هنا عشت و من هذا الطريق سلكت و لأنها الحياة رحلت

الاثنين، 6 سبتمبر، 2010

فنون عصر النهضة - دوتشيو دي بو ننسنيا (1255 - 1319)











 
دوتشيو دي بو ننسنيا (1255 - 1319)


إذا كان الهدف الذي سعى وراءه المصوّرون الفلورنسيون هو تمثيل الشكل والحركة، والمصوّرون البنادقة هو الروعة والإبهار وتناغم الألوان، فإنّ مصوّري وسط إيطاليا نادراً ما كانت ألوانهم تنفذ إلى الإحساس وتدفئ القلوب باستثناء أعمال سيموني مارتيني وبيروجينو ورافائيل، كما لم يلتفت أيّ منهم إلى مسائل الشكل والحركة باستثناء سنيوريللي، ورغم ذلك كله ذاع صيتهم وتألّقت أسماؤهم بين مصوري عصر النهضة.
وكان جوفاني بيزانو قد أعدّ نسخة مطابقة إلى حد بعيد لتمثال فينوس الكابيتولينوس [أو فينوس الحيية أو الخَفِرة] تجسيداً لفضيلة العفّة فوق منبر الكاتدارئية بسيينا (لوحة 50) الذي أنجز ما بين عامي 1300 و1310 ويُعدّ أحد إرهاصات عصر النهضة المثير للدهشة في تاريخ الفن كله. والحق إن تمثّل جوفاني بيزانو نبيّ الفن القوطي الإيطالي هذا النموذج الكلاسيكي الخالص كان جموح خيال فذّ بغير نظير. وتكمن وسيلته في إضفاء الروح المسيحية على فينوس في لفتة رأسها وفيما يتجلّى من تعبير على أساريرها، فبدلاً من أن تتجه ببصرها صوب نفس اتجاه جسدها كاشفة عن انشغالها بحاضرها، تدير رأسها فوق كتفها متطلّعة ببصرها إلى أعلى وتثني ذراعها اليمنى ليستقر كفها فوق بطنها حتى تكاد تحجبها، فتجتذب نظر الرائي نحو رأسها. وبهذه الوضعة يكون جوفاني بيزانو قد ابتكر إيماءة لم تلبث أن غدت التعبير المعترف به عن الشوق إلى العالم الآخر، غير أن الإفراط في تكرارها فيما بعد أفقدها معناها. وبطبيعة الحال لم يكن هذا النمط الذي ابتدعه جوفاني متّفقاً مع روح عصره، وكان لا معدى عن الانتظار قرناً من الزمان قبل أن يصبح الجمال العاري شيئاً مختلفاً عن الصورة التي تجلّى فيها آدم وحواء عند بدء الخليقة حين كان الجسد العاري تجسيداً لأحد الدوافع النفسية الكامنة في أعماق الإنسان. فلقد ظلّت فينوس أمداً طويلاً تجسيداً للشهوة فحسب قبل أن تجتذب الإعجاب إلى ما ترمز إليه من سمات سماوية، حتى ذهب المثّال فيلاريتي Filarete في مقال له عن الفن إلى تصوّر حديقة للرذائل تحتل فينوس فيها بؤرة الاهتمام، وهو المظهر الذي بدت به في كافة المنجزات الزخرفية المعبّر عن الخيال الشائع وقتذاك.
ولم تلبث فينوس أن نفضت عنها ما لحق بها من هوان العصور الوسطى، وهي وإن كانت قد نفضته بوسائل العصور الوسطى نفسها إلا أن رؤية مخلّصيها كانت مع ذلك رؤية كلاسيكية. فقد بدأت بعض البشائر المرهصة بعصر النهضة في الظهور، منها محاولة بعث فينوس الكلاسيكية من جديد لا سيما بعد أن توالى العثور على تماثيلها في كافة أنحاء إيطاليا مطمورة تحت سطح الأرض، وما أكثر ما كان يعثر عليها بين الحين والحين مصادفة خلال العصور الوسطى. ويصف لنا المثّال "جيبرتي" في كتابه عن النوادر التاريخية واحداً من أمثال هذه الاكتشافات وقع في منتصف القرن الرابع عشر بمدينة سيينا حين عثر على تمثال لفينوس بتوقيع الفنّان ليسيبوس ابتهج به الأهالي ونصبوه وسط المدينة وسجّله رسماً أمبروزيو لورنزتي مصورهم الرسمي، غير أن تحطيم الصور والتماثيل كانت لا تزال قارّة في النفوس، فلم يلبث التمثال أن اقتلع من مكانه خشية حلول الكوارث بسببه، وبعثت به سيينا إلى دويلة فلورنسا المعادية ليدفن في ترابها لعل اللعنة المصاحبة له تحل بأهل فلورنسا، ولا يغيبن عن بالنا أن قرار اقتلاع التمثال والتخلّص منه لم يتخذ بسبب عريه بل لأنه صنم وثني.
على أن أشكال الرجال العراة لم تختف تماماً من أوروبا المسيحية خلال الحقبة نفسها إذ كانت تطل بين آونة وأخرى باعتبارها صدى لإعجاب قديم أخذ يفقد معناه بالتدريج لولا ذلك الحنين الذي أحسّه البعض نحو ما كان للعري من سحر خمد أواره منذ عهد بعيد. ولم يظهر الشكل الأبوللوني المثالي بعد ذلك إلا نادراً قبيل الفجر الواعد بعصر النهضة، إذا جاز من الناحية الشكلية البحتة اعتبار الجسد العاري المجسِّد للفتوة الذي أنجزه بيزانو فوق منبر الحق بمبنى معمودية بيزا تمثيلاً لأبوللو (لوحة 51). فمع أنه أشد غلظة من النموذج المتأغرق إلا أنه يخضع خضوعاً تاماً للأنماط اليونانية خلال القرن الخامس ق.م. وإن افتقر إلى إحساس الفنان بالجمال الجسدي، ذلك الإحساس المرفوض الذي ظلّ يعدّ لفترة طويلة رجساً من عمل الشيطان، حتى لقد احتاج الأمر إلى ما يقرب من قرن ونصف قرن قبل أن يعود الجسد الإنساني فيشغل الأذهان بجماله من جديد ويصبح موضوعاً فنياً متاحاً، وهي الظاهرة التي تعتبر معجزة عصر النهضة العصيّة على التفسير. ولقد نلمح لهذه الظاهرة إرهاصات في التصوير القوطي هنا وهناك في مطلع القرن الخامس عشر تبدّت في لفتة عنق هنا أو انثناءة ذراع هناك.
ونحن في كل مرة تقع أبصارنا على لوحة مصورة نحتفظ في ذاكرتنا بقدر من أشكالها وألوانها، وما يلبث هذا الطيف الحاضن أشكالاً ساكنة وأخرى مفعمة بالحيوية أن يتخذ شكل الصور المرئية التي تراود الأذهان المختلفة بدرجات متفاوتة، فنسترجعه لنرى بعين الخيال ما قد رأيناه بعين الحقيقة من قبل. وقلما يفطن بعضنا إلى وجود هذه الصور المرئية رغم علمنا بوجودها، على حين يستدعي البعض الآخر بخياله أطيافاً محددة مصحوبة بحدة المشاعر نفسها التي تثيرها رؤية الموضوع المصور، أما الفريق الثالث فلا يكادون يطبقون أجفانهم حتى تترى أمامهم الأشكال الغائبة بنفس الحيوية والحرارة التي انطبعت في شبكيات عيونهم حينما رأوها. موجز القول إن كلّاً منا يختلف عن الآخر في غزارة ما تحتفظ به ذاكرته من صور مرئية، وبهذا ينقسم الناس إلى فئات ثلاث، تسترجع الفئة الأولى ما سبقت لها رؤيته بطريقة ناقصة أو قد لا تسترجع شيئاً على الإطلاق، وتسترجع الفئة الثانية تلك الصور على نحو مقبول، على حين تسترجع الفئة الثالثة الصور السابقة استرجاعاً دقيقاً. ولعل مسيرة الفن كانت ستغدو شديدة الاختلاف عما هي عليه لو كان الناس كلهم من الفئة الأولى أو الثالثة، فأغلب البشر ينتمي إلى الفئة الثانية، أولئك الذين يسترجعون الصور على نحو مقبول، فإذا ما ذكر أمامهم اسم شيء ما، لا تلبث أن تتجمع في أذهانهم صورته التي قد تكون مبهمة أو مراوغة دون أن تكون مُقنعة.
والفن العظيم ليس محاكاةً "فوتوغرافية" للطبيعة كما هي، وإنما هو ترجمة صور ذهنية للأشياء تمليها قدرة الفنان. وحين افترض العلامة بيرينسون وجود شخص غير قادر على استذكار الصورة الذهنية لشيء ما أو لشخص رآه من قبل، وتساءل عمّا يؤدّيه الفن له من عون، ميّز بيرينسون بين جانبين للتصوير، جانب اصطلح على تسميته بالزخرفة Decoration وجانب اصطلح على تسميته بالتوضيح أو التصوير الإيضاحي Illustration.
أما الزخرفة فقصد بها كل عناصر الصورة التي لا تَمُتّ إلى موضوعها بصلة مباشرة كالأشكال والأضواء والظلال والألوان وما يموج بها من حركة، أي العناصر الفنية الممثّلة في الصورة والتي يمكن الحكم عليها منفصلة عن الموضوع المصور. وأما التصوير الإيضاحي - وهو مفهوم خاص ببيرينسون أيضاً - فكان يعني به صلة الصورة بالموضوع، أي علاقة الصورة بالواقع الأصلي سواء كان ذلك تحويراً أو محاكاةً واقعية. فالتصوير الإيضاحي المقصود هنا ليس مجرد محاكاةً صادقة لشيء في العالم الخارجي وإنما هو محاكاة ما في مخيّلة الفنان من رؤية قد ينفرد بها أو يشاركه فيها غيره من الفنانين أو النظارة. ذلك أن اللوحة المصورة تخاطب الحواس بإحدى وسيلتين: وسيلة العناصر الفنية الكامنة في الأسلوب الفني للمصور، ووسيلة المثال الذهني في مخيّلة الفنان الذي تكون الصورة ترجمة له فتقع عين المشاهد لا على محاكاة للواقع بل على محاكاة لرؤية خاصة للواقع هي رؤية الفنان.
ولم يكن مصوّرو وسط إيطاليا من بين أعظم المصوّرين قدرة على النفاذ إلى الأعماق بل كانوا أعظمهم قدرة على التصوير الإيضاحي Illustrators، فإذا نحن نراهم يبعثون النشوة والرضا في المشاهدين بنقلهم الحقيقة المرئية إلى عيونهم من خلال أذواقهم وخيالهم أو أي ملكات أخرى يمتلكونها تترجم الحقائق المرئية بتعبيرهم الخالص، وإذا هم يصوّرون رؤى تمثّل أماني حقبتين متميّزتين ومُثُلهما، أولاهما حقبة العصور الوسطى التي لم تعد تجذب الناس إليها ذلك الجذب القائم على "التصوير الإيضاحي" مما جعل مستواها يهبط إلى مستوى الوثائق الجامدة التي عفى عليها الزمن، أما الحقبة الثانية فهي التي ما نزال نعيش في أحضانها، فما فتئت الآمال والمُثل التي كانت تحرّك رافائيل وأضرابه منذ خمسة قرون هي نفس الآمال والمُثُل التي تحرّكنا اليوم.
ولقد استطاع المنهج البيزنطي Maniera Bizantina الذي ابتكر لتصوير الأيقونات والذي أخذ ينقرض تدريجياً في إيطاليا أن يظل قائماً بعض الوقت في سيينا، فمن التراث الإغريقي المتوارث في التصوير البيزنطي استمد فنانو سيينا رشاقة الشخوص، ومن العناصر الشرقية في التصوير البيزنطي استلهموا الألوان المتألّقة وخاصّة الخلفيات المذهّبة والثياب الأرجوانية، وشيئاً فشيئاً لقن مصوّرو سيينا عن المصورين الفلورنسيين والفلمنكيين الأكثر تقدّماً كيفية توزيع الشخوص وتنسيقها ضمن منظر طبيعي واقعي وإسباغ الحركة عليها.
هكذا كان التصوير فنّاً مزدهراً قرب نهاية القرن الثالث عشر بين أسوار مدينة سيينا الناعمة الساحرة، وكانت الزهرة الأولى التي انبثقت منها كل بذور فن سيينا الشهيرة هي موهبة الفنان الخالد دوتشيو دي بوننسنيا Duccio di Buoninsegna، الذي توفرت فيه كل ما كانت تتطلبه العصور الوسطى في المصورين، وهو أن يعيد الفنان كتابة قصص المسيح المخلّص والعذراء البتول من خلال "الكتابة التصويرية" Pictograph، أعني الرسم عن طريق مصطلحات متواضع عليها شديدة الإحكام بحيث يستوعبها المشاهد مهما بلغت درجة أُمّيّته. ولما كانت هذه "الكتابة التصويرية" تقدم ضمن ما يقدم من عطايا وهدايا نذوراً للكنيسة، دفع ذلك الفنانين إلى أن يضفوا عليها من فنون المهارة والبراعة والتذهيب ما يأخذ بالألباب كي تشدّ الأنظار بتألّقها. ولم يكتف دوتشيو بإنجاز هذه الكتابات التصويرية في أبهى حلة جمالية بل زاد فأسبغ بمواهبه الفريدة على ما يصوّره من قصص كل ما كان يستشعره من قيم جمالية، ومن ثم ارتقى بجمهور مشاهدي أعماله إلى مستوى إدراكه هو. فلقد كان دوتشيو يمتلك قدرة غير محدودة على "التصوير الإيضاحي" المهيب، أعني نقل الحقيقة المرئية إلى عين المشاهد من خلال ذوقه ومخيّلته وعبر براعته التعبيرية وأمانته في التفسير وعمق مشاعره وجلال الفكرة التي ينشدها، فضلاً عن قدرة متميزة على تمثيل الشكل والحركة وترتيب الشخوص وتنسيق المجموعات.
ونحن إذا تأمّلنا لوحة "
خيانة يهوذا للمسيح " (لوحة52) لدوتشيو لأخذنا العجب من ذلك التماسك والجلال اللذين أضفاهما دوتشيو على الكتلة التي يتوسطها المسيح وتعلوها شجرتان تبدو مجموعة الشخوص دونهما قزمية غليظة فجّة. ويلفتنا أن الشخصية الرئيسية في هذه المجموعة وهو المسيح تنتصب مباشرة تحت الشجرة التي تحتل بؤرة التكوين الفنّي كله. ولا تقوم هذه الشجرة بتجميع كل الخطوط كي تتلاقى فوق رأس المسيح فحسب بل هي بحركتها المستمرة لأعلى ترتفع أيضاً بقامته، على حين تلعب الحراب والمشاعل غير المتوازية التي يحملها الجند الرومان درواً رائعاً في إضفاء الجلال على المشهد كله.
وفي صورة "
المسيح فوق جبل التجربة " من لوحة "المايستا" أو "تجليس العذراء" (1308) نرى شخوصه الوقورة تتهادى فوق التلال الناتئة والمعمار المنمنم والخلفية المذهّبة المتوهّجة وكأنها أطياف من عالم عتيق سحيق. (لوحة 53).
وقد يحار القارئ فيتساءل: إذا كان دوتشيو بمثل هذه القدرة الرائعة على الإدراك، وبمثل هذا العمق في مشاعره، وبمثل هذه البراعة في نقل الحقائق المرئية إلى أشكال تستحوذ على رضانا، وإذا كان بالإضافة إلى كل هذه المزايا "كفنان موضّح" من الطراز الأول قادراً على إمتاعنا بما تنطوي عليها مصوراته من روعة حسية، وإذا كانت تكويناته الفنية قد ظلت راسخة دون أن يباريه فيها فنان آخر باستثناء رافائيل، وإذا ما كان قادراً على أن يحرك فينا نشوة الإحساس بما ينطوي عليه الفراغ، فلماذا إذن لم نسمع اسمه يتردد كثيراً، ولماذا لم يحظ بمثل الشهرة التي نالها جوتو، فلا بد أن يكون هنالك سرّ ملكه جوتو لم يتوفر لدوتشيو؟ والإجابة هي أنه إذا استطاع الفنان التقاط ومضة من كنه الحياة وتسجيلها تسجيلاً محكماً حاذقاً وتضمينها داخل إطار لوحاته فلا غرابة أن تسكن أعماله عالم الخلود. هذا ما فعله جوتو. أما دوتشيو فلم تمتلك تصاويره هذه الميزة، فلقد كانت أهمية الشكل الآدمي بالنسبة له كما يقول برنارد بيرينسون: "هي الأهمية نفسها التي ظفر بها فوق خشبة المسرح، أي مجرد عضو ضمن التكوين الفني باعتباره عنصراً يثير انطباعاتنا الحسية بالقيم اللمسية والحركية، ومن ثم كان إعجابنا بدوتشيو هو الإعجاب بمؤلّف مسرحي من طراز سوفو كليس لو أنه قد اعتنق المسيحية، ومضى يهيم على وجهه في مملكة التصوير لنستمتع بعبقريته ونتغذى بتكويناته الفنية البالغة الدقة والسمو، لكن يندر أن نجد في أعماله شيئاً ينقل لنا الحياة نقلاً حيّاً".
وتشاء الصدفة أن يعكف جوتو على تصوير جدران مصلى "آرينا" ببادوا في الوقت الذي عكف فيه دوتشيو على رسم سلسلة أخرى من التصاوير حول الموضوع نفسه ظفرت هي الأخرى بتجديدات فنية وإن جاءت في شكل مختلف، حيث انبرى ما بين عام 1308، 1311 يصوّر لوحة هيكل كاتدرائية سيينا التي جاءت أقل ثورية من لوحات جوتو، إذ التزم فيها بمفاهيم طراز العصور الوسطى. ومع ذلك تبوأ دوتشيو مكانة الريادة لمدرسة من مدارس خواتيم العصور الوسطى تميّزت بالأناقة والسمو والحذلقة أحياناً، ومن خلال فناني سيينا من تلامذة دوتشيو انتقل تأثير دوتشيو شمالاً فإذا هو يسهم في ظهور روائع التصوير الفلمنكي خلال القرن الخامس عشر.
ومثلما عقدنا المقارنة بين لوحة العذراء لجوتو (لوحة 6) ولوحة العذراء لتشيمابويه، جدير بنا أيضاً عقد المقارنة بين لوحة العذراء لجوتو ولوحة "المايستا"
[تجليس العذراء] لدوتشيو (لوحة 54). فعلى حين تمثّل لوحة دوتشيو التحسين والتطوير داخل إطار التقاليد دون الخروج على الرقة الصوفية، تمثل عذراء جوتو بوضوحها الإنساني انفجاراً حطّم قيود التقاليد. وتبدو عذراء دوتشيو "ملكة السموات" وهي تتربّع فوق عرشها وتحمل يسوع الطفل على حجرها مكتسيةً ثوباً جليلاً في وقار مهيب بحجمها الطبيعي الذي يبدو في عيوننا ذا أبعاد روحانية، بينما رفرف من حولها الملائكة وأحاط بها القديسون كأنهم حاشية تتعبّد لها. وقد أطلق أهالي سيينا على هذه اللوحة يوم انتقلت وسط حفل رائع من مرسم دوتشيو إلى الكاتدرائية في 9 يونيو 1311 اسم "مايستا" الذي يحمل معنى الجلالة. وضمّت لوحة الهيكل هذه وقت إنجازها صوراً صغيرة متعددة بلغت حوالي ثلاث عشرة أسفل اللوحة وست عشرة أعلاها، كما ضم ظهر اللوحة العديد من المشاهد المصورة التي كادت تندثر تفاصيلها حقبة بعد أخرى، منها ما فُقِد ومنها ما استقر ببعض المتاحف.
ونحن إذا أخضعنا أسلوب دوتشيو إلى مقاييس الحاضر لقضينا بأنه فنان غير واقعي، أما إذا ضاهيناه بإحدى رائعات التصوير البيزنطي التقليدي (لوحة 55) لتجلّى لنا على الفور السرّ وراء ظفر دوتشيو بإعجاب معاصريه، ذلك أنه قد أضفى الطابع الإنساني على تقليد متوارث دون أن يتخلّى عن أناقته وشموخه. وأغلب الظن أن موضوع العذراء جالسة على عرشها تحمل الطفل يسوع قد رسم بالقسطنطينية قبل ظهور لوحة "المايستا" بقرن من الزمان، لكننا نلجأ إلى هذه اللوحة على سبيل المقارنة باعتبارها تمثل التقاليد البيزنطية التي استمرت طوال القرنين الثالث عشر والرابع عشر، فنرى أن الكثير مما يمكن إلحاقه بأسلوب دوتشيو موجود في التصوير البيزنطي من حيث انطواؤه على الترفّع عن نواميس الحياة العادية واحتشاده بالتذهيب سماوي الطابع. غير أن العذراء البيزنطية على العكس من عذراء المايستا مجرد صورة رمزية لا تستهوينا، وذلك لعدم واقعية أشكال الفن البيزنطي المتوارث عن العهد المسيحي المبكر الذي استنكر واقعية الفن الكلاسيكي الوثني، فإذا بآباء الكنيسة يؤثرون التمثيل الرمزي التجريدي عند تناول قصة المسيح. على أن الزمن ما لبث أن قضى على هذه الرموز الإصلاحية حين انحنى القديس فرنسيس أمام الطبيعة محيّياً باعتبارها آيات تفوح بروائح المحبة الإلهية الكلية، ولم يلبث الفنان هو الآخر أن تطلع إلى الطبيعة من منظور جديد بعد أن ظلّ تمثيل الأشياء بأسلوب طبيعي - ولا سيما الشكل الآدمي - مهملاً قروناً طويلة، فجاء جوتو ودوتشيو بأساليبهما المختلفة ليقدما الأشكال المعبرة عن العلاقة الجديدة وبين ما هو إنساني وما هو إلهي.
ويتجلّى لنا خروج دوتشيو عن مأثور التقاليد إذا ما تخيّلنا أنفسنا نتطلع إلى "المايستا" كما تطلع إليها معاصروه. فهو إذا كان قد التزم التزاماً دقيقاً بمصطلحات لم يكن يستطيع الإفلات منها مثل العرش المذهّب المحتضن العذراء والعلاقة بين وضعة العذراء ووضعة طفلها بما في ذلك حركة رأسها والتفاتة وجهها، إلا أننا لا نلبث أن ندرك مع المضاهاة أن عذراء المايستا وإن كانت ما تزال تكشف عن وقارها الجليل فهي مع ذلك تبدو أمّاً مترعة حناناً وهي تحمل طفلها أكثر مما تبدو صورة كهنوتية جامدة. كما نتبين التغيير والتجديد كذلك فيما تحتشد به اللوحة من استدارات ومحاولات ترقيق الأشكال وتجميلها وتلطيف حدتها وإضفاء الطابع الإنساني بأسلوب واقعي، فالأثواب تنسدل بطريقة طبيعية على الرغم من زخرفة حوافّها وأهدابها بالقصب المطرّز. موجز القول إننا بعقد المقارنة بين "المادونا" البيزنطية و"مادونا" دوتشيو نتبين أن الأولى بالقياس إلى الثانية هي مجرد عجالة تخطيطية وإن كانت عجالة ممتازة. أما إذا انتقلنا إلى المقارنة بين "مادونا" دوتشيو و"مادونا" جوتو، بدا دوتشيو سبّاقاً إلى الحفاظ على التقاليد وبدا جوتو مبتدعاً لأسلوب جديد. على أننا قد نتوقّف أيضاً عند ما جاء على لسان أحد المولعين بتصويرات مدرسة سيينا ساخراً من مادونا جوتو بقوله: "إنه على حين تبدو عذراء دوتشيو ملكة جليلة تبدو عذراء جوتو فلاحة قروية!".
وإذا جازت لنا مقارنة عذراء دوتشيو بعذراء بيزنطة فإن عذراء جوتو تختال متفرّدة، فمن العسير أن نكتشف لجوتو خطّاً قد رُسِم لمجرّد جماله كخط، فخطوطه كلها خطوط محوّطة محدّدة للأشكال التي يرسمها مقاربة للطبيعة بقدر الإمكان، على حين أن خطوط دوتشيو فضلاً عن وظيفتها كخطوط محوّطة إلا أنها مرسومة بغرض إظهار جمالها التجريدي الكامن فيها.
ونحن لا نعرف الكثير عن حياة دوتشيو الخاصة إلا أن ثمة وثائق تثبت أنه على الرغم من الثمن الباهظ الذي تقاضاه نظير لوحة المايستا فقد كان غارقاً إلى أذنيه في الديون، والراجح أنه قضى نحبه مفلساً. وليس ثمة ما يشير إلى أن معاصريه من رجال الفكر قد احتفوا به وضموه إلى زمرتهم بوصفه فناناً مرموقاً بل ظل يعد مثل فناني العصور الوسطى مجرّد حرفيّ نابه. أما ذلك الاحتفاء الشعبي الزاخر بالجيشان بلوحة المايستا، فمردّه إلى أنها لوحة نذرية أثار جمالها إعجاب مشاهديها بمضمونها الروحي السامي الجليل.
لقد كان دوتشيو فنّاناً مشبع الحسّ بحركة إحياء الفن الكلاسيكي القديم التي بدأت في بيزنطة خلال القرن التاسع واستمرت حتى القرن الثالث عشر، ومن ثمّ يمكن اعتباره آخر كبار فناني العصر القديم، إذ احتذت موضوعاته الدالة وشخوصه النمطية القواعد اليونانية القديمة وإن فقدت على يديه بعض رصانتها على العكس من جوتو الذي يمكن اعتباره أول فناني العصر الحديث. ومثَلُ جوتو بالنسبة لجوفاني بيزانو هو نفس مَثَل دوتشيو بالنسبة لنيقولو بيزانو والد جوفاني، إلا أن دوتشيو استطاع الإيحاء بالروح الكلاسيكية في صورة أشدّ رقّة.


اني بيزانو: منبر الحق. فضيلة العفة - فينوس الخفِرَة - وهروب العائلة المقدسة إلى مصر. كاتدرائية سيينا.
نيقولو بيزانو: منبر  كاتدرائية بيزا.
دوتشيو: خيانة يهوذا للمسيح سيينا.
دوتشيو: المسيح فوق جبل التجربة (من لوحة المايستا) 1311. سيينا.