هنا عشت و من هذا الطريق سلكت و لأنها الحياة رحلت

الأربعاء، 6 أكتوبر، 2010

الهتاف - نجيب محفوظ

الهتاف

ذات صباح رجع أبو عبده الى حارته . عرفه كثيرون رغم طلاء الأبهة ، رغم العباءة و العمامة و العصا والمركوب .. يا للغرابة يا أبو عبده . ماذا أرجعك ؟ عاش فى الركن الذى كان يقيم فيه بين أسرته و تلفت حوله فى حيرة . و اتجه نحو دكان شيخ الحارة الذى كان يراقبة بامتعاض و حياه و سأله عن أهله
و سأله شيخ الحارة بخشونه :
-
ما معنى هذه العودة ؟
فقال أبو عبدة الذى لم يكن يتوقع استقبال أفضل :
1
جئت لزيارة الأهل
فقال الرجل بغلظة :
1
مات من مات و رحل من رحل هربا من كلام الناس .
ثم بعد فتره صمت مشحون باللوم :
2
و أنت أدرى بالحكاية و أصلها
فقال أبو عبده بلهجة لم تخل من تحد :
4
ها أنا أعود يا شيخ حارتنا ، و سوف ترانى سيدا يعيش بين السادة
فقال شيخ الحاره بضيق :
6
اختر لنفسك ما يحلو ، أما أنا فلا يهمنى الا الأمن العام . و سرى الخبر فى الحارة مثيرا أكبر قدر من الاشمئزاز .
و بأكبر سرعة ممكنة راحت خربة تتحول الى سراى لينزل به ذلك الرجل الذى غادر الحارة الى أطراف الحى و جمع ثروة ضخمة من أحط السبل و أحملها للعار حتى صار مضغة للأفواه و مرغ اسم حارتة فى التراب .
و سأل امام الزاوية شيخ الحارة :
-
ألم يجد فى الدني الواسعة مكانا لمسكنة بعيدا عن الحارة ؟
فقال شيخ الحارة ك
7
انه يؤمن بأن نقوده تستطيع أن تفعل المستحيل .
و تلهف أبو عبده مع إعداد السراي ليبدأ ممارسة سيادته .
و لكن طوال مدة العمل لم يعن أحد بالنظر اليه . كان يشعر بالاحتقار كظله و الكراهيه مع أنفاسه .
و تساءل فى توجس : ترى هل أقيم لنفسي سجنا و أنا لا أدرى ؟
و نصحة شيخ الحارة قائلاً :
-
انه مشروع فاشل
فقال بإصرار :
-
بل سوف تلمس نجاحه و تنوه مع الآخرين بأعمالي الخيرية .
فضحك شيخ الحارة رغما عنه فقال أبو عبده :
8
و سأستعين بك فى مشروعى الخيرى .
فرمقه بريبه فقال :
9
أنت تعرف متبولى الأعمى .. كنت مقترضا منه خمسة قروش حين غادرت الحارة فانصحه بأن يذكرنى بها ..
فأدرك شيخ الحاره مقصده ، لم يتحمس و لم يرفض . و قال لامام الزاوية :
10
اذا أراد أن يكفر عن منكره فليكفر ..
فقال الامام :
11
ان الأعمال بالنيات و هو ذو نية سوداء دائما .
غير أن سعى شيخ الحر باء بالاخفاق و قال ل (أبو عبده ) :
12
متبولى يرفض المطالبة بدينه القديم ..
و انزعج أبو عبده . لكنه لم ييأس . صمم على أن يجعل من واقعه رد الدين لمتبولى حادثا يسيل له لعاب الفقراء فى الحارة فيكسب جبهتهم بضربة واحدة .
و انتظر صابرا كظيما يوم السوق . و ارتدى فاخر الثياب ايمانا منه بولع أهل حارته بالمظاهر . و ذهب بقدمين ثابتتين يشق طريقة فى الزحام الى حيث يقرفص عم متبولى إمام مقطفه .
قال بصوت جهير :
13
أحيى صديق العهد القديم ..
فرفع متبولى اليه عينيه الضعيفتين و تحركت شفتاه دون أن يصدر عنهما صوت . و انتبه اليه أناس فتابعوا ما سيحدث باهتمام و دون أن يفارق الفتور وجوههم . و همس إمام الزاوية فى أذن شيخ الحارة :
14
أدعو الله أن يمر اليوم على خير .
أما أبو عبده فقال :
15
لك دين فى عنقي وجئتك الآن لأسدده .
و أخرج من عبة رزمة أورق مالية لا ترى فى الحارة الا كل حين و مين و وضعها بين يدي الرجل لضيف مقطفه . و ساد صمت ثقيل ، و تركزت على الرزمة الأبصار .. حتى همس شيخ الحارة فى أذن الإمام :
-
اذكر هذه اللحظه التعسة فقد تكون بدء تاريخ طويل من الفساد فى حارتنا الطيبة ..
و ابتسم أبو عبده فى إغراء ، و لا ترامى الزمن دون حركة تحولت الابتسامة الى توسل ، و لكن متبولى أزاح النقود بمقطفه نحو صاحبها و صاح بصوت سمعه الجميع :
-
خذ نقودك يا قذر ..
عند ذلك هتف الجميع بصوت واحد : الله أكبر .. و ليحيا الجدعان ....
العشق فى الظلام
عندما يغلق باب المقهى لا يبقى ساهرا فوق أرض الحارة الا الخفير . لتفقد أبواب الدكاكين ، و يذهب و يجيء ما بين الميدان و ممر القرافة سائرا فى ظلام دامس متلمسا طريقه بغريزته المكتسبة من العمل و معلقا بندقيته بمنكبه و بين حين و آخر يطلق نذيره الحلق الذى يشق الظلمه .
أطلق عليه منذ بدء خدمته : "أبو الهول" بما يرمز له الاسم فى الذاكرة الشعبية من الجلال و الرهبة ، الواقع أنه ذو طول مؤثر و عرض لا يتناسب مع ذلك الطول ، أما شاربه فيقف عليه الصقر ، و أما رأسه فصغير و قلبه طيب لا يتوافق مع أغراض وظيفته ، والحق أنه مضى يهزل و برق و تتجمع فى عينيه سحابة حزن ، و تساءلت القلة التى تراه و هو يبدأ عمله الليلى عن السر . و تجرأ أحدهم فقال له :
1
لست على ما يرام يا خفير بندق .
فأجاب بغموض قائلا :
1
هى الدنيا يا معلم .
انه يعاشر الظلام ، و لا يعرف من أهل الحارة الا الراجعين قبيل الفجر من الحشاشين و السكيرين و الخباصين ، و لعله لا تصل الى مسمعيه فى صمت الليل الا الأنات الشاكية ، و قيل انه سيهزل و يهزل حتى تعجز الأعين عن رؤيته .
و لكن الأنات الشاكية لم تكن الأصوات الوحيده التى تزحم أذنيه . هناك الصوت الذى يتسلل من نافذه بدروم البيت القائم أمام السبيل
أسمعه أنين الحب و أنغامه . كل ليلة عقب عودة النجار من سهرته ، يترنح و يدندن ثم يهبط الى مسكنه ، و بعد فتره وجيزة تتسلل الأنغام من منافذ النافذة ، كل ما استطاع أ، يعرفه أن البدروم مسكن للنجار و امرأته ست بطه ، و لكنه لم يرها أبدا . انها تقضى شئونها فى غرفتها . عرفها من صوتها آخر الليل ، و لم يكن من أهل الحارة و لكنه عشق الصوت ، و هام به هياما حتى نبض فى قلبه. و تردد فى أنفاسه . يسمعه ليله بعد أخرى و يتشربه ساعة بعد أخرى و يخلق من ترنيماته و تهويماته صورة جامعة لمحاسن نساء الريف و المدن ، يناجيه فى سهرته الطويلة و يستغيث به فى وحدته ، و تجسد له مرات فحاوره و دعاه و قال له لا يعرف الألم الدفين الا خالقه و لا يغيظه شىء كما يغيظه دندنة النجار و هو عائد مترنحا . و خطر له أنه لو أعياه السطول ليله فسقط لحمله الى الداخل ليرى ست بطه .
و رن سوته فى القبر مرة و هو يغنى :
((
باسمع نغم الليل عشق الحبايب هدنى الحيل))
و أعجبه صدى صوته داخل القبو فأعاد الغناء و فاض به الحنين فتساءل :
-
و ايش بعد الغناء يا بندق ؟؟
و جاء صوت من وراء باب الحصن الأثرى :
-
ما بعد الغناء الا العمل ..
فارتعد متذكرا ما يقوله أهل الحارة عن سكان القبو . و لكنه تشجع ضاغطا بذراعه على بندقيته و سأل بلهجة ميرى :
2
من أنت ؟ ... كيف دخلت الحصن ؟
فأجاب بصوت باسم :
4
أنا شيطان يا خفير بندق ، و لولا الشيطان ما كان الانسان .
و سرى الصوت فى كيانه بقوة فلم يشك أنه بحضرة شيطان حقيقى . حاول أن يتلو سورة و لكن رأسه أفرغت من محفوظاتها القليلة ، و سأله مستسلما :
-
ماذا تريد؟
-
ماذا تريد أنت ؟؟
-
ما أريد الا أداء واجبى .
-
أنت كذاب .
و ترامت اليه دندنة النجار و هو راجع فخفق قلبة و قال الصوت من وراء الباب المغلق:
-
أعطنى بندقيتك ...
لم يذعن و لم يرفض و لكنه شعر بالبندقية تنزع من حول منكبة . و فجاءة دوت طلقة نارية فمزقت مخالبها ستار الليل ، نام ثوان فحلم ثم صحا . و لما صحا رأى شفافية الضياء الباكر تهبط فى مركبة سماوية و رأى لمة تحيط بجثة يتدفق الدم من فيها و انكبت فوق الجثة امرأة و هى تصرخ و تبكى و تندب أبا العيال و ندت عنه حركة فاتجهت اليه الابصار و أكثر من صوت سأل :
5
من قتل الرجل يا خفير بندق ؟؟
فتراجع حتى استند الى شرفة السبيل و هو يحدق فيهم
6
لابد أنك رأيت كل شىء .. فمن قتل الرجل ؟
فأجاب بذهول :
7
قتله الشيطان ...!
و كان يرى ست بطة لأول مرة ، و لآخر مرة
الطاحونة

كانوا ثلاثة قيل انهم خرجوا الى الدنيا فى يوم واحد . و حديث الأعمار يبوح بأسراره فى حارتنا عند الحوار بين الأمهات حتى بلغوا السادسة . عند ذاك حجزت البنت لتصبح خفية وراء الجدران و استمر الصديقان فى اللعب و التذكر . أما رزق فيتذكرها كلما احتاجوا الى ثالث فى لعبة من الألعاب ، و أما عبده فحتما منذ تلك المبكرة كان يشعر بها حبيبة للقلب على نحو ما . و منذ تلك السن المبكرة أيضا أدرك أن عليه أن ينتظر عشر سنوات قبل أن يحقق أمله المشروع .
و كان عبده من الذين يملكون ، أما رزق فممن لا يملكون . و تزاملا فى الكتاب كما تزاملا فى اللعب . و انقطع رزق عن التعليم بحكم فقره و واصله عبده حتى نال الابتدائية . و منذ ذلك الزمن البعيد و رزق يتشكل فى وجدان عبده مثالا فائقا فى القوة و الجرأه و المهارة فاحترمة و اعجب به و تبعة رغم فارق الغنى و الفقر .
و لما مات والد عبده حل الفتى محل أبيه فى مطحن البن الذي ورثه . و كان الأب قد دربه ، كما أن العمال القدامى أخلصوا له أيما إخلاص ، و لكنه سرعان ما ضم صديقه رز الى المطحن كمعاون له ، و كان كل ما حصله كل منهما فى التعليم كافيا له فى عمله ، و تجلت ألمعيه رزق فى متابعة العمل من شرائه كـ (بن)
أخضر الى تحميصه و طحنه و تعبئته و توزيعه . و قال لأسرته مفسرا قراره بتعيين رزق :
1
أنا لا أجد الطمأنينة الا معه .
ذلك حق . لم يتخل عن خدمته قط . يدفع أى أذى الصبيه . يسارع الى نجدته كلما احتاج الى نجدة . يسعفه بالرأى و المشورة . و لما ضمه الى المحل قال له :
2
كن فى العمل ما كنته فى الحارة ، عينى و أذن و يدى ..
و فى وقت قصير استحق أن يلقب بالوكيل . انه الرقيب بين العمال الدائب على رعاية الطاحونه ، و أنشط من قام بتوزيع البن فى الدكاكين و المقاهى . يا له من طاقة لا تخمد . و أصبح هو لا يدرى كبيرة أو صغيرة من محلة الا عن طريقة . بالمقارنه أصبح هو لا شىء و الآخر كل شىء .
و كان ارتياحه لذلك أضعاف ضيقه به لما طبع عليه من كسل و حب الحياة اليسيرة و الميل الى الاستمتاع بالسهر كل ليلة فى المقهى أو الغرزة . و كان العملاء يقصدون رزق لعقد الصفقات و كأنه مالك كل شىء . و لاحظ خال عبده ذلك و هو فى غاية من الاستياء و لكن الشاب قال له :
-
بكلمة واحده منى يتغير كل شىء ، أريد أن تجرى الأمور على ما تجرى عليه ، و أنا يا خالي أحب المال و لا أحب العمل ، و رزق أمين ، و هو هدية ربنا الى ..
و مضت الأمور فى طريقها المرسوم حتى قال عبده لرزق يوما :
-
آن لى أن أفكر بالزواج قبل أن يسرقنا الوقت .
و لم يبد على رزق أنه فوجىء و سأله :
-
هل فاتحت أحدا فى الموضوع ؟
-
انت أول واحد أفاتحه فيما يهمني ..
-
أحسنت ، فالطريق المعتاد الى الزواج هو أردأ الطرق ، فدعنى اتحرى بأسلوبى الخاص و الله يهدينا سواء السبيل ..
هكذا سلمه شئون قلبه ضمن اختصاصاته ن و لم يكن هو رأى ظريفة طيلة السنين الا مرات معدودة ن و لكنه لم يحب من جنس النساء سواها ، غير أنه قال كالمعترض :
3
أسرتها طيبه و حسنة السمعة و لا حاجة بنا الى التحريات .
4
هذا كلام الناس الطيبين و لكننا لن نخسر بالسؤال شيئا ..
و انتظر عبده و هو يزداد قلقا و توترا ، و يتساءل فى حنق :
متى تنتهي تلك التحريات المشئومة . و التقت عيناه بعيني صاحبه اذ هما فى المقهى فقرأ فيهما ما أثار خواطره و سأله :
5
ماذا وراءك ؟
فقال بحزن شديد :
6
ليس خيرا
فهتف :
8
يا خبر أسود ،ماذا قلت ؟
9
هى الحقيقة للأسف ..
10
لكن ظريفة ملاك .
11
إنها ليست ملاكا
فغمغم بعد تردد :
12
أنا أريد البنت :
فقال الآخر بادى الامتعاض :
13
انت حر .
و انطوى على نفسه يفكر و يفكر . و يتردد بين الإقدام و الإحجام ، و ضاعف من تعاسته أن رزق اعتكف فى بيته لمرض طارىء . و ذات أصيل و هو منفرد بنفسه فى المطحن ترامت الى أذنه زغرودة . و جاءه عامل ليخبره بأن رزق كتب على ظريفة فى حفل خاص و نفر من أهله .
و ثار عبده ثورة جعلته يبدو بين عماله كالمجنون حقيقة لا مجازاً
و زاره قريب لرزق يحمل اليه اعتذره و قوله انه فعل ما فعل لينقذه من شر كبير كان حتما سيقع فيه . و ضاعف الاعتذار من جنونه و أعلن طرده من المطحن و توعده بشر من ذلك .
و لكن الذى حدث غير ذلك . و قال لى شيخ الحاره - و هو راوي قصة عبده و رزق و ظريفة- ان عبده عاد مع الأيام الى رشده . و غرق فى عمله لا يدرى ماذا يفعل فاقتنع بأنه لا غنى عن رزق . و عفا عنه و أعاده الى مركزه السابق .
و الأعجب من ذلك كله أنه فاجأنا ذات يوم بالزواج من أم ظريفة
الصعود الى القمر


تم الهدم و بقيت الأنقاض . تجلت أرض البيت القديم مساحة شبه مربعة فى الفضاء خالية من أى معنى و بلا رموز . و قلت للمهندس و هو أيضا صديقى :
1
أنظر كم هى صغيرة .
فقال و هو يتأملها متفكرا :
1
كان فيها الكفاية لإيواء أسرة ما شاء الله كبيرة .
و استغرق فى تأملاته ثم استطرد :
-
لا جدوى اقتصادية من بناء مسكن أو عمارة صغيرة ..
-
قلت لك اننى لا أفكر فى ذلك .
-
لكن ما تفكر فيه خيال خارق ، اليك مشروعا طريفاً و مفيداً ، أن بنبى مشربا لبيع العصائر و الحلوى ، و سوف يكون تحته فى هذا المكان الأثري ، و الف من يتقدم لاستئجاره اذا عرض للاءيجار فى الوقت القريب .
فابتسمت قائلا : - فكرة طيبه و لكننى لم أقصدك الا لتنفيذ ما فى رأسى ..
2
انه خيال أشبه باللعب
فقلت باصرار :
3
أريد أن أعيد البيت القديم كما كان أول مرة دون أدنى تغيير حاذفا الزمن من الوجود .
و خلوت اليه فى مكتبه و أصغى الى بعناية و يده لا تكف عن الرسم و التخطيط . و دار نقاش مرات فعندما وصفت له المدخل و السلم قال :
-
أسلوب فج . و يصدم القادم بوجوده دون أى تمهيد ، دعنى ...
فقاطعته باصرار :
4
ما أريد الا أن يرجع البيت الى أصله ..
و فى لحظة أخرى قال :
-
المسكن لن يزيد عن حجرتين أكبرهما صغيرة ..
-
أنا عارف .
-
و تضيع نصف المساحة لبناء حمام يتسع لخزان لتطهير الزهر و الورد ، و بناء فرن بلدى ، أى زهر و ورد و خبز .. !!
-
هذا ما أريد ، و لا تنسى السطح ، فيه حجرة صغيرة صيفيه ، و حجرات لتربية الكتاكيت و الأرانب .
و ضحك صديقى طويلا و لكن يده لم تكف عن التخطيط . انه يعلم جيدا أنى لا أفكر فى الاستثمار . و كان مرجوى أن أقيم استراحة شعبية لبناتها الذكريات و الأحلام ، و تنفع مهربا من هموم الحياة و ضغوطها ، و عندما يتم تأثيثه و تزيينه من من محال خان الخليلى سيكون تحفة ، و لكن بمعنى آخر غير ما قصده صديقى المهندس من بناء المشرب و اعداده للسياح و الأهالى . و لعله أساء الظن .. حذرنى قائلا :
-
ستكون فى قلب حى عريق فحذار من تجاوز التقاليد
فضحكت و قلت له :
5
لو فكرت فى شيء مما تعنى لوجدت سبيلي دون حاجة الى هدم و بناء !
و تم بناء البيت أو إعادة بنائه على ما اتفقنا عليه و كنت أتابع خطوات البناء الأولى ثم انقطعت عنه لأستمتع برؤية شكله الجديد و كأنها مفاجأة سعيدة . و قال لى المهندس :
-
تم كل شيء كما تريد فأرجو ألا تندم ..
و ذهبت معه لالقاء نظرة أخيرة و التسلم . و عندما أقبلت من أقصى الطريق تراءت المشربيتان كما كانتا تترائيان فى الزمن القديم . و كعينين ترمقان دعتانى للدخول ، قام البيت بين البيوت القديمة على ناحيتيه التى بقيت على حالها دون أي تغيير خارجى ، أما سكانها القدامى - جيران الزمان الأول – فقد تلاشوا فى غياهب المدينة و لم يتردد لأحد منهم ذكر الا فى صفحة الوفيات ، و جعل قلبى يخفق . و رأيت المطرقة معلقة بالباب فرأيت الأيدى العزيزة تقبض عليها . و قال المهندس كالمعتذر :
كان على أن أتخذ الاستعدادات لإدخال المياه و الكهرباء .
فقلت له :
6
فى نيتي أن استعمل المصباح الغازي ..
7
ستكون جاهزة اذا احتجت اليها حتى تفيق من الخيال .
ولكننى أمعنت فى الخيال و أنا أرتقي فى السلم العالي . و حال بلوغي الطابق المعد جذبت الى الوراء البعيد بشدة . غاب عنى صوت المهندس ن كدت أنساه تماما . ها هو الفرن . لكن أين حرارة الدفء و اللهب و المجلس السعيد ؟ و تقت الى عبق الخبيز . و ها هو الحمام بمنوره المزركش و خزانه العريض و الحوض المفعم بالزهر و الورد . و ها هى أنابيب التقطير تكاد تسيل بالرائحة الذكية ، و جلست أراقب اليدين فى نشاطهما العذب و أستمع الى التلاوة . و اندفعت أجرى فى الدهليز بين الحجرتين تطوقني الأصوات المحذرة . و اختلط التهديد بالضحكات العالية ، و اعترضنا الذى يضع على وجهه قناعا من الكرتون رسمت عليه صورة الشيطان ، و جاء صوت معاتباً : " لا ترعبه فالرعب لا يزول " ، و صعدت الى السطح فهالني أن أجد الحجرة الصيفية خالية من غطاء اللبلاب و الياسمين و أن أرض السطح خالية من السلم الخشبي و حبال الغسيل ، و جذبنى صياح الديك الى حجرة الدجاج فهرعت اليها ، و فردت جلبابى و أمسكت بطرفه لجمع فيه البيض .
و صحت فيمن يرافقني : " انظر " و أشرت الى لون المساء الهابط على الحى من خلف القباب و المآذن . و طلع البدر فى خيلاء من وراء البيوت العتيقة فتطلعت اليه بشغف . عند ذاك رفعت فوق الكتف و همس لى الصوت الحنون : " خذه ان قدرت " ، فمددت يدى بمنتهى الحب و الأمل الى البد الساطع ... !!