هنا عشت و من هذا الطريق سلكت و لأنها الحياة رحلت

الاثنين، 6 سبتمبر، 2010

فنون عصر النهضة - ثروت عكاشة -عصر الرينسانس - العمارة الفلورنسية










 

العمارة الفلورنسية
برونليسكي 1377 - 1446
قلّما اكتحلت عيون ربّات الفن بمثل ذلك الحشد الهائل من الفنانين والأدباء والموسيقيين الذين اجتمعوا في فلورنسا خلال الأسبوع الأخير من شهر مارس عام 1436 لتدشين كاتدرائية مدينة فلورنسا (لوحات 111، 112، 113، 114، 115، 116)، وكان الفضل في ذلك يعود إلى المهندس الفنان "برونليسكي" Brunelleschi الذي توّج بعبقريته المعمارية بناء الكاتدرائية التي بُدئ في إنشائها في أواخر القرن الثالث عشر بقبّة ضخمة هائلة. واعتاد برونليسكي حين كان يناط به وضع تصميم كنيسة أو مبنى أن يطّرح الطراز التقليدي اطراحاً تاماً محاولاً إحياء عظمة الرومان السالفة، حتى قيل إنه رحل إلى روما ومضى يقيس أطلال المعابد والقصور القديمة مسجّلاً عجالات تخطيطية لأشكالها وزخارفها. دون أن يدور بخلده على الإطلاق محاكاة تلك المباني القديمة تماماً، وإنما كان مرماه أن يبتكر طريقة جديدة للبناء يمكن معها استخدام أشكال العمارة الكلاسيكية بحرية تتيح له إبداع نماذج جمالية متناسقة. ولعل أهم أثر عُرف له أن المعماريين من بعده ظلوا يترسّمون خطاه في العالم أجمع لأعوام خمسمائة، وظل هذا الأثر قائماً إلى ما يقرب من عقود أربعة مضت حين أخذ بعض المعماريين المعاصريين يناقشون أفكار برونليسكي ثائرين على تقاليد عصر النهضة المعمارية مثلما ثار هو نفسه على التقاليد القوطية. ولم يكن برونليسكي مبتدع عمارة عصر النهضة فحسب، فالعالم مدين له أيضاً باكتشافٍ ظلّ يسيطر على ميدان الفن قروناً طويلة هو "المنظور"، فقد رأينا الإغريق قبلُ لا يعنون كثيراً بتطبيق قواعد التضاؤل النسبي، وأن المصوّرين المتأغرقين الذين برعوا في الإيحاء بالعمق لم يدركوا القوانين الرياضية التي بها تتضاءل الأشكال كلّما تراجعت نحو العمق، فجاء برونليسكي ليزوّد الفنانين بالوسائل الرياضية لحلّ هذه المشكلة.
وفي هذا اليوم المشهود من عام 1436 كان الفنان "جيبرتي" قد فرغ بدوره من حفر نقوش البوابة البرونزية الشمالية لمبنى "المعمودية" وعكف على إنهاء البوابة الشرقية التي ما كاد يشاهدها الفنان ميكلانجلو حتى أطراها بقوله "إنها جديرة بأن تكون أبواباً لجنّة الفردوس". وقد تردّد على محرفه العديد من الفنانين الذين تعاونوا معه مثل المهندس المعماري ميكلتزو والمثّال دوناتللو والمصوّر بينوتزو جوتزولي. وكان دوناتللو قد قبض لتوّه أجره عن نحت التماثيل التي شغلت الكوى في كل من مبنى الكاتدرائية وبرجها الذي أطلق عليه على سبيل التقدير "برج جوتو". وكان جوتو بوصفه كبير المهندسين المعماريين منذ عام 1334 قد أشرف على بناء الكنيسة، كما صمّم برج الأجراس البديع الذي يشمخ إلى يمينها ورصّعه بأشكال هندسية من الرخام الملوّن. وعلى الرغم من أن هذا التصميم قد لحقه التعديل بعد وفاته إلا أنه ما يزال يحمل اسمه حتى الآن، وأغلب الظن أن بعض النقوش البارزة في مستوى الطابق الأول من إنجازه، وأن يكون البعض الآخر قد اضطلع به أندريا بيزانو وفقاً لتصميم جوتو.
وكان البابا أوجين الرابع قد اتخذ من فلورنسا مقرّاً مؤقتاً له بعد الثورة التي نشبت ضد كنيسة روما عام 1434، فشارك في الاحتفالات الدينية التي صاحبت تدشين الكاتدرائية، ودفعته هذه الإقامة التي اضطر إليها هو ومستشاروه إلى الوقوع تحت تأثير جماعة المذهب "الإنساني" الفلورنسية، فإذا التقاء هذه العقول يتمخّض عن أنضج الثمار، وإذا نتائجه الفكرية والفنية يقدَّر لها أن تصبح بعيدة الأثر على مدى الزمن. وضمّت هذه الجماعة فيمن ضمّت العلامة اللامع المتعدّد المواهب ليون باتستا ألبرتي الذي كان قد فرغ لتوّه من بحثه القيّم "عن التصوير" الذي أهداه إلى المهندس المعماري برونليسكي، على حين قُدّر لكتابه الأخير "عن العمارة" أن يغدو من بين أعظم المؤلفات التي كان لها أعمق الأثر على الفكر المعاصر في زمانه والأزمان التالية. وأخذت فرقة المنشدين البابوية على عاتقها تقديم الموسيقى والتراتيل الدينية المناسبة، وكانت تضم بين أفرادها أعظم الموسيقيين آنذاك وهو جيوم دوفاي الذي ألف 
الموتيت التذكاري الخاص بتلك المناسبة التاريخية، فاصطف مواطنو تلك المدينة التوسكانية الثريّة الرافلة في الرخاء لمشاهدة الموكب الفخم الجليل، وتزاحموا بالمناكب وهم يشقّون طريقهم صوب المجاز الأوسط للكاتدرائية مرتدين حللهم الزاهية الألوان. ونحن إذا قارنّا مستوى الحياة في هذا الإقليم بغيره من دول الشمال، ألفيناه قد بلغ غايته من الرفعة والازدهار، ففي الوقت الذي كان الإقطاعيون من الطبقة الأرستقراطية في الشمال يقطنون حصونهم الرطبة الشبيهة بالقلاع كان عِلية القوم من الأسر الفلورنسية يقيمون في دور منيفة ذات طراز يحسدهم عليها الأباطرة والملوك. وانتظمت الطبقة العاملة في نقابات مهنية وتجارية متعددة تأتي في طليعتها نقابة عمّال نسج وصباغة الصوف والحرير، تلك الصناعة التي اشتهرت بها فلورنسا، تليها في الأهمية الحرف المتّصلة بالحفر على المعادن وكريم الأحجار، حتى يصل سُلّم التدرج تنازلياً إلى نقابات القصّابين والخبّازين. وكان رؤساء النقابات الرئيسية هم أصحاب النفوذ في المدينة، يُختار من بينهم أعضاء مجلس "السنيوريا" أي السيادة، ومن بين هؤلاء نشأت الأسر الغنية المشتغلة بالتجارة والأعمال المصرفية. وأشهر هذه الأسر وأقواها نفوذاً كانت أسرة مديتشي التي تزعّمها وقتذاك كوزيمودي مديتشي الذي سيطر على دفّة الحكم بحنكته السياسية وبراعته في المضاربة بثروته الطائلة. ولم يحاول كوزيمو قط أن يتخذ لنفسه لقباً خاصّاً أو يخلع على شخصه مظاهر السلطان البرّاقة، إذ كان من الدهاء والفطنة بحيث أدرك الشغف العميق لمواطنيه بالمساواة، فقنع بمنصب القائد السياسي، يحكم من وراء ستار بمعاونة النقابات المهنية التي كانت تدرك بذكاء هي الأخرى أن الحكومة المستقرّة ذات العلاقات الودّية السويّة مع جيرانها هي أفضل السبل للحفاظ على كيانها المادي والسياسي في إطار من الرخاء والتقدم. وكان أعضاء أسرة مديتشي هم أيضاً ممثّلي البابا المصرفيين الذين يتلقّون ما يوهب للكنيسة من إنجلترا وفرنسا والفلاندر محتفظين بها ودائع للبابا، وكانا يقرضون المال بفوائد خيالية لحكّام الدول الأجنبية عن طريق مكاتبهم الفرعية بلندن وليون وأنفرس، ومن هذه الدخول البابوية كانوا يبتاعون الصوف الإنجليزي ينقلونه بالسفن إلى فلورنسا حيث يجري نسجه أقمشة فاخرة يصدّرونها فيجنون منها ربحاً وفيراً جعل "الفلورين" سيّد العملات في أوروبا.
وفي الحق إن ما عُزي إلى كوزيمو من تشجيع للإنجازات الفنية كان يفوق الوصف إذ هو رجل معروف عنه انكفاؤه على الأنشطة المالية، لكنه كان تلميذاً مُجدّاً لأفلاطون أسّس الأكاديمية الأفلاطونية الحديثة التي غدا لها تأثير فكري عميق، كما عهد إلى الفنانين من مختلف أنحاء أوروبا - حيث امتدت ثروته ونفوذه - بإنجاز الأعمال الفنية وشيّد بفلورنسا مكتبة تضم مخطوطات نادرة يؤمّها أدباؤها وعلماؤها يطالعون ويتدارسون ويناقشون ويترجمون. وبفضل سخائه أمكن لطائفة من جماعة الدومينيكان اتخاذ دير القديس مرقص بفلورنسا مقرّاً لهم، فأمر بإعادة بنائه لصالحهم على يد مهندّسه الخاص ميكلتزو، وكان من بين هؤلاء الرهبان الفنان المصوّر فرا أنجيليكو أي "الأخ الملاك" وهو الاسم الذي أطلقه عليه رفاقه لصلاحه وتقواه، فعهد إليه كوزيمو بتزيين جدران الدير بتصاويره الجدارية الشهيرة. وعلى الرغم من أن أعظم مصوّري ذلك العصر - وهو الفنان مازاتشيو - كان قد قضى نحبه منذ سنوات ست إلا أن غيره من أمثال فيليبوليبي أستاذ المصور بوتتشللي كانوا ماضين في ركاب كوزيمو ملبّين لطلباته. وقد استجاب كوزيمو لنصيحة الفنان دوناتللو فانبرى يجمع التماثيل الأثرية القديمة ويصفّها في حديقة دير القديس مرقص. وبتشجيعه النحّاتين المبتدئين على العمل بهذا الدير يكون كوزيمو قد أنشأ أول أكاديمية للفن منذ العهد الكلاسيكي القديم، فلا غرابة إذا ما أجمع مجلس السنيوريا بعد وفاته عام 1964 على منحه لقب "أبو الوطن" Pater Patriae (لوحة 117).
كانت الأنظار والقلوب تتّجه في ذلك اليوم المشهود من شهر مارس إلى القبّة الجديدة الشاهقة التي تهيمن على المدينة خالعة عليها سمتها المميّزة، وكان برونليسكي قد أشرف على تشييدها منذ ستة عشر عاماً إثر عودته من رحلته إلى روما لدراسة مبنى البانثيون والآثار الرومانية القديمة. وقد بنى القبة فوق فراغ مثمّن الشكل يبلغ قطره اثنين وأربعين متراً على وجه التقريب، وترتفع قاعدة هذه القبة أربعة وخمسين متراً فوق مستوى سطح الأرض. وبجسارة منقطعة النظير دفع برونليسكي بثمانية ضلوع من زوايا المثمن الساند ثلاثين متراً لأعلى، والتقت هذه الضلوع عند قاعدة صف النوافذ المشعّة، ثم أضاف ضلعين ثانويين مدفونين في البناء بين كل ضلعين رئيسيين ليصبح عدد الأضلاع أربعة وعشرين ضلعاً. وبعد أن عزّزها بدعامات ومشابك حديدية عند النقط الحساسة أدى هذا النظام الإنشائي دور الدعامة اللازمة لحمل الأجزاء المبنية بالطوب والحجر في القشرتين الداخلية والخارجية للقبة. وإذ كان هذا الإنشاء في حقيقته قبواً بوطياً مثمّن الجوانب، إلا أن إخفاء العناصر الوظيفية ثم العناية بالتصميم الخارجي كان هذا وذاك مما عزاه إلى طراز عصر النهضة، وهكذا استخدم برونليسكي مبادئ عمارة العصور الوسطى مع احتفاظه بالمظهر الخارجي للطراز الكلاسيكي الرصين الوقور.
وبدأ الحفل الديني البابوي لتدشين الكنيسة بعد أن أسبغ البابا بركته على وردة من الذهب صاغها أمهر صيّاغ فلورنسا لتقديمها في هذه المناسبة إلى مريم العذراء بوصفها "ملكة السموات" وجاء في الإهداء أنها موقوفة على "سانتا ماريا دِلْ فيورى" أي مريم الزهراء. وما أروعها من إشارة تتفق وتلك المناسبة الخالدة، فلقد اشتقّت المدينة اسمها من كلمة "فلورا" أي الزهرة، الأمر الذي جعلها اسماً على مسمى، فهي مدينة الأزهار Fiorenza. وقد جرت مراسم تدشين الكاتدرائية يوم أحد القيامة في 25 مارس عام 1436، ووقع اختيار البابا على هذا اليوم بالذات لأنه تصادف حلوله مع عيد بشارة العذراء مريم. وبلغت الموسيقى التي كُتبت خصيصاً لهذا الحفل أسمى آيات الرفعة والسمو، فعلى حين ألف عازف الأورغن بالكاتدرائية أنطونيو سكوارتشيالوبي وأستاذ الموسيقى الخاص ببيت آل مديتشي مقطوعة القدّاس الكبير، كتب جيوم دوفاي عضو جوقة المنشدين البابوية موتيت التكريس. ويصف الحفل شاهد عيان هو جيانوتزو مانيتي قائلاً: "كانت تتقدم الموكب البابوي الفخم فرقة كبيرة من عازفي الآلات الوترية ونافخي الأبواق، يحمل كل موسيقي آلته في يده، مرتدين حُللاً من الأقمشة المطرّزة بالقصب الزاهي، تليهم جوقات المنشدين الذين كانت أصواتهم ترتفع بمقطوعات تنطوي على توافق هارموني جليل يخال معها المستمعون أنها تنحدر من بين شفاه الملائكة... وحين تحين وقفات الغناء المعهود كانت آلات الترومبيت تشارك المجموعة، وتشترك أصوات الأورغن والترومبون الوقور مع أصوات الأبواق التي تنشر جو الاحتفال مع أنغام الوتريات الرنانة فضلاً عن هدير جوقات المنشدين الضخمة تدوّي كلها لتغمر أنحاء الكاتدرائية بأنغام رائعة ذات تأثير شامل عميق. لقد استثيرت كافة إحساساتنا السامية، تارة بالإنصات إلى أعذب الأغاني وأرق الأصوات، وتارة أخرى بينا نستاف أزكى العطور، وتارة بمشاهدة شتى ألوان الزينة المبهرة. وفي ختام القدّاس كانت كل أنحاء البازيليكا تردّد هذه الألحان التي يجللها التوافق والتناغم، متجاوبة بأصداء هذه الأصوات الهادرة الصادرة من مختلف الآلات حتى بدت وكأنها هابطة من السماء".
وعلى الرغم من اتفاق كل شهود العيان لهذا المشهد التكريسي للكاتدرائية بأنه بداية عهد جديد، إلا أنه لم تكن ثمّة قطيعة فاصلة مع العصور الوسطى، فلقد جاءت الكاتدرائية نفسها وفق الطراز القوطي اللاحق، كما شُيّدت قبة برونليسكي بوسائل 
التقبية القوطية. ومع ذلك لم يكن الطراز القوطي الإيطالي معبّراً بأية حال عن سمة الحركة الرأسية والشموخ إلى أعلى المألوفة في بلاد الشمال كما أسلفت، وكانت قبة برونليسكي على وجه اليقين هي الأولى من نوعها منذ العصر الكلاسيكي القديم من حيث ضخامتها. ولم تكن القباب الأصغر حجماً والمشيدة فوق تقاطع المجاز الأوسط مع المجاز القاطع أمراً غير مألوف في توسكانيا، وهو ما نتبينه من إلقاء نظرة فاحصة على الكاتدرائية القريبة منها في بيزا. ولكن على حين يدخل تخطيط قبة برونليسكي ضمن تقاليد الطراز القوطي نلاحظ أن الاهتمام الجديد انحصر في رقّة الخطوط وفي الشكل الخارجي، ولا يجوز أن نغفل شأن الدور الذي لعبته "موتيت" دوفاي التي عبّرت بلا مواربة عن حس دنيوي تام في مجال الموسيقى الكنسية، لأن دوفاي لم يكترث كثيراً بأن ينطوي نصّه الموسيقي على ما يعبّر عن التقوى بقدر اهتمامه بصياغة النسب الرياضية كي تتوافق في سلاسة مع البناء الموسيقي.
ولا يفوتنا كذلك ونحن في مجال الحديث عن العمارة الفلورنسية الإشارة إلى اثنين من المباني الرسمية العامة، أحدهما هو قصر "بارجيللو" الذي شيّد عام 1256 ليكون مقرّاً لإقامة حاكم المدينة وتحول الآن إلى متحف للمنحوتات الفلورنسية (لوحات 118، 119، 120) وكان يضم إلى جوار ذلك قاعات اجتماع الهيئة الحاكمة وسجناً وبرجاً وفناء، وتخلّلت جدرانه مزاغل لإطلاق النيران. والمبنى الثاني هو القصر العتيق "بالأتزوفيكيو" الذي شيّد عام 1298 ليكون داراً للبلدية (لوحة 121). على أنه قد يسهل علينا إدراك هذه الروح المعمارية الجديدة من التطلّع إلى المصلّى الصغيرة لأسرة باتزي أكثر من محاولتنا إدراكها من تأمل القبة الضخمة للكاتدرائية، إذ تتجلّى إمكانات المهندس المعماري في مجال تصميم المباني ذات النسب الصغيرة أكثر مما تتجلى في المباني الضخمة التي ينصرف اهتمام المعماري فيها إلى مشاكل الإنشاء المعقّدة (لوحة 122، 123). وتبدو في هذه المصلّى بوضوح الثمار التي جناها بورنليسكي من دراسته للمباني الرومانية القديمة، فباستثناء تقبية رواق المدخل والمصلى من الداخل يكاد الانفصال يكون تاماً عن التقاليد القوطية، كما أعانت المسافات المتناسقة بين أعمدة رواق المدخل، ومعالجة الجدران بطريقة مبتكرة وكأنها أسطح منبسطة، والتوازن الدقيق بين العناصر الأفقية والرأسية على جعل تصميم برونليسكي لهذه المصلى "النموذج الأصلي" لطراز عصر النهضة. ويؤكد
 النضد الأثر الكلاسيكي في هذا المعمار بشكل واضح، كما أن الزخارف الحلزونية المتماوجة في جزئه الأعلى مقتبسة مباشرة عن زخارف التوابيت الرومانية القديمة، وفيما عدا ذلك جاءت معالجة التفاصيل الرومانية متحررة تماماً. ويكشف الحفر الرقيق على تيجان الأعمدة الكورنثية والأعمدة الملتصقة وغيرها من التفاصيل الأخرى عن أثر الفترة التي قضاها برونليسكي يتدرب على صياغة الفضة فبقيت نابضة في طوايا نفسه. ويكاد داخل مصلى بانزي (لوحة 124) يتفق وما تحمله الواجهة، كاشفاً عن التأثير الكلاسيكي الروماني في تشكيل الفراغ الداخلي، كما زال كل أثر للتقشّف المعهود في الطراز القوطي. ولم نعد نحسّ مع دخولنا هذه الكنيسة تلك العتمة التي تغمر جو الكاتدرائية القوطية، بل نحسّ جوّاً نديّاً منعشاً مبعثه الجدران ذات الأعمدة الملتصقة. وثمّة أُطًُر حجريّة ملوّنة تقسم فراغ أسطح الجدران والسقوف إلى وحدات هندسية تشدّ انتباه المشاهد، فإذا الغموض يتلاشى وإذا الإحساس باللاتناهي الملازم للطراز القوطي ينقشع ويحل محلهما الوضوح الذي يتسم به الشكل الرياضي والاتجاه العقلاني المميّز لعصر النهضة. أما القاعة القائمة الزوايا فقد تلفّعت بأقبية أسطوانية عرضية وقبّة بيزنطية تغطي الفراغ المربّع الأوسط. وهكذا يتبيّن لنا لما كان لعنصري الوضوح والبساطة اللذين اتسم بهما تصميم مصلّى باتزي من أثر بالغ خلال عصر النهضة. كما اتخذت الوحدة التي اتسم بها الفراغ الداخلي تحت القبة والقبوات نموذجاً للكنائس ذات المساقط المركزية التي شادها ألبرتي وبرامانتي وميكلانجلو فيما سوف يجيء وشيكاً.
وعندما عقد كوزيمو مديتشي العزم على تشييد مسكن جديد لإقامته رفض تصميم القصر الفخم الذي عرضه عليه برونليسكي قائلاً: "إن الحسد نبات لا ينبغي ريّه"، وآثر تصميماً أشد تواضعاً وأقل لفتاً للأنظار كي لا يثير حفيظة قومه، هو الذي تقدم به ميكلتزو تلميذ برونليسكي وأصبح يسمى "قصر مديتشي - ريكاردي" بعد أن اشترته أسرة ريكاردي من آل مديتشي في منتصف القرن السابع عشر (لوحة 125) . وبعد الفراغ من تشييد المبنى إذا هو يشدّ الأبصار بقوّته الإنشائية وبذوقه الرفيع الذي يتفق مع ذوق رجل جليل الشأن واسع الثراء مثل كوزيمو. وتُعدّ أمثال هذه المباني امتداداً وتطويراً للمساكن الرومانية القديمة المتعددة الطوابق أكثر منها إحياء لها. وتجتذب العين في هذا المبنى الكتل الزخرفية فوق الفراغات المخصّصة للنوافذ، فضلاً عن الجدران الحجرية السميكة المخربشة الملمس في الطابق الأول التي لا تزال محتفظة بقدر من مظهر حصون القرون الوسطى الخشنة الطابع. وما تكاد عين المشاهد ترتفع نحو الجزء العلوي من القصر حتى يلحظ للتو المظهر الحضَري للطابقين الثاني والثالث، كما تتجلّى له العناية المفرطة بالكرانيش الأفقية الناتئة الفاصلة بين الطوابق المتعدّدة على مستوى سطح المبنى والتي تتعارض مع معمار العصور الوسطى بما تضم من حليات معمارية. وإن كانت ثمّة إشارة إلى التقاليد الكلاسيكية لافتة للنظر فهي العقود نصف الدائرية التي تعلو النوافذ، مع ملاحظة أن الجبين المثلث الذي يعلو نوافذ الطابق الأدنى هو إضافة لاحقة. وما من شك في أن التفاصيل المتنوّعة مثل الأعمدة الصغيرة الدقيقة في نوافذ الطابقين الثاني والثالث، والحليات الزخرفية على شكل البيضة واللسان، وسلسلة الزخارف المسننة في إفريز الكورنيش تندرج ضمن إطار الطراز المعماري لعصر النهضة.
على أن الاهتمام بالنزعة الكلاسيكية يتجلّى بوضوح في فناء القصر (لوحة 126) الذي تحيط به الغرف والقاعات، كما هي الحال في أفنية بيوت مدينة بومبي الرومانية ذات الأروقة حيث يربط الفناء والدرج أقسام البيت المختلفة، كما هي الحال أيضاً في "الأتريوم" أو الصحن الرئيسي بالبيت الروماني. وتلفتنا الحليات البديعة فوق الإفريز الذي يعلو أروقة الفناء، يأتي على رأسها شعار أسرة مديتشي الذي يتصدّر أيضاً أحد أركان المبنى الخارجية. ويتكون هذا الشعار من كرات حمراء فوق أرضيّة ذهبية قيل إنها تحوير لشكل أقراص الصيدلي الطبية إشارة إلى أن لفظة مديكو [مديتشي] أي طبي تنم عن أن مهنة أسرة مديتشي فيما مضى كانت الطب. وجرياً على عادة متحذلقي القرن الخامس عشر صار تفسير هذه الكرات تفسيراً كلاسيكياً أيضاً بأنها التفاحات الذهبية التي تحرسها بنات التيتان أطلس "
الهسبريديس ". وحقيقة الأمر أن هذه الكرات كانت رمزاً لمصرف أسرة مديتشي، وغدت في عصرنا الحالي بعد تعديل شكلها تعديلاً طفيفاً وانخفاض عددها من ست كرات إلى ثلاث هي الشعار الدولي لمصارف الرهونات. والواقع أن رغبة كوزيمو في تشييد مبنى يوحي بالتقشّف في مظهره الخارجي كانت ستاراً يخفي وراءه بذخاً غامراً، فما يكاد المرء يجتاز المبنى حتى يلمس للوهلة الأولى أن كل ما يضمّه قد أعدّ إعداداً فخماً يليق بالملوك والأباطرة حتى بات هذا القصر يعدّ أوّل وأغنى متحف في أوروبا على وجه الإطلاق، بصوره الجدارية الرائعة التي رسمها بينوتزو جوتزولي وبالتصاوير التي زيّن بها فيليبوليبي مصلّى القصر بالدور الثاني، وبالتماثيل البرونزية القديمة والمعاصرة المنتصبة في الفناء والحديقة، وبالنسجيات المرسّمة واللوحات المصوّرة المعلّقة على الجدران، وبمجموعات الحلي والجوا

واجهة كنيسة الدومو بفلورنسا.






جورجيو فاساري. كوزيمو ده مديتشي بين الفلاسفة. بالاتزو فيكيو بفلورنسا.
قصر بارجيللو وفناؤه بفلورنسا.
فناء قصر بارجيللو بفلورنسا.