هنا عشت و من هذا الطريق سلكت و لأنها الحياة رحلت

الأربعاء، 1 سبتمبر، 2010

الف ليلية : من نوادر هارون الرشيد مع الشاب العماني











 

من نوادر هارون الرشيد مع الشاب العماني


ومما يحكى أيضاً أن الخليفة هارون الرشيد أرق ذات ليلة أرقاً شديداً فاستدعى مسروراً فحضر فقال له: ائتني بجعفرٍ بسرعةٍ فمضى وأحضره، فلما حضر وقف بين يديه قال له: يا جعفر قد اعتراني في هذه الليلة أرقٌ فمنع عني النوم ولا أعلم ما يزيله عني قال: يا أمير المؤمنين قد قالت الحكماء: النظر إلى المرآة ودخول الحمام واستعمال الغناء يزيل الهم والفكر فقال: يا جعفر أني قد فعلت هذا كله فلم يزل عني شيئاً وأنا أقسم بآبائي الطاهرين أن لم تتسبب فيما يزيل عني ذلك لأضربن عنقك قال: يا أمير المؤمنين هل تفعل ما أشير به عليك? قال الخليفة: وما الذي تشير به علي? قال: أن تنزل بنا في زورقٍ وننحدر به في بحر الدجلة مع الماء إلى محلٍ يسمى قرن الصراط لعلنا نسمع أو ننظر ما لم ننظر فأنه قد قبل تفريج الهم بواحدٍ من ثلاثة أمور وأن يرى الإنسان ما لم يكن رآه أو يسمع ما لم يكن سمعه أو يطأ أرضاً ما لم يكن وطئها فلعل ذلك يكون سبباً في زوال القلق عنك يا أمير المؤمنين. فعند ذلك قام الرشيد من موضعه وصحبته جعفر وأخوه الفضل وأبو اسحق النديم وأبو نواس وأبو دلف ومسرور والصياد.
وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الرابعة والأربعين بعد التسعمائة

قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الخليفة لما قام من موضعه وصحبته جعفر وباقي جماعته دخلوا حجرة الثياب ولبسوا كلهم ملابس التجار وتوجهوا إلى الدجلة ونزلوا في زورقٍ مزركشٍ بالذهب وانحدروا مع الماء حتى وصلوا إلى الموضع الذي يريدونه فسمعوا أصواتاً جاريةً تغني على العود وتنشد هذه الأبيات:
قولٌ وقد حضر الـعـقـاروقد غنى على الأيك الهزار

إلى كم ذا التأني عن سرورٍأفق ما العمر إلا مستعار
فخذها من يدي ظبيٍ غريرٍبجفنيه فتورٌ وانكـسـار
زرعت بخده ورداً طـرياًفأثمر في السوالف جلنار
وتحسب موضع التخمـيسفيه رمادا خامداً والخدنار
يقول لي العزول تسل عنهفما عذري وقد تم العـذار
فلما سمع الخليفة هذا الصوت قال: يا جعفر ما أحسن هذا الصوت قال جعفر: يا مولانا ما طرق سمعي أطيب ولا أحسن من هذا الغناء ولكن يا سيدي أن السماع من وراء جدارٍ نصف سماعٍ فكيف بالسماع من خلف سترٍ فقال: انهض بنا يا جعفر حتى نتطفل على صاحب هذه الدار لعلنا نرى المغنية عياناً، قال جعفر: سمعاً وطاعةً فصعدوا من الكوكب واستأذنوا في الدخول وإذا بشابٍ مليح المنظر عذب الكلام فصيح اللسان خرج إليهم وقال: أهلاً وسهلاً يا سادتي المنعمين علي أدخلوا بالرحب والسعة فدخلوا وهو بين أيديهم فرأوا الدار بأربعة أوجهٍ وسقفها بالذهب وحيطانها منقوشةٌ بالأزورد وفيها إيوانٌ به سدبةٌ جميلةٌ وعليها مائة جاريةٍ كأنهن أقمار فصاح عليهن فنزلن عن أسرتهن ثم التفت رب المنزل إلى جعفر وقال: يا سيدي أنا ما أعرف منكم الجليل من الأجل بسم الله ليتفضل منكم من هو أعلى في الصدر ويجلس أخوانه كل واحد في مرتبته فجلس كل واحدٍ في منزلته وقام مسرورٌ في الخدمة بين أيديهم، ثم قال لهم صاحب المنزل عن أذنكم هل أحضر لكم شيئاً من المأكول? قالوا له: نعم. فأمر الجواري بإحضار الطعام فأقبل أربع جوارٍ مشدودات الأوساط بين أيديهن مائدةٌ وعليها من غرائب الألوان مما درج وطار وسبح في البحار من قطاً وسماني وأفراخ وحمام ومكتوب على حواشي السفرة من الأشعار ما يناسب المجلس فأكلوا على قدر كفايتهم ثم غسلوا أيديهم فقال الشاب: يا سادتي أن كان لكم حاجةٌ فأخبرونا بها حتى نتشرف بقضائها قالوا: نعم فأننا ما جئنا منزلك إلا لأجل صوت سمعناه من وراء حائط دارك فاشتهينا أن نسمعه ونعرف صاحبته فأن رأيت أن تنعم علينا بذلك كان من مكارم أخلاقك ثم نعود من حيث جئنا. فقال: مرحبا بكم. ثم التفت إلى جاريةٍ سوداءٍ وقال: أحضري سيدتك فلانةٌ. فذهبت الجارية ثم جاءت ومعها كرسي فوضعته ثم ذهبت ثانيةٍ وأتت جاريةٌ كأنها البدر في تمامه فجلست على الكرسي أمام الجارية السوداء وناولتها خرقة من أطلسٍ فأخرجت منها عوداً مرصعاً بالجواهر واليواقيت وملأوا من الذهب.
وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الخامسة والأربعين بعد التسعمائة

قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الجارية لما أقبلت جلست على كرسي وأحرجت العود من الخريطة وإذا هو مرصع بالجوهر واليواقيت وملاويه من الذهب فشدت أوتاره لرناتٍ المزاهر وهي كما قال فيها وفي عودها الشاعر:
حضنته كالأم الشفيقة بابـنـهـافي حجرها وجلت عليه ملاويه
ما حركت يدها اليمـين لـجـهإلا وأصلحت اليسـار مـدويه
ثم ضمت العود إلى صدرها وانحنت عليه انحناء الوالدة على ولدها وجست أوتاره فاستغاث كما يستغيث الصبي بأمه، ثم ضربت عليه وجعلت تنشد هذه الأبيات:
جاد الزمان بمن أحب فاعـتـبـايا صاحبي فأدر كؤوسك واشربا
من خمرةٍ ما مازحت قلب امريءٍإلا وأصبح بالمسرة مـطـربـا
قام النسيم يحملها في كـأسـهـاأرايت بدر الثم يحمل كـوكـبـا
كم ليلةٍ سامرت فيهـا بـدرهـامن فوق دجلة قد أضاء الغيهبـا
والبدر يجنح للغـروب كـأنـمـاقد مد فوق الماء سيفاً مذهـبـا
 

فلما فرغت من شعرها بكت بكاءً شديداً وصاح كل من في الدار من البكاء حتى كادوا أن يهلكوا وما منهم أحدٌ إلا وغاب عن وجوده ومزق أثوابه ولطم على وجهه لحسن غنائها فقال الرشيد: أن غناء هذه الجارية يدل على أنها عاشقةٌ مفارقةٌ فقال سيدها: أنها ثاكلةٌ لأمها وأبيها فقال الرشيد: ما هذا بكاء من فقد أباه وأمه وإنما هو شجو من فقد محبوبه وطرب الرشيد من غنائها وقال لأبي اسحق: والله ما رأيت مثلها فقال أبو اسحق: يا سيدي أني لأعجب منها غاية العجب ولا أملك نفسي من الطرب وكان الرشيد مع ذلك كله ينظر إلى صاحب الدار ويتأمل في محاسنه وظرف شمائله فرأى في وجهه اصفرارا فالتفت إليه وقال: يا فتى فقال: لبيك يا سيدي فقال له: هل تعلم من نحن? قال: لا فقال له جعفر: أتحب أن نخبرك عن كل واحدٍ باسمه? فقال: نعم فقال جعفر: هذا أمير المؤمنين وابن عم سيد المرسيلين وذكر له بقية أسماء الجماعة وبعد ذلك قال الرشيد: أشتهي أن تخبرني عن هذا الاصفرار الذي في وجهك هل هو مكتسبٌ أو أصلي من حين ولادتك? قال: يا أمير المؤمنين أن حديثي غريب وأمري عجيب لو كتب بالإبر على أماق البصر لكان عبرةً لمن أعتبر.
قال: أعلمني به لعل شفاءك يكون على يدي قال: يا أمير المؤمنين أعرني سمعك، وأخلي لي ذرعك قال: هات فحدثني فقد شوقتني إلى سماعه.
فقال: اعلم يا أمير المؤمنين أني رجلٌ تاجرٌ من تجار البحر، وأصلي من مدينة عمان وكان أبي تاجرا كثير المال وكان له ثلاثون مركباً تعمل في البحر أجرتها في كل عام ثلاثون ألف دينارٍ وكان رجلاً كريماً وعلمني الخط وجميع ما يحتاج إليه الشخص فلما حضرته الوفاة دعاني وأوصاني بما جرت به العادة ثم توفاه الله تعالى إلى رحمته وأبقى الله أمير المؤمنين وكان لأبي شركاءٌ يتجرون في ماله ويسافرون في البحر فاتفق في بعض الأيام أني كنت قاعداً في منزلي مع جماعةٍ من التجار إذ دخل علي غلامٌ من غلماني وقال: يا سيدي أن بالباب رجلاً يطلب الإذن في الدخول عليك فأذنب له فدخل وهو حامل على رأسه شيئاً مغطى فوضعه بين يدي وكشفه فإذا فيه فواكه بغير أوانٍ وملح وطرائف ليست في بلادنا فشكرته على ذلك وأعطيته مائة دينارٍ وانصرف شاكراً، ثم فرقت ذلك على كل من كان حاضراً من الأصحاب.
ثم سألت التجار: من أين هذا? فقالوا: أنه من البصرة وأثنوا عليه وصاروا يصفون حسن البصرة وأجمعوا على أنه ليس في البلاد أحسن من مدينة بغداد ومن أهلها وصاروا يصفون بغداد وحسن أخلاقها وأهلها وطيب هوائها وحسن تركيبها فاشتاقت نفسي إليها وتعلقت آمالي برؤيتها فقمت وبعت العقار والأملاك وبعت المراكب بمائة ألف دينارٍ وبعت العبيد والجواري وجمعت مالي فصار ألف ألف دينارٍ غير المعادن والجواهر وأكتريت مركباً وشحنتها بأموالي وسائر متاعي وسافرت بها أياماً وليالي حتى جئت إلى البصرة فأقمت بها مدةً ثم استأجرت سفينةً وأنزلت مالي فيها وسرنا منحدرين أياماً قلائل حتى وصلنا إلى بغداد فسألت أين تسكن التجار وأي موضعٍ أطيب للسكان? فقالوا: في حارة الكرح فجئت إليها واستأجرت داراً في درب يسمى درب الزعفران ونقلت جميع مالي إلى تلك الدار وأقمت بها مدةً.
ثم توجهت في بعض الأيام إلى الفرجة ومعي شيءٌ من المال وكان ذلك اليوم يوم الجمعة فأتيت إلى جامعٍ يسمى جامع المنصور تقام فيه الجمعة وبعد أن خلصنا من الصلاة خرجت مع الناس إلى موضعٍ يسمى قرن الصراط فرأيت في ذلك المكان موضعاً عالياً جميلاً وله روشنٌ مطلٌ على الشاطئ وهناك شباك فذهبت من جملة الناس إلى ذلك المكان فرأيت شيخاً جالساً وعليه ثيابٌ جميلةٌ وتفوح منه رائحةٌ طيبةٌ وقد شرح لحيته فافترقت على صدره فرقتين كأنها قضيبٌ من لجين وحوله أربع جوارٍ وخمسة غلمانٍ فقلت لشخصٍ ما اسم هذا الشيخ وما صنعته? فقال: هذا طاهر ابن العلاء وهو صاحب الفتيان وكل من دخل عنده يأكل ويشرب وينظر إلى الملاح فقلت له: والله أن لي زماناً وأنا أدور على مثل هذا.
وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة السادسة والأربعين بعد التسعمائة

 


قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الشاب لما قال: والله أن لي زماناً وأنا أدور على مثل هذا، ثم قال: فتقدمت إليه يا أمير المؤمنين وسلمت عليه، وقلت له: يا سيدي أن لي عندك حاجة، فقال: ما حاجتك? قلت: أشتهي أن أكون ضيفك في هذه الليلة فقال: حباً وكرامةً ثم قال: يا ولدي عندي جوارٌ كثيرةٌ منهن من ليلتها بعشرة دنانيرٍ ومنهن من ليلتها بأكثر فاختر من تريد فقلت: أختار التي ليلتها بعشرة دنانيرٍ، ثم وزنت له ثلثمائة دينارٍ عن شهرٍ فسلمني لغلامٍ فأخذني ذلك الغلام وذهب بي إلى حمام القصر وخدمني خدمةً حسنةً فخرجت من الحمام وأتى بي إلى مقصورةٍ وطرق الباب فخرجت له جاريةٌ فقال له: خذي ضيفك فتلقتني بالرحب والسعة ضاحكةً مستبشرةً وأدخلتني داراً عجيبةً مزركشةً بالذهب فتأملت في تلك الجارية فرأيتها كالبدر ليلة تمامه وفي خدمتها جاريتان كأنهم كوكبان ثم أجلستني وجلست بجانبي ثم أشارت إلى الجواري فأتين بمائدةٍ فيها من أنواع اللحوم من دجاجٍ وسماني وقطاً وحمامٍ فأكلنا حتى اكتفينا وما رأيت في عمري ألذ من ذلك الطعام، فلما أكلنا رفعت تلك المائدة وأحضرت مائدة الشراب والمشموم والحلوى والفواكه وأقمت عندها شهراً على هذا الحال، فلما فرغ الشهر دخلت الحمام وجئت إلى الشيخ وقلت له: يا سيدي أريد التي ليلتها بعشرين ديناراً فقال: أرني الذهب فمضيت وأحضرت الذهب فوزنت له ستمائة دينارٍ عن شهرٍ فنادى غلاماً وقال لله: خذ سيدك فأخذني وأدخلني الحمام فملا خرجت أتى بي إلى باب مقصورةٍ وطرقه فخرجت جارية، فقال لها: خذي ضيفك فتلقتني بأحسن ملتقى وإذا حولها أربع جوارٍ ثم أمرت بإحضار الطعام فحضرت مائدة عليها من سائر الأطعمة فأكلت ولما فرغت من الأكل ورفعت المائدة فأخذت العود وغنت بهذه الأبيات:
أيا نفحات المسك من أرض بابلٍبحق غرامي أن تؤدي رسائلي
عهدت بهاتيك الأراضي منازلاًلأحبابنا أكرم بها من مـنـازل
وفيها التي ما حبها كل عاشـقٍتغني ولم يرتد منهـا بـطـائلٍ
فأقمت عندها شهراً ثم جئت إلى الشيخ وقلت: أريد صاحبة الأربعين ديناراً فقال: أزن لي الذهب فوزنت له عن شهرٍ ألفا ومائتي دينارٍ ومكثت عندها شهراً كأنه يومٌ واحدٌ لما رأيت من حسن المنظر وحسن العشرة.
ثم جئت إلى الشيخ وكنا قد أمسينا فسمعت ضجةً عظيمةً وأصواتاً عاليةً فقلت له: ما الخبر? فقال لي الشيخ: أن هذه الليلة عندنا أشهر الليالي وجميع الخلائق يتفرجون على بعضهم فيها فهل لك أن تصعد على السطح وتتفرج على الناس فقلت: نعم وطلعت على السطح فرأيت ستارةً حسنةً ووراء الستارة محلٌ عظيمٌ وفيه سدلةً وعليها فرشٌ مليحٌ وهناك صبيةٌ تدهش الناظرين حسناً وجمالاً وقداً واعتدالاً وبجانبها غلاماً يده على عنقها وهو يقبلها فلما رأيتهما يا أمير المؤمنين لم أملك نفسي ولم أعرف أين أنا لما بهرني من حسن صورتها فلما نزلت الجارية التي أنا عندها وأخبرتها بصفتها فقالت: ما لك وما لها? فقلت: والله أنها أخذت عقلي فتبسمت وقالت: يا أبا الحسن ألك فيها غرضٌ? فقلت: أي والله فأنها تملكت قلبي ولبي فقالت: هذه ابنة طاهر بن العلاء وهي سيدتنا وكلنا جواريها أتعرف يا أبا الحسن بكم ليلتها ويومها: قلت: لا قالت: بخمسمائة دينارٍ وهي حسرةٌ في قلوب الملوك فقلت: والله لأذهبن مالي كله على هذه الجارية وبت أكابد الغرام وطول ليلي فلما أصبحت دخلت الحمام ولبست أفخر ملبوس من ملابس الملوك وجئت إلى أبيها وقلت: يا سيدي أريد التي ليلتها بخمسمائة دينارٍ فقال: زن الذهب فوزنت له عن كل شهرٍ عشرة آلاف دينارٍ فأخذها ثم قال للغلام: أعمد به إلى سيدتك فلانة فأخذني وأتى بي إلى دارٍ لم تر عيني أظرف منها على وجه الأرض.
فلما دخلت رأيت الصبية جالسةً فلما رأيتها اندهش عقلي بحسنها يا أمير المؤمنين وهي كالبدر في ليلة أربعة عشر ذات حسنٍ وجمالٍ وقدٍ واعتدالٍ وألفاظ تفضح رنات المزاهر كأنها المقصود الشاعر:
قالت وقد لعب الغرام بعطفهـافي جنح ليلٍ سابـل الأحـلاك
يا هل ترى لي في دجاك مسامرٌأو هل لهذا الكس مـن نـياك
ضربت عليه بكفها وتنـهـدتكتنهد الآسف الحزين البـاكـي

والثغر بالمسواك يظهر حسنهوالأير للاكساس كالمسـواك
يا مسلمون أما تقوم أيوركـمما فيكم أحد يغيث الشاكـي
فانفض من تحت الغلائل قائماًأيري وقال لها أتـاك أتـاك
وحللت عقد أزارها فتفزعتمن أنت قلت فتىً أجاب نداك
وغدوت أرهزها بمثل ذراعهارهز اللطيف يضر بالأوراك
حتى إذا ما قمت بعـد ثـلاثةٍقالت هناك النيك قلت هناك
وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة السابعة والأربعين بعد التسعمائة

قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الشاب لما حدث أمير المؤمنين بصفات الجارية وأنشد في حسنها الأبيات المتقدمة ثم أنشد هذه الأبيات:
ولو أنها للمشركين تـعـرضـتلبلوائها من دون أصنامهـم ربـا
ولو تفلت في البـحـر مـالـحلأصبح ماء البحر من ريقها عذبا
ولو أنها في الشرق لاحت لراهبٍلخلي سبيل الشرق وأتبع الغربـا
وما أحسن قول الآخر:
نظرت إليها نظرةً فتغـيرتدقائق فكري في بديع صفاتها
فأوحى إليهم الوهم أني أحبهافأثر ذاك الوهم في جناتهـا
فسلمت عليها فقالت: أهلاً وسهلاً ومرحباً وأخذت بيدي يا أمير المؤمنين وأجلستني إلى جانبها فمن فرط الإشتياق بكيت حماقة الفراق وأسبلت دمع العين وأنشدت هذين البيتين:
أحب ليالي الهجر لا فرحاً بهـاعسى الدهر يأتي بعدها بوصال
وأكره أيام الوصـال لأنـنـيأرى كل شيءٍ معقبـاً بـزوال
ثم أنها صارت تؤانسني بلطف وأنا غريقٌ في بحر الغرام خائف في القرب ألم الفراق من فرط الوجد والإشتياق وتذكرت لوعة النوى والبين فأنشدت هذين البيتين:
فكرت ساعة وصلها في هجرهافجرت مدامع مقلتي كالعنـدم
فطفقت أمسح مقلتي في جيدهامن عادة الكافور إمساك الـدم
ثم أمرت بإحضار الأطعمة فأقبلت أربع جوار نهد أبكار فوضعن بين أيدينا من الأطعمة والفاكهة والحلوى والمشموم والمدام ما يصلح للملوك فأكلنا يا أمير المؤمنين وجلسنا على المدام وحولنا الرياحين في مجلسٍ لا يصلح إلا للملك ثم جاءتها يا أمير المؤمنين جاريةٌ بخريطةٍ من الابرسيم فأخذتها وأخرجت منها عوداً فوضعته في حجرها وجست أوتاره فاستغاث كما يستغيث الصبي بأمه وأنشدت هذين البيتين:
لا تشرب الراح إلا من يدي رشأتحيكه في رقة المعنى ويحيكها
أن المدامة لا يلتـذ شـاربـهـاحتى يكون نقي الخد ساقيهـا.
وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الثامنة والأربعين بعد التسعمائة

قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الشاب قال: لما أنشدت هذين البيتين فأقمت يا أمير المؤمنين عندها على هذه الحالة مدةً من الزمان حتى نفذ جميع مالي فتذكرت وأنا جالسٌ معها مفارقتها فنزلت دموعي على خدي كالأنهار وصرت لا أعرف الليل من النهار فقالت: لأي شيءٍ تبكي? فقلت لها: يا سيدتي من حين جئت إليك وأبوك يأخذ مني في كل ليلةٍ خمسمائة دينارٍ وما بقي عندي شيءٌ من المال وقد صدق قول الشاعر حيث قال:
الفقر في أوطاننا غـربةٌوالمال في الغربة أوطان
فقالت: أعلم أن أبي من عادته أنه إذا كان عنده تاجرٌ وافتقر فأنه يضيفه ثلاثة أيامٍ ثم بعد ذلك يخرجه فلا يعود إلينا أبداً ولكن أكتم سرك وأخف أمرك وأنا أعمل حيلةً في اجتماعي بك إلى ما شاء الله فأن لك في قلبي محبةً عظيمةً وأعلم أن جميع مال أبي تحت يدي وهو لا يعرف قدره فأنا أعطيك في كل يوم كيساً فيه خمسمائة دينارٍ وأنت تعطيه لأبي وتقول له: ما بقيت أعطي الدراهم إلا يوماً بيومٍ وكل ما دفعته إليه فأنه يدفعه إلى وأنا أعطيه لك وتستمر هكذا إلى أن شاء الله فشكرتها على ذلك وقبلت يدها.
 

ثم أقمت عندها يا أمير المؤمنين على هذه الحالة مدة سنةٍ كاملةٍ فاتفق في بعض الأيام أنها ضربت جاريتها ضرباً وجيعاً فقالت لها: والله لأوجعن قلبك كما أوجعتيني ثم مضت تلك الجارية إلى أبيها وأعلمته بأمرنا من أوله إلى أخره فلما سمع طاهر بن العلاء كلام الجارية قام من وقته وساعته ودخل علي وأنا جالسٌ مع ابنته وقال لي: فلان قلت له: لبيك قال: عادتنا انه إذا كان عندنا تاجر وافتقر أننا نضيفه عندنا ثلاثة أيامٍ وأنت لك عندنا سنةً تأكل وتشرب وتفعل ما تشاء.
ثم التفت إلى غلمانه وقال: اخلعوا ثيابه ففعلوا وأعطوني ثياباً رديئةً قيمتها خمسة دراهمٍ ودفعوا إلي عشرة دراهمٍ ثم قال له: أخرج فأنا لا أضربك ولا أشتمك واذهب إلى حال سبيلك وأن أقمت في هذه البلدة كان دمك هدارٌ فخرجت يا أمير المؤمنين رغم أنفي ولا أعلم أين أذهب وحل قلبي كل همٍ في الدنيا وشغلني الوسواس وقلت في نفسي كيف أجيء في البحر بألف ألف من جملتها ثمن ثلاثين مركباً ويذهب هذا كله في دار هذا الشيخ النحس وبعد ذلك أخرج من عنده عريانا مكسور القلب? فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم ثم أقمت في بغداد ثلاثة أيامٍ لم أذق طعاماً ولا شراباً وفي اليوم الرابع رأيت سفينةً متوجهةً إلى البصرة فنزلت واستكريت مع صاحبها إلى أن وصلت إلى البصرة فدخلت السوق وأنا في شدة الجوع فرآني رجل بقال فقام إلي وعانقني لأنه كان صاحباً لي ولأبي من قبلي وسألني عن حالي فأخبرته بجميع ما جرى لي فقال لي: والله ما فعال عاقلٍ ومع هذا الذي جرى لك فأي شيءٌ في ضميرك تريد أن تفعله? فقلت له: لا أدري ماذا أفعل فقال: أتجلس عندي وتكتب خرجي ودخلي ولك في كل يومٍ درهم زيادةً على أكلك وشربك? فأجبته وأقمت عنده يا أمير المؤمنين سنةً كاملةً أبيع واشتري إلى أن صار معي مائة دينارٍ فاستأجرت غرفةً على شاطئ البحر لعل مركباً تأتي ببضاعةٍ فاشتري بالدنانير بضاعةً وأتوجه إلى بغداد فاتفق في بعض الأيام أن المراكب جاءت وتوجهت إليها جميع التجار يشترون فرحت معهم وإذا برجلين قد خرجا من بطن المركب ونصبا لهما كرسيين وجلسا عليهما ثم أقبل التجار عليها لأجل الشراء فقال لبعض الغلمان: أحضروا البساط فأحضروه وجاء واحدٌ بخرجٍ منه جراباً وفتحه وكبه على البساط وإذا به يخطف البصر لما فيه من الجواهر واللؤلؤ والمرجان والعقيق من سائر الألوان.
وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة التاسعة والأربعين بعد التسعمائة

قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الشاب لما أخبر الخليفة بقضية التجار وبالجراب وما فيه من سائر أنواع الجواهر قال: يا أمير المؤمنين ثم أن واحداً من الرجلين الجالسين على الكراسي التفت إلى التجار وقال لهم: يا معشر التجار أنا ما أبيع في يومي هذا لأني تعبان فتزايدت التجار في الثمن حتى بلغ مقداره أربعمائة دينارٍ فقال لي صاحب الجراب وكان بيني وبينه معرفةً قديمةً لماذا لم تتكلم ولم تزود مثل التجار? فقلت له: والله يا سيدي ما بقي عندي شيءٌ من الدنيا سوى مائة دينارٍ واستحيت منه ودمعت عيناي فنظر إلي وقد عسر عليه حالي، ثم قال للتجار: أشهدوا على أني بعت جميع ما في الجراب من أنواع الجواهر والمعادن لهذا الرجل بمائة دينار وأنا أعرف أنه يساوي كذا وكذا ألف دينارٍ وهو هديةٌ مني إليه فأعطاني الخرج والجراب والبساط وجميع ما عليه من الجواهر فشكرته على ذلك وجميع من حضر من التجار أثنوا عليه ثم أخذت ذلك ومضيت به إلى سوق الجواهر وقعدت أبيع واشتري وكان من جملة هذه المعادن قرص تعويذ صنعه المعلمين وزنته نصف رطلٍ وكان أحمر شديد الحمرة وعليه أسطر مثل دبيب النمل من الجانبين ولم أعرف منفعته فبعت واشتريت مدة سنةٍ كاملةٍ ثم أخذت قرص التعويذ وقلت: هذا له عندي مدة لا أعرفه ولا أعرف منفعته فدفعته إلى الدلال فأخذه ودرا به ثم عاد وقال: ما دفع واحدٌ من التجار سوى عشرة دراهمٍ فقلت له: ما أبيعه بهذا القدر فرماه في وجهي وانصرف.
 

فعرضته للبيع يوماً أخر فلبغ ثمنه خمسة عشر درهماً فأخذته من الدلال مغضباً ورميته عندي فبينما أنا جالس يوماً إذ أقبل علي رجل فسلم علي وقال لي: عن أذنك هل أقلب ما عندك من البضائع? قلت: نعم وأنا يا أمير المؤمنين مغتاظٌ من كساد قرص التعويذ فقلب الرجل البضاعة ولم يأخذ منها سوى قرص التعويذ فلما رآه يا أمير المؤمنين قبل يده وقال: الحمد لله ثم قال: يا سيدي أتبيع هذا? فازداد غيظي وقلت له: نعم فقال لي: كم ثمنه? فقلت له: كم تدفع فيه أنت? قال عشرين ديناراً، فتوهمت أنه يستهزيء بي فقلت: اذهب إلى حال سبيلك فقال لي هو: أبخمسين ديناراً فلم أخاطبه فقال: ألف دينارٍ هذا كله يا أمير المؤمنين وأنا ساكتٌ ولم أجبه وهو يضحك من سكوتي ويقول: لأي شيءٍ لم ترد علي? فقلت له: اذهب إلى حال سبيلك وأردت أن أخاصمه وهو يزيد ألفاً بعد ألفٍ ولم أرد عليه حتى قال: أتبيعه بعشرين ألف دينارٍ? وأنا أظن أنه يستهزيء بي فاجتمع علينا الناس كلٌ منهم يقول بعد وأن لم يشتر فنحن الكل عليه ونضربه ونخرجه من البلد فقلت له: هل أنت تشتري أو تستهزيء? قلت له: أبيع قال: هو بثلاثين ألف دينارٍ وخذها وأمضي البيع وأنا أخبرك بفائدته ونفعه فقلت: بعتك فقال: الله على ما تقول وكيل.
ثم أخرج الذهب وأقبضني إياه وأخذ قرص التعويذ ووضعه في جيبه ثم قال لي: هل رضيت? قلت: نعم فقال أشهدوا عليه أنه أمضى البيع وقبض الثمن ثلاثين ألف دينارٍ ثم إنه التفت إلى وقال: يا مسكين والله لو أخرت البيع لزدناك إلى مائة ألف دينارٍ بل إلى مائة ألف ألف دينارٍ، فلما سمعت يا أمير المؤمنين هذا الكلام نفر الدم من وجهي وعلا عليه هذا الاصفرار الذي أنت تنظره من ذلك اليوم ثم قلت له: أخبرني ما سبب ذلك وما نفع هذا القرص? فقال: اعلم أن ملك الهند له بنت لم ير أحسن منها وبها داء الصداع فأحضر الملك أرباب الأقلام وأهل العلوم والكهان فلم يرفعوا عنها ذلك فقلت له وكنت حاضراً بالمجلس: أيها الملك أنا أعرف رجلاً يسمى سعد الله البابلي ما على وجه الأرض أعرف منه بهذه الأمور فإن رأيت أن ترسلني إليه فأفعل فقال: اذهب إليه فقلت له: أحضر إلي قطعةً كبيرةً من العقيق ومعها ألف دينارٍ وهديةٍ فأخذت ذلك وتوجهت إلى بلاد بابلٍ فسألت عن الشيخ فدلوني عليه ودفعت له المائة ألف دينارٍ والهدية فأخذ ذلك مني ثم أخذ قطعة العقيق وأحضر حكاكاً فعملها هذا التعويذ ومكث الشيخ سبعة أشهرٍ يرصد النجم حتى اختار وقتاً لكتابته وكتب عليه هذه الطلاسم التي تنظرها ثم جئت به إلى الملك.
وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الخمسين بعد التسعمائة

 

قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الشاب قال لأمير المؤمنين: إن الرجل قال لي: أخذت هذا التعويذ وجلت به إلى الملك فلما وضعه على ابنته برنت من ساعتها وكانت مربوطةً في أربع سلاسلٍ وكل ليلةٍ تبيت عندها جاريةٌ فتصبح مذبوحةً فمن حين وضع عليها هذا التعويذ برنت لوقتها ففرح الملك فرحاً شديداً وخلع علي وتصدق بمالٍ كثيرٍ ثم وضعه في عقدها فاتفق أنها نزلت يوماً في مركب هي وجواريها تتنزه في البحر فمدت جاريةٌ يدها إليها لتلاعبها فانقطع العقد وسقط في البحر فعاد من ذلك الوقت العارض لابنة الملك فحصل ما حصل للملك من الحزن فأعطاني مالاً كثيراً وقال لي: اذهب إلى الشيخ ليعمل لها تعويذةً عوضاً عنها فسافرت إليه فوجدته قد مات فرجعت إلى الملك وأخبرته فبعثني أنا وعشرة أنفسٍ نطوف في البلاد لعلنا نجد لها دواء فأوقعني الله به عندك فأخذه مني يا أمير المؤمنين وانصرف فكان ذلك الأمر سبباً للاصفرار الذي في وجهي ثم أني توجهت إلى بغداد ومعي جميع مالي وسكنت في الدار التي كنت فيها فلما أصبح الصباح لبست ثيابي وجئت إلى بيت طاهر بن العلاء لعلي أرى من أحبها فإن حبها لم يزل يتزايد في قلبي فلما وصلت إلى داره رأيت الشباك قد انهدم فسألت غلاماً وقلت له: ما فعل الله بالشيخ? فقال: يا أخي أنه قدم عليه في سنة من السنين رجلٌ تاجرٌ يقال له أبو الحسن العماني فأقام مع ابنته مدةً من الزمان ثم بعد أن ذهب ماله أخرجه الشيخ من عنده مكسور الخاطر وكانت الصبية تحبه حباً شديداً فلما فارقها مرضت مرضاً شديداً حتى بلغت الموت وعرف أباها بذلك فأرسل خلفه في البلاد وقد ضمن لمن يأتي به مائة ألف دينارٍ فلم يره أحد ولم يقع له على أثرٍ وهي الآن مشرفة على الموت قلت: وكيف حال أبيها? قال: باع الجواري من عظم ما أصابه فقلت له: هل أدلك على أبي الحسن العماني? فقال: وبالله عليك يا أخي أن تدلني عليه فقلت له: اذهب إلى أبيها وقل له: لي البشارة عندك فإن أبا الحسن العماني واقفٌ على الباب.
فذهب الرجل يهرول كأنه بغلٌ انطلق من طاحونٍ ثم غاب ساعةٍ وجاء وصحبته الشيخ فلما رأني رجع إلى داره وأعطى الرجل مائة ألف دينارٍ فأخذها وانصرف وهو يدعو لي ثم أقبل الشيخ وعانقني وبكى وقال: يا سيدي أين كنت في هذه الغيبة هلكت ابنتي من أجل فراقك فأدخل معي إلى المنزل فلما دخلت سجد شكراً لله تعالى وقال الحمد لله الذي جمعنا بك ثم دخل لابنته وقال لها شفاك الله من هذا المرض فقالت يا أبت ما أبرا من مرضي إلا إذا نظرت وجه أبي الحسن فقال إذا أكلت أكله ودخلت الحمام جمعت بينكما فلما سمعت كلامه قالت أصحيحٌ ما تقول قال لها والله العظيم أن الذي قلته صحيحٌ فقالت والله إن نظرت وجهاً ما أحتاج إلى أكلٍ فقال لغلامه: أحضر سيدك فدخلت فلما نظرت إلى أمير المؤمنين وقعت مغشياً عليها فلما أفاقت أنشدت هذا البيت:
وقد يجمع الله الشتيتين بعدمايظنان كل الظن أن لا تلاقيا
ثم استوت جالسةً وقالت: يا سيدي ما كنت أظن أني أرى وجهك إلا أن كان مناماً، ثم أنها عانقتني وبكت وقالت يا أبا الحسن الآن آكل وأشرب فأحضروا الطعام والشراب، ثم صرت عندهم يا أمير المؤمنين مدةً من الزمان وعادت كما كانت عليه من الجمال، ثم أن أباها استدعى بالقاضي والشهود وكتب كتابها علي وعمل وليمةً عظيمةً وهي زوجتي إلى الآن.
ثم أن ذلك الفتى قام من عند الخليفة ورجع إليه بغلامٍ بديع الجمال بقدٍ ذي رشاقةٍ واعتدالٍ وقال له قبل الأرض بين يدي أمير المؤمنين فقبل الأرض بين يدي الخليفة فتعجب الخليفة من حسنه وسبح خالقه، ثم أن الرشيد انصرف هو وجماعته وقال يا جعفر مما هذا إلا شيءٌ عجيبٌ ما رأيت ولا سمعت بأغرب منه. فلما جلس الرشيد في دار الخلافة قال: يا مسرور قال: لبيك يا سيدي قال أجمع في هذا الإيوان خراج البصرة وخراج بغداد وخراج خراسان فجمعه فصار مالاً عظيماً لا يحصى عدده إلا الله تعالى.
 

ثم قال الخليفة: يا جعفر قال لبيك قال أحضر لي أبا الحسن قال سمعاً وطاعةً ثم أحضره فلما حضر قبل الأرض بين يدي الخليفة وهو خائفٌ أن يكون طلبه بسبب خطأ وقع منه وهو عنده بمنزله فقال الرشيد: يا عماني قال له لبيك يا أمير المؤمنين خلد الله نعمه عليك، فقال له اكشف هذه الستارة، وكان الخليفة أمرهم أن يضعوا مال الأقاليم ويسلبوا عليه الستارة، فلما كشف العماني الستارة عن الإيوان اندهش عقله من كثرة المال فقال الخليفة يا أبا الحسن أهذا المال أكثر أم الذي فاتك من قرص التعويذ فقال له بل هذا يا أمير المؤمنين أكثر بأضعافٍ كثيرة.
قال الرشيد: أشهدوا يا من حضر أني وهبت هذا المال لهذا الشاب، فقبل الأرض واستحى وبكى من شدة الفرح بين يدي الرشيد، فلما بكى جرى الدمع من عينيه على خده فرجع الدم إلى محله فصار وجهه كالبدر ليلة تمامه، فقال الخليفة لا آله إلا الله سبحان من يغير حالاً بعد حال وهو باقٍ لا يتغير، ثم أتى بمرآة وأراه وجهه فيها فلما رآه سجد شكراً لله تعالى، ثم أمر الخليفة يحمل إليه المال وسأله أنه لا ينقطع عنه لأجل المنادمة فصار يتردد إليه إلى أن توفى الخليفة إلى رحمة الله تعالى، فسبحان الحي الذي لا يموت ذي الملك والملكوت.

حكاية إبراهيم بن الخصيب

مع جميلة بنت أبي الليث عامل البصرة

ومما يحكى أيضاً أيها الملك السعيد أن الخصيب صاحب مصر كان له ولدٌ ولم يكن في زمانه أحسن منه وكان من خوفه عليه لا يمكنه من الخروج إلا لصلاة الجمعة، فمر وهو خارجٌ من صلاة الجمعة على رجلٌ كبيرٌ وعنده كتب كثيرة فنزل عن فرسه وقعد عنده وقلب الكتب وتأملها فرأى فيها صورة امرأةٍ تكاد أن تنطق ولم ير أحسن منها على وجه الأرض فسلبت عقله وأذهلت لبه.
فقال له: يا شيخ بغني هذه الصورة، فقبل الأرض بين يديه ثم قال له يا سيدي بغير ثمن فدفع له مائة دينارٍ وأخذ الكتاب الذي به الصورة وصار ينظر إليها ويبكي ليله ونهاره وامتنع عن الأكل والشراب والمنام، فقال في نفسه، لو سألت الكتبي عن صانع هذه الصورة من هو ربما أخبرني فإن كانت صاحبتها في الحياة توصلت إليها وإن كانت صورة مطلقةٍ تركت التولع بها ولا أعذب نفسي بشيءٍ لا حقيقة له.
وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الواحدة والخمسين بعد التسعمائة

قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الشاب لما قال في نفسه لو سألت الكتبي عن هذه الصورة ربما أخبرني فإن كانت صورة مطلقة تركت التولع بها لا أعذب نفسي بشيءٍ لا حقيقة له. فلما كان يوم الجمعة مر على الكتبي فنهض إليه قائماً فقال له يا عم أخبرني من صنع هذه الصورة قال: يا سيدي صنعها رجل من أهل بغداد يقال له أبو القاسم الصندلاني في حارةٍ تسمى حارة الكرح ولا أعلم من هي.
فقام الغلام من عنده ولم يعلم أحداً من أهل مملكته، ثم صلى الجمعة وعاد إلى البيت فتناول جراباً وملأه من الجواهر والذهب وقيمة الجواهر ثمانون ألف دينارٍ، ثم صبر إلى الصباح وخرج ولم يعلم به أحدٌ ولحق قافلةً فرأى بدوياً فقال له يا عم كم بيني وبين بغداد فقال له يا ولدي أين أنت وأين بغداد إن بينك وبينها مسيرة شهرين فقال له يا عم إن أوصلتني إلى بغداد أعطيك مائة دينارٍ وهذه الفرس التي تحتي وقيمتها ألف دينارٍ.
فقال له البدوي الله على ما تقول وكيل ولكن لا ننزل في هذه الليلة إلا عندي، فأجابه إلى قوله وبات عنده، فلما لاح الفجر رافقه البدوي وسار به سريعاً في طريقٍ قريبٍ طمعاً في تلك الفرس التي وعده بها، وما زالا سائرين حتى وصلا إلى حيطان بغداد فقال له البدوي الحمد لله على السلامة يا سيدي هذه بغداد، ففرح الغلام فرحاً شديداً ونزل عن الفرس وأعطاها للبدوي هي والمائة دينار.
 

ثم تناول الجراب ومضى يسائل عن حارة الكرح وعن محل التجار فساقه القدر إلى دربٍ فيه خمسه عشر ججر تقاتل وفي صدر الدار بابٌ بمصراعين له حلقة من فضة وفي الباب مصطبتان من الرخام مفروشتان بأحسن الفرش وفي أحدهما رجلٌ جالسٌ وهو مهابٌ حسن الصورة وعليه ثيابٌ فاخرةٌ وبين يديه خمس مماليك كأنهم أقمارٌ، فلما رأى الغلام ذلك عرف العلامة التي ذكرها له الكتبي فسلم على الرجل فرد عليه السلام ورحب به وأجلسه وسأله عن حاله فقال له الغلام: أنا رجلٌ غريبٌ وأريد من إحسانك أن تنظر لي في هذا الدرب داراً لأسكن فيها.
فصاح الرجل وقال: يا غزالة، فخرجت إليه جارية وقالت لبيك يا سيدي فقال: خذي معك بعض خدم واذهبوا إلى حجرة ونظفوها وافرشوها وحطوا فيها جميع ما يحتاج من آنية وغيرها لأجل هذا الشاب الحسن الصورة، فخرجت الجارية وفعلت ما أمرها به، ثم أخذه الشيخ وأراه الدار فقال له الغلام يا سيدي كم أجرة هذا الدار? فقال له يا جميل أنا ما آخذ منك أجرةً ما دمت هنا، فشكره على ذلك.
ثم أن الشيخ نادى جاريةً ثانيةً فخرجت إليه جاريةٌ كأنها الشمس فقال لها هات الشطرنج فأتت له، ففرش المملوك الرقعة وقال الشيخ للغلام: أتلعب معي قال نعم فلعب معه مراتٍ والغلام يغلبه، فقال أحسنت يا غلام لقد كملت صفاتك والله ما في بغداد من يغلبني وقد غلبتني أنت، ثم بعد أن هيأوا الدار بالفراش وسائر ما يحتاج إليه وسلمه المفاتيح وقال يا سيدي إلا تدخل منزلي وتأكل عيشي فنتشرف بك فأجابه الغلام إلى ذلك ومشى معه فلما وصلا إلى الدار حسنةً جميلةً مزركشةً بالذهب وفيها من جميع التصاوير ومن أنواع الفرش والأمتعة ما يعجز عن شرحه اللسان، ثم صار يحييه وأمر بإحضار الطعام فأتوا بمائدة من شغل صنعاء اليمن فوضعت وأتوا بالطعام ألواناً غريبةً لا يوجد أفخر منها ولا ألذ.
فأكل الغلام حتى اكتفى ثم غسل يديه، وصار الغلام ينظر إلى الدار والفرش، ثم التفت إلى الجراب الذي كان معه فلم يره فقال لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم أكلت لقمةً تساوي درهماً أو درهمين فذهب مني جراب فيه ثلاثون ألف دينارٍ ولكنه استعان بالله ثم سكت ولم يقدر أن يتكلم.
وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الثانية والخمسين بعد التسعمائة

قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الغلام لما رأى الجراب مفقودٌ حصل له غمٌ كبيرٌ فسكت ولم يقدر أن يتكلم، فقدم الشيخ الشطرنج وقال للغلام: هل تلعب معي? فقال: نعم فغلبه الشيخ فقال الغلام: أحسنت: ثم ترك اللعب وقام فقال له: ما لك يا غلام? فقال: أريد الجراب، فقام وأتى به وقال: ها هو يا سيدي هل ترجع إلى اللعب معي? قال: نعم فلعب معه فغلبه الغلام، فقال الرجل: لما اشتغل فكرك بالجراب غلبتك فلما جئت به إليك غلبتني.
ثم قال له: يا ولدي أخبرني من أي البلاد أنت? فقال: من مصر، فقال له: وما سبب مجيئك إلى بغداد? فأخرج له الصورة وقال: يا عم إني ابن الخصيب صاحب مصر وقد رأيت هذه الصورة عند رجل كتبي فسلبت عقلي فسألت عن صانعها فقيل لي: إن صانعها رجل من بغداد بحارة الكرح يقال له أبو القاسم الصندلاني بدرب الزعفران فأخذت معي شيئاً من المال وجئت وحدي ولم يعلم بحالي أحدٌ وأريد من تمام إحسانك أن تدلني عليه حتى أسأله عن سبب تصويره لهذه والصورة من هي ومهما أراده مني فإني أعطيه إياه فقال: والله يا ابني إني أنا أبو القاسم الصندلاني وهذا أمرٌ عجيب كيف ساقتك المقادير إلي.
 

فلما سمع الغلام كلامه قام إليه وعانقه وقبل رأسه ويديه وقال له: بالله عليك أن تخبرني صورة من هي، فقال سمعاً وطاعةً، ثم قام وفتح خزانةً وأخرج منها عدة كتبٍ كان صور فيها هذه الصورة وقال له: اعلم يا ولدي أن صاحبة هذه الصورة ابنة عمي وهي في البصرة وأبوها حاكم البصرة يقال له: أبو الليث وهي يقال لها جميلة وما على وجه الأرض أجمل منها ولكنها زاهدةٌ في الرجال ولا تقدر أن تسمع ذكر رجلٍ في مجلسها وقد ذهبت إلى عمي بقصد أنه يزوجني بها وبذلت له الأموال فلم يجيبني إلى ذلك فلما علمت ابنته بذلك اغتاظت وأرسلت إلي كلاماً من جملته أنها قالت: إن كان لك عقلٌ فلا تقم بهذه البلدة وإلا تهلك ويكون ذنبك في عنقك وهي جبارةٌ من الجبابرة فخرجت من البصرة وأنا منكسر الخاطر وعملت هذه الصورة في الكتب وفرقتها في البلاد لعلها تقع في يد غلامٍ حسن الصورة مثلك فيتحيل في الوصول إليها لعلها تعشقه وأكون قد أخذت عليه العهد أنه إذا تمكن منها يريني إياها ولو نظرةً من بعيد، فلما سمع إبراهيم ابن الخصيب كلامه أطرق برأسه ساعةً وهو يتفكر فقال له الصندلاني: يا ولدي إني ما رأيت ببغداد أحسن منك وأظن أنها إذا نظرتك تحبك فهل يمكنك إذا اجتمعت بها أن تريني إياها ولو نظرةً من بعيد? فقال: نعم فقال: إذا كان الأمر كذلك فأقم عندي إلى أن تسافر فقال: لا أقدر على المقام فإن في قلبي من عشقها ناراً زائدةً، فقال له: اصبر حتى أجهز لك مركبا في ثلاثة أيام لنذهب فيها إلى البصرة فصبر حتى جهز له مركباً ووضع فيها كل ما يحتاج إليه من المأكولٍ ومشروبٍ وغير ذلك وبعد ثلاثة أيامٍ قال للغلام تجهز للسفر فقد جهزت لك مركباً فيها سائر ما تحتاج إليه والمركب ملكي والملاحون من أتباعي وفي المركب ما يكفيك إلى أن تعود وقد أوصيت الملاحين أن يخدموك إلى أن ترجع بالسلامة.
فنهض الغلام ونزل في المركب وودعه وسار حتى وصل إلى البصرة فأخرج الغلام مائة دينارٍ للملاحين فقالوا له: نحن أخذنا الأجرة من سيدنا، فقال لهم: خذوها إنعاماً وأنا لا أخبره بذلك فأخذوها منه ودعوا له، ثم دخل الغلام البصرة وسأل: أين مسكن التجار? فقالوا له: في خان يسمى خان حمدان فمشى حتى وصل إلى السوق الذي فيه الخان فامتدت إليه الأعين بالنظر من فرط حسنه وجماله ثم دخل الخان مع رجلٌ ملاحٍ وسأل عن البواب فدلوه عليه فرآه شيخاً كبيراً مهاباً فسلم عليه فرد عليه السلام فقال: يا عم هل عندك حجرةً ظريفةً? قال: نعم.
ثم أخذه هو والملاح وفتح لهما حجرةً ظريفةً مزركشةً بالذهب، وقال يا غلامٍ أن هذه الحجرة تصلح لك فأخرج الغلام دينارين وقال له: خذ هذين حلوان المفتاح فأخذهما ودعا له وأمر الغلام الملاح بالذهاب إلى المركب ثم دخل الحجرة فاستمر عند بواب الخان وخدمه وقال له: يا سيدي حصل لنا بك السر فأعطاه الغلام ديناراً وقال له: هات لنا به خبزاً ولحماً وحلوى وشراباً فأخذه وذهب به إلى السوق ورجع إليه وقد اشترى ذلك بعشرة دراهم وأعطاه الباقي فقال الغلام: اصرفه على نفسك ففرح البواب بذلك فرحاً عظيماً ثم أن الغلام أكل مما طلبه قرصاً واحداً بقليل من الآدم وقال لبواب الخان: خذ هذا إلى أهل منزلك فأخذه وذهب به إلى أهل منزله وقال لهم: ما أظن أن أحداً على وجه الأرض أكرم من الغلام الذي سكن عندنا في هذا اليوم ولا أحلى منه فإن دام عندنا حصل لنا الغنى.
ثم أن بواب الخان دخل على إبراهيم فرآه يبكي فقعد وصار يكبس رجليه ثم قبلهما وقال: يا سيدي لأي شيءٍ تبكي لا أبكاك الله? فقال: يا عم أريد أن أشرب أنا وأنت في هذه الليلة فقال سمعاً وطاعةً فأخرج له خمسة دنانيرٍ وقال له: اشتر لنا بها فاكهةً وشراباً ثم دفع له خمسة دنانيرٍ أخرى وقال له: اشتر لنا بهذه نقلاً ومشموماً وخمس فراخٍ سمان وأحضر لي عوداً فخرج واشترى له ما أمره به وقال لزوجته: ضعي هذا الطعام وصفي لنا هذا الشراب وليكن ما تصنعينه جيداً فإن هذا الغلام قد عمنا بإحسانه فصنعت زوجته ما أمرها به على غاية المراد. ثم أخذه ودخل على إبراهيم ابن السلطان.
وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الثالثة والخمسين بعد التسعمائة

 

قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن بواب الخان لما صنعت زوجته الطعام والشراب أخذه ودخل به على ابن السلطان فأكلا وشربا وطربا فبكى الغلام وأنشد هذين البيتين:
يا صاحبي لو بذلت الروح مجتهداًوجملة المال والدنيا وما فـيهـا
وجنة الخلد والفردوس أجمعهـابساعة الوصل كان القلب شاريها
ثم شهق شهقةً عظيمةً وخر مغشياً عليه فتنهد بواب الخان فلما رآه أفاق قال له بواب الخان: يا سيدي ما يبكيك ومن هي التي تريدها بهذا الشعر فإنها لا تكون إلا تراباً لأقدامك? فقام الغلام وأخرج بقجةً من أحسن ملابس النساء وقال له: خذ هذه إلى حريمك فأخذها منه ودفعها إلى زوجته فأتت معه ودخلت على الغلام فإذا هو يبكي، فقالت له: فتت أكبادنا فعرفنا بأي مليحةٍ تريدها وهي لا تكون إلا جاريةً عندك. فقال: يا عم اعلم أني أنا ابن الخصيب صاحب مصر وإني متعلق بجميلة بنت أبي الليث العميد فقالت زوجة بواب الخان: الله الله يا أخي اترك هذا الكلام لئلا يسمع بنا أحد فنهلك فإنه ما على وجه الأرض أجبر منها ولا يقدر أحدٌ أن يذكر لها اسم رجلٍ لأنها زاهدةٌ في الرجال يا ولدي اعدل عنها لغيرها، فلما سمع كلامها بكى بكاءً شديداً فقال له بواب الخان: ما لي سوى روحي فأنا أخاطر بها في هواك وأدبر لك أمراً فيه بلوغ مرادك.
ثم خرجا من عنده فلما أصبح الصباح دخل الحمام ولبس حلةً من ملبوس الملوك وإذا ببواب الخان هو وزوجته قدما عليه وقالا له: يا سيدي اعلم أن هنا رجلاً خياطاً أحدب وهو خياط السيدة جميلة فاذهب إليه وأخبره بحالك فعساه بذلك على ما فيه وصولك إلى أغراضك فقام الغلام وقصد دكان الخياط الأحدب فدخل عليه فوجد عنده عشرة مماليكٍ، كأنهم الأقمار فسلم عليهم فردوا عليه السلام وفرحوا به وأجلسوه وتحيروا في محاسنه وجماله فلما رآه الأحدب اندهش عقله من حسن صورته فقال له الغلام: أريد أن تخبط لي جيبي فتقدم الخياط وأخذ فتلة من الحرير وخاطه وكان الغلام قد فتقه عمداً فلما خاطه أخرج له خمسة دنانيرٍ أعطاها له وانصرف إلى حجرته فقال الخياط: أي شيءٍ عملته لهذا الغلام حتى أعطاني الخمسة دنانير? ثم بات ليلته يفكر في حسنه وكرمه فلما أصبح الصباح ذهب إلى دكان الخياط الأحدب ثم دخل وسلم عليه فرد عليه السلام وأكرمه ورحب به فلما جلس قال للأحدب: يا عم خيط لي جيبي فإنه فتق ثانياً فقال له: يا ولدي على الرأس والعين ثم تقدم وخاطه فدفع له عشرة دنانير فأخذها وصار مبهوتاً من حسنه وكرمه، ثم قال له: والله يا غلام إن فعلك لا بد له من سببٍ وما هذا خبر خياطة جيب ولكن أخبرني عن حقيقة أمرك فإن كنت عشقت واحداً من هؤلاء الأولاد فو الله ما فيهم أحسن منك وكلهم تراب أقدامك وها هم عبيدك وبين يديك وإن كان غير هذا فأخبرني? فقال: يا عم ما هذا محل الكلام، فإن حديثي عجيبٌ وأمري غريبٌ قال: فإذا كان الأمر كذلك فقم بنا في خلودٍ، ثم نهض الخياط وأخذه بيده ودخل معه حجرةً في داخل الدكان وقال له: يا غلام حدثني ماذا تريد، فحدثه بأمره من أوله إلى آخره فبهت من كلامه وقال: يا غلام اتق الله في نفسك فإن التي ذكرتها جبارةٌ زاهدةٌ في الرجال فاحفظ يا أخي لسانك وإلا فأنك تهلك نفسك.
 

فلما سمع الغلام كلامه بكى بكاءً شديداً ولزم ذيل الخياط وقال: أجرني يا عم فإني هالكٌ وقد تركت ملكي وملك أبي وجدي وصرت في البلاد غريباً وحيداً ولا صبر لي عنها، فلما رأى الخياط ما حل به رحمه وقال: يا ولدي ما عندي إلا نفسي فأنا أخاطر بها في هواك فإنك قد جرجرت قلبي ولكن في الغد أدبر لك أمراً ليطيب به قلبك فدعا له وانصرف إلى الخان فحدث بواب الخان بما قاله الأحدب فقال له: قد فعل معك جميلاً، فلما أصبح الصباح لبس الغلام أفخر ثيابه وأخذ كيساً فيه دنانير وأتى إلى الأحدب فسلم وجلس ثم قال له: يا عم انجز وعدي فقال له: قم في هذه الساعة وخذ ثلاث فراخٍ سمان وثلاث أوراقٍ من السكر النبات وكوزين لطيفين واملأهما شرابا وخذ قدحاً وضع ذلك في كارةٍ وأنزل بعد صلاة الصبح في زورقٍ مع ملاح وقل له: أريد أن تذهب بي تحت البصرة فإن قال لك: ما أقدر أن أعدي أكثر من فرسخ فقل له: الرأي لك فإذا عدى فرغبه بالمال حتى يوصلك فإذا وصلت فأول بستانٍ تراه فأنه بستان السيدة جميلة فإذا رأيته فاذهب إلى بابه ترى درجتين عاليتين عليهما فرش من الديباج وجالس عليهما رجل أحدب مثلي فاشك إليه حالك وتوسل به فعساه أن يرثي لحالك ويوصلك إلى أن تنظرها ولو نظرةً من بعيدٍ وما بيدي حيلةٌ غير هذا، وأما إذا لم يرث لحالك فقد هلكت أنا وأنت وهذا ما عندي من الرأي والأمر إلى الله تعالى فقال الغلام: استعنت بالله تعالى ما شاء الله كان ولا حول ولا قوة إلا بالله.
ثم قام من عند الخياط الأحدب وذهب إلى حجرته وأخذ ما أمره به في كارةٍ لطيفةٍ ثم أنه لما أصبح جاء إلى شاطئ الدجلة وإذا هو برجلٍ ملاحٍ نائم فأيقظه وأعطاه عشرة دنانيرٍ وقال له: عدني إلى تحت البصرة فقال له: يا سيدي بشرطٍ أني لا أعدي أكثر من فرسخ وإن تجاوزته شبراً هلكت أنا وأنت فقال له: الرأي لك فأخذه وانحدر به فلما قرب من البستان قال: يا ولدي من هنا ما أقدر أن أعدي فإن تعديت هذا الحد هلكت أنا وأنت فأخرج له عشرة دنانير وقال: خذ هذه نفقة لتستعين بها على حالك فاستحى منه وقال: سلمت أمري لله تعالى.
وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الرابعة والخمسين بعد التسعمائة

قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الغلام لما أعطى للملاح العشرة دنانير الأخرى أخذها وقال: سلمت أمري لله تعالى وانحدر به فلما وصلا إلى البستان نهض الغلام من فرحته ووثب من الزورق وثبة مقدار رمية رمحٍ ورمى نفسه فرجع الملاح هارباً، ثم تقدم الغلام فرأى جميع ما وصفه له الخياط الأحدب من البستان ورأى بابه مفتوحاً وفي الدهليز سريرٌ من العاج جالس عليه رجلٌ أحدب لطيف المنظر عليه ثيابٌ مذهبةٌ وفي يده دبوسٌ من فضةٍ مطليٌ بالذهب فنهض الغلام مسرعاً وانكب على يده وقبلها فقال له: من أنت ومن أين أتيت ومن أوصلك إلى هنا يا ولدي? وكان ذلك الرجل لما رأى إبراهيم بن الخصيب انبهر من جماله فقال له إبراهيم: يا عم أنا صبيٌ جاهلٌ غريبٌ.
ثم بكى فرق له وأصعده على السرير ومسح له دموعه وقال: لا بأس عليك أن كنت مديوناً قضى الله دينك وأن كنت خائفاً آمن الله خوفك، فقال: يا عم لا بي خوفٌ ولا علي دينٌ ومعي مالٌ جزيلٌ بحمد الله وعونه فقال له: يا ولدي ما حاجتك حتى خاطرت بنفسك وجمالك إلى محلٍ فيه الهلاك? فحكى له حكايته وشرح له أمره فلما سمع كلامه أطرق برأسه ساعةً إلى الأرض وقال: هل الذي دلك علي الخياط الأحدب? قال: نعم، قال: هذا أخي وهو رجلٌ مباركٌ.
 

ثم قال: يا ولدي لولا أن محبتك نزلت في قلبي ورحمتك لهلكت أنت وأخي وبواب الخان وزوجته ثم قال: أعلم أن هذا البستان ما على وجه الأرض مثله والله يقال له بستان اللؤلؤة وما دخله أحدٌ مدة عمري إلا السلطان وأنا وصاحبته جميلة وأقمت فيه عشرين سنةً فما رأيت أحدٌ جاء إلى هذا المكان وكل أربعين يوماً تأتي في المركب إلى هنا وتصعد بين جواريها في حلة أطلسٍ تحمل أطرافها عشر جوارٍ بكلاليبٍ من الذهب إلى أن تدخل فلم أر منها شيئاً ولكن أنا ما لي إلا نفسي فأخاطر بها من أجلك فعند ذلك قبل الغلام يده وقال له: اجلس عندي حتى أدبر لك أمراً ثم أخذ بيد الغلام وأدخله البستان فلما دخل إبراهيم ذلك البستان ظن أنه الجنة ورأى الأشجار ملتفةً والنخيل باسقةً والمياه متدفقةً والأطيار تناغي بأصواتٍ مختلفة ثم ذهب به إلى قبةٍ وقال له: هذه التي تقعد فيها السيدة جميلة فتأمل تلك القبة فوجدها من أعجب المنتزهات وفيها سائر التصاوير بالذهب واللازورد وفيها أربعة أبواب يصعد إليها بخمس درج وفي وسطها بركةٌ ينزلها إليها بدرج من الذهب وتلك الدرج مرصعة بالمعادن وفي وسط البركة سلسبيل من الذهب فيه صور كبار وصغار والماء يخرج من أفواهها فإذا صفت الصور عند خروج الماء بأصواتٍ مختلفةٍ تخيل لسامعها أنه في الجنة وحول القبة ساقية قواديسها من الفضة وهي مكسوةٌ بالديباج وعلى يسار الساقية شباك من الفضة مطلٍ على برجٍ أخضرٍ فيه من سائر الطيور والوحوش والغزلان والأرانب وعلى يمينها شباكٌ مطلٌ على ميدانٍ فيه من سائر الطيور وكلها تغرد بأصوات مختلفة تدهش السامع، فلما رأى الغلام ذلك أخذه الطرب وقعد في باب البستان، وقعد البستاني بجانبه فقال له: كيف ترى بستاني? فقال له الغلام: هو جنة الدنيا، فضحك البستاني ثم قام وغاب عنه ساعةً وعاد ومعه طبقٌ فيه دجاجٌ وسمانٌ ومأكولٌ مليحٌ وحلوى من السكر فوضعه بين يدي الغلام وقال له: كل حتى تشبع قال إبراهيم: فأكلت حتى اكتفيت.
فلما رآني أكلت فرح وقال: هكذا شأن الملوك أولاد الملوك ثم قال: يا إبراهيم أي شيء معك في هذه الكارة فحللتها بين يديه فقال: أحملها معك فأنها تنفعك إذا حضرت السيدة جميلة فأنها إذا جاءت لا أقدر أن أدخل لك بما تأكله ثم قام وأخذ بيدي وأتى بي إلى مكان قبال قبة جميلة فعمل عريشة بين الأشجار وقال له: أصعد هنا فإذا جاءت فأنك تنظرها وهي لا تنظرك وهذا أكثر ما عندي من الحيلة وعلى الله الاعتماد فإذا غنت فاشرب على غنائها فإذا ذهبت فارجع من حيث جئت أن شاء الله مع السلامة. فشكره الغلام وأراد أن يقبل يده فمنعه ثم أن الغلام وضع الكارة في العريشة التي عملها له ثم قال له البستاني: يا إبراهيم تفرج في البستان وكل من أثماره فأن ميعاد حضور صاحبتك في الغد فصار إبراهيم يتنزه في البستان ويأكل من أثماره وبات ليلته عنده فلما أصبح الصباح وأضاء بنوره ولاح صلى إبراهيم الصبح وإذا بالبستاني جاء وهو مصفر اللون وقال له: يا ولدي قم واصعد إلى العريشة فإن جواري السيدة جميلة قد أتين ليفرشن المكان وهي تأتي بعدهن.
وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الخامسة والخمسين بعد التسعمائة

قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الخولي لما دخل على إبراهيم بن الخصيب في البستان قال له: قم يا ولدي اصعد على العريشة فأن الجواري قد أتين ليفرشن المكان وهي تأتي بعدهن واحذر من أن تبصق أو تمخط أو تعطس فنهلك أنا وأنت فقام الغلام وصعد إلى العريشة وذهب الخولي وهو يقول: رزقك الله السلامة يا ولدي فبينما الغلام قاعدٌ وإذا بخمس جوار أقبلن لم ير مثلهن أحد فدخلن القبة وقلعن ثيابهن وغسلن القبة ورششنها بماء الورد، وأطلقن العود والعنبر وفرشن الديباج وأقبل بعدهن خمسون جارية ومعهن آلات الطرب وجميلة بينهن من داخل خيمة حمراء من الديباج والجواري رافعات أذيال الخيمة بكلاليب من الذهب حتى دخلت القبة فلم ير منها ولا أثوابها شيئاً فقال في نفسه: والله أنه ضاع جميع تعبي ولكن لا بد من أن أصبر حتى أنظر كيف يكون الأمر.
 

فقدمت الجواري الأكل والشرب، ثم أكلن وشربن وغسلن أيديهن، ونصبن لها كرسياً فجلست عليه ثم ضربن بآلات الملاهي جميعهن وغنين بأصوات مطربة لا مثيل لها ثم خرجت عجوز قهرمانة فصفقت ورقصت فجذبها الجواري وإذا بالستر رفع وخرجت جميلة وهي تضحك فرآها إبراهيم وعليها الحلي والحلل وعلى رأسها تاجٌ مرصعٌ باللؤلؤ فقامت الجواري وقبلن الأرض بين يديها وهي تضحك.
قال إبراهيم بن الخصيب: فلما رأيتها غبت عن وجودي واندهش عقلي وتحير فكري بما بها من جمالٍ لم يكن على وجه الأرض مثله ووقعت مغشياً علي ثم أفقت باكي العينين وأنشدت هذين البيتين:
أراك فلا أرد الطرف كيلايكون حجاب رؤيتك الجفون
ولو أني نظرت بكل لحـظٍلما استوفت محاسنك العيون
فقالت العجوز للجواري: ليقمن منكن عشر يرقصن ويغنين فلما رآهن إبراهيم قال في نفسه: اشتهي أن ترقص السيدة جميلة فلما انتهى رقص العشر جواري فأقبلن حولها وقلن: يا سيدتنا نشتهي أن ترقصي في هذا المجلس ليتم سرورنا بذلك لأننا ما رأينا أطيب من هذا اليوم فقال إبراهيم بن الخصيب في نفسه: لا شك أن أبواب السماء قد فتحت واستجاب الله دعائي، ثم قبل الجواري أقدامها وقلن لها: والله ما رأينا صدرك مشروحاً مثل هذا اليوم فما زلن يرغبنها حتى قلعت أثوابها وصارت بقميص من نسيج الذهب مطرزاً بأنواع الجواهر وأبرزت نهوداً كأنهن الرمان وأسفرت عن وجه كالبدر ليلة تمامه فرأى إبراهيم من الحركات ما لم ير في عمره مثله وأتت في رقصها بأسلوبٍ غريبٍ وابتداعٍ عجيبٍ، حتى أنست رقص الحبيب في الكؤوس، وذكرت ميل العمائم عن الرؤوس وهي كما قال فيها الشاعر:
كما اشتهت خلقت حتى إذا اعتدلتفي قالب الحسن لا طول ولا قصر
كأنها خـلـت مـن مـاء لـؤلـؤٍفي كل جاريةٍ من حسنها قـمـر
وكما قال الآخر:
وراقص مثل غصن البان قامتهتكاد تذهب روحي من تنقلـه
لا يستقر له في رقصته قـدمكلفا نار قلبي تحت أرجـلـه
قال إبراهيم: فبينما أنظر إليها إذ لاحت منها التفاتة إلي فرأتني فلما نظرتني تغير وجهها فقالت لجواريها: غنوا أنتم حتى أجيء إليكن ثم عمدت إلى سكين قدر نصف ذراع وأخذتها وأتت نحوي ثم قالت: لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم فلما قربت مني غبت عن الوجود فلما رأتني ووقع وجهها في وجهي وقعت السكين من يدها وقالت: سبحان مقلب القلوب ثم قالت لي: يا غلام طب نفساً وقر عيناً ولك الأمان مما تخاف? فصرت أبكي وهي تمسح دموعي بيدها وقالت: يا غلام أخبرني من أنت وما جاء بك إلى هذا المكان? فقلبت الأرض بين يديها ولزمت ذيلها فقالت: لا بأس عليك فو الله ما ملأت عيني من ذكر غيرك فقل من أنت? قال: إبراهيم: فحدثتها بحديثي من أوله إلى أخره فتعجبت من ذلك وقالت لي: يا سيدي أناشدك هل أنت إبراهيم بن الخصيب? قلت: نعم فانكبت علي وقالت: يا سيدي أنت الذي زهدتني في الرجال لأنني لما سمعت أنه وجد في مصر صبي لم يكن على وجه الأرض أجمل منه واسمه إبراهيم بن الخصيب هويتك بالوصف وتعلق قلبي بحبك لما بلغني عنك من الجمال الباهر وصرت فيك كما قال الشاعر:
أذني لقد سبقت في عشقه بصريوالأذن تعشق قبل العين أحيانـاً
فالحمد لله الذي أراني وجهك والله لو كان أحد غيرك لكنت صلبت البستاني وبواب الخان والخياط ومن يلوذ بهم ثم قالت لي: كيف احتال على شيءٍ تأكله من غير إطلاع الجواري? فقلت له: معي ما نأكل وما نشرب ثم حللت الكارة بين يديها فأخذت دجاجة وصارت تلقمني وألقمها فلما رأيت ذلك منها توهمت أنه منا. ثم قدمت الشراب فشربنا كل ذلك وهي عندي والجواري يغنين وما زلنا كذلك من الصبح إلى الظهر ثم قامت وقالت قم الآن هيء لك مركباً وانتظرني في المحل الفلاني حتى أجيء إليك فما بقي لي صبرٌ على فراقك فقلت: يا سيدتي أن معي مركباً وهي ملكي والملاحون في إجارتي وهم في انتظاري فقالت: هذا هو المراد ثم مضت إلى الجواري.
وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة السادسة والخمسين بعد التسعمائة

 

قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن السيدة جميلة لما مضت إلى الجواري قالت لهن: قمن بنا لنروح إلى قصرنا فقلن لها: كيف نقوم في هذه الساعة وعادتنا أننا نقعد ثلاثة أيامٍ? فقالت: إني أجد في نفسي ثقلاً عظيماً كأني مريضةٌ وأخاف أن يثقل علي ذلك فقلن لها سمعاً وطاعةً فلبسن ثيابهن ثم توجهن إلى الشاطئ ونزلن في الزورق وإذا بالبستاني قد أقبل على إبراهيم وما عنده علمٌ بالذي جرى له فقال له: يا إبراهيم ما لك حظٌ في التلذذ برؤيتها فأن من عادتها أن تقيم هنا ثلاثة أيامٍ وأنا أخاف أن تكون رأتك فقال إبراهيم: ما رأتني ولا رأيتها ولا خرجت من القبة قال: صدقت يا ولدي فأنها لو رأتك لكنا هلكنا ولكن أقعد عندي حتى تأتي لي الأسبوع الثاني وتراها وتشبع من النظر إليها فقال إبراهيم: أن معي مالاً وأخاف عليه وورائي رجالٌ فأخاف أن يستغيبوني فقال: يا ولدي أنه يعز علي فراقك ثم عانقه وودعه ثم أن إبراهيم توجه إلى الخان الذي كان نازلاً فيه وقابل بواب الخان وأخذ ماله فقال بواب الخان: خير إن شاء الله فقال له إبراهيم: إني ما وجدت إلى حاجتي سبيلاً وأريد أن أرجع إلى أهلي فبكى بواب الخان وودعه وحمل أمتعته وأوصله إلى المركب وبعد ذلك توجه إلى المحل الذي قالت له عليه وانتظرها فيه.
فلما جن الليل وإذا قد أقبلت عليه وهي في زي رجلٍ شجاعٍ بلحيةٍ مستديرةٍ ووسطٍ مشدودٍ بمنطقةٍ وفي إحدى يديها قوس ونشاب وفي الأخرى سيفٌ مجردٌ وقالت له: هل أنت ابن الخصيب صاحب مصر? فقال له إبراهيم: هو أنا فقالت له: وأي علق أنت حتى جئت تفسد بنات الملوك قم كلم السلطان قال إبراهيم: فوقعت مغشياً علي وأما الملاحون فإنهم ماتوا في جلدهم من الخوف فلما رأت ما حل بي خلعت تلك اللحية ورمت السيف وحلت المنطقة فرأيتها هي السيدة جميلة فقلت لها: والله إنك قطعت قلبي ثم قلت للملاحين: اسرعوا في سير المركب فحلوا الشراع وأسرعوا في السير فما كان إلا أيامٌ قلائل حتى وصلنا إلى بغداد وإذا بمراكب واقفةٍ على جانب الشط فلما رآنا الملاحون الذين معنا صاروا يقولون: يا فلان ويا فلان نهنئكم بالسلامة دفعوا مراكبهم على مركبنا فنظرنا فإذا فيها أبو القاسم الصندلاني فلما رآنا قال: إن هذا هو مطلوبي امضوا في وداعة الله وأنا أريد التوجه إلى غرضٍ وكان بين يديه شمعةً ثم قال لي: الحمد لله على السلامة هل قضيت حاجتك? قلت: نعم فقرب الشمعة منا فلما رأته جميلة تغير حالها واصفر لونها ولما رآها الصندلاني قال: اذهبوا في أمان الله أنا رائحٌ إلى البصرة في مصلحة للسلطان ولكن الهدية لمن حضر.
ثم أحضر علبةً من الحلويات ورماها في مركبنا وكان فيها البنج فقال إبراهيم: يا قرة عيني كلي من هذا فبكت وقالت: يا إبراهيم أتدري من هذا? قلت: نعم هذا فلان قالت: أنه ابن عمي وكان سابقاً قد حضر ليخطبني من والدي فما رضيت به وهو متوجه إلى البصرة فربما عرف أبي بنا فقلت: يا سيدتي هو لا يصل إلى البصرة حتى نصل نحن إلى مصر ولم يعلما بما هو مخبوء لهما في الغيب فأكلت شيئاً من الحلاوة فما نزلت جوفي حتى ضربت الأرض برأسي فلما كان وقت السحر عطست فخرج البنج من منخاري وفتحت عيني فرأيت نفسي عرياناً مرمياً في الخراب فلطمت على وجهي وقلت في نفسي: إن هذه الحيلة عملها في الصندلاني فسرت لا أدري أين اذهب وما علي سوى سروال.
 


فقمت وتمشيت قليلاً وإذا بالوالي أقبل علي ومعه جماعةً بسيوفٍ ومطارقٍ فخفت فرأيت حماماً خرباً فتواريت فيه فعثرت رجلي في شيءٍ فوضعت يدي عليه فتلوثت بالدم فمسحتها في سروال ولم أعلم ما هو ثم مددت يدي إليه ثانياً فجاءت على قتيلٍ وطلعت رأسه في يدي فرميتها وقلت: لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم ثم دخلت زاوية من زوايا الحمام وإذا بالوالي واقفٌ على باب الحمام وقال: ادخلوا هذا المكان وفتشوه فدخل منهم عشرةٌ بالمشاعل فمن خوفي دخلت وراء حائطٍ فتأملت تلك المقتول فرأيتها صبية ووجهها كالبدر ورأسها في ناحيةٍ وجثتها في ناحيةٍ وعليها ثياب ثمينة فلما رأيتها وقعت الرجفة في قلبي ودخل الوالي وقال: فتشوا واجهات الحمام فدخلوا الموضع الذي أنا فيه فنظرني رجلٌ منهم فجاءني وبيده سكين طولها نصف ذراعٍ فلما قرب مني قال: سبحان الله خالق هذا الوجه الحسن يا غلام من أين أنت? ثم أخذ بيدي وقال: يا غلام لأي شيءٍ قتلت هذه المقتولة? فقلت: والله ما قتلتها وما أعرف من قتلها وما دخلت هذا المكان إلا فزعاً منكم وأخبرته بقصتي وقلت له: بالله عليك لا تظلمني فأني مشغولٌ بنفسي فأخذني وقدمني إلى الوالي فلما رأى على يدي أثر الدم قال: هذا لا يحتاج إلى بينة فاضربوا عنقه.
وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة السابعة والخمسين بعد التسعمائة

قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن ابن الخصيب قال: فلما قدموني للوالي ورأى على يدي أثر الدم قال: هذا ما يحتاج إلى بينة فاضربوا عنقه فلما سمعت هذا الكلام بكاءً شديداً وجرت مني دموع العين وأنشدت هذين البيتين:
مشيناها خطى كتبت علـينـاومن كتبت عليه خطى مشاها
ومن كانت منـيتـه بـأرضٍفليس يموت في أرضٍ سواها
ثم شهقت شقهةً فوقعت مغشياً علي فرق لي قلب الجلاد وقال: والله هذا وجه من لا يقتل فقال الوالي: اضربوا عنقه فأجلسوني في نطع الدم وشدوا علي عيني غطاء وأخذ السياف سيفه واستأذن الوالي وأراد أن يضرب عنقي فصحت: وأغربتاه وإذا الخيل قد أقبلت وقائلٌ يقول: دعوه أمنع يدك يا سياف، وكان لذلك سبباً عجيباً وأمراً غريباً وهو أن الخصيب صاحب مصر كان قد أرسل حاجبه إلى الخليفة هارون الرشيد ومعه هدايا وتحف وصحبته كتاب يذكر له فيه: أن ولدي قد فقد منذ سنة وقد سمعت أنه ببغداد، والمقصود من إنعام خليفة الله أن يفحص عن خبره ويجتهد في طلبه ويرسل إلي مع الحاجب. فلما قرأ الخليفة الكتاب أمر الوالي أن يبحث عن حقيقة خبره فلم يزل الوالي والخليفة يسألان عنه حتى قيل له أنه بالبصرة وأمره أن يسافر إلى البصرة ويأخذ معه جماعةً من أتباع الوزير في حرص الحاجب فلما رأى الوالي الحاجب وعرفه ترجل إليه فقال له الحاجب: ما هذا الغلام وما شأنه? فأخبره بالخبر الحاجب والحال أنه لم يعرف أنه ابن السلطان إن وجه هذا الغلام وجه من لا يقتل وأمره بحل وثاقه فحله فقال: قدمه إلي، فقدمه إليه وكأن ذهب جماله من شدة الأهوال فقال له الحاجب: أخبرني بقضيتك يا غلام وما شأن هذه المقتولة معك?  

فلما نظر إبراهيم إلى الحاجب عرفه فقال له: ويلك أما تعرفني? أما أنا إبراهيم ابن سيدك فلعلك جئت في طلبي فأمعن الحاجب فيه النظر فعرفه غاية المعرفة فلما عرفه انكب على أقدامه فلما رأى الوالي ما حصل من الحاجب اصفر لونه فقال له الحاجب: ويلك يا جبار هل كان مرادك أن تقتل ابن سيدي الخصيب صاحب مصر? فقبل الوالي ذيل الحاجب وقال له: يا مولاي من أين أعرفه وإنما رأيناه على هذه الصفة ورأينا الضبية مقتولة بجبانة فقال: ويلك أنك لا تصلح للولاية هذا غلام له من العمر خمسة عشر عاماً وما قتل عصفوراً فكيف يقتل قتيلاً? هلا أمهلته وسألته عن حاله، ثم قال الحاجب والوالي: فتشوا على قاتل الصبية فدخلوا الحمام ثانياً فرأوا قاتلها فأخذوه وأتوا به الوالي فأرسله دار الخلافة وأعلم الخليفة بما جرى فأمر الرشيد بقتل قاتل الصبية ثم أمر بإحضار ابن الخصيب فلما تمثل بين يديه تبسم الرشيد في وجهه وقال له: أخبرني بقضيتك وما جرى لك? فحدثه بحديثه من أوله إلى أخره فعظم ذلك عنده فنادى مسرور السياف وقال: اذهب في هذه الساعة وأهجم على دار أبي القاسم الصندلاني وائتني به وبالصبية فمضى من ساعته وهجم على داره فرأى الصبية في وثاقٍ من شعرها وهي في حالة التلف فحلها مسرور وأتى بها وبالصندلاني فلما رآها الرشيد تعجب من جمالها ثم التفت إلى الصندلاني وقال: خذوه واقطعوا يديه اللتين ضرب بهما هذه الصبية واصلبوه وسلموا أمواله وأملاكه إلى إبراهيم ففعلوا ذلك فبينما هم كذلك وإذا بأبي الليث عامل البصرة والد السيدة جميلة قد أقبل عليهم يستغيث بالخليفة من إبراهيم بن الخصيب صاحب مصر ويشكوا إليه أنه أخذ ابنته فقال له الرشيد أنه كان سبباً في خلاصها من العذاب والقتل وأمر بإحضار ابن الخصيب فلما حضر قال أبي الليث: ألا ترضى أن يكون هذا الغلام ابن السلطان مصر بعلاً لابنتك فقال سمعاً وطاعةً لله ولك يا أمير المؤمنين فدعا الخليفة بالقاضي والشهود وزوج الصبية بإبراهيم ابن الخصيب ووهب له جميع أموال الصندلاني وجهزه إلى بلاده وعاش معها في أتم سرور وفي حبور إلى أن أتاهم هازم اللذات ومفرق الجماعات فسبحان الحي الذي لا يموت.