هنا عشت و من هذا الطريق سلكت و لأنها الحياة رحلت

الاثنين، 6 سبتمبر، 2010

: تاريخ الأدب الأندلسي (عصر الطوائف والمرابطين) المؤلف : إحسان عباس _ نظرة أخلاقية في الحكم على فنون الشعر 3


خاصة - والثاني: نظرة أخلاقية في الحكم على فنون الشعر.
ويمثل ابن بسام هذين العنصرين ويزيد عليهما عناصر أخرى تطبيقية. فالفكرة التي قام عليها كتاب " الذخيرة " هي إفهام الأندلسيين ان لديهم موروثا يستحق ان يعتزوا به ويفاخروا سواهم. ولأول مرة نسمع ناقدا أندلسياً يندد بأهل بلده لأنهم ينظرون إلى المشرق نظرة تقليد: " إلا أن أهل هذا الأفق أبوا إلا متابعة أهل الشرق، يرجون إلى أخبارهم المعتادة، رجوع الحديث إلى قتادة، حتى لو نعق بتلك الآفاق غراب، أو طن بأقصى الشام والعراق ذباب، لجثوا على هذا صنما، وتلوا ذلك كتابا محكما. وأخبارهم الباهرة وأشعارهم الثائرة مرمى القصية، ومناخ الرذية، لا يعمر بها خلد، ولا يصرف فيها لسان ولا يد، فغاظني منهم ذلك، وأنفت مما هنالك، وأخذت نفسي بجمع ما وجدت من حسنات دهري، وتتبع محاسن أهل بلدي وعصري، غيره لهذا الأفق الغريب ان تعود بدوره أهله، وتصبح بحاره ثمادا مضمحلة " (1) .
وقد وقع ابن بسام عند التطبيق في خطأين: أولهما انه بعد ان عاب التقليد في أهل بلده عاد في أثناء كتابه يعرض أشعارهم وأساليبهم ومعانيهم في نثرهم على أشعار المشارقة وكتابتهم، ليدل على الأخذ والمحاكاة فكان يثبت لديهم مظاهر التقليد فيما هو يحاول أن يبرز ما لديهم من طارف جديد. والخطأ الثاني كامن في أساس نظرته النفسية إلى الشعر، فهو يجهد نفسه في الاختيار والتقليب بينا هو يرى ان الشعر: " جده تمويه وتخيل، وهزلة تدليه وتضليل، وحقائق العلوم اولى بنا من أباطيل المنثور والمنظوم " (2) .
__________
(1) الذخيرة 1/1: 2.
(2) المصدر نفسه 1/1: 7.
ويقف ابن بسام في وصف الدعوة الخلقية التي نادى بها ابن حزم ؟سواء أكان تأثره به مباشرا أو غير مباشر - وذلك حين يحاول ان يخلي كتابه من الهجاء: " ولما صنت كتابي هذا عن شين الهجاء، وأكبرته أن يكون ميدانا للسفهاء، أجريت هاهنا طرفا من ملح التعريض " . ثم قسم ابن بسام الهجاء في قسمين: قسم يسمى هجو الاشراف، وهو ما لم يبلغ أن يكون سبابا مقذعا، ولا هجرا مستسشعا، والقسم الثاني هو السباب الذي أحدثه جرير وطبقته، وقد آثر ابن بسام أن يورد أمثلة من النوع الأول (1) ولكن تجنب ابن بسام لإيراد الهجاء في كتابه أمر نظري، إذ أن طبيعة بعض الأشعار والحكايات المتصلة بها لا تمكنه من أن يبر بوعده تماما. ومن الطريف أن التعفف عن الهجاء وجد طريقه إلى الشاعر لا إلى الناقد فحسب، فصدف عنه ابن خفاجة وابن حمديس، ومهما نقل بعجز الشاعر عن مزاولة هذا الفن بد من أن نجد له أساسا دينيا في نفسه، أما لدى ناقد يؤرخ أدب عصره مثل ابن بسام فقد نفترض عاملا آخر في إقصاء الهجاء، وذلك هو حرص الناقد على المواضعات والعلاقات الاجتماعية وهو يؤرخ للأحياء من معاصريه.
غير أننا نجد قوة العامل الديني لدى ابن بسام في موضع آخر وهو مقته لمعاني الإلحاد في الشعر وحملته على بعض الشعراء الذين يتفلسفون في افكارهم، أو يستعملون المصطلح الفلسفي، فعندما أورد قصيدة للسميسر جاء فيها:
يا ليتنا لم نكُ من آدم ... أورطنا في شبه الأسر
ان كان قد أخرجه ذنبه ... فما لنا نشرك في الأمر
__________
(1) المصدر نفسه ½: 61 - 63.
حمل عليه بشدة وقال: والسميسر في هذا الكلام ممن اخذ الغلو بالتقليد، ونادى الحكمة من مكان بعيد، صرح عن ضيق بصيرته، ونشر مطوي سيرته، في غير معنى بديع، ولا لفظ مطبوع، ولعله أراد أن يتبع أبا العلاء، فيما كان ينظمه من سخيف الآراء، وهبة ساواه في قصر باعه وضيق ذراعه. اين هو من حسن إبداعه ولطف اختراعه؟ (1) .
وأورد أبياتاً فلسفية لأبي عامر بن نوار الشتريني يقول فيها:
يا لقومي دفنوني ومضوا ... وبنوا في الطين فوقي ما بنوا
ليت شعري إذ رأوني ميتا ... وبكوني أي جزأي بكوا
ما أراهم ندبوا في سوى ... " فرقة التأليف " إن كانوا دروا فشفعها بهذا التعليق: " وهذا معنى فلسفي، قلما عرج عليه عربي، وإنما فزع إليه المحدثون من الشعراء، حين ضاق عنهم منهج الصواب، وعدموا رونق كلام الاعراب، فاستراحوا إلى هذا الهذيان، استراحة الجبان، إلى تنقص أقرانه، واستجادة سيفه وسنانه. وقد قال بعض أهل النقد: انه عيب في الشعر والنثر أن يأتي الشاعر أو الكاتب بكلمة من كلام الأطباء، أو بألفاظ الفلاسفة القدماء، وأني لأعجب من أبي الطيب على سعة نفسه، وذكاء قبسه، فأنه أطال قرع هذا الباب، والتمرس بهذه الأسباب، وكذلك المعري: كثر به انتزاعه، وطال إليه إيضاعه، حتى قال فيه أعداؤه وأشياعه، وحسبك من شر سماعه، وإلى الله مآله، وعليه سؤاله " . ثم نقل في أثر ذلك أبياتاً لأبي غسان المتطبب وقال:
__________
(1) الذخيرة ½: 378.
" وهذا كلام من الإلحاد، على غاية الاضمحلال والفساد (1) "
ويلحق بهذه النزعة الدينية سخط ابن بسام على الشعر حين يبتعد به صاحبه عن " الصدق " الواقعي، فقد أورد أبياتاً لأبي بكر الداني يتحدث فيها الشاعر عن تضحية ممدوحه في سبيل الدين:
في نصرة الدين لا أعدمت نصرته ... تلقى النصارى بما تلقى فتنخدع
تنيلها نعما في طيها نقم ... سيستضر بها من كان ينتفع أي أن الممدوح يدفع الجزية للروم من اجل نصرة الدين فيخدعهم بها ويطيعهم اياها في شكل نعمة وهي في حقيقتها نقمة عليهم. فيثور ابن بسام لهذا الادعاء الفاجر ويقول: " وهذا مدح غرور، وشاهد زور، وملق معتف سائل، وخديعة طالب نائل، وهيهات! بل حلت الفاقرة بعد بجماعتهم، حين أيقن النصارى بضعف المنن، وقويت أطماعهم بافتتاح المدن، واضطرت في كل جهة نارهم، ورويت من دماء المسلمين أسنتهم وشفارهم " (2) .
لذلك نرى في ابن بسام ناقدا يسلك محجة المحافظة والتمسك بالمقاييس الموضوعة، فهو يأبى أن يدرج الموشحات في كتابه، وينفر من الاستعارات البعيدة لدى شعراء عصره: " كيف لو سمع الصاحب استعارات أهل وقتنا، كقول المهدوي ابن الطلاء: " بقراط حسنك لا يرثي على عللي " وقول حسان بن المصيصي:
إذا كانت جفانك من لجين ... فلا شك الغنى فيها ثريد
__________
(1) الذخيرة - القسم الثاني (المخطوط): 295 - 196.
(2) المصدر نفسه: 102.
وقد قدح أهل النقد في المتنبي بخروجه في الاستعارة إلى حيز البعد كقوله:
مسرة في قلوب الطيب مفرقها ... وحسرة في قلوب البيض واليلب (1) وهو يحس معنى الشذوذ في الجمع بين التعزية والمدح الكثير للمغزى فيقول: " وليس من عادة أئمة الشعراء المقتدى بها الإكثار من مدح المعزى في تأبين حميمه المتوفى، وإنما يلمون به إلماماً بعد التوفر على ندبة ميته والإشباع في ذكر ما فقد من خصاله، ثم الكر على تستكين جأشه، وحضه على التعزي اتقاء لربه ؟ هذه طريقة قدماء الشعراء " (2) .
ويتكئ ابن بسام في اكثر نقده على إظهار اطلاعه في ميدان الشعر، ولذلك تجده يرد المعاني إلى أصولها، ويحسن استكشاف الأخذ والسرقة مهما تكن دقيقة، ولا يزال يعتقد ؟مع ابن شهيد - أن أفضل ضروب الأخذ ما غير فيه الشاعر الآخذ القافية والروي بحيث يخفى معناه (3) . ويستحق الشاعر لديه الثناء الكثير إذا وقع له بيت أحسن توليده ؟أورد بيتا لحسان بن المصيصي ثم قال: " وهذا البيت لحسان من حسنات شعره، وأبين آيات ذكره، فيه توليد، شهد انه شاعر مجيد " (4) . وله على بعض الأبيات تعليقات فذة، فمن ذلك قوله معلقا على بيت لشاعر يصف فيه قصيدته التي قدمها للممدوح:
عليك أبا عبد الإله خلعتها ... لها البدر طوق والنجوم غلائل
وما هي الا الدهر في طول عمرها ... وإن لم يكن فيها الضحى والأصائل
__________
(1) الذخيرة ½: 335 - 336.
(2) الذخيرة ½: 318.
(3) الذخيرة 1/1: 276.
(4) الذخيرة - القسم الثاني (المخطوط): 76.
" فيا لهذا البيت ما أحسن مذهبه، وأبدع مثواه ومنقلبه، إلا إنه أتى بالدهر مسلوب الضحى والأصائل، فلم يزد على أن جلاه في زي عاطل، وأبرزه في مسوح شوهاء ثاكل، وليت شعري أي شيء أبقى للدهر المطلوم، بعد صحاه الناصعة الأديم، وآصاله المعتلة النسيم، هل بقي إلا ليله الأسود الجلباب، وهجيره السائل اللعاب! ولو قال لممدوحه: وتلك العلى فيها الضحى والاصائل ، لأبرز قصيدته رفافة البرود شفافة العقود (1) " .
وأثنى على قصيدة لأبي الحسن بن اليسع فدل على المقياس العام الذي يحكم به على الشعر إذ قال: " وهذا رداء الديباج الخسرواني، ورونق العصب اليماني، ولمثله فلتنشرح الصدور، ويتشوف السرور، ويذعن المنظوم والمنثور، ألا ترى ما آنق استعاراته وأرشق إشاراته، وأقدره على الإتيان بالتشبيه دون أداته (2) " .
وفي كل خطوة نحس أن ابن بسام يأخذ بأسباب الإنصاف محققا بذلك قوله في المقدمة: " وما قصدت به، علم الله، الطعن على فاضل ولا التعصب على قائل " (3) كما انه يصرف اهتمامه إلى ناحيتين، بشكل خاص، هم: البديع " الذي هو قيم الأشعار وقوامها، وبه يعرف تفاضلها وتباينها " (4) والوقوف عند مظاهر البديهة والارتجال " فهي نحوي في هذا المجموع الذي انتحيت، وطلقي الذي إليه جريت " (5) ، وانا لنشهد إنصافه
__________
(1) المصدر السابق نفسه: 253.
(2) الذخيرة ½: 320 - 321.
(3) الذخيرة 1/1: 5.
(4) الذخيرة 1/1: 6.
(5) الذخيرة 4/1: 3.
ودقة حكمه حين أورد أمثلة من بدائه المشارقة وشفعها بمرتجلات للأندلسيين ثم أكد " أن البديه والارتجال في هذه الأشعار الأندلسية لم يلحق بالأشعار المشرقية، ولا فيها كبير طائل " (1) .
ولسنا نستطيع أن نحدد عند غير ابن بسام ؟ على قصور في آرائه جملة - " موقفا " نقديا ذا شمول إلا أن ابن خفاجة كان أوضح الشعراء مذهبا قي النقد حين وقف يدافع عن مذهبه الشعري؛ فهو يقرر أن الشعر، وأن جوده صاحبه، منقسم في طرفين ووسط، وأن كلال الشاعر يظهر في الطرف الثاني أي خاتمة القصيدة. ويقول: " والشعر يأتلف من معنى ولفظ وعروض وحرف روي، فقد يتعاصى في بعض الأمكنة جزء من هذه الأجزاء أو أكثر، فطورا ينظم البيت وآونة ينثر " (2) . ويرى ابن خفاجة أن الشعر، جيدا كان أم رديئا، يجد من يطعن عليه، سواء أكان الطاعن منصفا أو متحيفا. ويذكر أن في بلده ناسا ليس لديهم مقياس نقدي سوى مقياس " الجزالة " ، وأنهم يستعملون هذا المقياس وحده في كل موضوع مدحا كان أو غزلا أو مجونا، ويدافع ابن خفاجة عن الرقة التي استمدها من محاكاة عبد المحسن الصوري والشريف الرضي ومهيار الديلمي، كما يقر بأنه حاكى أبا الطيب في بعض شعره، إلا أن له أشعاراً أخرى أصيلة ساقها على غير مثال.
ويحاول في بعض المواقف أن يشير إلى المصدر الذي استقى منه هذا المعنى أو ذاك فيقول ان قوله: " ونزلت اعتنق الأراك مسلما " ينظر إلى قول أبي الطيب:
نزلنا عن الاكوار نمشي كرامة ... لمن بان عنه ان نلم به ركبا
__________
(1) المصدر السابق نفسه.
(2) ديوان ابن خفاجة: 9.
وينتقد لفظة " من " في بيت المتنبي، ويتعذر عنه بأنه كان يحفل بالمعنى ولا يبالي بالألفاظ، ويخشى ان يظن ظان انه يفضل نفسه على المتنبي فيستدرك قائلا: " وربما حمل علينا حامل فقال ان هذا الرجل يتعاطى رتبة في الشعر فوق رتبة المتنبي، وليس الأمر كذلك، لأنه لم يعترضه في جملة شعره وإنما اعترضه في لفظة، وهذا ليس بمستنكر ولا مستكبر " (1) ويبدو لنا أن ابن خفاجة شديد الإحساس بما يتطلبه نقاد عصره، فهو لا يكاد يأخذ في الرقة حتى يتلافاها: " بأوصاف الجزالة وألفاظ البسالة والجلالة، تلافيا أرسى قواعدها، وقوى معاقدها " (2) .
تلك صورة مجملة لما تيسره المصادر عن حياة النقد الأدبي في هذا العصر الذي نؤرخه، ومنها يتبدى لنا أن النقد الأندلسي لم يستقل بكيان واضح، شأنه في ذلك شأن النقد في العصر السابق، وأن المسؤول عن ضعفه انحياز مؤرخي الأدب إلى جانب المقامة في إظهار براعتهم الأسلوبية، وتأثره بالقواعد الأخلاقية والدينية وثورته على الإلحاد والفلسفة واللفظة " غير الشعرية " . وما يزال هذا النقد يدور حول تعميم الأحكام أو معالجة البيت الواحد بل اللفظة الواحدة، ولكنه ؟على أي حال - اعتمد بعض مصطلحات جديدة ووضح موقفه من المقاييس المعتمدة، فأنكر الاستعارات البعيدة وأعلى من قيمة البديع ومن عمل البديهة، وحاول ان يترسم الموروث. ووقع في صراع مع تعميم مقياس واحد كالجزالة أريد فرضه على كل موضوع شعري.
__________
(1) ديوان ابن خفاجة: 285.
(2) المصدر نفسه: 296.
دراسة مظاهر التطور الأدبي
نظرة عامة:
شهد الأدب في هذا العصر تطورا واسعا من نواحيه المختلفة، حتى ليصح القول بأن صور الأدب الأندلسي في عهد الطوائف والمرابطين، قد اكتملت أو كادت، وبلغت مرحلة من التطور لا بد لها بعدها من جنوح أو هبوط أو جمود. فقد اتسع النطاق المكاني لهذا الأدب وتعددت أسماء الأدباء الذين يستوقفون الدارس الأدبي، وبعد أن كانت قرطبة من قبل هي الدائرة الكبرى التي ينجذب إليها الأدباء من شتى النواحي، تكاثرت المراكز الأدبية، وكثر الممدوحون وحماة الأدب ورعاته، وكثرت دواوين الإنشاء، وتعدد الوزراء الكتاب الشعراء، وأصبحت المنافسة أشد وأقوى. على أنا يجب أن نحذر في هذا المقام من الخلط بين النوع والكم في حال الأدب حينئذ، فتلك الزيادة المستفيضة في كميته لم يلازمها اطراد في جودة النوع. وقد نفينا من قبل أن تكون الجودة وليدة التشجيع " الرسمي " وحده، بل لعل التطور الطبيعي للأدب، إنما تم
تحت وطأة الظروف المحلية والمؤثرات الخارجية على نحو لا يحتاج إلا قليلا من التشجيع، فالحركة الطبيعية في لتطور هي رائدنا في تقدير ما بقي لدينا من أدب ذلك العصر، وإبراز معالم الجدة أو التغير هو سبيلنا إلى دراسة ذلك التطور، وهذا يعني أننا قد نقف في الأكثر عند المعالم الجديدة أو الأخرى التي أصابها ضرب من التحول بأكثر من وقوفنا عند العناصر الثابتة التي يعتورها تبدل أو تجدد.
- 1 -
التطور في الشكل
أو
الصراع بين طريقة العرب وطريقة المحدثين
حاولت في كتاب سابق أن أترسم حال المذهب الأدبي العام بين ما سماه الأندلسيون طريقة المحدثين وما سموه طريقة العرب، وبينت كيق أن التنافس اشتد بين المذهبين، وبخاصة بعد أن كثر تلامذة القالي في الأندلس، وكان من ثمرات ذلك التنافس أن شهد هذا العصر الذي أؤرخه هنا اشتداد مذهب العرب في مبنى الشعر وموضوعه. ويقوم مذهب العرب من حيث مبناه على قاعدتين هامتين تتصلان بموسيقاه العامة وهما: الجزالة وشدة التدفق؛ ومن ثم نفهم قول ابن بسام إن أكثر أهل وقته وجمهور
شعراء عصره يذهبون إلى طريقة ابن هانيء وعلى قالبه يضربون (1) فليست تعدو طريقة ابن هانيء ؟من حيث المبني - الركنين المذكورين من جزالة وتدفق. على أنه إن كانت طريقة ابن هانيء مشمولة بجلبة لفظية عامة حتى شبه المعري شعره برحى تطحن قرونا، فليس معنى ذلك أن اجتماع الجزالة والتدفق يفترض دائما ان تكون الموسيقى المدوية جوفاء ليس وراءها طائل كثير. وقد استطاعت طريقة العرب أن تمسح عن اكثر الشعر الأندلسي ما وجدناه ؟من قبل - من خشونة في التركيب ناجمة عن عدم خلوص التعبير من اصطناع التقليد المباشر، كما أنها أكسبت الشعر الجديد خشونة الموضوع البدوي، مما قد لا يتلاءم وطبيعة الاتجاه الحضاري الذي كانت الأندلس آخذة بأسبابه، ولكن الشعر في هذا المجال يمثل جانبا من الثورة على الإغراق في الحضارة، فإذا لم نعد ذلك ثورة صريحة عددنا تكاملا لا بد منه من أجل خلق التعادل بين منحيين متطرفين.
ولنا أن نعزو هذا الاتجاه إلى طبيعة الدراسات التي جنحت إليها مدرسة القالي، وهذا يتجلى بوضوح من مراجعة الكتب التي اهتمت بتدريسها وشرحها وتقريبها للطلبة، وكلها من النوع الذي يقدم نماذج من طريقة العرب أو نماذج تحتذيها. هذا الاعلم الشنتمري شرح الأشعار الستة، وشرح أبو عبيد البكري أمالي القالي نفسها، وتوفر البكري وغيره على شرح الأمثال، واخذ ابن السيد البطليموسي إلى جانب شروحه اللغوية بشرح سقط الزند لأبي العلاء وديوان المتنبي. وقد كانت هذه الشروح تقريرا لطريقة العرب في الشعر.
وكان أن خضع الشعر نفسه لقوة مؤثر خارجي جديد تمثل في ديوان
__________
(1) الذخيرة - القسم الثاني (المخطوط): 306.
المتنبي وشعر المعري، وهما اللذان ارتدا إلى المعين البدوي ومزجا ما اغترفا منه بالتجربة العميقة والآراء الفلسفية، فكان ما حققاه في هذا المجال تجديدا من داخل المحافظة على الشكل القديم. وكان لهذين الأديبين مكانة سامية في نفوس الأندلسيين في هذا العصر الذي أؤرخه. ومن تصفح الذخيرة لابن بسام استطاع أن يرى مدى اتكاء الشعراء الأندلسيين في توليد المعاني على هذين الشاعرين، فأما معارضة قصائدهما فشيء واضح للعيان. وقد أصبحت معارضة المتنبي محكما للجودة عند الأندلسيين منذ أيام ابن شهيد وظلت كذلك حتى عهود متأخرة، حتى أن ابن شرف طلب في مجلس المأمون ابن ذي النون أن يشير المأمون إلى أي قصيدة شاء من شعر أبي الطيب ليعارضه بقصيدة " تنسي اسمه وتعفي رسمه، فتثاقل ابن ذي النون عن جوابه، علما بضيق جنابه، وإشفاقا من فضيحته وانتشا به " ولكنه بعد إلحاح طلب إليه أن يعارض: " لعينيك ما يلقى الفؤاد وما لقي " - وفيها البيت:
إذا شاء أن يلهو بلحية أحمق ... أراه غباري ثم قال له الحق (1) والقصة تروى أيضا بمثل هذا النحو في المشرق، ولا يبعد أن تكون البيئة الأندلسية هي مصدرها فإن مكانة المتنبي في الأندلس لم تكن لتقل عنها في المشرق.
وأشد الشعراء الأندلسيين نسجا على طريقة المتنبي في السياق والبناء مع استقلال غير ضئيل في العناصر الذاتية: أحدهما هو عبد المجيد ابن عبدون الذي عاش في كنف المتوكل صاحب بطليموس، بعد أن حاول الحظوة لدى المعتمد بن عباد، فلم يجد لديه قبولا، فلما انتهى
__________
(1) الذخيرة 4/1: 14.
عهد الطوائف قضى بقية حياته ببلده يابرة (1) .
فمن شعره الذي يذكر بطريقة أبي الطيب:
هيهات لا أبتغي منكم هوى بهوى ... حسبي أكون محبا غير محبوب
فما أراح لذكرى غير عالية ... ولا ألذ بحب دون تعذيب
ولا أصالح أيامي على دخن ... ليس النفاق إلى خلقي بمنسوب
يا دهر أن توسع الأحرار مظلمة ... فاستثني إن غيلي غير مقروب
ولا تخل أنني ألقاك منفردا ... إن القناعة جيش غير مغلوب ذلك إنه يبنيه على القوة، ويستأنف بعد قطع الكلام بإرسال الحكمة والمثل، إلا أنه قد يخالف المتنبي في فلسفته إذ يقول: " ولا ألذ بحب دون تعذيب " ، كما يخالفه ويبتعد عن طريقه في قوله: " إن القناعة جيش غير مغلوب " ، ولكن السياق العام في القصيدة فيه احتذاء شديد لأبي الطيب.
ومن نغماته التي يعيد فيها بعض التدفق في أسلوب المتنبي قوله (2) :
فما أبقوا ولا هموا ببقيا ... ونقل الطبع ليس بمستطاع
فلو سقت السماء الشري أريا ... لما احلولت مراعيه لراع
بدهر ضاعت الأحساب فيه ... ضياع الرأي في السر المذاع
فبعتهم بتاتا لا بثنيا ... ولا شرط ولا درك ارتجاع
ولم أجعل قرابي غير بيتي ... وحسبي ما تقدم من قراع
__________
(1) الذخيرة - القسم الثاني (المخطوط): 265.
(2) المصدر نفسه: 282.
والفرق بينه وبين أبي الطيب ليس في النغمة العامة، وإنما في ان فلسفة تقوم على قوة نفسية مستمدة من الزهد في الناس ومن القناعة وليس هذا من مذهب المتنبي.
وإذا كان ابن عبدون يترسم مبنى المتنبي وحده دون فلسفته فان ابن وهبون يترسم الاثنين معا في مثل قوله (1) :
وإني لفي دهر قرائس أسده ... سدى عبثت فيها نيوب كلاب
أتخفى على الأيام غر مناقبي ... وقد بز شأوي شأو كل نقاب
ويركبني رسم الخمول وقد غدت ... خصال العلا والمجد طوع ركابي
سأرقى بهماتي قصارى مراتبي ... وإن كان أدناها يطيل طلابي
لتعلم أطراف الأسنة أنني ... كفيل لها عند الصدا بشراب
وتشهد أطراف اليراعات أنني ... بهن مصيب فصل كل خطاب
وليس نديمي غير أبيض صارم ... وليس سميري غير شخص كتابي
مضمخة لا بالمخلوق أناملي ... مزعفرة بابعير حرابي
ولكن بنفح بخجل الروض زاهرا ... ولكن بدعس في كلى ورقاب
ومن لم يخضب رمحه في عداته ... تساوت به في الحي ذات خضاب
ومن لم يحل السيف من بهم العدا ... تحلى بخزي في الحياة وعاب
إذا ورق الفولاذ هز تساقطت ... ثمار حتوف أو ثمار رقاب
ومن يتخذ غير الحسام مخالبا ... فما هو إلا وارد بسراب
ومن غره من ذا الأنام تبسم ... فبالعقل قد أضحى أحق مصاب
__________
(1) المصدر نفسه: 203.
ولا ريب في أن عبد الجليل أقل عنفا من المتنبي، ولكن حديثه عن أطراف الأسنة وعن صديقيه الحسام والكتاب وعن المخدوعين بالتبسم إنما هو ترديد لمعاني أبي الطيب، أو إن شئت فقل إنه يرى انعكاس صورة أبي الطيب في مرآة أبي فراس الحمداني.
وأما أثر العلاء فواضح كل الوضوح في الاتجاه الفلسفي العام ؟الذي سأتحدث عنه في موضعه - ولكن الأندلسيين أنفسهم يشهدون بمدى إقبالهم على شعره ونثره ومعارضتهما. ولنقف مرة أخرى عند محمد ابن عبد الغفور الكلاعي الذي أورد في كتابه " أحكام صفة الكلام " ثبثا بأسماء ما كان يتداوله الأندلسيون من كتب أبي العلاء. فيحدثنا ابن عبد الغفور كيف اجتمع وصديقا له في بعض المجالس، وأخذا في ضروب الفصاحة فاتهمه صاحبه بأنه لا يعرف كيف يكتب في السلطانيات، فحمله ذلك علي تأليف كتاب على مثال " السجع السلطاني " لأبي العلاء. وكيف تذاكر هو وصاحبه ما لأبي العلاء من تواليف بديعة فقال صاحبه أن ابا العلاء لا يجارى ولا يبارى ولا يعارض في واحد منها، فأحب ابن عبد الغفور ان يثبت تفوقه فكتب رسالة " الساجعة والغربيب " معارضة لرسالة " الصاهل والشاحج " لأبي العلاء، ثم عارضه بتأليف سماه " ثمرة الألباب " مضاهيا بذلك " سقط الزند " ، وعرضه في خطبة كتاب الفصيح وهذا جهد معجب واحد من المعجبين بأبي العلاء وهناك آخرون غيره منهم ابن الخصال الذي عارضه في ملتقى السبيل، والسرقسطي الذي تأثر خطاه في المقامات فبناها على لزوم ما لا يلزم، وتأثره ابن خفاجة من حيث الشكل حين استعمل اللزوم في شعره. وليس من السهل ان نمثل على تأثر الأندلسيين بالمبنى الشعري عند ابي العلاء فأن سقط الزند الذي استأثر باهتمامهم فيه الشيء من اثر المتنبي نفسه.
ولكن ليس من العسير أن نمثل على الجو البدوي العام الذي اخذ يتنفس فيه الشعر الأندلسي في ذلك العهد، ذلك لأنا نجد أمثلته حاضرة عند كثيرين من الشعراء، وبخاصة في مقدمات المدائح، فمن ذلك قول ابن حصن أحد شعراء المعتضد (1) :
ما هاج برج الهوى إلا مطوقة ... كأنها من نحول شفها جيم
أيا حمامة ذا الوادي أثرت جوى ... تنقض منقدة منه الحيازيم
إن لا يكن واديا حلت ركابهم ... به فما وإلا فما واديك مأموم
نغشى بهن بنات الوخد سابحة ... تهوي وقد هم بالمسار تهويم يقيم سرى الليل تأويب النهار وللهجير من لهب الرمضاء تضريم ... والآل عند هيام القيظ مضطرب كأنه في بساط القاع محموم ...
يزاحم الليل والخرقاء موضعه ... والقفز مثل طراد السيف ديموم
مرقته وثرياه تلوح كما ... لاحت بأنمل زنجي حواتيم ومن شعر يحيى بن بقي وهو يصف رحلته إلى الممدوح على ناقة ينقل لنا جوا صحراويا في نغمة جزلة بدوية (2) :
أوضعت بي إليه وجناء حرف ... أكلتها السفار أكل القضيم
تترك الريح خلفها وهي حيرى ... بين إيضاعها وبين الرسيم
ظلت أطوي القفار منها بلام ... طبعتها بالميم بغد الميم
فأتته والمرو قد نال منها ... فهي تخطو على وظيف رثيم
__________
(1) الذخيرة - القسم الثاني (المخطوط) : 76.
(2) المصدر نفسه: 252.
وقليلا تمتعت في الفيافي ... بسنام كالعارض المركوم
فأنخنا إلى فناء جواد ... ماله نهبة لكل عديم ومن شعر عبد الرحمن بن مقانا الأشبوني قصيدة افتتحها بوصف الأطلال والأماكن المشرقية (1) :
لمن طلل دارس باللوى ... كحاشية البرد أو كالردا
رماد ونؤي ككحل العروس ... ورسم كجسم براه الهوى
غدا موسما لوفود البلى ... وراح مراحا لسرب المها
عجبت لطيف خيال سرى ... من السدر أنى إلي اهتدى
وكيف تجاوز جوز الحجاز ... وجوز الخميس وسدر المنى
ولم يثنه حر نار الضلوع ... وبحر الدموع وريح النوى
نذكر ايامنا بالعقيق ... وليلتنا بهضاب الحمى ولابن البين قصيدة يذكر فيها شيئا من هذا الجو البدوي الحافل بالغزلان ورحلة الجمال (2) :
أفي كلل الأضعان غزلان رملة ... أم احتملت فيها جاذر وجرة
ولما تولت بالجمال جمالهم ... تولى جميل الصبر يوم تولت
بوادي الكرى لاقيتها وهي عاطل ... فأرسلت در العين لما تجلت
إذا نسمت ريح الصبا في جنابها ... ستنكر في سلسالها طعم عبرتي وإذا مضينا في اختيار الأمثلة كثرت وطالت، فحسبنا هذا القدر.
__________
(1) المصدر نفسه: 301.
(2) المصدر نفسه: 317.
وفي بعض تلك القصائد ما يذكرنا بذلك الاتجاه الذي انتحاه الشريف الرضي في قصائد " الحجازيات " تلك القصائد المبنية على نوع من الحنين المبهم مع الإشارة إلى الأماكن البدوية. وقد اقر ابن خفاجة انه نسج بعض قصائده على منوال قصائد الشريف ومهيار، فمما قاله ناظرا إلى الأول (1) :
ألا ليت أنفاس الرياح الرواسم ... يحيين عني واضحات المباسم
ويلثمن ما بين الكثيب إلى الحمى ... مواطئ أخفاف المطي الرواسم
ويرمين أكناف العقيق بنظرة ... تردد في تلك الربى والمعالم
فما أنسه يوما بذي النقا ... أطلنا به للوجد عض الأباهم ومن قوله ناظرا إلى شعر الثاني:
ويا بانة الوادي بمنعرج اللوى ... أتصغي على شطح النوى فأقول
ويا نفحات الريح من بطن لعلع ... ألا جاد من ذاك النسيم بخيل
ويا خيم نجد دون نجد تهامة ... ونجد ووخد للسرى وذميل ويقول ابن خفاجة في التعليق على ذكره لأسماء هذه الأماكن: " وأما اسماء تلك البقاع، وما انقسمت إليه من انقسمت إليه من صفة نجد أو قاع، فإنما جاء بها على أنها خيالات تنصب ومثالات تضرب، تدل على ما يجري مجراها، من غير ان يصرح بذكرها " (2) ، يعني بذلك انه اتخذها رمزا لا حقيقة للإيماء إلى منازل يهواها وأشخاص يوليهم ثقته وحبه
__________
(1) ديوان ابن خفاجة: 14.
(2) ديوان ابن خفاجة: 204
ولم يكن وحده مجالا لهذا الطبع البدوي، بل كان النثر كذلك ميدانا لصورة، وابرز حشد الأمثال في الرسائل على نحو من الإغراق. وما رسالة ابن زيدون الهزلية إلا مثل واحد من عدة أمثلة، كلها يعتمد على إيراد الأمثال الكثيرة.
وإذا كان هذا هو الأثر الذي أصاب المبنى، فأن الأثر البدوي - أو طريقة العرب - لم تقف عند ذلك بل تجاوزته إلى الموضوع، وخاصة موضوع الرثاء، وسنرى حين ندرس معالم التطور في الموضوع مدى ذلك كله. وليس معنى هذا أن طريقة العرب قد طمست ما عداها في الاتجاه الشعري - مبنى وموضوعا - فقد بقيت طريقة المحدثين وعمادها التجديد في الاستعارة - أو الاهتمام بالصورة - واضحة في الشعر، وبخاصة شعر الوصف. وقد حاول ابن خفاجة ان يجمع في القصيدة الوصفية بين التدفق والجزالة من ناحية والصور المحدثة من ناحية أخرى فخرج بضرب من الشعر في الطبيعة، مثقل متزاحم بين الموسيقى القوية والصورة البعيدة. ٍ
- 2 -
التطور في الموضوع
1 - الرثاء:
هو أوضح موضوع تجلد فيه أثار " طريقة العرب " ، وتلك ظاهرة لمحها ابن بسام ووضح رأيه فيها، فقال معلقا على قصيدة لأبي محمد بن عبدون: " وهذه القصيدة طويلة، سلك فيها أبو محمد طريقته في الرثاء
إلى الإشارة والإيماء بمن أباده الحدثان من ملوك الزمان، وقد نسق ذكرهم على توالي أزمانهم؟ واقتفى أبو محمد أثر فحول القدماء من ضربهم الأمثال في التأبين والرثاء بالملوك الأعزة وبالوصول الممتنعة في قلل الجبال والأسود الخادرة في الغياض وبالنسور والعقبان والحيات في طول الأعمار وغير ذلك مما هو في أشعارهم موجود، فأما المحدثون فهم إلى غير ذلك أميل، وربما جروا أيضا على السنن الأولى " (1) . والحق أيضا أن هذه الطريقة قد جرى عليها المعري في نثره وشعره حين كان يرثي أو يعزي، وما رسالته إلى أبي علي بن أبي الرجال يعزيه في ولده أبي الأزهر إلا من هذا النسق؛ ومن أمثلة هذه الطريقة في شعر ابن عبدون:
سلني عن الدهر تسأل غير إمعة ... فألق سمعك واستجمع لأيرادي
نعم هو الدهر ما أبقت غوائله ... على جديس ةلا طسم ولا عاد
ألقت عصاها بنادي مأرب ورمت ... بآل مامة من بيضاء سنداد
وأسلمت للمنايا آل مسلمة ... وعبدت للرزايا آل عباد ومن هذا الضرب قصيدته المشهورة المعروفة بالبسامة وهي التي قالها في رثاء بني الأفطس وسرد فيها مصارع المشهورين من الماضين فقال (2) :
هوت بدار أوفلت طائله ... وكان عضبا على الأملاك ذا أثر
واسترجعت من بني ساسان ما وهبت ... ولم تدع لبني يونان من أثر
واتبعت أختها طمسا وعاد على ... عاد وجرهم منها ناقص المدر
وما أقالت ذوي الهيئات من يمن ... ولا أجارت ذوي الغايات من مضر
__________
(1) الذخيرة ½: 315.
(2) الذخيرة - القسم الثاني (المخطوط): 286.
وقد جاراه أيضا في هذا الاتجاه الشاعر الكفيف أبو جعفر التطيلي، فقال من قصيدة (1) :
وأعلن صرف الدهر لابني نويرة ... بيوم تناء غال كل تداني
وكانا كندماني جذيمة حقبة ... من الدهر لو لم تنصرم لأوان
فهان دم بين الدكادك واللوى ... وما كان في أمثالها بمهان
ومال على عبس وذبيان ميله ... فأودى بمجني عليه وجان
فعوجا على جفر الهباءة واعجبا ... لضيعة أعلاق هناك ثماني وفي أمثال هذا الشعر نحس دائما صوت الرجل " الحكيم " الذي يتمثل العبرة المجسمة في حقيقة الموت ويربط في ذلك بين الماضي والحاضر وربما لم يكن في هذا الاتجاه الشعري شيء من تصوير التأثر الذاتي للحادثة المباشرة وإنما فيه أسى عميق على العظماء من بني الإنسان، فهو بكاء على " العظمة " من خلال تصوير عظمة الموت، رجاء التأسي. ويقترب من هذا الاتجاه نحو آخر تأملي قائم على التفلسف مستوحى أيضاً من أبي العلاء في مثل قصيدته " غير مجد في ملتي واعتقادي " وسنقف عنده أثناء دراسة الاتجاه الفلسفي في هذا العصر.
وليس هذا هو اللون الوحيد من الرثاء بل لعله إلا يكون اللون الغالب، ولكنه ظاهرة موجودة تستدعي الالتفات، وهناك إلى جانب الاتجاه الذي يذهب إلى التهويل في الندب والتفجع ؟دون استحضار العبرة، اتجاه آخر يمثل ما يمكن أن نسميه البكاء على زوال " الرقة
__________
(1) ديوانه، الورقة: 101 - 104 والذخيرة، المصدر السابق: 287 وقلائد العقيان: 274.
والجمال " أن كان النوع الأول يمثل البكاء على " العظمة " .
وغالبا ما يتصل هذا اللون ببكاء " الزوجة " وهو بكاء يمتد من فقد الزوجة بالطلاق إلى فقدانها بالموت، وهو لون ذاتي خالص، يعتمد على ميل أصيل في نفس الشاعر إلى البوح، كأنه ترجمة ذاتية قصيرة، فها هنا يطلق الشاعر الأندلسي للعاطفة - التي قد يتحرج كثير من الناس عن التلويح بها - العنان، فيتحدث عن الجمال وحلاوة العشرة، وعن سهره وحزنه، ويمثل في رثائه وبكائه دور المحب المشغوف، وإذا قدرنا هذا السبب الذاتي في صمبم التركيب النفسي لصاحبه، لم نعدم أن نجد هنا لموقف الشاعر الأندلسي تفسيرات اجتماعية، أثارت هذا اللون من الرثاء على نطاق غير قليل، ومن تلك التفسيرات شعور الأندلسي بقيمة المرأة وتقديره لدورها، وقد مر بنا من قبل كيف ان هذا الشعور قد قوي في أيام المرابطين بسبب من نظامهم الاجتماعي، وأسباب ذلك أيضا ذلك التزلزل الذي أصاب شعور الأندلسي المرهف، وجعله يحس في الفقد لا معنى الفقد المباشر نفسه، بل حاجته إلى سكن يأوي إليه، وتمثل المرأة في حياته هذا السكن على نحو عميق، لأنها كانت ؟في الغالب - تشاركه صعوبات الحياة. ومهما تكن أسباب هذه النزعة العميقة الواضحة فأنها ليست قاصرة على وضع حضاري خاص، وفي شعراء البدو من كرس حياته يبكي زوجته ويتحسر لفقدها (1) ، بل هي نزعة مقرونة بأسبابها الفردية والجماعية في كل بيئة على حدة.
ومن نماذج هذا الشعر في حال الفراق بالطلاق قصيدة لابن هند الداني
__________
(1) يحضرني في هذا المقام شعر نمر العدوان أحد شعراء البادية المحدثين، وكل ما حفظته الأيام من قصائده إنما كان في البكاء على زوجته " وضحا " .
يقول فيها (1) :
أبديت سري مذ كتمت سراك ... وعصيت صبري مذ أطعت هواك
ونشرت أسلاك الدموع معرضا ... أني بحيث سلكت لا أسلاك
أرخيمة الألفاظ، غير رحيمة ... ألدل دلك أم نهاك نهاك
لا در در صباك لاستحلاله ... ما لا يحل ودر در صباك
هبت ضحى فهببت نحو نسيمها ... حتى عرفت بعرفها مثواك
لما أسروا البين أسروا والدجى ... متلفع الأرجاء بالأفلاك
فطفقت أنشدهم وأنشد بعدهم ... " يا دار جادك وابل وسقاك " ويبلغ به وجد المحب حدا بعيدا حين يقول:
هلا بعثت ولو بفرع بشامة ... عند الترحل أو بعود أراك
وقرأت حين قريت ربعك أدمعي ... معنى الجوى والشوق في مغناك والقصيدة نتاج مشكلة اجتماعية، فالشاعر يحب هذه المرأة، ولكن يبدو أنه وقع ضحية يمين، أكد الشهود صدورها عنه، ووافق ذلك هوى في نفس أهلها، فأخذوها منه. والقصة على هذا النحو لا تدل على ان المرأة كانت ؟دائما - ذات رأي في مصير نفسها أو حق في اختيار ما تريد.
أما رثاء المرأة التي يسلبها الموت فلعل صورته الكبرى تتجلى في ديوان كامل من الشعر والموشح نظمه ابن جبير في رثاء زوجه أم المجد، وهذا الشاعر يقع في عصر تال للعصر الذي ندرسه وإنما نذكره ليكون
__________
(1) الذخيرة - القسم الثالث (المخطوط): 281 - 282.
شاهدا واضحا على هذه الظاهرة في الأندلس. أما في عصر الطوائف والمرابطين فنلتقي ثلاثة شعراء وقفوا هذا الموقف الحزين، وأولهم أبو إسحاق الالبيري الشاعر الزاهد في قصيدة له راثية (1) :
عج بالمطي على اليباب الغامر ... وأربع على قبر تضمن ناظري
فستستبين مكانه بضجيعه ... وينم منه عرف العاطر
فلكم تضمن من تقي وتعفف ... وكريم أعراض وعرق طاهر
واقر السلام عليه من ذي لوعة ... صدعته صدعا ما له من جابر
فعساه يسمح لي بوصل في الكرى ... متعاهدا لي بالخيال الزائر
فأعلل القلب العليل بطيفه ... علي أوفيه ولست بغادر
إني لأستحييه وهو مغيب ... في لحده فكأنه كالحاضر
أرعى أذمته وأحفظ عهده ... عندي فما يجري سواه بخاطري
إن كان يدثر جسمه في رمسه ... فهواي فيه الدهر ليس بداثر
قطع الزمان معي بأكرم عشرة ... لهفي عليه من أبر معاشر
ما كان إلا ندرة لا أرتجي ... عوضا بها فرثيته بنوادر
ولو أنني أنصفته في وده ... لفضيت يوم قضي ولم أستأخر
وشققت في خلب الفؤاد ضريحه ... وسقيته ابدا بماء محاجري
أجد الحلاوة في الفؤاد بكونه ... فيه وأرعاه بعين ضمائري وصدور هذه القصيدة عن قلب رجل زاهد يمنحها لونا خاصا، فإن كون الوفاء فيه أمرا طبيعيا لا ينقصها حظها من هذا البوح الودي الذي يلحق بمعارج العشق والتوله. وليس يخل فنيا بقصيدة الالبيري إلا استطراده فيها لذكر الحور العين وضروة العبادة لمن كان مثله كي ينالهن، وحديثه
__________
(1) ديوان الالبيري: 132.
" حديثا جنسيا " عن طبيعة الرضى الذي يجده إذا هو قرأ القرآن، ثم انحاؤه على نفسه باللائمة، وانثناؤه إلى مجال الأخلاق وكراهية الثرثارين.
وقد بكى ابن حمديس الصقلي أم ولد له تسمى جوهرة، غرقت في البحر، فتغزل كثيرا بجمالها (1) :
أيا رشاقة غصن البان ما هصرك ... ويا تألف نظم الشمل من نثرك
ويا شؤوني وشأني كله عجب ... فضي يواقيت دمعي واحبسي دررك
ما خلت قلبي وتبريحي يقلبه ... إلا جناح قطاة في اعتقال شرك
لا صبر عنك وكيف الصبر عنك وقد ... طواك عن عيني الموج الذي نشرك
هلا وروضة ذاك الحسن ناضرة ... لا تلحظ العين فيها ذابلا زهرك ويقول الشاعر مخاطبا البحر:
هلا نظرت إلى تفتير مقلتها ... إني لأعجب منه كيف ما سحرك ولم يكن ابن حمديس على " جوهرة " حزنا عارضا، بل عاد إليه غير مرة، مما قد يدل على عمق أثر ذلك الفقد في نفسه.
وأشد الثلاثة حزنا وتفجعا هو الأعمى التطيلي وأول قصيدته (2) :
ونبئت ذاك الوجه غيره البلى ... على قرب عهد بالطلاقة والبشر ويمتاز في هذه القصيدة إلى جانب الصدق الواري في عاطغته بأنه شديد التمثل بما يريد أن يقوله، بارع في استقصاء كثير من معاني الحزن الخفية:
__________
(1) ديوان ابن حمديس: 212.
(2) ديوان ابن حمديس: 212.
أمخبرتي كيف استقرت بك النوى ... على أن عندي ما يزيد على الخبر
وما فعلت تلك المحاسن في الثرى ... فقد ساء ظني بين أدري ولا أدري
يهون وجدي أن وجهك زهرة ... وأن ثراها من دمعي على ذكر
ويحزنني أني شغلت ولم أكن ... أسأل عما يفعل الدمع بالزهر
دعيني أعلل فيك نفسي بالمنى ... فقد خفت ألا نلتقي آخر الدهر
وإن تستطيبي فابدئيني بزورة ... فأنك أولى بالزيارة والبر
منى أتمناها ولا يد لي بها ... سوى خطرات لا تريش ولا تبرى
وأحلام مذعور الكرى كلما اجتلى ... سرورا رآه وهو في صورة الذعر وما نزال نجد في هذه القصيدة كما وجدنا في القصائد المشابهة تنويها خاصا بذكر جمال المرثية حيث يقول:
وهل لعبت تلك المعاطف بالنهى ... كسالف عهدي في مجاسدها الحمر
ونبئت ذاك الجيد أصبح عاطلا ... خذي أدمعي إن كنت غضبى على الدر
خذي فانظميها أو كليني بنظمها ... حليا على تلك الترائب والنحر
ولا تخبري كور الجنان فربما ... غصبنكه بين الخديعة والمكر وتتراوح القصيدة بين المبالغة والحديث العاطفي المباشر، ولكن الجانب العاطفي أقوى وأوضح من الجانب المتكلف. وللأعمى التطيلي قصائد في رثاء نساء ذوات سلطان ونقوذ من نساء المرابطين إلا أنها لا يمكن أن تكون كهذه القصيدة التي استوحاها ؟أو استوحى اكثرها - من موقف عاطفي ذاتي.
2 - الاتجاه الفلسفي
مر الاتجاه الفلسفي حتى هذا العصر في ثلاث مراحل: مرحلة إنكاره ومقاومته ووقوف الشعر ضده ؟كما صورت ذلك في كتاب سابق - ومرحلة التملح بالآراء الفلسفية، بالإيماء إليها في الشعر أو نظمها شعرا، وذلك ما يمثله ابن حزم في مثل قوله (1) :
إذا ما وجدنا الشيء علة نفسه ... فذاك وجود ليس يفنى على الأبد ومثل قوله (2) :
ترى كل ضد به قائما ... فكيف تحد اختلاف المعاني
فيا أيها الجسم لا ذا جهات ... ويا عرضا ثابتا غير فان
نقضت علينا وجوه الكلام ... فما هو مذ لحت بالمستبان ولكن ابن حزم لم يستطع أن يصهر النظرات الفلسفية في شعره بحيث تصبح صدى للتشرب العميق لها، بل ظلت تبدو مستمدة من ثقافته الجدلية.
ثم تجيء الثالثة، وهي مرحلة تم فيها إخضاع الشعر للفكرة الفلسفية، ولا ريب في أن ذلك ناجم عن عاملين: الحرية النسبية في التعبير عن الاتجاه الفكري أولاً ثم تأثير شعر أبي العلاء المعري ثانيا. وقد عاش الاتجاهان الثاني والثالث في هذا العصر الذي ندرسه، فكان ابن
__________
(1) الطوق: 7.
(2) الطوق: 10.
السيد البطليموسي يصوغ بعض الأفكار الفلسفية شعرا، فيقول مثلا (1) :
تتيه وقد أيقنت أنك ممكن ... فكيف لو استيقنت أنك واجب
وهل لك من عدن إذا مت أو لظى ... محيص يرجى أو عن الله حاجب ويقول أيضا في علم الله للجزيئات:
يا واصفا ربه بجهل ... لم يقدر الله حق قدره
كيف يفوت الإله علم ... بسر مخلوقه وجهره
وهو محيط بكل شيء ... وكله كائن بأمره ومن هذا الباب أيضا تلك المقدمات التي أدرجها أبو طالب عبد الجبار الملقب بالمتنبي في ارجوزته، وضمنها أدلة المعرفة والاستدلال على الصانع تعالى من الصنعة (2) :
والجسم ليس فاعلا في الجسم ... قال بهذا القول أهل العلم
وليس أولى برسم العقل ... من ذاك لما استويا في المثل
أف لقول الفئة البصرية ... أهل الهوى والقرقة الغوية
دانوا معا بقدم الحوادث ... سوف يجازون بخزي كارث وفيها يقول:
وكل شيء جوهر أو عرض ... إلا الذي الطوع له مفترض
__________
(1) الحدائق: 31.
(2) الذخيرة ½: 407.
وتذكرنا هذه الأرجوزة بمنهج ابن حزم في إيراد المقدمات الأولى في علم المنطق كما صوره كتاب " التقريب " ، كذلك تذكرنا بقصيدة لابن حزم مطلعها (1) :
لك الحمد يا رب والقول ثم ... ؟؟؟؟؟؟؟.. ويختلط هذا الاتجاه بالمذهب التعليمي من جهة والمذهب الزهدي من جهة أخرى ويتوشح ببعض الآراء الكلامية.
أما التيار القائم على التفلسف فقد وجد أيضا أنصاره وبخاصة في مجال الرثاء، وشيخ هذا الاتجاه في ذلك الفن هو عبد الجليل بن وهبون المرسي أحد شعراء الدولة العبادية، وقد انقطع إلى الأستاذ أبي الحجاج الأعلم، مؤدب ولد المعتمد، وقربه المعتمد فاختص هو به ولم يرحل إلى ملك سواه، إلا انه كان يعود كل عام لزيارة أهله في مرسية، فلما خلع صاحبه حاول الخلاص من اشبيلية، وقبل أن يصل مرسية قابلته قطعة من خيل النصارى فلقي منيته حينئذ (حوالي 484). وقد توفي الأعلم الشنتمري يوم كان عبد الجليل ما يزال في كنف المعتمد فرثاه بقصيدة ملأها بالتفلسف حول مشكلة الحياة والموت وهو يجمع فيها اثر المتنبي والمعري معا (2) :
نفسي وجسمي إن وصفتهما معا ... آل يذوب وصخرة خلقاء
لو تعلم الأجيال كيف مآلها ... علمي لما امتسكت لها أرجاء
انا لنعلم ما يراد بنا فلم ... تعيا القلوب وتغلب الأهواء
طيف المنايا في أساليب المنى ... وعلى طريق الصحة الأدواء
__________
(1) انظر الملحق: 3 من كتابي " تاريخ الأدب الأندلسي - عصر سيادة قرطبة " .
(2) الذخيرة - القسم الثاني (المخطوط): 194.
يتعاقب الأضداد مما قد ترى ... جلبت عليك الحكمة الشنعاء
أيغرني أن يستطيل بي المدى ... وأبي بحيث تواضت الغبراء
لم ينكر الإنسان ما هو ثابت ... في طبعه لو صحت الآراء
ونظير موت المرء بعد حياته ... أن تستوي من جسمه الأعضاء
دنف يبكي للصحيح وإنما ... أمواتنا ؟لو نشعر - الأحياء
وسواء أن تجلى اللحاظ من القذى ... أو تنتضى من شخصها الحوباء
ما النفس إلا شعلة سقطت إلى ... حيث استقل بها الثرى والماء
حتى إذا خلصت تعود كما بدت ... ومن الخلاص مشقة وعناء
كذبت حياة المرء عند وجودها ... وجد الحمام ومنه كان الداء وبعد هذه المقدمة يخرج عبد الجليل إلى رثاء شيخه الأعلم، ومن الواضح مبلغ الصلة بين هذه القصيدة وقصيدة المعري التي أشرت إليها آنفا، إلا أن عبد الجليل أكثر اتكاء على النظريات الفلسفية حين تحدث عن أن النفس شعلة (عنصر) يحملها عنصران آخران هما الماء والتراب، وحين ذهب إلى أن حقيقة الموت مائلة في الحياة، وأن الأموات حقا هم الأحياء. والقصيدة بعد ذلك مضطربة الإشارات، وإظهار " التفلسف " فيها أمر مقصود لذاته، ولكنها تمثل محاولة جديدة في الشعر الأندلسي.
ومما يجري في مضمارها، ويرتكز على التفلسف في حال النفس والجسد قول أبي عامر الشنتريني (1) :
يا لقومي دفنوني ومضوا ... وبنوا في الطين فوقي ما بنوا
ليت شعري إذ رأوني ميتا ... وبكوني أي جزأي بكوا
__________
(1) الذخيرة - القسم الثاني (المخطوط): 194.
أنعموا جسمي فقد صار إلى ... " مركز التعيين " أم نفسي نعوا
كيف ينعمون نفوسا لم نزل ... قائمات بحضيض وبجو
ما أراهم ندبوا في سوى ... " فرقة " التأليف إن كانوا دروا وهذه القطعة ادنى في المستوى الشعري من قصيدة عبد الجليل، إلا أنها أدق أخذاً بالمشكلة الفلسفية والمصطلح الفلسفي. على أن هذا الاتجاه لم يعجب ناقدا مثل ابن بسام فوصفه بالهذيان ؟حسبما تقدم القول - . ووقف ابن بسام نفسه من بعض أشعار السميسر التي ذهب فيها إلى التشكك الفلسفي. وقد كان السميسر صاحب مقطعات، وهو يعد في شعراء الهجاء، وتشبه مقطعاته ان تكون نوعا مما يسمى في اللاتينية " الابجرام "
epigram اللاذع المستدير، سواء أقصد بها قصد الهجاء العام أو التعبير عن نظرة فلسفية فمن ذلك قوله:
لا تغرنك الحياة ... فموجودها عدم
ليس في البرق متعة ... لامرئ يخبط الظلم وهو في هذا اللون من التفلسف يلحق بالاتجاه الزهدي العتاهي ولكنه لا يعدم في أثناء ذلك مسحة فلسفية شكية في مثل قوله، يعني ما بعد الموت:
هذا على مذهبنا ثم قد ... قيلت مقالات ولا أدري
لقد نشبنا في الحياة التي ... نوردنا في ظلمة القبر
يا ليتنا لم نك من آدم ... أورطنا في شبه الأسر
إن كان قد أخرجه ذنبه ... فما لنا نشرك في الأمر
3 - الاتجاه الزهدي:
عرف الأندلسي الاتجاه الزهدي في العصر السابق على يد ابن أبي زمنين، وكان حينئذ يلتبس كثيرا بالشعر التعليمي أو يصدر عن دواعي الشيخوخة وما تحدثه من خوف الموت وما بعده. أما في هذا العصر فكانت بواعثه مختلفة بعض الاختلاف، فقد شحذته فوضى الحياة السياسية، وزادت في حب الخلاص لدى الفرد من غوائل الحياة، وشجعته على طلب النجاة لنفسه حين كان يرى الأوضاع الاجتماعية تزداد سوءا، واصبح الزهد لدى بعض أصحابه مذهبا أدبيا أخلاقيا معا، كما كان عند أبي العتاهية في المشرق، وانتحاه بعضهم لشعره بالنقمة على حظه من الدنيا وثورته على الناس من حوله. ويعد السميسر، الذي ورد ذكره آنفا، من هذا الصنف الأخير، فقد كان منحرفا في ميوله هجاء للناس؛ وهو إلى ذلك " صاحب مزدوج كأنه حذا فيه حذو منصور الفقيه " (1) ولم يكن امرءا عاملا بمبادئه الزهدية، ومن أمثلة شعره في هذا الاتجاه قوله (2) :
جملة الدنيا ذهاب ... مثلما قالوا سراب
والذي فيها مشيد ... فخراب ويباب
وأرى الدهر بخيلا ... أبدا فيه اضطراب
سالب ما هو معط ... فالذي يعطي عذاب
__________
(1) الذخيرة ½: 372.
(2) المصدر نفسه: 377.
وليوم الحشر أنعام سؤال وجواب ...
وصراط مستقيم ... يوم لا يطوى كتاب
فاتق الله وجنب ... كل ما فيه حساب وهو يدعو إلى القناعة والرضى بالكفاف في قوله:
دع عنك جاها ومالا ... لا عيش إلا الكفاف
قوت حلال وأمن ... من الردى وعفاف
وكل ما هو فضل ... فإنه إسراف ولكن هذه النزعة لديه متصلة بسوء ظنه في الناس وعدم الاطمئنان اليهم، ولذلك فهو يرى منافرتهم والابتعاد عنهم، وقد صرح عن هذا الفهم في قوله:
تحفظ من ثيابك ثم صنها ... وإلا سوف تلبسها حدادا
وميز عن زمانك كل حين ... ونافر أهله تسد العبادا
وظن بسائر الأجناس خيراً ... وأما جنس آدم فالبعادا وقد كانت الفلسفة ؟لا التقوى - أحيانا مصدر هذا الزهد، ونحن نعلم ذلك من حال الشاعر ابن الحداد الذي اختص بمدح بني صمادح واستوطن المرية اكثر عمره، وكان شغوفا بالثقافة الفلسفية، ولما اخرج عن المرية ونفض يده من ممدوحيه بني صمادح قال (1) :
لزمت قناعتي وقعدت عنهم ... فلست أرى الوزير ولا الأميرا
وكنت سمير أشعاري سفاها ... فعدت لفلسفياتي سميرا
__________
(1) الذخيرة ½: 201
وهو صاحب قصيدة سماها " حديقة الحقيقة " ويبدو انه عرض فيها لفلسفته الزهدية، وقد اورد ابن الابار منها هذه الأبيات الثلاثة وفيها المطلع (1) :
ذهب الناس فانفرادي لأنيسي ... وكتابي محدثي وجليسي
صاحب قد أمنت منه ملالا ... واختلالا وكل خلق بئيس
ليس في بحي ولكن ... يلتقي الحي منه بالمرموس وصنف آخر من شعر الزهد يصدر عن علماء أتقياء عاملين يعلمهم مثل ابن الريوالي الفقيه المحدث، وله في مذهبه شبه بابن حزم فقد كان لا يرى التقليد وانما يختار ما يراه الاصلح، ويقول بالعلة المنصوص عليها ولا يقول بالمستنبطة، ومضى ليه دهر وهو يقول بدليل الخطاب ثم نبذه وطرحه (2) وقد قال فيه الحميدي انه فقيه مشهور عالم زاهد وله أشعار كثيرة في الزهد وغيره (3) ونموذج شعره قوله:
يا معجبا بعلائه وغنائه ... ومطولا في الدهر حبل رجائه
كم ضاحك أكنافه منشورة ... ومؤمل والموت من تلقائه وقوله (4) :
ايام عمرك تذهب ... وجميع سعيك يكتب
ثم الشهيد عليك منك ... فأين أين المهرب
__________
(1) التكملة : 399
(2) الصلة: 448
(3) الجذوة: 366
(4) الصلة: 447
وهذا نظم يراد به التذكير، وحظه من حرارة الانفعال الذاتي ضئيل. ومن هذه الطبقة احمد الاقليشي (1) الزاهد العازف عن العازف عن الدنيا وله معشرات في الزهد حملت عنه وكتبها الناس، وله قصيدة في صورة مناجاة ذاتية يحاسب فيها نفسه على التورط في الذنوب:
ثلاثون عاما قد نولت كأنها ... حلوم تفضلت أو بروق خواطف
وجاء المشيب المنذر المرء أنه ... إذا رحلت عنه الشبيبة تالف
فيا أحمد الخوان قد أدبر الصبا ... وناداك من سن الكهولة هاتف
فهل أرق الطرف الزمان الذي مضى ... وأبكاه ذنب قد قدم سالف
فجد بالدموع الحمر جزنا وحسرة ... فدمعك ينبي أن قلبك آسف ولأبي بكر العبدري أحد الزهاد معشرات في الغزل كفرها بمثلها في الزهد وشرحها في سفر ضخم (2) . وهذا يذكرنا بما فعله ابن عبد ربه في القصائد الممحصات وبما شاع في الموشح نفسه من تكفير حتى اصبح احد ضروب الموشح يسمى المكفر.
ومن هذا الفريق من الصلحاء علي بن إسماعيل الفهري القرشي وهو اشبوني شقباني الأصل يكنى بأبي الحسن الطيطل: " قرأ العلم بقرطبة واخذ عن علمائها واكثر من حفظ الآداب والأشعار حتى ليقال انه حفظ شعر عشرين امرأة أعرابية، وكان من الأدباء النبلاء والشعراء المحسنين مطبوع الأغراض سمح القريحة مشاركا في الحديث والفقه، انفذ في التلبس بذلك صدرا من عمره ثم مال إلى النسك والتقشف، ونظم في تلك المعاني أشعارا
__________
(1) التكملة: 61.
(2) التكملة: 511.
رائقة وضروبا من الحكمة تناقلها الناس وحفظوها عنه واتخذ لنفسه رابطة في رقعة من جنة له على بحيرة شقبان عرفت برابطة الطيطل ؟إلى الآن - ولزم العبادة بها إلى أن توفي " (1) وفيه يقول ابن بسام: " ممن نظم الدر المفصل لا سيما في الزهد فان أهل أوانه، كانوا يشبهونه بأبي العتاهية في زمانه " (2) وأورد له ابن عبد الملك وابن بسام قصيدة في وصف النملة يتأمل في دقة خلفتها بما يشهد على قدرة الله الذي هيأ لها رزقها، ومن قصائده الزهدية قوله (3) :
يا غافلا شأنه الرقاد ... كأنما غيرك المراد
والموت يرعاك كل حين ... فكيف لم يجفك المهاد
ما حال سفر بغير زاد ... والأرض قفر ولا مزاد
ضمر جوادا ليوم سبق ... لمثله يرفع الجواد
أين فلان وكم فلان ... قد غيبوا في الثرى فبادوا
لا تبغ دنيا فان عنها ... المؤمن المتقي يذاد
فأين بها بالتقى بروجا ... تأمن إذا روع العباد
واعتبر الأرض كيف مدت ... فهي لهذا الورى مهاد
ثم السماء التي أظلت ... قد رفعت مالها عماد
كما بناها يبني سواها ... كما بدأنا كذا نعاد
__________
(1) الذيل والتكملة: 45.
(2) الذخيرة - القسم الثاني (المخطوط): 305
(3) الذخيرة - القسم الثاني (المخطوط): 306.
على أن فارسي ميدان الزهد اللذين جريا فيه إلى نهايته وجعلا منه فنا هما ابن العسال وأبو اسحق الألبيري:
أما ابن العسال فكان زاهد طليطلة المشهور بالكرامات واجابة الدعوات ولما سقطت طليطلة رحل عنها وسكن غرناطة وتوفي بها ( - 487) وكان قبره فيها مكرما والناس يزورونه في عصر ابن سعيد (1) وليس كثيرا ما وصلنا من شعره الزهدي ولكن ربما كان من أقوى نماذجه قوله (2) :
انظر الدنيا فان أبصرتها شيئا يدوم ... فاغد منها في أمان إن يساعدك النعيم ... وإذا أبصرتها منك على كره تهيم ... فاسل عنها واطرحها وارتحل حيث تقيم ... وأما أبو اسحق الالبيري فهو إبراهيم بن مسعود التجيبي الغرناطي ( - 460) وكان من أهل العلم والعمل معروفا بالصلاح، وقد نفي إلى البيرة فأصبح يعرف بالالبيري، وهو يمثل حلقة الوصل المتوسطة في تاريخ الزهد الأندلسي، فقد روى هو مؤلفات ابن أبي زمنين وأشعاره ثم تشبه به ابن العسال وعلى طريقته جرى، وكانا معا فرسي رهان في ذلك الزمان صلاحا وعبادة (3) ومن اللافت للنظر أن هذين الزاهدين كانا من أشد الناس إحساسا بسوء الأوضاع السياسية في وطنهما، فبكى ابن العسال سقوط بريشتر ثم سقوط طليطلة، وكان الالبيري صاحب الدعوة إلى
__________
(1) المغرب 2: 21.
(2) النفح 4: 195، 213.
(3) التكملة: 126.
ثورة صنهاجة ضد تسلط اليهود بعامة وابن النغريلة بخاصة في شئون دولة بني زيري، وكانت قصيدته:
ألا قل لصنهاجة أجمعين ... بدور الزمان وأسد العرين الشرارة التي اذكت نار الثورة يومئذ، وبسبب صراحته ووقوفه وقفة صلبة كان باديس قد نفاه قبل تلك الحادثة من غرناطة إلى البيرة.
ولئن وصلتنا نتف يسيرة من شعر ابن العسال، فان لأبي إسحاق ديوانا كاملا قد وصلنا، وهو يحوي اثنين وثلاثين بين مقطوعة وقصيدة، وقد وجدت له مقطعات أخرى لم يحوها ديوانه مما يدل على انه لا يمثل جميع ما خلفه الالبيري من نتاج شعري. وفي قصائده واحدة يعرض فيها بأحد الفقهاء، لأنه كان يطلب الكيمياء وأخرى في رجل يجر ثيابه خيلاء وثالثة يندب فيها خراب البيرة ورابعة يرثي فيها زوجه واثنتان في المدح واثنتان يرد فيهما على تهجم من عاب اثنين من أصدقائه وواحدة في تحريض صنهاجة على اليهود، وكل ذلك يدل على مدى مشاركته في الحياة الاجتماعية يومئذ مثلما يدل على ان انقطاعه الزهدي لم يكن عزلة سالبة الطابع.
وقد يكون في قصائده الزهدية تذكير ووعظ وتخويف من الموت ونصح بالتخلي عن المال والجاه، ولكن ذلك لا يقف أبدا في مقابل العنصر الذاتي والتلوم النفسي واستشعار الانقسام بين قوة الموت وحب الحياة، في كثير من قصائده. وعندي أن الالبيري قد وصل بشعره الزهدي في الأدب العربي ؟لا في الأندلسي فحسب - إلى قمة، بما أضفى عليه من حرارة الوجد والانفعال والإقرار بالضعف الإنساني أمام مغريات الحياة ومكافحة الشهوة العارمة. فإذا بكى نفسه أحسست بأنه ينتزع
انتزاعا من هذا العالم الأرضي ويفارقه وروحه معلقة به (1) :
فيا إخوتي مهما شهدتم جنازتي ... فقوموا لربي واسألوه نجاتي
وجدوا ابتهالا في الدعاء وأخلصوا ... لعل إلاهي يقبل الدعوات
وقولوا جميلا إن علمتم خلافه ... وأغضوا على ما كان من هفواتي
ولا تصفوني بالذي أنا أهله ... فأشقى، وحلوني بخير صفات
ولا نتنا سوني ذكرتكم ... وواصلتكم بالبر طول حياتي
بالرغم فارقت الأحبة منكم ... ولما تفارقني بكم زفراتي والحق أن الالبيري كان فنانا في مجاله، فكان يخرج على العرف الشعري المألوف في القافية ويصنع قصائده على نحو من " التسبيحة " ، فيبني القصيدة جميعها على قافية واحدة لا يغيرها، فقصيدة بناها على لفظ الجلالة (2) :
يا أيها المغتر بالله ... فر من الله إلى الله
ولذ به واسأله من فضله ... فقد نجا من لاذ بالله
وقم له والليل في جنحه ... فحبذا من قام لله
واتل من الوحي ولو آية ... تكسى بها نورا من الله وهكذا حتى يبلغ بقصيدته ثلاثة وخمسين بيتا، وقصيدة أخرى في ثمانية وثلاثين بيتا بناها على لفظة " النار " (3) :
__________
(1) ديوان الالبيري: 99.
(2) ديوان الالبيري: 114.
(3) المصدر نفسه: 144.
ويل لأهل النار في النار ... ماذا يقاسون من النار
تنقذ من غيظ فتغلي بهم ... كمرجل يغلي على النار
فيستغيثون لكي يعتبوا ... ألا لعا من عثرة النار
وكلهم معترف نادم ... لو تقبل التوبة في النار وليس هذا فحسب، بل إنه سخر أصنافا كثيرة من الصور في إبراز المعاني الزهدية، فكان احتفاله بالتجديد في هذا الاتجاه واضحا، فهو يستغل الصور الحربية في قوله (1) :
لو كنت في ديني من الأبطال ... ما كنت بالواني ولا البطال
ولبست منه لأمة فضفاضة ... مسرودة من صالح الأعمال
لكني عطلت أقواس التقى ... من نبلها فرمت بغير نبال
ورمى العدو بسهمه فأصابني ... إذ لم أحصل جنة لنضال حتى الصور الجنسية نراه يستغلها لتصوير مدى الصراع النفسي بين الواجب الديني والمرأة (2) :
حسبي كتاب الله فهو تنعمي ... وتأنسي في وحشتي بدفاتري
أفتض أبكارا بها يغسلهن من ... يقتضهن بكل معنى طاهر ومن صوره الغريبة تشبهه لسان الثرثار بالناقوس:
ولقد عجبت لمؤمن في شدقه ... جرس كناقوس ببيعة كافر
__________
(1) المصدر نفسه: 80.
(2) المصدر نفسه: 132.
على أنه أحيانا يبلغ حد السذاجة في الاعتراف النفسي حين يقول:
ولقد أصبت من المطاعم حاجتي ... ومن الملابس فوق ما هو ساتري
وانا لعمرك مكرم في جيرتي ... ومعظم ومبجل بعشائري إلا أن روح الاعتراف هي التي تتحكم في كثير من شعره وتجعله محبوبا حين تجعله سليما من التكلف، وان بلغت منه السذاجة مبلغا كبيرا.
4 - الهجاء والنقد الاجتماعي:
كان مجال الهجاء واسعا في هذا العصر، ولكن ابن بسام وهو المؤرخ الأدبي للحقبة التي ندرسها تذمم من ادراج أشعار الهجاء في كتابه، ولذلك فان صورة الهجاء لا تعد مستوفاة أو واضحة. ولكنا نذكر أهاجي ولادة في ابن زيدون، وأهاجي مهجة القرطبية في صديقتها ولادة، وكلها من النوع الذي ينحو منحى الإفحاش المقذع.
واذا صح القياس على ما تم في الحقبة التالية ؟أي عصر الموحدين - .
قلنا إن الهجاء ربما أخذ يقل ؟نسبيا - في الشعر التقليدي، ويحتل مكانه هامة في الزجل لأنه ينظم للعامة ويكون أوقع في النفوس وأبعد أثرا.
وكان في عصر الطوائف شاعران شهرا بالهجاء هما ابن سارة الشنتريني والسميسر. فأما ابن سارة، فان ابن بسام يذكر أنه " أولع بالقصار فأرسلها أمثالا ورشق بها نبالا لا سيما قوارع كدرها على مردة عصره، وسم بها أنوف أحسابهم، وتركها مثلا في أعقابهم " . وقال أيضا: " ورأيت له عدة مقطوعات في الهجاء تربي على حصى الدهناء، وهو فيه
صائب السهم نافذ الحكم " (1) . وقد أورد ابن بسام أمثلة من هجائه في كتابه الذي سماه " ذخيرة الذخيرة " ، وهو كتاب لم يصلنا، ويفهم من كلام الفتح بن خاقان (2) أن ابن سارة أقلع عن الهجاء بعد فترة من الزمن. ويتصل هجاء ابن سارة بالحاجة المادية، فقد كان محارفا كثير التنقل في طلب الرزق، وكان محترفا لتعليم العربية، ولما سكن أشبيلية تعيش فيها بالوراقة (3) . وأكثر ما أوردته المصادر من شعره يقع في موضوعات الوصف والمدح والغزل بالغلمان والشكوى من حال الدنيا.
ويشبه السميسر صاحبه ابن سارة في انه انتحى المقطوعة واتخذها أداة للهجاء، وكان كثير الهجاء وله كتاب سماه " شفاء الأمراض في اخذ الأعراض " (4) ؛ وله أهاج فردية منها قوله في ابي عبد الله بن الحداد (5) :
قالوا ابن حداد فتى شاعر ... قلت وما شعر ابن حداد
أشعاره مثل فراخ الزنى ... فتش تجد أخبث أولاد وقد رد عليه ابن الحداد بهجاء مقذع.
ونمي إلى المعتصم أن السميسر هجاه، فاحتال في طلبه حتى حصل في قبضته، فاستنشده ما هجاه به، فحلف أنه ما هجاه وإنما قال:
__________
(1) الذخيرة - القسم الثاني (المخطوط): 323.
(2) القلائد: 260.
(3) التكملة: 816.
(4) النفح 5: 246.
(5) الذخيرة ½: 382.
رأيت آدم في نومي فقلت له ... أبا البرية إن الناس قد حكموا
إن البرابر نسل منك قال إذن ... حواء طالقة إن كان ما زعموا وهما في هجاء بلقين صاحب غرناطة، فاباح بلقين دمه، فهرب لاحقا ببلد ابن صمادح فزعم السميسر ان بلقين دس على لسانه كلاما في هجاء ابن صمادح ليبلغه فيقتل الشاعر، وعندئذ سأله المعتصم عما قاله في هجاء بلقين خاصة فقال: لما رأيته مشغوفا بتشييد قلعته التي يتحصن فيها بغرناطة قلت:
يبني على نفسه سفاها ... (1) كأنه دودة الحرير هذه رواية. غير أن السلقي في معجمه جاء برواية أخرى عن موقف السميسر فقال: كان لباديس بن حبوس (والد بلقين) وزير يهودي فهلك واستوزر بعده نصرانيا فقال أبو القاسم خلف بن فرج اللبيري المعروف بالسميسر ثلاثة أبيات وكتب بها نسخا عدة ورماها في شوارع البلد والطرقات، وسار من ساعته إلى المرية معتصما بالمعتصم بن صمادح، وطارت الأبيات في أقطار الأندلس ولما عليها باديس أرسل وراءه أصحاب الخيل ففاتهم ولم يلحقوه (2) . أما الأبيات ففيها من الإقذاع ما يحول دون إثباتها.
واكثر شعر السميسر في الهجاء تعميمي المنزع يدل على قلق وعدم ارتياح لبعض ما يراه من أوضاع كقوله متوقعا تغير الحال (3) :
__________
(1) النفح 4: 380 - 381
(2) معجم السفر للسلفي، الورقة: 265 (133 نسخة عارف حكمت)
(3) الذخيرة ½: 364.
رجوناكم فما انصفتمونا ... وأملناكم فخذلتمونا
سنصبر والزمان له انقلاب ... وأنتم بالأشارة تفهمونا ومن ذلك أيضا قوله (1) :
خنتم فهنتم وكم أهنتم ... زمان كنتم بلا عيون
فأنتم تحت كل تحت ... وانتم دون كل دون
سكنتم يا رياح عاد ... وكل ريح إلى سكون ويجري على هذا النسق من التشفي في قوله (2) :
وليتم فما أحسنتم مذ وليتم ... ولا صنتم عمن يصونكم عرضا
وكنتم سماء لا ينال منالها ... فصرتم لدى من لا يسائلكم أرضا
سترجع الأيام ما أقرضتكم ... ألا إنها تسترجع الدين والقرضا وقد كان السميسر في إرسال هذا الضرب من الشعر متأثرا بنقمة فلسفية عامة وشيء من الحقد الذاتي. ولكنه فيه أقرب إلى الروح الناقدة منه إلى الهجاء. ويؤكد هذا الذي أقول أن السيميسر كان يعلن أحيانا عن ثورته في وجه أمراء زمانه بمثل قوله (3) :
ناد الملوك وقل لهم ... ماذا الذي أحدثتم
أسلمتم الإسلام في ... أسر العدا وقعد تم
وجب القيام عليكم ... إذ بالنصارى قمتم
__________
(1) النفح 5: 246
(2) النفح 5: 247
(3) الذخيرة ½: 374.
لا تنكروا شق العصا ... فعصا النبي شققتم ولما انتهت أيام الطوائف وجاء عهد المرابطين اشتد النقد الاجتماعي عامة لسببين: أن قدوم المرابطين أنفسهم إلى الأندلس لم يلبث ان أصبح عبئا على الأندلسيين، فكانت مقاومتهم لذلك تتمثل من بعض جوانبها بالنقد والتندر بأصحاب اللثام؛ وكذلك ارتفع شأن الفقهاء في ايامهم، فأقبل الشعراء على ذم الفقهاء واتهامهم بالرياء لأنهم أصبحوا يجرون اليهم الدنيا متسترين وراء المظهر الديني، فمن شعر ابن خفاجة في نقد الفقهاء (1) :
درسوا العلوم ليملكوا بجدالهم ... فيها صدور مراتب ومجالس
وتزهوا حتى أصابوا فرصة ... في أخذ مال مساجد وكنائس وقال ابن البني فيهم (2) :
أهل الرياء لبسوا ناموسكم ... كالذئب أدلج في الظلام العاتم
فملكوا الدنيا بمذهب مالك ... وقسمتموا الأموال بابن القاسم
وركبتموا شهب الدواب بأشهب ... وبأصبغ صبغت لكم في العالم وقد نسب صاحب النفح هذه الأبيات للشاعر المدعو بالأبيض (3) ، وأنه قالها في الفقهاء المرائين، وأورد له قطعة أخرى شبيهة بها وهي قوله:
__________
(1) النفح 4: 281.
(2) المعجب: 110
(3) النفح 4: 410.
قل للأيام سنا الأئمة مالك ... نور العيون ونزهة الأسماع
لله درك من همام ماجد ... قد كنت راعينا فنعم الراعي
فمضيت محمود النقيبة طاهرا ... وتركتنا فنصا لشر سباع
أكلوا بك الدنيا وأنت بمعزل ... طاوي الخشا متكفت الأضلاع
تشكوك دنيا لم تزل بك برة ... ماذا رفعت بها من الأوضاع والحق أن الأبيض واليكي هما شاعرا الهجاء في عهد المرابطين، وقد مدح اليكي المرابطين أولا ثم هجاهم بمثل قوله (1) :
ان المرابط باخل بنواله ... لكنه بعياله يتركم
الوجه منه مخلق لقبيح ما ... يأتيه فهو من آجله يتلثم وقال يهجوهم أيضا (2) :
في كل من ربط اللثام دناءة ... ولو انه يعلو على كيوان
لا تطلبن مرابطا ذا عفة ... واطلب شعاع النار في الغدران وقد أفرط اليكي في هجاء أهل فاس، فتعسفوا عليه وقدموا من شهد عليه بدين، فسبق إلى السجن سوقا عنيفا وحبس مدة من الزمن، إلا أنه لم يكف عن الهجاء حتى قال فيه صاحب المسهب: " هو ابن رومي عصرنا وحطيئة دهرنا لا تجيد قريحته إلا في الهجاء، ولا تنشط به في غير ذلك من الانحاء " (3) . وأكثر أهاجيه بذي فاحش.
__________
(1) النفح 4: 193.
(2) المغرب 2: 267.
(3) المغرب 2: 266.
وأما عصريه أبو بكر محمد بن أحمد الأنصاري المعروف بالأبيض فأصله من قرية همدان، وقد درس باشبيلية وقرطبة، وكان إلى جانب شهرته بالشعر من مشهوري الوشاحين. سئل مرة عن كلمة فلم يعرفها، فآلى ان يقيد نفسه ولا يفك قيده حتى يحفظ كتاب " الغريب المصنف " (1) ، وقد نشب في الهجاء وشهر به، وكانت اكثر اهاجيه في الزبير أحد أمراء الملثمين بقرطبة ومن أهاجيه فيه:
عكف الزبير على الظلالة جاهدا ... ووزيره المشهور كلب النار
ما زال يأخذ سجدة في سجدة ... بين الكؤوس ونغمة الأوتار
فإذا اعتراه السهو سبح خلفه ... صوت القيان ورنة الأوتار وكان الأبيض جريئا قوي النفس. أحضره الزبير ووبخه على الهجاء وقال له: ما دعاك إلى هذا؟ فقال له: إني لم أر أحق بالهجو منك ولو علمت ما أنت عليه من المخازي لهجوت نفسك إنصافا ولم تكلها إلى أحد، فلما سمع الزبير ذلك قامت قيامته وأمر بقتله (2) .
ولم يكن صوت النقد الموجه ضد الحكام قويا جهيرا في أيام ملوك الطوائف مما قد يدل على انسياق الأدب شعره ونثره في ركاب كل واحد من أولئك الأمراء، ولذلك انحصر الأدب بولاء إقليمي قاصر النظرة محدود الأفق، ففقد قوة الحدس التي تتمتع بها النظرة الشاملة العميقة. وكانت ابرز مظاهره النقدية تلك اللذعات التي يوجهها أمثال السميسر في مقطعاتهم القليلة، أو تلك الحسرات المبهمة التي يرددها الأتقياء الزهاد عن سوء الأحوال السياسية والاجتماعية. أما في أغلب الأحوال فان ثورة
__________
(1) النفح 5: 36 والمغرب 2: 127.
(2) النفح 5: 37.
الشاعر على الجور أو الإهمال كان فردية. ولابن عبدون قصيدة يتذمر فيها من ملوك زمانه، ولكنا حالما نقرؤها نلمس أن الدافع فيها ذاتي، وان ثورة ابن عبدون إنما انفجرت لان الملوك اغفلوا شأنه (1) :
فسلني عن ملوك الأرض تسأل ... خبيرا فاقض حق الإسماع
علمت عليهم نفسي ونفسي ... لأوضح غبنهم عند البياع
فما اتبعوا دليلا في اجتنابي ... ولا سلكوا سبيلا في اصطناعي وكان رد ابن عبدون على هذه المعاملة ان باعهم ولزم بيته:
فبعتهم بتاتا لا بثنيا ... ولا شرط ولا درك ارتجاع
ولم أجعل قرابي غير بيتي ... وحسبي ما تقدم من قراع ولعل أشد مظهر أثار نقمة الشعر يومئذ هو تسلط اليهود في دولة غرناطة على الناس وقيامهم بحكم الجماعات الإسلامية وجمع الضرائب وهذا هو الذي دفع بابن الجد إلى إن يقول (2) :
تحكمت اليهود على الفروج ... وتاهت بالبغال وبالسروج
وقامت دولة الأنذال فينا ... وصار الحكم فينا للعلوج
فقل للأعور الدجال هذا ... زمانك إن عزمت على الخروج وهذه الحساسية تجاه قيام أهل الذمة بتحصيل الضرائب من المسلمين كانت ذات أثر عميق في النفوس لأنها كانت تصور لهم انعكاس الوضع الطبيعي في قوانين الدولة، ولم يحاول أحد منهم أن يتمثل لنفسه بأن
__________
(1) الذخيرة - القسم الثاني " المخطوط " : 282.
(2) المصدر السابق: 221.
هذه الضرائب إنما تذهب إلى خزينة الدولة لا إلى جيوب الجباة. وقد أحس الشاعر أبو حفص الزكرمي العروضي بالمشكلة من ناحيتين: أولاً لان الذي طالبه بدفع الضريبة جاب يهودي، وثانيا لأنه كان يأمل أن يأخذ لا أن يعطي؛ ولذلك نسمعه يقول في إحدى قصائده (1) :
يا أهل دانية لقد خالفتم ... حكم الشريعة والمروة فينا
مالي أراكم تأمرون بضد ما ... أمرت، ترى نسخ الإله الدينا
كنا نطالب لليهود بجزية ... وأرى اليهود بجزية طلبونا
ما إن سمعنا مالكا أفتى بذا ... لا لا. ولا من بعده سحنونا
هذا ولو أن الأئمة كلهم ... - حاشاهم - بالمكس قد أمرونا
ما واجب مثلي يمكس عدله ... لو كان يعدل وزنه " قاعونا "
ولقد رجونا ان ننال بمدحكم ... رفدا يكون على الزمان معينا
فالآن نقنع بالسلامة منكم ... لا تأخذوا منا ولا تعطونا وتسلط اليهود هو ما أثار أبا إسحاق الالبيري الزاهد أيام وزارة ابن النغريلة اليهودي في غرناطة وجعله ينظم قصيدته؛ التي ساعدت على الثورة في ذلك البلد (2) :
ألا قل لصنهاجة أجمعين ... بدور الندى واسود العرين
لقد زل سيدكم زلة ... تقر بها أعين الشامتين
تخير كاتبه كافرا ... ولو شاء كان من المسلمين
__________
(1) معجم السلفي: 41(نسخة عارف حكمت).
(2) ديوان الالبيري: 151.
فعز اليهود به وانتخوا ... وتاهوا وكانوا من الأرذلين
ونالوا مناهم وجازوا المدى ... فحاق الهلاك وما يشعرون وقد اتبع الفقيه الزاهد في هذه القصيدة هذا الأسلوب النثري السهل ليبلغ كلامه الإفهام، ومدح باديس ليكسب ثقته، ثم تحدث عما رآه رأي العين في غرناطة:
واني احتللت بغرناطة ... فكنت أراهم بها عابثين
وقد قسموها وأعمالها ... فمنهم بكل مكان لعين
وهم يقبضون جباياتها ... وهم يخضمون وهم يقضمون ثم عرج على ذكر الترف الذي انصرف إليه الوزير اليهودي فقال:
ورخم قردهم داره ... وأجرى إليها نمير العيون
فصارت حوائجنا عنده ... ونحن على بابه قائمون
ويضحك منا ومن ديننا ... فانا إلى ربنا راجعون والبيت الأخير ربما كان يشير إلى ابن النغريلة عمل رسالة ينتقد فيها بعض ما زعمه تناقضا في القرآن الكريم. وقد تلمس الالبيري كل وسيلة لإثارة النفوس وحرض على قتل اليهودي وافتى بأن ذلك لا يعد عذرا ولتلك الفتوى قيمتها إذ تصدر عن فقيه زاهد:
فبادر إلى ذبحه قربة ... وضح به فهو كبش سمين
ولا ترفع الضغط عن رهطه ... فقد كنزوا كل علق ثمين
ولا تحسبن قتلهم غدرة ... بل الغدر في تركهم يعبثون
وقد نقدر أن حرية التعبير في عصر الطوائف كانت ضيقة الحدود، وان الخوف ألجم الناقمين والمتذمرين عن الإفصاح بما كانوا يحسونه، اذ لم يكد بشعر بعضهم أن وجه المنقذ يطل عليهم من وراء آثام البطل المرابطي حتى اخذوا يتحدثون عن عيوب حكامهم في صراحة. وقد جرت الأحوال المتقلبة بالناس في ظل الحكومات المتعاقبة على استجداء رضى القائمين الجدد والشماتة بالذاهبين، سمة من سمات النفاق في الحياة السياسية تومئ إلى نقصان في الشجاعة النفسية والى أزمة عميقة في الأخلاق، وأمثالها في الحديث والقديم كثيرة. ولا ندري هل نبرى منها أبا الحسن ابن الجد حين وقف يمدح أمير المسلمين يوسف بن تاشفين ويقول (1) :
في كل يوم غريب فيه معتبر ... نلقاه أو يتلقانا به خبر
أرى الملوك أصابتهم بأندلس ... دوائر السوء لا نبقي ولا تذر
قد كنت أنظرها والشمس طالعة ... لو صح للقوم في أمثالها النظر
ناموا وأسرى لهم تحت الدجى قدر ... هوى بأنجمهم خسفا وما شعروا
وكيف يشعر من في كفه قدح ... تحدو به مذهلات الناي والوتر
صمت مسامعه من غير نغمته ... فما تمر به الآيات والسور
تلقاه كالعجل معبودا بمجلسه ... له خوار ولكن حشوة خور
وحوله كل مغتر وما علموا ... أن الذي زخرفت دنياهم غرر ولكن من الطبيعي أن تستيقظ النقمة الدينية في نقد الأمراء والملوك لدى قدوم الحكام الجدد الذين جاءوا يحملون معهم دعوة لبعث ديني.
__________
(1) الذخيرة - القسم الثاني (المخطوط): 105.