ... أنتَ وربّي مُغَازِلٌ أشِرُ )
( قد غابَتِ اليومَ عنكَ حاضِنَتي ... واللهُ لي منكَ فيكَ يَنتَصِرُ )
( يا ربِّ خُذْ لي فقد ترى ضَرَعِي ... من فاسقٍ جاء ما به سَكَرُ )
( أهوَى إلى مِعْضَدِي فرضَّضهُ ... ذو قوّةٍ ما يُطاقُ مُقتدِرُ )
( ألصقَ بي لِحْيةً له خَشُنت ... ذاتَ سوادٍ كأنها الإِبَرُ )
( حتّى عَلاني وأُسرتي غَيبٌ ... وَيْلِي عليهم لو أنّهم حَضَرُوا )
( أُقسِمُ بالله لا نجوتَ بها ... فاذهبْ فأنت المُساوِرُ الظّفِرُ )
( كيف بأُمِّي إذا رأتْ شَفَتِي ... أم كيف إن شاع منك ذا الخبرُ )
 ( قد كنتُ أخشى الذي ابتُليتُ به ... منك فماذا أقولُ يا عبرُ )
( قلتُ لها عند ذاك يا سَكَنِي ... لا بأس إنيَ مُجَرَّبٌ خَبِرُ )
( قُولِي لها بَقَّةٌ لها ظُفُرٌ ... إن كان في البقِّ ما له ظُفُرُ )
ثم قال له بمثل هذا الشعر تميل القلوب ويلين الصعب
قال دماذ قال لي أبو عبيدة قال رجل يوما لبشار في المسجد الجامع يعابثه يا أبا معاذ أيعجبك الغلام الجادل فقال غير محتشم ولا مكتثرث لا ولكن تعجبني أمه
بشار يمدح خالد بن برمك
أخبرني عمي قال حدثنا العنزي قال حدثني محمد بن سهل عن محمد بن الحجاج قال
ورد بشار على خالد بن برمك وهو بفارس فامتدحه فوعده ومطله فوقف على طريقه وهو يريد المسجد فأخذ بلجام بغلته وأنشده
( أظَلّتْ علينا منكَ يوماً سحابةٌ ... أضاءتْ لنا برقاً وأبطا رِشاَشُها )
( فلا غيمُها يُجْلي فييأسَ طامعٌ ... ولا غيثُها يأتِي فيَرْوي عِطاشُها )
فحبس بغلته وأمر له بعشرة آلاف درهم وقال لن تنصرف السحابة حتى تبلك إن شاء الله
أخبرني يحيى بن علي قال حدثنا الحسن بن عليل قال حدثني علي بن حرب
الطائي قال حدثني إسماعيل بن زياد الطائي قال
كان رجل منا يقال له سعد بن القعقاع يتندم بشارا في المجانة فقال لبشار وهو ينادمه ويحك يا أبا معاذ قد نسبنا الناس إلى الزندقة فهل لك أن تحج بنا حجة تنفى ذلك عنا قال نعم ما رأيت فاشتريا بعيرا ومحملا وركبا فلما مرا بزرارة قال له ويحك يا أبا معاذ ثلاثمائة فرسخ متى نقطعها مل بنا إلى زرارة نتنعم فيها فإذا قفل الحاج عارضناهم بالقادسية وجززنا رؤوسنا فلم يشك الناس أنا جئنا من الحج فقال له بشار نعم ما رأيت لولا خبث لسانك وإني أخاف أن تفضحنا
قال لا تخف
فمالا إلى زرارة فما زالا يشربان الخمر ويفسقان فلما نزل الحاج بالقادسية راجعين أخذا بعيرا ومحملا وجزا رؤوسهما وأقبلا وتلقاهما الناس يهنئونهما فقال سعد بن القعقاع
( ألم تَرَنِي وبَشّاراً حَجَجْنا ... وكان الحجُّ من خير التّجارهْ )
( خرجْنا طالَبيْ سَفَرٍ بعيدٍ ... فمال بنا الطريقُ إلى زُرَارهْ )
( فآب الناسُ قد حَجّوا وبَرُّوا ... وأُبْنَا مُوقَرين من الخسارهْ )
رده على داود بن رزين
أخبرنا يحيى بن علي قال حدثني محمد بن القاسم الدينوري قال حدثني محمد بن عمران بن مطر الشامي قال حدثني محمد بن الحسان الضبي قال حدثني محمود الوراق قال حدثني داود بن رزيق قال
أتينا بشارا فأذن لنا والمائدة موضوعة بين يديه فلم يدعنا إلى طعامه فلما
أكل دعا بطست فكشف عن سوءته فبال ثم حضرت الظهر والعصر فلم يصل فدنونا منه فقلنا أنت أستاذنا وقد رأينا منك أشياء أنكرناها قال وما هي قلنا دخلنا والطعام بين يديك فلم تدعنا إليه فقال إنما أذنت لكم أن تأكلوا ولو لم أرد أن تأكلوا لما أذنت لكم قال ثم ماذا قلنا ودعوت بطست ونحن حضور فبلت ونحن نراك فقال أنا مكفوف وأنتم بصراء وأنتم المأمورون بغض الأبصار ثم قال ومه قلنا حضرت الظهر والعصر والمغرب فلم تصل فقال إن الذي تفاريق يقبلها جملة
أخبرنا يحيى قال حدثني أبو أيوب المديني عن بعض أصحاب بشار قال
كنا إذا حضرت الصلاة نقوم ويقعد بشار فنجعل حول ثيابه ترابا لننظر هل يصلي فنعود والتراب بحاله
أخبرنا يحيى قال أخبرنا أبو أيوب عن الحرمازي قال
قعد إلى بشار رجل فاستثقله فضرط عليه ضرطة فظن الرجل أنها أفلتت منه ثم ضرط أخرى فقال أفلتت ثم ضرط ثالثة فقال يا أبا معاذ ما هذا قال مه أرأيت أم سمعت قال بل سمعت صوتا قبيحا فقال فلا تصدق حتى ترى
قال وأنشد أبو أيوب لبشار في رجل استثقله
( ربّما يثقُلُ الجليسُ وإِن كان ... خفيفاً في كِفّة الميزانِ )
( كيفَ لا تحمِل الأمانةَ أرضٌ ... حَمَلَتْ فوقها أبا سُفْيانِ )
وقال فيه أيضا
( هل لك في مالي وعِرْضي معاً ... وكلِّ ما يملك جِرانَيٍهْ )
 ( واذهبْ إلى أبعدِ ما يُنْتَوى ... لا رَدّكَ الله ولا مالِيَهْ )
انشاده الوليد بن يزيد شعرا يطربه
أخبرني عيسى بن الحسين الوراق قال حدثني محمد بن إبراهيم الجيلي قال حدثني محمد بن عمران الضبي قال أنشدنا الوليد بن يزيد قول بشار الأعمى
( أيّها الساقيانِ صُبّا شَرَابي ... واسقِيانِي من رِيقِ بيضاءَ رُودِ )
( إن دائي الظّمَا وإِن دوائي ... شَرْبةٌ من رُضَابِ ثغرٍ بَرُودِ )
( ولها مَضْحَكٌ كغُرِّ الأقَاحِي ... وحديثٌ كالوَشْيِ وشِي البُرُودِ )
( نزلتْ في السَّواد من حبّة القلب ... ِ ونالتْ زيادةَ المُسْتَزيدِ )
( ثم قالت نلقاكَ بعد لَيالٍ ... والليالي يُبْلِينَ كلَّ جديدِ )
( عندها الصبرُ عن لقائي وعندي ... زَفَراتٌ يأكلنَ قلبَ الحديد )
قال فطرب الوليد وقال من لي بمزاج كاسي هذه من ريق سلمى فيروى ظمئي وتطفأ غلتي ثم بكى حتى مزج كأسه بدمعه وقال إن فاتنا ذاك فهذا
أخبرني عمي وقال حدثنا عبد الله بن أبي سعد قال حدثني محمد بن محمد بن سليمان الطفاوي قال حدثني عبد الله بن أبي بكر وكان جليسا لبشار قال كان لنا جار يكنى أبا زيد وكان صديقا لبشار فبعث إليه يوما يطلب منه ثيابا
بنسيئة فلم يصادفها عنده فقال يهجوه
( ألاَ إنّ أبا زيدٍ ... زَنَى في ليلة القدر )
( ولم يَرْعَ تعالى اللّهُ ربِّي حُرْمةَ الشَّهْرِ )
وكتبها في رقعة وبعث بها إليه ولم يكن أبو زيد يقول الشعر فقلبها وكتب في ظهرها
( ألا إن أبا زيدٍ ... له في ذلكم عُذْرُ )
( أتته أُمُّ بشّارٍ ... وقد ضاق بها الأمرُ )
( فواثَبها فجامَعَها ... وما ساعدَه الصّبرُ )
قال فلما قرئت على بشار غضب وندم على تعرضه لرجل لا نباهة له فجعل ينطح الحائط برأسه غيظا ثم قال لا تعرضت لهجا سفلة مثل هذا أبدا
شعره في جارية
أخبرني عمي قال حدثنا أبن مهرويه قال حدثني بعض ولد أبي عبيد الله وزير المهدي قال
دخل بشار على المهدي وقد عرضت عليه جارية مغنية فسمع غناءها فأطربه وقال لبشار قل في صفتها شعرا فقال
( ورائحةٍ للعين فيها مَحِيْلَةٌ ... إذا بَرَقَتْ لم تَسْقِ بَطْنَ صَعِيدِ )
 ( من المستَهلاّتِ السّرور على الفتى ... خفا بَرقُهَا في عبقرٍ وعُقُودِ )
( كأن لساناً ساحراً في كلامها ... أُعِينَ بصوتٍ للقلوب صَيُودِ )
( تُمِيتُ به ألبابَنا وقُلوبَنَا ... مراراً وتُحيِينهنَّ بعد هُمُودِ )
شعره في عقبة بن سلم
أخبرني عمي قال حدثنا أبو أيوب المديني قال قال أبو عدنان حدثني يحيى ابن الجون قال
دخل بشار يوما على عقبة بن سلم فأنشده قوله فيه
صوت
( إنّما لَذّةُ الجَوَادِ ابنِ سَلْمٍ ... في عَطَاءٍ ومَرْكَبٍ لِلّقَاءِ )
( ليس يُعطيكَ للرجاءِ ولا الخوفِ ... ولكن يَلَذُّ طَعْمَ العَطَاءِ )
( يَسقُطُ الطيُر حيثُ يَنتثِرُ الحَب ... ُ وتُغْشَى مَنازِلُ الكُرَمَاءِ )
( لا أُبالِي صَفْحَ اللئيم ولا تَجْري ... دُموعِي على الحَرون الصَّفاءِ )
( فعلى عُقبةَ السّلاَمُ مقيماً ... وإَذا سار تحت ظلِّ اللواءِ )
فوصله بعشرة آلاف درهم
وفي هذه الأبيات خفيف رمل مطلق في مجرى البنصر لرذاذ وهو مختار صنعته وصدورها ومما تشبه فيه بالقدماء ومذاهبهم
أخبرني أحمد بن العباس العسكري قال حدثنا الحسن بن عليل العنزي قال حدثنا أحمد بن خلاد عن الأصمعي وأخبرني به الحسن بن علي قال حدثنا
محمد بن القاسم بن مهرويه قال حدثني أحمد بن خلاد عن الأصمعي قال
كنت أشهد خلف بن أبي عمرو بن العلاء وخلفا الأحمر يأتيان بشارا ويسلمان عليه بغاية التعظيم ثم يقولان يا أبا معاذ ما أحدثت فيخبرهما وينشدهما ويسألانه ويكتبان عنه متواضعين له حتى يأتي وقت الظهر ثم ينصرفان عنه فأتياه يوما فقالا له ما هذه القصيدة التي أحدثتها في سلم بن قتيبة قال هي التي بلغتكما قالا بلغنا أنك أكثرت فيها من الغريب فقال نعم بلغني أن سلما يتباصر بالغريب فأحببت أن أورد عليه ما لا يعرفه قالا فأنشدناها فأنشدهما
( بَكِّرَا صاحِبَيَّ قبل الهَجِيرِ ... إنّ ذاكَ النجاحَ في التَّبكِير )
حتى فرغ منها فقال له خلف لو قلت يا أبا معاذ مكان إن ذاك النجاح
( بَكِّرا فالنجاحُ في التبكير ... )
كان أحسن فقال بشار بنيتها أعرابية وحشية فقلت إن ذاك النجاح كما يقول الأعراب البدويون ولو قلت بكرا فالنجاح كان هذا من كلام المولدين ولا يشبه ذلك الكلام ولا يدخل في معنى القصيدة فقام خلف فقبل بين عينيه
وقال له خلف بن أبي عمرو يمازحه لو كان علاثة ولدك يا أبا معاذ لفعلت كما فعل أخي ولكنك مولى فمد بشار يده فضرب بها فخذ خلف وقال
( أُرْفُقْ بعَمرو إذا حَرَّكْتَ نِسبَته ... فإِنه عربيُّ من قَواريرِ )
فقال له أفعلتها يا أبا معاذ قال وكان أبو عمرو يغمز في نسبه
وأخبرني ببعض هذا الخبر حبيب بن نصر عن عمر بن شبة عن أبي عبيدة فذكر نحوه وقال فيه إن سلما يعجبه الغريب
أخبرني هاشم بن محمد بن سلام قال قال لي خلف
كنت أسمع ببشار قبل أن أراه فذكروه لي يوما وذكروا بيانه وسرعة جوابه وجودة شعره فاستنشدتهم شيئا من شعره فأنشدوني شيئا لم يكن بالمحمود عندي فقلت والله لآتينه ولأطأطئن منه فأتيته وهو جالس على بابه فرأيته أعمى قبيح المنظر عظيم الجثة فقلت لعن الله من يبالي بهذا فوقفت أتأمله طويلا فبينما أنا كذلك إذ جاءه رجل فقال إن فلانا سبك عند الأمير محمد بن سليمان ووضع منك فقال أو قد فعل قال نعم فأطرق وجلس الرجل عنده وجلست وجاء قوم فسلموا عليه فلم يردد عليهم فجعلوا ينظرون إليه وقد درت أوداجه فلم يلبث إلا ساعة حتى أنشدنا بأعلى صوته وأفخمه
 ( نُبِّئتُ نَائِكَ أُمَّهِ يغتابُنِي ... عند الأميرِ وهل عليَّ أميرُ )
( نَارِي مُحرّقةٌ وبَيتِي واسِعٌ ... للمعتَفينَ ومَجلِسي مَعْمُورُ )
( ولِيَ المهابةُ في الأحِبَّةِ والعِدَا ... وكأنني أسَدٌ له تامُورُ )
( غَرِثَتْ حَليلتُه وأخطأ صيدَه ... فله على لَقَمِ الطريق زَئِيرُ )
قال فارتعدت والله فرائصي واقشعر جلدي وعظم في عيني جدا حتى قلت في نفسي الحمد لله الذي أبعدني من شرك
مدحه خالد بن برمك
نسخت من كتاب هارون بن علي بن يحيى قال حدثني علي بن مهدي قال حدثنا العباس بن خالد قال
مدح بشار خالد بن برمك فقال فيه
( لعَمْرِي لَقَد أَجْدَى عليَّ ابنُ برمَكٍ ... وما كلُّ مَنْ كان الغنى عنده يُجْدِي )
( حَلَبتُ بشِعْري راحَتَيْهِ فَدَرَّتا ... سماحاً كما دَرَّ السَّحابُ مع الرّعدِ )
( إذا جئتَه للحمد أشرقَ وجهُه ... إليكَ وأعطاكَ الكرامةَ بالحمدِ )
( له نِعَمٌ في القوم لا يستثيبُها ... جزاءً وكَيْلَ التاجِر المُدَّ بالمُدِّ )
( مُفِيدٌ ومِتلافٌ سَبيلُ تُرَاثِهِ ... إذا ما غَدا أرواحَ كالجزْرِ والمَدِّ )
 ( أخالدُ إنّ الحمدَ يبقَى لأهلِه ... جمالاً ولا تبقى الكُنُوزُ على الكَدِّ )
( فأَطْعِمْ وكُلْ من عَارةٍ مُستَردَّةٍ ... ولا تُبقِها إن العَوَارِيّ للرَّدِّ )
فأعطاه خالد ثلاثين ألف درهم وكان قبل ذلك يعطيه في كل وفادة خمسة آلاف درهم وأمر خالد أن يكتب هذان البيتان في صدر مجلسه الذي كان يجلس فيه
وقال ابنه يحيى بن خالد آخر ما أوصاني به أبي العمل بهذين البيتين
أخبرني عمي قال حدثنا عبد الله بن عمر بن أبي سعد قال حدثني محمد بن عبد الله بن عثمان قال
كان الوزير مولى عبد القيس من عمال الخراج وكان عفيفا بخيلا فسأل عمر بن العلاء وكان جوادا شجاعا في رجل فوهب له مائة ألف درهم فدخل أبو الوزير على المهدي فقال له يا أمير المؤمنين إن عمر بن العلاء خائن قال ومن أين علمت ذلك قال كلم في رجل كان أقصى أمله ألف درهم فوهب له مائة ألف درهم فضحك المهدي ثم قال قل كل يعمل على شاكلته أما سمعت قول بشار في عمر
( إذا دَهَمَتْكَ عِظَامُ الأمورِ ... فَنبِّهْ لها عمراً ثم نمْ )
( فتىً لا ينامُ على دِمْنَةٍ ... ولا يَشَربُ الماءَ إلا بدَمْ )
أو ما سمعت قول أبي العتاهية فيه
صوت
( إنّ المطايا تَشتَكيكَ لأنها ... قَطَعَتْ إليك سَبَاسِياً ورِمَالاَ )
( فإِذا ورَدْنَ بنا وَرَدْنَ مُخِفَّةً ... وإِذا رجَعْنَ بنا رَجَعْنَ ثِقَالاَ )
الغناء لإبراهيم ثاني ثقيل بالوسطى عن عمرو بن بانة أو ليس الذي يقول فيه أبو العتاهية
( يابنَ العَلاء ويابنَ القَرْمِ مرْداسِ ... إني لأُطْرِيكَ في صَحْبي وجُلاَّسِي )
( حتى إذا قيل ما أعطاكَ من نَشَبٍ ... أُلفِيتُ من عُظْمِ ما أسديتَ كالناسِي )
ثم قال من اجتمعت ألسن الناس على مدحه كان حقيقا أن يصدقها بفعله
وصفه لجارية سوداء
أخبرني محمد بن خلف بن المرزبان قال حدثني أبو بكر الربعي قال كانت لبشار جارية سوداء وكان يقع عليها وفيها يقول
( وغادَةٍ سَودَاءَ بَرَّاقَةٍ ... كالماءِ في طِيبٍ وفي لِينِ )
( كأنها صِيغَتْ لمن نالها ... من عَنبرٍ بالمِسكِ مَعجُونِ )
أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا ابن مهرويه قال حدثني أبو الشبل البرجمي قال قال رجل لبشار إن مدائحك عقبة بن سلم فوق مدائحك كل أحد فقال بشار إن عطاياه إياي كانت فوق عطاء كل أحد دخلت إليه يوما فأنشدته
( حرَّم اللهُ أن تَرى كابنِ سَلْمٍ ... عُقبَةِ الخيرِ مُطْعِمِ الفقراءِ )
( ليس يُعطِيكَ لِلرَّجاءِ ولا الخوفِ ... ولكن يَلذُّ طَعْمَ العَطاءِ )
( يَسقُط الطيرُ حيث ينْتَثِرُ الحَبّ ... ُ وتُغشَى مَنازِلُ الكُرَماءِ )
فأمر لي بثلاثة آلاف دينار وهأنا قد مدحت المهدي وأبا عبيد الله ووزيره أو قال يعقوب بن داود وأقمت بأبوابهما حولا فلم يعطياني شيئا أفألام على مدحي هذا
ونسخت من كتاب هارون بن علي أيضا حدثني علي قال حدثني عبيد الله بن أبي الشيص عن دعبل بن علي قال
كان بشار يعطي أبا الشمقمق في كل سنة مائتي درهم فأتاه أبو الشمقمق في بعض تلك السنين فقال له هلم الجزية يا أبا معاذ فقال ويحك أجزية هي قال هو ما تسمع فقال له بشار يمازحه أنت أفصح مني قال لا قال فأعلم مني بمثالب الناس قال لا قال فأشعر مني قال لا قال فلم أعطيك قال لئلا أهجوك فقال له إن هجوتني هجوتك فقال له أبو الشمقمق هكذا هو قال نعم فقل ما بدا لك فقال أبو الشمقمق
( إني إذا ما شاعِرٌ هجَانِيَهْ ... وَلَجّ في القول له لِسَانِيَهْ )
( أدخلتُه في استِ أمهِ عَلاَنِيَهْ ... بشّارُ يا بشّارُ . . . . . . )
وأراد أن يقول يابن الزانيه فوثب بشار فأمسك فاه وقال أراد والله أن يشتمني ثم دفع إليه مائتي درهم ثم قال له لا يسمعن هذا منك الصبيان يا أبا الشمقمق
أخبرني أحمد بن العباس العسكري قال حدثني الحسن بن عليل العنزي قال حدثني محمد بن بكر قال حدثني الأصمعي قال
أمر عقبة بن سلم الهنائي لبشار بعشرة آلاف درهم فأخبر أبو الشمقمق بذلك فوافى بشار فقال له يا أبا معاذ إني مررت بصبيان فسمعتهم ينشدون
( هَلِّلِينَهْ هَلِّلِينَهْ ... طَعْنَ قِثَّاةٍ لتِينَهْ )
( إنّ بشّارَ بنَ بردٍ ... تَيسٌ اعمَى في سَفِينَهْ )
فأخرج إليه بشار مائتي درهم فقال خذ هذه ولا تكن راوية الصبيان يا أبا الشمقمق
هجاؤه للعباس بن محمد بن علي
أخبرني أحمد قال حدثنا أبو محمد الصعتري قال حدثنا محمد بن عثمان البصري قال
استمنح بشار بن برد العباس بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس فلم يمنحه فقال يهجوه
( ظِلُّ اليسارِ على العباسِ مَمدُودُ ... وقَلبُهُ أبداً في البخل مَعقُودُ )
( إنّ الكريمَ لَيُخْفِي عنكَ عُسرَتَهُ ... حتى تَراه غَنِيّاً وهو مجهودُ )
( وللبخيلِ على أمواله عِلَلٌ ... زُرقُ العيونِ عليها أوجُهٌ سُودُ )
( إذا تكرَّهتَ أن تُعْطِي القليلَ ولم ... تَقدِرْ على سَعَةٍ لم يَظهرِ الجُودُ )
( أوْرِقْ بخَيرٍ تُرَجَّى لِلنّوال فما ... تُرْجَى الثِمارُ إذا لم يُورِقِ العُودُ )
( بُثَّ النَّوالَ ولا تَمنَعْكَ قِلَّتُهُ ... فكلُّ ما سَدَّ فَقراً فهو محمُودُ )
أخبرني أحمد قال حدثنا العنزي قال حدثني المغيرة بن محمد المهلبي قال حدثني أبي عن عباد بن عباد قال
مررت ببشار فقلت السلام عليك يا أبا معاذ فقال وعليك السلام أعباد فقلت نعم قال إني لحسن الرأي فيك فقلت ما أحوجني إلى ذلك

منك يا أبا معاذ
أخبرني يحيى بن علي قال أخبرني محمد بن عمر الجرجاني عن أبي يعقوب الخريمي الشاعر أن بشارا قال لم أزل منذ سمعت قول امرئ القيس في تشبيهه شيئين بشيئين في بيت واحد حيث يقول
( كأنّ قلوبَ الطيرِ رَطْباً ويابساً ... لَدى وكرِها العُنَّابُ والحَشَفُ البالِي )
أعمل نفسي في تشبيه شيئين بشيئين في بيت حتى قلت
( كأنّ مُثَار النّقع فوقَ رُؤوسِنا ... وأسيافَنَا ليلٌ تَهَاوى كَواكِبُهْ )
قال يحيى وقد أخذ هذا المعنى منصور النمري فقال وأحسن
( ليلٌ من النّقْعِ لا شمسٌ ولا قَمرٌ ... إلا جَبِينُكَ والمذْرُوبَةُ الشُّرُعُ )
طعن إسحاق الموصلي في شعره
أخبرني يحيى بن علي قال حدثني أبي قال كان إسحاق الموصلي يطعن على شعر بشار ويضع منه ويذكر أن كلامه مختلف لا يشبه بعضه بعضا فقلنا أتقول هذا القول لمن يقول
صوت
( إذا كنتَ في كلّ الأمور مُعاتباً ... صَدِيقَكَ لم تَلْقَ الذي لا تُعاتِبُهْ )
( فَعِشْ واحداً أو صِلْ أخاكَ فَإِنّهُ ... مُقَارِفُ ذنبٍ مَرّةً ومُجانِبُهْ )
( إذا أنتَ لم تشرَبْ مِرَاراً على القَذَى ... ظَمِئْتَ وأيُّ الناس تَصْفُو مَشَارِبُهْ )
لأبي العبيس بن حمدون في هذه الأبيات خفيف ثقيل بالبنصر قال علي بن يحيى وهذا الكلام الذي ليس فوقه كلام من الشعر ولا حشو فيه فقال لي إسحاق أخبرني أبو عبيدة معمر بن المثنى أن شبيل بن عزرة الضبعي أنشده هذه الأبيات للمتلمس وكان عالما بشعره لأنهما جميعا من بني ضبيعة فقلت له أفليس قد ذكر أبو عبيدة أنه قال لبشار أن شبيلا أخبره للمتلمس فقال كذب والله شبيل هذا شعري ولقد مدحت به ابن هبيرة فأعطاني عليه أربعين ألفا وقد صدق بشار وقد مدح في هذه القصيدة ابن هبيرة وقال فيها
( روَيدَ تصاهَلْ بالعراق جِيَادُنَا ... كأنّكَ بالضّحاكِ قد قامَ نَادِبُهْ )
( وسامٍ لمروانٍ ومِنْ دونِه الشَّجَا ... وهَوْلٌ كَلُجِّ البحرِ جَاشَتْ غوارِبُهْ )
( أحَلَّتْ به أُمُّ المنايا بنَاتِها ... بأسيافنا إنّا رَدَى مَنْ نُحَارِبُهْ )
( وكنّا إذا دَبَّ العدوُّ لِسخْطِنَا ... وراقَبَنا في ظاهرٍ لا نُرَاقِبُهْ )
 ( ركِبنا له جَهْراً بكلّ مُثَقَّفٍ ... وأبيضَ تَستَسْقي الدِّماءَ مَضَارِبُهْ )
ثم قلت لإسحاق أخبرني عن قول بشار في هذه القصيدة
( فلمّا تَوَلَّى الحَرُّ واعتَصَرَ الثّرى ... لَظَى الصَّيفِ مِنْ نَجمٍ تَوَقَّدَ لاَهِبُهْ )
( وطارَتْ عَصَافيرُ الشَّقائقِ واكتسَى ... من الآل أمثالَ المَجَرَّةِ ناضِبُهْ )
( غَدَتْ عَانَةٌ تشكو بأبصارها الصَّدَى ... إلى الجأْب إلا أنها لا تُخَاطِبُهْ )
العانة القطيع من الحمير والجأب ذكرها
ومعنى شكواها الصدى بأبصارها أن العطش قد تبين في أحداقها فغارت قال وهذا من أحسن ما وصف به الحمار والأتن أفهذا للمتلمس أيضا قال لا فقلت أفما هو في غاية الجودة وشبيه بسائر الشعر فكيف قصد بشار لسرقة تلك الأبيات خاصة وكيف خصه بالسرقة منه وحده من بين الشعراء وهو قبله بعصر طويل وقد روى الرواة شعره وعلم بشار أن ذلك لا يخفى ولم يعثر على بشار أنه سرق شعرا قط جاهليا ولا إسلاميا
وأخرى فإن شعر المتلمس يعرف في بعض شعر بشار فلم يردد ذلك بشيء
وقد أخبرني بهذا الخبر هاشم بن محمد الخزاعي قال حدثنا أبو غسان معاذ عن أبي عبيدة أن بشارا أنشده
( إذا كنتَ في كلّ الأمور مُعَاتباً ... صديقَكَ لم تَلْقَ الذي لا تُعاتِبُهْ )
وذكر الأبيات قال وأنشدتها شبيل بن عزرة الضبعي فقال هذا للمتلمس فأخبرت بذلك بشارا قال كذب والله شبيل لقد مدحت ابن هبيرة بهذه القصيدة وأعطاني عليها أربعين ألفا
أخبرنا يحيى بن علي قال حدثنا علي بن مهدي قال حدثنا علي بن إبراهيم المروزي وكان أبوه من قواد طاهر قال حدثني أبي قال
لما خلع محمد المأمون وندب له علي بن عيسى ندب المأمون للقاء علي بن عيسى طاهر بن الحسين ذا اليمينين وجلس له لعرضه وعرض أصحابه فمر به ذو اليمينين معترضا وهو ينشد
( رُوَيدَ تَصَاهَلْ بالعراق جيادُنا ... كأنّك بالضحّاك قد قام نادبُهْ )
فتفاءل المأمون بذلك فاستدناه فاستعاده البيت فأعاد عليه فقال ذو الرياستين يا أمير المؤمنين هو حجر العراق قال أجل فلما صار ذو اليمينين إلى العراق سأل هل بقي من ولد بشار أحد فقالوا لا فتوهمت أنه قد كان هم لهم بخير
سرقة سلم الخاسر من معانيه
أخبرنا يحيى قال حدثنا أبي قال أخبرني أحمد بن صالح وكان أحد الأدباء قال
غضب بشار على سلم الخاسر وكان من تلامذته ورواته فاستشفع عليه بجماعة من إخوانه فجاءوه في أمره فقال لهم كل حاجة لكم مقضية إلا سلما
قالوا ما جئناك إلا في سلم ولا بد من أن ترضى عنه لنا فقال أين هو الخبيث قالوا ها هو هذا فقام إليه سلم فقبل رأسه ومثل بين يديه وقال يا أبا معاذ خريجك وأديبك فقال يا سلم من الذي يقول
( مَنْ راقَبَ الناسَ لم يَظفَرْ بحاجته ... وفازَ بالطّيباتِ الفاتِكُ اللَّهجُ )
قال أنت يا أبا معاذ جعلني الله فداءك قال فمن الذي يقول
( مَنْ راقَبَ الناسَ مات غَمّاً ... وفاز باللَّذَّةِ الجَسُورُ )
قال خريجك يقول ذلك يعني نفسه قال أفتأخذ معاني التي قد عنيت بها وتعبت في استنباطها فتكسوها ألفاظا أخف من ألفاظي حتى يروى ما تقول ويذهب شعري لا أرضى عنك أبدا قال فما زال يتضرع إليه ويشفع له القوم حتى رضي عنه
وفي هذه القصيدة يقول بشار
( لو كنتِ تَلْقِينَ ما نَلْقَى قَسَمتِ لنا ... يوماً نَعيِشُ به منكم ونَبتَهجُ )
صوت
( لا خيرَ في العيش إن كنّا كذاَ أبدا ... لا نَلتقي وسبيلُ الملتَقى نَهَجُ )
( قالوا حرامٌ تلاقِينَا فقلت لهم ... ما في التَّلاقِيَ ولا في قُبْلَةٍ حَرَجُ )
( مَنْ راقَب الناسَ لم يَظْفَرْ بحاجتِه ... وفاز بالطّيّباتِ الفاتِكُ اللَّهجُ )
( أشكو إلى الله هَما ما يُفَارِقُنِي ... وشُرَّعاً في فُؤادي الدّهرَ تعتَلِجُ )
أخبرنا محمد بن عمران الصيرفي قال حدثنا الحسن بن عليل العنزي قال
حدثنا أحمد بن خلاد قال أنشدت الأصمعي قول بشار يهجو باهلة
( ودعاني مَعشرٌ كُلٌّهُمُ ... حُمُقٌ دام لهمْ ذاكَ الحُمُقْ )
( ليس من جُرْمٍ ولكن غاظَهُم ... شَرَفِي العارِضُ قد سَدَّ الأُفُقْ )
فاغتاظ الأصمعي فقال ويلي على هذا العبد القن ابن القن
نسخت من كتاب هارون بن علي بن يحيى قال حدثني علي بن مهدي قال حدثني عباس بن خالد قال سمعت غير واحد من أهل البصرة يحدث
أن امرأة قالت لبشار أي رجل أنت لو كنت أسود اللحية والرأس قال بشار أما علمت أن بيض البزاة أثمن من سود الغربان فقالت له أما قولك فحسن في السمع ومن لك بأن يحسن شيبك في العين كما حسن قولك في السمع فكان بشار يقول ما أفحمني قط غير هذه المرأة
ونسخت من كتابه حدثني علي بن مهدي قال حدثني إسحاق بن كلبة قال قال لي أبو عثمان المازني
سئل بشار أي متاع الدنيا آثر عندك فقال طعام مز وشراب مر وبنت عشرين بكر
قوله بعد امتناع امرأة عنه
أخبرني عمي قال حدثني عبد الله بن أبي سعد وأخبرنا الحسن بن علي قال حدثني أحمد بن أبي طاهر قال حدثني عبد الله بن أبي سعد قال حدثني أبو توبة عن صالح بن عطية قال
كان النساء المتظرفات يدخلن إلى بشار في كل جمعة يومين فيجتمعن عنده ويسمعن من شعره فسمع كلام امرأة منهن فعلقها قلبه وراسلها يسألها أن تواصله فقالت لرسوله وأي معنى فيك لي أو لك في وأنت أعمى لا تراني فتعرف حسني ومقداره وأنت قبيح الوجه فلا حظ لي فيك فليت شعري لأي شيء تطلب وصال مثلي وجعلت تهزأ به في المخاطبة فأدى الرسول الرسالة فقال له عد إليها فقل لها
( أيرِي له فضلٌ على آيارهم ... وإذا أشظّ سجَدْنَ غير أوابي )
( تلقاه بعد ثلاثَ عشْرةَ قائماً ... فعلَ المؤذِّن شكّ يوم سَحابِ )
( وكأنّ هامةَ رأسه بطّيخَةٌ ... حُمِلتْ إلى مَلِكٍ بدجلةَ جابي )
أخبرني علي بن صالح بن الهيثم قال حدثنا أبو هفان قال أخبرني أحمد بن عبد الأعلى الشيباني عن أبيه قال
قال مروان لبشار لما أنشده هذا البيت
( وإذا قلتُ لها جُودي لنا ... خرجَتْ بالصَّمت مِن لاَ ونَعَمْ )
جعلني الله فداءك يا أبا معاذ هلا قلت خرست بالصمت قال إذا أنا في عقلك فض الله فاك أأتطير على من أحب بالخرس
خالد البرمكي يجيزه على مدحه
نسخت من كتاب هارون بن علي بن يحيى حدثني بعض أصحابنا قال
وفد بشار إلى خالد بن برمك وهو على فارس فأنشده
( أخالدُ لم أَخْبِطْ إليك بذمّةٍ ... سوى أنّني عَافٍ وأنتَ جَوادُ )
( أخالدُ بينَ الأجر والحمدِ حاجتي ... فأيّهما تأتي فأنتَ عِمادُ )
( فإِن تُعطني أُفرغْ عليك مدائحي ... وإِن تأبَ لم يُضرَبْ عليّ سِدادُ )
( رِكابي على حَرْفٍ وقلبي مُشَيَّعٌ ... ومالي بأرض الباخلينَ بِلادُ )
( إذا أنكرتْنِي بَلدةٌ أو نَكِرتْهُا ... خرجتُ مع البازِي عليّ سَوادُ )
قال فدعا خالد بأربعة آلاف دينار في أربعة أكياس فوضع واحدا عن يمينه وواحدا عن شماله وآخر بين يديه وآخر خلفه وقال يا أبا معاذ هل استقل العماد فلمس الأكياس ثم قال استقل والله أيها الأمير
الهيثم بن معاوية يجيزه على مدحه
أخبرني حبيب بن نصر المهلبي قال حدثنا عمر بن شبة قال قال محمد بن الحجاج حدثني بشار قال
دخلت على الهيثم بن معاوية وهو أمير بالبصرة فأنشدته
 ( إنّ السّلام أيّها الأميرُ ... عليكَ والرّحمةُ والسّرورُ )
فسمعته يقول إن هذا الأعمى لا يدعنا أو يأخذ من دراهمنا شيئا فطمعت فيه فما برحت حتى انصرفت بجائزته
أخبرني هاشم بن محمد قال حدثنا عيسى بن إسماعيل عن محمد بن سلام قال
وقف رجل من بني زيد شريف لا أحب أن أسميه على بشار فقال له يا بشار قد أفسدت علينا موالينا تدعوهم إلى الانتفاء منا وترغبهم في الرجوع إلى أصولهم وترك الولاء وأنت غير زاكي الفرع ولا معروف الأصل فقال له بشار والله لأصلي أكرم من الذهب ولفرعي أزكى من عمل الأبرار وما في الأرض كلب يود أن نسبك له بنسبه ولو شئت أن أجعل جواب كلامك كلاما لفعلت ولكن موعدك غدا بالمربد فرجع الرجل إلى منزله وهو يتوهم أن بشارا يحضر معه المربد ليفاخره فخرج من الغد يريد المربد فإذا رجل ينشد
( شهِدتُ على الزَّيديّ أنّ نِساءه ... ضِياعٌ إلى أير العُقيليّ تَزفِرُ )
فسأل عمن قال هذا البيت فقيل له هذا لبشار فيك فرجع إلى منزله من فوره ولم يدخل المربد حتى مات
قال ابن سلام وأنشد رجل يوما يونس في هذه القصيدة وهي
( بَلَوتُ بني زيدٍ فما في كِبارِهم ... حُلومٌ ولا في الأصغَرِين مُطهَّرُ )
( فأبلغ بني زيد وقل لسراتهم ... وإِن لم يكن فيهم سَراةٌ تُوقَّرُ )
 ( لأمِّكم الوَيلاتُ إنّ قصائدي ... صَواعقُ منها مُنجدٌ ومغوِّر )
( أجَدَّهُم لا يتَّقون دَنِيّةً ... ولا يُؤثِرون الخير والخير يؤثر )
( يَلُفُّون أولاد الزّنا في عِدادهم ... فعِدّتُهم من عِدّة الناس أكثرُ )
( إذا ما رأوا مَنْ دأبُه مثلُ دأبهم ... أطافوا به والغَيُّ للغيِّ أصوَرُ )
( ولو فارقوا من فيهمُ من دَعَارةٍ ... لما عرفتْهم أُّمهُّم حين تَنظُرُ )
( لقد فَخروا بالمُلحَقِينَ عشيَّةً ... فقلتُ افخروا إن كان في اللؤم مفخَرُ )
( يريدون مَسْعَاتِي ودون لقائها ... قناديلُ أبواب السَّمواتِ تَزْهَرُ )
( فقل في بني زيدٍ كما قال مُعْرِبٌ ... قَوَارِيرُ حَجَّامٍ غداً تَتكسَّرُ )
فقال يونس للذي أنشده حسبك حسبك من هيج هذا الشيطان عليهم قيل فلان فقال رب سفيه قوم قد كسب لقومه شرا عظيما
أخبرني عمي قال حدثنا ابن مهرويه قال حدثني عبد الله بن بشر بن هلال قال حدثني محمد بن محمد البصري قال حدثني النضر بن طاهر أبو الحجاج قال
قال بشار دعاني عقبة بن سلم ودعا بحماد عجرد وأعشى باهلة فلما
اجتمعنا عنده قال لنا إنه خطر ببالي البارحة مثل يتمثله الناس ذهب الحمار يطلب قرنين فجاء بلا أذنين فأخرجوه من الشعر ومن أخرجه فله خمسة آلاف درهم وإن لم تفعلوا جلدتكم كلكم خمسمائة فقال حماد أجلنا أعز الله الأمير شهرا وقال الأعشى أجلنا أسبوعين قال وبشار ساكت لا يتكلم فقال له عقبة مالك يا أعمى لا تتكلم أعمى الله قلبك فقال أصلح الله الأمير قد حضرني شيء فإن أمرت قلته فقال قل فقال
( شَطَّ بِسَلْمَى عاجلُ البينِ ... وجاورتْ أُسْدَ بَنِي القَيْنِ )
( ورَنَّتِ النفسُ لها رَنَّةً ... كادتْ لها تنشَقُّ نصفَيْنِ )
( يابنةَ مَن لا أشتهِي ذكرَه ... أخشَى عليهِ عُلَقَ الشَّيْنِ )
( والله لو ألقاكِ لا أتّقي ... عيناً لقبَّلتُكِ ألفيْنِ )
( طالبتُها دَينِي فراغَتْ به ... وعَلَّقَتْ قلبي مع الدّيْنِ )
( فصِرتُ كالعَيْرِ غدا طالباً ... قَرْناً فلم يَرجِعْ بأُذْنيْنِ )
قال فانصرف بشار بالجائزة
خبره مع قوم من قيس عبلان
نسخت من كتاب هارون بن علي بن يحيى حدثنا علي بن مهدي قال حدثني عبد الله بن عطية الكوفي قال حدثني عثمان بن عمرو الثقفي قال قال أبان بن عبد الحميد اللاحقي
نزل في ظاهر البصرة قوم من أعراب قيس عيلان وكان فيهم بيان وفصاحة فكان بشار يأتيهم وينشدهم أشعاره التي يمدح بها قيسا فيجلونه لذلك ويعظمونه وكان نساؤهم يجلسن معه ويتحدثن إليه وينشدهن أشعاره في الغزل وكن يعجبن
به وكنت كثيرا ما آتي ذلك الموضع فاسمع منه ومنهم فأتيتهم يوما فإذا هم قد ارتحلوا فجئت إلى بشار فقلت له يا أبا معاذ أعلمت أن القوم قد ارتحلوا قال لا فقلت فاعلم قال قد علمت لا علمت ومضيت فلما كان بعد ذلك بأيام سمعت الناس ينشدون
( دعا بِفراق مَنْ تَهْوَى أبانُ ... ففاضَ الدّمعُ واحترقَ الجَنانُ )
( كأن شَرارةً وقعَتْ بقلبي ... لها في مُقْلتِي ودَمِي استِنَانُ )
( إذا أنشَدتُ أو نَسَمَتْ عليها ... رياحُ الصّيفِ هاجَ لها دُخَانُ )
فعلمت أنها لبشار فأتيته فقلت يا أبا معاذ ما ذنبي إليك قال ذنب غراب البين فقلت هل ذكرتني بغير هذا قال لا فقلت أنشدك الله ألا تزيد فقال امض لشأنك فقد تركتك
ونسخت من كتابه حدثني علي بن مهدي قال حدثني يحيى بن سعيد الأيوزرذي المعتزلي قال حدثني أحمد بن المعذل عن أبيه قال
أنشد بشار جعفر بن سليمان
( أقِلّي فإنّا لاحِقونَ وإِنّما ... يُؤَخِّرنا أنَّا يُعَدُّ لنا عَدًا )
( وما كنتُ إلا كالأغرّ ابن جعفرٍ ... رأى المالَ لا يبقَى فأبقَى به حَمدا )
فقال له جعفر بن سليمان من ابن جعفر قال الطيار في الجنة فقال لقد ساميت غير مسامي فقال والله ما يقعدني عن شأوه بعد النسب لكن قلة النشب وإني لأجود بالقليل وإن لم يكن عندي الكثير وما على من جاد بما
يملك ألا يهب البدور فقال له جعفر لقد هززت أبا معاذ ثم دعا له بكيس فدفعه إليه
ونسخت من كتابه حدثني علي بن مهدي قال حدثني أحمد بن سعيد الرازي عن سليمان بن سليمان العلوي قال
قيل لبشار إنك لكثير الهجاء فقال إني وجدت الهجاء المؤلم آخذ بضبع الشاعر من المديح الرائع ومن أراد من الشعراء أن يكرم في دهر اللئام على المديح فليستعد للفقر وإلا فليبالغ في الهجاء ليخاف فيعطى
بعض من سيرة حياته في صباه
أخبرني هاشم بن محمد الخزاعي قال حدثنا أبو غسان دماذ عن أبي عبيدة قال
كان برد أبو بشار طيانا حاذقا بالتطيين وولد له بشار وهو أعمى فكان يقول ما رأيت مولودا أعظم بركة منه ولقد ولد وما عندي درهم فما حال الحول حتى جمعت مائتي درهم
ولم يمت برد حتى قال بشار الشعر
وكان لبشار أخوان يقال لأحدهما بشر وللآخر بشير وكانا قصابين وكان بشار بارا بهما على أنه كان ضيق الصدر متبرما بالناس فكان يقول اللهم إني قد تبرمت بنفسي وبالناس جمعيا اللهم فأرحني منهم
وكان إخوته يستعيرون ثيابه فيوسخونها وينتنون ريحها فاتخذ قميصا له جيبان وحلف ألا يعيرهم ثوبا من ثيابه فكانوا يأخذونها بغير إذنه فإذا دعا بثوبه فلبسه فأنكر رائحته فيقول إذا وجد رائحة كريهة من ثوبه أينما أتوجه ألق سعدا
فإذا أعياه الأمر خرج إلى الناس في تلك الثياب على
نتنها ووسخها فيقال له ما هذا يا أبا معاذ فيقول هذه ثمرة صلة الرحم
قال وكان يقول الشعر وهو صغير فإذا هجا قوما جاءوا إلى أبيه فشكوه فيضربه ضربا شديدا فكانت أمه تقول كم تضرب هذا الصبي الضرير أما ترحمه فيقول بلى والله إني لأرحمه ولكنه يتعرض للناس فيشكونه إلي فسمعه بشار فطمع فيه فقال له يا أبت إن هذا الذي يشكونه مني إليك هو قول الشعر وإني إن ألممت عليه أغنيتك وسائر أهلي فإن شكوني إليك فقل لهم أليس الله يقول ( ليس على الأعمى حرج )
فلما عاودوه شكواه قال لهم برد ما قاله بشار فانصرفوا وهم يقولون فقه برد أغيظ لنا من شعر بشار
أخبرني الحسن بن علي قال حدثني محمد بن القاسم بن مهرويه قال حدثني محمد بن عثمان الكريزي قال حدثني بعض الشعراء قال
أتيت بشارا الأعمى وبين يديه مائتا دينار فقال لي خذ منها ما شئت أو تدري ما سببها قلت لا قال جاءني فتى فقال لي أنت بشار فقلت نعم فقال إني آليت أن أدفع إليك مائتي دينار وذلك أني عشقت امرأة فجئت إليها فكلمتها فلم تلتفت إلي فهممت أن أتركها فذكرت قولك
( لا يُوْيسَنَّكَ من مُخَبَّأةٍ ... قولٌ تُغلِّظُهُ وإن جَرَحَا )
( عُسْرُ النِّساء إلى مُيَاسَرَةٍ ... والصَّعْبُ يُمكِنُ بعد ما جَمَحَا )
فعدت إليها فلازمتها حتى بلغت منها حاجتي
هابه الأخفش فاستشهد بشعره
أخبرني عمي قال حدثني الكراني عن أبي حاتم قال
كان الأخفش طعن على بشار في قوله
( فالآنَ أَقْصَرَ عن سُمَيَّةَ باطِلي ... وأشار بالوَجْلَى عليّ مُشِيرُ )
وفي قوله
( على الغَزَلى مِنّي السَّلامُ فربَّما ... لَهَوْتُ بها في ظِلِّ مَرْؤُومَةٍ زُهْر )
وفي قوله في صفة سفينة
( تُلاَعِبُ نِينَانَ البُحورِ ورُبَّما ... رأيتَ نُفوسَ القوم من جَرْيها تَجْرِي )
وقال لم يسمع من الوجل والغزل فعلى ولم أسمع بنون ونينان فبلغ ذلك بشارا فقال ويلي على القصارين متى كانت الفصاحة في بيوت القصارين دعوني وإياه فبلغ ذلك الأخفش فبكى وجزع فقيل له ما يبكيك فقال وما لي لا أبكي وقد وقعت في لسان بشار الأعمى فذهب أصحابه إلى بشار فكذبوا عنه واستوهبوا منه عرضه وسألوه ألا يهجوه فقال قد وهبته للؤم عرضه فكان الأخفش بعد ذلك يحتج بشعره في كتبه ليبلغه فكف عن ذكره بعد هذا
قال وقال غير أبي حاتم إنما بلغه أن سيبويه عاب هذه الأحرف عليه لا الأخفش فقال يهجوه
( أَسِبْوَيْهِ يابنَ الفارسيَّة ما الذي ... تَحَدَّثْتَ عن شَتْمِي وما كنتَ تَنبِذُ )
 ( أَظَلْتَ تَغنِّي سادِراً في مَسَاءتِي ... وأُمُّكَ بالمِصْرَينِ تُعْطِي وتَأْخُذُ )
قال فتوقاه سيبويه بعد ذلك وكان إذا سئل عن شيء فأجاب عنه ووجد له شاهدا من شعر بشار احتج به استكفافا لشره
أهله يستعينون به لهجاء بني سدوس
أخبرني محمد بن عمران الصيرفي قال حدثني الحسن بن عليل العنزي قال حدثني أحمد بن علي بن سويد بن منجوف قال
كان بشار مجاورا لبني عقيل وبني سدوس في منزل الحيين فكانوا لا يزالون يتفاخرون فاستعانت عقيل ببشار وقالوا له يا أبا معاذ نحن أهلك وأنت ابننا وربيت في حجورنا فأعنا فخرج عليهم وهم يتفاخرون فجلس ثم أنشد
( كأنّ بني سَدُوسٍ رهطَ ثَوْرٍ ... خَنَافِسُ تحتَ مُنكَسرِ الجِدَارِ )
( تُحرِّكُ للفَخَارِ زُبانَيَيْها ... وفخرُ الخُنْفَساءِ من الصَّغَارِ )
فوثب بنو سدوس إليه فقالوا ما لنا ولك يا هذا نعوذ بالله من شرك فقال هذا دأبكم إن عاودتم مفاخرة بني عقيل فلم يعاودوها
أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا ابن مهرويه قال حدثني محمد بن إسماعيل عن محمد بن سلام قال قال يونس النحوي العجب من الأزد
يدعون هذا العبد ينسب بنسائهم ويهجو رجالهم يعني بشارا ويقول
( ألاَ يا صَنَمَ الأَزِدْ ... الذي يَدْعُونَه رَبّا )
ألا يبعثون إليه من يفتق بطنه
أخبرني الحسن قال حدثني ابن مهرويه عن أحمد بن إسماعيل عن محمد بن سلام قال
مر ابن أخ لبشار ببشار ومعه قوم فقال لرجل معه وسمع كلامه من هذا فقال ابن أخيك قال أشهد أن أصحابه سفلة قال وكيف علمت قال ليس عليهم نعال
أخبرني الحسن قال حدثنا محمد بن القاسم قال حدثني الفضل بن يعقوب قال
كنا عند جارية لبعض التجار بالكرخ تغنينا وبشار عندنا فغنت في قوله
( إنّ الخليفةَ قد أبى ... وإِذا أبَى شيئاً أبَيتُهْ )
( ومُخَضّبٍ رَخْصِ البَنَان ... ِ بكى علَيَّ وما بكَيْتُهْ )
( يا مَنْظراً حَسَناً رأيت ... ُ بوجهِ جاريةٍ فَدَيْتُهْ )
( بعثَتْ إليّ تَسُومُنِي ... ثَوبَ الشَّبابِ وقد طَوَيْتُهْ )
فطرب بشار وقال هذا والله يا أبا عبد الله أحسن من سورة الحشر وقد روى هذه الكلمة عن بشار غير من ذكرته فقال عنه إنه قال هي والله أحسن من سورة الحشر الغناء في هذه الأبيات
وتمام الشعر
 ( وأنا المطِلُّ على العِدَا ... وإِذا غَلا الحمدُ اشتريتُهْ )
( وأمِيلُ في أُنسِ النّدِيم ... من الحياءِ وما اشتهَيتُهْ )
( ويُشوقُنِي بيتُ الحبيب ... إذا غدوتُ وأينَ بيتُهْ )
( حالَ الخليفةُ دونه ... فصبَرتُ عنه وما قَليتُهْ )
وأنشدني أبو دلف هاشم بن محمد الخزاعي هذه الأبيات وأخبرني أن الجاحظ أخبره أن المهدي نهى بشارا عن الغزل وأن يقول شيئا من النسيب فقال هذه الأبيات قال وكان الخليل بن أحمد ينشدها ويستحسنها ويعجب بها
أخبرني هاشم بن محمد قال حدثنا دماذ أبو غسان عن محمد بن الحجاج قال
قالت بنت بشار لبشار يا أبت مالك يعرفك الناس ولا تعرفهم قال كذلك الأمير يا بنية
دفاعه عن أبي النضير
أخبرني عبد الله بن محمد الرازي قال حدثنا أحمد بن الحارث الخراز عن المدائني قال
قال عبد الله بن مسور الباهلي يوما لأبي النضير وقد تحاورا في شيء يابن اللخناء أتكلمني ولو اشتريت عبدا بمائتي درهم وأعتقته لكان خيرا منك فقال له أبو النضير والله لو كنت ولد زنا لكنت خيرا من باهلة كلها فغضب الباهلي فقال له بشار أنت منذ ساعة تزني أمه ولا يغضب فلما كلمك كلمة واحدة لحقك
هذا كله فقال له وأمه مثل أمي يا أبا معاذ فضحك ثم قال والله لو كانت أمك أم الكتاب ما كان بينكما من المصارمة هذا كله
هجاؤه ليزيد بن مزيد
نسخت من كتاب هارون بن علي بن يحيى حدثني علي بن مهدي قال حدثني سعيد بن عبيد الخزاعي قال ورد بشار بغداد فقصد يزيد بن مزيد وسأله أن يذكره للمهدي فسوفه أشهرا ثم ورد روح بن حاتم فبلغه خبر بشار فذكره للمهدي من غير أن يلقاه وأمر بإحضاره فدخل إلى المهدي وأنشده شعرا مدحه به فوصله بعشرة آلاف درهم ووهب له عبدا وقينة وكساه كسا كثيرة وكان يحضر قيسا مرة فقال بشار يهجو يزيد بن مزيد
( ولمّا التقينا بالجُنَينَةِ غَرَّني ... بمعروفه حتى خرجتُ أفُوقُ )
غرني أوجرني كما يغر الصبي أي يوجر اللبن
( حَبَانِي بعبدٍ قَعْسَرِيٍّ وقَيْنَةٍ ... ووَشْيٍ وآلافٍ لهنَّ بَرِيقُ )
( فَقُل ليزيدٍ يَلعصُ الشهدَ خالياً ... لنا دونه عند الخليفة سُوقُ )
( رَقدت فنَمْ يابنَ الخبيثةِ إنها ... مكارِمُ لا يَسْتطِيعُهُنَّ لَصِيقُ )
( أبَى لكَ عِرْقٌ من فلانةَ أن تُرى ... جواداً ورأسٌ حين شِبْتَ حَلِيقُ )
أخبرني هاشم بن محمد الخزاعي قال حدثنا الرياشي قال حدثنا الأصمعي
قال كان بشار كتب إلى إبراهيم بن عبد الله بن الحسن بقصيدة يمدحه بها ويحرضه ويشير عليه فلم تصل إليه حتى قتل وخاف بشار أن تشتهر فقلبها وجعل التحريض فيها على أبي مسلم والمدح والمشورة لأبي جعفر المنصور فقال
( أبا مُسلمٍ ما طِيبُ عَيشٍ بدائمِ ... ولا سالمٌ عما قليلٍ بسالمِ )
وإنما كان قال أبا جعفر ما طيب عيش فغيره وقال فيها
( إذا بلغ الرأيُ النصيحةَ فاستَعِنْ ... بعَزْمِ نَصيحٍ أو بتأييدِ حازمِ )
( ولا تَجعَلِ الشُّورَى عليك غضاضةً ... مكانُ الحوافي نافعٌ للقوادمِ )
( وخَلّ الهُوينَى للضعيف ولا تكن ... نَؤُوماً فإِنّ الحزمَ ليس بنائمِ )
( وما خيرُ كَفٍّ أمسكَ الغُلُّ أختَها ... وما خيرُ سيفٍ لم يُؤيَّدْ بقائمِ )
( وحارِبْ إذا لم تُعطَ إلا ظُلاَمةً ... شَبَا الحربِ خيرٌ منِ قَبول المظالِم )
( وأَدْنِ على القُرْبَى المقرِّبَ نَفسَه ... ولا تُشْهِد الشّورَى امرأً غيرَ كاتِم )
( فإِنّكَ لا تَسْتَطْرِدُ الهمَّ بالمُنَى ... ولا تَبلُغُ العَلْيَا بغير المكارِمِ )
( إذا كنتَ فرداً هَرَّكَ القومُ مُقبلاً ... وإِن كنت أدنى لم تَفُزْ بالعَزَائِمِ )
( وما قَرَعَ الأقوامَ مِثلُ مُشيَّع ... أريبٍ ولا جَلَّى العَمَى مثلُ عالِم )
قال الأصمعي فقلت لبشار إني رأيت رجال الرأي يتعجبون من أبياتك في
المشورة فقال أما علمت أن المشاور من إحدى الحسنين بين صواب يفوز بثمرته أو خطأ يشارك في مكروهه فقلت أنت والله أشعر في هذا الكلام منك في الشعر
أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا ابن مهرويه قال حدثني علي بن الصباح عن بعض الكوفيين قال
مررت ببشار وهو متبطح في دهليزه كأنه جاموس فقلت له يا أبا معاذ من القائل
( في حُلّتِي جسمُ فتىً ناحلٍ ... لو هَبّتِ الريحُ به طاحا )
قال أنا قلت فما حملك على هذا الكذب والله إني لأرى أن لو بعث الله الرياح التي أهلك بها الأمم الخالية ما حركتك من موضعك فقال بشار من أين أنت قلت من أهل الكوفة فقال يا أهل الكوفة لا تدعون ثقلكم ومقتكم على كل حال
نسخت من كتاب هارون بن علي قال حدثني عافية بن شبيب قال
قدم كردي بن عامر المسمعي من مكة فلم يهد لبشار شيئا وكان صديقه فكتب إليه
( ما أنت يا كرديّ بالهَشِّ ... ولا أُبَرِّيك من الغِشِّ )
( لم تُهْدِنا نعلاً ولا خاتَماً ... من أين أقبلتَ من الحشّ )
فأهدى إليه هدية حسنة وجاءه فقال عجلت يا أبا معاذ علينا فأنشدك الله ألا تزيد شيئا على ما مضى
ونسخت من كتابه عن عافية بن شبيب أيضا قال حدثني صديق لي قال
قلت لبشار كنا أمس في عرس فكان أول صوت غنى به المغني
( هَوَى صاحبي ريحُ الشَّمالِ إذا جرتْ ... وأشْفَى لنفسي أن تَهُبَّ جَنُوبُ )
( وما ذاك إلا أنها حين تنتهي ... تَنَاهَى وفيها من عُبَيدة طِيبُ )
فطرب وقال هذا والله أحسن من فلج يوم القيامة
أخبرنا يحيى بن علي قال حدثنا أبي عن عافية بن شبيب عن أبي جعفر الأسدي قال
مدح بشار المهدي فلم يعطه شيئا فقيل له لم يستجد شعرك فقال والله لقد قلت شعرا لو قيل في الدهر لم يخش صرفه على أحد ولكنا نكذب في القول فنكذب في الأمل
هجاء روح بن حاتم
أخبرني عمي قال حدثنا عبد الله بن أبي سعد قال حدثني يحيى بن خليفة الدارمي عن نصر بن عبد الرحمن العجلي قال
هجا بشار روح بن حاتم فبلغه ذلك فقذفه وتهدده فلما بلغ ذلك بشارا قال فيه
( تَهَدّدني أبو خلفٍ ... وعن أوتاره ناما )
( بسيفٍ لأبي صُفْرَةَ ... لا يَقْطَع إبهاما )
 ( كأنّ الوَرْسَ يَعْلُوهُ ... إذا ما صدرهُ قاما )
قال ابن أبي سعد ومن الناس من يروي هذين البيتين لعمرو الظالمي قال فبلغ ذلك روحا فقال كل مالي صدقة إن وقعت عيني عليه لأضربنه ضربة بالسيف ولو أنه بين يدي الخليفة فبلغ ذلك بشارا فقام من فوره حتى دخل على المهدي فقال له ما جاء بك في هذا الوقت فأخبره بقصة روح وعاذ به منه فقال يا نصير وجه إلى روح من يحضره الساعة فأرسل إليه في الهاجرة وكان ينزل المخرم فظن هو وأهله أنه دعي لولاية
قال يا روح إني بعثت إليك في حاجة فقال له أنا عبدك يا أمير المؤمنين فقل ما شئت سوى بشار فإني حلفت في أمره بيمين غموس قال قد علمت وإياه أردت قال له فاحتل ليميني يا أمير المؤمنين فأحضر القضاة والفقهاء فاتفقوا على أن يضربه ضربة على جسمه بعرض السيف وكان بشار وراء الخيش فأخرج وأقعد واستل روح سيفه فضربه ضربة بعرضه فقال أوه باسم الله فضحك المهدي وقال له ويلك هذا وإنما ضربك بعرضه وكيف لو ضربك بحده
مدح سليمان بن هشام
أخبرني حبيب بن نصر قال حدثنا عمر بن شبة قال حدثنا أبو عبيدة قال
مدح بشار سليمان بن هشام بن عبد الملك وكان مقيما بحران وخرج إليه فأنشده قوله فيه
( نأتْكَ على طُول التجاوُرِ زينبُ ... وما شَعَرتْ أن النَّوَى سوف تَشعَبُ )
( يرى الناسُ ما تَلْقَى بزينبَ إذ نأتْ ... عجيباً وما تُخْفِي بزينبَ أعجبُ )
( وقائلةٍ لي حين جَدّ رحيلُنا ... وأجفانُ عينيها تجودُ وتسكُبُ )
( أَغادٍ إلى حَرّانَ في غيرِ شيعة ... وذلك شأوٌ عن هَوَاها مُغَرّبُ )
( فقلتُ لها كَلّفتني طَلَبَ الغِنَى ... وليس ورَاءَ ابنِ الخليفةِ مذهبُ )
( سيكفي فتىً من سعيه حَدُّ سيفِه ... وكُورٌ عِلافِيٌّ ووجناء ذِعْلبُ )
( إذا استوغرتْ دارٌ عليه رَمَى بها ... بناتِ الصُّوَى منها رَكوبٌ ومُصْعَبُ )
( فعُدّي إلى يوم ارتحلتُ وسائلي ... بزَوْرك والرَّحَّال من جاء يضربُ )
( لعلكِ أن تستيقني أن زَوْرتي ... سليمانَ من سير الهواجر تُعقِبُ )
( أَغَرُّ هِشاميُّ القَنَاةِ إذا انتَمى ... نَمَتْه بدورٌ ليس فيهنَّ كوكبُ )
 ( وما قصدت يوماً مخيلين خَيلُه ... فتُصْرَفُ إلاّ عن دِماءٍ تَصَبّبُ )
فوصله سليمان بخمسة آلاف درهم وكان يبخل فلم يرضها وانصرف عنه مغضبا فقال
( إن أُمْسِ مُنْقبِضَ اليدين عن النَّدَى ... وعن العدوّ مُخَيَّسَ الشيطانِ )
( فلقد أروحُ عن اللئام مُسَلَّطاً ... ثَلِجَ المَقِيلَ مُنَعَّمِ النَّدْمَانِ )
( في ظِلِّ عيشِ عشيرةٍ محمودةٍ ... تَنْدَى يدي ويُخافُ فَرْطُ لساني )
( أزْمَانَ جِنِّيُّ الشباب مُطَاوعٌ ... وإِذ الأميرُ عليّ من حَرّانِ )
( رِيمٌ بأحْوِيةِ العراق إذا بَدَا ... برَقَتْ عليه أكِلَّةُ المَرْجانِ )
( فاكحَلْ بعَبْدَة مُقْلَتيْكَ من القَذَى ... وبِوَشْكِ رُؤْيتها من الهَمَلانِ )
( فَلقُرْبُ مَنْ تهوَى وأنتَ متيّمٌ ... أَشْفَى لدائكَ من بني مَرْوانِ )
فلما رجع إلى العراق بره ابن هبيرة ووصله وكان يعظم بشارا ويقدمه لمدحه قيسا وافتخاره بهم فلما جاءت دولة أهل خراسان عظم شأنه
المهدي ينهاه عن التشبيب
أخبرني حبيب بن نصر قال حدثنا عمر بن شبة قال حدثني محمد بن الحجاج قال
قدم بشار الأعمى على المهدي بالرصافة فدخل عليه في البستان فأنشده مديحا فيه تشبيب حسن فنهاه عن التشبيب لغيرة شديدة كانت فيه فأنشده مديحا فيه يقول فيه
 ( كأنما جئتُه أُبشِّرهُ ... ولم أجِىء راغِباً ومُحتَلِبَا )
( يُزَيِّنُ المِنبرَ الأشمَّ بعِطْفِيه ... ِ وأقواله إذا خَطَبَا )
( تُشَمُّ نَعْلاه في النَّدِيّ كما ... يُشَمُّ ماءُ الرّيحانِ مُنتَهبا )
فأعطاه خمسة آلاف درهم وكساه وحمله على بغل وجعل له وفادة في كل سنة ونهاه عن التشبيب البتة فقدم عليها في السنة الثالثة فدخل عليه فأنشده
( تَجَالَلْتُ عن فِهْرٍ وعن جارَتي فِهر ... وودَّعتُ نُعْمَى بالسّلام وبالبِشْرِ )
( وقالتْ سُليمَى فيكَ عنّا جَلاّدَةٌ ... مَحلُّكَ دَانٍ والزيارَةُ عن عُفْرِ )
( أخي في الهوى مالي أراكَ جَفَوْتَنا ... وقد كنتَ تقفُونا على العُسْرِ واليُسرِ )
( تثاقلتُ إلا عن يدٍ أستفِيدها ... وزَوْرَةِ أمُلاكٍ أَشُدُّ بها أَزْرِي )
( وأخرجني من وِزْرِ خمسينَ حجّةً ... فَتىً هاشميٌّ يَقْشَعِر من الوِزْرِ )
( دَفنتُ الهوى حَيّاً فلسْتُ بزائرٍ ... سُلَيمَى ولا صفراءَ ما قَرْقَر القُمْري )
( ومُصْفَرَّة بالزعفرانِ جلودُها ... إذا اجتُليتْ مثلَ المُفَرطَحَةِ الصُّفْرِ )
( فرُبَّ ثَقَالِ الرَّدفِ هَبَّتْ تلُومنِي ... ولو شَهِدَتْ قبري لصَلَّتْ على قبري )
( تَركتُ لِمَهْديّ الأنام وِصَالَها ... وراعيتُ عهداً بيننا ليس بالختر )
 ( ولولا أميرُ المؤمنين محمدٌ ... لقبَّلتُ فاها أو لكانَ بها فِطْرِي )
( لَعَمْري لقد أوقَرتُ نفسي خطيئةً ... فما أنا بالمُزْدَادِ وِقْراً على وِقْرِ )
في قصيدة طويلة امتدحه بها فأعطاه ما كان يعطيه قبل ذلك ولم يزده شيئا
تمثل بقول جرير في رثائه لابنه
أخبرني هاشم بن محمد الخزاعي قال حدثنا عيسى بن إسماعيل العتكي عن محمد بن سلام عن بعض أصحابه قال
حضرنا جنازة ابن لبشار توفي فجزع عليه جزعا شديدا وجعلنا نعزيه ونسليه فما يغني ذلك شيئا ثم التفت إلينا وقال لله در جرير حيث يقول وقد عزي بسوادة ابنه
( قالوا نَصِيبَكَ من أجرٍ فقلتُ لهم ... كيف العَزَاءُ وقد فارقتُ أشبالي )
( ودَّعْتَنِي حين كفَّ الدَّهرُ من بَصري ... وحين صِرتُ كعَظمِ الرِّمّةِ البَالِي )
( أوَدى سَوَادةُ يَجْلُو مُقلَتي لحمٍ ... بازٍ يُصَرصِرُ فوقَ المِربأ العالي )
( إلاّ تكُنْ لكَ بالدَّيْرين نائحةٌ ... فرُبَّ نائحةٍ بالرّمل مِعْوَالِ )
أخبرني هاشم بن محمد قال حدثنا عمر بن شبة قال حدثني خلاد الأرقط قال لما أنشد المهدي قول بشار
( لا يُؤْيسَنَّكَ من مُخبَّأةٍ ... قولٌ تُغَلِّظُهُ وإِن جَرَحَا )
( عُسْرُ النساءِ إلى مُياسَرَةٍ ... والصَّعبُ يُمكِنُ بعد ما جَمَحَا )
فنهاه المهدي عن قوله مثل هذا ثم حضر مجلسا لصديق له يقال له عمرو بن سمان فقال له أنشدنا يا أبا معاذ شيئا من غزلك فأنشأ يقول
( وقائلٍ هاتِ شَوِّقْنَا فقلتُ له ... أنائمٌ أنتَ يا عمرو بنَ سَمّانِ )
( أما سَمِعتَ بما قد شاع في مُضَرٍ ... وفي الحليفتينِ من نَجْرٍ وقَحطانِ )
( قال الخليفةُ لا تَنْسُبْ بجارِيةٍ ... إيّاكَ إياكَ أن تَشْقَى بِعصيانِ )
أخبرني عيسى بن الحسين الوراق قال حدثنا سليمان بن أيوب المدائني قال
قال مروان بن أبي حفصة قدمت البصرة فأنشدت بشارا قصيدة لي واستنصحته فيها فقال لي ما أجودها تقدم بغداد فتعطى عليها عشرة آلاف درهم فجزعت من ذلك وقلت قتلتني فقال هو ما أقول لك وقدمت بغداد فأعطيت عليها عشرة آلاف درهم ثم قدمت عليه قدمة أخرى فأنشدته قصيدتي
( طَرَقَتْكَ زائرةً فحيّ خيالها ... )
فقال تعطى عليها مائة ألف درهم فقدمت فأعطيت مائة ألف درهم فعدت إلى البصرة فأخبرته بحالي في المرتين وقلت له ما رأيت أعجب من حدسك فقال يا بني أما علمت أنه لم يبق أحد أعلم بالغيب من عمك أخبرنا بهذا الخبر محمد بن يحيى الصولي قال حدثنا يزيد بن محمد المهلبي عن محمد بن عبد الله بن أبي عيينة عن مروان أنه قدم على بشار فأنشده قوله
( طرقتكَ زائرةً فحيِّ خيالَها ... )
فقال له يعطونك عليها عشرة آلاف درهم ثم قدم فيه فأنشده قوله
 ( أنَّى يكونُ وليس ذاك بكائنٍ ... لبني البناتِ وِرَاثَةُ الأعمامِ )
فقال يعطونك عليها مائة ألف درهم وذكر باقي الخبر مثل الذي قبله
أخبرني عيسى قال حدثنا سليمان قال
قال بعض أصحاب بشار كنا نكون عنده فإذا حضرت الصلاة قمنا إليها ونجعل على ثيابه ترابا حتى ننظر هل يقوم يصلي فنعود والتراب مجاله وما صلى
أخبرني عيسى قال حدثنا سليمان قال
قال أبو عمرو بعث المهدي إلى بشار فقال له قل في الحب شعرا ولا تطل واجعل الحب قاضيا بين المحبين ولا تسم أحدا فقال
( اجعل الحبَّ بين حِبّي وبيني ... قاضِياً إنّني به اليومَ رَاضِي )
( فاجتمعنَا فقلتُ يا حِبَّ نفسي ... إنّ عَينِي قليلةُ الإِغماضِ )
( أنتَ عذَّبتَني وانحلتَ جسمِي ... فارحمِ اليومَ دائمَ الأمراضِ )
( قال لي لا يَحِلّ حُكمِي عليها ... أنتَ أولى بالسُّقْمِ والإِحراضِ )
( قلتُ لمّا أجابني بهواها ... شَمِلَ الجورُ في الهَوى كلَّ قاضِي )
فبعث إليه المهدي حكمت علينا ووافقنا ذلك فأمر له بألف دينار
أخبرني عيسى قال حدثني سليمان المدني قال حدثني الفضل بن إسحاق الهاشمي قال
أنشد بشار قوله
( يُرَوِّعُهُ السِّوارُ بكلّ أرضٍ ... مخافةَ أن يكونَ به السّرارُ )
فقال له رجل أظنك أخذت هذا من قول أشعب ما رأيت اثنين يتساران إلا ظننت أنهما يأمران لي بشيء فقال إن كنت أخذت هذا من قول أشعب فإنك أخذت ثقل الروح والمقت من الناس جميعا فانفردت به دونهم ثم قام فدخل وتركنا
وأخذ أبو نواس هذا المعنى بعينه من بشار فقال فيه
( ترَكتْنَي الوُشاةُ نُصْبَ المُسِرِّين ... َ وأُحدوثَهً بكلّ مَكَان )
( ما أرى خاليَيْنِ في السرّ إلاّ ... قلتُ ما يخلوانِ إلا لِشَانِي )
أخبرني عمي قال حدثني سليمان قال قال لي أبو عدنان حدثني سعيد جليس كان لأبي زيد قال
أتاني أعشى سليم وأبو حنش فقالا لي انطلق معنا إلى بشار فتسأله أن ينشدك شيئا من هجائه في حماد عجرد أو في عمرو الظالمي فإنه إن عرفنا لم ينشدنا فمضيت معهما حتى دخلت على بشار فاستنشدته فأنشد قصيدة له على الدال فجعل يخرج من واد في الهجاء إلى واد آخر يستمعان وبشار لا يعرفهما فلما خرجا قال أحدهما للآخر أما تعجب مما جاء به هذا الأعمى فقال أبو حنش أما أنا فلا أعرض والله والدي له أبدا وكانا قد جاءا يزورانه وأحسبهما أرادا أن يتعرضا لمهاجائه
مدحه لواصل بن عطاء
أخبرني هاشم بن محمد الخزاعي عن الجاحظ قال
كان بشار صديقا لأبي حذيفة واصل بن عطاء قبل أن يدين بالرجعة ويكفر الأمة وكان قد مدح واصلا وذكر خطبته التي خطبها فنزع منها كلها الراء وكانت
على البديهة وهي أطول من خطبتي خالد بن صفوان وشبيب بن شيبة فقال
( تكلَّفُوا القولَ والأقوامُ قد حَفَلُوا ... وحَبَّرُوا خُطَباً ناهيكَ من خُطَبِ )
( فقام مُرتِجِلاً تَغْلِي بَداهَتُهُ ... كَمِرْجَلِ القَيْنِ لمّا حُفَّ بِاللَّهَبِ )
( وجانَبَ الراءِ لم يَشْعُرْ به أحدٌ ... قبل التصَفُّح والإِغراقِ في الطلبِ )
قال فلما دان بالرجعة زعم أن الناس كلهم كفروا بعد رسول الله فقيل له وعلي بن أبي طالب فقال
( وما شَرُّ الثلاثةِ أمّ عمرو ... بصاحبِك الذي لا تَصْبَحِينا )
أخبرني هاشم بن محمد قال حدثنا عيسى بن إسماعيل تينة قال قال لي محمد بن الحجاج
قال بشار ما كان الكميت شاعرا فقيل له وكيف وهو الذي يقول
( أَنِصْفُ امْرِىءٍ من نصف حيٍّ يسُبُّنِي ... لَعَمْري لقد لاقيتُ خَطْباً من الخَطْبِ )
( هنيئاً لكَلبٍ أنَّ كلباً يسُبُّنِي ... وأنِّيَ لم أَردُدْ جواباً على كَلْبِ )
فقال بشار لا بل شانئك أترى رجلا لو ضرط ثلاثين سنة لم يستحل من ضرطه
ضرطة واحدة
نسخت من كتاب هارون بن علي بن يحيى حدثني علي بن مهدي قال حدثني حجاج المعلم قال سمعت سفيان بن عيينة يقول
عهدي بأصحاب الحديث وهم أحسن الناس أدبا ثم صاروا الآن أسوأ الناس أدبا وصبرنا عليهم حتى أشبهناهم فصرنا كما قال الشاعر
( وما أنا إلا كالزمان إذا صحَا ... صَحوتُ وإِن ماقَ الزمانُ أمُوقُ )
أخبرني حبيب بن نصر قال حدثنا عمر بن شبة قال حدثني محمد بن الحجاج قال
كنا مع بشار فأتاه رجل فسأله عن منزل رجل ذكره له فجعل يفهمه ولا يفهم فأخذ بيده وقام يقوده إلى منزل الرجل وهو يقول
( أعمى يقودُ بصيراً لا أبَالكُم ... قد ضَلَّ مَنْ كانتِ العُمْيانُ تَهديِهِ )
حتى صار به إلى منزل الرجل ثم قال له هذا هو منزله يا أعمى
أخبرني عمي قال حدثني أحمد بن أبي طاهر قال
زعم أبو دعامة أن عطاء الملط أخبره أنه أتى بشارا فقال له يا أبا معاذ أنشدك شعرا حسنا فقال ما أسرني بذلك فأنشده
( أَعَاذِلتيَّ اليومَ ويلَكُمَا مَهْلاَ ... فما جَزعاً مِ الآنَ أبكي ولا جَهْلاَ )
فلما فرغ منها قال له بشار أحسنت ثم أنشده على رويها ووزنها
( لقد كادَ من أُخْفِي من الوَجدِ والهَوى ... يكون جَوًى بين الجوانِج أو خَبْلاَ )
صوت
( إذا قال مهلاً ذو القرابة زادَنِي ... وَلُوعاً بذكراها ووجْداً بها مَهْلاَ )
( فلا يَحسَبِ البِيضُ الأوانسُ أنّ في ... فؤادي سوى سُعْدَى لِغانيةٍ فَضْلاَ )
( فَأُقْسِمُ إن كان الهوى غيرَ بالغ ... بِي القتلَ من سُعدَى لقد جاوزَ القتلاَ )
( فيا صاحِ خَبِّرنِي الذي أنت صانعٌ ... بقاتِلَتي ظُلْماً وما طَلَبَتْ ذَحْلاَ )
( سِوَى أنّني في الحبّ بيني وبينها ... شَدَدْتُ على أكظامِ سِرٍّ لها قُفْلاَ )
وذكر أحمد بن المكي أن لإسحاق في هذه الأبيات ثقيلا أول بالوسطى فاستحسنت القصيدة وقلت يا أبا معاذ قد والله أجدت وبالغت فلو تفضلت بأن تعيدها فأعادها على خلاف ما أنشدنيها في المرة الأولى فتوهمت أنه قالها في تلك الساعة
أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا محمد بن القاسم بن مهرويه قال حدثني أحمد بن خلاد قال حدثني أبي قال
كنت أكلم بشارا وأرد عليه سوء مذهبه بميله إلى الإلحاد فكان يقول لا أعرف إلا ما عاينته أو عاينت مثله وكان الكلام يطول بيننا فقال لي ما أظن الأمر يا أبا خالد إلا كما تقول وأن الذي نحن فيه خذلان ولذلك أقول
( طُبِوعْتُ على ما فيّ غيرَ مُخَيَّرٍ ... هَوايَ ولو خُيِّرتُ كنتُ المهذَّبا )
( أُريدُ فلا أُعْطَى وأُعطَى ولم أرِدْ ... وقَصَّر عِلْمي أنْ أنالَ المغَيَّبَا )
( فَأُصرَفُ عن قَصْدِي وعلمي مُقَصِّرٌ ... وأمْسِي وما أُعْقِبْتُ إلا التعجُّبَا )
خبره مع فتى من بني منقر أهدى إليه أضحية
أخبرني الحسن بن علي قال حدثني ابن مهرويه قال حدثني أحمد بن خلاد
ابن المبارك قال حدثني أبي قال
كان بالبصرة فتى من بني منقر أمه عجلية وكان يبعث إلى بشار في كل أضحية بأضحية من الأضاحي التي كان أهل البصرة يسمنونها سنة وأكثر للأضاحي ثم تباع الأضحية بعشرة دنانير ويبعث معها بألف درهم قال فأمر وكيله في بعض السنين أن يجريه على رسمه فاشترى له نعجة كبيرة غير سمينة وسرق باقي الثمن وكانت نعجة عبدلية من نعاج عبد الله بن دارم وهو نتاج مرذول فلما أدخلت عليه قالت له جاريته ربابة ليست هذه الشاة من الغنم التي كان يبعث بها إليك فقال أدنيها مني فأدنتها ولمسها بيده ثم قال اكتب يا غلام
( وهبتَ لنا يا فتَى مِنقَرٍ ... وعِجْلٍ وأكْرَمَهمْ أوّلاَ )
( وأبسَطَهم راحةً في النَّدَى ... وأرفعَهم ذِرْوَةً في العُلا )
( عجوزاً قَد اوْردَها عمرُها ... وأسكنَها الدهرُ دارَ البِلى )
( سَلُوحاً توهّمتُ أن الرِّعاءَ ... سَقَوْها ليُسهِلَها الحنظَلاَ )
( وأَضرَطَ من أُمّ مُبتَاعها ... إن اقتحَمَتْ بُكرةً حَرْمَلاَ )
( فلو تأكلُ الزُّبدَ بالنِّرسيَان ... وتَدَّمِجُ المِسكَ والمَنْدَلاَ )
( لَمَا طَيَبَ الله أرواحَها ... ولا بلّ من عَظْمها الأقْحَلا )
( وضعتُ يميني على ظهرها ... فخِلْتُ حَرَاقِفَها جَنْدلاَ )
 ( وأهوتْ شِمالي لعُرْقوبها ... فخلتُ عَرَاقِبَها مِغْزَلاَ )
( وقَلّبتُ أَلْيَتَها بعد ذا ... فشَبَّهتُ عُصْعُصَها مِنْجَلاَ )
( فقلتُ أبيع فلا مشرباً ... أُرَجِّي لديها ولا مَأكَلاَ )
( أمَ اشوِي وأطبُخُ من لحمها ... وأطْيَبُ من ذاك مَضْغُ السَّلَى )
( إذا ما أُمِرَّتْ على مجلسٍ ... من العُجْبِ سَبّحَ أو هَلّلا )
( رأوْا آيةً خَلْفَها سائقٌ ... يَحُثّ وإِن هَرْولتْ هَرْولا )
( وكنتَ أمرتَ بها ضَخْمةً ... بلحمٍ وشحمٍ قد استُكْمِلا )
( ولكنّ رَوحاً عَدَا طورَه ... وما كنتُ أحسَبُ أن يفعلا )
( فعَضّ الذي خانَ في أمرها ... مِن اسْتِ امّه بَظْرَها الأغْرلاَ )
( ولولا مكانُك قَلّدته ... عِلاَطاً وأنشقتُه الخَرْدلا )
( ولولا استِحَائِيكَ خَضبَتُها ... وعَلّقت في جِيدها جُلْجُلا )
( فجاءتْكَ حتى ترى حالَها ... فتعلَمَ أنِّي بها مُبْتَلَى )
( سألتُك لحماً لصِبْياننا ... فقد زِدْتَني فيهمُ عَيِّلا )
( فخُذْها وأنت بنا مُحسِنٌ ... وما زلتَ بي مُحسِناً مُجْمِلاَ )
قال وبعث بالرقعة إلى الرجل فدعا بوكيله وقال له ويلك تعلم أني أفتدي من بشار بما أعطيه وتوقعني في لسانه إذهب فاشتر أضحية وإن قدرت أن تكون مثل الفيل فافعل وابلغ بها ما بلغت وابعث بها إليه
أخبرني هاشم بن محمد قال حدثنا عبد الرحمن ابن أخي الأصمعي قال حدثني عمي قال أخبرنا أبو عمرو بن العلاء قال
رأيت بشارا المرعث يرثي بنية له وهو يقول
( يا بنتَ من لم يكُ يَهْوَى بنتا ... ما كنتِ إلا خمسةً أو ستاً )
( حتّى حلَلتِ في الحَشَى وحتّى ... فَتَّتِّ قلبي من جوىً فانفَتّا )
( لأَنتِ خيرٌ من غلامٍ بتّا ... يُصبِحُ سكرانَ ويُمْسِي بَهْتَا )
أخبرني وكيع قال حدثني أبو أيوب المديني قال
كان نافع بن عقبة بن سلم جوادا ممدحا وكان بشار منقطعا إلى أبيه فلما مات أبوه وفد إليه وقد ولي أبيه فمدحه بقوله
( ولنافعٍ فضلٌ على أكفائه ... إن الكريمَ أحقُّ بالتفضيلِ )
( يا نافعَ الشِّبْراتِ حين تناوحتْ ... هُوجُ الرياحِ وأَعْقِبْتُ بُوبُولِ )
( أشبهتَ عُقْبةَ غيرَ ما مُتَشبِّهٍ ... ونشأتَ في حلمٍ وحسنِ قبُول )
( وولِيتَ فينا أشهراً فكفيتَنَا ... عَنَتَ المُريبِ وسَلّة التّضليلِ )
( تُدْعَى هِلاَلاً في الزمان ونافعاً ... والسَّلمُ نِعْم أُبُوَّةُ المأمولِ )
فأعطاه مثل ما كان أبوه يعطيه في كل سنة إذا وفد عليه
خبر المهدي مع جارية تغتسل وشعر بشار في ذلك
أخبرني هاشم بن محمد قال حدثنا الحسن بن عليل العنزي قال حدثني إبراهيم بن عقبة الرفاعي قال حدثني إسحاق بن إبراهيم التمار البصري قال
دخل المهدي إلى بعض حجر الحرم فنظر إلى جارية منهن تغتسل فلما رأته حصرت ووضعت يدها على فرجها فأنشأ يقول
( نظرتْ عيني لحَينِي ... )
ثم أرتج عليه فقال من بالباب من الشعراء قالوا بشار فأذن له فدخل فقال له أجز
( نظرتْ عيني لحيني ... )
فقال بشار
( نظرتْ عيني لحَيْنِي ... نَظَراً وافَقَ شَيْنِي )
( سَتَرتْ لمّا رأتني ... دونَه بالراحَتينِ )
( فَضلتْ منه فُضُولٌ ... تحت طَيِّ العُكْنَتين )
فقال له المهدي قبحك الله ويحك أكنت ثالثنا ثم ماذا فقال
( فتمنّيتُ وقلبي ... للهوى في زَفْرتَينِ )
( أنّني كنتُ عليه ... ساعةً أو ساعَتينِ )
فضحك المهدي وأمر له بجائزة فقال يا أمير المؤمنين أقنعت من هذه الصفة بساعة أو ساعتين فقال اخرج عني قبحك الله فخرج بالجائزة
شعر على لسان حمار له مات عشقا
أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا محمد بن القاسم بن مهرويه قال حدثنا أبو شبل عاصم بن وهب البرجمي قال حدثني محمد بن الحجاج قال
جاءنا بشار يوما فقلنا له مالك مغتما فقال مات حماري فرأيته في النوم فقلت له لم مت ألم أكن أحسن إليك فقال
( سَيِّدي خُذْ بي أتَاناً ... عند باب الأصبهانِي )
( تَيْمتني ببنانٍ ... وبَدلٍّ قد شَجَاني )
( تَيّمتني يوم رُحنا ... بثناياها الحسان )
( وبغُنْج ودَلال ... سَلّ جسمي وبَراني )
( ولها خَدٌّ أسِيلٌ ... مثلُ خدّ الشيفرانِ )
( فلذا متُّ ولو عِشْت ... ُ إذاً طال هوانِي )
فقلت له ما الشيفران قال ما يدريني هذا من غريب الحمار فإذا لقيته فاسأله
أخبرني الحسن قال حدثني محمد بن القاسم قال حدثني علي بن إياس قال حدثني السري بن الصباح قال
شهد بشار مجلسا فقال لا تصيروا مجلسنا هذا شعرا كله ولا حديثا كله ولا غناء كله فإن العيش فرض ولكن غنوا وتحدثوا وتناشدوا وتعالوا نتناهب بالعيش تناهبا
أخبرني عمي قال حدثني الكراني عن ابن عائشة قال
جاء بشار يوما إلى أبي وأنا على الباب فقال لي من أنت يا غلام فقلت
من ساكني الدار قال فكلمني والله بلسان ذرب وشدق هريت
أخبرني عمي قال حدثني الكراني عن أبي حاتم قال
كان سهيل بن عمر القرشي يبعث إلى بشار في كل سنة بقواصر تمر ثم أبطأ عليه سنة فكتب إليه بشار
( تمركُم يا سُهَيلُ دُرٌّ وهل يُطْمَع ... ُ في الدرّ مِنْ يَدَيٍْ مُتَعتِّي )
( فاحبُنِي يا سهيلُ من ذلك التمرِ ... نواةً تكون قُرْطاً لبنتِي )
فبعث إليه بالتمر وأضعفه له وكتب إليه يستعفيه من الزيادة في هذا الشعر
ونسخت من كتاب هارون بن علي عن عافية بن شبيب عن الحسن بن صفوان قال
جلس إلى بشار أصدقاء من أهل الكوفة كانوا على مثل مذهبه فسألوه أن ينشدهم شيئا مما أحدثه فأنشدهم قوله
( أنَّى دعاه الشّوقُ فارتاحا ... من بعد ما أصبح جَحجاحا )
حتى أتى على قوله
( في حُلَّتي جسمُ فتىً ناحلٍ ... لو هّبت الرّيح به طاحا )
فقالوا يابن الزانية أتقول هذا وأنت كأنك فيل عرضك أكثر من طولك فقال
قوموا عني يا بني الزناء فإني مشغول القلب لست أنشط اليوم لمشاتمتكم
ألح على امرأة فشكته إلى زوجها
أخبرني يحيى بن علي بن يحيى عن أبيه عن عافية بن شبيب قال
كان لبشار مجلس يجلس فيه بالعشي يقال له البردان فدخل عليه نسوة في مجلسه هذا فسمعن شعره فعشق امرأة منهن وقال لغلامه عرفها محبتي لها واتبعها إذا إنصرفت إلى منزلها ففعل الغلام وأخبرها بما أمره فلم تجبه إلى ما أحب فتبعها إلى منزلها حتى عرفه فكان يتردد إليها حتى برمت به فشكته إلى زوجها فقال لها أجيبيه وعديه إلى أن يجيئك إلى هاهنا ففعلت وجاء بشار مع امرأة وجهت بها إليه فدخل وزوجها جالس وهو لا يعلم فجعل يحدثها ساعة وقال له ما اسمك بأبي أنت فقالت أمامة فقال
( أمامةُ قد وُصفتِ لنا بحسن ... وإِنّا لا نَراكِ فألمِسينا )
قال فأخذت يده فوضعتها على أير زوجها وقد أنعظ ففزع ووثب قائما وقال
( عليّ ألِيّةٌ ما دمتُ حيّا ... أَمَسُّكِ طائعاً إلا بعُودِ )
( ولا أُهدي لقومٍ أنتِ فيهم ... سلامَ الله إلاّ من بعيدِ )
( طلبتُ غنيمةً فوضعت كفّي ... على أير أشدَّ من الحديدِ )
( فخيرٌ منكِ من لا خيرَ فيه ... وخيرٌ من زيارتكم قُعودي )
وقبض زوجها عليه وقال هممت بأن أفضحك فقال له كفاني فديتك ما فعلت بي ولست والله عائدا إليها أبدا فحسبك ما مضى وتركه وانصرف وقد روي مثل هذه الحكاية عن الأصمعي في قصة بشار هذه
وهذا الخبر بعينه يحكى بإسناد أقوى من هذا الإسناد وأوضح عن أبي العباس الأعمى السائب بن
فروخ وقد ذكرته في أخبار أبي العباس بإسناده
بشار يرثي أصدقاءه الخمسة
نسخت من كتاب هارون بن علي قال حدثني علي بن مهدي قال حدثني حمدان الآبنوسي قال حدثنا أبو نواس قال
كان لبشار خمسة ندماء فمات منهم أربعة وبقي واحد يقال له البراء فركب في زورق يريد عبور دجلة العوراء فغرق وكان المهدي قد نهى بشارا عن ذكر النساء والعشق فكان بشار يقول ما خير في الدنيا بعد الأصدقاء ثم رثى أصدقاءه بقوله
( يابنَ موسى ماذا يقول الإِمامُ ... في فتاة بالقلب منها أوامُ )
( بِتُّ منْ حبّها أُوَقَّرُ بالكأس ... ويهفُو على فؤادي الهُيَامُ )
( وَيْحَها كاعباً تُدِلّ بجَهْمٍ ... كَعَثبيّ كأنّه حَمّامُ )
( لم يكن بينها وبيني إلاّ ... كُتُبُ العاشقين والأحلامُ )
( يابنَ موسى اسقني ودَع عنك سلمى ... إنّ سلمى حِمىً وفيّ احتشامُ )
( رُبّ كأسٍ كالسَّلسبيل تعلّلتُ ... بها والعيون عنّي نيامُ )
( حُبستْ للشُّراة في بَيت رأس ... عُتّقتْ عانساً عليها الخِتامُ )
( نَفحتْ نَفحةً فهزّت نديمي ... بنسيمٍ وانشقّ عنها الزّكامُ )
 ( وكأنّ المعلولَ منها إذا راح ... شَجٍ في لسانه بِرْسامٌ )
( صدّمْته الشَّمولُ حتَى بعينيه ... انكسارٌ وفي المفاصل خَامُ )
( وهو باقِي الأطراف حَيّت به الكأس ... وماتت أوصالُه والكَلامُ )
( وفتىً يشربُ المدامةَ بالمال ... ويمشي يروم ما لا يُرامُ )
( أنفدتْ كأسُه الدنانيرَ حتّى ... ذهب العينُ واستمرّ السَّوَامُ )
( تركتْه الصَّهباء يرنو بعين ... نام إنسانُها وليست تَنامُ )
( جُنّ من شَربة تُعَلّ بأخرى ... وبكَى حين سار فيه المُدامُ )
( كان لي صاحباً فأودَى به الدّهر ... وفارقتُه عليه السَّلامُ )
( بَقِيَ الناس بعدَ هُلْك نَدامايَ ... وقوعاً لم يشعروا ما الكلامُ )
( كجَزور الأيسار لا كَبدٌ فيها ... لباغٍ ولا عليها سَنامُ )
( يابنَ موسى فَقْدُ الحبيب على العين ... َ قَذاةٌ وفي الفؤاد سقَامُ )
( كيف يصفو ليَ النعيم وحيداً ... والأخلاّء في المقابر هام )
( نَفِسَتْهم علي أمُّ المنايا ... فأنامَتْهُم بعنُفٍ فناموا )
( لا يَغيض انسجامُ عيني عنهم ... إنّما غاية الحزين السِّجامُ )
أخبرني هاشم بن محمد الخزاعي قال حدثنا الرياشي عن الأصمعي
أن بشارا وفد إلى عمر بن هبيرة وقد مدحه بقوله
( يخاف المنايا أن ترحّلت صاحبي ... كأنّ المنايا في المُقام تُناسِبُهْ )
( فقلتُ له إنّ العراق مقامه ... وخيم إذا هبّت عليك جنائُبهْ )
( لألقى بني عَيلان إنّ فعالهم ... تزيد على كلّ الفَعال مَراتُبهْ )
( أولاك الأُلى شقّوا العمَى بسيوفهم ... عن العين حتّى أبصر الحقَّ طالبُهْ )
( وجيشٍ كجُنح الليل يزحَف بالحصا ... وبالشوك والخَطِّيِّ حُمراً ثَعَالِبُهْ )
( غَدَونا له والشّمسُ في خِدر أُمّها ... تُطالعنا والطَّلُّ لم يَجرِ ذائبُهْ )
( بضَربٍ يذوق الموتَ من ذاق طعمَه ... وتُدْرِك من نجّى الفرارُ مَثَالبُهْ )
( كأنّ مُثَارَ النّقع فوقَ رؤوسنا ... وأسيافَنا ليلٌ تَهَاوَى كوكبُهْ )
( بعثنا لهم موتَ الفُجاءةِ إنّنا ... بنو الموت خفّاق علينا سَبائبُهْ )
( فراحوا فريقٌ في الإِسار ومثلُه ... قتيلٌ ومثلٌ لاذ بالبحر هاربُهْ )
( إذا الملك الجبّار صعر خدّه ... مَشيْنا إليه بالسُّيوف نعاتبُهْ )
فوصله بعشرة آلاف درهم فكانت أول عطية سنية أعطيها بشار ورفعت من ذكره وهذه القصيدة هي التي يقول فيها
صوت
( إذا كنتَ في كلّ الأمور مُعاتبا ... صديقَك لم تلق الذي لا تعاتبُهْ )
( فعِشْ واحداً أو صِلْ أخاك فإنه ... مُقارِفُ ذنبٍ مرّة ومجانبُهْ )
( إذا أنت لم تشرَبْ مِراراً على القَذَى ... ظَمئتَ وأيّ النّاس تصفو مَشاربُهْ )
الغناء في هذه الأبيات لأبي العبيس بن حمدون خفيف ثقيل بالبنصر في مجراها
أخبرني يحيى بن علي بن يحيى قال ذكر أبو أيوب المديني عن الأصمعي قال
كان لبشار مجلس يجلس فيه يقال له البردان وكان النساء يحضرنه فبينما هو ذات يوم في مجلسه إذ سمع كلام امرأة في المجلس فعشقها فدعا غلامه فقال إذا تكلمت المرأة عرفتك فاعرفها فإذا انصرفت من المجلس فاتبعها وكلمها وأعلمها أني لها محب وقال فيها
( يا قومُ أُذني لبعض الحيّ عاشقة ... والأذن تعشَق قبل العين أحيانا )
( قالوا بمن لا تَرى تَهذِي فقلتُ لهم ... الأذن كالعين تُوفي القلب ما كانا )
( هل من دواءٍ لمشغوف بجارية ... يلقَى بلُقيانها رَوحا ورَيحانا )
وقال في مثل ذلك
( قالت عُقَيل بن كعب إذ تَعلّقها ... قلبي فأضحَى به من حبّها أثرُ )
( أنَّى ولم ترها تَهذِي فقلتُ لهم ... إنّ الفؤاد يَرى ما لا يَرى البصرُ )
 ( أصبحتُ كالحائم الحَيران مُجتنباً ... لم يقضِ وِرداً ولا يُرجَى له صَدَرُ )
قال يحيى بن علي وأنشدني أصحاب أحمد بن إبراهيم عنه لبشار في هذا المعنى وكان يستحسنه
( يُزهّدني في حبّ عَبدةَ مَعشرٌ ... قلوبُهُم فيها مخالفةٌ قلبي )
( فقلت دَعوا قلبي وما اختار وارتضَى ... فبالقلب لا بالعين يُبصِر ذو الحبِّ )
( فما تُبصر العينان في مَوضع الهوى ... ولا تَسمع الأذنان إلاَّ من القلبِ )
( وما الحسنُ إلاّ كلُّ حسنٍ دعا الصّبا ... وألّف بين العشق والعاشِق الصَّبِّ )
قال أبو أحمد وقال في ذلك
( يا قلبُ مالي أراكَ لا تَقِرُ ... إيّاك أعنِي وعندَكَ الخبرُ )
( أذعتَ بعدَ الألى مَضْوا حُرقاً ... أم ضاع ما استودعوك إذ بَكَروا )
قال أبو أحمد وقال في مثل ذلك
( إنّ سليمى واللهُ يكلؤها ... كالسُّكر تَزدادُه على السَّكَرِ )
( بُلّغتُ عنها شَكلاً فأعجبني ... والسّمعُ يكفيك غَيبةَ البصرِ )
أخبرني محمد بن القاسم الأنباري قال حدثني أبي قال
زعم أبو العالية أن بشارا قدم على المهدي فلما استأذن عليه قال له الربيع قد أذن لك وأمرك ألا تنشد شيئا من الغزل والتشبيب فادخل على ذلك فأنشده قوله
( يا مَنظَراً حَسَناً رأيتُهْ ... من وجه جارية فديتُهْ )
 ( بعثتْ إليّ تَسومني ... بُردَ الشّباب وقد طوَيْتُهْ )
( واللهِ ربِّ مُحمّد ... ما إن غَدرتُ ولا نَويتُهْ )
( أمسكتُ عنك وربّما ... عَرض البلاء وما ابتغيتُهْ )
( إنّ الخليفة قد أبَى ... وإِذا أبَى شيئاً أبيتُهْ )
( ومُخضَّبٍ رَخص البَنان ... بَكى عليّ وما بكَيتُهْ )
( ويُشوقني بيتُ الحبيب ... إذا ادّكرتُ وأينَ بيتُهْ )
( قام الخليفة دونَه ... فصبرتُ عنه وما قلَيْتُه )
( ونَهانِيَ الملك الهمام ... عن النَّسيب وما عصَيْتُهْ )
( لا بل وفَيتُ فلم أُضِع ... عهداً ولا رأياً رأيتُهْ )
( وأنا المُطلّ على العِدا ... وإِذا غلا علق شريتُه )
( أُصفِي الخليلَ إذا دنا ... وإِذا نأى عنّي نأيتُهْ )
ثم أنشده ما مدحه به بلا تشبيه فحرمه ولم يعطه شيئا فقيل له إنه لم يستحسن شعرك فقال والله لقد مدحته بشعر لو مدح به الدهر لم يخش صرفه على أحد ولكنه كذب أملي لأني كذبت في قولي ثم قال في ذلك
( خليليَّ إنّ العسرَ سوف يُفيقُ ... وإِنّ يساراً في غدٍ لخليقُ )
( وما كنتُ إلا كالزّمان إذا صحا ... صَحوتُ وإِن ماق الزّمان أموقُ )
( أأدْماء لا أستطيع في قلّة الثّرى ... خُزُوزا وَوشيا والقليلُ مَحيقُ )
 ( خُذي من يدي ما قلّ إنّ زماننا ... شَمُوسٌ ومعروف الرجال رقيقُ )
( لقد كنتُ لا أرضَى بأدنى مَعيشة ... ولا يَشتكِي بُخلاً عليّ رفيقُ )
( خليليّ إنّ المال ليس بنافع ... إذا لم يَنل منه أخٌ وصديقُ )
( وكنتُ إذا ضاقت عليّ مَحَلَّةٌ ... تيمّمتُ أخرى ما عليّ تضيقُ )
( وما خاب بينَ الله والناس عاملٌ ... له في التّقى أو في المحامد سُوقُ )
( ولا ضاق فضلُ الله عن مُتعفّفٍ ... ولكنّ أخلاقَ الرجال تَضيقُ )
المهدي يتهدده إذا عاد إلى قول النسيب
أخبرني حبيب بن نصر قال حدثني عمر بن شبة قال
بلغ المهدي قول بشار
( قاسِ الهمومَ تنلْ بها نَجَحا ... والليلَ إنّ وراءه صُبُحا )
( لا يُؤيسنك من مُخبّاةٍ ... قولٌ تُغلِّظه وإِن جَرَحا )
( عُسر النّساء إلى مُياسرَةٍ ... والصّعبُ يُمكن بعد ما جَمَحا )
فلما قدم عليه استنشده هذا الشعر فأنشده إياه وكان المهدي غيورا فغضب وقال تلك أمك يا عاض كذا من أمه أتحض الناس على الفجور وتقذف المحصنات المخبات والله لئن قلت بعد هذا بيتا واحدا في نسيب لأتين على روحك فقال بشار في ذلك
( والله لولا رِضا الخليفة ما ... أعطيتُ ضَيما عليَّ في شَجنِ )
( وربّما خِيرَ لابن آدمَ في الكُره ... وشقَّ الهوى على البدنِ )
 ( فاشرَبْ على ابنة الزّمان فما ... تَلقى زمانا صفَا من الأُبَنِ )
( الله يُعطيك من فواضله والمرء ... يُغضي عيناً على الكُمَنِ )
( قد عشتُ بين الرَّيحان والراح والمزهر ... في ظلّ مَجلسٍ حسنِ )
( وقد ملأتُ البلاد ما بين فُغْفُور ... الى القَيروان فاليمنِ )
قال عمر بن شبة فغفور ملك الصين
( شِعرا تُصلّي له العواتِقُ والثِّيبُ ... صلاةَ الغُواة للوثَنِ )
( ثم نهاني المَهديّ فانصرفتْ ... نفسي صنيعَ الموفَّق اللّقنِ )
( فالحمد لله لا شريكَ له ... ليس بباق شيءٌ على الزّمنِ )
ثم أنشده قصيدته التي أولها
( تجاللتُ عن فِهرٍ وعن جارتَيْ فهرِ ... )
ووصف بها تركه التشبيب ومدحه فقال
( تَسلّى عن الأحباب صَرّامُ خُلّة ... ووصّالُ أخرى ما يُقيم على أمرِ )
( وركّاض أفراس الصّبابة والهوى ... جرت حِجَجاً ثم استقرّت فما تَجري )
( فأصبحن ما يُركَبن إلاّ إلى الوغَى ... وأصبحتُ لا يُزْرى عليّ ولا أزرِي )
( فهذا وإِنّي قد شَرَعْتُ مع التّقى ... وماتت همومي الطارقاتُ فما تسري )
ثم قال يصف السفينة
 ( وعذراء لا تجري بلحم ولا دمٍ ... قليلة شكوى الأيْن ملجَمة الدُّبْرِ )
( إذا ظَعَنت فيها الفُلول تشخّصت ... بفُرسانها لا في وُعوث ولا وعرِ )
( وإِن قصدت زلّت على مُتنصِّب ... ذليل القوى لا شيءَ يَفري كما تفري )
( تُلاعب تَيّارَ البحور وربّما ... رأيتَ نفوس القوم من جَريها تجري )
قال وكان قال نينان البحور فعابه بذلك سيبويه فجعله تيار البحور
( إلى ملك من هاشم في نبوّة ... ومن حِميْر في الملك في العدد الدَّثرِ )
( مِنَ المشترين الحمد تَندى من النّدى ... يداه ويندَى عارِضاه من العِطرِ )
( فألزمتُ حبلي حبلَ من لا تُغبّه ... عُفاة الندى من حيثُ يَدري ولا يَدري )
( بَنَى لك عبد الله بيتَ خلافة ... نزلتَ بها بين الفَراقد والنَّسرِ )
( وعندك عهدٌ من وَصاة محمّد ... فَرعتَ به الأملاكَ من ولد النّضرِ )
فلم يحظ منه أيضا بشيء فهجاه فقال في قصيدته
المهدي يأمر بقتله بعد أن هجاه
( خليفةٌ يزني بعمّاته ... يلعب بالدَّبُّوق والصّوْلجانْ )
( أبدلنا الله به غيرَه ... ودسّ مُوسى في حِر الخَيْزُرانْ )
وأنشدها في حلقة يونس النحوي فسعي إلى يعقوب بن داود وكان بشار قد هجاه فقال
( بني أميّة هُبّوا طال نومُكُم ... إنّ الخليفة يعقوبُ بنُ داودِ )
( ضاعتْ خلافتكم يا قوم فالتمسوا ... خليفةَ الله بينَ الزِّق والعودِ )
فدخل يعقوب على المهدي فقال له يا أمير المؤمنين إن هذا الأعمى الملحد الزنديق قد هجاك فقال بأي شيء فقال بما لا ينطق به لساني ولا يتوهمه فكري قال له بحياتي إلا أنشدتني فقال والله لو خيرتني بين إنشادي إياه وبين ضرب عنقي لاخترت ضرب عنقي فحلف عليه المهدي بالأيمان التي لا فسحة فيها أن يخبره فقال أما لفظا فلا ولكني أكتب ذلك فكتبه ودفعه إليه فكاد ينشق غيظا وعمد على الانحدار إلى البصرة للنظر في أمرها وما وكده غير بشار فانحدر فلما بلغ إلى البطيحة سمع أذانا في وقت ضحى النهار فقال انظروا ما هذا الأذان فإذا بشار يؤذن سكران فقال له يا زنديق يا عاض بظر أمه عجبت أن يكون هذا غيرك أتلهو بالأذان في غير وقت صلاة وأنت سكران ثم دعا بابن نهيك فأمره بضربه بالسوط فضربه بين يديه على صدر الحراقة سبعين
سوطا أتلفه فيها فكان إذا أوجعه السوط يقول حس وهي كلمة تقولها العرب للشيء إذا أوجع فقال له بعضهم انظر إلى زندقته يا أمير المؤمنين يقول حس ولا يقول بسم الله فقال ويلك أطعام هو فأسمي الله عليه فقال له الآخر أفلا قلت الحمد لله قال أو نعمة هي حتى أحمد الله عليها فلما ضربه سبعين صوتا بان الموت فيه فألقي في سفينة حتى مات ثم رمي به في البطيحة فجاء بعض أهله فحملوه إلى البصرة فدفن بها
أخبرني عمي قال حدثني أحمد بن أبي طاهر قال حدثني خالد بن يزيد بن وهب بن جرير عن أبيه قال
لما ولي صالح بن داود أخو يعقوب بن داود وزير المهدي البصرة قال بشار يهجوه
( هُمُ حَملوا فوقَ المنابر صالحاً ... أخاك فضجّت من أخيك المنابُر )
فبلغ ذلك يعقوب فدخل على المهدي فقال يا أمير المؤمنين أبلغ من قدر هذا الأعمى المشرك أن يهجو أمير المؤمنين قال ويحك وما قال قال يعفيني أمير المؤمنين من إنشاده ثم ذكر باقي الخبر مثل الذي تقدمه فقال خالد بن يزيد بن وهب في خبره وخاف يعقوب بن داود أن يقدم على المهدي فيمدحه ويعفو عنه فوجه إليه من استقبله فضربه بالسياط حتى قتله ثم ألقاه في البطيحة في الخرارة
أخبرني أحمد بن عبيد الله بن عمار قال حدثنا علي بن محمد النوفلي عن أبيه وعن جماعة من رواة البصريين وأخبرنا يحيى بن علي عن أحمد بن أبي طاهر عن علي بن محمد وخبره أتم قالوا
خرج بشار إلى المهدي ويعقوب بن داود وزيره فمدحه ومدح يعقوب فلم يحفل به يعقوب ولم يعطه شيئا ومر يعقوب ببشار يريد منزله فصاح به بشار
( طال الثَّواء على رُسوم المنزِلِ ... )
فقال يعقوب
( فإِذا تشاءُ أبا معاذٍ فارحَلِ ... )
فغضب بشار وقال يهجوه
( بني أميّة هُبّوا طال نومُكُم ... إنّ الخليفة يعقوبُ بن داودِ )
( ضاعت خلافتكم يا قوم فالتمسوا ... خليفة الله بين الزِّقّ والعُودِ )
قال النوفلي فلما طالت أيام بشار على باب يعقوب دخل عليه وكان من عادة بشار إذا أراد أن ينشد أو يتكلم أو يتفل عن يمينه ويصفق بإحدى يديه على الآخرى ففعل ذلك وأنشد
( يعقوبُ قد ورد العُفاةُ عشيّةً ... مُتعرّضين لسَيبك المُنتاب )
( فسقَيتَهم وحسبتني كَمّونةً ... نَبتت لزارعها بغير شرابِ )
( مَهلاً لديك فإِنّني رَيحانة ... فاشمُمْ بأنفك واسقِها بذِنابِ )
( طال الثواءُ على تنظُّرِ حاجةٍ ... شَمِطتْ لديك فمن لها بخِضابِ )
( تُعطِي الغزيرةُ درَّها فإِذا أبتْ ... كانت مَلامتُها على الحُلاّبِ )
يقول ليعقوب أنت من المهدي بمنزله الحالب من الناقة الغزيرة التي إذا لم يوصل إلى درها فليس ذلك من قبلها إنما هو في منع الحالب منها وكذلك الخليفة ليس من قبله لسعة معروفة إنما هي من قبل السبب إليه
قال فلم يعطف ذلك يعقوب عليه وحرمه فانصرف إلى البصرة مغضبا فلما قدم المهدي البصرة أعطى عطايا كثيرة ووصل الشعراء وذلك كله على يدي يعقوب فلم يعط بشارا
شيئا من ذلك فجاء بشار إلى حلقة يونس النحوي فقال هل ها هنا أحد يحتشم قالوا له لا فأنشأ بيتا يهجو فيه المهدي فسعى به أهل الحلقة إلى يعقوب فقال يونس للمهدي إن بشارا زنديق وقامت عليه البينة عندي بذلك وقد هجا أمير المؤمنين فأمر ابن نهيك بأخذه وأزف خروجهم فخرجوا وأخرجه ابن نهيك معه في زورق فلما كانوا بالبطيحة ذكره المهدي فأرسل إلى ابن نهيك يأمره أن يضرب بشارا ضرب التلف ويلقيه بالبطيحة فأمر به فأقيم على صدر السفينة وأمر الجلادين أن يضربوه ضربا يتلفون فيه نفسه ففعلوا ذلك فجعل يسترجع فقال بعض من حضر أما تراه لا يحمد الله فقال بشار أنعمة هي فأحمد الله عليها إنما هي بلية أسترجع عليها فضرب سبعين سوطا مات منها وألقي في البطيحة
قال يحيى بن علي فحكى قعنب بن محرز الباهلي قال حدثني محمد بن الحجاج قال
لما ضرب بشار بالسياط وطرح في السفينة قال ليت عين أبي الشمقمق رأتني حين يقول
( إنّ بشّارَ بنَ برد ... تيسٌ أعمى في سفينة )
أخبرني أحمد بن عبيد الله بن عمار وحبيب بن نصر المهلبي قالا حدثنا عمر بن شبة قال
أمر المهدي عبد الجبار صاحب الزنادقة فضرب بشارا فما بقي في بالبصرة شريف إلا بعث إليه بالفرش والكسوة والهدايا ومات بالبطيحة قال وكانت وفاته وقد ناهز ستين سنة
نعي بشار
قال عمر بن شبة حدثني سالم بن علي قال كنا عند يونس فنعى بشارا إلينا ناع فأنكر يونس ذلك وقال لم يمت فقال الرجل أنا رأيت قبره فقال أنت رأيته قال نعم وإلا فعلي وعلي وحلف له حتى رضي فقال يونس لليدين وللفم
قال أبو زيد وحدثني جماعة من أهل البصرة منهم محمد بن عون بن بشير وكان يتهم بمذهب بشار فقال
لما مات بشار ألقيت جثته بالبطيحة في موضع يعرف بالخرارة فحمله الماء فأخرجه إلى دجلة البصرة فأخذ فأتي به أهله فدفنوه قال وكان كثيرا ما ينشدني
( ستَرى حولَ سَريري ... حُسّرا يَلْطِمن لَطما )
( يا قَتيلا قتلتْه ... عبدةُ الحوراءُ ظلما )
قال وأخرجت جنازته فما تبعها أحد إلا أمة له سوداء سندية عجماء ما تفصح رأيتها خلف جنازته تصيح واسيداه واسيداه
قول الناس في موت بشار
قال أبو زيد وحدثني سالم بن علي قال
لما مات بشار ونعي إلى أهل البصرة تباشر عامتهم وهنأ بعضهم بعضا وحمدوا الله وتصدقوا لما كانوا منوا به من لسانه
وقال أبو هشام الباهلي فيما أخبرنا به يحيى بن علي في قتل بشار
( يا بُؤْسَ مَيْتٍ لم يبكِه أحدُ ... أَجَلْ ولم يَفتقدْه مُفتقِدُ )
( لا أُمُّ أولاده بكتْه ولم ... يَبْكِ عليه لفُرقةٍ وَلدُ )
( ولا ابنُ أختٍ بكى ولا ابنُ أخٍ ... ولا حَميمٌ رقّت له كبِدُ )
( بل زعموا أنّ أهلَه فرحاً ... لمّا أتاهم نَعِيُّه سَجَدوا )
قال وقال أيضا في ذلك
( قد تبِع الأعمى قَفا عَجْرَدٍ ... فأصبحا جارَين في دارِ )
( قالت بِقاعُ الأرض لا مَرحباً ... برُوح حمّادٍ وبشّارِ )
( تَجاورَا بعد تَنائيهما ... ما أبْغضَ الجارَ إلى الجارِ )
( صارا جميعاً في يديّ مالكٍ ... في النّار والكافرُ في النارِ )
قال أبو أحمد يحيى بن علي وأخبرنا بعض إخواني عن عمر بن محمد عن أحمد بن خلاد عن أبيه قال
مات بشار سنة ثمان وستين ومائة وقد بلغ نيفا وسبعين سنة
المهدي يندم على أمره بقتل بشار
أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا محمد بن القاسم بن مهرويه قال
لما ضرب المهدي بشارا بعث إلى منزله من يفتشه وكان يتهم بالزندقة فوجد في منزله طومار فيه
بسم الله الرحمن الرحيم
إني أردت هجاء آل سليمان بن علي لبخلهم فذكرت قرابتهم من رسول الله فأمسكت عنهم إجلالا له على أني قد قلت فيهم
 ( دِينارُ آلِ سليمانٍ ودِرهَمُهم ... كالبابِليِّين حُفّا بالعفاريتِ )
( لا يُبصَران ولا يُرجَى لقاؤهما ... كما سمعتَ بهارُوتٍ ومارُوت )
فلما قرأه المهدي بكى وندم على قتله وقال لا جزى الله يعقوب بن داود خيرا
فإنه لما هجاه لفق عندي شهودا على أنه زنديق فقتلته ثم ندمت حين لا يغني الندم
أخبرني محمد بن خلف بن المرزبان قال حدثنا عمر بن محمد بن عبد الملك قال حدثني محمد بن هارون قال
لما نزل المهدي البصرة كان معه حمدويه صاحب الزنادقة فدفع إليه بشارا وقال اضربه ضرب التلف فضربه ثلاثة عشر سوطا فكان كلما ضربه سوطا قال له أوجعتني ويلك فقال يا زنديق أتضرب ولا تقول بسم الله قال ويلك أثريد هو فأسمي الله عليه قال ومات من ذلك الضرب
ولبشار أخبار كثيرة قد ذكرت في عدة مواضع منها أخباره مع عبدة فإنها أفردت في بعض شعره فيها الذي غنى فيه المغنون وأخباره مع حماد عجرد في تهاجيهما فإنها أيضا أفردت وكذلك أخباره مع أبي هاشم الباهلي فإنا لا نجمع جميعها في هذا الموضع إذ كان كل صنف منها مستغنيا بنفسه حسبما شرط في تصدير الكتاب