هنا عشت و من هذا الطريق سلكت و لأنها الحياة رحلت

الأربعاء، 1 سبتمبر، 2010

الف ليلة وليلة وفي الليلة السابعة بعد الثمانمائة1











 

فتعجبت أختها نسيم من فصاحة لسانه وحسن معانيه ورقة أشعاره فرقت له وختمت الكتاب بالمسك الأذفر وبخرته بالند والعنبر وأوصلته إلى بعض التجار وقالت له: لا تسلم هذا إلا لأختي أو جاريتها هبوب فقال حباً وكرامة فلما وصل الكتاب إلى زين المواصف عرفت أنه من إملاء مسرور وعرفت نفسه فيه بلطف معانيه فقبلته ووضعته على عينيها وأجرت الدموع من جفنيها ولم تزل تبكي حتى غشي عليها فلما أفاقت دعت بدواةٍ وقرطاسٍ وكتبت له الجواب ووصفت شوقها وغرامها ووجدها وما هي فيه من الحنين إلى الأحباب وشكت حالها إليه وما نالها من الوجد عليه.
وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة السادسة بعد الثمانمائة

قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن زين المواصف لما كتبت جواب الكتاب لمسرور وقالت له: إن هذا كتاب إلى سيدي ومالك رقي ومولاي وصاحب سري ونجواني أما بعد فقد أقلقني السهر وزاد بي الفكر وما لي على بعدك مصطبر يا من حسنه يفوق الشمس والقمر فالشوق أقلقني والوجد أهلكني وكيف لا أكون كذلك وأنا مع الهالكين فيا بهجة الدنيا وزينة الأحياء هل لمن انقطعت أنفاسه أن يطيب كأسه لا هو مع الأحياء ولا مع الأموات، ثم أنشدت هذه الأبيات:
كتابك يا مسرور قد هيج البـلـوىفو الله مالي عنك صبر ولا سلوى
ولما قرأت الخط حنت جوارحـيومن ماء دمعي دائماً لم أزل أروى
ولو كنت طيراً طرت في جنح ليلةٍفلم أدر طعم المن بعدك والسلـوى
حرامٌ علي العيش من بعد بعـدكـمفإني على حر التفـرق لا أقـوى
ثم قربت الكتاب بسحيق المسك والعنبر وختمته وأرسلته مع بعض التجار وقالت له: لا تسلمه إلا لأختي نسيم فلما وصل إلى أختها نسيم أوصلته إلى مسرور فقبله ووضعه على يمينه وبكى حتى غشي عليه.
هذا ما كان من أمرهما، وأما ما كان من أمر زوج زين المواصف فإنه لما علم بالمراسلات بينهما صار يرحل بها وبجاريتها من محل إلى محل فقالت له زين المواصف: سبحان الله إلى أين تسير بنا وتبعدنا عن الأوطان? قال: إلى أن أقطع بكم سنة حتى لا يصل إليكن مراسلات من مسرور انظري كيف أخذتن جميع مالي وأعطيته لمسرور فكل شيء ضاع إلى أخذه منكن وانظري هل يتمكن مسرور ويقدر على خلاصكن من يدي ثم أنه مضى إلى الحداد وصنع لهن ثلاثة قيود من الحديد وأتى بها إليهن ونزع ما كان عليهن من الثياب الحرير وألبسهن ثياباً من الشعر وصار يبخرهن بالكبريت ثم جاء إليهن بالحداد وقال له: ضع هذه القيود في أرجل أولئك الجواري فأول ما قدم زين المواصف فلما رآها الحداد غاب عن صوابه وعض على أنامله وطار عقله من رأسه وزاد غرامه وقال لليهودي: ما ذنب أولئك الجواري? فقال: إنهن جواري وسرقن مالي وهربن مني فقال له الحداد: خيب الله ظنك والله لو كانت هذه الجارية عند قاضي القضاة وأذنبت كل يوم ألف ذنبٍ لا يؤاخذها وأيضاً لا يظهر عليها علامة السرقة ولا يقدر على وضع الحديد في رجليها ثم سأله أن لا يقيدها وصار يستشفع عنده في عدم تقييدها فلما نظرت الحداد وهو يستشفع لها عنده قالت لليهودي: سألتك بالله إلا تخرجني قدام هذا الرجل الغريب.
وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة السابعة بعد الثمانمائة

قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن زين المواصف قالت لليهودي سألتك بالله ألا تخرجني قدام هذا الرجل الغريب فقال لها: وكيف خرجت قدام مسرور? فلم ترد جواباً ثم قبل شفاعة الحداد ووضع في رجليها قيداً صغيراً وقيد الجواري بالقيود الثقيلة وكان لزين المواصف جسمٌ ناعمٌ لا يتحمل الخشونة فلم تزل لابسةً ثياب الشعر هي وجواريها ليلاً ونهاراً إلى أن انتحلت أجسامهن وتغير ألوانهن وأما الحداد فإنه وقع في قلبه لزين المواصف عشقٌ عظيمٌ فسار إلى منزله وهو بأشد الحسرات وجعل ينشد هذه الأبيات:
شلت يمينك يا قين بـمـا وثـقـتتلك القيود على الأقدام والعصـب
قيدت أقـدام مـولاةٍ مـنـعــمةٍأنيسةٍ خلقت من أعجب العـجـب
لو كنت تنصف ما كانت خلاخلهـامن الحديد وقد كانت من الذهـب
ولو رأى حسنها قاضي القضاة رثىلها وأجلسها تياً أعلـى الـرتـب




وكان قاضي القضاة ماراً على دار الحداد وهو يترنم بإنشاد هذه الأبيات فأرسل إليه فلما حضر قال: يا حداد من هذه التي تلهج بذكرها وقلبك مشغول بحبها? فنهض الحداد قائماً على قدميه بين يدي القاضي وقبل يده وقال: أدام الله أيام مولانا القاضي وفسح في عمره. إنها جارية صفتها كذا وكذا وصار يصف له الجارية وما هي فيه من الحسن والجمال والقد والاعتدال والظرف والكمال وأنها بوجهٍ جميلٍ وخصرٍ نحيلٍ وردفٍ ثقيلٍ ثم أخبره بما هي فيه من الذل والحبس والقيود وقلة الزاد فقال القاضي: يا حداد دلها علينا وأوصلها إلينا حتى نأخذ لها حقها لأن هذه الجارية صارت معلقةً برقبتك وأن كنت لا تدلها علينا فإن الله يجازيك يوم القيامة فقال الحداد: سمعاً وطاعةً ثم توجه من وقته وساعته إلى ديار زين المواصف فوجد الباب مغلوقاً وسمع كلاماً رخيماً من كبدٍ حزينٍ لأن زين المواصف كانت في ذلك الوقت تنشد هذه الأبيات:

قد كنت في وطني والشمل مجتمعٌوالحب يملأ لي بالصفو أقـداحـا
دارت علينا بما تهواه مـن طـربٍفليس تشكو أمسـاه وأصـبـاحـا
لقد قضينا زماناً كان ينـعـشـنـاكأساً وعوداً وقانونـاً وأفـراحـا
ففرق الدهر والتصريف ألفـتـنـاوالحب ولى ووقت الصفو قد راحا
قلبت عنا غراب البين مـنـزجـرٍوليت فجر وصالي في الهوى لاحا
فلما سمع الحداد هذا الشعر والنظام بكى بدمعٍ كدمع الغمام ثم طرق الباب عليهن فقلن: من بالباب? فقال لهن: أنا الحداد ثم أخبرهن بما قاله القاضي وأنه يريد حضورهن لديه وإقامة الدعوى بين يديه حتى يخلص لهن حقهن.
وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الثامنة بعد الثمانمائة

قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الحداد لما أخبر زين المواصف كلام القاضي وأنه يريد حضورهن لديه وإقامة الدعوى بين يديه ويقتص لهن من غريمهن حتى يخلص لهن حقهن قالت للحداد: كيف نروح إليه والباب مغلوقٌ علينا والقيود في أرجلنا والمفاتيح مع اليهودي? قال لهن الحداد: أنا أعمل للأقفال مفاتيح وأفتح بها الباب والقيود قالت: فمن يعرفنا بيت القاضي? فقال الحداد: أنا أصفه لكن فقالت زين المواصف: وكيف نمضي عند القاضي ونحن لابساتٍ ثياب الشعر المبخرة بالكبريت? فقال الحداد: إن القاضي لا يعيبكن وأنتن في هذه الحالة ثم نهض الحداد من وقته وساعته وصنع مفاتيح أقفالٍ ثم فتح الباب وفتح القيود وحلها من أرجلهن وأخرجهن ودلهن على بيت القاضي.
 

ثم أن جاريتها هبوب نزعت ما كان على سيدتها من الثياب الشعر وذهبت بها إلى الحمام وغسلتها وألبستها ثياب الحرير فرجع لونها إليها ومن تمام السعادة أن زوجها كان في وليمةٍ عند بعض التجار فتزينت زين المواصف بأحسن زينةٍ ومضت إلى بيت القاضي فلما نظر لها القاضي وقف قائماً على قدميه فسلمت عليه بعذوبة كلامٍ وحلاوة ألفاظٍ ورشقته في ضمن ذلك بسهام الإلحاظ وقالت له: أدام الله مولانا القاضي ثم أخبرته بأمر الحداد وما فعل معها من فعل الأجواد وبما صنع بها زوجها من العذاب الذي يدهش الألباب وأخبرته أنه قد زاد بهن الهلاك ولم يجدن لهن من فكاك، فقال القاضي: يا جارية ما اسمك? قالت: اسمي زين المواصف وجاريتي هذه اسمها هبوب فقال لها القاضي: إن اسمك وافق مسماه وطابق لفظه معناه. فتبسمت ولفت وجهها فقال لها القاضي: زين المواصف ألك بعل أم لا? قالت: ما لي بعل قال: وما دينك? قالت: ديني الإسلام وملة خير الأنام فقال لها: أقسمي بالشريعة ذات الآيات والعبر أنك على ملة خير البشر، فأقسمت له وتشهدت فقال لها القاضي: كيف انقضى شبابك مع هذا اليهودي? فقالت له: أعلم أيها القاضي أدام الله أيامك بالتراضي وبلغك آمالك وختم بالصالحات أعمالك أن أبي خلف لي بعد وفاته خمسة عشر ألف دينارٍ وجعلها بين يدي هذا اليهودي يتجر فيها والكسب بيننا وبينه ورأس المال ثابتٌ بالبينة الشريعة فعندما مات أبي طمع اليهودي في وطلبني من أمي ليتزوج بي فقالت له أمي: كيف أخرجها من دينها وجعلها يهودية فو الله لأعرفن الدولة بك فخاف ذلك اليهودي من كلامها وأخذ المال وقرب إلى مدينة عدن وعند ما سمعنا به أنه في مدينة عدن جئنا في طلبه فلما اجتمعنا عليه في تلك المدينة ذكر لنا أنه يتاجر في البضائع ويشتري بضاعةً بعد بضاعةٍ فصدقناه ولم يزل يخادعنا حتى حبسنا وقيدنا وعذبنا أشد العذاب ونحن غرباء وما لنا معين إلا الله تعالى ومولانا القاضي، فلما سمع القاضي هذه الحكاية قال لجاريتها هبوب: هل هذه سيدتك وأنتن غرباء وليس لها بعل? قالت نعم قال: زوجني به وأنا يلزمني العتق والصيام والحج والصدقة إن لم أخلص لكن حقكن من هذا الكلب بعد أن أجازيه بما فعل فقالت هبوب: لك السمع والطاعة فقال القاضي: روحي طيبي قلبك وقلب سيدتك وفي غد إن شاء الله تعالى أرسل إلى هذا الكافر وأخلص لكن حقكن منه وتنظرين العجب في عذابه فدعت الجارية وانصرفت من عنده وخلته في كربٍ وهيامٍ وشوقٍ وغرامٍ، وبعد أن انصرفت من عنده هي وسيدتها سألتا عن دار القاضي الثاني فدلوهما عليه فلما حضرتا لديه أعلمتاه بذلك وكذلك الثالث والرابع حتى رفعت أمرها إلى القضاة الأربعة وكل واحد يسألها أن تتزوج به فتقول له: نعم ولم يعرف بعضهم خبر بعضٍ فصار كل واحدٍ يطمع فيها ولم يعلم اليهودي بشيءٍ من ذلك لأنه كان في دار الوليمة، فلما أصبح الصباح نهضت جاريتها وأفرغت عليها حلةً من أفخر الملابس ودخلت بها على القضاة الأربعة في مجلس الحكم، فلما رأت القضاة حاضرين أسفرت عن وجهها ورفعت قناعها وسلمت عليهم فردوا عليها السلام وعرفها كل واحد منهم وكان بعضهم يكتب فوقع القلم من يده وبعضهم كان يتحدث فتلجلج لسانه وبعضهم كان يحسب فغلط في حسابه فعند ذلك قالوا لها: يا ظريفة الخصال وبديعة الجمال لا يكن قلبك إلا طيباً فلا بد من أن نخلص لك حقك ونبلغك مرادك فدعت له ثم ودعتهم وانصرفت.
وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة التاسعة بعد الثمانمائة

قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن القضاة قالوا لزين المواصف: يا ظريفة الخصال وبديعة الجمال لا يكن قلبك إلا طيباً بقضاء غرضك وبلوغ مرادك، فدع لهم ثم ودعتهم وانصرفت، هذا كله واليهودي مقيمٌ عند أصحابه في الوليمة وليس له علمٌ بذلك، وصارت زين المواصف تدعو ولاة الأحكام وأرباب الأقلام لينصروها على هذا الكافر الموئاب ويخلصوها من أليم العذاب.
 

ثم أنها كتبت كتاباً يتضمن جميع ما عمله معها اليهودي من الأول إلى الأخر وسطرت فيه الأشعار ثم طوت الكتاب وناولته لجاريتها هبوب وقالت لها: احفظي هذا الكتاب في جيبك حتى نرسله إلى مسرور، فبينما هي كذلك وإذا باليهودي قد دخل عليهما فرآهما فرحانتين فقال: ما لي أراكما فرحانتين هل أتاكما كتاب من عند صديقكما مسرور? فقالت له زين المواصف: نحن ما لنا عليك إلا سبحانه وتعالى فإنه هو الذي يخلصنا من جورك وإن لم تردنا إلى بلادنا وأوطاننا فنحن في غد نترافع وإياك إلى حاكم هذه المدينة وقاضيها، فقال اليهودي: ومن خلص القيود من أرجلكما ولكن لا بد أن أضع كل واحدةٍ منكن قيداً قدر عشرة أرطالٍ وأطوف بكن حول المدينة، فقالت له هبوب، جميع ما نويته لنا تقع فيه أن شاء الله كما أبعدتنا عن أوطاننا، وفي غد نقف وإياك قدام حاكم المدينة، واستمروا على ذلك حتى الصباح.
ثم نهض اليهودي وأتى إلى الحداد ليصنع قيوداً لهن فعند ذلك قامت زين المواصف هي وجواريها وأتت إلى دار الحكم ودخلتها فرأت القضاة فسلمت عليهم فرد عليها كل القضاة السلام، ثم قال قاضي القضاة لمن حوله: إن الجارية زهراوية وكل من رآها أحبها وخضع لحسنها وجمالها، ثم أن القاضي أرسل معها من الرسل أربعةً وكانوا أشرفاً وقال: لهم أحضروا غريمها في أسوأ حال. هذا ما كان من أمرها.
وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة العاشرة بعد الثمانمائة

قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن القاضي أرسل مع زين المواصف أربعةً وقال لهم أحضروا غريمها في أسوأ حال. هذا ما كان من أمرها. وأما ما كان من أمر اليهودي فأنهن لما صنع لهن القيود عاد إلى المنزل فلم يجدهن فيه فاحتار في أمره، فبينما هو كذلك وإذا بالرسل قد تعلقوا به وضربوه ضرباً شديداً وجروه سحباً على وجهه حتى أتوا به إلى القاضي فلما رآه القاضي صرخ في وجه وقال: يا عدو الله هل وصل أمرك من أنك فعلت ما فعلت وأبعدت هؤلاء عن أوطانهن وسرقت ما لهن وتريد أن تجعلهن يهوداً فكيف تريد تكفير المسلمين? فقال اليهودي: يا مولاي إن هذه زوجتي، فلما سمع القضاة منه هذا الكلام صاحوا كلهم وقالوا: ارموا هذا الكلب على الأرض وأنزلوا على وجهه بنعالكم واضربوه ضرباً وجيعاً فإن ذنبه لا يغتفر، فنزعوا عنه ثيابه الحريرية وألبسوه ثياباً من الشعر وألقوه على الأرض ونتفوا لحيته وضربوه ضرباً وجيعاً على وجهه بالنعال ثم أركبوه على حماره وجعلوا وجهه على كفله وأمسكوه ذيل الحمار في يده وطافوا به حول البلد حتى جرسوه في سائر البلد، ثم عادوا به إلى القاضي وهو في ذلٍ عظيمٍ فحكم عليه القضاة الأربعة بأن تقطع يداه ورجلاه وبعد ذلك يصلب.
فاندهش المعلون من هذا القول وغاب عقله وقال: يا سادتي القضاة ما تريدون مني? فقالوا له: قل أن هذه الجارية ما هي زوجتي وأن المال مالها وأنا تعديت عليها وشتتها عن أوطانها، فأقر بذلك وكتبوا بإقراره حجةً وأخذوا منه المال ودفعوه إلى زين المواصف وأعطوها الحجة وخرجت فصار كل من رأى حسنها وجمالها متحيراً في عقله وظن كل واحد من القضاة أنه يؤول أمرها إليه.
فلما وصلت إلى منزلها جهزت أمرها من جميع ما تحتاج إليه وصبرت إلى أن دخل الليل فأخذت ما خف حمله وغلا ثمنه وسارت هي وجواريها في ظلام الليل ولم تزل سائرة مسافة ثلاثة أيامٍ بلياليها. هذا ما كان من أمر زين المواصف، وأما ما كان من أمر القضاة فأنهم بعد ذهابها أمروا بحبس اليهودي زوجها.
وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الحادية عشرة بعد الثمانمائة

 

قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن القضاة أمروا بحبس اليهودي زوج زين المواصف، فلما أصبح الصباح صار القضاة والشهود ينتظرون أن تحضر عندهم زين المواصف فلم تحضر عند أحد منهم، ثم أن القاضي الذي ذهبت إليه أولا قال: أنا أريد اليوم أن أتفرج على خارج المدينة لأني لي حاجة هناك ثم ركب بغلته وأخذ غلمانه وصار يطوف أزقة المدينة طولاً وعرضاً ويفتش على زين المواصف فلم يقع لها على خبر، فبينما هو كذلك إذ وجد باقي القضاة دائرين وكل واحدٍ منهم يظن أنه ليس بينها وبين غيره معياد فسألهم ما سبب ركوبهم ودورانهم في أزقة المدينة فأخبروه بشأنهم فرأى حالهم كحاله وسؤالهم كسؤاله فصار الجميع يفتشون عليها فلم يقعوا لها على خبر فانصرف كل واحدٍ منهم إلى منزله مريضاً ورقدوا على فراش الضنى ثم أن قاضي القضاة تذكر الحداد فأرسل إليه فلما حضر بين يديه قال له: يا حداد هل تعرف شيئاً من خبر التي دللتها علينا فو الله إن لم تطلعني عليها ضربتك بالسياط، فلما سمع الحداد كلام القاضي أنشد هذه الأبيات:
أن التي ملكتني في الهوى ملكـتمجامع الحسن حتى لم تدع حسنـاً
رنت غزالاً وفاحت عنبراً وبـدتشمساً وماجت غديراً وأنثنت غصناً
ثم أن الحداد قال: والله يا مولاي من حين انصرفت من الحضرة الشريفة ما نظرتها عيني أبداً وقد ملكت لبي وعقلي وصار فيها حديثي وشغلي وقد مضيت إلى منزلها فلم أجدها ولم أر أحداً يخبرني عن شأنها فكأنها غطست في قرار الماء أو عرج بها إلى السماء. فلما سمع القاضي كلامه شهق شهقةً كادت روحه أن تخرج منه ثم قال: والله ما كان لنا حاجة برؤيتها فانصرف الحداد ووقع القاضي على فراشه وصار من أجلها في ضنى وكذا الشهود وباقي القضاة الأربعة وصارت الحكماء تتردد عليهم وما بهم من مرض يحتاج إلى طبيب ثم أن وجهاء الناس دخلوا على القاضي الأول فسلموا عليه واستخبروه عن حاله فتنهد وباح بما في ضميره وبكى بكاءً شديداً ثم أنه شهق شهقةً ففارقت روحه جسده فلما رأوا ذلك غسلوه وكفنوه وصلوا عليه ودفنوه وكتبوا على قبره هذه الأبيات:
كملت صفات العاشقين لمن غدافي القبر مقتول الحبيب وصده
قد كان هذا للبـرية قـاضـياًويراعه سجن الحسام بغمـده
فقضى عليه الحب لم نر قبلـهمولى تذلل في الأنام لعـبـده
ثم أنهم ترحموا عليه وانصرفوا إلى القاضي الثاني ومعهم الطبيب فلم يجدوا به ضرراً ولا ما يحتاج إلى طبيب فسألوه عن حاله وشغل باله فعرفهم بقضيته فلاموه وعنفوه على تلك الحالة ثم أنه شهق شهقةً فارقت روحه جسده فجهزوه ودفنوه وترحموا عليه ثم توجهوا إلى القاضي الثالث فوجدوا الجميع مرضى بحبها ووجدوا الشهود أيضاً مرضى بحبها فإن كل من رآها مات بحبها وأن لم يمت يكابد لوعة الغرام.
وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الثانية عشرة بعد الثمانمائة

قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن أهل المدينة وجدوا جميع القضاة والشهود مرضى بحبها فإن كل من رآها مات بعشقها وأن لم يعش يكابد لوعة الغرام من شدة حبها رحمهم الله أجمعين. هذا ما كان من أمرهم.
وأما ما كان من أمر زين المواصف فإنها وجدت في السير مدة أيامٍ حتى قطعت مسافةً بعيدةٍ فاتفق أنها خرجت هي وجواريها فمرت على ديرٍ في الطريق وفيه راهب كبير اسمه دانس وكان عنده أربعون بطريقاً فلما رأى جمال زين المواصف نزل إليها وعزم عليها وقال لها استريحوا عندنا عشرة أيامٍ ثم سافروا فنزلت عنده هي وجواريها في ذلك الدير فلما نزلت ورأى حسنها وجمالها أفسدت عقيدته وأفتتن بها وصار يرسل إليها مع البطارقة واحد بعد واحد لأجل أن يؤلفها فصار كل من أرسله إليها يقع في حبها ويراودها عن نفسها له وهي تعتذر وتمتنع ولم يزل دانس يرسل إليها الأربعين بطريقا وكل واحدٍ حين يراها يتعلق بعشقها ويكثر من ملاطفتها ويراودها عن نفسها ولا يذكر لها اسم دانس فتمتنع من ذلك وتجاوبهم بأغلظ جواب فلما فرغ صبر دانس وأشتد غرامه، قال في نفسه: إن صاحب المثل يقول: ما حك جسمي غير ظفري ولا سعى في مرامي مثل أقدامي.

ثم نهض قائماً على قدميه وصنع طعاماً مفتخراً وحمله ووضعه بين يديها وكان ذلك اليوم التاسع من العشرة أيام التي أتفق معها على إقامتها عنده لأجل الاستراحة فلما وضعه بين يديها قال: تفضلي باسم الله خير الزاد ما حصل فمدت يديها وقالت: بسم الله الرحمن الرحيم وأكلت هي وجوارها فلما فرغت من الأكل قال لها: يا سيدتي أريد أن أنشدك أبياتاً من الشعر، فقالت له: قل، فأنشد هذه الأبيات:
ملكت قلبي بالـحـاظ ووجـنـاتوفي هواك غد نثـري وأبـياتـي
أتتركني محباً مـغـرمـاً دنـفـاًأعالج العشق حتى في المنامـات
لا تتركيني صريعاً ولهـاً فـلـقـدتركت أشغال ديري بعد لـذاتـي
يا غادة جوزت في الحب سفك دميرفقاً بحالي وعطفاً في شكاياتـي
فلما سمع زين المواصف شعره أجابته عن شعره بهذين البيتين:
يا طالب الوصل لا يغررك بي أملأكفف سؤالك عني أيها الـرجـل
لا تطمع النفس فيما لست تملكـهأن المطامع مقرون بهـا الأجـل
فلما سمع شعرها رجع إلى صومعته وهو مفتكر في نفسه ولم يدر كيف يصنع في أمرها ثم بات تلك الليلة في أسوأ حال فلما جن الليل قامت زين المواصف وقالت لجواريها: قوموا بنا فأننا لا نقدر على أربعين رجلاً رهباناً وكل واحدٍ يراودني عن نفسي فقال لها الجواري: حباً وكرامة ثم أنهن ركبن دوابهن وخرجن من باب الدير ليلاً.
وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الثالثة عشرة بعد الثمانمائة

قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن زين المواصف لما خرجت هي وجواريها من الدير ليلاً لم يزلن سائرات وإذا هن بقافلةٍ فاختلطن بها وإذا بالقافلة من مدينة عدن التي كانت فيها زين المواصف فسمعت أهل القافلة يتحدثون بخبر زين المواصف ويذكرون القضاة والشهود ماتوا في حبها وولى أهل المدينة قضاةً وشهوداً غيرهم وأطلقوا زوج زين المواصف من الحبس.
فلما سمعت زين المواصف هذا الكلام التفتت إلى جواريها وقالت لجاريتها هبوب: ألا تسمعين هذا الكلام? فقالت لها جاريتها: إذا كان الرهبان الذين عقيدتهم أن الترهب عن النساء عبادة قد افتتنوا في هواك فكيف حال القضاة الذين عقيدتهم أنه لا رهبانية في الإسلام ولكن أمض بنا إلى أوطاننا ما دام أمرنا مكتوماً ثم أنهن سرن وبالغن في السير وهن قاصدات مدينة عدن إلى أن وصلت زين المواصف إلى منزلها وفتحت الأبواب ودخلت الدار ثم أرسلت إلى أختها نسيم فلما سمعت أختها بذلك فرحت فرحاً شديداً وأحضرت لها الفراش ونفيس القماش ثم أنها فرشت لها وألبستها وأرخت الستور على الأبواب وأطلقت العود والبد والعنبر والمسك الأذفر حتى عبق المكان من تلك الرائحة وصار أعظم ما يكون ثم أن زين المواصف لبست أفخر قماشها وتزينت أحسن زينة كل ذلك جرى ومسرور لم يعلم بقدومها بل كان في همٍ شديد وحزنٍ ما عليه مزيد.
وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الرابعة عشرة بعد الثمانمائة


قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن زين المواصف لما دخلت دارها أتت لها أختها بالفراش وفرشت لها وألبستها أفخر الثياب كل ذلك جرى ومسرور لم يعلم بقدومها بل كل في همٍ شديد وحزن ما عليه مزيد، ثم جلست زين المواصف تتحدث مع جواريها الذين تخلفن عن السفر معها وذكرت لهن جميع ما وقع لها من الأول إلى الأخر، ثم أنها التفتت إلى هبوب وأعطتها دراهم وأمرتها أن تذهب وتأتي لها بشيء تأكله هي وجواريها فذهبت وأتت بالذي طلبته من الأكل والشرب فلما انتهى أكلهن وشربهن أمرت هبوب أن تمضي إلى مسرور وتنظر أين هو وتشاهد ما هو فيه من الأحوال وكان مسرور لا يقر له قرار ولا يمكنه اصطبار فلما زاد عليه الوجد والغرام قام ومشى إلى زقاق زين المواصف فشم منه الروائح الزكية فهاج لبه وفاق صدره وقلبه وتضرر غرامه وزاد هيامه وإذا بهبوب متوجهةٌ إلى قضاء حاجة فرآها وهي مقبلة من صدر الزقاق، فلما رآها فرح فرحاً شديداً فلما رأته هبوب أتت إليه وسملت عليه وبشرته بقدوم سيدتها زين المواصف وقالت لها: أنها أرسلتني في طلبك إليها ففرح فرحاً شديداً ما عليه من مزيد ثم أخذته ورجعت به إليها فلما رأته زين المواصف نزلت له من فوق سريرها وقبلته وعانقته وعانقها ولم يزل يقبلان بعضهما ويتعانقان حتى غشي عليهما زمناً طويلاً من شدة المحبة والفراق.
فلما أفاقا من غشيتهما أمرت جاريتها هبوب بإحضار قلة مملوءة من شراب السكر وقلة مملوءة من شراب الليمون فأحضرت لها الجارية جميع ما طلبته، ثم أكلوا وشربوا وما زالوا كذلك إلى أن أقبل الليل فصاروا يذكرون الذي جرى لهم من أوله إلى أخره ثم أنها أخبرته بإسلامها ففرح وأسلم هو أيضاً وكذلك جواريها وتابوا إلى الله تعالى فلما أصبح الصباح أمرت بإحضار القاضي والشهود وأخبرتهم أنها عازبة وقد وفت العدة ومرادها الزواج بمسرور فكتبوا كتابها وصاروا في ألذ عيش، هذا ما كان من أمر زين المواصف.
وأما ما كان من أمر زوجها اليهودي، فإنه حين أطلقه أهل المدينة من السجن سافر منها متوجهاً إلى بلاده، ولم يزل مسافراً حتى صار بينه وبين المدينة التي فيها زين المواصف ثلاثة أيامٍ فأخبرت بذلك زين المواصف فدعت بجارتيها هبوب وقالت لها: امض إلى مقبرة اليهودي واحفري قبراً وضعي عليه الرياحين ورشي عليه الماء وأن جاء اليهودي وسألك عني فقولي له أن سيدتي ماتت من قهرها عليك ومضى لموتها مدة عشرين يوما فأن قال أريني قبرها فخذيه إلى القبر وتحيلي دفنه فيه بالحياة، فقالت سمعاً وطاعةً ثم أنهم رفعوا الفراش وأدخلوه في مخدع ومضت إلى بيت مسرور فقعدوا في أكل وشرب ولم يزالا كذلك حتى مضت الثلاثة أيامٍ، هذا ما كان من أمرهم.
وأما ما كان من أمر زوجها فإنه لما أقبل من السفر دق الباب فقالت هبوب: من بالباب? فقال: سيدك ففتحت له الباب فرأى دموعها تجري على خديها فقال لها: ما يبكيك? وأين سيدتك? فقالت له: إن سيدتي ماتت بسبب قهرها عليك، فلما سمع منها ذلك الكلام تحير في أمره وبكى بكاءً شديداً حتى خر مغشياً عليه فلما غشي عليه أسرعت هبوب بجره ووضعته في القبر وهو بالحياة ولكنه مدهوش ثم سدت عليه ورجعت إلى سيدتها وأعلمتها بهذا الخبر ففرحت بذلك فرحاً شديداً وأنشدت هذين البيتين:
الدهر أقسـم لا يزال مـكـدريحنثت يمينك يا زمان فـكـفـر
مات العزول ومن هويت مواصليفانهض إلى داعي السرور وشمر
ثم أنها أقاموا مع بعضهم على الأكل والشرب واللهو واللعب إلى أن أتاهم هازم اللذات ومفرق الجماعات ومميت البنين والبنات.
وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.