هنا عشت و من هذا الطريق سلكت و لأنها الحياة رحلت

الأحد، 20 يونيو، 2010

(توظيف الصوفية في الرواية المصرية)4




الفصل الثالث



دور الرؤية الصوفية وعناصرها
في تشكيل المكان الروائي

تحاول الدراسة في هذا الفصل أن تحلل دور الرؤية الصوفية وعناصرها في تشكيل ملامح المكان الروائي. وعلى الرغم من صعوبة الفصل بين (المكان) و(الزمان)؛ حيث "لا يوجد مكان بدون زمان، ولا زمان بدون مكان" ، وحيث إنه "لا يمكن إدراك الزمن إلا من خلال المكان وحركته...فكلٌ منهما يفترض الآخر، ويتحدد به" ، إلا أن هذا الفصل ضروري من أجل إعطاء كل منهما حقه في التحليل والدراسة.
وبالنسبة لمعالجة الرؤية الصوفية في تشكيل صورة المكان فإن الدراسة ستقف عند مستويين:
الأول: صورة المكان الذي لا ينتمي إلى التراث الصوفي، ولكن الروائي يضفي عليه الصفات الصوفية، أو يجعله رمزاً صوفياً.
والثاني: هو صورة المكان الصوفي المعروف في تراث المتصوفة؛ وذلك مثل: (الخلوة) و(التكية)، و(الخلاء).
وفي معالجة كلا المستويين فإن الدراسة تنطلق من هذا الأساس الذي عبر عنه الدكتور شاكر عبد الحميد عندما قال إن "المكان يشير إلى حيز ما، يحيط بالإنسان، ويطلق عليه هذا الإنسان اسماً، وهذا المكان لا بد أن يتسم بصفات محددة ومحسوسة، برغم أنه أصلاً تجريد، أو فكرة عقلية مجردة...فالمكان إذن –إضافةً إلى خصائصه الطبيعية والجغرافية المميزة- لا بد أن يُنظَر إليه على أنه تكوينات أو بُنَى أو حالات معرفية ووجدانية، تكون موجودة لدى الأفراد والجماعات، وتسهم على نحو واضح في تحقيق إحساسهم بالهُوِيَّة الفردية والجماعية، وفي استمرارية وجود هذا الإحساس لديهم" .
وكما سار منهج الدراسة في الفصلين السابقين فإنها ستتجه بالمعالجة أولاً إلى الملامح الصوفية للمكان عند نجيب محفوظ، ثم إلى الملامح الصوفية للمكان عند جمال الغيطاني.



أولاً: عند نجيب محفوظ
يتحدث ابن عربي عن "خصائص بعض الأماكن والمواضع كالبيوت والزوايا والمقابر، وأيها أكثر مناسبة وملاءمة للتأمل الصوفي فيقول: إن للأمكنة في القلوب اللطيفة تأثيراً...فكما تتفاضل المنازل الروحانية كذلك تتفاضل المنازل الجسمانية، وإلا فهل المدَرُ مثل الحجر" . ويعلل ابن عربي تباين العلاقة بين القلب والأمكنة بقوله: "إن ذلك من أجل مَن يعمر ذلك الموضع، إما في الحالِّ، من الملائكة المكرمين أو من الجن الصادقين؛ وإما من همة من كان يعمره وفُقِد، كبيت أبي يزيد الذي يسمّى بيت الأبرار، وكزاوية الجنيد ...، وكمغارة ابن أدهم...، وما كان من أماكن الصالحين الذين فنوا عن هذه الدار وبقيت آثارهم في أماكنهم تنفعل لها القلوب اللطيفة. ولهذا يرجع تفاضل المساجد في وجود القلب، لا في تضاعف الأجر" .
ويعلق ميشيل شودكيفيتش على ذلك بقوله: "وإذن فليس صحيحاً ما يقال من أن الأماكن الأرضية كلها ذات طبيعة واحدة، وأن بعضها لا يفْضُلُ البعض الآخر في شيء ما، بل حقيقة الأمر –كما يرى ابن عربي- أن مرور وليّ من الأولياء بمكان ما، أو أثرَه الذي يتبقى منه بعد رحيله عنه، ينشئ في المكان شيئاً من البركات أو النفحات الطيبة، وانطلاقاً من شهادة العيان هذه يقدم الشيخ الأكبر تأصيلاً –وتبريراً كذلك-لصورة من أشد صور (التبرك بمقامات الأولياء ومزاراتهم) ظهوراً ووضوحاً" .
ولقد استثمر نجيب محفوظ هذه الفكرة لأنها موجودة في الواقع، والرواية بطبيعتها قائمة على التصوير الفني لهذا الواقع. ولذلك نجد عنده أن حدث زيارة قبر من قبور الصالحين، أو ضريح من أضرحة الأولياء، له تأثير واضح في تكوين الشخصية وملامحها الصوفية.
فها هو (كمال عبد الجواد) –وهو طفل- يقف مع أمه أمام ضريح الحسين و"يود لو ينفذ ببصره إلى الأعماق ليطلع على الوجه الجميل الذي أكدت له أمه أنه قاوم عبر الدهور بسره الإلهي فاحتفظ بنضارته ورونقه حيث يضئ المثوى بنور غرته"(بين القصرين. ص49). وعندما علم من مدرس التاريخ في المدرسة أن "ضريح الحسين رمزٌ له" وأن جسده –أي جسد الحسين- ليس موجوداً فيه فإنه "سار كالمترنح من هول الطعنة التي نفذت إلى صميم قلبه، كان يبكي خيالاً نضب، وحلماً تبدد، لم يعد الحسين بجارهم، بل لم يكن بجارهم يوماً من الأيام، أين ذهبت القبلات التي طُبعت على باب الضريح في صدق وحرارة؟ أين يذهب الاعتزاز بالقرب، والإدلال بالجوار؟ لا شيء من هذا كله، لم يبق إلا رمز في الجامع ووحشة في القلب، وبكى ليلتذاك حتى بلل وسادته"(ص73-74).
وهذا يبين إلى أي درجة تغلغل المكان (ضريح الحسين) في وجدان شخصية كمال. وهو تغلغل يجسد الوجد من ناحية، ويجسد الفقد من ناحية أخرى. ولذلك فقد أصبح ضريح الحسين ذكرى تحضُر في النفس بهذين الوجهين. فهو رمز لمكان البركة حيث يستدعيه ليشبِّه به أي مكان آخر يشعر أمامه بالإجلال والمهابة، ولكنه في الوقت نفسه يتذكره عند كل صدمة شعورية. فـ(القصر) الذي تسكنه (عايدة) وعائلتها يصبح "المحراب الكبير" الذي يكاد من إجلاله يتوقف، أو يمد يده إلى جدرانه تبركاً "كما كان يمدها إلى ضريح الحسين من قبل أن يعلم أنه لم يكن إلا رمزاً"(قصر الشوق ص147). وهذه الذكرى تجعل الاحتمال وارداً بأن يتحول المكان الجديد (القصر) تجربة أخرى للوجد والفقد: الوجد بعايدة وفقدها كمحبوبة، ولذلك يأتي بعد هذه الذكرى مباشرة تلك التساؤلات "تُرى: في أي مكان من القصر يمرح محبوبه الساعة؟ وما عسى أن يفعل إذا طالعته بلفتتها الفاتنة؟ ليته يجدها في الكشك كي تُجزَى عينٌ عن طول التصبر والتشوق والتسهد!!"(ص147). فهو يتمنى (أن يجدها) وكأنه يحمل في خبايا شعوره إحساساً بفقدها. وهذا الشعور نفسه يتكرر في مكان آخر؛ (في صحراء الهرم) حيث يجتمع حضورها وغيابها، كما يجتمع حضور الفراعنة –بناة الأهرام- وغيابهم في المكان ذاته:
"أنت تمشي في معية عايدة في صحراء الهرم. تأملْ هذه الحقيقة الرائعة واهتف بها حتى تسمع بناةُ الهرم، معبود وعابدُهُ يسيران معاً فوق الرمال، العابد من شدة الوله يكاد يذروه الهواء، والمعبود يتسلى بعدِّ الحصى...الهواء يهفو بأهداب فستانها ويتخلل هالة شعرها ويسري في أعماق صدرها..ألا ما أسعد الهواء!! أرواح العاشقين فوق الهرم تبارك القافلة معجبة بالمعبود راثيةً للعابد...تراها على بعد أشبار منك ولكنها في الحق كالأفق تخاله منطبقاً على الأرض وهو في ذروة السماء يحلق"(ص186).
وشيئاً فشيئاً يتحول (القصر) -كما تحول الضريح- إلى مكان "الحب والعذاب" (ص224)، ثم إلى (حقيقة) بعيدة المنال، وذلك عندما يقارن بينه وبين مكان آخر هو (البيت القديم ببين القصرين)؛ أي بيت أسرته: "النظرة التي تلوح في عينيها الجميلتين نظرة مطمئنة شديدة الثقة بنفسها...نظرة كأنما تهبط من علِ بالرغم من أنها في مستوى نظره، فلم يرتح لها وزادته تردداً...لعلها لم تخلُ كذلك من تعالٍ...أفلا تكون هذه النظرة الخليقة بأن يلقيها هذا القصر الشامخ بشارع السرايات على البيت القديم ببين القصرين؟"(ص209).
وعلى خط مواز تتحول (عايدة) أيضاً إلى (حقيقة بعيدة) فلا يملك إلا (الألم) "وعليه أن يتقبله بتسليم صوفي كما يتقبل العابد القضاء إيماناً بأنه قضاء عادل مهما يكن من قسوته"(ص212-213). ثم يتحول (القصر) إلى "مقام المعبودة"(ص223، وص254) الذي "يحوم" حوله، و"يطوف" و"يحج كل أصيل" (ص254). ويتحول العالم إلى "ملتقى خرابات يستعذب عنه الرحيل"(ص221). إلى أين؟ إلى "السماء حيث لا فوارق مصطنعة، ولا رأس كبير ولا أنف غليظ، في السماء ستكون عايدة لي وحدي بحكم قوانين السماء"(ص222). وبزواج عايدة من (حسن سليم) يتحول القصر ليصبح "كأي بيت من بيوت القاهرة"(ص322).
وهذه الجملة الأخيرة قد توحي بأن (البيوت) متشابهة. ولكن هذا غير صحيح. فـ(بيت) الشيخ علي الجنيدي في رواية (اللص والكلاب) ليس ككل البيوت:
"نظر [أي: سعيد مهران] إلى الباب المفتوح، المفتوح دائماً كما عهِدَ من أقصى الزمن...وإلى اليمين من دهليز المدخل باب حجرة وحيدة مفتوح. لا بابَ مغلقٌ في هذا المسكن العجيب"(ًص21).
ويقول الدكتور محمود الربيعي إن تركيز نجيب محفوظ على كلمة (مفتوح) في وصف باب هذا البيت يوحي بـ"الانفتاح والبراح" . ثم ينظر الناقد نفسه إلى ملمح مهم آخر وهو أن سعيد مهران حين قصد إلى هذا البيت كانت "الشمس قد مالت إلى المغيب، وهو وقت تتأهب فيه البيوت لإغلاق أبوابها، ومع ذلك يبقى هذا الباب مفتوحاً" . وإذا أُضيف إلى صفة الانفتاح الدائم في هذا البيت تلك الصفات الأخرى المحملة بالرموز فإنه يبدو بيتاً عجيباً حقاً. وهذا ما يلتقطه –ببراعة- الأستاذ فؤاد دوارة معتمداً على إشارات مما ورد في الرواية على النحو التالي: "لا باب مغلق في هذا المنزل العجيب..البسيط كالمساكن في عهد آدم، تصعد إليه الجبل، والأرض من حولك أطفال ورمال ودواب.. دنيا بأسرها...ويقول الشيخ لسعيد: صاحب البيت يرحب بك وهو يرحب بكل مخلوق وكل شيء، فيجيب سعيد: على أي حال فهذا البيت بيتي، كما كان بيت أبي وبيت كل قاصد وأنت يا مولاي جدير بكل شيء. وقبل أن يدخل سعيد يقف عند (عتبة الباب المفتوح) يتذكر علاقته بالبيت...كان ذلك في عهد بعيد طري، طفولة وأحلام وحنان أب وأخيلة سماوية..المهتزون بالأناشيد والله في أعماق الصدور يتردد..انظر واسمع وتسلم وافتح قلبك.. هكذا كان يقول الأب وهو يصطحبه إلى هذا البيت في زمن الطفولة الأولى" . وباختصار يمكن القول إن بيت الشيخ على الجنيدي هو بيت الراحة الروحية الذي يلجأ إليه سعيد مهران في وقت الأزمة فقط، ولكن إيمانه الناقص، وتعلقه بفكرة الانتقام يذهبان به إلى بيت دنيوي هو (بيت نور) التي كانت تعشقه قديماً، والتي يقع بيتها على طرف المدينة في مواجهة المقابر؛ وكأنه نذير بأن رحلته في صراع الدنيا ستنتهي به إلى الموت. وبالفعل فإن (سعيد مهران) يلجأ مختبئاً من مطاردة البوليس إلى(المقابر) ليحافظ على (حياته) هناك !! وهناك يُقتَل !!
ومن الأماكن التي ارتبطت بتصوف بعض شخصيات نجيب محفوظ (الصحراء). ومن ضمن ما ترمز إليه (الصحراء) أنها تدل على "الأبدية واللانهائية والصفاء، بعيداً عن عكارة الحضارة وفوضاها والشروخات التي أحدثتها في علاقة الكائن بالطبيعة، فيرتاد الكائن الصحراء ليعيد تلك العلاقة المفقودة" . وفي التراث الصوفي كانت (الصحراء) من أماكن (الخلوات) حيث تتحقق العزلة "وهي رأس الأربعة المعتبرة...عند الطائفة" ، وهذه الأمور الأربعة المعتبرة هي: الجوع، والسهر، والصمت، والعزلة .
 ولذلك فليس من الغريب أن تقع لعمر الحمزاوي "تلك التجربة الفريدة في الاتصال بالكون" في الصحراء، وأن يرتبط تجلي النشوة له فيها. إنه في رحلته الليلية إلى الصحراء متمنياً تكرار تجلي هذه النشوة الصوفية يستعيد إلى الذاكرة "لجوء الأنبياء والأولياء إلى داخل الصحراء للتعبد والاتصال مع المطلق؛ لأنها الفضاء الذي يوفر شروط التأمل والسكون والأبدية" . ولقد قال ابن عربي إن "الفيافي": "هي مقام التجريد" ؛ أي "تخليص القلب وتصفيته من أدران الكون والبشرية وبقاؤه بالله الفرد الصمد" . ويرى الدكتور شاكر عبد الحميد أن (الصحراء) هي "مكان يحدث فيه أيضاً التطهر والوحي" .
لم تقدم (الصحراء) لعمر الحمزاوي المكان المناسب لتحقيق (العزلة) أو (الخلوة) فقط، وإنما قدمت له أيضاً الفضاء الممتد وغير المحدود، من جهة، والبعيد عن الناس والحياة المألوفة من جهة أخرى. ولذلك فإن مكان (الغرفة) في بيته لم يقدم له البديل عن الصحراء، على الرغم من أنه تتوفر فيه العزلة والخلوة:
"واعتكف في حجرته طول الليل يقرأ ويتأمل حتى يجيء الفجر فيمضي إلى الشرفة وينظر إلى الأفق يتساءل: أين الرحمة أين؟ وها هي ترانيم فارس والهند والعرب المليئة بالأسرار ولكن أين السعادة أين؟ ولِمَ تشعر بالكآبة وأنت بين هذه الجدران الرحيمة؟ وما هذا الشعور المقلق الذي يهمس لك بأنك ضيف غريب موشك على الرحيل" (ص129). وهذه الأسئلة التي توحي بالقلق تتحول إلى إجابة واضحة حين يقول: "أيَّ خطأ كانت تلك الهدنة التي أرجعتني إلى البيت!... سأرحل من المأوى المكتظ بالعواطف المتطفلة المعوقة"(ص150). وبالفعل يتنقل "في أماكن لا حصر لها"(ص151)، ولكنه مع ذلك يشعر أن "المكان رغم لانهائيته سجن"(ص155). ولا يبقى متعلقاً بمكان إلا "قبة السماء. هنالك لن يعرف قلبك النوم ولا حواسك الصحو"(ص158). ولكن كيف الوصول إلى (قبة السماء) دون تحطيم قوانين (الأرض)؟ أي تحطيم الشخص لنفسه.
ويصور الدكتور محمود الربيعي الدلالات الرمزية للمكان في رواية (ثرثرة فوق النيل) فيقول إن (العوامة) تمثل بيئة الحدث في الجانب الأعظم من الرواية. وهذه البيئة المكانية "تحمل من دلالات الرمز أكثر بكثير مما تحمل من دلالات الواقع؛ فهي بيئة مؤقتة من وجوه كثيرة؛ ونتيجة لهذا فهي لا تعطينا إحساساً مجسماً بالحياة المستقرة، بمقدار ما تعطينا الإحساس بنوع من الحياة يتأرجح على حافة الواقع. وهي بيئة لا تعتمد على (أرض) ثابتة، فهي تهتز لمجرد وقع الأقدام...إنها بهذا الوصف تحمل شبهاً بالبيئات المؤقتة ذات الدلالات الرمزية التي نجدها تتكرر في قصص كتاب مشهورين ... محطات السكك الحديدية المعزولة، والبواخر المسافرة في عرض البحر..." .
ومن خلال قراءة الرواية يمكن للباحثة أن تضيف إلى هذه الدلالات الرمزية الدلالة الصوفية. فـ(العوامة) مكان للعزلة والبعد عن عالم البشر، كما أنها مثلت –بالنسبة للشخصية الرئيسية في الرواية: أنيس زكي- مكان إطلاق التجليات اللاشعورية؛ أي أنها المكان الذي يغيب فيه العقل والمنطق المألوف.
وإذا كان الدكتور محمود الربيعي يرى أن (العوامة) جسدت المكان الذي يمثل رفضاً نفسياً عميقاً للمجتمع المحيط بأبطالها فإن ذلك لا يبتعد كثيراً عن دلالة "شعور الصوفي تجاه مجتمعه دلالة نفور وسخط ويأس" . وفي هذا نذكر قول مجنون ليلى الصوفي عند عبد الرحمن الجامي: "إني بعيد من أهل الحي، وبي نفور من أهل الحي موتى القلوب" . ولقد كان الصوفية يتخذون من فكرة الألفة والاستئناس بالحيوان "وسيلة لهجاء المجتمعات الإنسانية...لغلبة الشر على تلك المجتمعات" . وهذا ما يذكرنا برمز (الحوت) الذي داعب أنيس زكي وغمز له بعينه. وبناء على ذلك يمكن أن نقول إن نجيب محفوظ جعل مكان (العوامة) رمزاً للمكان البعيد عن شرور المجتمع حتى أنه في المرة الوحيدة التي خرجوا فيها من العوامة تجسد الشر في قتلهم لشخصية بريئة. ومع ذلك فلم يكن اختيار هذا المكان من أجل التماس الطهارة والبعد عن الشر بقدر ماكان هروباً وغيبوبة.
ومن هنا تتعدد التشابهات الظاهرية بين (العوامة) –التي يصفها مصطفى راشد بأنها "زورق ليسبح بنا في الملكوت"(ص59)- و(الخلوة) الصوفية. فكلتاهما تمثلان مكان الرفض السلبي. ولذلك يقول مصطفى راشد: "الحق أننا لا مصريون ولا عرب ولا بشر، نحن لا ننتمي لشيء إلا هذه العوامة"(ص60). ولقد كانت (الخلوة) مكان العزلة عن عالم الخلق بشكل مطلق.
 ومع ذلك فهناك فارق مهم بين (العوامة) و(الخلوة) وهو أن (الغياب) في (العوامة) كان يتم بمؤثر خارجي هو المخدر، أما الغياب الصوفي في (الخلوة) فهو بمؤثر داخلي هو التعلق الشعوري والانجذاب الانفعالي بتجلي الجمال الإلهي. ومعنى ذلك هو أن الغياب في العوامة كان للهروب من (الحقيقة/ الأزمة) – الأزمة الشخصية أو الأزمة الاجتماعية، أما الغياب في (الخلوة) فقد كان من أجل الوصول إلى (الحقيقة/ الحل): حقيقة المطلق الذي تستمد منه الروح القدرة على مواجهة فساد العالم.
وفي (رحلة ابن فطومة) تتجسد ملامح المكان الصوفي في (دار الغروب) التي تمثل موقعاً بين ما يمكن أن يسَمَّى (ديار الصراع والنقص) و(دار الكمال والمثال)؛ أي بين (الوطن) و(دار المشرق) و(دار الحيرة) و(دار الحلبة) و(دار الأمان) من جهة، و(دار الجبل، أو دار الكمال) من جهة ثانية.
وأول ملمح تتسم به (دار الغروب) أن الرحلة إليها تتم وقلب ابن فطومة "مشحون بالقلق"(ص141)، وممتلئ بمشاعر الخوف على زوجته وأولاده في (دار الحلبة) التي يدور بينها وبين (دار الأمان) الصراع الدامي. ولذلك فهو يتجه إلى (السماء) بالدعاء: "ورفعتُ بصري إلى حديقة السماء المزهرة وغمغمتُ (كن معنا يا إله السموات والأرض)"(ص141). وكبشارة أو كرامة تأتي الاستجابة: "وأشرقت الأرض بنور ربها فرأيت صحراء مترامية مستوية وجواً صيفياً حنوناً، كما رأيت الغزلان تثب هنا وهناك حتى أطلقتُ عليها صحراء الغزلان"(ص141). لقد تخلصت (الصحراء) من كل عناصر القسوة والتوحش والموت، وكشفت عن الرحابة والحنان والحياة وكأنها صحراء مجنون ليلى الذي كان يصادق فيها (الغزلان) . وتستمر الكرامة حيث يمتد السفر شهراً ولكنه لم يسبب إلا "عناء غير ذي عنف يبشر بالحسنى"(ص141)، ثم يأتي البشير ببلوغ حدود دار الغروب "وكان القمر نصفاً، والجو مفضضاً"(ص1141)، ويقول صاحب القافلة ضاحكاً: "هذه دار بلا حراس فادخلوها بسلام آمنين"(ص141). وهنا تبدو صورة المكان الفردوس أو الجنة بشكل واضح. وحين يسال ابن فطومة عن المكان المعتاد للغرباء؛ أي (الفندق) يجيبه صاحب القافلة وهو يواصل الضحك: "سينبئك نور النهار بما تسال عنه"(ص142). إنه زمن آخر في مكان آخر:
"وانتظرتُ مشوقاً حتى أشرقت الشمس. لعلها أجمل شمس عرفتها في حياتي، فهي نور بلا حرارة أو أذى، يزفها نسيم عليل ورائحة طيبة. وترامت أمامي غابة غير محدودة. ولكن لم يقع بصري على بناء، كوخ أو بيت أو قصر، كما لم أشاهد أحداً من الناس...أسير فوق أرض معشوشبة، نُثِرّت على أديمها أشجار النخيل والفاكهة، تتخللها عيون مياه وبحيرات" (ص142).
هذه صورة مكان تسكنه عناصر الطبيعة وهي في حالة فرح كوني حيث الشمس عروس طيبة (يزفها) النسيم والرائحة العطرة. وهو مكان لم تصل إليه يد الإنسان ببناء المكان (الصناعي): الكوخ أو البيت أو القصر حيث إن كل هذه الأماكن أقامها الإنسان للحماية والأمن أو للوجاهة، وهنا لا توجد أسباب للخوف، ولا توجد أسباب للمظاهر والتميز. ولذلك فـ"لا حاكم لهذه الدار"(ص146). ومع ذلك فإن هذا المكان ينقصه بعد هذا الوصف عنصر جوهري هو (الإنسان) الذي تتسق طبيعته مع طبيعة المكان حتى يكتمل (الانسجام الطبيعي). فبدون هذا العنصر يتحول المكان إلى "جنة بلا ناس"(ص143). فمن يكون هذا الإنسان غير الصوفي الغارق في الجلال والجمال؟:
 "وخُيل إليَّ في أول الأمر أنها خالية من البشر، حتى رأيت أول آدمي متربعاً تحت نخلة، كهلاً أبيض الشعر مرسل اللحية، صامتاً وناعساً أو غائباً، متوحداً بلا قرين أو قرينة"(ص142).
ويحاول ابن فطومة أن يدير حواراً مع الرجل، أو مع من صادفهم بعده وهم على مثل حاله، فلا يلقى إلا الرفض أو التجاهل. وهنا تتحول النظرة للمكان من احتمال كونه "جنة بلا ناس" إلى احتمال كونه "غابة من الصم البكم العمي"(ص143). فالمكان بدون التواصل الإنساني لا معنى له حتى لو كان مكاناً صوفياً جميلاً وجليلاً. وهذه المسألة لها أهمية أساسية عند نجيب محفوظ بالنسبة لموقفه من الممارسة الصوفية التي تعزل نفسها عن الحياة والواقع. ولذلك فإن ابن فطومة يشعر بـ"نشوة فوز" عندما يخبره صاحب القافلة بأنه "يوجد في الغابة شيخ يقصده القاصدون فلعله يمدك بما تسأل عنه"(ص144).
وفي (عمق الغابة)؛ أي في قلبها، تتشكل صورة (جلسة الذِّكر) الصوفية المعهودة: "جماعة من نساء ورجال تجلس فوق الأرض على هيئة هلال، بين يدي شيخ هرم يتخذ مجلسه تحت شجرة وارفة، وكأنه يعلمهم الغناء وهم يرددون الصوت في حنان بالغ"(ص144). ويعرف ابن فطومة من هذا الشيخ أن هذه الجلسات هي تدريب وإعداد قبل التوجه إلى (دار الكمال). والسؤال هنا هو: ما عناصر هذا الإعداد الذي يتطلبه المكان المقصود؟ والإجابة تتمثل في العبارات التالية التي يوردها الشيخ:
• "حياتهم هنا موافقة للحق ومفارقة للخلق"(ص146)
• "الصبر على مرارة البلوى لإدراك حلاوة النجوى"(ص146)
• "جميعهم مهاجرون، من شتى الأنحاء يجيئون إعراضاً عن الهواء الفاسد"(ص146)
• "إني أدربهم بالغناء تمهيداً للطريق"(ص147)
• عليهم أن يستخرجوا من ذواتهم القوى الكامنة فيها"(ص147)
• "أحبوا العمل ولا تكترثوا للثمرة والجزاء"(ص151)
• "بالتركيز الكامل يغوص الإنسان في ذاته"(ص151)
وكل هذه العبارات كما هو واضح تتناص مع ما أشار إليه الصوفية من مثل قول الشبلي: "الصوفي منقطع عن الخلق متصل بالحق" . وقولهم إن كمال الأدب "معرفة النفس" ؛ حيث الإنسان –هذا الوجود الصغير- هو "روح الوجود الكبير ، وقولهم إن حبهم لله –سبحانه- ليس "خوفاً من ناره، ولا طمعاً في جنته" ، ومثل حديثهم عن (السماع) ودوره في حياة القلوب ...إلى آخر ذلك مما يرد في باب الوصية للمريدين . على أن ذلك كله لا يعني أننا أمام إعادة للتجربة الصوفية بكاملها، وإنما يعني تأكيد رمزيتها إلى أهمية الجانب الروحي في تحقيق جدارة الإنسان بـ(الكمال). فـ(دار الكمال) تقوم على التكامل بين (العقل) و(الروح) اللذين بهما "يكتشفون الحقائق ويزرعون الأرض وينشئون المصانع ويحققون العدل والحرية والنقاء الشامل"(ص151-152).
 وإذا كان ما سبق يمثل الأماكن التي أضفى عليها نجيب محفوظ صفات صوفية، أو أعطاها وظائف صوفية ليست لها –بالضرورة- خارج سياق العمل الروائي، فإن (التكية) تمثل المكان الصوفي قبل أن تدخل في نسيج العمل الروائي.
 والحقيقة أن (التكية) تلعب دوراً أساسياً في روايتي (حكايات حارتنا) و(ملحمة الحرافيش). فأشجار حديقتها توصَف في (حكايات حارتنا) بأن "أوراقها الخضر هي ينابيع الخضرة الوحيدة في حارتنا، وثمارها السود مثار الأشواق في قلوبنا الغضة"(ص3). وهي "قلعة صغيرة تُحدِق بها الحديقة، بوابتها مغلقة عابسة، دائماً مغلقة، والنوافذ مغلقة، فالمبنى كله غارق في البعد والانطواء والعزلة، تمتد أيدينا إلى سوره كما تمتد إلى القمر"(ص3). إنها مكان القلوب (الأشواق)، ومكان الأسرار (قلعة مغلقة). ولكن التركيز على (انغلاق التكية وانطوائها وعزلتها)، ووصفها بأنها "خارج أسوار الحياة"(ص185)، وبأن المقيمين فيها "غرباء ذوو لغة غريبة"(ص186)، هذا التركيز سيظل الملمح الدائم الذي يجعل نجيب محفوظ لا يرى أن الحل لمشكلات الإنسان يتمثل في هذه الصوفية المنغلقة على نفسها، ولكنه –في الوقت نفسه- سيظل الملمح المثير لروح الإنسان وتطلعه لإشباع وجدانه: فـ"حارتنا مجنونة بهم"(ص186). ولذلك فعندما "انتشر خبر يقول إن الحكومة ستهدم التكية ضمن مشروع المرافق العامة"(ص182) انتشر في البيوت الكلام المقاوم والرافض (ص182):
- حارتنا ميمونة ببركة التكية.
- الخضرة والأزهار لا تُرى إلا في التكية.
- والأغنيات الإلهية أين تُسمَع إلا في التكية.
- وما المكان الذي لم يضمِر أذى الإنسان إلا التكية.
وحين يقول المهندس (عبده السكرى) صاحب المشروع:
- التكية تعترض مجرى الحارة كالسد وتحول دون انطلاقنا نحو الشمال.
يقولون له:
- وهل علمتَ أننا متضايقون من ذلك؟ وألا يوجد أكثر من سبيل إلى الشمال؟
ويبدو أن نجيب محفوظ هنا قد جعل (الشمال) رمزاً للحضارة الغربية، وبذلك تكون (التكية الصوفية بدراويشها) –في نظر المهندس الذي هو رمز لبعض الفئات المتعلمة- عائقاً يحول دون اتصال حارتنا؛ أي مجتمعنا، بالحضارة الحديثة. ويأتي اعتراض أهل الحارة بأن هناك أكثر من سبيل للاتصال بالشمال ليس منها بالضرورة هدم الرمز الروحي (التكية المباركة). وحين تقترن التكية برمز (الشيخ الأكبر) الذي "لم يتفق اثنان منهم [من شيوخ الحارة الطاعنين في السن ممن عرفوا بالتقوى] على وصف محدد له، اختلفوا لحد التناقض"(ص187) والذي تؤمن الحارة بكراماته على الرغم من أنها "ترى التكية والدراويش ولا ترى الشيخ الأكبر"(ص188)، أقول: إن هذا الاقتران يجعل رمز التكية يمتد إلى (الدين)، وبذلك كان لا بد أن يقابَل مشروع هدمها بهذه الأكثرية التي "رفضت الفكرة جملة وتفصيلاً"(ص183).
 وإذا كان صحيحاً أن رواية (حكايات حارتنا) فيها كثير من عناصر التجربة الذاتية لنجيب محفوظ فإن (التكية) بذلك تكون المكان الذي "عاشه الأديب كتجربة" ، ولذلك فإنه مكان قابل لأن يعود للظهور في أكثر من عمل. وبالفعل تحتل (التكية) مكانة ظاهرة في (ملحمة الحرافيش).
 ترتبط (التكية) –من بداية الرواية- بتجربة خروج عاشور الناجي من البيت الذي نشأ فيه وتربى على يد المرحوم الشيخ عفرة زيدان وزوجته سكينة، وذلك بعد أن وقع الصدام بينه وبين درويش زيدان الذي أطلعه على حقيقة كونه (لقيطاً) وَجَدَه أخوه الشيخ عفرة ملقى بجوار سور التكية. وفي تجربة الخروج هذه، ومع الحزن، يلتصق عاشور أكثر فأكثر بالتكية: "في الليالي الدافئة ينام تحت سور التكية"(ص19)، "ومن شدة حزنه استمع إلى أناشيد التكية بحب..معانيها المترنمة تختفي وراء ألفاظها الأعجمية كما يختفي أبواه وراء وجوه الغرباء، وربما عثر ذات يوم على امرأة أو رجل أو معنى...ويتأمل الحديقة بأشجارها الرشيقة الحانية، ووجهها المعشوشب، وعصافيرها المعششة الشادية، ويتأمل الدراويش بعباءاتهم الفضفاضة وقاووقاتهم الطويلة وخطواتهم الخفيفة"(ص20). وهنا تقوم (التكية) بدور (الأم البديلة) ، من ناحية، وبدور (الفردوس الرحيم) الذي يقابل (جحيم) درويش زيدان ومجتمعه القاسي الذي لا يرحم، من ناحية أخرى. ولذلك فإن عاشور يعيش الرغبة الداخلية في أن يعمل (خادماً) في التكية كما كان يعمل خادماً لأمه/ مربيته: سكينة زوجة الشيخ عفرة: "أليسوا في حاجة إلى خادم أمين؟(ص20). ومع قوة الرغبة يتخيل أن "البوابة تناديه. تهمس في قلبه أن اطرُقْ، استأذِنْ، ادخلْ، فز بالنعيم والهدوء والطرب، نحولْ إلى ثمرة توت، امتلئ بالرحيق العذب، انفث الحرير، وسوف تقطفك أيدٍ طاهرة في فرح وحبور"(ص20). ومع فشل محاولته الالتحاق بخدمة "أهل الله" في التكية الذين "يتوارون، لا يردون،.. يجهلون لغته ويجهل لغتهم"(ص20) يحدث التحول النفسي داخل عاشور، فيعاتب نفسه، ويعنف عشقه، ويشد على إرادته، ويقبض على شاربه الشامخ؛ وكأنه يخرج من شعور (الطفل) إلى موقف (الرجل)، ويقرر البحث عن خدمة (أهل الحارة): "انصرفْ عن الذين يرفضون يدك لأنهم في غير حاجة إليها، وابحث عمن هم في حاجة إلى خدماتك"(ص21). وهذا القرار يعني أن عاشور اختار البحث عن (المكان) المرتبط بـ(الخدمة) التي يمكن أن يعطيها للآحرين. وهذا المكان تجسد في (الحارة). أما (التكية) فقد تحولت إلى المكان الذي يرمز إلى الأم المفقودة: مكان يستقر في القلب على شكل حنين دائم: "خرج من القبو إلى الساحة، انفرد بأناشيد التكية والدار العتيق والسماء المرصعة بالنجوم. جلس القرفصاء دافناً وجهه بين ركبتيه...تخيلْ –إن استطعتَ- وجهَ أمك الحالم ووجه أبيك المحتقن...تخيلْ صورةَ أمِّك..."(ص44).
 وفي (الخلاء) وعلى (سفح الجبل) الذي هاجر إليه مع زوجته وابنه شمس الدين –بعد أن نزل الوباء بالحارة – "ترامت تأملاته حتى شعر شعوراً عجيباً بأنه عما قريب سيسمع أصواتاً ويرى أشباحاً ...وقال إنه من ربه قريب، لا يحجزه عنه شيء"(ص64). فالمكان هنا يجمع بين عدة صفات: (العزلة) و(الاتساع) و(العلوّ)، وهذا ما يمثل بيئة روحية صالحة للاتصال بالمطلق، وبخاصة إذا وجدنا أن نجيب محفوظ استغل أيضاً رمزية (الكهف) الذي كان يأوي إليه عاشور وأسرته في هذا الخلاء، وهي رمزية مرتبطة بالتعبد الديني والخلوة الصوفية، والنجاة من الفتنة. وفي ذلك يقول ابن عربي:
 ولتعتصم، حذراً، بالكهف، من رجل تُريك فتنتُه يوماً كمثل سنة

ثانياً: عند جمال الغيطاني

 جمال الغيطاني كاتب له اهتمام بدرجة كبيرة بالمكان في أعماله الروائية. وبالطبع فإن هذه الدراسة لن تهتم بموضوع المكان في روايات الغيطاني إلا بما له علاقة بالملامح الصوفية التي استغلها الكاتب في تشكيل صورة هذا المكان. والحقيقة أن الغيطاني يصدر في نظرته للمكان من حس صوفي واضح. فهو –كما يقول في روايته (هاتف المغيب) إن في المكان " ثمة ما يستعصي على الرصد، ما لا يمكن أن أعبر عنه بكلمات ...المكان ينتقل في ثباته وإن لزِمتَه، يرحل عنك وترحل عنه وإن أقمتَ فيه عمرك"(ص241)، كما يقول أيضاً: "من رحيلي أيقنتُ أن العمارات والخِطط ليست ما تبدو، لكنها ما تحوي وتخفي"(ص257). فالمكان له ظاهر وباطن، والغيطاني في أعماله يسعى دائماً للوصول إلى هذا السر الباطني الذي يقاوم ولا يطيع الكلمات التي تحاول التعبير عنه؛ أي إن فنه الروائي –وهو وسيلته في التعبير- في حالة صراع وحوار مع روح المكان.
 وربما كانت رواية (التجليات) أبرز روايات الغيطاني في هذا المجال حيث يمتزج فيها المكان بالتجلي الصوفي وبالكرامة الصوفية. فالراوي يوجد في أكثر من مكان في وقت واحد، كما أنه يوجد في الأماكن القديمة التي تنتسب إلى عصور ماضية، ويستدعي شخصيات تاريخية في أماكن حديثة، ويرى في طفولته أماكن سيعيش فيها فيما بعد، ويرى على البعد ما يحصل في أماكن أخرى. وهنا نتذكر ما يقوله ابن عربي: "لما وصلت إلى بحر الروم من بلاد الأندلس، عزمتُ على نفسي ألا أركب البحر إلا بعد أن أشهد تفاصيل أحوالي الظاهرة والباطنة الوجودية، مما قدر الله عليّ ولي ومني إلى آخر عمري...فأشهدني الله جميع أحوالي مما يجري ظاهراً وباطناً إلى آخر عمري" . وباختصار نقول إن كل مكان قابل للتجلي في أي مكان، وفي أي زمان. وهنا نتذكر ما يقوله الحلاج من أن "الأين لا أين لها" ، أو نتذكر ما يقوله الشبلي: "ومِن أين لي أينٌ؟" .
ولكي نتعرف على صورة هذا المكان فإن الدراسة تقف عند التجليات المكانية الثلاثة التالية: القرية، وبقعة الأرض، وتجليات فاس بالمغرب:
1- تجلي القرية:
"تجلت لي قريتنا في أفصى الصعيد، تجلت في الألوان، الأصلية، أما مصدر الضوء فخفي، ضوء فجري ولا فجر، حمرة شفقية، ولا شفق، لا حرارة ولا برودة. إنما هي اللحظة المواتية... تجلت لي البيوت مضمومة، متساندة فوق مرتفع حتى تبتعد عن مياه النهر زمن الفيضان، محاطة بنخيل كثيف، وحقول، وطرق متربة، وسواقٍ لم تدُرْ بعد، وأشجار دوم، وجميز، وسنط، وكافور عتيق، وتين له رائحة عسلية عند المنحنيات. ألممتُ بالبيوت، والبئر البحرية، والجبانة القبلية. سريتُ في القرية، بصري حديد، وغطائي مرفوع، وصدري رحب، سمعي ثاقب، وقلبي نافد، وحواسي مرهفة، عرفت أنه ما من أحد يمكنه رؤيتي أو الإصغاء إليّ..."(ص47).
فالقرية في هذا التجلي تنتمي إلى الألوان (الأصلية)؛ أي إلى الحقيقة الأصلية، والبداية الأولى. و"الأول أفضل الأشياء وأعلاها" و"ليس شيء أعظم من لذة البداية" كما يقول ابن عربي. كما أنها تنتمي إلى (الضوء الفجري) مع أنها خارج الزمن المحدد (لا فجر، ولا غروب)، وخارج فصول السنة المعتادة (بحرارتها أو ببرودتها). وهنا يبدو توظيف الغيطاني لعناصر من وصف "أرض الحقيقة" عند ابن عربي؛ حيث "ظلمة ونور من غير شمس تتعاقب، وبتعاقبهما يعرفون الزمان، وظلمتهم لا تحجب البصر عن مُدْرَكه، كما لا يحجبه النور" . وتزداد رمزية هذا التوظيف بارتباط التجلي بفكرة (الضوء الفجري) حيث (الفجر) عند ابن عربي "برزخ"؛ أي "خيال" يرمز إلى "خروج عالم الغيب إلى عالم الشهادة والحس" . لقد تحولت القرية/ المكان إلى (لحظة مواتية). وهذا التحول يشير إلى أننا أمام حلم أو رؤيا تحاول الإمساك بالمكان في منطقة الشعور النفسي. فالإحساس بأن القرية لحظة مواتية معناه أنها تسعد النفس وتتوافق مع هواها. ولذلك فإن الراوي يحرص على سرد تفاصيل هذه القرية التي تتبوأ مكاناً عالياً يقربها من السماء ويبعد بها عن زمن الفيضان. وأهم ما في هذه التفاصيل ذكر الأشجار بأسمائها؛ وكأننا أمام الفردوس. ومما يقوي هذا الإحساس ذلك التناص مع الآية الكريمة التي تتحدث عن الإنسان في يوم الآخرة حيث يقول رب العزة: "لقد كنت في غفلة من هذا فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد"(سورة ق/22).
كل ذلك يجعل القرية التي تتجلى للراوي هي (جنة) الطفولة والنشأة التي يحن إليها دائماً. وفي هذا يقول أحد النقاد إن القرية هي: "الذاكرة البكرية الأولى التي تظل مِدرارة للدفء النفسي، وللسعادة الغابرة، طيلة حياة الإنسان، كما تظل مخزوناً لا ينضب لوقود الخيال" . وبهذا الخيال فإن الراوي يرى قريته برؤية الصوفي الذي تنكشف له الحجب ويرى ما لا يراه غيره: يرى أباه لحظة ميلاده، ويرى جده الذي لم يره أبوه: ""عرفتُ أنه والد أبي، جدي. جدي الذي لن يذكر ملامحه أبي؛ لأنه مات بعد عامين اثنين من ولادته...ورأيتُ المرأة القصيرة، لم أعرف اسمها، تمسك أبي المولود لتوِّه...التفتُّ إلى جانب قلبي الأيمن، رأيت صريع كربلاء، دليلي، مولاي وصفيي ومرشدي...أومأ باتجاه أبي المولود، حضني على إطالة النظر إلى الحبيب المفقود فأمعنتُ. أبي عمره دقائق..."(ص48).
2- تجلي بقعة الأرض:
بقوة خيال التجلي يصل الراوي إلى الكرامة العجيبة التي تجعل بقعة من أرض المكان تكلمه وتتحدث إليه: "ذكَّرني محبي وحبيبي بأن الموجودات كلَّها تتكلم في أسفاري وتجلياتي، الأصول تتحدث وتجيبني. وهنا سمعت ما لا عهدَ لي به، ما لا أقدر على وصفه لبشر، ما تضيق به حروف الكلام من كل منطوق ولسان. أقول وشجني رقراق معتَّق إن تلك البقعة كلمتني، وكان الكلام هامساً، قالت إن أبي لامسها مرة واحدة ولم تتكرر، لحظة ولادته"(ص49). وتأخذ هذه البقعة طابع القداسة والأسطورة: "قالت إن والد والدي لم يطأها، وإن مرَّ فوقها مرات لا تحصى، لكن إما أن يسبق بقدميه أو يتأخر، كذلك جدوده. لكن ثمة جد بعيد، عاش في الزمن القديم، اتخذ مني مجلساً، لم يفارقني لمدة تسعين عاماً، لم يفارقني إلا ليقضي حاجته في موضع معين بين نخيل كثيف اندثرت شجيراته منذ زمن، عندما جاءني لأول مرة كان عمره يتجاوز المائة عام"(ص50). إنها صورة المكان الطاهر، والبقعة العذراء: "تقول بقعة الأرض لم يمسني بشر، ولم أكن موطئاً لإنسان إلا لجدك القصي ورأس أبيك عند مولده"(ص51). فهي من "الأماكن التي لم تدنسها الأقدام" على حد عبارة ابن عربي.
وعندما نقترب أكثر من تجلي هذه البقعة نجد أن قداستها تزداد بهذه الملامح الصوفية التي تبوح بها عن هذا الجد القديم: "قالت إن جدي البعيد كانت له كرامات وإشارات منذ ولادته...قالوا إنه كان يحملق بعينيه دائماً في السماء البعيدة، وفي رمضان لم يكن يرضع إلا ليلاً. وفي لحظة مرض ألمَّت به رفعت أمُّه يديها إلى السماء، طلبت له الشفاء فأجابها صوت خفي: آمين. وعندما شب لم يرتكب معصية، أو زلّة...ساح في العالم لمدة مائة وعشرين سنة قبل رجوعه إلى الناحية...قضى مائة وعشرين سنة في نفس الموضع يغزل الصوف...في آخر أيامه قبل أن يختفي نهائياً جاءه رجل مديد القامة، أبيض الشارب واللحية، أزهر الثياب، أنور الجبين، سأل جدي: هل عثر على إجابة لسؤاله؟ هز رأسه من اليمين إلى الشمال، واختفى لحظة نزول الغسق"(ص51).
2- تجليات أماكن فاس بالمغرب الأقصى:
في التجليات تنتشر عناصر التجربة الصوفية مع المكان. ومن ذلك عنصر الوجود في مكانين في وقت واحد. وما فكرة (الأبدال) التي أشارت إليها الدراسة من قبل إلا تجسيد لهذا الوجود المزدوج. وفي (الفتوحات المكية) يروي ابن عربي ما حدث من أحد هؤلاء الأبدال مع أحد المتصوفة حيث يقول هذا المتصوف: "كنت بمنزلي بمرشانة، ليلة من الليالي، فقمتُ إلى حزبي من الليل، فبينا أنا واقف في مُصلاي –وباب الدار وباب البيت، عليَّ مغلق، وإذا بشخص قد دخل عليَّ وسلَّم، وما أدري كيف دخل؟...ثم أخذني وخرج بي من الدار، ثم من البلد، ومشى بي في أرض لا أعرفها، وما كنت أدري أين أنا من أرض الله؟ فذكرنا الله تعالى في تلك الأماكن، ثم ردني إلى بيتي حيث كنت" .
ومثل هذه التجربة تحدث لراوي تجليات الغيطاني في مدينة فاس بالمغرب حين يظهر له "رجل يرتدي لباساً مغربياً"، يسميه بعد ذلك بـ"الرجل الغريب"، ويأخذه من الفندق إلى زقاق ضيق، وهناك في دكان قديم مغلق لا يفتح إلا يوم ذكرى المولد النبوي يرى صاحبَه "المقتول بأيدي العدو الذي أصبح صديقاً"(372)، ويرى "ظهره مبللاً بالدم، جرحه الطريّ يصحبه أينما ولّى"(ص373). وهنا يلاحظ أن هذا الشهيد موجود في هذا المكان البعيد بصورة وجوده التي كان عليها عند استشهاده، فهو ليس (حياً عند ربه يرزق) فقط، وإنما هو أيضاً حي في الأرض ينتقل من مكان إلى مكان. وبطبيعة الحال فإن الغيطاني هنا يستغل الفكرة الصوفية عن "الفتح الإلهي" التي "تُلْغِي من تقدير الوليّ حدودَ الزمان وحدود المكان" ليجعلها أداة فنية للتعبير عن بقاء الشهيد وظهوره في كل مكان للتذكير بقضيته.
 وفي الحلقة النقاشية التي يشارك فيها الراوي، وأثناء احتدام النقاش حول نقطة خلافية، وكان يصغي ولا يتكلم، يرى في آخر القاعة "الرجل الغريب". يراه هو فقط ولا يراه بقية الحضور: "وعندما أشار لبَّيتُ بلا حذر أو خشية؛ أي أنني وقفتُ وبقيتُ قاعداً، فصار لي هيئتان متماثلتان تماماً، صورتان، فصورة مني بقيت في مكاني تصغي وتجيب السائل ليس لي من أمرها شيء، وصورتي التي انجذبت تجاه الرجل الغريب طوعاً وجبراً...لم يلحظ أحد من الحضور ما جرى لي، بل إن أحدهم توجه إلى صورتي وطلب مني إبداء الرأي، رأيت نفسي أحرك فمي متكلماً غير أنني لم أُصغِ ولم أسمع فقد تبعتُ الرجل الغريب، خرجتُ من القاعة تاركاً صورتي وهيئتي"(ص373-374).
وهنا يتصاعد الشعور بقوة تلك الكرامة/ الخيال الروائي التي تمكن الراوي من الوجود في مكانين في وقت واحد، ويحس أنه اختُصَّ بـ"الفرصة وصفاء الجلوة" فوصل إلى ما لم يصل إليه الكثيرون "من أصحاب الرؤى وعلامات الطريق، الكمَّل، المواصلين"(ص374). ويتساءل بزهو: "فمن منهم تحول إلى هامة؟ إلى غمامة؟ إلى ندى؟ إلى ظل شمس؟ إلى جذع نخلة؟ إلى ثمر...؟ إلى حصى؟ إلى نجم مارق؟ إلى أفق مبين؟ إلى إشارات آتية من بعيد؟ إلى صوت تائهٍ في البرية؟ إلى أنثى؟ إلى أبوه؟ إلى صاحبه؟ من منهم تحول مثلي وتقلب؟ ربما عرف الواحد منهم شيئاً من هذا، لكنني عرفت هذا كله"(ص374).
ويكون من الطبيعي في ضوء ذلك الزهو -الذي يشبه زهو ابن عربي بحصوله على "ختم الولاية المحمدية" - أن تنعقد الصلاة في مسجد القرويين بفاس بإمامة رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وفيها يرى: "الحلاج والشبلي، وذا النون وابن الفارض، أحمد البدوي يدخل ملثماً، إبراهيم الدسوقي، البسطامي، الجنيد...الأئمة، والأوتاد...النقباء...أهل الحقيقة، وأهل الوداد، وأهل السلوى والنجوى..." ويكتمل الصفان الأماميان بالأنبياء، أما هو "فظل في أقصى نقطة من مؤخرة الصفوف، كنتُ نائياً قصياً لا أساوي مثقال حبة من خردل بين هذا الجمع الجليل، وأين الثرى من الثريا، وأين الجدب من الغيث، فسبحان من أكرمني بوقوفي على مقربة منهم ومشاهدتي لهم"(ص376-377). ومن الواضح هنا أن الرواية تستثمر فكرة (المعراج الروحي) التي أفاض فيها ابن عربي . ولكن لأن الراوي يعرف أنه (مريد) من نوع مختلف فهو في آخر نقطة وراء هذا الجمع الجليل. إنه وارث هذا التراث الروحي الذي يتجلى له تجلياً فنياً يقيم من خلاله عالماً روائياً مدهشاً.
وإذا انتقلت الدراسة إلى محاولة النظر في أثر الملامح الصوفية في تشكيل طبيعة المكان في رواية (رسالة البصائر في المصائر) فإن أول ما نجده هو ذلك الربط بين الراوي والمكان بالشكل القدري الذي جعله يذهب إلى أماكن لم يكن يتصور أنه سيصل إليها في تجربة حياته:
"مرة حلقتُ راكباً طائرة صغيرة، مروحية، فوق جبال آسيا الصغرى. جبال لم تطأها قدم، وخيوط نحيلة من المياه ما هي إلا بدايات أنهار متدفقة، هادرة. أطلتُ النظر إلى مرتفعات كردستان المكسوة بالثلوج اثني عشر شهراً. خطر لي، عندما كنت صغيراً ألعب في هذه الحارة القديمة من قاهرتنا القصية، العتيقة، هل تخيلتُ وقتئذٍ أنني بالغ هذه الفضاءات يوماً، أو غيرها من بقاع قصية وصلت إليها، وجلتُ فيها؟ لو أطلعني ثقة على ما سيكون لما صدقت. كانت حدود العالم عندي وقتئذٍ لا تتجاوز مائة ذراع، والوصول إلى الميدان القريب يبدو مغامرة غير مأمونة، مجهولة العواقب. ولكن.. ما شاء الله كان"(ص9-10).
هكذا تبدو تجربة الإنسان: من المكان الصغير المحدود، إلى المكان الكبير، إلى الفضاء الأكبر. من (الحارة) إلى (الميدان) إلى (فضاءات العالم). الماء يبدأ خيطاً نحيلاً ثم يصير نهراً متدفقاً. والراوي كان (صغيراً) يلعب في الحارة، ثم أصبح (بالغَ) هذه الفضاءات. وكأن التجربة والحياة ما هي إلا معراج مكاني. وهذه مسألة قدرية تتوقف على المشيئة الإلهية. وهذا ما يستدعي إلى الذهن ذلك البيت الشعري الشهير:
  مشيناها خطى كُتِبت علينا
  ومن كُتبت عليه خطى مشاها
ومضمون هذا البيت الشعري هو ما يستقر في قول الراوي: "عندما أستعيد وجوهاً عرفتها في الحارة، في الحي القديم، في مدرستي الابتدائية، الثانوية، تتبعي الشعاب التي سلكت، والطرقَ التي أدَّت، أتعجب. غير أنني أنثني قائلاً: لكلٍ وجهةٌ هو مولّيها"(ص9). وهنا يلاحَظ أن هذا الشعور بالقدرية يأتي في سياق الرواية التي تتحدث عن "المنعطفات المفاجئة، والمنحنيات الحادة، والانقلابات العاكسة، مما بُدِّل وغُيِّر"(ص9) في مرحلة السبعينيات. ومما له معناه الرمزي هنا استغلال الكاتب لهذه التعبيرات المكانية التي تدل على التحول: المنعطفات، والمنحنيات.
 وأول حكاية في الرواية هي حكاية مرتبطة بالمكان: (قبة قلاوون) الملاصقة لجامع الناصر محمد بن قلاوون. وكأن المكان هو الشاهد الأول على هذه المنعطفات والمنحنيات. ولكن هذا الشاهد له سماته الخاصة. فهو يقع "في هذه المنطقة من شارع المعز، والتي يسودها الظلام والوحشة بعد نزول الليل، فما من بيوت مسكونة قريبة، ما من محال تجارية. يتجاور البيمارستان بمسجد المنصور وقبته، ومسجد الناصر، وجامع برقوق. هذه المسافة من الشارع وحدة متضامة من زمن عتيق، مندثر، تجاهد البِلَى"(ص12). فهو مكان تحقق له البعد عن حياة البشر الدنيوية اليومية الصاخبة. وهو مكان ينتمي إلى "وحدة متضامّة"؛ أي تحقق له الانسجام مع الأمكنة المحيطة به التي هي رموز وأمكنة تتبع نظاماً روحياً واحداً. وهو يؤلف مع جماعة الأمكنة المحيطة به حالةَ (جهاد) ضد الزمن والاندثار: الجوامع والمساجد رمز للجهاد ضد اندثار الروح، والبيمارستان رمز للجهاد ضد اندثار البدن. وباختصار هو (أثر)؛ أي علامة على تاريخٍ روحي يمتد إلى "زمن عتيق".
 وبكل هذه الصفات فإن المكان يصبح معادلاً موضوعياً للمتصوف الذي يقيم في (خلوته) بعيداً عن الناس، والذي يعيش من أجل الروح، ويصبح أيضاً معادلاً موضوعياً للروائي الذي يعيش في خلوة خياله، والذي يعيش من أجل الإبداع.
وتمثل (القبة) مركز الأسرار في هذا المحيط المكاني؛ فهي ذات "مكنونات"(ص14)، و"همسات" و"هسهسات"(ص17). ويفيض الوصف الروائي للقبة: "هذه الفتحات، تلك الثقوب، الكسور في الزجاج المعشق، مرور الهواء هنا غيره هناك، وصدى الصوت القادم من بعيد لا يتشابه إذا ما تكرر، للصيف أصوات، وللشتاء أصداء، للحر ضجيج وللبرد كمون وخواء...أما إيقاع المطر فلا يتشابه، الرخة غير الهطلة، أما السيل فمغاير تماماً...هيئتها الليلية المهيبة، الغامضة...توحدها وانفصالها عن العتمة في الوقت عينه"(ص17-18). ولا شك أن كل هذه الصفات تبتعد بالقبة عن أن تكون بناء مادياً، وتقترب بها إلى أن تكون رمزاً روحياً كتلك الأماكن التي أفاض المتصوفة في التعبير من خلالها عن أشواقهم وتجلياتهم. على أن الملمح البارز هنا هو إشارات الغيطاني إلى فكرة (عدم التكرار) في تجليات القبة حيث يستثمر فكرة (عدم التكرار) في التجلي الصوفي؛ وهي الفكرة التي يجسدها قول ابن عربي: "وأما أهل الكشف فإنهم يرون أن الله يتجلى في كل نَفَسٍ ولا يكرر التجلي، ويرون أيضاً شهوداً أن كل تجلٍّ يعطي خلقاً جديداً ويذهب بخلق" .
 ويزداد حضور المكان في روايات الغيطاني التالية حتى إنه يمتزج امتزاجاً واضحاً مع شخصية المحبوبة (فاليريا) في رواية (رسالة في الصبابة والوجد)، كما يرتبط بالرحلة والسفر وجميع المعشوقات في رواية (من دفتر العشق والغربة)، ويصل إلى البطولة المطلقة في رواية (سفر البنيان). وفي كل تلك الروايات كثيراً ما يأتي المكان محملاً بملامح وإشارات صوفية.
 ومن البداية في رواية (الصبابة) يظهر الارتباط بين المحبوبة والمكان من خلال ما يسرده الراوي في بيان سبب مجيئه إلى "ديارها" ونزوله "بلادها" و"موطنها"؛ وهو دعوته إلى مؤتمر للحفاظ على "المباني العتيقة، وترميم ما تصدع منها، وما يتهدده البِلَى"(ص463). وعندما تمضي الرواية نكتشف أن الراوي هو أيضاً يحس بالتصدع وتهديد البِلى فتصبح تجربته مع المكان الجديد نوعاً من (ترميم) هذا التصدع، ومقاومة ضغط الزمن: "إنني على وشك الخروج من جبٍ سحيق أُلقِيتُ فيه منذ مرضي وما أورثَنِيهِ من إعياء"(ص472). كما نكتشف أن أمره ليس متعلقاً بفاليريا معينة بشخصها وإنما بها كفكرة ملازمة له في كل مكان: "إن هذا الكون بمجمله مكان لأراها فيه"(ص464). فهي محجوبة في كل الأمكنة، ويمكن أن تتجلى في كل الأمكنة، مثلها مثل تلك الفتاة الأخرى التي "لاحت... بعد طول استتار، بدت فجأة، توهج لحظها وألق عينيها، وشوارد مفلتة من داخلها المضيء"(ص465).
ونظراً لهذا الارتباط القائم بين المحبوبة والأمكنة فإن هذه الأمكنة تأخذ أبعاداً روحية عميقة لأن المحبوبة لها هذه الأبعاد الصوفية العميقة: "ضمنا هذا الفندق في الليلة الأولى وإن تباعدنا. جزنا العتبات، ولجنا القاعات، ركبت العربة التي أقلتنا من المطار إلى مأوانا، جلست بجوار صاحبي ملصقاً وجهي بزجاج النافذة، متلمساً معالم المدينة التي لم أتصور أنني بالغها يوماً"(ص465). ومن الواضح أن الراوي حريص على ذكر كل تلك التفاصيل المكانية لأنها أخذت طابعاً وأهمية وجدانية من خلال علاقتها بالمحبوبة.
ومن (الحديقة) يصله "تأثيرها في هذا العالم"(ص467). وإذا كان صحيحاً ما يقال من أن "الجسد الإنساني يُعَد امتداداً للمكان وحسب قوانينه يتشكل ويتكون" فإنه يكون صحيحاً أن المحبوبة تأخذ صفات الحديقة وتتشكل بها لتصبح هي أيضاً مكاناً لتنوعات جمال الألوان، والرائحة الزكية. وهنا يبدو دور التناص مع (الحديقة الصوفية) واضحاً في تجسيد الأبعاد العميقة لشخصية المحبوبة. وتتحول هي إلى (كعبة)، ويتحول هو إلى (طائر): "عند طوافي حولها كنت مرفرفاً، حائماً"(ص469). إننا أمام مجموعة من الرموز التي يكثر ورودها في الأدب الصوفي: الحديقة، والكعبة، والطائر . ومن العجيب أن هذه الرموز الثلاثة تصور مراحل في رحلة العشق الصوفي: فـ(الطائر) يرمز إلى (الروح) العاشقة التي تحوم حول (الكعبة) التي هي الحقيقة الإلهية المعشوقة، و(الحديقة) هي حديقة المعارف والتجليات. ولكن لا بد أن تشير الدراسة هنا إلى أن المقصود من هذه الرموز ليس حقيقتها المستخدمة بها في التراث الصوفي. فالكاتب لا يصنع تجربة صوفية مطابقة للتجارب الصوفية، وإنما هو يوظف هذه الرموز ليعطي تجربته عمقاً روحياً.
ولأن الدراسة سوف تقف في فصل قادم عند تحليل العبارات التي يتجسد فيها (وحدة الوجود) بين المحبوبة والمكان، فإنه يمكن هنا الاكتفاء بالنموذج التالي:
"إذ أستعيد الشوارع العتيقة فلا أراها إلا مقترنة بها، هي في البؤرة، ولب المركز، أذكر امتداد الصيارفة القديم، المباني على جانبيه، وتوالي القباب، فلا يتكشف لي منه إلا بمقدار تتابع خطاها...رؤيا ذاكرتي تتوقف معها، تجول صوب ما كانت تنظر إليه، حتى إذا خطَتْ في السوق المغطى تبعتها خواطري، وشرعتُ في ملاحظة البنيان...بين عينيها والبنيان الملتف حوار وخطوط اتصال...أما مدرسة مير عرب فبرغم بهائها وسموقها فكانت تنقص عنصراً، لم يكتمل إلا بوقوفها في باحتها، وتأملها المتمهل للنقوش...الذين صاغوا التصميمات في الحقب البعيدة، الذين أشرفوا على تشييد تلك العمائر، استطلعوا النجوم وأهل الخبر، فأُنبِئوا في حينه بمجيء تلك البنية ذات يوم، فراعوا ذلك، وانتبهوا إلى العنصر الناقص، حتى إذا وفدت إلى عالمنا، ونمَتْ وشبَّتْ، ورحلَتْ، اكتمل البنيان..."(ص495-496).
المكان إذن ناقص بدون المحبوبة، فهي الكمال والاكتمال، وهي كانت حاضرة عند تأسيسه منذ الحقب البعيدة، ومن أجلها تم تشييد البنيان الذي هو رمز حضور الإنسان في المكان. وهنا تبدو إشارة الراوي إلى نفسه عن طريق جعل (البنيان) معادله الموضوعي. فالبنيان لا يكتمل إلا بها كما أن الراوي/ المحِبَّ لا يكتمل إلا بها. إننا أمام استثمار روائي لوحدة الحلول الصوفية: فالمحبوبة تحل في المكان فيشع كلٌ منهما بروح الآخر، والراوي يحل في البنيان متطلعاً إلى اكتمال نقصه بالمحبوبة.
 لقد أشار الراوي إلى الحديقة التي ينطلق منها تأثير المحبوبة في العالم. وربما كان عنصر (الرائحة) أهمَّ وجه، وأبرز صورة لفكرة انتشار هذا التأثير. ولذلك فإن المتصوفة ركزوا كثيراً على فكرة تأثير جمال المحبوبة في العالم وقالوا: "إن أثرها لينسحِب على كل شيء تحل فيه، كما يصفها الشاعر بقوله:
  يفوح الندى لدى ذكرها فكلُّ لســـانٍ بها ناطقُ
  فلو أن مجلسها هضمةٌ ومقعــدُها جبـلٌ حالقُ
  لكان القـرارُ بها حالقاً ولن يدرِكَ الحالقَ الرامقُ
  فكلُّ خراب بها عامـرٌ وكلُّ ســراب بها غادقُ
  وكلُّ رياضٍ بها زاهر وكلُّ شــرابٍ بها رائق"
ويشرح ابن عربي هذه الأبيات بقوله إنها: "مهما ذُكِرت في مجلس عطَّر المجلسَ ذكرُها طيباً لطيب ريّاها" . كما يعلق أستاذي الدكتور محمد علم الدين الشقيري على هذه الأبيات بقوله: "إن من جمال محبوبته كما يتضح من الأبيات، أنها تضفي الجمال في كل شيء وعلى كل شيء؛ ...إن كل مكان تحل فيه يحيا ويزدهر بوجودها" . وكما قلت فإن الرائحة الزكية هي أبرز وجه لصورة هذا التأثير في العالم؛ ولذلك أشارت الأبيات إلى (العطر)، وتشير نصوص أخرى إلى المحبوبة بأنها (المسك الفتيق الذي هو "أطيب الطيب" )، وأنها "حُقَّة أُودِعَت عبيراً ونشراً" . وما هذه الصور المرتبطة بالحديقة إلا "لأن طيب الروائح من الروضات أحسن من غيرها للجمع بين الرائحة الطيبة والمنظر الحسن والهواء الطيب" كما يقول ابن عربي.
 وعندما ينتقل الراوي بفكرة (الرائحة) هذه إلى (الأماكن) فإنه بذلك يجسد تأثير المحبوبة في العالم: "ذلك الترقب الذي يلزمني عند جوازي عبر مداخل العمائر القديمة، والممرات المؤدية، حيث الصحن الفسيح بعد الممر المدهلز فكأنه الفرج بعد الضيق، أو اليسر بعد العسر. كنت أدع نفسي في مساجد بخارى لأرصد توالي المشاعر عليَّ، خاصة عند دخولي. كنت أشرع حواسي لالتقاط روائح المكان، فلكل معمار رائحته الملازمة التي تمنحه خاصيته، وخلال هذا كانت هي متداخلة بشتى العناصر"(ص497). وإذا كان تأثير المحبوبة على العالم بهذه الدرجة فإن تأثيرها على الراوي يكون أقوى بلا شك. وهذه هي فائدة التوظيف الصوفي للفكرة الصوفية عن تأثير المعشوق في العالم. فبهذا التوظيف يجعل الراوي نفسه وعشقه في إطار روحي كوني مما يعمق من تجربته ويعطيها أبعاداً غنية.
 ويتصاعد هذا التأثير في العالم في رواية (دفتر العشق والغربة). فحضور المحبوبة التي يقول عنها الراوي: "إنها في ديار، وأنا في ديار، ودوننا مسافات شُسْع"(ص610) – هذا الحضور له القدرة على أن يتجاوز كل هذه المسافات ليصل إليه في مرقده:
 "وجودها الحسي يضج حولي، فكأنه أفلت من أسر الكينونة، ومحدودية الإحاطة، عَبَرَ المسافات القصية، وفضَّ المغاليق، والأبواب، والحواجز، والسدود، والمخافر، وانتهي إلى مرقدي"(ص608-609).
وهنا نتذكر على الفور فكرة (الطيف) التي أبدع فيها الشعراء ، واستثمرها المتصوفة كثيراً؛ حيث ترتبط عند ابن عربي بالخيال الذي بواسطته يرى النائم الأعراض صوراً قائمة بنفسها –تخاطبه ويخاطبها- أجساداً لا يشك فيها" . وبالخيال أيضاً يرى المكاشَف في يقظته ما يراه النائم في حال نومه" . والعلاقة بين الطيف والمكان هي أن الطيف يلغى المسافات؛ أي يلغي المكان بوصفه حاجزاً وعائقاً عن التواصل. والطيف ذو طبيعة شفافة فهو ينتمي إلى العوالم العلوية النورانية .
(الطيف) و(المحبوبة) شيء واحد؛ ولذلك فهي حاضرة في كل مكان: "دائماً كنت في مداها، تتطلع نحوي من موقع خفيٍّ لا يبين"(ص627)، وهي "تلوح فجأة، من جهة لم أتوقعها، وأحياناً من جهتين في وقت واحد، ومعظم الأوقات من سائر الجهات"(ص658). بل لا مكان إلا بها: "لا يمكن استعادة موضع إلا من خلال لحظة احتوته واحتواها"(ص662). وفي إطار هذا الحضور تأتي فكرة (الإشراق) أو (التجلي) لتجعل المحبوبة –حتى في أكثر صورها حسية- أقرب إلى تجلي (المعشوقة الصوفية): "في تلك الغرفة طقَّت الشرارة، وأزَّ أُوارِي. أما ما يستعصي على الرصد فأشمل وأعم وأبقى من كل مدرَك بالحواس"(ص666). ولذلك فهو يتحدث كثيراً عن (بزوغها الهادئ المفاجئ في فراغ الغرفة الفسيح"(ص665)، أو أنها "حطَّت بغتة، لاحت، شعَّ حضورها الألِق، العنبري النسيم"(ص665)، أو أن ظهورها تارة يكون "كالانبثاق، كسطوع نجم جبار في المجرة، ظهور يُعْشِي فيَجُبُّ ما عداه"(ص671)، وتارة يكون "كميلاد قطرات الندى، تُرَى بعد اكتمالها"(ص671)، وتارة "يبدأ هادئاً ثم يتعالى صخبه، يتدفق، يغمر"(ص671)، وفي كل الأحوال، وفي شتى الحالات، فإنها تراه دائماً من مكان هو كل الأماكن: "أثقُ من رؤية المحبوب لي أينما وليتُ وجهاً، في شتى حالاتي، يتطلع إليَّ من نقطة خفية يستعصي رصدها، علوية، سفلية، لا تستند إلى يابسة، ولا بناء، ولا نهر ولا بحر"(ص689).
وفي مقابل هذه الصورة الحركية النافذة للمحبوبة نجد الراوي محاصراً بـ(المكان المغلق):
 "يشرق وعيي مستوعباً ما يحدُّني. هذا مرقدي، وتلك جدراني، وذاك فراغي المحدود"(ص609).
ومن هذه الأزمة المكانية –إذا صح التعبير- فإن الراوي يحاول الحل؛ أي الخروج من محدودية المكان، عن طريق الاتصال بالمحبوبة بـ(الهاتف). ولكن المحاولة تفشل، ويظل المكان البعيد بالنسبة له غير قابل للخضوع للـ(هاتف) الآلي، وإن كان قابلاً للخضوع للـ(هاتف) الروحي. ومن هنا فإن الراوي ينطلق إلى حل مشكلة المكان/الحاجز عن طريق فعل السفر والارتحال والانتقال من بلد إلى آخر، وكأنه يحاول أن يأخذ من (الطبف) طبيعته وقدرته على الانتقال من مكان إلى مكان. وهو من خلال هذه الرغبة في التحول إلى (طيف) إنما يحاول أن يكون مثل المحبوبة؛ لأن ذلك التماثل يهيئه لتحقق (الحلول)، كما يهيئه لمعرفة ذاته:
 "لو أنني تخلفتُ لسبب ما، لَمَا عرفتها، لظل وجودها مجهولاً عندي، وذلك عين الجهل بذاتي؛ لأن جوانب شتى عندي لم أقف عليها إلا من خلال تطلعها إليَّ، وإصغائها إلى كلمي، وحنوها عليَّ، وسعيها مخلصة إلى الاتحاد بي"(ص664).
ولكن الراوي يعرف أن الأماكن –بالنسبة له هو- عائق أمام هذه الرغبة فلا بد من "قطع مسافة وارتحال"(ص676). وهذا ما يجعله يعيش إحساس (الغربة الدائمة/ ص692). ويصل إلى الحقيقة المريرة "المكان واحد والمصائر شتى"(692)، ولا يبقى إلا "شتات الأماكن"(ص708):
"لم يعد المقهى هو عينه، ولا الطرق التي قطعناها معاً، ولا الواجهات...ولا الزوايا...كانت أماكنها تبدو مغايرة، قصية،..كل أماكنها تَذَرَّتْ، أفلتت مني"(ص712-713).
وتتصاعد درجة استحواذ المكان على مساحة النص في روايتي (خلسات الكرى) و(سفر البنيان). على أن الملمح البارز في رواية (خلسات الكرى) هو صورة المكان/الذِّكْرى الذي تحن إليه الذات، وتحمله في وجدانها. ويأتي هذا الحنين إلى المكان في سياق ما يسميه الكاتب بـ"حال غالب":
"الحنين كما جاء في (اللسان) هو الشديد من البكاء والطرب، وهو خلاصة الشوق، وتوَقان النفس. وهذا حال غالب عليَّ فقد حزتُ الحنين وصفاً ومضموناً"(ص10).
 وهنا نتذكر سيطرة الحنين إلى الأماكن على التجربة الشعرية الصوفية. ولقد كانت هذه الأماكن عند المتصوفة رموزاً وأسراراً لتمثيل تجربة الحب الإلهي، أو لتمثيل رحلة الحج الروحي. وكانت أسماء الأماكن المقدسة (مكة والمدينة والحجاز) شائعة في هذا الشعر. كذلك كانت هذه الأماكن شائعة في الغناء الشعبي المصري الخاص برحلة الحج. وكل ذلك امتزج في وجدان الراوي ليشكل صورة المكان/ الذكرى:
 "في زمني الأول، مسقط رأسي، حيث النخيل وظلال الماء في القنوات السارية... وأصداء تلك الأغنيات التي يوحد بينها الشجن؛ إذ يجتمع النسوة في صحن دار فسيحة يبدأن بالتحنين؛ يقصدن إثارة الأشواق إلى أرض يثرب ومكة، كن يقصدن إثارة الشوق عند من يصغي ويسعى، غير أن أصواتهن اتخذت سبيلاً عجبا، سَرَتْ عبر الوقت بعد أن هجعت عندي زمناً طويلاً. فاستثارت أساي، وامتزجت عندي بأنغام غامضة يصعب تصنيفها أو نسبتها إلى مرجعية بعينها، أو مقامات خاصة"(ً10).
يأخذ الكاتب صورة هذا المكان المحمل بالشجن الروحي الممتد إلى أبعاد صوفية لا ليقيم به تجربة في الحب الصوفي، أو الجمال الإلهي، وإنما ليقيم به تجربة في الحب الإنساني، و"الجمال الأنثوي"(ص11): "وشوقي دائماً إلى الأنثى في سائر أحوالها وتجلياتها، في ظهورها، في خفائها، عبر كافة الأزمنة...ألغيتُ المسافات فتمكنتُ"(ص11). وهكذا فإن الأماكن التي تصادفنا في الرواية هي الأماكن التي ارتبط كلٌ منها بأنثى. هي أماكن حضورها وتجليها في زمن مضى، ومن ثم فهي أماكن/ الذكريات وشجن الفقد:
- "حضورها يؤنث المكان"(ص19)،
- "لم يكن المكان، وليس الزمان إلا إطاراً لظهورها المؤرق"(ص23).
- "المدينة من خلالها صار حضورها عندي أنثوياً: للحدائق لون عينيها، والليل ينبثق من شعرها وغموضها، أما النواحي فللحد من رؤيتها"(ص127).
بل إن المكان يتحول إلى توحد تام مع حقيقة الأنثى كما نجد في وصفه لعلاقته بمدينة (طُلَيطِِِلة) ذات "الحضور الأنثوي" والتي هي "مكان مؤنث..."(ص71).
كذلك فإن المكان يصبح بديلاً لتعويض فقد المحبوبة: "كنتُ أستعيدها يومياً في لحظة رؤيتي لها ثم أفقدها، إلى أن أدركت وهج الصلة بين كينونتها وذلك الضوء الرقراق، لذا لزمتُ القبة يومياً"(ص25). والضوء الرقراق الذي يشير إليه الراوي هنا هو ضوء "قبة ضريح قلاوون" التي هي كما يقول عن نفسه "ركني المتين في القاهرة العتيقة"(ص25). وهذا ما يستدعي رمزية (القباب) –بصفة خاصة- عند الراوي حيث يقول:
"أحياناً ألوذ بأماكن معينة...وإني لمغرم بالقباب، بقدر ما تحتويني، وتطلعني على استدارة الكون بقدر ما تفك أسري، وتعتق ما تبقى من وثاقي. أويتُ إلى قبة الإمام الشافعي المصوغة من خشب عطر الرائحة، قبة قايتباي، قبة برقوق، قبة مولانا وسيدنا الإمام الحسين، ولزمت قبة سيدي عمر بن الفارض المتقشفة، الزاهدة. في استانبول سمقت بي قبة الجامع الأزرق، وتحت قبة صغيرة مضمومة مؤثرة في جامع القرويين بفاس امتثلتُ وأصغيت"(ص24).
وفضلاً عما تثيره رمزية القباب من اتصال العلاقة بين الأرض والسماء ، فإن لها أيضاً رمزية أنثوية واضحة في سياق أعمال الغيطاني الذي كثيراً ما تأخذ صورة الأنثى عنده صورة معمارية من مثل قوله: "تلفتتْ حولها...عمارة أنثوية"(ص41)، وقوله: "جليـلة النظرة، شهيـرة الطلعة، علويـة السمت...عمارة منمنمة"(ص41، وانظر ص121). وكأن كل ذلك يفضي إلى رؤية صوفية قوامها (وحدة الوجود) بين المحبوبة والمكان.
في رواية (سفر البنيان) نواجه المكان/ الغربة الروحية، بل نواجه ما يسميه الراوي "اغتراب الغربة ذاتها"(ص9). فبعد أن وصل في رواية (خلسات الكرى) إلى أن المكان ليس هو "ثبات الموضع وتغير الوقت"، وإنما "المكان بزمانه، المَحلُّ بوقته، بما يحويه، فإذا انقضى الحالُّ ذَوَى المكان أيضاً، حتى وإن وطئته نفس الأقدام، واحتوته النظرات عينها"(ص111)، فإنه يصل هنا إلى تأمل (مصائر الأماكن) عندما يقع عليها (التغير):
"فبتغير الأماكن، وزوال المعالم، وافتقاد الصحبة، وضياع العلامات، وتداخل الإشارات، يصبح ما يدل على الغرب جواز مرور إلى الشرق، وما جاء متماسكاً يستمر مجزأً، غير قادر على التواصل، إنه اغتراب الغربة ذاتها"(ص9).
فضياع معالم المكان يعني ضياع الاتجاه. وهذا ما تؤكده الحكاية الأولى التي جاء عنوانها (باب) عنواناً مكانياً، مثل كثير من حكايات الرواية. ففي هذه الحكاية الأولى ترِد صورة المكان كما يلي: "أحوال الديار في تراجع، والعكوسات سارية، وما كان قائماً كالنُصُب المهيب يتراجع نهائياً، مؤْذِناً بأُفول المعاني وضياع الثوابت"(ص10). ولا شك أن هذه العبارة هي إسقاط على الحاضر الذي رمز إليه الكاتب برمز مكاني. كذلك يتضح هنا حركة المكان إلى التراجع بأفول معناه، وبطلان تأثيره وهيبته.
ولكن المهم بالنسبة لهذه الدراسة هو ما أضفاه الكاتب على (الباب) من ملامح تجعله يشبه فكرة (الحقيقة الصوفية). و"الباب مصطلح حاضر في التصوف الإسلامي" . وينقل شاكر عبد الحميد قول الشاعر الإنجليزي (وليم بليك): "إذا تم تنظيف وجلاء أبواب الإدراك، فإن كل شيء سوف يبدو للإنسان على حقيقته، لانهائياً" . والمتأمل لرمزية (الباب) في الرواية يجد أنه من جهة أولى هو (باب) الرواية؛ أي النص الافتتاحي فيها الذي يمثل نقطة الدخول إليها. فهو –إذن- (باب) الدخول إلى عالم الرواية، ولذا فهو يحمل الفكرة الأساسية التي ستدور عليها وجهة نظر الرواية في (البنيان). ومن جهة ثانية هو (باب المعنى) بل باب "مجمع المعاني"(ص12)؛ أي الباب الذي تختبئ وراءه معاني البنيان أو "الخبيئة العظمى، السارية، المخْفاة في الأكوان كافة، والظاهرة الجلية لمن يدرك ويستوعب"(ص12). وما دام (باب الرواية) يتحدث عن (باب معاني البنيان) فإن كاتب (باب الرواية) يكون من ضمن مَن "يدرك ويستوعب" (بابَ معاني البنيان)؛ أي ضمن مَن يصل إلى حقيقة البنيان ومغزاه.
ولأن هذا الباب باب رمزي "لا يؤدي إلى شيء، ويؤدي إلى كل شيء"(ص17)، فإن الراوي يطلق عليه تسمية (الباب الوهمي/ ص11-12،17). ولذلك فإنه يتصف بكل المتناقضات: "الباب الوهمي: الماثل، الخفي، الظاهر، الممحو، الحاضّ، الصادّ، الداعي، الناهي، المشجع، المحبط، السهل، المستعصي، الواقع الملموس، والإشارة المحوية، الحاوية. الباب الوهمي.. إنه ذروة التفتق، ومجمع المعاني، عين الوصول، لمن يدرك ويستوعب، بدونه لا يمكن لأي إنسان فهم ولو قبس يسير من الخبيئة العظمى..."(ص12). وإذا كان من الممكن أن نتذكر هنا مذهب ابن عربي القائم على أنه ليس ثمة شيء غير حي، وأن "المسمى بالجماد والنبات عندنا لهم أرواح بطِنتْ عن إدراك غير أهل الكشف إياها في العادة... فالكل عند أهل الكشف حيوان ناطق، بل حي ناطق" ، ومن ثم يكون (الباب) هنا من هذا الجماد الذي له روح تحضُّ وتصدُّ، وتدعو وتنهى...إلخ، إلا أن الأوضح أن هذا (الباب) هو رمز لـ(حقيقة البنيان) التي تظهر لمن يدرك ويستوعب، والتي تخفَى على من لا يدرك أو يستوعب. ولذلك فهو يشبه –كما ذكرتُ من قبل- (الحقيقة الصوفية) التي كثيراً ما وُصِفت في التراث الصوفي بمثل هذه الصفات المتضادة كقول ابن عربي :
فنحن بالليل في ضوء النهار بها
  ونحن في الظهر في ليلٍ من الشَّعَرِ
ولأن البنيان (خبيئة)؛ أي كنز مخبأ، فإن أول حكاية بعد الدخول من باب الرواية تقف عند أول بنيان/ خبيئة في الحضارة الإنسانية. إنها (الأهرام) كنز الأسرار التي "بتمام ظهورها يكون الاختفاء"(16)، والتي هي "بدء السعي إلى بلوغ الحقائق، المكان القصي، والزمن المستحيل"(ص16)، والتي هي "معجزة أبناء حورس الحقيقية ولغزها المكنون"(ص17). لقد أفضى الباب الرمز إلى الكنز الرمز، أو إلى المكان الذي ستظل حقيقة أسراره تشغل الأجيال والعصور:
"سيحارون في أمره وتتعدد التفاسير، وسيحاولون الولوج إليه حيلة وعنوة، سيطوفون بسراديبه وممراته، بحثاً عن الخبيئة الظاهرة، وتغيب عنهم الخبيئة العظمى...سيشغل البنيان كافة الأحفاد، من كل فج زمني، سيتحيرون...سيبدو لغزاً...لن يدركوا الجوهر"(ص17).
وبموت (خنوم خوف) باني "هرم الحقيقة، البيت الأكبر لكل جلوة"(ص19)، تظل الخبيئة/ كنز "الأسرار الجمة، والحقائق المفضية"(ص18)، و"الرسائل السارية والتي لن يكفَّ الأهرام عن بثها"(ص19)، أقول: بموته وانتقاله إلى "مدينة الغرب"(ص19) ستبقى (حقيقة) أول بنيان لمجمع الأسرار مخبأة حيث "جرى حفظها وتمويهها وترميزها وإطلاقها ليتم تشبع الفضاءات المتوالجة بعد ألف ألف دورة يكتمل عندها القمر"(ص19). وهناك فقط؛ في "مدينة الغرب" يمكن معرفة (الحقيقة)، ولن يستطيع ذلك إلا "أولئك السعداء الكمَّل الذين سيمضون طويلاً وربما ينتظرون أوقاتاً بطيئة أو سريعة في النزل حتى عبورِهم النهر العميق ، حتى اجتيازهم القنطرة ، أولئك المحظوظون البررة يمكنهم فكُّ الرسائل السارية"(ص19).
ومع ذلك فإن الراوي الذي هو ضمن "من يدرك ويستوعب" تتجلى له حقيقة البنيان/ الهرم: "يعرف أن كل عمارة مهما بلغت من الإتقان فثمة نقط ضعف كامنة، غير بادية. لكن هذا البناء ليس عمارة، إنه توق، إنه تذكرة، إنه مسعى الحروف التي ستبقى بعد فناء كل شيء"(ص19). وهنا يلاحَظ أن هذه الحقيقة لها أربعة جوانب:
 أولها: أن كل بناء مصيره الفناء والزوال.
 وثانيها: أن البناء توق؛ أي رمز لشوق إنساني ما، رغبة إنسانية ما.
 وثالثها: أن البناء تذكرة وعبرة؛ أي حكمة يمكن استخلاصها
 ورابعها: أن ما يبقى بعد فناء البناء هو (الحروف)؛ أي (الكتابة) التي تنشأ حوله وتتحدث عنه، وكأن (الرواية) هنا تشير إلى نفسها؛ حيث إنها (كتابة) عن البنيان. ما يبقى ليس هو البنيان، وإنما حكاية البنيان.
هذه الجوانب الأربعة تشكل رؤية الرواية للـ(المكان) الذي يتجلى فيها إما بصورة مصطلح مكاني يتأمل الراوي رمزيته، وإما بصورة (حكاية) تتجلى فيها الرغبة الإنسانية، أو الحكمة البشرية، الكامنة وراء كل بنيان. وهنا نجد أن المكان موجود في كل مكان، وأن قصته هي قصة الوجود الإنساني، بل قصة الوجود الكوني:
 "كل ظاهر، وكل خفيٍّ له مأواه، والمثوى أو المقر يعني عمارة، حتى وإن تعلق الأمر بجسم الإنسان"(ص244)، و"السماء مأوى النجوم الثابتة، والفضاءات مأوى الرياح العابرة، القادمة من نقطة إلى نقطة. وكذلك للإنسان وللحيوان وللأسماك أيضاً في قاع النهر"(ص244).
 إن كل شيء في الوجود لا بد –لكي يتحقق له وجود- أن يكون له مكان يأوي إليه. المأوى هو عمارة الوجود. وهنا تصل الرواية إلى تجسيد نفسها تجسيداً مكانياً؛ وذلك من خلال قياس عمارة الكتابة بعمارة البناء. لقد كانت الكتابة إجابة عن سؤال الإنسان: "لماذا لا يتجه الجهد لإيجاد العمارة التي يمكن أن تسكن فيها المعاني والإشارات؟"(ص244). وهذه الإجابة تمثلت "في تشييد عمارة متنقلة يمكن تسكين المعاني بها، وحملها من مكان إلى آخر...من موضع إلى موضع، وحملها بطرق شتى.. على جناح الطير لو اقتضى الأمر. من هنا جاء الحرف"(ص245). على أن هذه الرؤية البنيانية للكتابة تأخذ قيمتها من فكرة أساسية تمثلت في إحدى (عتبات النص) وهي العبارة التي تقول: "لتمام الظهور.. لا بد من غياب"(ص5). ولقد اشتغلت الرواية –في مصطلحاتها وحكاياتها- على الكشف عن هذا التلازم بين الحضور والغياب. وهذه الفكرة تعود جذورها إلى فلسفة ابن عربي، بل إنها "تتردد بشكل ثابت ومطرد في تصوف الشيخ الأكبر" . فإذا كانت الكتابة بناء، والبناء تجسيداً لتلازم الحضور والغياب، فإن الكتابة –وهذا ينطبق على الرواية نفسها- تكون تجسيداً للحضور والغياب: "الحرف ظاهر، والمعنى غائب... لذلك كان الظهور ملازماً للغياب"(ص245). وكأننا أمام توظيف فني لطبيعة الكتابة الصوفية، والرؤية الصوفية عموماً، التي تقوم على الظاهر والباطن. وهذا التوظيف يكمن فيما يسميه فيصل درَّاج بـ"المكر الروائي" الذي "يستنبت أمكنة لم تُرَ، ويختزل الأمكنة المتعددة إلى مكان وحيد، ويلهو بأسماء المدن، ويعبث بأسماء البشر، وقد يخلط بين الحكاية والأحجية" . لقد جاءت مساءلة الغيطاني للمكان "لأن المعنى الجوهري يرقد في الصامت إلى حدود الغياب...يردُّ كل شيء إلى الحضور والغياب، إلى المرئي والمحتجب، إلى المجيء والرحيل" . إنه يستعيد تجربة المتصوف الذي "يبدأ من جمال مرئي وينتهي إلى جمال محتجب" .
ولذلك فإن المكان يبدو دائماً تجسيداً لقلق الروح، وتوترها بين ما تراه وما هو محجوب عنها. وهذه الغربة الروحية لن تجد حلاً لها إلا في (المدينة) –مدينة الغروب- التي تُرفع فيها الحجب، وينكشف الغطاء، ويصبح البصر حديداً. وكأن الرواية وهي تقرأ (البنيان) على هذا النحو، وتقيم –في الوقت نفسه- بنيانها الروائي على هذا النحو أيضاً، إنما تجسد نموذجاً لتلك الفكرة التي تؤكدها (سوزان لانجر)، والتي قام بتوضيحها الناقد إبراهيم فتحي عندما قال: "إن المكان المعماري لا يقف عند التصور الهندسي، عند فكر مجرد غير متاح للحواس، فهو مشهد محسوس لتجاربنا الإنسانية، لدائرة فاعلياتنا وعلاقاتنا بالبيئة. العمارة إذن فن تشكيلي، يبدع بالإضافة إلى نفعه العملي شيئاً تصورياً متخيلاً، شكلاً وظيفياً حافلاً بالانفعال عن المأوى والأمان، أو عن العلاقات بالعالم الروحي (المعبد) وكذلك عن الحياة في المكان وامتلاك المكان...وكذلك الحال مع المعمار الروائي، وليست العمارة، وليس البناء المعماري للرواية كائنين يتصفان بالاستاتيكية. فالعمارة في الحالتين تخلق صورة ثقافة ما، مادية وروحية" .

* * *
وفي ختام هذا الفصل تحاول الباحثة أن توجز أهم النتائج المستخلصة من دراسة دور الرؤية الصوفية وعناصرها في تشكيل المكان الروائي عند نجيب محفوظ والغيطاني؛ وذلك على النحو التالي:
1- من ناحية التوظيف الصوفي انقسم المكان عند نجيب محفوظ إلى نوعين: المكان المرتبط –تقليدياً- بالمتصوفة؛ وأبرز نماذجه (التكية) و(الضريح) و(الخلاء)، والمكان الذي أضفى عليه الكاتب طابعاً صوفياً حسب سياق العمل الروائي (مثل قصر المحبوبة عايدة شداد بالنسبة لكمال في الثلاثية).
2- تمثلت رمزية النوعين المكانيين في اتجاهين مختلفين: الأول: تبدو فيه رمزية المكان الصوفي إلى الجانب الروحي صادرةًً من المكان ومتجهةً إلى الشخصية، وحسب استعداد هذه الشخصية يكون تلقيها لهذه الرمزية الروحية. والثاني يبدو فيه الرمز مُسقطاً من الحالة الشعورية للشخصية على المكان؛ حيث تضفي عليه في لحظات روحية معينة طابعاً صوفياً. ومن هنا فقد اتسمت رمزية المكان في النوع الأول بالثبات، واتسمت رمزية المكان في النوع الثاني بالتغير.
3- وفي المقابل فإننا نجد رمزية المكان عند جمال الغيطاني أكثر حضوراً وكثافة بسبب نظرته إلى المكان نظرة صوفية ترى فيه روح الإنسان ومشاعره وأشواقه وآماله في الحياة، وترى فيه أيضاً معتقده وموقفه من الموت.
4- هناك ارتباط واضح بين تجربة الحب وتجربة المكان عند الغيطاني؛ حيث بدا سعي الراوي في محاولة الوصول إلى (حقيقة الجمال الأنوثي)، متلازماً مع سعيه في الوصول إلى (حقيقة البنيان). كذلك بدا حضور المحبوبة وحضور المكان مجسداً (وحدة وجود) من نوع خاص؛ ولذلك فإننا كثيراً ما نجد تبادل التشبيهات والمجاز بين الطرفين. وفي هذا السياق يبدو البنيان كائنا ناطقاً بالجمال، ويبدو المكان مشبعاً بالخصوبة، كما يأتي السرد بالحديث عن (العمارة الأنثوية).
5- يربط الغيطاني بين صلابة الوجود المكاني ومحاولة الإنسان مقاومة الزمن الذي يؤثر على الإنسان بالتغير أو بالفقد أو بالموت. ومن ثم يأتي الشغف بـ(معرفة) المكان والبنيان تجسيداً لرغبة الوصول إلى هذا (السر الباطني) الذي يمنح المكان هذه الصلابة. وهذه المعرفة جعلت الراوي في حال (الرحلة والسفر) من مكان إلى آخر باحثاً عن (الباطن) الكامن وراء (الظاهر).

* * *