هنا عشت و من هذا الطريق سلكت و لأنها الحياة رحلت

الخميس، 27 مايو، 2010

المفصل في تاريخ العرب : الصناعة والمعادن والتعدين

الفصل الثاني عشر بعد المئة
الصناعة والمعادن والتعدين
الصناعة حرفة الصانع وعمله الصنعة. ورجل صنع، حاذق في الصنعة، وعماد الصانع على يديه، يستعملها في صنع الأشياء، كما يعتمد على ذكائه في تحويل الأشياء إلى أشياء أخرى أهم منها أو أي شيء آخر يريده أو يطلب منه.وهو بالطبع من أهم العناصر المنتجة اللازمة في الحياة الاقتصادية، فهو محور الانتاج، وعلى قدر انتاج أمه، يِقاس غناها ومقدار تقدمها في الحياة وتكون منزلتها بين الشعوب. فبالصناعة يتم تحويل المواد الخام، الفائضة عن الحاجة، إلى مواد أخرى أفيد منها، لستهلك في الأسواق المحلمة، أو تباع في الأسواق الخارجية.
والحرِفة، الطعمة والصناعة التي يرتزق منها، وهي جهة الكسب. وكل ما اشتغل الإنسان به وضرى به، أي أمر كان فإنه عند العرب يسمى "صنعة" و "حرفة". يقولون: صنعه فلان أن يعمل كذا، وحرفة فلان أن يفعل كذا، يريدون دأبه وديدنه. ذكر أن "علي بن أبي طالب"، قال: "إني لأرى الرجال، فيعجبني، فأقول، هل له حرفة ? فإن قالوا: لا سقط من عيني".
و "المهنة"، عند العرب الحذق بالخدمة وللعمل. وامتهنه: استعمله للمهنة وابتذله، والماهن: العبد والخادم. والمهنة العمل، والعامل هو الذى يقوم بعمل ما، والعملة العاملون بأيديهم، وهم الذين يرتزقون بعمل ايديهم. والعمالة رزق العامل الذي جعل له على ما قلد من العمل ومن العملة: العاملون في طين، أو في حفر، أو في بناء أو غير ذلك. وعامله معاملة سامه بعمل. والاعتمال الذين يقومون بما تحتاج اليه من عمارة وزراعة وتلقيح وحراسة ونحو ذلك. وما يعطاه العامل من أجر العمل هو "العملة".
وأغلب العَمَلة فقراء لا يملكون في شيئاً، رزقهم بعملهم، فإذا مرض أحدهم أو أصيب بعاهة انقطع رزقه. ثم إن أجورهم قليلة وأرزاقهم من عملهم شحيحة، ولذلك كانت حياتهم ضنكة. عليهم العمل قدر الإمكان لإعاشة أنفسهم وذويهم، والمشي على أرجلهم بحثاً عن عمل. ولهذا فلا عجب إذا ما عرفوا ب "بني عمل". و "بنو عمل" المشاة على أرجلهم من المسافرين. الذين وصفهم أحدهم الأعراب فقال: يحث بكراً كلما نـص ذمـل قد احتذى من الدماء وانتعـل
ونقب الأشعر منـه والأظـل حتى أتى طل الأراك فاعتزل
وذكر الله وصـلـى ونـزل بمنزل ينزله بـنـو عـمـل
لا ضفف يشغله ولاثقل والحرف، أي العمل باليد من الأمور المستهجنة عند الأعراب، وعند أكثر العرب أيضاً فلا يليق بالعربي الشريف الحرّ، أن يكون صانعاً، لأن الصناعة من حرف العبيد والخدم والأعاجم،والمستضعفين من الناس. وقد سبق أن تحدثت عن مكانة الصناع في المجتمع، وعن ازدراء الناس لهم، على الرغم من احتياجهم اليهم، وكونهم الطبقة المنتجة المثمرة في المجتمع وأن أيديهم هي التي تصنع ما يحتاج الإنسان اليه من حاجات، ومدحهم الرجل الصنع اليد، بقولهم: "رجل صنع اليدين". أي حاذق ماهر في الصنعة مجيد من قوم. صنعى الأيدي،حتى أنهم كانوا إذا وصفوا انساناً باًلبلاغة، قالوا: رحل صنع اللسان، ولسان صنع. قال الشاعر حسان بن ثابت: أهدى لهم مدحى قلب يوازره فيما أراد لسان حائك صنـع
ولا تقوم صناعة، إلا في مكان تتوفر فيه امكانياتها من استقرار وأمن، ومن وجود حاجة إليها، ومن توفر المواد الأولية فيها، والمواد الخام اللازمة لها. ومعنى هذا وجود مكان حضري. أما البداوة، فحاجاتها الى الانتاج قليلة، لسذاجة الحياة وبساطتها فيها. ولهذا تكون الصناعة فيها بسيطة، بساطة تتناسب مع بساطة ذلك المجتمع البدوي، ودرجة بداوته، ولهذا تفاوتت مستويات الصناعة البدوية، يتفاوت مستوى البداوة، وبتفاوت درجة حاجاتها الى الأشياء. فالبداوة المنعزلة عن الحضارة التي قل، اتصال أبنائها بالحضر، وبالعالم الخارجي، وشحت خيراتها ومواردها الأولية، لا يمكن أن تظهر فيها صناعة متطورة، ولا يعقل نموّ عمل مزدهر فيها، لانعدام الموارد الطبيعية المغذية للعامل، وللسادة أصحاب المال، ولعدم وجود حاجة إليها مع تلك البداوة القانعة بالبساطة في الحياة. ومن هنا في، أن الصناعة، لم تتطور، إلا في المجتمعات المتطورة،التي توفرت فيها امكانيات التصنيع، وشعرت بضرورة الاستفادة من الثروات الطبيعية المتوفرة لديها بتصنيعها، أي بتحويلها إلى موارد أخرى يحتاج إليها، وتوفرت فيها الوسائل اللازمة لظهور الصناعة والمجتمعات البسيطة كانت من البداوة أو البدائية، فإنها لا تخلو من وجود صناعات بها. صناعات بدائية ، هي من ناتج حاجات ذلك المجتمع، وناتجها يتناسب بالطيع مع حالة تلك البداوة. ولا يصح نفي وجود الصناعة بها.
وقد لعب الرقيق والموالي دورا كبيرا في أعمال الحرف والزراعة في جزيرة العرب. إذ استخدموا في التعدين وفي الزرع. وقد ذكر "الهمداني " أنه كان بمعدن "شمام" ألوف من المجوس الذين يعملون المعدن، حتى أنه كان لهم بيتا نار يعبدان في ذلك المكان. وذكر أنه كان ب "جهران" قوم من وضيع تبع، أي من الطبقة الوضيعة، وكذلك ب "قتاب"، حيث نسبوا إلى "تبع" قوله: فسكنت العراقَ خيارَ قومي وسكنَت النبيط قرى قتاب
وكان بمدينة العقيق، وهي معدن،مائتا يهودي. ولم يذكر "الهمداني" متى كانوا هناك ولا سبب وجودهم بهذا الموضع، للاتجار أو للعمل بالمعدن.
وقد نتج من هجرة الأجراء والصناع إلى القرى والمدن اختلاط في السكان، لا يحدث مثله عند أهل الوبر. وهو مما جلب ازدراء الأعراب على الحضر، فكان سكان "ذمار" جمع من حمير ومن أنفار من الأبناء. وكان أهل "جهران" من بطون حمير، وقوم من وضيع تبع. وقد استعمل الهمداني لفظة "أخلاط" للتعبير عن اختلاط سكان موضع ما، ووجود عناصر متباعدة فيه لا ترجع إلى قبيلة واحدة. واستعمل لفظة "خليط" كذلك، لأن مدن اليمن وقراها كانت خليطاً من بطون ترجع إلى عشائر مختلفة. وهي سمة الحياة الحضرية حيث يفد الناس إلى مواضع الحضارة من مختلف البطون والعشائر.
وقد استعمل "الهمداني" لفظة "لخوم العرب" في معنى بطون العرب،وكذلك لفظة "طخوم" في المعنى ذاته. وذلك في اثناء حديثه عن المواضع التي اختلط فيها للسكان لوجود فرص العمل بها والرزق الوافر الجزيل.
الإجارة
والأجر والأجرة يقال فيما كان عن عقد وما يجري مجرى العقد، والأجارة ما أعطيت من أجر في عمل. وهي شرعاً عقد على منفعة مقصودة معلومة قابلة للبذل والإباحة بعوض معلوم. وهي واسعة تشمل نواحي متعددة من فروع الاستئجار. والأجر، من يشتغل لغيره في مقابل أجر يدفع له. والأجرة، الكراء. وهو ما يعطى الأجير في مقابلة العمل. منهم من يشتغل في الحرف، مثل النجارة والحدادة والبناء وأمثال ذلك، ومنهم من يشتغل في الزراعة، ومنهم من يستأجر لأداء أعمال لأجل، مثل خدمة القوافل، أو حراسة زرع وما شابه ذلك، فاذا انتهى الأجل انتهى العمل.
وما يدفع إلى الأجر في مقابل عمله، يتوقف على الشروط التي اتفق صاحب الأرض مع الأجير عليها. فقد يكون الأجر نقداً، ويقال لذلك "ورقم" "ورق" في لغة المسند. وهو في القليل، لقلة النقد آنذاك. وقد يكون حصة، أي نصيباً يتفق عليه مع الملاك يؤخذ من الحاصل، وقد يكون مقايضة، بأن يدفع للاجير ما يحتاج اليه في حياته من ملبس أو غذاء،او حيوان، وأمثال ذلك، في مقابل جهده وتعبه.
ومن ذلك استئجار الإنسان للقيام بتنفيذ عقد يحدد ويبين ويتفق عليه" كأن يقوم برعي النعم والماشية مقابل مبلغ من مال أوشيئاً آخر يتفق عليه، كالذي روي من أن الرسول رعى غنم قريش على قراريط، 0 أو استئجار شخص أو أشخاص للعمل في سفينة أو في أرض او لارشاد قافلة أو نفر إلى طريق للوصول إلى موضعه. أو استئجار رجل يعمل عملاً محدد بأجل، أي بوقت، كأن يحدد بالساعات أو النهار أو الليل كالحراسة أو أياماً أو شهوراً أو سنة او أكثر آو بغير أجل موقوت. أو استئجار رجل للقيام بعمل محدود معين كالغزو، أو الحمل، أي أن يحمل حملاً ينقله إلى موضع يعين له. أو ينقله من مكان إلى مكان.
ومن ذلك استئجار النبي "عبد الله بن أريقط" من "بني الديل"، ثم من "بني عدي" ليكون هادياً للطريق يوصله إلى يثرب، فساحل به وبأبي بكر وبعامر بن فهيرة، حتى بلغ يثرب. وكان قد ساحل، لأن أهل مكة كانوا يتبعون طريق "بدر" إلى المدينة، أراد التخلص بذلك من تعقيبهم" واستئجار المقاتلين، للقتال عنهم. فقد كان أحدهم يعتذر عن المشاركة بنفسه في القتال لوجود أسباب مانعة، فيرسل غيره للقتال عنه، يدفع اليه أجراً عن ذلك.
و "الكروة" و "الكراء" أجرة المستأجر. والمكاري، هو الذي يكري دابته لغيره، في مقابل "كروة". والمكارين، هم الذين يكرون دوابهم، وتدخل الإبل فيها، فقد كان من أصحاب الإبل من يكاري إبله للتجار ولغيرهم تنقلهم إلى مسافات بعيدة أو قريبة.
ويستخدم الملاكون وسادة لأرض الأجراء ممن لا أرض لهم ولا مال لديهم يحصلون به على أرض يستغلونها، في الاشتغال بأرضهم وبمزارعهم لإصلاحها وزرعها وبنائها. ويعرف هؤلاء ب "ملجا" في بعض نصوص المسند. واللفظة من أصل "لجا" التي هي لجا في عربيتنا. ويقيم اللاجىء في ملجئه ويتمتع بحماية صاحبه وسيده ما دام فيه، يزرع ويبني لسيده في مقابل هذه الحماية التيّ يتمتع بها والحماية التي تحميه من أي ظلم أو اعتداء.
ويعبر عن الأجراء الذين يستخدمهم الملاّكون في زراعة الأرض واستغلالها مقابل أجر يدفع لهم بلفظة "اجرم" في المسندْ. أي أجير وأجراء. والأجراء جماعة كبيرة، تنقلت من ملك إلى ملك، ومن خدمة سيد إلى خدمة سيد آخر، لتخدم ملاّكاً في مقابل أجر يتفق عليه، وعقد يبرم بين المالك والأجير، فإذا انتهى العقد أو العمل، أو رأى المالك انتفاء الحاجة إلى خدمة الأجير، أنهى عمله. وقد كان الأجراء طبقة بائسة لا تملك شيئاً غير عمل يدها، ولهذا كانت مضطرة بحكم فقرها هذا إلى التنقل من مكان إلى مكان للحصول على عمل تقتات منه فكانت من جملة المشكلات الاجتماعية التي تعرضت لها حكومات جزيرة العرب في ذلك الهد.
وجاء في أحد النصوص المعينية: "كل معنم حرم واجرم"، أي: "كل معين أحرار وأجراء". ويقصد ب "كل معين" كل شعب معين. فقسم هذا النص شعب معين إلى أحرار، والى أجراء. وهم أكثر حرية من "الأدم"، أي "العبيد" والرقيق، لأنهم في مشتغلون بأجر وبعقود يتفقون عليها، فاذا انتهى العقد، أو حصل خلاف،جاز للاجير الانتقال الى موضع آخر، أو إلى صاحب محل آخر للعمل لديه، على حين لا يجوز للعبد فعل ذلك، لأنه ملك يمين.
ومن أجراء الزراعة أجراء "المحاينة"، يؤدون خدماتهم موسم الحصاد،. وينالون أجرهم في مقابل حصاد الحصاد، حسب ما اتفق عليه. فهم يحصدون الزرع وينقلونه مع سنبله إلى موضع تجميعه. ويكون ذلك في المزارع الكبيرة التي تحتاج إلى اعداد كبيرة من حصاد الزرع.
واليمن، هي في مقدمة أجزاء جزيرة العرب في الصناعة، ولا نكاد نجد في جزيرة العرب مكاناً يسبقها فيها. وهي الأولى في الانتاج أيضاً. وقد عرفت منتجاتها في كل موضع من بلاد العرب. وهي المكان الوحيد فيها، الذي زادت صادراته فيه على وارداته، وكان مستواه المعاشي فيه أعلى من المستوى المعاشي لبقية أجزاء جزيرة العرب. وكان مستهلكاً ومنتجاً، لحاجته إلى الاستهلاك. ثم هو المكان الوحيد، الذي نجد فيه التمايز الطبقي، والعنعنات الطبقية واضحة ظاهرة، لتباين الظروف المعاشية التي عاشت فيها طبقات المجتمع، فأسياد أغنياء، وطبقات وسط، وطبقات فقيرة معدمة، لا تجد رزقها إلا بشق الأنفس.
ولم تبرز صناعة اليمن في نوع واحد أو في صنف معين، بل برزت في كل نوع من انواعها المعروفة في ذلك العهد، والتي دعت الحاجة إلى ظهورها، والتي وجدت موادها الأولية فيها. مثل صناعة الحديد واستخراج المعادن، وتحويلها إلى مصنوعات، والنجارة و الحياكة، والدباغة، والأصباغ والصموغ، وغير ذلك من صناعات اشتهرت اليمن بها وارتبط اسمها بها.
و "الذهب" هو "ذهبن" في لغة المسند، أي "الذهب". ويقال له التبر أيظاً. وذكر أن "التبر" الذي في المعدن، والذي لم يخرب ولم يصنع. ومن أسمائه "العسجد". وقيل العسجد اسم جامع يطلق على الجوهر كله كالدر والياقوت. وذهب "ابريز"، بمعنى خالص. و "العقيان"، الذهب الخالص، أو الذهب الذي لا يستذاب من الحجارة، وإنما هو ذهب ينبت نباتاً. مما يدل على أنهم يقصدون وجود حبيبات منه خالصة في معادنه، يجمعونها، فيحصلون عليه من غير نار ولا اذابة حجر. وكانوا يطحنون أحجار الذهب،ويذرون تراب المعدن، لاستخلاص الذهب منه. يقال: "ذريت تراب المعدن، طلبت ذهبه". ويقال لتراب الذهب "السحالة"، وهي أيضاً قشر البر والشعير والأرز. وكانوا يضعون المعدن في التنور ليميع، ثم يجعلونه في "الكوج"، ليتخلص المعدن وينقى من الشوائب.
وقد ذكر الجغرافيون العرب أسماء مواضع عرفت بوجود خام الذهب بها، مثل موضع "بيشة" أو "بيش"، وقد كان الناس يجمعون التبر منه، ويستخلصون منه الذهب. و "ضنكان"، وكان به معدن غزير من التبر. والمنطقه التي بين القنفذة ومرسى". حلج". وورد أن ب "بيش" عدة معادن. وذكر "الهمداني" أن بقرية "بنات حرب" شيء من الذهب. وأن معدن "صعاد"، وهو من ديار "عقيل" هو أغزر معدن في جزيرة العرب، وهو الذي ذكره الرسول في قوله: "مُطرت أرض عقيل ذهباً". مما يدل على أنه كان معدن ذهب. وقد ذكر بعض العلماء -أن العرب تسمي معدن الذهب "خُزيَبة".
ومن معادن الذهب، معدن "القفاعة"، ومعدن "الأحسن"، "الحسن" وهو معدن لبني كلاب، من أول عمل المدينة وأدنى عمل المدينة إلى اليمامة. ومعدن "المؤخرة" ، وهو من مياه "بني الأضبط" من بني كلاب. وهو معدن ذهب وجزع أبيضْ، و "ثخب"، وهو جبل بنجد لبني كلاب، عنده معدن ذهب ومعدن جزع ،و "القشَرْاء"، و. "خصْلةّ"، ومعدن "خصلة" بحذائها، وكان به ذهب، ومعدن "شيبان"، وبه معادن الذهب والفضة والصفر ، ومعدن "موزر"، بضرية من ديار كلاب، و "ناضحة" بين اليمامة ومكة ومعدن "الهردة"، ومعدن "المخلفة"، وهو معدن ذهب جيد، بأرض حجور. وقد وصفه الهمداني، وذكر ما كان يستخرج منه من الذهب. وقد ضبط معدن الهردة ب "الهروة" في موضع آخر من "تاج العروس"، وقال إنه عند "الحوأب" وبه معددن ذهب، ومعدن "الهجيرة". ومعدن "الحراضة"، ويقع بين "ينبع" والمروة معادن للذهب ومعدن "الحُفير" بناحية "عماية" وهو معدن ذهب غزير، ومعدن "الحسن"، ومعدن "الثنية" ثنية "حصن بن عصام الباهلي"، ومعدن تياس، ذهب مخف بتياس. و "العقيق": وهو من معادن الذهب. وهو مدينة كان فيها مائتا يهودي ونخل كثير وآبارْ. ومعدن الصبيب، عن يسار الضبيب.
ويظهر أن منجم "مهد الذهب"، هو المنجم الذي كان لبني سُليم، فعرف باسمهم وقيل له: "معدن بني سليم" "معدن سليم"، وقد أقطعه الرسول "بلال بن الحارث". وقد عثرت شركة التعدين السعودية العربية على أدوات فيها استعملها الأولون قبل الإسلام في استخراج الذهب واستخلاصه من شوائبه، مثل رحى وأدوات تنظيف ومدقات ومصابيح، وشاهدت آثار القوم في حفر العروق التي تكون الذهب. وقد عرف معدن "بني سليم" ب "فران" "قران"، وقد نسب إلى "فران بن بلي" دخلوا في "بني سليم" ويأخذ عليه طريق الكوفة إلى مكة.
وتعرف "الفضة"، في نصوص المسند ب "صرفن" "الصرف". والفضة من المعادن المشهورة المعروفة في اليمن. و "الصريف" الفضة الخالصة. وقد كانت جزيرة العرب في جملة الأسواق التي مونت العبرانيين بهذا المعدن.
ومن المواضع التي عرفت بالفضة "عوسجة" في بلاد هذيل. فقد كان معدناً للفضة. ومعدن "شمام"، معدن فضه ومعدن نحاس وصفر، "وكان به ألوف من المجوس الذين يعملون المعدن، وكان به بيتْا نار يعبدان"، ومعدن "شيبان"، و معدن "اليحموم".
وقد ذكر "الهمداني" أن ب "قرية المعدن"، معدن فضة، فضة لا نظير لها في الغزر، وبقربه معدن الرضراض، ، وهو معدن فضة كذلك، لا نظير لهْ.
وذكر صاحب كتاب بلاد العرب أن "خزبة" معدن من معادن اليمامة، وكانت جبالها إنما هي فضة،ثم مسخت معادنها فصارت شيئاً آخر إذا صيرت إلى "الكوج" التي كانت تخلص فبه، وتخلصت تصدعت كتصدع الزجاج، لا ينتفع بها.
و "اللجين" الفضة، و "الوذيلة" القطعة من الفضة، وقبل السبيكة منها، وقيل القطعة من الفضة المجلوة، ولعل ذلك هو الذي حمل الطائيين على تسمية المرآة "الوذيلة"، لأن المراة في ذلك الوقت صفيحة من المعدن مجلوة، ينظر فيها.
وقد كانت السلطات الحاكمة تأخذ "الخمس" من معادن "الفرع"، و "نجران"، و "ذي المروة"، و "وادي القرى". مما يدل على إن الناس كانوا يستغلون مناجم هذه الأرضين في الإسلام.
ويظهر إن ما كان يستخرجه أهل الجاهلية من الذهب والفضة من معادنهما لم يكن بمقياس واسع وبكميات كبيرة تصلح للتصدير إلى الخارج، بدليل اننا لم نعثر على خبر عنه لا في كتابات المسند ولا في روايات أهل الأخبار، ثم انهم لو كانوا يستخرجون المعدنين المذكورين بكميات وافرة،لاستمروا على الاستخراج ولحسنوا كيفية استخلاص المعدنين المذكورين من معدنهما إلى ظهور الإسلام، ولأشير إلى ذلك حتماً في الموارد الاسلامية، ولما سكتت هذه الموارد عن الاشارة اليهما.
وقد استخدم أهل اليمن الرصاص في كثير من الأعمال، منها صبه في أسس الأعمدة َوبين مواضع اتصال الحجارة، لترتبط بعضها بعض. وقد عثر المنقبون على بقايا منه في مواضع متعددة من الأماكن الأثرية باليمن. والرصاص ضربان: أسود، وهو الأسرب والآبار، والأبيض، وهو القلعي. وقد عرف بالانك، والأسرب، والأسرف، والصرفان وشيء مرصص مطلي به. وكانوا يطلون الأواني ويشربون بها، وذكر أن "الانك"، هو الأسرب، وهو الرصاص القلعي، أو أبيضه، أو أسوده، أو خالصه، وذكر أن الانك بمعنى الخالص، وأنهم كانوا يقولون: هذا رصاص آنك، بمعنى هذا رصاص خالص. وقال بعض العلماء: الانك هو القزدير "القصدير". وورد في الحديث: من استمع إلى مغنية صب الله الآنك في اذنيه يوم القيامة. والأسرب، الانك، وهو الرصاص، واللفظة من المعربات، عربت من أصل فارسي. والأسرف، لفظة معربة أيضاً، تعني الأنك من أصل فارسي،هو "سرب". و"الصرفان" هو الرصاص القلعي، وقيل النحاس وأرى أن الرصاص القلعي، هو رصاص استخرج من "القلعة" موضع باليمن، بوادي "ظهر" به معدن حديد، واليه نسبت السيوف القلعية. زعموا أن "الجن" تغلبت عليه.
وللحديد معدن في "رغافة"، باليمن على مرحلة من صعدة. وفي "قساس" ذكر انه جبل بديار بني نمير، وقيل بني أسد فيه معدن حديد. وذكر أهل الأخبار اسم موضع آخر عرف بوجود معدن الحديد فيه، قالوا انه بأرمينية منه السيوف القساسية. وذكر "الهمداني" أن باليمن معادن حديد غير معمولة بنقم و غمدان.
ولعل كثرة الحديد باليمن، واشتهارها به، جعل أهل الأخبار يروون إن أول من عمل السنان من حديد هو "ذو يزن" "ديرون الحميري"، وانما كانت أسنة العرب من صياصي البقر. وقد اشتهرت اليمن بسيوفها، فالسيوف اليمانية هي من السيوف الجيدة التي اكتسبت سمعة طيبة عند الجاهلين.
و"النحاس" الصفر، وقيل ما سقط من شرار الصفر، أو الحديد إذا طرق. والصفر، النحاس الجيد، وقيل هو ضرب من النحاس، وقيل هو ما صفر منه. والصفر الذهب أيضاً.
واستعملت لفظة "هاع" بمعنى سال وذاب، في نصوص المسند، استعملت لمناسبة صب الرصاص الذائب في أسس الأبنية وبين فواصل أحجار الأعمدة، لتشدها شداً محكماً.
والكبريت من المعادن الموجودة فى اليمن. و "ذمار" هي مركزه ومنها يجلب إلى سائر أعمال اليمن. وذكر انهم كانوا يكبرتون أباعرهم، يطلونها بالكبريت مخلوطاً بالدسم والخضخاض، وهو ضرب من النفط أسود رقيق لا خثورة فيه، وليس بالقطران، لأنه عصارة شجر أسود خاثر. وكانوا يستحمون في العيون التي يجري منها الماء مشوباً به، ولها راثحة الكبريت.
و "الجزع" من الأحجار التي تستعمل في الفصوص التي توضع في الأختام.
وقد تحفر عليها كتابة أو صور 1. وقد عثر على فصوص من هذا النوع في مواضع عديدة من الآثار في اليمن وفي العربية الجنوبية والغربية وفلسطين. وذكر علماء اللغة أن الجزع: الخرز اليماني الصيني، وزاد بعضهم الصيني، فيه سواد وبياض تشبه به الأعين. قيل إنهُ سمي جّزعاً، لأنه مجزع، أي مقطع بألوان مختلفة. وقد أشير اليه في شعر امرىء القيس: ومن الجزع: الجزع السماوي، وهو العشاري من وادي عشار.
وقد اشتهرت "ظفار" بالجزع. فقيل: "جزع ظفار". قيل إنه من "ظفار الحقل"، قرب صنعاء على مرحلتين منها وقيل إنه منسوب إلى "ظفار أسد" مدينة باليمنْ. وكان لعائشة عقد من جزع ظفارّ. واستخرج أيضاً من جبل شبام. ومن. معادنه معدن ضهر، ومعدن سعوان، ومعدن عذيقّة، مخلاف خولان. ومن الجزع الموشى والمسيّر، وهو في مواضع من اليمن، منها النقمي.
وعرفت اليمن بالعقيق، تتخذ منه الفصوص، يؤتى به من اليمن من معدن له على مرحلة من "صنعاء" يقال له "مقرأ" "مقرى". وهو أجود من عقيق غيرها. ويوجد عقيق أخر يستورد من الشحر. وقد تختم به. وذكر انه يستخرج من جبل شبام. ومن "الهام"، ومن "الهان"، ومن "شهارة"، ومن قساس. وذكر "الهمداني"، إن العقيق الأحمر، والعقيق الأحمر العتيقين من ألهان.
وقد عرف معدن "بقران" بالأحجار التي تستخرح منها الفصوص البقرانية. وهو في مخلاف بني نجيد من اليمن. وذكر "الهمداني"، أن "البقران" ألوان، ويبلغ المثلث بها مالاً، إذ يشترى بأسعار عالية، وهو أن يكون وجهه أحمر، فوق عرق أبيض، فوق عرق أسود. ويوجد البقران بجبل أنس، وهو ينسب إلى أنس بن ألهان بن مالك.
ومن الأحجار الأخرى: الفصوص السعوانية من سعوان، واد إلى جنب صنعاء، وهو فص أسود فيه عرق أبيض، ومعدنه بشُهارة، وعيشآن من بلد حاشد إلى جنب هنوم، وظليمة والجمش من شرف همدان. والعشاري، وهو الحجر السماوي.
ومن الفصوص الثمينة: "الدهنج" كالزمرد، حصى أخضر تتخذ منه الفصوص، وأجوده: "العدسي". ومن معادنه حرة بني سليم، وحرة النار.
ومن الجواهر الأخرى: "الزمرد"والزبرجد، و "الشذر"، قطع من الذهب تلقط من معدنه بلا إذابة الحجارة، ومما يصاغ من الذهب فرائد يفصل بها اللؤلؤ والجوهر، وقيل خرز يفصل بها، أو اللؤلؤ الصغار.
و "الجمست" معدن يستخرج من "الصفراء" على ثلاثة أيام من المدينة، وهو في جملة ما يقال له "القوارير". والبلور، ويستخرج من البراري من بين الحصى، ومن "ضهر"، و "سعوان"، ومن "عذيقة" مخلاف خولان، ومن وادي عشار، ومن الهان، وشهارة.
و "الدرة" اللؤلؤة العظيمة، وما أعظم من اللؤلؤ. ويستخرج اللؤلؤ من الخليج، وقد اشتهرت اليحرين به منذ أيام ما قبل الإسلام. وأما "الياقوت"، فأجوده الأحمر الرماني وقد استورد من سرنديب "سيلان".
والزاج، مشهور في اليمن، ويقال له الشب اليماني، وهو من الأدوية. و "الشب"، حجارة يتخذ منها الزاج وما أشبهه، وأجوده ما جلا من اليمن، وهو شب أبيض له بصيص شديد، وقد استعمل في دباغة الجلود. وقد أشير اليه في الحديث. وذكر بعض العلماء إن الزاج كثير الأصناف،وهو غير الشب، وينبعثان من معدن واحد، والشب من المعادن الأربعة التي لم تكمل صورتها، وهي الزاج والملح والنوشاذر والشب، والشب يشبه الزاج وفيه بعض حموضة، وأما الزاج فحموضته أكثر، والشب أنواع. وقد ذكروا انه ماء يقطر،فيجمد قبل أن يصل إلى الأرض، فيصير هذا الشب اليماني. ومن معدنه "إسبيل"، جبل من ديار عنس من مذحج، بقربه مقطر الشب، ومعدن الأشعر. ويظهر من أقوال أهل الأخبار انهم كانوا يستخرجونه من "غرض" الجبال، وهي شقوق تكون في الجبل، يحفرون بها، ويستخرجون منها الشب.
ويطلق العرب على الموضع الذيَ يستخرجون المعدن منه "المعدن". وقد عرفوا "المعدنِ" بأنه منبت الجواهر من ذهب ونحوه، ومكان كل شيء يكون فيه أصله ومبدؤه، نحو معدن الذهب والفضة والأشياء. ومنه حديث بلال بن الحرث أن الرسول أقطعه معادن القبيلة جلسيها وغوريها. وهي المواضع التي تستخرج منها جواهر الأرض. وهي ناحية من ساحل البحر بينها وبين المدينة خمسة أيام، وقيل ناحية من نواحي الفرع، بين نحلة والمدينة. ومن المعادن: معدن الغاف، ومعدن النقرة، منزل لحاج العراق بين إضاخ وماوان، وبها سوق، وبها بركة وثلاثة آبار وآبار صغار للاعراب تنّزح عند كثرة الناس، وعندها تفترق الطريق. فمن أراد مكة نزل المغيثهّ، ومن أراد المدينة اخذ نحو العسيلة فنزلها،. و"العصيان" من معادن بلاد العربْ.
ومن المعادن التي لم يخصص أهل الأخبار نوع معدنها: معدن "البئر"، ومعدن النميرة "التميرة"، ومعدن "حليت"، و معدن "الخربة"، ومعدن "خزبة" ، ومعدن "خصلة"، ومعدن "الشبيكة" ، ومعدن "الشجرتين"، ومعدن "عراقيب"، ومعدن "ذي العوسج"، ومعدن "العيصان" لبني نمير، ومعدن "عيهم"، ومعدن "قساس"، وقد كشف فيه حديثاً معدن الحديد، ومعدن "الكوكبة"، ويظهر انه كان من معادن الفضة، ومعدن المزبدة، ومعدن "النقيب"، ومعدن "منضح"، وهو اسم معدن جاهلي بالحجاز عند جوبة ماء عظيمة يجتمع فيها الماء، ومعدن اللقطْ، ومعدن "ماوان"، وهو معدن مشهور، ومعدن "النصب" من معادن القبلية ، ومعدن "النقرة"، وب "بيش"، وهو مخلاف من مخاليف مكة عدة معادن. ومعدن شمام، و "بحران" ، وهو بناحية الفرع من الحجاز به معدن للحجاج بن علاط البهري، له ذكر في سرية "عبد الله بن جحش"، و "حوراء" بناحية المدينة وبها معدن البرام. ومعدن "فران"، وينسب إلى "فران بن بلي بن عمرو". ومعدن "المحجة" بين العمق وببن أفيعة. ومعدن هبود لبني نمير.
والملح من المواد التي تاجر بها الجاهليون. وتوجد معادنه في مواضع متعددة من جزيرة العرب. وقد كان بعضهم يستحضره من المياه المالحة، ومنهم من كان يستخرجه من مناجم تحفر.، فيستخرج منها. وقد ذكر "الهمداني" أسماء مواضع وجدت فيها معادن الملح. وقد أشير في "المسند" إلى الملح والى الاتجار به، والى وجود كياّلين كانوا يكيلونه ويرسلونه إلى الأسواق لبيعه فيها.
ومن أشهر مواضع الملح في اليمن: جبل الملح في بلاد مأرب، وهو ملح صاف كالبلور، وكان النبي قد أقطعه "الأبيض بن جمال".
وقد استغل التجار "مكر" في المربية الجنوبية تجارة الملج، فأخذوا يستغلون مناجمه، ويحملونه منها قوافل إلى الأسواق. ونظراً إلى سعة هذه التجارة والى كثرة الملح المستخرج، ظهرت جماعة عرفت ب "زلا" "سلا" في لغة المسند، تخصصت بكيل الملح وتعبئته في الجوالق لإرساله الى الأسواق.
الأحجار
واستفيد من الأحجار في البناء، ولاسيما في العربية الجنوبية، إذ كان الحجر مادة البناء عندهم. ويقطع من المقالع قطعاً بعضها ضخمة استخدمت في بناء الأبنية المهمة مثل: قصور الملوك والمعابد والسدود وبيوت السادات.
ولتثبت الأحجار. ولصقها بعضها فوق بعض، استخدم "الجص"، ويقال له "القص" بلغة أهل الحجاز. واللفظة معربة على ما يذكره علماء اللغة. و "النورة" حجر يحرق ويستخدم في البناء، و "البورق"، وهو حجر يحرق أيضاً، ويستعمل لتبييض الجدران، ومواد أخرى تشبه "السمنت" في قوتها وفي صلابتها وفي تثبيت الأحجار بعضها فوق بعض.
ويقال لبعض أنواع الأحجار "المسُنى"، وتعمل منها نصب السكاكين. و "الشزب"، حجر يعمل منه ألواح وصفائح وقوائم سيوف ونصب وسكاكين ومداهن وقحفة. و "الهيصمي" وهو حجر يشاكل الرخام، إلا أنه أشد بياضاً يخرط منه كثير من الآنية.
وقد نحت النحاتون من بعض الحجارة قدوراً للطبخ،عرفت عندهم ب "البرُمة". وقيل البرمة قدر نحت من حجارة أو عمل من حديد أو نحاس. و "المبرم" صانعها أو من يقتلع حجارتها من الجبال فيسويها وينحتها. وقيل للمعدن الذي تقتلع منه هذه الحجارة: "معدن البرم" و "معدن البرام". ومن هذه المعادن "قدقد" ، جبل به معدن البرام.
وكانوا يحفرون المعادن ويدخلون المنجم لاستخراج المعدن منه. وقد ينهار المعدن على حافره فيقتله. والى ذلك اشير في الحديث: "المعدن جبار والبئر جبار والعجماء جبار". ومعناه أن تنفلت البهيمة العجماء فتصيب في انفلاتها انساناً أو شيئاً، فجرحها هدر، وكذلك البئر العادية يسقط فيها انسان فيهلك، فدمه هدر. والمعدن إذا انهار على حافره فقتله فدمه هدر ومعناه إذا انهار على من يعمل فيه فهلك، لم يؤخذ به مستأجره.
النسيج والحياكة
وقد اشتهرت اليمن عند ظهور الإسلام بالنسيج والحياكة. وهي قد أصدرت أنواعاً عديدة من الأقمشة والثياب إلى مختلف أنحاء جزيرة العرب اكتسبت شهرة بعيدة في كل مكان، لجودة صنعها ونفاسة مادتها. ومن ثياب أهل اليمن الناعمة الثياب التي تعرف باسم "الخال"، وهو ثوب ناعم، وضرب من البرود، وقيل برد أرضه حمراء فيها خطوط سود. و "الوصائل"، وهي ثياب يمانية حمر أو ثياب حمر مخططة، أو برود حمر فيها خطوط خضر". والعصب، وهي ضرب من البرود وضرب من الثياب، يعصب غزلها، أي يدرج ثم يحاك، وليس من برود الرقم. وقيل العصب: برود يمانية يعصب غزلها، أي يجمع ويشدّ ثم يصبغ وينسج، فيأتي موشى لبقاء ما عصب فيه أبيض، لم يأخذه صبغ وقيل برود مخططة. وورد أن "عمر بن الخطاب" أراد أن ينهى عن عصب اليمن. وقال نبئت أنه يصبغ بالبول، ثم قال: نهينا عن التعمق. ويدل هذا الخبر إن صح، على أن البرود العصب، هي البرود المشدودة المصبوغة بالعصب، ولا ينبت العصب والورس إلا في اليمن، وهو يدل أيضاً. على إن العصب صبغة تستخرج من نبات العصب، تصبغ بها البرود ونحوها من الأشياء.
والممرجل "الممرحل"، ثياب من الوشي فيها صور المراجل. ويظهر انها
المراجل، جمع "المرجل". والمرجل "المرحل" برد يماني، ومن أمثالهم: حديثاً كان بردك مرجليأَ، أي انما كسيت المراجل حديثاً، وكنت تلبس العباء. ويظهر انها كانت موشاة وكانت من ألبسة المترفين، ففي الحديث: "حتى يبني الناس بيوتاً يوشونها وشي المراحل" ، يعني تلك الثياب، ويقال لها أيضاً المراجل بالجيم. وذكر إن "المرجل"، برد فيه تصاوير رجل وما ضاهاه.
وقد صورت بعض ثياب أهل ألجاهلية ونمقت، ومنها ثياب صلبت، أي نقشت بالصلبان. وقد نهى الرسول عن لبس هذه الثياب، وذكر انه نهى عن الصلاة بالثوب المصلب.
والمقطعات من الثياب كل ما يفصل ويخاط من قمص وجباب وسراويلات وغيرها، وما لا يقطع منها كالأردية والأزر والمطارف والرياط التي لم تقطع وانما يتعطف بها مرة ويتلفع بها أخرى. وقيل القصار من الثياب، وبرود عليها وشي.
والحبرة،وهي ضرب من ضروب البرود كذلك، وهي البرود الموشاة المخططة. وقيل ضرب من برود اليمن منمر. وذكر أن الحبير الثوب الجديد الناعم. وفي حديث اًبي ذر: الحمد لله الذي أطعمنا الخمير وألبسنا الحبير. وفيه دلالة على أن "الحبير" من ألبسةَ المتمكنين،َ وليس في وسع الفقراء اقتناؤها.
والمعاجر، من ضروب الثياب المصنوعة في اليمن. والمعجر ثوب تعجر به المرأة،أصغر من الرداء وأكبر من المقنعة. وقيل ثوب يمني يلتحف به ويرتدى. و "السيراء"، وهي ثياب مخططة، ونوع من البرود، فيه خطوط صفر، أو يخالطه حرير والذهب الخالص، وقيل ثوب مسير فيه خطوط تعمل من القزّ كالسيور، أو خطوط من الذهب. وهي من حلل الأغنياء والكبراء. روي أن "أكيدر" أهدى إلى الرسول حلة سيراء، وفي حديث عمر: رأى حلة سيراء تباع.
والثياب السحولية، أثواب كرسف من ثياب "سحول" موضع باليمن تنسج به الثياب السحولية، وتحمل منه إلى سائر الأنحاء. وهي ثياب قطن بيض. قال طرفة: وبالسفح آيات كأن رسومها يمان وشته ربذة وسحول
وذكر إن السحل ثوب أبيض رقًيق من القطن، أو من الكرسف من ثياب اليمن. والسحيل الخيط غير مفتول، والغزل الذي لم يبرم، فأما الثوب، فأنه لا يسمى سحيلاً ولكن يقال له: السحل، وقيل: السحيل الخيط غيرمفتول، ومن الثياب ما كان غزله طاقاً واحداً. والمبرم المفتول الغزل طاقين. و "المتأم" ما كان سداه ولحمته طاقين ليس بمبرم ولا مسحل. والسحل والسحيل الحبل الذي على قوة واحدة، والمبرم الذي على طاقين. وذكر إن السحيل من الحبل الذي يفتل فتلاً واحداً كما يفتل الخياط سلكه، والمبرم أن يجمع بين نسجتين فيفتلا حبلاً واحداً. ولما توفي الرسول، كفن في ثلاثة أثواب سحولية، ويروى في ثوبين سحوليين.
وقد اشتهرت عدن بصنع البرود كذلك. ورد في الحديث أن الرسول كان قد استعمل هذه البرود. وقد عرفت ب "العدني" وب "العدنيات". وهي ثياب كريمة نسبت إلى عدن، واشتهرت برياطها، فقيل: "رياط عدنيات".
وقد اشتهرت قطر بنوع من الثياب يقال لها: الثياب القطرية، كما اشتهرت بنوع من النجائب: هي "النجائب القطريات". وذكر أنها برود من غليظ القطن، أو هي برود خمر لها أعلام فيها بعض الخشونة، وجاء في الحديث أن الرسول توشح بثوب قطري.
واشتهرت "هجر" بثيابها كذلك، واعتبرت من الملابس الفاخرة التي تستحق الإهداء. ولما أرسل الرسول "سليط بن عمرو العامري" إلى "هوذة بن عليّ الحنفي"، أجاز هوذة "سليطاً" بجائزة وكساه أثواباً من نسج هجر.
وقد اشتهرت برود وثياب اليمن بجودة النسح وبحسن الصنعة والدقة. كما امتازت بألوانها وبوشيها، والوشي النمنمة والنقش. ومنها المرحل، وهي برد فيه تصاوير رحل، والمرط المرحلة، ومنه الحديث كان يصلي وعليه من هذه المرحلات، يعني المرط المرحلةْ.
ومن برد اليمن المعروفة "الخمس"، ويقال لها أيضاً الخميس. ذكر انه انما قيل للثوب خميس، لأن أول من عمله ملك باليمن يقال له الخمسْ، أمر بعمل هذه الثياب فنسبت اليه. و "الفوف" من برود اليمن، وهي ثياب رقاق موشاة.
ولأهل المعافر ثياب جيدة، وهم يستعملون "السكينية" في رؤوسهم، وهم من حمير، وملوكهم "آل الكرندي".
واشتهرت "صحار"، قصبة عمان مما يلي الجبل، بثياب عرفت بها، فقيل لها "ثوب صحاري"، وثياب صحارية. وفي الحديث إن رسول الله كفن في ثوبين صحاريين.
وقد اشتهرت "الحيرة" بنوع من الأنماط، تزين بها الرحال، حتى عرف بها قيل: "الحاري".
واستفيد من لحاء الخزم في صنع الحبال، ويقال لصانعها "الخزام"، وسفّ الخوص على هيأة سفرة، ويقال لذلك السمهة. وصنعت الحصر من بردى وأسل ومن الخوص. وقيل للحصر المنسوج من سقف النخل "الفحل". واما الحصير المنسوج من الدوم، فيقال له "الطليّل". والبارية الحصير. قال بعضهم: الحصير المنسوح من القصبْ.
وتاجر أهل اليمن ب "الخضاب"، ويكون ذلك بالحناء، واذا كان بغير الحناء قيل: صبغ شعره. وذكر أهل الأخبار أن "عبد المطلب" أول من خضب بالسواد من العرب، وكل ما غير لونه، فهو مخضوب. وكانوا يخضبون به الأطراف كذلك. واختضبوا ب "الوسمة" كذلك. وكانوا إذا آرادوا الحصول على لون أسود قاتم ليبدو الشعر به أسود خلطوا الحناء بالوسمة. والحناء ورق نبات، وكذلك الوسمة، يدقان حتى يصران كالطحين الناعم جداً، أو يطحنان، ثم يعجن الطحين بالماء فيخضب به. ويخلطون بالحناء دقيق ورق البشام يخود الشعر.
الفصل الثالث عشر بعد المئة
حاصلات طبيعية
الصبغ
والصبغ ما يلون به. وقد استخرج أهل الجاهلية ألأصباغ من بعض النبات، لاستعمالها في الصناعة أو في البناء وفي صبغ الانسجة. واشتهرت مواضع من جزيرة العرب بحذقها في الصباغة،.وباتقانها استخراج الصبغ من النبات وبعض المعادن.
وقد كانت سلعة مطلوبة رائجة، لأنها جيدة ثابتة لا تتغير بسرعة. وقد عصفر الجاهليون ثيابهم بالعصفر. وهو نبات ينيت بأرض العرب، سلافته الجريال، صبغ أحمر وبزره "القرطم"، الذي يصبغ به منه. وصبغوا ب "الفرصاد" وهو صبغ أحمر ، وب "الفوّة"، عروق يصبغ بها. وقيل هي عروق حمر دقاق لها نبت يسمو في رأسه حب أحمر شديد الحمرة كثير الماء يكتب بمائه وينقش. قال الأسود بن يعفر: جرت بها الريح أذيالاً مظاهرة كما تجر ثياب الفوة العـرس
واستعملت "الفوة" دواءً لمعالجة الجلد.
و "الاحريض" العصفر، يقال حرض ثوبه إذا صبغه بالاحريض.
و "النكع" اللون الأحمر، وزهرة حمراء يصبغ بها. و "النكعة" ثمر النقاوى، وهو نبت أحمر، ومنه الحديث: كانت عيناه أشد حمرة من النكعة. وهي صمغة القتاد "القتاد". و "الصِرف" صبغ أحمر تصبغ به شرك النعال. و "الك" نبات يصبغ به، وهو صبغ أحمر يصبغ به جلود البقر والمعز وغيرها، و"اللكاء" الجلود المصبوغة بالك.
وأكثر أصباغهم، هي أصباغ أخذت من النبات. وهو شيء طبيعي لسهولة استحصال الأصباغ من النبات، ولتوفره لديهم في الحضر وفي البرّ. أما الأصباغ المستخرجة من المعادن، فهي أقل بكثير من الأصباغ المستخرجة من النبات، لما يحتاج استخراج الأصباغ منها الى مهارة وحذق وتقدم في الصناعة والعلم.
العصير
والعصير، هو ما يحلب من الشيء إذا عصرته، وهو العصارة. ويعصر كل ماله دهن أو شراب أو عسل، وأمثاله. و "المعصرة" موضع العصر، والمعصر، ما يعصر فيه العنب، والمعصار الذي يجعل فيه الشي فيعصر حتى يتحلب ماؤه.، والعواصر، ثلاثة أحجار يعصر بها العنب، يجعلون بعضها فوق بعض.
وتعصر الأشياء للشرب، كالخمور والآشربة، أو للتداوي، لاستعمال العصير دواءَ يتداوى به، أو لاستخراج الدهن من المعصور. وقد استعمل المزارعون المعاِصرَ لعصر الأعناب أو لاستخراج الزيوت من البذور وتسمى "المعصرة" "موهت" في المسند، من أصل "وهت". ومن معاني هذه اللفظة الضغط وشدة الدوس،وهي تستعمل في الحقول كما تستعمل في البيوت وفي محلات الاتجار بالزيوت، و "القطران"، عصارة الأبهل والأرز، وهو ثمر الصنوبر، يطبخ فيتحلب منه، ثم يهنأ به الإبل. ويتخذ القطران من الإثرار، وهو شجر يقتدح سريعاً إذا كان يابساٌ. كما يتخذ من العرعر.
والزفت، كالقير، وقيل هو القار، والزفت المطلى به، وهو غير القير الذي يقير به السفن، انما هو شىء أسود أيضاً يمتن به الزقاق الحمر. وقد نهي في الحديث عن المزيت والمقر، وألزفت أيضاً دواء. وهو شيء يخرج من الأرض يقع في الأدوية. وذكر أهل الأخبار، انهم كانوا يستخرجون "الزفت" من أعجاز شجر "الأرز" وعروقه، وانهم كانوا يستصبحون بخشب الأرز. وقد أشر اليه في الحديثْ. وقد استخرجوا الزفت من شجر "التنوب" وغيره من ضروب الصنوبر، وهو قريب من دهن القطران.
الزيوت والدهون
ويستعمل الحضر الزيت في أكلهم وفي تزييت شعرهم، وفي أمور أخرى.
وهم يحصلون عليه من النبات بعصر لب الثمر المتشبع بالزيت. واليمن هي على رأس الأمصار العربية في انتاج الزيت. زيت الزيتون وغيره، وقد كانت تصدره إلى الحجاز والى مواضْع أخرى من جزيرة العرب. والزيت في اللغة دهن، وهو عصارة الزيتون. ويعد التزييت، أي التدهن بالزيت الجيد المطيب من علائم النعيم والرفاه.
و "السليط"، الزيت عند عامة العرب وعند أهل اليمن دهن السمسم، وقد ذهب بعضهم إلى العكس. وقيل هو كل دهن عصر من حبّ. وذكر أن دهن السمسم هو السريج والحل. و "السيرج"، هو "الشيّرج"، دهن السمسم ، و "الحَل"، هو الشيرج، أي دهن السمسم.
ومن الدهون، دهن يستخرجه أهل اليمن من "الكاذى". والكاذى شجر شبه النخل في أقصى بلاد اليمن، وطلعه هو الذي يصنع منه الدهن. وذكر أنهم كانوا يقلعون طلع "الكاذى" قبل أن ينشق، فيلقى في الدهن ويترك حتى يأخذ الدهن ريحه ويطيبْ. ودهن الغار، دهن يستخرج من شجر الغار، وهو شجر الغار، وهو شجر له حمل اصغر من البندق أسود يقشر، له لبّ يستخرج منه الدهن، وورقه طيب الريح يقع في العطر، ويستعمل ثمره في الأدوية. ويستصبح بدهن الغار.
واستخرج أهل "الشوع" دهناً منه، كما يستخرج أهل السمسم دهناً منه.
وذكر إن "الشوع" شجر البان، الواحدة "شوعة". وهو يريع ويكثر على الجدب وقلة الأمطار، وهو مطلوب مرغوب، فكان الناس يسلفون في ثمره الأموال. و "البان"، شجر يستخرج من حبّ ثمره دهن طيب يستعمل في التدهن وفي معالجة أمراض عديدة. وقد ذكر في شعرء "امرىء القيس".
وزيت مقتت، إذا أغلى بالنار ومعه أفواه للطيب، ودهن مقتت مطيب طبخ فيه الرياحين، أو خلط بأدهان طيبة. والتقتيت جمع الأفاويه كلها في القدر وطبخها.
واستخرج من موم العسل شمع، وهو فى ما يستصبح به. ويذكر علماء اللغة أن "الموم" لفظة مولدة جاءت من الفارسية، وأن لفظة "الشمع" لفظة مولدة كذلكْ. ونظراً لوجود العسل بكثرة في اليمن وفي "السراة" وفي مواضع أخرى من جزيرة العرب في الجاهلية، فلا استبعد استخدام أهل الجاهليين شمع العسل لصنع الشموع للاستصباح ولأغراض أخرى.
وإلحرض، الأشنان تغسل به الأيدي على أثر الطعام. وشجرته ضخمة وربما استظل بها، ولها حطب وهو الذي يغسل به الناس للثياب، وقد مدح الأشنان النابت بجو الخضارم باليمامة. والحرّاض من يحرقه للقلي، أي الذي يوقد على الحرض ليتخذ منه "القلي" للصباغين. يحرق الحمض رطباً ثم يرش الماء على رماده فينعقد فيصير قليّاً. قال عدي بن زيد العبادي: مثل نار الحراض يجلو ذرى المز ن لمن شامـه إذا يسـتـطـير
و "القصيص" نبت ينبت في أصول الكمأة، يجعل غسلا" للرأس. وقد ذكر في شعر عدد من الشعراء، منهم امرؤ القيس، وإلأعشى وعدي بن زيد العبادي.
الصمغ
الصمغ في تعريف علماء العربية: غراء القرظ، وهو الصمغ العربي، ولكل شجر صمغ، وهو نضحه فيسيل منه. وكانوا يشرطون الشجر ليخرج منه غراءه، أو كانوا يعصرون بعض النبات، فيخرج منه عصير، يستخرجون منه صمغاً. ومن الأشجار التي استخرجوا منها الصمغ "الصعاب"، يشرط فيخرج منه غراء، وهو شيء مر"، ينعقد كالصبر. واستخرجوا صمغاً من "القرظ"، وهو شجر معروف في بلاد العرب، استخرجوه من عصارته، استفادوا منه في الطب، دعاه الأطباء الاسلاميون: "أقاقيا". و "الصرب"، صمغ أحمر يستخرج من الطلح، وقيل هو صمغ الطلح والعرفط، وهي حمر كأنها سبائك تكسر بالحجارة.
والعرب تسمي صمغ العرفط عسلاً لحلاوته وعسبل اللبنى طيب، وهو صمغ ينضح من شجرة يشبه العسل لا حلاوة له،.ويتبخر به. وعسل الرمث شيء أبيض يخرج منه كالجمان.
و "الأيدع"، صمغ أحمر يؤتى به من "سقطرى" ويتداوى به. داووا بر" الجراح. وذكر إن الأيدع صبغ أحمر، وهو خشب البقم. وقيل هو دم الأخوين. وقيل الأيدع شجر له حبّ أحمر يصبغ به أهل البدو ثيابهم. وان البقم يحمل في السفن من بلاد الهند. وقد اشتهرت جزيرة سقطرى بأحسن أنواع الأيدع والصبر، حتى قيل: صبر سقطرى. وذكر إن "دم الأخوير." هو "القاطر المكي"، وهو عصارة حمراء.
وقد عرفت جزيرة العرب بتصديرها بعض أنواع الصمغ واللثى، وهو شيء يسقط من شجر السمر، أو هو ماء يسيل من الشجر كالصمغ، فإذا جمد، فهو صعرور. وقيل شيء يسيل من الثمام وغيره، وللعرفط لثى حلو يقال له المغافير. والمغافير، هو صمغ شبيه بالناطف ينضحه العرفط، وقد يكون المغفور للعشر والسلم والثمام والطلح وغير ذلك. وورد إن المغافير: صمغ الرمث والعرفط، وذكر أن المغافير عسل حلو مثل الرب إلا انه أبيضْ.
و "العلك"، المضغ، وصغ الصنوبر والارزة والفستق والسر والينبوت والبطم، وهو أجودها. يمضغ في الفم، للتسلية ولمنع العطش بظهور اللعاب في الفم، ولأغراض طبية. وقد اشتهر علك الضرو، المستخرج من شجر الضرو، الذي ينبت باليمن. ويعالج به في الطب.
و "الكندر" اللبان، وهو ضرب من العلك، يستخدم في الطب. واللبان شجيرة شوكة لا تسمو أكثر من ذراعين ولها ورقة مثل ورقة الآس، وثمره مثل ثمرته، وله حرارة في الفم. وهي من الصمغ. وذكر أن اللبان شجر الصنوبر. وذكر أن لحب ثمر البان دهن طيب، وحبه نافع لمعالجة جملة أمراض جلدية وأمراض داخلية. وذكر أن "الشوع"، شجر البان، أو ثمره. قيل إنه يربع ويكثر على الجدب وقلة الأمطار، والناس يسلفون في ثمره الأموال. وأهل الشوع يستعملون دهنه، كما يستعمل أهل السمسم دهن السمسم. وهو جبلي، وقبل ينبت في السهل والجيل.
وورد أن الكندر لا يكون إلاّ بالشحر من اليمن، ومنابت شجره الجبال، وقد استعمل دواء" لمعالجة أمراض عديدة.
والصبر، أنواع فيه العربي والأسقطري، وأجوده "الأسقطري". وهو عصارة شجر، تترك حتى تثخن، ويشمس حتى يجف. وفي اليمن نوع منه أحمر ملمع بصفرةْ.
و "الضجاج" مثل شجر "اللبان" يكون في أرض عمان. وهو صمغ أبيض تغسل به الثياب، فينقيها مثل الصابون. وذكر أنه ثمر نبت أو صمغ تغسل به النساء رؤوسهن.
والمقل، يستخرج من شجر يشبه الكندر، طيب الرائحة، وأكثر نباته فيما بين الشجر وعمان، وذكر أن المقل المكي، هو صمغ الدرم، لأن الدوم هناك يدرك ويصمغ.
و "الدبس" عسل التمر وعصارته، وهو ما يسيل من الرطب. ويقال له: "الصقر" في لغة أهل يثرب، وذكر انه ما سال من جلال التمر. وأطلق أيضاً على تحلب من الزبيب والعنب. و "الصقر" عند أهل البحرين ما سال من جلال التمر التي كنزت وسدك بعضها على بعض في بيت مضرج تحها خواب خضر، فينعصر منها دبس خام كأنه العسل.
والصبيب عصارة ورق الحنا والعصفر، وقيل هو العصفر.
الدباغة
والدباغة حرفة الدبّاغ، دبغ الإهاب بما يدبغ به. والإهاب ألجلد،من البقر والغنم والوحش، أو هو ما لم يدبغ. وقد استخدم الدباغون في ذلك مواد مختلفة، بعضها بدائية، وعالجوا الجلد قبل دبغه لترقيقه وتنظيفه وصقله. وقد اشتهرت في ذلك جملة مواضع، منها: مدينة "جرش" وهي من مخاليف اليمن من جهة مكة، وقد نسب إليها الأدم المعروف ب "أدم جرش"، و "أدم جرشي"، وهي مدينة تسقى بالآبار، يستخرج منها الماء بالدلاء، على الإبل، وقد فتحت في حياة النبي في سنة عشر للهجرة صلحاً على الفيء، وأن يتقاسموا العشُر ونصف العشرْ. وقد اشتهرت بإبلها كذلك، التي نسبت إليها. ومنها "صعدة"، في مخلاف خولان، وكانت تسمى في الجاهلية "جماع"، وكان بها قصر قديم ضخم. ذكر "الهمداني" انها كورة بلاد خولان وموضع الدباغ في الجاهلية، وذلك انها في موسط بلاد القرظ. وقد اشتهرت أيضاَ بالنصال. ونعتها بأنها "بلد الدباغ في الجاهلية الجهلاء، وهي في موسط بلد القرظ، ربما وقع فيها القرظ من ألف رطل إلى خمسمائة بدينار مطوق على وزن الدرهم القفلة".
والأدم من السلع المهمة المشهورة في تجارة أهل الجاهلية. والأديم، الجسد الذي قد تمّ دباغه. وقيل الجلد ما كان أو أحمره أو مدبوغه، وقيل هو بعد الافيق، وذلك إذا تمّ واحمر. ويدخل في الحرف التي تقوم على تحويل الجلد الى سلع، مثل الأحذية، وصنع القباب. التي تضرب للملوك وللسادة وللاشراف امارة على الرئاسة والسيادة. وتصبغ جلودها بلون أحمر في الغالب. وكانت غالية، لذلك لم يستعملها إلا أصحاب الجاه والمال. فكان سادة مكة إذا نزلوا منزلاً ضربوا قباباً من أدم، وكان حكام عكاظ والسادات الذين يحضرون السوق، يضربون لهم قباباً، وأما سائر الناس، فيضربون لهم بيوت الشعر. وبيوت الشعر أرخص، ثمناً من قباب الأدم.
وقد اتخذ العرب بيوتاً من جلد عرفت ب "القشاعة" و "القشوع"، وذكر بعضهم أن "القشاعة" بيت من أدم. وربما اتخذوا من جلود الإبل صواناً للمتاع. وذكر أن البيت من أدم، هو "الطراف". وهو بيت من بيوت الأعراب ليس له كفاء، قال طرفة بن العبد: رأيت بني غبراء لا ينكرونـنـي ولا أهل هذاك الطراف الممدد 4
وقد اشتهرت اليمن بدباغة الجلود وبالاستفادة من هذه الجلود في أغراض مختلفة، وبتصدير الجلود إلى أماكن أخرى من جزيرة العرب. ولا تزال اليمن تصنع الجلود على الطريقة القديمة، وتصدرها إلى الخارج، وقد ذكر "ابن المجاور" إن الأديم يدبغ في جميع اقليم اليمن والحجاز، وانهم يبيعونه طاقات بالعدد، وقد اشتهرت مكة يدبغ الجلود كذلك، جلود الجمال والبقر والغزلانْ. واشتهرت الطائف في دباغة الجلود كذلك، وذُكر إن مدابغها كانت. كثيرة، وأن مياهها كانت تنساب الى الوادي فتنبعث منها روائح كريهة مؤذية. وكانوا يدبغون بصورة خاصة الأدم الثقيل المليح. وذكر "الهمداني"، انها "بلد الدباغ، يدبغ بها الأهب الطائفية المعروكة".
وقد ذكر علماء اللغة أسماء مواد كثيرة استعملت في دباغة الجلود، وذكروا أيضاً طرقاً متعددة في كيفية الدبغ وفي أسماء الجلود المدبوغة والمواد التي تصنع من مختلف الجلود. والواقع إن اعتماد العرب الجاهلين على الجلود كان كبيراً، لأنها كانت متيسرة لديهم، وهي أسهل في العمل من الخثسب أو الحديد أو الأشياء الأخرى بالنسبة إلى عمال جزيرة العرب في ذلك العهد.
و "القرظ" من أهم ما استعمل في دباغة الأدم،يجلب فيطحن بحجر الطواحين، ثم يستعمل في الدباغة. ومن "العقيق" يجلب القرظ إلى مكة لاستعماله في الدباغة. وقد أشار بعض الأخباريين إلى ضخامة حجر الطواحين التي يطحن بها القرطْ. واستعمل "الغرف" في الدباغة كذلك.وعرفت الجلود التي تدبغ به بالجلود الغرفية، ومنها جلود يمانية وجلود بحرانية. وسقاء غرفي دبغ بالغرف. وكذلك مزادة غرفيه.
ومن المواد التي استعين بها في دباغة الجلد: "الدهناء". وهي عشبة حمراء لها ورق عراض يدبغ به، و "القرضم" قشر الرمان، ويدبغ به. و"الشث" نبت طيب الريح مر الطعم يدبغ به، قيل ينبت في جبال الغور وتهامة ونجد. وذكر بعضهم "الشب" في جملة ما كان يدبغ به. و "الأرطى" شجر دبغ به، وعرف الجلد الذي يدبغ به بي "المأروط" وب "الأرطى"، وب "أديم مرطى".
وعرف الجلد الذي يدبغ بغير "ألقرظ" ب "الجلد الحوري". و "الأفيق" الجلد الذي لم يتم دباغه، أو الأديم دبغ قبل أن يخرز أو قبل أن يشق. وقيل هو ما دبغ بغير القرظ والأرطى وغيرهما من أدبغة أهل نجد، وقيل هو حين يخرج من الدباغ مفروغاً منه، وقيل رائحته، وقيل ما يكون من الجلد في الدباغ.
الخمور
وقد اتخذوا من التمور. والكروم والشعير والذرة خموراً، وذكر إن الخمر ما أسكر من عصير العنب خاصة. وتستعمل لفظة "الشراب" في معنى الخمر كذلك. وفي الحديث حرمت الخمر وما شرابهم يومئذ إلا الفضيح البسر والتمر، ونزل تحربم الخمر التي كانت موجودة من هذه الأشياء لا في خمر العنب خاصة. وأما ا النبيذ، فهو ما نبذ من عصير ونحوه، كتمر وزبيب وحنطة وشعير وعسل، يقال نبذت التمر والعنب، اذأ تركت عليه الماء ليصير نبيذ، وقد ينبذ في وعاء عليه الماء ويترك حتى يفور فيصير مسكراً. وسواء أكان مسكراً أو غير مسكر، فإنه يقال له: نبيذ، ويقال للخمر المعتصر من العنب نبيذ، كما يقال للنبيذ خمر.
ويظهر من كتب الحديث، إن أكثر خمور أهل المدينة هي خليط من البسر والتمرْ. وأن منهم من كان يخلط الزبيب والتمر، أو الرطب والبسر. وكانوا ينتبذونها في الدباء، والمزفت، والحنتم، والنقير، والمقير.
وذكر أن الخليفة "عمر" حدد المواد التي تعمل منها الخمور بخمسة أشياء: الحنطة، والشعير، والتمر، والزبيب، والعسل. وجعل الخمر ما خامر العقل وقد ذكر هذه الأشياء لأنها كانت هي الشائعة المعروفة عند اهل مكة ويثرب في ذلك العهد على ما يظهر، لأن هناك خموراً عملت من غير هذه الأشياء.
وكان لأهل اليمن شراب عرف عندهم ب "البتع"، وهو من العسل ينبذ حتى يشتد، وذكر أنهم كانوا يطبخون العسل حتى يعقد، فيكون البتع. وشراب عرف ب "المزر"، وهو من الذرة. وخطب "أبو موسى الأشعري"، فقال: "خمر المدينة من البسر والتمر، وخمر أهل فارس من العنب، وخمر أهل اليمن البتع، وهو من العسل، وخمر الحبش السكركة". وقد ذكر "ابن عمر" الأنبذة، فقال: "البتع نبيذ العسل: والجعة نبيذ الشعير، والمزر من الذرة، و اسكر من التمر، والخمر من العنب !ا 3. وذكر أن المثر نبي ذ الذرة والشعير والحنطة والحبوب، وقيل نبيذ الذرة خاصة". ويظهر أن اطلاق المزر على أنبذة الحبوب، هو من باب التجوز والتعميم، وأن الأصل هو نبيذ الذرة.
و "الضري"، الماء من البسر الأحمر والأصفر يصبونه على النبق فيتخذون منه نبيذاً.
وقد اشتهرت "درْنى" بخمورها المصنوعة من الكروم، وقد ذكرها "الأعشى" في شعره. وكان الأعشى، يزورها، وذكر إنها هي "أثافت" التي ذكرها "الأعشى" أيضاً في شعره، فقال: أحب أثافِتَ وقت القطاف ووقت عصارة أعنابهـا
وكان كثيراً ما يزورها، وله بها معصر للخمر يعصر فيه ما أجزل له أهل أثافت من أعنابهم. وورد انها من قرى اليمامة، كما ذكرت ذلك في موضع آخر. من هذا الكتاب وأنا لا أستبعد استخدام الجاهليين للماء في ادارة المطاحن، وقد ذكر "الهمداني" أن أهل اليمن بأودية: سربق، وشُراد، وبنا، وماوة، والموفد، وجمع، ويصيد، وأودية رعبن، ووادي ضهر، كانوا يديرون مطاحنهم بالماء. ولم يشر "الهمداني" الى تأريخ استعمال هذه المطاحن التي تدار بالماء، ولكني لا أستبعد أخذهم هذه الصناعة من الجاهليين، وقد أشير إلى الطحن والمطاحن والطحين في نصوص المسند. ورد في بعضها إن الحكومات كانت تتقاضى الإتاوة من الناس إما نقدا، وإما "ورقاً"، أي ذهباً سبائك، وإما "طحناً" أي طحيناً، وهو الدقيق. ويقال له "طحنم" و "طحن" في المسند، وإما "دعتم"، أي بضاعة، بمعني مواد عينية. فذكر "الطحين" في هذه النصوص، يشير إلى وجود المطاحن بكثرة في اليمن، وربما كانت تصدر الفائض منه إلى الخارج.
الفصل الرابع عشر بعد المئة
الحرف
من الحرف المتداولة بين الجاهليين النجارة والحدادة والحياكة والنساجة والخياطة والصياغة والدباغة والبناء ونحوها من حرف يحترفها الحضر في الغالب. اما الأعراب فقد كانوا يأنفون من الاشتغال بها،وينظرون إلى المشتغلين بها نظرة احتقار وازدراء لأنها في عرفهم حرف وضيعة، خلقت للعبد والرقيق والمولي، ولا تليق بالحرّ، حتى إن الشريف منهم وذا الجاه، كان لا يحضر وليمة يدعوه إليها شخص من أصحاب هذه الحرف، استنكافاً وازدراءً ؛ لأنه ليس في منزلته ومكانته. وقد كان عمل الرسول كبيراً في نظر رؤساء القوم يومئذ، حينما جوّز حضور طعام الخياط والصائغ وامثالهما، وكان يحضر منازلهم، فعدّ القوم ذلك عملاً غير مألوف ومخالفاً للعرف والتقاليد.
وقد كان أكثر أهل القرى ينظرون إلى الحرف والمحترفين بها نظرة ازدراء كذلك، ويأنفون لذلك من التزاوج معهم، ويعيرون من يتزوج من امرأة أبوها قين أو نجار أو دباّغ أو خياط، ويلحق هذا التعبير الأبناء كذلك. وينظرون هذه النظرة إلى المشتغلين بزراعة الخضر مثل البقول في الغالب، ولا تزال هذه النظرة معروفة في جزيرة العرب. وفي أماكن أخرى خارج حدود هذه الجزيرة كالعراق. وهذه هي مشكلة من جملة المشكلات التي أثرت في الاقتصاد العربي وفي الحياة الاجتماعية، وإن كانت قد أخذت تخف في هذه الأيام.
ولم يكن العرب وحدهم ينظرون إلى الحرف والمشتغلين بها نظرة ازدراء، بل كانت شعوب العالم كلها تقريباً تنظر ألى طبقة أصحاب الحرف مثل هذه النظرة؛ لأن الحرف هي من أعمال الطبقات الدنيا من سواد اناس الرقيق والموالي. اما الحُر، فلم يخلق لها ولم تخلق له. كذلك كانت نظرة قدماء اليونان إلى هذه الحرف، لأنها عندهم من الأعمال التي يقّوم بها سواد الناس ورقيقهم.
وهذه الحرف لم يختص بها الجاهليون وحدهم،بل كانت عامة معروفة ومتداولة عند جميع الشعوب لتلك العهود. وهي لبساطتها وبداءتها متشابهة،لا تجد اختلافاً في آلاتها وادواتها المستعملة عند الشعوب. فأدوات النجار تكاد تكون واحدة، سواء أكانت عند النجار العربي الجاهلي، أو النجار العبراني، أو النجار النبطي. وكذلك قل عن أدوات الحداد والصائغ وغيرها من الطبقات العاملة التي ترتزق وتعيش على هذه الحرف التي تعتمد على اليد.
وتجد في كتب اللغة والأدب وأمثالها ألفاظاً عديدة معربة، استعملها أهل الجاهلية وذلك بتعريبها ونقلها من أصول عجمية معروفة ، فيها الفارسي والارامي واليوناني واللاتيني والحبشي والنبطي. وهي مما يدخل في باب الآلات والأدوات والمآكل والملابس والبيت والثقافة والعلم، دخلت العربية، لأنها كانت مصطلحات متداولة عند أهلها معروفة، أخذها العرب منهم باحتكاكهم وبتأثرهم بهم، وقد صقل بعضها وهذب ووسم بسمة عربية، وأدخل على بعض آخر بعض التعديل ليتناسب مع أسلوب النطق العربي، وقيل بعض آخر على نحو ما كان في أصله واستعمل في العربية حتى صار في ظن من لا وقوف له على العربية انه عربي صميم.
والألفاظ المعربة التي نعنيها، قديمة، دخلت قبل الإسلام بمئات السنين. وقد استعملتها الالسن وتداولتها، وصارت بهذا الاستعمال ألفاظا عربية مستساغة. ومنها ما هو مستعمل حتى الآن. وجمع هذه الكلمات وضبط معانيها وتبويبها وتصنيفها، عمل مهم نافع أرجو أن يتهيأ له أصحاب العلم والاختصاص، فبها نتمكن من الوقوف على الاتصال الفكري الذي كان بين العرب وغيرهم، وبها نتمكن ايضاً من الوقوف على مدى الاتصال ومقدار تغلغله في جزيرة العرب. وبامثال هذه الدراسة سنتمكن أيضاً من تكوين صورة علمية صحيحة للتأريخ الجاهلي وهي صورة ستغير، ولا شك، كثيراً من هذه الاراء القديمة عند كثير من الناس عن الجاهليين، تكونت من دراستهم لروايات أهل الأخبار عن العرب قبل الإسلام.
ولم يخفَ أمر هذه المعربات عن قدماء علماء اللغة، فقد أدركوا وجودها ودخولها في العربية قبل الإسلام، واّلفوا فيها، وأشاروا إليها في معجمات اللغة ووضع بعضهم بحوثاً في معربات القران وهي تفدنا فائدة كبيرة بالطبع في الوقوف على الصلات الثقافية التي كانت بين العرب والعالم الخارج قبل الإسلام، وإن كانت تلك البحوث والمؤلفات قد كتبت بطريقة ذلك العهد، استناداً إلى الروايات دون اثبت منها وتوفر أصولها تتبع مواردها بدراسة اللغات الأجنبية ومقارنتها بالأصل. وهي طريقة أوقعتهم في أغلاط، ولكنها، افادتنا مع ذلك فائدة كبيرة في معرفة هذا الغريب الدخيل، وفي تكوين رأي في الدراسات اللغوية عند علماء اللغة القدامى.
وقد عثر الرحالون والمنقبون على أواح من الخشب وعلى شبابيك ومواد خشبية أخرى في اليمن وفي حضرموت منقوشة نقشاً بديعاً ومحفورة حفراً يدل على دقة الصنعة وإتقان في اله هل. وهي شاهد على تمكن النجار من مهنته، وعلى قدرته فيها، وعلى حسن استعماله ليده عليها في استخدامها للأدوات النجارية في صنع النفائس والطرائف من الخشب.
والحرف وراثية في الغالب، يتعلمها الابن عن والده، وتنحصر في العائلة فتنتقل من الآباء الى الأبناء. ولا يسمح لغريب أن يتعلم أسرار الحرفة وأن يقف عليها وخاصة في الحرف المريحة وفي الحرف التي تحتاج إلى مهارة ودقة وذكاء خوفاً من وقوع المنافسة، وانتقال سر العمل والنجاح إلى شخص غريب فينافس أصحاب الحرفة في عملهم وينتزع منهم رزقهم. لذلك حوفظ على أسرار المهنة ، ولم يبح باسارها حتى لاقرب الناس اليهم، وفي حالة اكتشاف رجل طريقة جديدة غير معروفة في حرفته، فإنه يحتفظ بسره حتى لا يتسرب إلى الغرباء ?منهم من لا يعلّم حتى أولاده سر المهنة إلا في حالة شعوره بعجزه عن العمل أو بقرب وفاته ودنوّ أجله، خشية انتقال السر منهم إلى غيرهم، فينافسونهم على رزقهم ومصدر قوتهم من هذا السر.
وينضم أصحاب الحرف بعضهم إلى بعض مكونين "صنفاً"،أي طبقة خاصة، تتعاون فيما بينها تعاون النقابات الحرفية والمهنية في الوقت الحاضر، يتولى رئاستها أبرز رجال "الصنف". وإذا مات أحدهم تعاونوا في تشييعه ودفنه وفي مساعدة أهله ومؤاساتهم. وذلك لحماية رجال الحرفة من كل سوء قد يقع عليها وللمحافظة على حياتهم، ولا يسمح "الصنف" بدخول غريب بينهم، لأنهم جماعة ورثت حرفتها، فلا يجوز لغريب مزاحمتهم فيها.
ويتجمع رجال بعض الحرف في أماكن معينة،كما هو الحال في الوقت الحاضر، كأن يتجمع الحدادون في منطقة معينة، والصاغة في حي، والصفارون في حي والنجارون في حي، وذلك للتعاون فما بينهم، وتنسب تلك المحلات اليهم.
وقد تشتهر مدينة ما بحرفة من الحرف، فيكون لمنتوجها شهرة واسعة وتباع بأسعار عالية. وقد تشتهر منطقهّ بجملة صناعات. فقد اشتهرت اليمن بالبرود كما اشتهرت بسيوفها، التي اكتسبت شهرة بعدة واسعة في كل جزيرة العرب، واشتهرت بعقيقها كذلك وبأنواع أخرى من التجارات. واشتهرت مكهّ ببعض أنواع العطور واشتهرت ثقيف بالدباغة وبالأدم.
وقد كانت أجور العمل معروفة عند الجاهليين. فتدفع للعمال والصناع أجور يومية، كما تدفع لهم أجور مقطوعة عن عمل معين. وليس لهؤلاء العمال من اتعاب عملهم سوى ذلك الأجر المتفق عليه. أما الرقيق، فلا يدفع لهم في العادة أي شيء، سوى ما يقدم لهم من طعام وملبس وحماية. وعليهم في مقابل ذلك الاشتغال بالشغل الذي يوكل اليهم به أسيادهم، ولا حق له بالنسبة لقوانين ذلك الوقت الامتناع عن القيام بالعمل الذي كلفوا به.
والأجور، قد تكون يومية وقد تكون سنوية وقد تكون مقطوعة. ولا يشترط في الأجر أن يكون نقداً، فقد يدفع عينة، أي مالاً مثل طعام، أو كساء، لندرة النقد في ذلك الوقت. ومن أمثلة الحرف التي تدفع عنها الأجور، حرفة البناء، فيُدفع للعامل أجر يومي في الغالب. والنجارة والحصاد، وتدفع عنها أجور مقطوعة على الأكثر والرعي وأمثال ذلك من حرف، يقوم بها سواد الناس لاعاشة أنفسهم منها.
ويمكن تصنيف وجمع الحرف التي عرفت عند الجاهليين في حرف النجارة، وهي تنجير الخشب وتحويله الى متاع وأثاث أو إلى عمل البناء أو إلى تماثيل وزخارف وما أشبه ذلك، ثم حرف البناء، وتتناول كل ما يتعلق بالبناء من أعمال، ثم حرف الإعاشة، تم حرف التعدين والمعادن، ثم حرف الجلود، وحرف الملابس وحرف التجميل وحرف أخرى.
النجارة
والنجارة من الحرف القديمة المهمة في المدن. وقد عثر على نماذج من مصنوعات خشبية في اليمن تدل على حذق النجار وذكائه وتقدمه في مهنته، ويظهر من روايات أهل الأخبار أن أهل مكة والمدينة لم يكونوا على حظ كبير في النجارة، ولذلك كانوا يستعينون بالرقيق وبالأجانب في أعمال نجارتهم كاليهود أو الروم. وفي الذي رووه عن تسقيف الكعبة في أيام الرسول وقبل نزول الوحي عليه ما يدل على ندرة النجارين في مكة في تلك الأيام. ويعلل أهل الأخبار ذلك بسبب أنفة العربي من الاشتغال بالحرف. فاعتمد على الأجانب وأغلبهم من الرقيق في اداء هذه الحرفة.
والنجار، هو الذي ينجر الخشب. فيقوم بنشره وحفره واصلاحه وعمله على النحو المطلوب وحرفته النجارة. وفي هذا المعنى: نجارة الخشب.
ومادة النجارة، الخشب. وهو نوعان: نوع مستورد من الخارج، إما من الهند، وإما من إفريقية، وهو من النوع الجيد الصلب القوي المقاوم. وهو ثمين غال. لهذا استعمل في صنع الأثاث الفاخر الثمين وفي الأدوات التي نحتاج إلى خشب صلب مقاوم وفي المعابد والقصور وفي الأبنية المهمة، ومن أهم أنواعه الساج والآبنوس والعندل. ونوع هو من حاصل أرض جزيرة العرب وناتجها. وهو دون الخشب الأول في المقاومة والجودة، وفي الاستفادة منه في أعمال النجارة لأن معظمه ليس من النوع الناضج الغليظ الصلد القوي، لا يصلح إلى للاعمال النجارية الاعتيادية وللوقود: ما خلا أنواعا، قلية منه استخرجت من بعض الأماكن مثل "النضار"، وهو خشب غليظ بعض الشيء ينبت شجره في غور الحجاز، وبعض أشجار اليمن والمناطق الجبلية الأخرى.
وترد في كتابات المسند كلمة "عضم" "عض"، ويراد بها "الخشب" في لهجتنا ، ترد في كتابات البناء بصورة خاصة، أي الكتابات التي هي عبارة عن وثيقة بناء، إذ كان أرباب الدور و الأبنية يذكرون المواد التي استخدموها في البناء، وفي جملة ذلك الخشب. وقد وردت لفظة "العضم" في كتب اللغة بمعنى خشبة ذات أصابع يذرىَ بها الطعام. ويشترك العبرانيون مع العرب الجنوبيين في تسمية الخشب ب "عض".
وقد استخدم الخشب في تقوية الجدر، استخدموا الخشب القوي الصلد منه.
ولا تزال آثاره باقية ظاهرة فيما تبقى من أبنية الجاهليين، وبعضه قوي لم يعث به الزمن فسادا، ولم يفْنه، كما استخدم في صنع السقوف والأبواب وفي تقوية السلالم، وفي صنع الشبابيك وأمثال ذلك من الأعمال التي تدخل في صلب البناء، وتكون جزءاً منه. وقد استورد معظم هذا الخشب الصلد القوي الساجْ والآبنوس والصندل من الهند ومن افريقية لعدم وجوده في جزيرة العرب، ولا تزال اثاره وقطع منه باقية على الرغم من مرور مئات من السنين عليه.
واستخدم الخشب في صنع أثاث البيت وفي كثير من الأدوات المستخدمة في حياة الإنسان. وقد عثر على بعض، مصنوعات من الخشب استخدمت أثاثاً، تدل على مهارة صناعها وعلى حسن تصرفهم في صنعها وفي هندستها. ويعبر عن الأثاث في المعينية بلفطة "رثد". وهي في مقابل متاع. وتؤدي أيضاً معنى التنظيم والترتيب وتنسيق الأشياء. وفي المسند لفظة أخرى تؤدي هذا المعنى هي لفظة "ربب" ومعناها السناد والأساس أيضاً. وبالمعنى المذكور ترد لفطة "رثد" في عربية القرآن الكريم.
وقد ذكر في القرآن الكريم أسماء بعض الأثاث، مثل الأرائك والسرر "متكئين على سرر مصفوفة"، "وسرراً عليها يتكئون"، و "على سرر موضونة"، و " على سرر متقابلين"، " فيها سرر مرفوعة"،والكرسي.
وقد تصنع السرر من سعف النخيل، كما تصنع الكرسي في هذه المادة أيضا، وتصنع المشاجب من الأعواد المركبة توضع عليها الثياب. واذا بوعد بين الاشياء المنسوج بها السرير أو غيره من سعف النخل، قيل لذلك مرمل، فيقال: سرير مرمل، إذا كان قد نسج وجهه بالسعف ، وبوعد بشيه بين الأشياء المنسوج بها وقصد بالكرسي، الكراسي الكبيرة المرتفعة، وقد استخدم خاصة لجلوس الملوك، وفي غرف الاستقبال. وقد أشير الى الكرسي في القرآن الكريم. فورد: )وسع كرسيه السماوات والأرض(.
والعرش من الألفاظ الواردة في القرآن الكرم كذلك، وهو من البيت سقفه،
ويجمع على عروش، والعرش شبه الهودج اًيضا. وقد يصنع من الخشب، يقوم بصنعه النجار، وقد يكون من حجارة أو غير ذلك. ومن ذلك العرش الذي يتربع عليه الملوك، والعرش: الخيمة من خشب وثمام، والتابوت أيضاً أي سرير الموت والخشب تطوى به البئر ، والعرش هو السرير الذي ينام عليه، قد يكون له حاجز يمنع للنائم من السقوط. وقد يكون له حاجز. وهو بهذه التسمية "عرش" عند العبرانيين. وقام النجار بصنع أواني الطعام أيضاً، ولا سيما الأواني الكبار التي تستعمل في إطعام عدد من الناس في المناسبات، وتدخل بيوت الملوك وسادات القبائل والأغنياء الكرماء في الغالب وفي بعض الظروف والمناسبات، مثل المآتم والأفراح. ومنها "الجفنة"، وهي - كما يقول بعض علماء اللغة - أعظم ما يكون من القصاع، يوضع فيها الطعام، ليتناول منه عدد من الناس. وقد افتخر الشاعر "حسان بن ثابت" ب "الجفًنات" دلالة على الكرم والجود. و "القصعة" وهي تلي الجفنة في السعةَ ، يشبع الضخم منها عشرة أشخاص. ثم "الصحفة" وتجمع على "صحاف" وقد وردت في شعر معزوّ للاعشى: والمكاكيك والصحاف من الفضة والضامرات تحـت الـرجـال
وتصنع من الفضة كذلك، كما رأينا فى هذا البيت المتقدم، وذكر أنها تشيع خمسة أشخاص. ويليها في الحجم والسعة "المئكلة"، تشبع الرجلين والثلاثة. ثم الصحيفة، وتشبع الرجل.
وتصنع بعض هذه الأواني من مواد أخرى، كالأدم، أو من المعدن كما قلت في "الصحاف" حيث تصاغ من الذهب والفضة لبيوت الملوك والأمراء والشيوخ و الأغنياء.
وقام النجار، ولا سيما من تخصص بالقداحة منهم، بعمل القدح النضار، وهو القدح المعمول من النضار، والنضار خشب معروف في الحجاز في أيام الرسول يكون بغور الحجاز، يعمل منه ما رقَّ واتسع وغلط من الأقداح،وذلك لتحمل هذا الخشب ما لا تتحمله الأنواع الأخرى من الخشب المستخرج من الحجاز. وقد كانوا يدفنون هذا الخشب حتى ينضر، ثم يعمل فيكون أمكن لعامله في ترقيقه. وقد كان عند الرسول قدح نضار عريض. ويعبر أيضاً عن الأقداح المنحوتة من الخشب ب "الخشيب".
كما جهر النجارون أصحاب الحرف الأخرى بالأدوات المساعدة التي تهم في حرفهم، فصنع لأهل الطعام "الروسم " أو "الروشم"، وهو خشبة فيها كتاب منقوش يختم به الطعام لئلا يسرق منه، ويستخدمه الحناطون وأمثالهم من باعة الطعام، وقيل: الطابع الذي يطبع به رأس الخابية. واللفظة من الالفاظ المعربة على رأي بعض العلماء. وصنع للمزارعين "النورج"، وهو المدوس ، يداس به الطعام، فقد يصنع من الحديد أيضا. و "الهاون"، وهو المهراس، والمنحاز، ويدق به، وقد أدخل في المعربات. وقد يصنع من حجر، فيدق اللحم أو الحبوب فيه لسحقها.
وصنع النجار "الميتدة"، وهي مطرقة من خشب، يستعملها الأعرابي بصورة خاصة لدق أوتاد خيمته في الأرض. وتعرف ب "مقبه" "مقابه "عند العبرانيين.
وصنع النجار أبواب البيوت، ويقال للخشبة التي تدور فيها رجل الباب"النجران". ويقال لأنف الباب الرتاج، و لمترسه القُنّاح و النجتاف.وعمل"النجيرة": السقيفة من خشب ليس فيها قصب ولا غيرهْ.
وصنع للنجار صناديق من خشب، لخزن الأشياء فيها، تقفل بقفل.وقد عني بزخرفتها بتلوينها أو بالحفر على أوجهها، وذلك بالنسبة للصناديق الثمينة التى تستعملها الطبقات الراقية.
وفي جملة مصنوعات النجار "الحدوج"، مركب من مراكب النساء يشبه المحفة، تركبه نساء الأعاب على الإبل. وذكر إن الحدج مركب ليس برجل ولاهودج تركبه نساء الأعراب. والهودج مركب للنساء مقبب وغير مقبب يصنع من العصي ثم يجعل، فوقه الخشب فيقبب. وذكر انه محمل له قبة تستر بالثياب يركب فيه النساء.
ويستعين النجار بجملة أدوات في صنعته، بعضها من صنع الحداد، لأنها من الحديد، مثل الفأس على اختلاف أنواعها، والمنشار و المحفرة و المحفار، والمنقار والمسحل والمثقب والكلبتان والمسامير والأوتاد وغير ذلك من أدوات تستعمل في قطع الخشب وفي تنظيمه وصقله وهندسته لجعله صالحاً للعمل. ونجد في كتب اللغة ألفاظاً عديدة تتعلق بهذا الموضوع.
ومن الأدوات التي يستعين بها النجارون في قياس تربيع الخشب "الكُوس" وهي خشبة مثلثة.
ويستعمل النجار المنشار في قطع الأخشاب والأشجار. ويقال لنحت الخشب كذلك. أما المنقار،،فهو حديدة كالفأس مستديرة لها خلف ينقر بها، ويقطع بها الحجارة والأرض الصلبة والخشبْ. ولا سيما في نقش الخشب وحفره.والحفرة وتعرف بالمحفار أيضاً ، حديدة يحفر بها الشيء ، وتستعمل في حفر الخشب لأغراض متعددة، مثل نقشه أو الكتابة عليه. وأما المخل، فالمنحت، آلة ينحت بها الخشب كالمبرد. والمثقب آلة يثقب بها. والكَلبتان آلة يستعملها النجار والحداد، يستعملها النجار في اخراج المسامير، ويستعملها الحداد في أخذ الحديد المحمي. وأما المسامير، فما يشد به.
ونجد في "الكتاب المقدس" - في التورأة والانجيل - أسماء أدوات عديدة استعملها النجار في عمله، منها ما استعمل لقطع الخشب واعطائه الشكل المطلوب، ومنها ما استعمل لنشر الخشب وقصه، ومنها ما استعمل لثقبه باستعمال المثاقب الآلية أو اليدوية التي تعمل الثقوب بالطرق وبطريقة الحفر، كما أشر فيه إلى المساميرا. وقد ذكر في القرآن الكريم الواح الخشب التي تستعمل في صنع السفن، و "الدسر" وهي المسامير. والسفن في ذلك العهد من صنع النجارين. وآلات النجارة المذكورة في التوراة وفي الأناجيل،معروفة ومستعملة عند الجاهليين. وقد تصنع الدسر من الخشب.
وهناك نجارون تخصصوا بصنع القوارب والسفن: لاستعمالها في صيد السمك وفي البحار للتجارة البحرية والنقل. ونظراً لعدم وجود الأنهر الكبيره والبحيرات في جزيرة العرب، انحصرت حرفة صنع القوارب والسفن في السواحل. ويستورد أهل هذه السواحل الخشب القوي الصلد من افريقية والهند لصنع السفن الكبيرة التي يكون في مقدورها الابتعاد عن الساحل والسير إلى الأماكن البعيدة.
ولا يستبعد قيام النجار الجاهلي بصنع العربات والمركبات، وذلك لاستخدامها في السلم وفي الحرب. فقد كان المصريون والعراقيون وأهل بلاد الشام يستخدمونها، وليس من المعقول حلم وجود علم للجاهليين ولاسيما لأهل اليمن بصنعها وبالاستفادة منها. والعربة هي "عجله" "ع ج ل ه" عند العبرانيين وتستخدم في نقل الحاصلات. وقد أشير الها في التوراة ، وقد عرفت ب "م "ر ك ب ه" "مركبه" كذلك، وب "مركب" أيضاً، من أصل "ركب" احدى الألفاظ التي ترد في اللهجات السامية. وهي "مركبة" في عربيتنا و "نركبتو Narkabtu" في الأشورية و "مركيثا Markabtha " في السريانية. وقد تعني الحيوان وحده الذي يركب عليه.
ويراد ب "عجله"، العربة التي،تستخدم في نقل الحاصلات الزراعية في الغالب، وقد عثر على صور عربات في الاثار المصرية والأشورية واليونانية والرومانية. وبينها عربات استخدمت في القنال. ولبعضها مظلات لتحمي ركابها من الشمس والمطر. ويسحب العربات الزراعية ثور أو ثوران في الغالب. وقد تستخدم الحمير والبغال. أما عربات القتال فتجرها الخيل. وقد كانت دواليب العربات من الخشب، إلا انها صنعت من الحديد أيضاً. والغالب أن يكون للعربة دولابان، ولكن العربات ذات الأربعة دواليب كانت معروفة أيضاً ومستعملة، ولا سيما في أمور النقل. وقد كان الأكاسرة يستعملونها لنقل عوائلهم، ولها ستائر وسقف.
وذكر علماء العربية أن العجلة: الدولاب. وأن "المركب" واحد مراكب البرّ والبحر. والظاهر أن العجلات والمركبات كانت نادرة الوجود فى أكثر مواضع جزيرة العرب. إذ لا نجد لها ذكراً في أخبار الأخباريين عن الجاّهليين ولا في كتب اللغة.
الحدادة
وقد دفعت حاجة الإنسان إلى المعادن لاستخدامها في أمور حربية وزراعية وفي البيت على انصرافه إلى الاشتغال بها لتحويلها إلى أشياء نافعة. فظهرت الحدادة والصياغة وأمثالها واشتغل بعض الناس بالبحث عن الحديد وعن المعادن الأخرى واستخلاصها من المواد الغريبة المختلطة بها. كما اشتغلوا في خلط المعادن لايجاد أنواع جديدة منها. وقد وقع ذلك بين أهل الحضر في الغالب، أما أهل الوبر، الأعراب، فبساطة حياتهم لم يشعروا بحاجة لهم إلى هذه الصناعات، واذا شعروا بوجود حاجة لهم فيها اشتروها من أهل المدن، واحتقروا الصناعات وأهل الصناعة والمحترفين بالحرف.
ويعرف الحدّ اد ب "القين" كذلك عند الجاهليين. وهو الذي يعدّ للزرّ اع الأدوات التي تستعمل في حرث الأرض،مثل المسحاة والمحراث والمنجل والأدوات الأخرى، يصنعها من الحديد، كما أنه يعد لا عرف الأخرى ولأهل البيوت كثيراً من الآلات،يصنعها من الحديد. وكان فضلاً عن ذلك الخبير الاختصاصي بصنع السلاح على اختلاف أنواعه وتجهيز الحكومات والأفراد بالسلاح الذي يستعمل في الدفاع وفي الهجوم، لذلك كانت حرفته مهمة خطيرة ولا يزال الحداد يعدّ للناس في جزيرة العرب الملاح، كالسيوف والخناجر والدروع والسكاكين والنصال المعدنية وغير ذلك من أدوات كانت تستعمل في الحرب لذلك العهد، وسأفرد لها بحثاً خاصاً.
وذكر بعض علماء اللغة أن القن هو العامل بالحديد. وقال بعض آخر: إن القين الذي يعمل بالحديد ويعمل بالكير، ولا يقال للصانع قين. وذكر بعض اخر أن القين الحدّاد، ثم صار كل صانع عند العرب قيناً. وذكر بعض آخر: أن القين هو الذي يصنع الأسنة،إلى غير ذلك من آراء، وكان من بين أصحاب الرسول من كان قينا، مثل "خباب بن الارت"، ذكر أنه كان يشتغل للعاص ين وائل. وكان العاص هذا من الانادقة، ومثله: عقبة بن أبي معيط، والوليد بن المغيرة، وأبيّ بن خلف. وكان خبّاب يضرب السيوف الجياد وبدقها، حتى ضرب به المثل، ونسبت اليه السيوف. كما اشتهر بها رحل آخر عرف ب "ريش المقعد"، أي النبل. والمقعد اسم رجل كان يريش السهام. والنبل: السهام، والنبّال صاحب النبال وصانعها، وحرفته النبالةْ. وتحبس في الجعبة، يحملها صاحبها معه، فإذا أراد الرمي، فتحها ليستخرج منها ما يشاء.
ومن الحدادين الأعاجم الذين ذكرهم أهل الأخبار، الأزرق بن عقبة أبو عقبة "فلداه" في العبرانية. وتصنع منه الأسلحة بصورة خاصة. وهو معروف في العربية، وعرف بقولهم: ": هو مصاص الحديد المنقى من خبثه".
و يستعين الحدّاد بأدوات في طرق الحديد وفي تغير شكله على النحو إلمطلوب. ومن أهم هذه الادوات "الكير"، و"رْ المنفْاخ، وهو زق ينفخ فيه الحداد، أو جلد غليظ ذو حافات، يستعمل لاثارة النار وإيقادها، كي ترتفع درجات حرارتها فتؤثر في الحديد وتجعله ليناً يسهل طرقه واعطؤه الشكل المطلوب. والكور وهو مجمرة الحدّ اد وهي مبنية بالطين وبالحجارة، وتوقد فيها النار، ويسلط عليها الكير، ويوضع الحديد على النار ليحمى ويلين. ومن أصل "كور" "كور" و "كير"، ويراد بها الموضع الذي تحرق فيه القرابين من بخوِر وذبائح تهيأ للحرق تقرباً إلى الآلهة. ويعرف الكور ب "كور" عند العرانيين. وقد وردت اللفظة في التوراة.
ويطرق القين الحديد المحمى على "السندان"، ليحوله إلى الشكل الذي يريده. ويعرف ب "العلاة" أيضاً.
وقد استغل ايهود انفة أهل المدينة والعرب الصرحاء من الاشتغال بالحدادة، فاحتكروها لأنفسهم، وربحوا منها ربحاً طيباً، وذلك بإنتاجهم الأدوات والآلات الزراعية وبصنعهم الأسلحة اللازمة لكل انسان لحماية نفسه، مثل صنع السيوف والخناجر والدروع. وقد سلحوا أنفسهم بها، كما باعوا منتوجهم من غيرهم. وتصنع الدروع من الحديد الثقيل،كي تقاوم قراع السيوف. وقد تزرد الدروع، لتقاوم في الدفاع، ويقال عندئذ "درع مزرود".
والسرد عند علماء اللغة نسج الدرع، وهو تداخل الحلق بعضها في بعض. والسرد اسم جامع للدروع وسائر الحلق. وسمي سرداً لأنه يسرد فيثقب طرفا كَل حلقة بالمسمار، فذلك الحلق المسرد. والمسرد هو المثقب. وهو السرّ اد. ويراد بالحلقة السلاح عاما، وقيل: الدرع خاصة، وانما ذلك لمكان الدروع ولشدة غنائه. وقد سمي "النعمان" دروعه حاضة.
وتصنع النصال من الحديد أيضا. والنصل حديدة السهم والرمح، ويقال نصل السيف ونصل السكين. وقد ذكر أيضا ان نصل السيف حديدة السيف ما لم يكن له مقبض. فإذا كان لها مقبض ، فهو سيف. وقيل: إن النصل السهم العريض الطويل، والمشقص على النصف من النصل.
ومن المجاز الحداد السجّان، لأنه يمنع من الخروج أو لأنه يعالج الحديد من القيود. وفي هذا المعنى ورد: يقول لي الحداد وهو يقودني=إلى السجن لا تفزع فما بك من باس والحداد البواب، لأنه يمنع من الخروج.
والعتلة: حديدة كأنها رأس فأس عريضة، في أسفلها خشبة تحفر بها الأرض والحيطان، وليست بمعقفة كالفأس، ولكنها مستقيمة مع الخشبة، أو هي العصا الضخمة من حديد، لها رأس مفلطح، يهدم بها الحائط. وقيل: هي بيرم النجار.
ومن مصنوعات الحداد "إلإبزيم"، وهو حلقة لها لسان يدخل في الخرق في أسفل المحمل، ثم يعض عليها حلقتها، والحلقة جميعها "ابزيم". وقد أدخلها الجواليقي في باب المعريات من الفارسية. ومن مصنوعات الحداد "المقدحة"، الأداة التي استعان بها الإنسان في إِيجاد النار. وهي حديدة يقدح بها حجر يوضع عليه مادة قابلة للالتهاب ولأخذ النار، مثل الصوف، فيورى منها النار.
ويهيىء الحداد أقفال الأبواب، وقد يصنعها النجار أيضا. ويوضع خلف الباب وتد من حديد لتسميرها، فلا يمكن فتحه ، كما يهيأ البيت بما يحتاج اليه من أدوات تستعمل في الطبخ وقي الغسيل، وفي الزينة. ويجهز الرجل والمرأة باللأدوات المساعدة للتجميل ك المدرى"، وهو شيء يسرح به شعر الرأس محدد الطرف من حديد، وقد يصنع من غيره مثل الخشب. وهو كسن من أسنان المشط، أو أغلظ قليلا"، إلا أنه أطول.
وقد ذكر أصحاب اللغة بعض أسماء الالات والأدوات التي كان يستعملها الحدادون في حرفتم، نذكر بعضهاً مثل: "القرزم" و "العلاة". والقرزم لوح الإسكاف المدور. و "المطرقة"، و "الفطيس"، وهي أكبر من المطرقة، وهي "الميفعة" أيضاً. و "المبرد" الذي يبرد به الحديد، و "البرادة" ما سقط منه. وأما "فسالة الحدَيد" فا تناثر من الحديد عند الضرب إذا طبع، و"المشحذ" مبرد للحديد، أعظمها وأخشنها. وقال بعض اللغويين: المشحذ المسنُّ، "المفراص" وهو للحديد كالمقراض للثوب، والمنفاخ "المنفاخة" وبي ما ينفخ به الكر، والكير التي ينفخ فيه. وأما المبني من الطين، فهو الكور. و "المشرجع" مطولة لا حروف لنواحيه، ومطرقة مشرجعة، مطولة ولا حروف لنواحيها. أما إذا كان الشيء مربعاً، وقد نحتت حروفه، قيل له "مشرجعة". و "العسقلان"، أصغر مطرقات الصائغ. و "الغدُاف" الحديدة التي يدخل في أحد طرفيها الخاتم ويركزها على الجبأة، والخشبة التي بين يديه. أما "الحملاج"، فنفاخ الصائغ، وهو حديدة مجوفة ينفخ فيها الصائغ إذا أراد النفَخ في كيره. وله الكلبتان والمثقب.
وقد وردت في التوراة لفظة " ا خ ن" "اجن"، وهي "اجانة" و "اجان" في العربية. وهي إناء يعجن فيه العجين،أو يوضع فيه سائل أو أي مادة أخرى. ولا تزال الكلمة حيةّ معروفة. وتصنع من المعدن،في الغالب ولكنها قد تصنع من خشب في بعض الأحيان.
ويستخدم الحدّ اد المطرقة في طرق الحديد المحمى لتحويله إلى الشكل المطلوب. ويقال للمطرقة الكبيرة "الفطيس"، وتقابلها لفظة "بطيش" Pattish، عند العبرانين، ولمد أشار علماء اللغة إلى "الفطيس". ويستخدم ال "قدوم"، وهي مطرقة كذلك، تسمى ب "قردم" "قردوم" عند العبرانيين. وذكر علماء العربية ان "القدوم" التي ينحت بها.
ومن أنواع المطارق مطرقة دعيت ب "جرزن" عند العبرانيين، وتستخدم في القطع: في قطع الأشجار والأخشاب التي تستعمل في البناء. ويرى بعض العلماء أنها أخف من "القردم". وبين "جرزن" و "الجرز " اللفظة العربية تقارب وارتباط. رقد ذكر علماء اللغة أن "الجرز" من السلاح، والعمود من الحديد وأن الجواز بمعنى: قاطع، ولذلك قالوا سيف جراز ومدقة جراز. وهي الفأس في العرانية،و لعلها بهذا المعنى في العربية أيضاً وتستعمل لقطع الأحجار و الاخشاب و لتكسيرها.
والمطارق الحديثة المستعملة قي الشرق الأوسط وفي بلاد العرب، لا تزال محافظة على شكلها وهيئتها التي كانت عليها عند الجاهليين وعند غيرهم قبل الإسلام. كما يظهر ذلك من النماذج التي عثر عليها ومن صور المطارق المصورة على بعض الأثار. وبعض هذه المطارق ذات رأسين، وبعضها ذات حافتين. ويختلف شكلها باختلاف المهمة التي.تستخدم فيها. واستخدمت المطارق في الحروب كذلك، حملها المحاربون معهم في قتال الأعداء وفي فتح الثغرات في الجدر والأسوار وتحطيم الدبابات والآلات الأخرى المستخدمة في حروب تلك الأيام.
الصياغة
و "الصائغ"، من يحترف الصياغة، وذلك في اللهجة العربية الشمالية، ويشتغل في صياغة الذهب والفضة. وقد كان بين أصحاب الرسول من احترف هذه الحرفة. وقد ورد عن أبي رافع الصائغ إن عمر بنْ الخطاب كان يمازحه بقوله: "أكذب الناس الصواغ، يقول اليوم وغدا". وكلام عمر بن الخطاب هذا يدل على أن الصاغة لذلك العهد كانوا يخلفون ايظا في المواعيد، ولا يحافظون على الأوقات.
وقد تحدث بعض الكتبة اليونان عن أثاث وحلي مصنوعة من الذهب والفضة، ذكروا أن السبئيين كانوا يستعملونها في بيوتهم، ولكننا لم نقف على شيء مهم من ذلك، إلا قطعاً متاكلة من المعدن وصلت الينا، لتتحدث عن عمل الصاغة والحدادين في العربية الجنوبية. وأكثرها من المصنوعات المصنوعة من البرنز فلدينا مصباح من البرنز مصاب ببعض العطب، عثر عليه في "شبوة"، على طرفه جسم "أيل" جميل، صنع وكأنه متهيء للوثوب. وهناك قصة أخرى تمثل احداها جملاً، وأخرى حصانا، كما عثر على عصي مصنوعة من البرنز، وعلى ألواح من هذا المعدن أيضاً، عليها كتابات. وهي محفوظة في المتاحف الأوروبية. وهذا الذي عثر عليه هو شيء قليل بالطبع بالنسبة الى ما سيعثر عليه، متى سمح للآثاريين بالبحث عن الآثارو الكشف عن المطمور في جزيرة العرب ، ولا سيما في العربية الجنوبية حيث تشاهد تلول من الأتربة منشرة تضم تحتها كنوزاً ثمينة من الآثار.
ويقال للذهب الأنضر، وقد ذكر بعض، علماء اللغة أن لفظة النضر. اسم للذهب والفضة، وكذلك النضار. أما النضرة فإنها السبيكة من الذهب. ونضار الجوهر الخالص، من التبر.
وتد عرف التبر، بأنه الذهب كله، وقيل: هو من الذهب والفضة وجميع جواهر الأرض من النحاس والصفر والشبه والزجاج وغير مما استخرج من المعدن قبل أن يصاغ ويستعمل. وقيل: التبر هو الذهب المكسور، وقيل الفتات من الذهب والفضة قبل أن يصاغا، فإذا صيغا فهما ذهب وفضة. وورد التبر ما كان من الذهب غير مضروب فإذا ضرب دنانير فهو عين. وقد يطلق التبرعلى غير الذهب والفضة من المعدنيات كالنحاس والحديد والرصاص، وأكثر اختصاصه بالذهب. وورد في الحديث: الذهب بالذهب تبرها وعينها، والفضة بالفضة تبرها وعينها. وأما "الجذاذ"، فإنه حجارة فبها ذهب، أي الحجر الذي يقلع من مناجم الذهب، ثم يسحن بالمساحن لاستخلاص الذهب من المواد الاخرى. والمسحنة حجر يدق به حجارة الذهب.
والحلي، ويراد بها ما يزي به من مصوغ المعدنيات أو الحجارة ، هي من أهم أعمال الصائغ عند الجاهليين، يقوم بصنعها من الذهب أو الفضة، ويزينها ببعض الحجارة في بعض الاحيان. وقد اشتهر "بنو قينقاع" في منطقة "يثرب" بإجادتهم حرفة الصياغة واتقانهم لها. ومن هذه الحلي ما يعلق على الصدر، ومنها ما يوضع في الأيدي أو في الأصابع ومنه ما يوضع حول الساق. وما يعلق في مواضع أخرى من الجسد مثل الأذنين أو الأنف أو على الجبين، كما إن بعضه مما يحلى به الحيوان أو الأشياء النفيسة في البيت.
ومن الحلي المشهورة عند الجاهليين، القلادة. وتصنع من الذهب أو الفضة في الغالب، وقد تكون من ربط حجارة أو عظام أو خرز بعضها إلى بعض.
وتربط حول العنق، وتتدلى على الصدر. على أن القلادة في اللغة لفظة عامة تطلق على أمور كثيرة. وقد كان الجاهليون يضعون قلادة في عنق البدن، مثل عروة مزادة، أو خلق نعل،أو غير ذلك، ليعلم أنها هدي. كما كانوا يقلدون الإبل بلحاء شجر الحرم، ويعتصمون بذلك من أعدائهم.
والأسورة من أدوات الزينة كذلك. وقد استعملها أهل الجاهلية، تضعها المرأة في يديها. ويذكر علماء اللغة أن "السوار" لفظة معربة،عربت من الفارسية وأصلها في الفارسية "ستوار"، فأخذها العرب وعربوها. واشتقوا منها "سوّرت الجارية" و "جارية مسوّرة". على أن بعض المحاربين كانوا يستعملون الأسورة، ويتباهون بها في الحروب.
وأما "العصمة"، فقيم ل إنها القلادة، وقيل إنها شبه السوار، توضع حول اليد. وأما المعصم، فإنه موضع السوار من اليد أو الساعد. وأما القرط، فمن حلي الاذن يعلق بشحمة الاذن ، سواء أ كَان درّ ة أم ثومة من فضة أم معلاقاً من ذهب.
والخلخال من أدوات الزينة التي يستعملها النساء، يوضع على الساق يصاغ من الذهب أو الفضةْ. وقد يحشى بالقار، كما تحشى الأسورة أيضا في بعض الأحيان لتبدو غليظة. ويستعمل القير والقار في طلي السفن، لمنع الماء من الدخول فيها. والعرب تسمى الخضخاض قاراً، وهو قطران وأخلاط تهنأ بها الإبل. وقد ذكر انه صعد يذاب، فيستخرج منه القار. ولا يزال أهل البادية والقرى يتحلون بالخلخال. وللاجراس الصغيرة التي تعلق به رين خاص ونغمات. وهو من أدوات الزينة المستعملة بين شعوب الشرق الأوسط منذ القديم. وقد أشير اليه في التوراة.
وقد نهى الإسلام تبختر النساء بالخلخال، واثارتهن نغماتها، في ذلك من اثارة للرجال وتأثير عليهم.
والخاتم من عمل وصنع الصائغ، وهو من حلي الاصبع. ويحلى بالحجارة الكريمة في الغالب، مثل الياقوت والماس والشذر وغير ذلك. ويستعمل الخاتم للختم كذلك أي للطبع بدلاً من التوقيع، وذلك بحفر رمز أو كلمة أو عبارة أو اسم صاحب الخاتم على الخاتم، فإذا أريد كتابة كتاب أو تصديق قرار أو وثيقة ختم به على الشيء المراد ختمه، فيقوم اذ ذاك مقام التوقيع والاعتراف بصحة المذكور. ويقال لما يوضع على الطينة وما يختم على اللبنة الخاتم كذلك. ولذلك عد الخاتم عند الشعوب القديمة رمزاً للتفويض والتصديق والملك. وختم الملك، يدل على ارادة الملك ورضائه وأمره. ولذلك قيل: خاتم الملك.
وقد يصنع الخاتم من الشبه أو الصفر أو الحديد، ويعمل على صور وأشكال متعددة متنوعة. وقد كان خاتم رسول الله من حديد ملوي، عليه فضة. وفي المتاحف وعند الناس عدد كبير من الأختام،عثر عليها في مواقع متعددة من جزيرة العرب. وهي تكون عند علماء الآثار لدراسة خاصة، لما كان لها من أهمية عند الشعوب القديمة ولما في بعضها من دقة في الصنعة ومن تفنن وابداع. وبعض هذه الأختام مستورد من الخارج وبعضه متأثر بالاختام الأجنبية، مثل الأختام العراقية أو الأختام اليونانية أو الفارسية.
ويقوم الصائغ بعمل الزينة للرأس، ومنها التيجان. وقد كان ملوك الحيرة يضعون التيجان على رؤوسهم. وقد ورد في شعر لمالك بن نويرة أن تاج النعمان بن المنذر كاد من الزبرجد والياقوت والذهب.
ومن حلي النساء الفتخ والخرُص والسخاب والحلق. وقد حلي بها الأولاد كذلكْ. وكذلك المسكة من ذهب والسلسلة والأطواق والأجراس والجلاجل. ويراد بالفتخ الخواتيم الضخام. يكون في اليد والرِ جل، بفص وبغير فص. وقيل الخاتم اياً كان، أو حلقة من فضة. وأما المسكة، فسوار من ذبل أو عاج، فإذا كانت من غيرهما أضيفت الى ما هي منه. وتوضع السلسلة في العنق، وأما الأجراس فتوضع في الأرجل.
ومن الحلي: "الحُبلة"، ضرب من الحلي يصاغ على شكل ثمرة "الحبلة" يوضع في القلائد في الجاهلية.
ويقال للنقوش والزينة المزوقة والتصاوير المموهة بالذهب "الزخرف". وذكر علماء اللغة أن "الزخرف " الذهب، وهو الأصل، ثم قيل لكل زينة زخرف، وكذلك كل شيء موّه به. قد ورد في كتب الحديث والأخبار أن الكعبة كانت قد زينت بالزخرف، أي بنقوش وتصاوير، وكانت بالذهب. فلما كان يوم الفتح، لم يدخل الرسول الكعبة، حتى أمر بالزخرف فنحي، وبالصنام فكسرت، فدخل بعد ذلك الكعبة.
وقد ألف أهل مكة وغيرهم استعمال الآنية المصنوعة من الذهب والفضة" فاستعملوا الاكواب والاباريق والكؤوس والقوارير والأواني، وبعضها عليه صور مرسومة أو محفورة. وقد أشر في القرآن الكريم إلى هذه الأواني، وذكرت في كتب الفقه، وقد ورد النهي عن الشرب بأواني الذهب في الحديث ، وفي ذلك دليل على وجودها واستعمالها عند العرب قبل الإسلام.
وقد ذكر علماء اللغة أن من الأواني المستعملة من الفضة الجام ، وعرفوا الكوب بأنه كوز لا عروة له، أو هو المستدير الرأس الذي لا خرطوم له. وقد ذكر في شعر عدي بن زيد العبادي ، وفي شعر نفر آخر من الشعراء الجاهليين ممن ألفوا الحضارة. وورد "أكواب" جمع "كوب" في القرآن الكريم، دليل على استعمال أهل مكة للاكواب.
واللفظة من الألفاظ المعربة عن اليونانية. وتقابل لفظة Cup في الانكليزية. وقد أخذت من هذا الأصل اليوناني.
والكوب، هو في معنى "كوس" عند العبرانيين، أي كأس في عربيتنا. وتصنع الكؤوس من المعدن، كما تعمل من الطين. وعملت كؤوس الملوك وكبار الأغنياء من الذهب والفضة. ولبعضها يد أو علاّقة ليحمل الكأس بها. وقد ذكرت لفظة "كأس" في القرآن الكريم.
واستعمل أهل مكة الاباريق المصنوعة من الذهب والفضة كذلك. وقد ذهب علماء اللغة إلى إن لفظة "ابريق" لفظة معربة، أصلها فارسي هو: "آب رى". وقد وردت لفظة "الاباريق" في القرآن، كما وردت لفظة "ابريق" في شعر منسوب إلى عدي بن زيد العبادي.
وأخذ تجار مكة من الفارسية بعض الألفاظ الحضارية التي لها علاقة بالصياغة، بحكم اتصالهم بالعراق، مثل لفظة "زركش"، وهي من أصل فارسي معناه الراسم والناقش على الذهب.
وصاغ الصياغ خرزاً من الفضة، جعلوها على أمثال اللؤلؤ، وعرفت عندهم باسم "الجمان". وقد وردت لفظة "جمانة" في شعر منسوب للبيد. وذكر الجواليقي أن اللفظة معربة من أصل فارسي، وانها تكلمت بها العرب قديماٌ.
ويصنع الصائغ اطارات للمرائي، جمع المرآة، وهي ما تراءيت فيه،وما ترى فيه صور الأشياء. وقد يصنع الصائغ المرآة على هيأة سبيكة مصقولة من الفضة إذا نظر إليها بان وجه الإنسان.وقد ذكر العلماء نوعاَ من المرائي، دعوه "السَجنجل"، وقد وردت هذه اللفظة في معلقة امرىء القيس،وذكر العلماء أن اللفظة معربة من أصل رومي.
وقام الصائغ بعمل كل ما طلب منه، فعمل قبيعة السيف من الذهب والفضة وزين السيوف بالذهب والفضة، بل صنع بعضهم أنوفاٌ من ذهب لمن أصيبت أنوفهم. فذكر أن صائغاً صنع أنفاً من ذهب لعرفجة بن سعد،وكان قد أصيب أنفه يوم الطلاب في الجاهلية.
وزينت الدروع و الدرق بالذهب كذلك. ووجد الصائغ عملاً مهماً له في المعابد، اذ أمدها بزخارف مموهة بالذهب وضعت على أبوابها وعلى الأماكن المقدسة فيها. كما أمدها بالتماثيل المصنوعة من الابريز وبالقناديل والمصابيح المصنوعة من الذهب و الفضة.
ومن أدوات الصاغة المهمة التي يستعملونها في صناعتهم "الحماليج"، وهي المنافيخ، وتستخدم فيَ إيقاد النار وفي زيادة لهبها كي تتمكن من صهر المعدن أو جعله ليناً ليحوله الصائغ على الشكل الذى يريده.
ومن الأدوات المصنوعة من الحديد ومن النحاس والبرنز أيضاً "التور"و "الطست" و "الطاجن"، وهي أوان يوضع فيها الماء في الغالب. وذكر بعض علماء اللغة انها كلها ألفاظ معربة من الفارسية.
وقد عرف التور بأنه إناء من الأواني، وقيل انه إناء من صفر أو حجارة كالإجانة وقد يتوضأ منه.
ومن الأدوات التي يصنعها النحاسون "القمقّم". ذكر بعض علماء اللغة انه الجرة أو ما يستقى به من نحاس. واللفظة ما تزال حية معروفة في العراق، تطلق على وعاء يوضع في " ماء الورد، يسكب منه في المآتم خاصة.
وقد اشتهرت بعض مواضع اليمن بالمعادن، وتعرف الأرضين المحتوية على خاماتها ب "معْدن" عند أهل الأخبار. ويذكر بعد هذه اللفظة اسم المكان الذي يوجد فيه المعَدن ثم نوعه، فقد ورد مثلا "معدن عشم" و "معدن ضخكان"، وقد اشتهرا بالذهب. وذكر إن ذهبهما من النوع الجيد الجليل. أما "معدن القفاعة"، ففيه ذهب كذلك، لكنه دون ذهب المعدنين المذكورين، وهو خير من ذهب "معدن بني محيد".
وقد استغل الناس مناجم الذهب والفضة والحديد، وعثر عند بعضها على أدوات استخدمت في إذابة المعدن، لاستخلاصه من المواد الغربية العالقة به. وقد ذكر "فؤاد حمزة" في كلام على جبل "تهلل" بجوار السودة في عسير، وبه معدن الحديد ، أنه عثر فيها على اثار عشرات النقر لإذابة المعادن. وقد كانوا يضعون خام الحديد المستخرج من منجمه في هذه النقر ومعه، الخشب والاغصان التي توقد لايجاد النار الكافة لإذابة المعدن واستخلاصه من المواد الغريبة المختلطة في خامه. فإذا ذاب المعدن وخلص من المواد الغريبة التي كانت ممتزجة به، عولج معالجة خاصة لتنقيته ولاستخراج فحمه والمواد الأخرى التي تجعله هشاً قابلاٌ للكسر والثلم بسهولة. وقد يعالج جملة مرّ ات ا إن أريد استعماله في أمور تستدعي استعمال حديد نقي صاف في مثل السيوف الجيدة التي يجب صنعها من هذا الحديد.
واستعمل الأتون أيضاً في إذابة المعادن لتنقيتها وإذابتها ولإحالتها إلى الشكل المطلوب. وتوقد النيران في أسفل الأتون، لتذيب المعدن وتحيله إلى سائل يسيل من فتحة تقع في جانبه ليحوله المعدن إلى الشكل الذي يريده. ويخرج الدخان من فتحة تكون في نهاية مرقد النار، وتقوم هذه المدخنة في تهوية الموقد في الوقت نفسه. وطريقة إذابة المعادن وتنقيتها هذه، معروفة عند الرومان واليونان والفرس والعبرانيين. ويطلق العبرانيون على الأتون، لفظة "اًتون" كذلك.
وأشير إلى معادن أخرى في اليمن، منها: الفضة، وقد وجد في "معدن الرصاص"، موضع بين "فهم" من همدان، بين خولان العالية ومراد، ومعها الرصاص، وعليه كان اعتماد أهل اليمن. وكان في الموضع قرية تسمى "قرية الرصاص"، وأهلها من العرنيين. وقد ارتدوا، فقتلهم رسول الله. وعرف الرصاص الخالص بالآنك. وقد ذهب بعض الباحثين إلى انها من أصل إرمي هو "أنكو" Anko.
ومن المعادن: الجزع، واليفران، والعقيق، وهو في مواضع عديدة من اليمن، بعضه بعدن أبيض، وبعضه بأرض وادعة بين صعدة والحجاز، وفي نجران وبيجان.
والنحاس، هو "نحشت" في العبرانية. ويعرف ب "صبرو" S iparu في البابلية. ومن هذه اللفظة "الصفر"، المستعملة في العراق بمعنى نحاس. وذكر علماء اللغة أن النحاس ضرب من الصفر والآنية شديدة الحُمرة. وذكروا أن الصفر: النحاس الجيد، وقيل ضرب من النحاس والصفار صانع الصفر وقد عرف المشغلون بالمعادن طريقة خلط المعادن، فاستعملوها في أغراض شتى. فخلطوا بين الفضهّ والرصاص أو النحاس في صنع التي، وهي الفلوس. وكانت في الحيرة على عهد النعمان بن المنذر. وخلطوا الحديد بمعادن أخرى، ليتناسب مع طبيعة الأشياء التي يراد صنعها منه.ويكون خلط المعادن بنسب مقدرة معلومة كي تؤدي الغاية المرجوة منه. ومن هذه المعادن: الشبه. وقد ذكر علماء اللغة أنه ضرب من النحاس يلقى عليه دواء فيصفر.
وفي العربية لفظة "فولاذ"، وتعني معنى في الانكليزية، أي نوعاً خاصاً من أنواع الحديد وتقابل لفظة "فلدو" "بلدو" في السريانية و "فلداه" في العبرانية. ويظهر أن الفولاذ كان معروفاً عند الشعوب القديمة قبل الميلاد. ولم يختلف أهل اليمن القدماء عن أهل اليمن المحدثين في طرقهم البدائية في استخراج المعادن واستخلاصها من خاماتها، ولا يزال أهل اليمن يضرمون النار في الحجارة المحتوية على المعدن، فيسيل المعدن بتأثير الحرارة، فإذا سال سكب عليه الماء، فيبرد، وتتكون قطع منه، يستعان بها في صنع ما يحتاجون اليه من آلات وأدوات.
ولا يزال كثير من سكان جزيرة العرب يمارسون الصناعات على الطريقة القديمة، يعتمدون فيها على الأيدي وعلى الآلات البدائية التي ورثوها من الماضي، فيبغون الأدم على طريقتم الموروثة، ويصنعون سرج الخيل وهوادج الإبل، والأحذية، وينسجون الأنسجة من صوف الأغنام أو الماعز أو الوبر، للملابس، ولبيوتهم التي تنتقل بتنقلهم.
والعطارة من الحرف القديمة المعروفة، وقد ذكرت في التوراة. والعطار وإن كانَ اسمه قد جاء من العطر بسبب تعاطيه بيع الطيب والعطور، يبيع أيضا مختلف الأعشاب والعقاقير والأدوية. فهو صيدلي في الواقع، واليه تأتي وصفة الطبيب تعين الأعشاب والعقاقير التي يحتاجها المريض. وقد كان العطارون يبيعون في مكة ويثرب وأماكن أخرى أنواع العطور والطيوب، وفي جملتها المسك. وقد ضرب الرسول المثل "بصاحب المسك" أي العطار، إذ جعله مثال الجليس الصالح للر جل.
ويبيع العطارون عدة أشياء تستعمل في الطب وفي الطعام، مثل الزعفران والكركم وهو أصغر، وذكر أنه "الهُرد"، وهو عروق يصبغ بها. ومثل "المصطكا"، وهو علك رومي، ويدخل في الأدوية أيضاً.
وقد يحمل العطارون آلتهم معهم، يضعونها في خريطة من أدم، يطلقون عليها "القفدانة" و "القفدان". وهي لفظة فارسية معربة، وتطلق على المكحلة كذلك كما يقول بعض علماء اللغة.
حرف الإعاشة
وأعني بها الحرف التي تهيىء الأكل للانسان من تقديم أكل وشراب وما بتعلق بهما من أعمال مساعدة في تهيئة ذلك. فيدخل فيها طحن الحبوب والطبخ والخبز والأواني التي يوضع فيها الطعام وما شابه ذلك من أمور.
ولا بد للانسان من سحق الحبوب وطحنها ليكون في امكانه أكلها والاستفادة منها. لذلك فقد يدقها دقاً بين حجرين أو بآلات صلبة، ثم يلهم الحبوب المدقوقة لهماً أو يحمصها على النار أو يمزجها بمادة أخرى لتكون طيبة المذاق مستساغة في الطعم. وقد يطحنها طحناً، أي يحولها إلى دقيق بواسطة: الرحى، وهي حجران من حيث الأساس أحدهما ثابت وهو الأسفل، والآخر متحرك وهو الحجر الأعلى وهو أصغر قليلاً من الحجر الأسفل، به فتحة توضع الحبوب بها فتنزل منها إلى سطح الحجر الثاني، فتقع بواسطة حركة الحجر الأعلى بين الحجرين وتداس فتسحق، وبواسطة استمرار الحركة وثقل الحجر الأعلى تتحول الحبوب إلى طحين يخرج من بين الحجرين إلى الخارج حيث يسقط في حفرة أمامية عملت لتجميع الطحين بها، وذلك فيما إذا كان الحجر الأسفل مبنياً على قاعدة، أما إذا كان متحركاً فيسقط الطحين على أطراف الرحى على قماش أو أي شيء يوضع تحت الحجر الثاني، ثم يجمع الطحين.
وهذا النوع من الرحى هو من النوع المحسنّ الذي يمثل تقدماً في صناعة طحن الحبوب. وقد عثر على نوع هو أبسط من الرحى المتقدمة، فهو عبارة عن حجر مائل نوعاً ما، أحد طرفيه مرتفع عن الطرف الاخر، يوضع الحبّ عليه ثم يسحق بحجر اسطواني الشكل في الغالب يمسك بالأيدي من مقبض نحت منه على كل طرف من طرفيه ثم يحرك على الحبوب لسحقها، وقد يقبض بطرفي الحجر ثم يحرك نحو الأسفل فالأعلى حتى تسحق تلك الحبوب وتتحول إلى طحين.
ولا أستبعد استعمال العرب الجنوبيين للطواحين الكبيرة التي تدار بالماء، وذلك بالاضافة إلى الطواحين التي تديرها الحيوانات، وذلك لبيع الطحين في الأسواق. وقد كان الناس يستعملون الرحى في الغالب للحصول على الطحين، فلم يكد يخلو بيت منها، ولذلك كانت صناعة الرحى من الصناعات النافقة المربحة في ذلك الزمان.
والطحن من الأعمال التي تخصص بها النساء، وتقوم به الخادمات في البيوت الكبيرة. وقد توضع جملة رحى في البيت الكبير حيث تخبز كميات وافرة من العجين لإعاشة أفراد البيت.
ولمكانة الرحى عند القوم يومئذ، تخصص أناس باصلاح الحجر لتحويله إلى رحى صالحة لطحن الحبوب أو لعمل الزيوت. وليس يصلح كل حجر لأن يكون حجر رحى، ولهذا فعلى الخبيز بالرحى اختيار الحجر الصالح، ثم عليه اصلاحه ليكتسب الاستدارة وعمل ثقب فيه ونقره وغير ذلك مما يتعلق بهذا العمل.وتكون حجارة الرحى مختلفة في الحجم، باختلاف العمل الذي يوكل إليها أداوه. فبعض الرحى كبيرة ثقيلهّ ذات قطر واسع، وتستخدم في طحن بعض المواد الصلبة مثل العفص ومواد الدباغة الأخرى والمواد التي تستخدم في إنتاج الزيت والطحين. ويستخدم الحيوان لإدارة مثل هذه الرحى. وقد عثر على حجارة رحى ضخمة استخدمها العرب قبل الإسلام في تلك الأغراض.
وبائع الحنطة يقال له الحنّاط، يعيش من الإتجار بالحنطة، وقد يبيع معها الشعير والحبوب الأخرى. وقد ورد ذكر "الحناطين" في كتب الحديث.
والخبز في العادة هو من الأعمال البيتية، أي من الأعمال التي تتم في البيت، حيث تقوم الزوجة بخبزه، ويقوم الرقيق أي الخدم بخبزه في البيوت الكبيرة الغنية. وهو من اختصاص النساء.
وقد احترف بعض الناس الخبازه، وعرف واحدهم ب "الخباز"، إذ يصنع الخبز المصنوع من الحنطة أو المصنوع من الشعير أو من الذرة ومن الرز. والخبز على اْنواع، فيه الغليظ وفيه الطري وفيه الناشف، وفيه ما يضاف اليه السكر. وقد ذكر أن من الخبز الغليظ ما يقال له "جرذق" و "جردق" و "الجردقة"، واللفظة فارسية معربة وأصلها "كرده".
والخبز المصنوع من الحنطة، هو أجود أنواع الخبز وأغلاها، ولذلك يعتبر خبزها خبز الأغنياء وخبز الطبقة المتمكنة. اًما خبز الأعراب والفقراء وأهل القرى فهو الخبز المصنوع من الشعير أو من الذرة. ويقتات فلاحو بلاد الشام واليمن بخبز الذرة، لوجوده بكثرة عندهم، ولرخص ثمن الذرة بالنسبة إلى القمح. كما يقتات بعضهم بالخبز المصنوع من "الدخن"، وهو من الحبوب القديمة وقد أشير اليه في التوراة.
ومن أنواع الخبز "المرقق"، أي الرقاق، وقد ورد ذكره في كتب الحديث، ويقال له "المرقوق" في بلاد الشام، ويعرف ب "رقيقيم" أي "الرقيق" عند العبرانيين. ولا زال معروفاً مستعملاً. ويكون ناشفاً رقيقاً يمكن حفظه وخزنه مدة طويلة. ولذلك يدخر للشتاء وللاسفار. ويرقق خبز الرقاق بآلة تسمى: المرقاق.
والخبز الجيد هو الخبز المصنوع من الطحين المنقى الصافي من قشرة الحبوب، وذلك بنخل الطحين في منخل فيسقط لبّ الطحين ويعزل عن القشرة التي تبقى في المنخل، حيث يستعمل لأغراض أخرى كعلف للحيوان، أو لتنظيف الأواني وما شابه ذلك من أعمال.
و "الكعك"، هو نوع من الخبز اليابس. ويحمل في الأسفار أيضاً، حيث يبقى مدة طويلة محافظاً على طعمه ونكهته. وقد ذكره بعض اللغويين في المعربات. والسميذ، نوع من أنواع الخبز اليابس كذلك.
وقد يحلى الخبز، بوضع مادة حلوة فيه، وقد يعجن بالدهن أو الزيت، وقد توضع فيه بعض المواد لاعطائه نكهة خاصة، أو يوضع عليه السمسم أو غيره، كما نفعل اليوم.
ويخبز الخبز عند الحضر وأهل الريف في "التنور". و"التنور" من الألفاظ الواردة في عدد من اللغات السامية، فهو "تنورو" Tanuru في الآشورية. و "تنور" في العبرانية. والتنور العربي هو نفس البابلي القديم نفسه.
وقد عير "حسان بن ثابت" رهط "النجاشي" الشاعر بأنهم لم يكونوا أهل حرب ولا طعان ولا فرسان، وانما هم قوم لا يعرفون غير الأكل والجلوس حول التنانير، يأكلون ما يخبز فيها.
وعاش بعض الناس على بيع الحليب واللبن والزبدة والجبن. أما "اللبن"، فإنه الحليب المثخن، أي الحليب الغليظ. غلظ بتسخينه وبإضافة خميرة اليه. وأما الربدة،فتستخرج من خض الحليب وتحريكه، فتتجمع مادة دهنه وتكون الزبدة. وأما الجبن، فإنه من أكل أهل القرى والمدن في الغالب. أما الأعراب، فلم يستعملوه بكثرة، ولا زالوا على هذه العادة. وقد يستعمل بعضهم اللبن المجفف، فبعد تحويلهم الحليب إلى لبن، يجففون اللبن، ويستعملونه عند الحاجة. وقد ذكر الجبن في التوراة ب "جبينه" من أصل "جبن" احد الألفاظ السامية القديمة.
ويعيش أناس من الجزِارة، فكانوا يبيعون اللحم ويتكسبون بهذه الحرفة، كما كانوا يقومون بالجزارة للناس في مقابل أجر يتقاضونه، قد يكون نصيباً يدفع اليهم من الذبيحة، وقد يكون شيئاً آخر يحصل التراضي عليه. ولكن العادة أن يقوم الذبّاحون بذبح الذبائح لأهل البيوت مقابل دفع شيء اليهم من الذبيحة أو بعض الأشياء التي يحتاجون إليها، وقد يقوم بالذبح أصحاب البيوت أو الخدم أو الطباخون وذلك في العوائل الكبيرة، ولهذا فحرفة الجزارة لم تكن من الحرف الشائعة، لا سيما وأن سواد الناس لم يكن في امكانهم تناول اللحوم في كل يوم، لغلائه بالنسبة لهم، بل كانوا يعيشون على الخبز وبعض الادام الرخيص، ولهذا صار الخبز المادة الأساسية في معيشة الإنسان، ومن هنا قيل له "العيش"، وقيل للطعام: "العيش". كما كان اللبن أساساً لمعيشتهم، وقد يتأدمون بالتمر مع الخبز.
وأحسن اللحوم عند العرب لحوم الإبل ، لا يفضلون شيئاً عليها ، ومنهم من كان يستطيب أكل الضب. وهم في أكل لحم الجمل على عكس يهود، الذين يحرمون أكل لحوم الجمل. أما لحوم الغنم والماعز، فإنها تكون عند أهل القرى والمدن، حيث يبيعها الجزارون. وقد يأكلون لحوم الخيل. وفي الأدب العربي قصص عن ذبح فرس لضيف قادم، حين لا يكون لدى المضيف من حيوان سوى الفرس. وقد يأكلون الحمر الوحشية، والحيوانات الأخرى حيث يصطادونها. أما الدجاج، فإنه من مآكل أهل القرى والمدن حيث تربى عندهم ويبيعونها في السوق.
وكان مأكولهم في غالب الأزمان لحوم الصيد والسويق والألبان، وكان الغالب من أهل باديتهم لا يعاف شيئاً من المأكل لقلتها عندهم. وكان الاصطياد ديدناً لهم، وسيرة فاشية حتى كان ذلك أحد المكاسب التي عليها معاشهم،لاضطرارهم إلى النقلة في الغالب وتشاغلهم بالحروب وغزو بعضهم بعضأ،ولضيق ذات يدهم، فكانوا يتغلبون على كل ذلك بالاصطياد وبمطاردة الحيوانات بكل طريقة ممكنة لأكل لحومها.
والطباخة من الحرف التي كانت معروفة غد الجاهليين. وقد ورد في كتب اللغة والأَخبار وكتب الحديث أسماء بعض الأطعمة التي كان يستعملها أهل الجاهلية وبينها أسماء أطعمة معربة، اقتبسها العرب من الفارسية والارمنية واليونانية. ومن هذه الاطعمة المعربة، "الخرديق" "الخردق"، وهو طعام شبيه بالحساء أو "الخزيرة". وقيل المرفة بالشحم. ذكر العلماء أنها من أصل فارسي، هو "خورديك" و "الحشنكان".
وتقوم المرأة صاحبة البيت بالطبخ، أما إذا كانت الأسرة غنية موسرة، فتستخدم طباخات للطبخ. وقد يقوم "طباخ" بذلك. وفي الولائم الكبيرة حيث يدعى عدد كبير من الناس، يصعب على الطباخات الطبخ بالقدور الكبيرة، ولهذا يقوم الرجال بذلك.
وقد استخدم أصحاب المال والثراء طباخين أعاجم لطبخ الأطعمة لهم، وذلك لاتقانهم عمل الطبخ ولتفننهم فيه،ولمعرفتهم بأنواع المآكل الأعجمية التي لا يعرفها العرب. وقد ذكر أن "عبد الله بن جدعان" جاء بطباخ فارسي، من العراق ليطخ له مأكولات لا يعرفها أهل مكة وقد أعجبته ، ومنها الفالوذج، وهو من مأكولات الفرس.
وتستعمل القدور في طبخ الأكل. والعادة أن تكون هذه القدور من معدن. مثل نحاس أو حديد. ولكنها قد تصنع من الحجارة المنحوتة أو طين مشوي بالنار، أي قدور من فخار. وتستخدم المقلاة للقلي، فيقلى فيها أو في القدر ما يراد قليه من لحم أو غير ذلك. وقد يسلق اللحم، او الخضر سلقاً، ويعبر عن ذلك في العبرانية بلفظة "سلق" كذلك. أما "المرق"، فيقال له "مرق" في العبرانية كذلك. وقد يهيأ الطعام بطريقة الشوي على النار، بان يشوى اللحم أو السمك على النار، ويعبر عن ذلك بالشواء. يعلق اللحم أو السمك بعود أو أعواد أو بعود من حديد، ثم يقرب من اللهيب أو الجمر حتى ينضج اللحم أو السمك فيرفع للاكل.
وقيل للقدر "البرمة" بلغة أهل مكة والجمع "برِام". وقد وردت لفظة "قدر" في القرآن الكريم: "وجفان كالجوابي وقدور راسيات " والمفرد: قدر. و "القدير" ما يطبخ في القدر. وقيل ما طبخ من اللحم بتوابل، فإن لم يكن ذا توابل فهو طبيخ. والقدار: الطباّخ، وقيل الجزّ ار، هو الذي يلي جزر الجزور وطبخها. قال مهُلهل: إناّ لنضرب بالصوارم هامها ضرب القدار نقيعة القدّام
وعرفت البرمة بقولهم: البرمة: قدر من حجارة والجمع برم وبرام. وهي في الأصل المتخذة من الحجر المعروف بالحجاز واليمن ، ويطلق على الحجارة التي تنصب عليها القدر أثافي، واحدتها أثفية ، وعلى المسافة بين أثافي القسر التي يجتمع فيها الجحر "الر بعة".
وطعام ابن البادية طعام محدود، لضيق أرضه وسذاجة حياته. أما الحضر، ولا سيما أصحاب الحضارة ومن كان منهم على اتصال بالروم والفرس، فكانت أطعمتهم متعددة متنوعة، فيها تفنن ومهارة في الطبخ. وقد يبقى الأعرابي مدة لا يذوق فيها طعاماً مطبوخاً باللحم، لأن اللحم نادر في البادية، إلا إذا جاء ضيف فنحر له، أو وقع له صيد. ولهذا أكل بعضهم الضباء والأرانب والحيوانات الأخرى التي تقع أيديهم عليها، لحاجتهم إلى اللحوم، وأكَلوا الجراد. والأغلب في لحوم الصيد، لسهولة ذلك.
أما الحضر وسادات القبائل وذوو اليسار، فكانوا يطبخون وقد وردت اسماء بعض أطعمتهم في الشعر وفي الحديث النبوي، ومنها الثريد وهو لحم مقطع يغلى في الماء، وقد يوضع البصل معه أو مادة أخرى، وبعد نضجه يثرد خبز ويلقى اللحم والمرق عليه، فيسمى الأكل ثريداً. وقد كان من الأكل الطيب المحبوب. وقد ذكر في كتب الحديث. ويقدم في الولائم وللضيوف. والخبز ممدوح عند العرب، ولذلك مدح هاشم حين هشم الخبز. والثريد عام في الأشراف، يقدمونه للناس، ويرون أكل الخبز، سبباً في صفاء العقل. ولهذا ذكروا أن كسرى مدحه، حينما سمع حديث هوذة بن علي الحنفي معه، فلما رأى رجاحة عقل هوذة وحسن ذكائه، قال له: "ما غذاؤك ببلدك ? قال:
الخبر. فقال كسرى: هذا عقل، الخبز، لا عقل اللبن والتمر. ويقال: إن عبد الله بن حبيب العنبري، كان يعاف التمر، ولا يرغب في اللبن، ولا يأكل إلا الخبز، فقيل في المثل " أقرى من آكل الخبز " وكان من الأجواد. وفي كتاب الأغاني: أن كسرى قال كلامه المذكور المتقدم إلى غيلان بن سلمة، وهو من ثقيف، وكان قد جاء مع أبي سفيان في تجارة إلى العراق. وقد خاف أبو سفيان من الفرس ومن احتمال مصادرتهم أموال تجارتهم، فتقدم غيلان، ودخل مع الداخلين إلى بلاط كسرى، وتحدث معه، فأعجب كسرى به، وأخذ يسائله، حتى سر منه، فاشترى منه تجارته، وقال له ذلك القول المذكور، وكساه، وبعث له معه من الفرس من بنى له أُطماً بالطائف، فكان أول أطم بني بها".
وفي المآدب الكبيرة يكون "الثريد"، هو الطعام الرئيسي. ويهيأ بسلق قطع اللحم الملقاة في الماء، وقد يضاف اليه البصل والحمص، فإذا سلق اللحم ونضج، وتولد منه مرق، ألقي مع مرقه على الخبز المثرود في قصع وصحاف، ليأكله المدعوون. والثريد من الأطعمة المحببة إلى نفوس أهل مكة والحجاز. وقد قدم "ابرهة" الثريد إلى الجنود والفعلة الذين أتموا سدّ مأرب، وذلك يوم الاحتفال بانتهاء العمل. وقد يقابل ذلك ما يقال له "سلوق" و "سليقوت" عند العبرانيين. وقد أشير إلى الثريد في قصة ذهاب "هاشم بن عبد مناف" إلى بلاد الشام، والتقائه بهرقل، وتثريده لمن معه ولأهل مكة.
ولازدراء العرب من يزرعون البقول والخضر، أحجم الناس عن زراعتها، فقل وجودها في مطابخ أهل الحضر. أما أهل البادبة، فإن مآكلهم تكاد تكون خلواً من الخضر المطبوخة، لندرة الخضر في البادية، ولأنها تحتاج إلى لحم، وهو نادر في البادية أيضاً. ثم إن الطبخ المعقد، لا يناسب الحياة في الصحراء، لهذا كان المطبخ الجاهلي،مطبخاً يكاد يكون مستغنياً عن الخضرة المطبوخة باللحوم. لا يستثنى من ذلك إلا الساسة المتصلون بالروم وبالفرس وأهل اليمن، والأغنياء من أهل المدن والقرى، فقد كان في امكانهم الحصول عليها،ومن هنا استعملوها في الطبخ، يطبخونها مع اللحم.
لذا صار عماد الأكل الجاهلي والتمر واللبن والسمن والدقيق المصنوع من البر أو الشعير والشحوم والعسل، وذلك عند أهل الحضر في الغالب، والجراد والأقط. واذا دققنا في قائمة المأكولات الجاهلية، رأينا موادها لا تتعدى هذه الأشياء، وهي تختلف باختلاف خلط هذه المواد وباختلاف مزجها وطبخها. ولكنها كلها لا تخرج عن حدود الأشياء المذكورة.
ونجد في قائمة مأكولات أهل الجاهلية أكَلات تقوم على استعمال الدقيق في الطبخ. من ذلك الحساء: وهو طبيخ يتخذ من دقيق وماء ودهن. وقد يحلىّ ويكون رقيقاً يحسى.
وقد يستعمل الدقيق مع الحليب، بأن يطبخ، ومن ذلك الحريرة: الحسا من الدسم والدقيق، وقيل هو الدقيق الذي يطبخ بلبن ؛ وقيل الحريرة من الدقيق والخزيرة من النخال. وقد عرفت قريش باكثارها من أكل أكلة عرفت ب "سخينة"، ولاكثار قريش من أكلها عيرّت نجا حتى قيل لها "سخينة". والسخينة أكلة ارتفعت عن الحساء وثقلت عن أنُ تحسى، وهي طعام يتخذ من الدقيق دون العصيدة في الرقة وفوق الحساء، وذكر انها دقيقُ يلقى على ماء أو لبن فيطبخ ثم يؤكل بتمر أو يحسى، وقيل تعمل من دقيق وسمن. وذكر أن الناس يأكلون السخينة في شدة الدهر وغلاء السعر وعجف المال.
ويذكر أهل الأخبار أن أول من لقب قريشاً ب "سخينة" "خداش بن زهير"، حيث يقول: يا شدة ما شدنا غـير كـاذبة على سخينة لولا الليل والحرمُ
فذهب ذلك على أفواه الناس حتى كان من التمازح به ما كان بن معاوية بن أبي سفيان وبين الأحنف بن قيس التميمي، حين قال له: ما الشيء الملفف فىِ البجاد ? فقال له: السخينة يا أمير المؤمنين، أراد معاوية قول الشاعر: إذا ما موت ميت من تمـيم فسرك أن يعيش فجيء بزاد
بخبز، أو بلحم، أو بـتـمـر أو الشيء الملفف في البجاد
يريد وطب اللبن ، وأراد الأحنف قول خداش بن زهير، يا شدة ما شددنا.. البيت. وحتى قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم، لكعب بن مالك الأنصاري: أترى الله نسي قولك ? يعني: زعمت سخينة إن سَتغَلب ربها وليغلبنّ مغالب الـغـلاب "
وورد في بعض ت الروايات أن البيت المتقدم هو من شعر حسان بن ثابت.
ومن المآكل التي يأكلها أصحاب العيال إذا غلب عليهم الدهر: النفيتة، وهي الحريقة، أن يذر الدقبق على ماء أو لبن حليب حتى تنفت، ويتحسى من نفتها، وهي أغلظ من السخينة وقد قيل عنها: حساء بين الغليظة والرقيقة. والحريقة اسم مرادف للنفيته.
ومن المآكل الحدرقة. وهي دقيق يلقى على ماء أو على لبن فيطبخ ثم يؤكل، بتمر أو يحسى وهو الحساء ، فهي مثل السخينة ، والنفيتة والخزيرة والحريرةء وقيل الحريرة أرق منها. و "النجيرة" العصيدة: وهي لبن وطحين يخلطان. ومنها " الصحيرة"، وهي اللبن يغلى ثم يذر عليه الدقيق. ومنها "العكيسة"، وهي لبن يصب عليه الإهالة وهي الشحم المذاب. ومنها "الغريقة"، وهي حلبة تضم إلى اللبن والتمر وتقدم إلى المريض، والنفساء، ومنها "الرغيدة" وهي اللبن الحليب يغلى ثم يذر عليه الدقيق حتى يختلط فيلعق.
ومني مآكلهم: "الاصية"، وهي دقيق يعجن بلبن وتمر،: منها "الرهية"، وهي بر يطحن بين حجرين ويصب عليه لبن. ومنها "الوليقة" وهو طعام يتخذ من دقيق وسمن ولبن، ومنها "الخزيفة"، وهي شحمة تذاب ويصب عليها ماء يطرح عليه دقيق فيلبك به،ومنها "الرغيغة"، وهي طعام من دقيق وماء وليست في رقة السخينة، و "الربيكة"، وهي طعام يخذ من بر وتمر وسمن. ومنها "التلبينة"، وهي حُثالة تتخذ من دقيق أو نخالة ويجعل فيها عسل. ومنها "الوثيقة"، وهي أن يغلى اللحم ثم يرفع. و "العثيمة"، طعام. يطبخ ويجعل فيه جراد وههو "الغشيمة" أيضاً. و "البغيث" و "الغليث" الطعام المخلوط بالشعير.
و "العريقة"،وهي شيء يعمل من اللبن. و "البكيلة" السمن يخلط بالأقِط، وقيل الدقيق يخلط بالسويق ثم يبل بماء أو بسمن أو بزيت.
ومن مآكلهم "الخزيرة"، وهي أن ينصب القدر بلحم يقطع صغاراً على ماء كثير، فإذا نضج، ذر عليه الدقيق. فإن لم يكن لحم، فهو عصيدة. وينسب صنعها إلى سويد بن هرمي. ولذلك قال شاعرهم لبني مخزوم: وعلُمتمُ أكل الحـزير وأنـتـم على عدواء الدهر صم صلاب
وعرفت الخزيرة: انها اللحم الغابُ يؤخذ فيقطع صغاراً في القدر ثم يطبخ بالماء الكثير والملح، فإذا أميت طبخا ذر عليه الدقيقّ فعصد به ثم أدم بأي ادام شيء، ولا تكون الخزيرة إلا وفيها لحم، فإذا لم يكن فيها لحم فهي عصيدة. وقيل الخزيرة مرقة،وهي أن تصفى بلالة النخالة ثم تطبخ، وقيل الخزيرة والخزير الحسا من الدسم والدقيق، وقيل الحسا من الدسم.
وضع أهل مكة طعاماً، عد عندهم من رقيق العيش،هو لباب البرّ بصغار المعزىْ، وهناك أكلات أخرى بسيطة، مثل أكل تمر مع لبن أو الزبد مع الرطب، أو خلط لن بلبن آخر ذكر أسماءها علماء اللغة ، لا أرى حاجة إلى ذكرها، لعدم وجود أهمية لها وعلاقة كبيرة بهذا الموضوع.
وقد استورد الحضر بعض مآكلهم من الخارج، لاستساغتهم واستحسانهم،فقد قيل إن عبد الله بن جدعان سيد قريش كان قد زار العراق، ودخل قصر كسرى وأكل عنده. وكان في جملة ما أكل "الفالوذج"، فتعجب منه، وسأل عنه، فوصف له. ويقال انه ابتاع غلاماً يصنعه، وأخذه معه إلى مكة، وصار يأكله وأمر بوضع موائده بالأبطح إلى باًب البيت، ليأكله الناس، وكان ممن أكله أمية ين أبي الصلت، فقال فيه شعراً ومدح صاحبه لجوده وكرمه: إلى ردح من الشيِزى عليها لبُاب البُرّ يُلبك بالشِـهـاد
والردح: الجفنة العظيمة، والشيزى: خشب أسود تتخذ منه القصاع، واللباب: الخالص، والشهاد: العسل. وقد نسب "البرقوقي" ذلك البيت إلى "ابن الزبعرى"،عبد الله وهو من الشعراء الذين عرفوا بهجائهم للرسول وبدفاعهم عن المشركين.
وكان عبد الله بن جُدعان من أغنى أغنياء قريش، جمع مالا. عظيما، ولكنه كان على خلاف عادة التجار الأغنياء كريماً جواداً متأنقاً ينفق على طعامه وشرابه. كسا بيته بأحسن ما كان في ذلك العهد، كانت أواني شربه من ذهب، وفيه ورد في المثل: أقرى من حاسي الذهب.
ويقال إن ابن جدعان هذا كان في ابتداء أمره صعلوكاً تربَ اليدين، شريراً فاقطاً، لا يزال يجني الجنايات، فيعقل عنه أبوه وقومه، حتى أبغضته عشيرته، ونفاه أبوه، وحلف لا يؤويه أبداً، فخرج في شعاب مكة تائهاً حائراً، فرأى شقاً في جبل، فدخل فيه ليستريح، وإذا به يعثر على مقبرة فيها جثث عليها ثياب قد بليت، صارت كالهباء حين لمسها، ووجد كنزاً حمله معه إلى والده ليسترضيه، فرضي عنه، ومن هناك جاء غناه. ويقال إنه كان نخاساً. وروي انه مذ هذا الحادث صار يطعم الناس ويفعل المعروف، وصنع له جفنة كيرة جداً ياكل منها القائم والراكب لعظمها، ووضع له جفاناً في ردحة بيته ليأكل منها من يقصده. وورد إن الرسول ربما كان يحضر طعامه، وقد رأى جفنته، واستظل بها اضخامتها.
ولمكانته هذه ولمنزلته في قومه وبين الناس، آمنت به العرب، ووثقت به، فكانت تدفع اسلحتها اليه، حتى تفرغ من التسوق من سوق عكاظ ومن الحج، فإذا أرادت الرجوع، دفع إليها أسلحتها.
وقد عرف السكر عند الجاهليين، ويقال له: المبرت بلغة حمير. ولايستبعد صنعه في جزيرة العرب أو استيراده من الهند او من اماكن أخرى. وقد ذكر "ديوسقوريدس" Dioscurides أن في الهند وفي اليمن مادةً تشبه الملح في المنظر، تستخرج من سائل،كالعسل ، وفي هذا الوصف ما ينطبق على السكر.
حرف أخرى
ومن الحرف الحلاقة 9 والحجامة. ويجمع الحلاّق في الغالب بين حلاقة الشعر والحجامة. ويستعملَ الحلاق الموسى والمقص في الحلاقة، ويتخذ المرآة لإراءة المحلوق شعره وكيفية قصه، وكذلك يتخذ أدوات زينة وطيب لتطييب الشخص، إذ الحلاقة نوع من أنواع الزينة كذلك. وكانت حلاقة الرأس مختلفة، لا تجري على طريقة واحدة. فلقبائل عادات مختلفة في طريقة حلاقة الشعر وقصه، كما أن الأعراب يختلفون عن أهل المدن في تنظيم شعر رؤوسهم وحلاقته. وهم يدهنون. شعورهم ويتركونها تتدلى في الغالب، وقد يجعلونها ضفائر وجدائل تتدلى على الاكتاف.
واعتماد الحجام على الموسى يشرط به جروحاً خفيفة يمص منها الدم بكأس من الزجاج توضع فوق الشرط، ثم يسحب الحجام الهواء من الفتحة الضيقة المتصلة بقناة داخل الكأس،، فيخرج الدم إلى داخل الكأس. وقد كانت الحجامة من وسائل التداوي في ذلك الزمن. كذلك عد "الفصد"، وهو اخراج الدم من عرق في اليد، نوعاً من أنواع المداوة. ويقال للقائم به "الفصاد". وقد يقوم بذلك الأطباء. واستعمل نوع من الديدان في امتصاص الدم " كذلك. وذلك كنوع من أنواع المعالجات الطبية. ولا تزال هذه الطريقة معروفة عند الأعراب وأهل القرى والمدن. وقد حجم الرسولَ رجلٌ اسمه "أبو طيبة"، وأعطاه أجره عليه ويستعمل الفصاد المبضع في الفصد.
وعاش بعض الناس على بيع الحطب، فكانوا يجمعونه من البادية ومن الجبال ويأتون به إلى المدن والقرى مثل مكة ويثرب فيبيعونه. يقوم بذلك "الحطّابة". وقد نعتت امرأة أبي لهب في القرآن الكريم ب "حمالة الحطب"، وذلك على سبيل الازدراء والتحقير. ويشد الحطب ويربط في بحبل، ويوضع على ظهر الدابة، وقد يحمله الأشخاص لبيعه. والأغلب أن تبيع النساء العاقول والحطب.
والرتم من الحطب الذي يعطي ناراً شديدة ذات لهب، يبيعه الحطابون لأهل المدن، ويقال له "روتيم" في العبرانية. ويتخذ منه فحم، وذلك باطفاء ناره قبل احتراقه. فيتولد من ذلك الفحم.
ومن أنواع الحطب الأطد، وهو: "اطد" في العرانية أيضاً. والعوسج، والحدق. ويقال ل "حدق" في العبرانية كذلك، والسمر، وهو "شمير" عند العبرانيينْ.
وقد كان أكثر من يتعاطى الطبخ والخبازة والجزارة من العبيد. وقد تخصص بعضهم بعمل واحد من الحرفة الواحدة ? مثل بيع نوع واحد من الطبيخ فذكر إن رسول الله دعا اليه مرة عبداً، كان يبيع الخرديق. "القد ار" هو "الجزار".
والموقد، هو الموضع الذي توقد فيه النار، وبعرف ب "ميقده" عند العبرانيين. وقد كان عرب بلاد الشام والعراق يتخذون المواقد للاصطلاء بها في أيام الشتاء، كما يستعمله الطباخ موضعاً للطبخ يضع القدور عَليه ويشعل فيه النار.
وقد عاش اناس على كراء الحمير والإبل للمحتاجين إلى ذلك، ويقال لذلك البرطة. ولمكترها للناس المبرطس.
وقد احترف بعض الأناس حرفة صنع الحصر والسلال والقلل والسرر. صنعوها من الخوص ومن سعف النخيل، لوجودها بكثرة. وصنعها بعضهم من القصب وذلك في الأماكن التي تكثر فيها المياه والرطوبة. ولا تزال هذه الحرف قائمة معروفة.وتصنع بعضها بنسج إلخوص أو الألياف كما هو الحال بالنسبة إلى "الحصر"، جمع حصير المنسوج الذي يبسط في البيوت. وذكر أن الحصير: سقيفة تصنع من بردي وأسل ثم تفرش.
ويستخدم "السفط" فْي حفظ الأوراق: الاشياء الثمينة. ويصنع من القصب والخيزران ومن الخوص أيضاً، حيث يصف صفا.
و "القفة"، نوع مهم من السلال أيضاً. وتكون مختلفة الحجوم. و تستخدم في أغراض متعددة، ومنها نقل الطين، وتعرف عند أهل العراق ب "قفة الطين"، أو لنقل الأحجار. وتصنع من المعدن أو من الأغصان. وأشير إليها ب "Kophinoi " و "Kophinos" "Cophinus "في الأناجيل، من اليونانية حيث تسمى ب "Kophinoi" ،"Kophinos "واللاتينية،حيث تسمى ب ""Cophinus. ولعل بين لفظة "قفة" والتسمية اليونانية اللاتينية صلة.ومن لفظة،"Kophinos"،أخذت لفظةCoffen""، أي تابوت. ويلاحظ أن بين هذه اللفظة ولفظة "كفن" العربية، صلة كبيرة كذلك.
وذكر علماء اللغة إن القفة: الزّبيل، ويسمونها القفعة ويجعلون لها معاليق يعلقونها بها من آخرة الرحل، يلقي الراكب فيها زاده وتمره، وهي مدورة. وعرفت انها شبه زبيل صغير من خوص يجتنى فيه الرطب وتضع فيها النساء الغزل. وعرف الزبيل والزنبيل: الجراب، وقيل الوعاء يحمل فيه، والقفة.
وأما السلة المصنوعة من الخوص، فيقال لها "العلاقة" في العراق في الوقت الحاضر. وتكون صغيرة ومتوسطة. أما الكبيرة، فيقال لها "الكوشر" و "الزنبيل"، ويستعملهما الحمالون في حمل الأشياء للناس.
وتستعمل السلال المصنوعة من الأعواد ومن أغصان الشجر الطرية في حفظ الأطعمة والمطبوخات، لدخول الهواء إليها، ولمنع الطيور والكلاب والقطط من الوصول إليها. وتكون مثل هذه السلال مرتفعة ذات قاعدة أصغر من الوجه العريض الذي يوضع على العرض.
وقد وردت في التوراة والانجيل وفي الكتب اليونانية واللاتينية وفي الاثار المصرية أسماء سلال صنعت في ذلك العهد.تفيدنا في تكوين فكرة عن السلال عند الجاهليين. وقد صنعت بعض تلك السلال من القصب ومن التبن ومن الخوص ومن الأعواد، وهي مختلفة في الأحجام والسعة. ففي التوراة لفظة هي: "س ل" "سل"، وهي "السلة" عندنا. والجمع "سلال". وتصنع في بلاد العرب من الخوص أو من الأغصان الطرية.وتستعمل في نقل الخبز واللحوم والخضر والأشياء الأخرى.
وهي مثل الكيس أحياناَ، يمكن ضمها بعضها إلى بعض وتكون لها يد تحمل بها. وهي في مقابل "الطبق" عند العراقيين. غير إن الطبق ثابت يصنع من اغصان بعض الأشجار مثل الرمان،حيث تكون لينة لا تنكسر. ويكون بأحجام متعددة، منه ما هو صغير الحجم، ومنه ما هو وسط ومنه ما هو كبير يستعمل لنقل الخضر والفواكه من البساتين والحقول إلى مواضع البيع. ومنه ما يستعمله القصابون المتجولون لبيع اللحم.
والسرير: المضطجع والذي يجلس عليه. وكانت أكثر الأسرة مصنوعة من الجريد، وذلك لتوفر الجريد في كل أنحاء جزيرة العرب، وقلة الخشب فيها. ولبست العباءة كذلك. تلبس فوق الملابس. وقد ذكر أن رسول الله كان يلبس العباء.
والبيطرة من الحرف المعروفة عند الجاهليين. وقد كانوا يستعملون الأدوية والكيّ في مداواة الحيوان كما يستعملون بعض الآلات في معالجتها، مثل "المبزغ" وهو مثل مشرط الحجام.
حرف الجلد
والدباغة حرفة مهمة اشتهرت بها أماكن متعددة من جزيرة العرب، ولا سيما بعض القرى والمدن مثل الطائف وجرش مواضع متعددة في اليمن وفي العربية الجنوبية. وهي صناعة تقوم على أساس اصلاح الجلد وإبعاد الصوف والشعر عنه، للاستفادة منه في أغراض نافعة. وقد استخدم الدباغون موادَّ مساعدة تعين على نتف الصوف والشعر من الجلد بسهولة، وبدون أذى له أو للجلد، مثل مادة الجير أو مواد أخرى، كما استخدموا مواد تساعد على حفظ الجلد ومنعه من التلف لدبغه، مثل العفص وغيره من مواد نباتية دابغة. وقد أنف كثير من الناس من هذه الصناعة وتجنبوها، لما ينشأ عنها من روائح كريهة ولاستعمال الدباغين بها مواد تعدّ نجسة في نظر بعض الأديان. كلما منعوا إقامة المدابغ في الأماكن المأهولة المعمورة، وحرصوا على عزلها وحصرها في الاماكن البعيدة عن أحياء السكنى ولا سيما سكنى الطبقات المتنفذة الغنية.
ويقوم الدباغون ببيع ما يدبغونه من التجار. وقد يحمل إلى أسواق بعيدة لاستخدام، في أغراض عديدة، كتحويله إلى قرب يخزن فيها الماء أو يحمل أو أوعية تحفظ فبها الخمور والسمن والسويق والطيب أو أحذية و سيور وغير ذلك من الحاجات. وقد يحوّ له الدباغون أنفسهم إلى هذه الاشياء المذكورة. كما تخصص أناس بحرف تحويل الجلود إلى مواد نافعة يستعملها الإنسان في حياته اليومية، كالمواد المتقدمة والدلاء وأمثال ذلك من أدوات.
والقرب في ذلك الوقت مهمة برداً في حياة الإنسان.فقد كانت مخازن متحركة يخزن فيها أشياء كثيرة ضرورية. فكانت أوعية لحمل الماء في الحضر وفي السفر كما كانت الأوعية الرئيسية لحفظ الخمور والانبذة والزيوت والدهون والشحوم والدبس والمواد الغذائية الأخرى.يحتاج إليها ألاعرابي في حله وفي ترحاله والحضري في مستقره وفي سفره.كان المصريون واليونان والعبرانيون يحفظون الخمور والانبذة في أوعية القرب.وقد أشار الى ذلك بعض الكتبة القدماء. ويعالج اهاب القرب معالجه خاصة ليعطي الشراب نكهة طيبة، ولئلا يتأثر الشراب من رائحة الجلد.
وذكر علماء اللغة أن "القربة" الوطب من اللبن، وقيل هي المخروزة من جانب واحد.
وأما "الجرِاب" فوعاء من اهاب الشاء لا يروعى فيها إلا يابس.فهو وعاء من الجلد إذن خصص لحفظ الاشياء الجافة كالدقيق وما أشبه لحفظه. كما يقال لوعاء الزاد ، المزود.
وتدخل المصارين، وهي أمعاء الحيوانات المذبوحة، في جملة الاعمال التي يقوم بها الدباغون، اذ يتعهدونها بالرعاية والعناية والاصلاح، فينظفونها مما بها من أوساخ وبصلحونها ويعالجونها، ثم يبيعونها من التجار أو يحوّلونها إلى مواد نافعة مفيدة، مثل اتخاذها أوتاراً لآلات موسيقية أو للاقواس لرمي السهام، أي لأغراض حربية. وكلما كانت العناية شديدة بمعالجة هذه الأمعاء، كانت الأوتار ذات قابلية كبيرة على الشد والتوتر، وبذلك يكون مجال رمي السهام بالأقواس كبيراً، وفائدة القوس في القتال عظيمة. وقد كان القواسون أي الرماة بالقوس، قوة ذات أهمية في مصير حرب ما في ذلك العهد.
وتدخل الجلود في أغراض حربية كذلك. فقد استخدمت لحماية الجسم من ضربات إلسيوف ومن تساقط السهام عليه، كما استخدمت في صنع الدروع والخوذ الواقية للرأس، وفي حماية الدبابات والمنجنيقات بتغليفها بجلود ثخينة مقاومة، وتعالج بمواد خاصة أمام تساقط النار أو الماء الحار أو الزيوت ألساخنة عليها، وقد تعمل ستائر منها يحتمي الجنود المشغلون لها تحتها من المواد المقذوفة عليهم. وهناك استعمالات أخرى للجلود أدت للجيوش خدمات كبرى في الحروب، فالقرب، مادة ضرورية في الحرب، لأنها أوعية ومخازن للماء، والماء مادة ضرورية للانتصار في الحروب. و الراوية وهي المزادة من ثلاثة جلود، هي مادة ضرورية في الحرب وفي غير الحرب لما تحمله من ماء، وصنعت الدرق من الجلود، وهي الحجفة تتخذ من جلود ليس فيها خشب ولها عقب. ويراد بالجحفة التروس من جلود خاصة، وقيل من جلود الابل مقورة بلا خشب ولا عقب. وقد كانت معروفة عند الاحباش خاصة. ويراد بالتروس كل الاسلحة التي يتوقى المحارب بها. والتراسة صنعة التروس، واما الصانع، فهو التراس.
وتفرغ اناس لاحتراف انواع خاصة من اعمال الجلود، فصرف بعضهم نفسه الى صناعة القرب والدلاء وادوات السقي، وتخصص قوم بعمل السروج ونحوها من الادوات التس تستعمل في الحيوان مثل اللجام و "الرسن"، كما تخصص اخرون بصنع الأحذية. وذكر بعض العلماء أن بعض هذه الأدوات المصنوعة مثل "الرسن". هي من الألفاظ المعربة وان "الرسن" لفظْة فارسية الأصل، وقد عربت في الجاهلية. وتصنع "القباب"، من الأدم خاصة. وقد تكون كبيرة، ولكنها ذات أحجام مختلفة.
ومن الأدوات المصنوعة من الجلد "الجلبان"، وهي شبه جراب من الأسم، يوضع فيه السيف مغموداً، ويطرح فيه الراكب سوطه وأداته، ويعلقه بآخر الرحل وواسطته. والغرز وهو ركاب الرحل الذي تركب به الابل، ويصنع من الجلد. فإذا كان من خشب أو حديد فهو ركاب. والسقاء وهو ظرف الماء إذا كان من جلده،ويكون في الغالب من جلد رقيق. والركوة دلو صغير يشرب فيه، ويسطحب في الأسفار. والكنانة وهي الجعبة التي يكون فيها النشاب، والقفاز ويعمل لليدين وقد يحشى بالقطن وتكون له أزرار يزرّ بها على الساعدين من البرد.وقد كان يستعمله النساء. وأما "الأرندج" و "اليرندج" فذكر الجواليقي أنها لفظة معربة، وأن أصلها "رندة"، وهي كلمة فارسية، ويراد بها الجلد الأسود المدبوغ بالعفص حتى يسود. وقد وردت لفظة "أرندج" في شعر منسوب إلى الأعشى.
وتصنع الهمايين من الجلود أيضاً. وقد اشتهرت همايين عجر. واللفظة من الألفاظ المعربة عن الفارسية. ويراد بالهميان الكيسُ تجعل فيه النفقة ويشد على الوسط.
وتحلى الجاهليون بحلي مصنوعة من الجلد أيضاً. ومن هذه الحلي الجمانة: وهي سفينة من أدم ينسج، وفيها خرز من كل لون، تتوشحه المرأة.
ويصنع الخوان من الجلد في بعض الأحيان، ويراد به ما يؤكل عليه الطعام، وهو من الألفاظ المعربة. وأما الصفن، فخريطة الراعي، يكون فيها طعامه وزاده وما يحتاج اليه. وقيل: هو مثل الركوة.
و "العياب"، هي أوعية من الأدم، ويقال للواحد منها "عيبة"، يوضع فيها المتاع والثياب، وتطلق أيضاً على الزبيل الذي ينقل فيه الزرع المحصود إلى الجرين. و "الشن" الوعاء المعمول من أدم، فإذا يبس فهو شن. وفي المثل: "وافق شن طبقه". يضرب لكل اثنين أو اًمرين جمعتهما حالة واحدة اتصف بها كل منهما، وهناك قصص عن أصل هذا المثلْ.
واستعمل النصارى واليهود "الزنار"، يشدونه في وسطهم على القميص أو الثوب أو المسوح الذي يلبسونه، ويتدلى أحد طرفيه إلى قريب من القدمين. ويصنع من الجلد أو الحرير أو القطن أو الوبر أو شعر الماعز. وقد يشد على الوسط عدة مرات. وقد يوضع فيه محل لحفظ منديل فيه، أو محبرة وحبر إذا كان صاحبه من الرهبان أو الكتاب، وقد يوضع خنجر أو سلاح حاد فيه. وهو يشبه في فائدته الحزام فيَ الوقت الحاضر. واذا اشتغل الفلاح أو الأعرابي أو غيرهما بعمل ما رفع الطرف الأسفل من قميصه إلى الزنار أو الحزام، ليسهل عيه العمل، وقد يضع في عبه أي القسم الواقع فوق الزناد من جهة الصدر أشياء عديدة يحملها معه مثل خبزه وطعامه أو نقوده أو أشياء أخرى يحتاج إليها فيَ ترحاله.
وقد كان الجاهليون يستفيدون من جلود السمك أيضًاً، يصنعون منها أشياء متعددة. فالسفن مثلاً وهو جلد الأطوم، وهي سمكة في البحر ذات جلد خشن يستخرج منه السياط والسهام، ويكون على قوائم السيوف.
واستخدم الجاهليون كذلك فراء مختلف الحيوانات في الأيام الباردة، ومن أنواع الفراء نوع يدعى "سبنجونة"، وهي من جلود الثعالب، وهي من الألفاظ المعربة، ونوع اخر يدعى "الفنك"، وقد ذكر بعض علماء اللغة أن الفنك دابة يفترى جلدها، وذكر أيضاً إن الفنك جلد يلبس.
ومن أنواع الفراء "المساتق" وواحدتها "المسُتُقة". وقد ورد ذكرها في كتب الحديث، جيث قيل إن الرسول كان يلبس "مستقة"، كما ذكر أن عمر كام يصلي وعليه "مستقة". وذكر الجواليقي انها لفظة معربة عن الفارسية، وانها ! مشته". بالفارسية. وقيل: انها فراء طوال الأكمام، وذكر انها جبة واسعةْ.
ويقوم صانع ألأحذية بصنع الأحذية، مثل النعال والخف "والقفش، أو "الكفش" ويراد به الخف أو الخف القصير، واللفظة من الألفاظ المعربة عن الفارسية. ومن أنواع النعال، النعال السبتية التي لا شعر لها، وتصنع من جلود البقر المدبوغة بالقرظ. و "السبت" كل جلد مدبوغ أو المدبوغ بالقرظ، ومنه تصنع النعال السبتية.
ويقال للخف "الموزج" أيضاً، وقد ذكر الاسم في كتب الحديث وكذلك "الموق". وذكر أن "الموق الخف الغليط يلبس فوق الخف". وقد ذكر الجواليقي أن أصل الموزج فارسي هو "موزه" "موزجان" وأدخل الموق أيضاً في باب المعربات. والجمع "أمواق"، ويظهَر من بيت شعر ل "النمر بن ثولب"، أن العباديين، وهم نصارى الحيرة كانوا يمشون بالأسواق. وهناك نوع أخر من أنواع الخفاف، يقال لها "القسوبية" و "القساب"، و "النعل" هو لباس الرجل المستعمل عند الجاهليين وعند الساميين. وهو "نعلم" أي "نعل" في العبرانية. ولا يزال النعل مستعملاً حتى اليوم. يستعمل في البيت وفي خارجه، وهو يحمي باطن القدمين من حر الأرض في الصيف ومن الحجارة والمواد المؤذية التي تكون على وجه الأرض. وقد يستعمل نعلاً من خشب،يستعمله أهل القرى وأهل المدن في البيوت. والعرب تمدح برقة النعال وتجعلها من لباس الملوك، وتقدم النعال على سائر أنواع الأحذية.
ومن أنواع النعال،: "النعال السبتي". وهي المصنوعة من الجلد المدبوغ بالقرظ. وخص بعضهم جلود البقر، مدبوغة كانت أم غير مدبوغة. وقيل نعال سبتية: لا شعر عليها. وذكر انها نعال أهل النعمة والسعة.
وعرفت "حضرموت" بنعالها، فقيل "نعل حضرمي" و "الحضرمي". وعرفت بأنها النعال المخصرة التي تفيق من جانبيها، كأنها ناقصة الخصرينْ. وقد تفنن في تزيين وزخرفة الجلود. فذهّبوها ورسموا عليها صوراً، وضغطوا عليها بالات لابراز بعض الصور عليها. ومن الجلود المذهبة: "المذاهب"، وهي جلود كانت تذهب، تجعل فيها خطوط مذهبة، فيرى بعضها في أثر بعض، فكأنها متتابعة. وقيل سيورتموّه بالذهب.
والجلود التي يستعملها الاسكافي هي: جلود البقر والجمال والغنم والماعز وقد تستعمل جلود الثعابين والسمك إذا كانت كبيرة سميكة، وذلك بعد إصلاحها ودبغها. ويستعمل الإسكافي والنحات الإزميل. وقد ذكر علماء اللغة إن الازميل حديدة تجعل في طرف رمح الصيد لصيد البقز: بقر الوحش. والمطرقة. وهي من الألفاظ المعربة وأصلها "زميلي" "Zmili" في اليونانية.
الحياكة والنسيج والثياب
والحياكة والنسيج، من الحرف التي لا ينظر الى صاحبها نظرة أحترام وتقدير في المجتمع العربي القديم، ويقوم بالغزل النساء في الغالب. والحياكة والنسج في الحضر في الغالب. وقد ذكر أهل اللغة أسماء بعض آلات الحياكة والنسج، مثل "الحف" وهي الآلة التي تلمظ بها اللحمة أي تلقم وتصفق ليلتقمها السدى.
وقيل: الحفة المنوال، وهو الخشبة التي يلف عليها الحائك الثوب، وقيل: الحف المنسج. و "الوشيعة" وهي المنسج، وهي قصبة في طرفها قرن يدخل ألغزل في جوفها، وتسمى السهم. وقيل لفيقة من غزل، وتسمى القصبة التي يجعل النساج فيها لحمة الثوب للنسج. و "المشيعة" ما يلف عليه الغزل.
و "الثناية" التي يثنى عليها الثوب. و "العدل" خشبة لها أسنان، مثل أسنان المنشار، يقسم بها السدى ليعتدل و "الصيصية" عود من طرفاء،كلما رمي بالسهم فألحمه، أقبل بالصيصة فأدبر بها، وقيل: إنها شوكة الحائك التي يسوّي بها السداة واللحمة. و "النير" لحمة الثوب، وقيل: الخشبة المعترضة التي فيها الغزل. وقد تنسج الثياب على نيرين، ويكون بذلك أصفق واًبقى.
و "الصنار" رأس. المغزل. وأما "المداد" فالعصا في طرفها صنارتان يمدد بهما الثوب. و "الكُفة" الخشبة المعترضة في أسفل السدي. و "الحماران" يوضعان تحتها ليرفع السدي من الأرض. و "المثلث" قصبات ثلاث. و"المبرم" و "البريم"، الحبل الذي جمع بين مفتولين ففتلا حبلاً واحداً. و "المبرم" من الثياب المفتول الغزل طاقين، ولذلك اطلقت اللفظة على نوع خاص من الثياب. والدعائم" خشبات تنصب ويمد عليها السدي. و "الشفشقة" قصبة تشق وتوضع في السدي عرضاً، ليتمكن به من السقي. و "الكحمة" ما يلحم به، وأداة الحائك المنصوبة تسمى "المنوال"، وهو "النول" أيضاً.
وأما المادة التي يغزل منها ويحاك وينسج، فهي الصوف بأنواعه، وشعر الماعز والوبر،والقطن والشاش والبز والكتان والحرير. وأما التي يغزل بها، فهي "المغزل" ومنه نوع بسيط يحمل باليد. وهو قديم جداً معروف في العصور المتقدمة قبل الإسلام، ولا يزال معروفاً ومستعملاً في الزمن الحاضر، ومنه ما هو سريع بعض السرعة. وهو على هيأة دولاب يدار بالأرض، فيكون سريعاً بالغزل بعض السرعة بالنسبة إلى اليد، ويكون مجال الغزل فيه أوسع من مجال الغزل بالمغزل اليدوي البسيط.
ويلف الغزل على آلة تسمى "الهراوة"، وذلك تمهيداً لتقديمها إلى "النساج" لنسجها.
ويقال للمغزل: "المردن" أيضاً. وقيل: "المردن" المغزل الذي يغزل به الردن. والردن الغزل. وقبل: الغزل يفتل إلى قدّام، وقيل هو الغزل المنكوس، وثوب مردون: منسوج بالغزل المردون.
والغزل هو من أعمال النساء في الغالب، فهي تمسك المغزل وتغزل به. وقد يقوم الرجال بالغزل أيضاً. وهناك أنواع من المغازل وهي متشابهة من حيث الأساس والتصميم. وقد عثر على انواع منها في مواضع من جزيرة العرب.
وفيَ التوراة وصف لكيفية إعداد الصوف وشعر الماعز للغزل. فقد كان على الغزال تنظيف الصوف والمادة المراد غزلها قبل غزلها، وذلك بنثر المادة وتنظيفها من المواد الغربية المختلطة بها. وقد تضرب بعصا أو بآلة خاصة، على نحو ما يفعله "النداف" في الوقت ألحاضر، لتلطيف المادة المراد غزلها وجعلها سهلة الغزل. وقد تغسل بالماء ثم تنظف. فإذا وجد إن المادة المراد غززلها صارت نقية صالحة للغزل، غزلت. وقد عثر على صور لعمال كانوا يقومون بغسل المواد قبل غزلها على نهر النيل، وقد صورت على جدران مقابر قدماء المصريين.
وأهل الجاهليهّ مثل من تقدم أيضاً في تنظيف الصوف وشعر الماعز والوبر والكتان وسائر المواد الاخرى المراد غزلها، كانوا ينظفونها ويمشطونها بأمشاط خاصة، لاخراج ما قد يعلق بها فيها من مواد غريبة، يوعالجونها معالجة خاصة، فأذا نظفت وخلصت من الشوائب، غزلت. وقد كانوا يدقون الكتان لتهترئ اليافه وتتشقق فتنفصل، ثم يمشط بالممشقة، حتى يخلص وتبقى فتاته وقشوره، يوؤخذ الكتان لغزله ونسجه. اما الفتات والقشور، فهي المشاقة، وتستعمل في حشو الخفتان وللقبس.
ويقال لمشاقة الكتان وللخشن من ليف الكتان والقنب "اسطبة". ويظهر انها من اصل يوناني هو "Stippi".
ويهيأ الفتاك "السلك"، وهو الخيط. وقد يكون من حرير او قطن او كتان. واذا وضع في الخيط الخرز واللؤلؤ، فيقال لذلك عندئذ "السمط".
ومن اللوازم المستعملة في البيوت وفي الحياة اليومية والتجارية، الحبال، يستعملونها لحاء الشجر في بعض الاحيان، يؤخذ فيدق ويفتل منه حبل، ويقال لذلك "القرَ ن"، أو من شعر الماعز أو من الأصواف، أو من مختلف الألياف المستخرجة من النبات، او من الخوص.
أما الخيوط، فإنها أدق من الحبل، وتصنع من الكتان أو القطن أو الصوف أو الحرير.، ويخيط بها. وأما "الاطنب" و "الطنب". فإنها حبال الخيمة، تستخدم لربط الخيمة. وأما "الوتر"، فيصنع من أمعاء الحيوانات، وتوضع في الأقواس، لرمي السهم، وتستخدم في الآلات الموسيقية كذلك. وتستخدم الحبال رُبُطاً، يربط بها. يربط بها الأسرى والمساجين والحيوانات.
والصوف مادة مهمة في صنع البسط والسجاجيد. وأكثر صوف جزيرة العرب من انوع الخشن، الذي يصلح لصنع السجاد. وتصنع منه الخيام كذلك. والمستعمل في صنع الخيام هو من شعر الماعز في الغالب. أما أصواف الأغنام، فتستعمل في الغزول والأنسجة اللطيفة التي تحتاج إلى صوف ناعم ودقيق. ولا يزال أهل البادية يصنعون خيامهم الشهيرة ذات اللون الاْسود من شعر الماعز. وقد كان عماد العبرانيين في نسجهم على الصوف وشعر الماعز والكتان. وقد عرف البساط الضخم المنسوج من الوبر أو الصوف ب "الاراخ" ، ويقال للفسطاط "البلق".
وقد اشتهرت اليمن بالغزل والنسيج، وعرفت بإنتاج بعض البرد التي اختصت بها حتى عرفت ب "البرد اليمانية". وهي من الأنواع الغالية الثمينة التي لا يشتريها في العادة إلا المترفون والمرفهون. وقد جعل النبي في جملة ما يدفعه أهل الجزية الثياب عوضاً عن النقد إن لم يكن في قدرة من فرضت عليه الجزية دفعها نقداً، كما عرفت بصنع "الحلل" الغالية، اشتهرت بجميع أنواع الغزل والنسيج، غزل القطن والصوف والحرير، وبأنسجة الصوف والقطن والحرير. وقد كان من عادة روْساء اليمن لبس الملابس الثمينة والحلل الغالية المصنوعة في بلادهم، كما كانوا يصدرونها اق الخارح لبيعها في مختلف أسوإق بلاد العرب وفي العراق وبلاد الشام.
وعرفت دور النسيج في اللهجات العربية الجنوبية بي "تعمت". وقد ورد في كتب اللغة: "عمت الصموف والوبر... لف بعضه على بعض مستطيلاَ ومستديراً حلقة فغزله". وورد: "يعمت الغزل".
وقد ازدهرت صناعة غزل القطن ونسجه في اليمن وفي بقية العربية الجنوبية في القرن السادس للميلاد، فصارت صناعة الغزل والنسيج من أهم الموارد التي يتعيش عليها عدد كبير من الشعب والتي تكون مورداً كبيراً من موارد الدولة. وقد كان للملوك مغازل ودور نسيج تعمل لحسابهم ولهم، وقد عرفت دور النسيج الملكية ب "تعمت ملكن"، أي "المنمسج الملكي" و "دار النسيج الملكية".
وهناك لفظة أخرى في المسند للموضع الذي ينسج فيه وتغزل فيه الغزول هي لفظة: "ح ل ل ت" "حللت"، ويرى "رودوكناكس" انها "حلالة". وأما النساج، فيقال له "انم" في المسند، وهو للمفرد والجمعْ. وعندي إن المراد ب "ح ل ل ت" "حلت"، الحلة. والحلة عند علماء اللغة إزار ورداء، بردٌ أو غيره. وقيل: الحلل الوشي والحبر والخز، وقيل: كل ثوب جيد جديد تلبسه غليظ أو رقبق، وقيل: كل ثوب له بطانة، وعند الاعراب من ثلاثة أثواب القّميص وإلإزار والرداء. فيراد بها الموضع الذي تعمل فيه الحلل.
وقد كانت بعض الحكومات تحتكر صناعة بعض أنواع النسيج، وذلك بصنع أنواع فاخرة منه لاستعمال الملوك، أو للانعام به على الأمراء والكبراء ورجال الدين كالذي كان في مصر. ويوسم بسمة المعمل وبشعار الحكومة أو الحاكم ، ليكون في علم الناس انه من صنع الحكومة. وقد تبيعه الحكومة للناس. وتعد هذه الأنواع من النسيج من أفخر ما تنتجه المناسج، ويعرض في السوق.
وقد كان الملوك والكهنة والأغنياء المتأنقون بملابسهم، يرتدون أنسجة دقيقة مصنوعة صنعاً خاصاً بأيد ماهرة متقنة لعملها،لا تصنع الا الأنسجة الثمينة الغالية. ومن هذه الأقمشة ما كان يصنع من الكتان الخالص أو الصوف الناعم الرقيق، ومنه ما كان يصنع من الحرير الخالص أو المخلوط بمادة أخرى. وقد يقصب القماش بالذهب، يوشى به، كألبسة الملوك ورجال الدين الذين كانوا يرتدون ملابس موشاة ومطرقة في أثناء أدائهم الصلوات واقامة الشعائر الدينية. وقد كان الملوك والكهان يستوردون الأقمشة الجيدة من أماكن أخرىَ اشتهرت باتقانها واجادتها صنع الأقمشة الجيدة، مثل بابل وبلاد الشام والهند ومصر وفارس وغيرها لمثل هذه الأغراض.
وقد اشتهرت منسوجات اليمن في كل مكان من جزيرة العرب، بجودتها وأناقتها، وظلت محافظة على سمعتها هذه إلى الإسلام، فكان أغنياء الحجاز وغيرها من جزيرة العرب يفتخرون بحصولهم عليها ويلبسونها خاصة في أعيادهم ومواسمهم. وكانت البرد المعروفة ب "الحبر"، وهي برد موشاة مخططة، تعد من أثمن البرد اليمانية في القرن السادس والسابع الميلاديين، ولما قدم وفد نجران على الرسول كانوا يتوشحون بها. ولما توفي الرسول، ووضع مسجى في ناحية من البيت، وضعت عليه الحبرة.
ويقال للثوب الجديد الناعم "الحبير". وذكر اًيضاً إن الحبير البرد الموشى المخطط، وأن الحبرة ضرب من برود اليمن منمر، وبائعها حبرى لا حبار. وتعد "ثياب الحبرة" من الثياب الغالية الجيدة التي يلبسها ا لأغنياء والسادات، فلما قدم وفد تجران على النبي بالمدينة " "فدخلوا المسجد عليهم ثياب الحبرة، وأردية مكفوفة بالحرير.
واشتهرت اليمن ب "المراجل"، وهي ضرب من البرود. وذكر بعض علماء اللغة أن البرد المُرجل، فيه صور كصور الرجال. وورد ثوب مرجل بمعنى معلم، وبرد مرجل أي برد فيه تصاوير رحل على تفسير بعض علماء اللغة. وورد المرحلات يعني المرط المرحلة، وهي الموشاة، وقّد أشير إليها في كتب الحديث. و "القيصران" وهو ضرب من الثياب الموشاةْ. والعصب ضرب آخر من اابرود اليمانية يعصب غزله ثم يصبغ ثم يحاك وينسج، فيأتي موشى لبقاء ما عصب فيه أبيض لم يأخذه صبغ. وقيل: هي بررود مخططة. ويقال ثوب مبرج إذا كان ثوباَ ذا تصاوير.
وقد عرفت "البرد"، أنها أكسية يلتحف بها، وقيل إذا جعل الصوف شقة وله هدب. وقيل: البرد من برود العصب والوشي، وأما البردة، فكساء مربع أسود فيه صغر تلبسه الأعراب، وأن البرد ثوب فيه خطوط وخص بعضهم به الوشي.
واشتهر بلد المعافر بنوع من اابرد والثياب، حتى قيل "": برد معافري وثوب معافري". وأما "الشرعبية" فضرب من البرود. وذكر انها من الثياب الحارية. واليها أشير في شعر امرىء القيس: فلما دخلناها أضفنا ظهورنـا الى كل حاري حديد مشطب
وعرفت "صنعاء" بوشيها وبأنواع أخرى من النسيج.
وعرفت اليمن بنوع من البرودُ سمي "عَصْبأَ" لأن غزله يعصب، أي يدرج، ثم يصبغ، وذكر أنها خاصة باليمن، لأنها تصبغ بالعصب. ولا ينبت العصب والورس إلا باليمن. وقيل العصب برود مخططة، اشتهرت بها اليمن.
والمسندة والمسند وأثواب سند، نوع من البرود اليمانية. والثياب القدمية منسوبة الى موضع باليمن. وثوب "أكباس" "أكباش" من برود اليمن.
وهناك ضرب من البرود قيل له "القطرية" والمفرد "قطري". وكان الرسول متوشحاً بثوب قطري. كما كان على عائشة درع قطري ثمنه خمسة دراهم،وذكر أن البرود القطريةُ حمر لها أعلام فيها بعض الخشونة، وأنها تأتي من "قطر" بسيف البحرين.
وعرفت الأنسجة اليمانية المصنوعة من الكتان في كل مكان من جزيرة العرب. وقد كانت لباس الأغنياء والوجهاء. وتعطي أنسجة الكتان برودة خاصة في الصيف، ولهذا كانت رائجة في كل مكان.وقد كانت مصر ذات شهرة خاصة في تصدير أنسجة الكتان، فقد كان كتانها لطيفاً ناعماً. ولهذا بيع بثمن مرتفع. وذكر علماء العربية أن الكتان لفظة عربية النجار،سمي بذلك لأنهُ يخيس ويلقي بعضه على بعض حتى يكتن.
و "البرجد"، كناية عن كساء ضخم مخطط. وقد ذكر في شعر طرفة. وذكر انه كساء من صوف أحمر.
والعباءة، هي مقابل "س م ل ه" "سمله" "شمله" عند العبرانيين و "Himation"،عند اليونان ،وتلبس فوق الألبسة. وتكون بعضها ثقيلة تصنع من الوبر أو الصوف، وتستعمل في الشتاء خاصة وفي الأوقات الباردة، وبعضها خفيف، يصنع من الصوف أو من شعر الماعز. وتستعمل في الأوقات التي لا يكون فيها البرد شديداً وفي أيام الصيف. وقد يستلقي عليها الإنسان، فتكون بمثابة فراش له. وقد تصنع العباءة من قطعين من القماش، وقد تصنع من قطعة واحدة، وهي أحسنها وأغلاها. وتكون عباءة الأغنياء والرؤساء من قماش جيد منسوج نسجأَ خاصاً محلاة في الغالب من ناحية العنق والصدر والجهة العليا من اليدين بخيوط من الحرير أو الذهب. يروفها "الروّ اف"، بأشكال متعددة فيختلف سعرها لذلك باختلاف الجهد الذي بذله الروّاف في تطريزها وفي زخرفتها.
وتصنع أحسن العباءات من الوبر. وقد تفنن فيها، وتخصصت بعض الأماكن بنسجها. ولا تزال هذه الصناعة باقية تدر على أصحابها ربحاً يتعيشون منه، كما تصنع من أوبار الجمال أشياء أخرى عديدة. على أن القرن العشرين قد علّم سكان الجزيرة تصدير الوبر إلى الخارج إلى المعامل الحديثة لاستعماله مع الأصواف في صناعة الغزل والنسيج.
والشملة: كساء دون القطيفة يشتمل به كالمشمل. والمشملة عند العرب مئزر من صوف أو شعر يؤتزر به، فإذا لفق لفقين، فهي مشملة يشتمل بها الرجل إذا نام بالليل. وقيل المشملة والمشمل: كساء له خمل متفرق يلتحف به دون القطيفة. واشتمل الثوبَ أداره على جسده كله حتى لا تخرج منه يده.
وقد ذكر أن الجاهليين كانوا يستوردون الجبب والأردية والأقمصة والأقمشة من بلاد العراق والشام، وكانت غالية الثمن وذات قيمة عندهم، لحسن صنعتها وإتقان قماشها. وقد كانت للرسول جبة من صنع بلاد الشام ، وكان له طيلسان مدبج،أي منقوش الأطراف بالديباج. وفي جملة ما استورد من مصر من ألبسة وثياب، القباطي وهي ثياب بيض دقيقة رقيقة تتخذ بمصر، والقسي وهي ثياب منسوجة من كتان وابريسم مضلعة، تصدر من مصر، من قرية تسمى القسي فنسبت إليها.
وقد بقيت مصر تصدر القباطي حتى في الإسلام. وذكر علماء اللغة أن القباطي والثياب القبطية منسوبة إلى القبط، أهل مصر الخلص من ولد القبط بن حام بن نوح على رأي بعض النسابين، أو من ولد قبط بن مصر بن فوط بن حام على رأي فريق آخر. وذكر أن لفظة قبطية، وردت في شعر لزهير هو هذا البيت: لِياح كأن بالأتحمية مسبـع إزاراً وفي قبطية متجلبب
وورد ذكرها في بيت شعر أخر ينسب له أيضاً هو: ليأتينك مني منـطـق قـذع باق، كما دنس القبطية الودكُ
وقد ورد ذكرها في كتب الحديث، فقد ذكر أن الرسول كسا "أسامة" قبطية.
وأشير إلى ثياب بيض قيل لها "القبطرى". وزعم بعض علماء اللغة أن في الكلمة غلط، وأن الراء زائدة.
وعرفت بعض الثياب ب "الأنماط"، جمع "نمط"، وهي الثياب المصبغة. وفي حديث "ابن عمر" أنه كان يحلل بدنه بالأنماط. وذكر أن الأنماط ضرب من البسط له خمل رقيق.
ويقال للنمط الزوج كذلك. وقيل الزوج: الديباج واللون.
وأما السبح، فالسبحه درع عرض بدنه عظمة الذراع ، ولهُ كمّ صغير نحو الشبر، تلبسه ربات البيوت. وقيل هي بردة من صوف فيها سواد وبياض. وقيل ثوب له جيب ولا كمّين له، بلبسه الطيّانون. وقيل هي مدرعة كمُها من غيرها. وقيل كساء أسود، أو القميص. وهي لفظة معربة أصلها بالفارسية "شبي". وذكر إن "السباج" ثياب من جلود.
وقد كانت بعض الثياب المستوردة من بلاد الشام ومصر ومن الأرضين التي تسودها أكثرية نصرانية ترد وعليها صلبان منسوجة. فلما جاء الإسلام، وأمر بطمس الصلبان، كان الرسول إذا رأى الصليب في ثوب قضبه وقطع موضعه أو نقشه.
وإذا كان الحرير المعروف ب "الخسرواني"، معروفاً حقاً عند الجاهليين، فإنه يدل على انه كان مستورداً من العراق، بدلالة اسمه عليه. ويذكر علماء اللغة انه منسوب إلى الأكاسرة، وانه حرير رقيق حسن الصنعة.
ولفظة "حرير" من الألفاظ المستعملة في العربية، غير أن من الصعب تعيين أصلها. وقد ذكر "سترابون" أن اليونان أخذوا الحرير من الهنود. ولذلك أطلقوا عليه لفظة أخذوها من اسم أحد الشعوب الهندية. أما العبرانيون فقد أطلقوا عليه لفظة "مسى". وقد ذهب بعض الباحثين إلى أن لفظة "سريقوم" "Sericum"، الواردة في النصوص الكلاسيكية تعني الحرير الخام. ووردت في العبرانية لفظة "دمشق"،،Demeshek،، ،يرى بعض العلماء أنها تعني حريراً دمشقياً، أي معمولا" بدمشق. وذهب آخرون الى أن اللفظة، محرفة من لفظة "دمقس" الواردة في العربية ويراد بها نوع من الحرير أو الحرير الخام. والديباج من الثياب المعمولة من الحرير. واللفظة من الألفاظ الفارسية المعربة.
ومن الثياب والأقمشة التي تحمل اسماً معرباً "الدخدار"، وهو كما يقول "الجواليقي" "تخت دار" بالفارسية. وذكر أنه ورد فيَ هذا البيت منسوب إلى عدي بن زيد العبادي: تلوح المشرفية فـي ذراه ويجلو صفح دخدار قشيب
وأشير إلى "الديباجة" في شعر "حسان بن ثابت"، ويراد بها الثياب المتخذة من الابريسم.
وقد وردت في القرآن الكريم لفظة "سندس"، وذهب العلماء الى إن المراد بها رقيق الديباج، وذكر بعضهم أنه ضرب من "البزيون" يتخذ من المرعزاء، واللفظة من الألفاظ المعربة.
وأما الاستبرق، فإنه ما خشن من الديباج على رأي بعض العلماء. وأصله من الفارسية، فهو من المعربات.
وكان الأغنياء وسادات القبائل يلبسون الألبسة المنسوجة من الحرير، وهي ثمينة غالية، يستوردونها من الخارج ، وينسج بعض منها في اليمن. وقد نهى الإسلام عن لبس الحرير، لما في ذلك من ترف يميت الرجولة ومن تشبّه بمترفي العجم، ومن تأثير يتركه استعماله في نفوس الفقراء.
ومن أنواع الثياب الجيدة المصنوعة من القز الأبيض "الدمقس،"، وهو ناعم وذكر علماء اللغة أن اللفظة من الألفاظ المعربة القديمة الواردة في شعر لامرىء القيس. ويرى بعض الباحثين أن الدمقس تحريف "مدقس" وهو الحربر اللأبيض ، وأن أصلها يوناني هو: "Metaxa" ويعرف الحرير الجيد بالسّرق، وقيل: السرق شقق الحرير أو الأبيض أو الحرير عامة. وذهب بعض العلماء إلى أنها من الألفاظ المعربة عن الفارسية، وأن أصلها سَره أي جيد. وقد ورد في الحديث: انك في سرقة من حرير، أي قطعة من جيد الحرير. ويقال للسرق "سريَكون" "Sericum""Sirikon" في اليونانية. ويراد بها الحرير عامة. ومن هذا الأصل جاءت لفظة "السرق" على ما أرى.
ويعرف الحرير ب "مشى" و "دمشق" في العبرانية. وقد ذهب بعض علماء التوراة أن للفظة "دمشق" صلة بدمشق الموضع المعروف. ودمشق من المواضع المشهورة منذ القديم بنسج الحرير. وذهب آخرون أنها من أصل "دمقس"، تحرف فصار "دمشق" ولا علاقة لها بدمشق. وأما لفظة "حرير"، فتعرف ب "Sericum" عند اليونان واللاتين كما ذكرت. أما لفظة "حرير" المستعملة في العربية، فإن من الصعب تعيين أصلها والوقت الذي ظهرت فيه.
والخز: ثياب تنسج من صوف وإبريسم، وقيل انه الثياب المعمولة من الإبريسم. وقيل انه الحرير ، وذكر علماء اللغة أن " اللاذ" ثياب من حرير تنسج بالصين، وأن "الاضريج" الخز الأصفر، وأن المطرف: ثوب مربع من خزّ له أعلام.
وربما كان "الديبوذ" و "الديابوذ" من الثياب التي وصلت إلى الحجاز من الاتصال التجاري بالعراق. واللفظة من المعربات. ذكر الجواليقي انها من الألفاظ الفارسية الأصل، وان المراد بها ثوب ذو نيرين ، وأورد شعراً للاعشى جاءت فيه هذه اللفظة.
وقد وردت في القرآن الكريم لفظ " "سرابيل" جمع "سربل". وذكر علماء اللغة أن "السربال" القميص من أي جنس كان ووردت السربال في شعر منسوب إلى الأعشى: مقلص أسفل السربال معتمر
وفي هذا المعنى لفظة "سروال"، والجمع "سراويل" والسربال هو "سربالين" "س ر ب ل ي ن" في العبرانية. وهو أيضاً "السروال" في العربية و "الشروال" من أصل فارسي. وقريب من السربال والسروال "اللباس" الطويل المستعمل عند أهل القرى والفلاحين وبين كثير من أهل المدن في الوقت الحاضر. يرشد عند الخصر ثم يعرض وينتهي بفتحتين ضقتين لدخول الرجلين منهما. ولا زال "الشروال" مستعملاً بين الايرانيين والأكراد وفي بلاد الشام. وقد ذكر علماء اللغة أن السروال لفظة معربة من اصل فارسي. وورد "في حديث أبي هريرة: أنه كره السراويل المخرفجة " أي "الواسعة الطويلة". وقد اشتهر الفرس بلبس السراويل، والظاهر أن الرسول كره السراويل الواسعة الطويلة، لأنها كانت من سنة الأعاجم. فأراد عدم التشبه بهم. وأما القميص،، فقد يقال له "الدرع" و ا لسربال.
وأما "القز" "القهز"، فهما ثياب صوف كالمرعزيَ وربما خالطها الحرير.
وأما "الزازفية"،فثياب بيض من كتان. وأما "الخنف" فما غلط من الثياب. ومن الأكسية "الجودياء"، وقد ذكر بعض علماء اللغة أنها لفظة معربة عن أصل فارسي أو نبطي،وذكروا أن الأعشى تصرف بها في شعره فجعلها "اجياد".
وهناك نوع من أنواع القميص أو البرد المنسوجة من الصوف فيها سواد وبياض يقال لها "سبيج" "السبيج" و "السبجة" و "السبيجة". وقد ذكر الجواليقي أنها من الألفاظ المعربة.
والطيلسان: من الألفاظ المعربة، ويراد بها ثوب يلبس على الكتف، أو ثوب يحيط بالبدن ينسج للبس، خال عن التفصيل والخياطة. وذكر أيضاً أنه كساء مدور أخضر، لا أسفل له، لحمته أو سداه من صوف. وقد اشتهرت الفرس بلبسه، ويسمى عندهم ب "تالسان"، حتى استعمل العرب جملة: "يا ابن الطيلسان" أي يا ابن الأعجمي في الشتم ، وذلك من تطلسهم به.
والساج: الطيلسان الضخم الغليظ، وقيل: هو الطيلسان المقوّر ينسج كذلك، قيل: هو طيلسان أخضر. وفي حديث ابن عبّاس، أن النبي، كان يلبس في الحرب من القلانس ما يكون من السيجان الخضر،جمع ساج، وهو الطيلسان الأخضر، وذكر "ابن الأعرابي": السيجان الطيالسة السود.
و "الشوذر" من الألفاظ المعربة القديمة على رأي بعض العلماء، ويراد بها الملحفة والإزار.
وقد اشتهرت اليمن بصنع الأزر، واشتهرت بهذه الصناعة مواضع أخرى. و قد كان العراق يصدر الأزر إلى جزيرة العرب. واشتهرت ازره عند العبرانيين. أطلقوا عليها "ازرت شنعار" "ازرت شنعر"، أي "ازر شنعار"..يريدون بشنعار ما يقال له أرض بابل. وهو من نسيج جيد مبروم. وقد عرفت ب "لُبلتى برمه" "Lubulti birme"،وعرف النساج الذي اختص بهذا النوع من الأزر ب "اشبر برمي" "Ushbar Birimi".
و "القهز" و "القهزى"، ثياب بيض يخلطها حرير. وهي من الألفاظ المعربة..ذكر بعض علماء اللغة أن الأصل الفارسي هو "كهزانة".
والخميصة: ثوب أسود معلم من خز أو صوف. وأما الأنبجانية فكساء له خمل، وقيل: الغليظ من الصوف. والفروج: القباء له فرج من وراء أومن أمام. وأما المِرٌطُ فالكساء يتغطى به.
ومن أنواع الثياب "القباء". وقد ذكر بعض العلماء إن اللفظة فارسية الأصل معربة.
و "النرمق" ثياب لينة بيض، وهي من الألفاظ المعربة عن الفارسية، وأصلها "نرمه". وأما "النمرق" و "النمرقة"، فالوسادة أو الميثرة و الطنفسة. ولاحتياج الإنسان الى الملابس في كل زمن ، كانت حرفة الغزل والحياكة يحترفها كثير من الناس وتعيش عليها أسر عديدة. ويمكن عدّها من اًهم الحرف في ذلك العهد، وعد العمال، المشتغلين بها من أكثرعمال الحرف الأخرى عدداً. ولم يكن المتعاطون لهذه الحرف هم أصحاب معامل النسيج، ولكن أصحابها الأغنياء والمتمولون. أما المشتغلون بها، فعمال يشتغلون فيها بأجر يتقاضونه، ومنهم من كان رقيقاً مملوكاً يعمل لحساب سيده ومالكه، في مقابل قيامه بأوده. والقليل من العمال من كان يملك مصانع نسيج، تعمل له وتدر الربح عليه.
بل كان الملوك يشاركون الشعب في امتلاك دور النسيج وينافسونهم في الإنتاج.وفي نصوص المسند إشارات عديدة الى دور الحياكة والنسيج الملكية، والى انتاجها واشتغالها. ولا يستبعد احتكارهم لها أو احتكار صناعة بعض الأنواع من النسيج وبيع الأقمشة. وقد علمنا في الجزء السابق من هذا الكتاب أن البطالمة كانوا قد احتكروا بيع أنواع معينة من النسيج وصناعتها. وقد ظل احتكار حكومات مصر لأنواع معين آ من النسه في..عروفاً إلى الإسلام، تنسجها في معاسلها، ولا خ للأهللإت بإنتاجها، كما فعل ذلك غير المصريين أيضاً. فصناعة النسيج صمناعة مهمة ذات أرباح وفوائد،وهي من أهم الصناعات في المجتمع. ولأرباحها هذه ولكونها مورداً مهماّ، فكرت بعض الدول في احكارها، للحصول على أرباحها، كما تفعشالسول في الزمن الحاضر في احتكار بعفر الصناعات والمناجم وبعض المصالح ا"هامة مثل سكلك الحديد أو التلفون والبرق وغير ذلك لتكون مورداً يمون الدولة بالمال. ومن أسماء القطن "الطوط"، وقيل: الطوط قطن البردي. وورد في شعر لأمية ابن أبي الصلت: والطوط نزرعه أغن جراؤه فيه اللباس لكل حول يعضد.
ولم يقتصر عمل الحائك على حياكة الأقمشة ونسجها وحدها، لمجل شمل عمله كل شيء يحاك، مثل البسط والطنافس والسجاجيد و "الدرانك" التي هي نحو من الطنافس وإلبسط. ويذكر علماء اللغة أن اللفظة من المعربات. وذكر بعض العلماء أن "الدرنوك" و "الدرموك" ضرب من الستور والفرش، يكون فيها الصفرة والخضرة، وقال بعض آخر: انه ضرب من الثياب له خمل قصير كخمل المناديل، وبه شبه فروة البعير. وورد انه الطنفسة والبسط ذات الخمل. وقد تكون كبيرة تفرش البيت. والأنماط، وهي ضرب من البسط، وضرب من الثياب المصبغة، وثياب من صوف تطرح على الهودج. والنساجة وهي ضرب من الملاحف المنسوجة. والقطيفة وهي دثار مخمل. وقيل هي كساء مربع غليظ له خمل ووبر. والوسادة وهي المخدة. والنمرقة وهي الوسادة، وقيل للصغيرة منها، أو هي الميثرة، وتوضع على الرحل كالمرفقة، غير إن مؤخرها أعظم من مقدمها ولها أربعة سيور تشد بآخرة الرحل.
وهناك حرفة أخرى لها علاقة بالنساجة والحياكة، هي الخياطة. وحرفة الخياط تحويل الأقمشة إلى كسوة، وصنع الثياب والعمائم بتفصيل القماش وقصه ثم خياطته على وفق القياس المطلوب. وهي حرفة تروج في المدن. أما في البادية،فتقوم المرأة بعمل الضروريات، ويلتجئ الرجال الى القرى والمدن في شراء ما يحتاجون اليه من ثياب. ونجد بين أسماء الثياب، ما هو معرب، مما يدل على انه منقول مستورد، وأن الخياطين الجاهليين قد رأوه فقلدوا صنعه.
كذلك نجد بين أسماء اجزاء الثوب أسماء معربة.فذكر علماء اللغة أن "الدخريص" و "التخريص" من المصطلحات المعربة، وأن أصلها فارسي ، وهي تعني "البنيقة" و "اللبنة". وقد وردت "الدخارص" في شعر منسوب الى الأعشى.
ويعبر عن "الخيّاط" بلفظة "درز"،و "بنو درز" الخيّاطون والحاكة.
و "الخِياط" الإبرة. والإبرة، هي التي يخاط بها، وذلك بإدخال الخيط في سمّها أي في ثقب الإبرة ، وتخييط ما يراد تخييطه بها. والخياطة صناعة الخائط. ويقال للذي يسُوّي الابر الآبّار. و "السم" الثقب، ومنه "سم الخياط"، أي سم الإبرة.
ومن أسماء الخياط: "القراريّ". قال الأعشى: يشق الأمور ويجتـابـهـا كشق القراري ثوب الردن
ويعبر عن خياطة الخياط الثوب خياطة متباعدة ب "شمج" و "شمرج"، وذلك بأن يباعد بين الغرز. و "الشمرج" الرقيق من الثياب وغيرها.
ويعبر عن الخيط بلفظة "السلك" و "السلكة".
والثوب اللباس ، وهو ما يلبس. ولذلك فهما من الكلمات العامة التي تطلق على أشياء عديدة. وقد اشتهرت بعض الثياب بكونها ثياب رقاق، منها "السبوب" والسب: الشقة البيضاء،و كذلك الخمار. و "الشف"، وهو الثوب الرقيق، و "اللهله" و "النهنه"،الثوب الرقيق النسج. وثوب هلهل وهلهال،رقيق النسج، وهو المتدارك النسج، والمواد التي يستعين بها الخياط في صنع الثياب والاكسية هي الأنسجة المصنوعة من القطن أو الحرير أو الكتان أو الأصواف أو الشاش أو البز أو الكرباس.
ولفظة "قطن"، من الألفاظ التي يصعب تعجين أصلها. وقد ذهب كثير من الباحثين إلى أنها من أصل هندي. وفي التوراة لفظة "كربس" "Karpas"،أي الكرباس،فسرها علماء التوراة بمعنى "فطن". ولفظة "كرباس" معروفة في العربية. وهي من الألفاظ المعربة المعروفة عند الجاهليين. وترد في لغة بني إرم وفي العبرانية واليونانية واللاتينية. وقد ذهب بعض العلماء،أنها من أصل سنسكريتي وانها تعني شجرة القطن. وقد ذكرت اللفظة في تأريخ "هيرودتس"،وعرفها اليونان الذين كانوا في حملة الاسكندر الكبير. ودعوها "Carbasus"و"Carbasina" وقد أشار إلى القطن "هيرودوتس" و "سترابو" وصاحب مؤلف "Periplus maris Erythr" و"لوقان" "Lucan"و "Quintus Curtius" وأشاروا الى صلتها بالهند. واللفظة من الألفاظ الواردة في الفارسية أيضاً. وذهب علماء العربية إلى إن الكرباس ثوب من القطن الأبيض معرب عن الفارسية. وفي حديث عمر: "وعليه قميص من كرابيس"،جمع كرباس وهو القطن. ومن أسماء القطن الخرفع والخرنع. وذكر أن "الطوط"، هو قطن البردي. والبز عند علماء العربية: الثياب، وقيل ضرب من الثياب، وقيل البزُ من الثياب أمتعة البزاز، و البزاز بائع البزَ وحرفته البزازة. والبيزّة الهيئة والشارة واللبسة. وذكر إن "البز" ضرب من برود اليمن.
واللباس والألبسة والملبس كل ما يلبس. والكسوة، اللباس أيضا. والكساء واحد الأكسية. وقد عرفت لفظة الكسوة في العربيات الجنوبية كذلك،إذ وردت في بعض النصوص، "كسوت" "كشوا" "كشوي". وذكر علماء العربية إن الكساء الذي لا بطانة له، يقال له: "كساء سمط".
وفي العبرانية لفظة "بجد" وتقابل "بجاد" و "بجد" في العربية، وتعني اللباس عامة، من دون تمييز. أما لفظة "لبوش"، فهي من أصل "لبس"، وهي في.معنى "لبوس" و "لبس" في العربية. و البجاد عند العبرانيين من الألبسة التي تستعملها الطبقات الراقية.
وذكر علماء العربية أن البجادة كساء مخطط من أكسية الأعراب. وقيل: إذا غزل الصوف بسرة ونسج بالصيصة، فهو بجاد. ويقال للشقة من البجد: قليح وجمعه "قلح". وقيل البجاد الكساء. وقيل انه من وبر الإبل وصوف الغنم مخيطة.
ومن أنواع الأكسية: "المشملة": كساء يشتمل به دون القطيفة. وذكر: المشمل: كساء له خمل متفرق يلتحف به دون القطيفة. وورد في الحديث: "ولا تشتمل اشتمال اليهود"، وهو افتعال من الشملة ،وهو كساء يتغطى به و يتلفف فيه، والمنهي عنه هو التجلل بالثوب وإِسباله من غير أن يعرف طرفه. وهو "سمله" "Simlah" و "Salmah" عند العبرانيين.
و "البرنس": كل ثوب رأسه منه ملتزق به دُرّاعة كان أو ممطراً أو جُبةّ. وذكر أن "البرنس" قلنسوة طويلة، وكان النسّاك يلبسونها في صدر الإسلام. وهو من "البرس"،القطن. وعرف بهذه التسمية أيضاً عند العبرانيين.
والمُلاءة: الريطة،وهى الملحفة والإزار. وذكر أن الريطة الملاءة إذا كانت قطعة واحدة ولم تكن لفقين، وقبل: الريطة كلا ملاءة غير ذات لفقين كلها نسج واحد، وقيل: هو كل ثوب لين دقيق. والرائطة: المنديل.
والإزار: الملحفة، والمئزرة: الإزار. والرداء الذي يلبس، والجمع أردية. وذكر أن المئزر من الصوف أو الشعر يؤتزر به، فإذا انفق فهو "شملة" يشتمل بها الرجل إذا نام بالليل.
و الردن: الكُمّ. يقال: قميص واسع الردن. وذكر أن الردن مقدم كمّ القميص، وقيل هو أسفله ، وقيل: هو الكمّ كله.
ويصنع الخياط الهمابين جمع "الهميان"،ويراد به الحزام وبه كيس نجعل فيه النفقة ويشد على الوسط. وقد يصنع من الجلود أيضاً، وهو من الألفاظ المعربة من الفارسية.
أما "الكيس"، فهو لحفظ ولخزن ولحمل الأشياء. ويعرف ب "كيس" في العبرانية كذلك، وقد يصنع من الجلد. وأما "الخريطة"، فإنها "خريط" في العبرانية. وتحفظ فيها الأشياء الثمينة، وقد تحلى وتزخرف. وأما "الصرة"، وهي "صرور" في العبرانية، فلصر الأشياء. ولا تزال هذه الأسماء مستعملة معروفة.
والجاهليون مثل عرب الإسلام في اختلاف ملابسهم، فقد كانت ملابسهم تختلف باختلاف منازلهم ودرجاتهم. فللشرفاء والوجهاء أهل المدن والقرى لبس خاص يميزهم عن الطبقات الدنيا من الناس. وللتجار لبس خاص بهم، أما الأعراب فكانوا يتميزون أيضاً بطريقة لبسهم عن أهل المدن والقرى. ثم انهم عموماً كانوا يختلفون في ألبستهم باخلاف أمكنتهم وبحسب درجة اتصالهم واختلاطهم بالأعاجم. فقد كان عرب العراق قد تأثروا بألبسة الفرس وبألبسة بني إرم، فأخذوا منهم. وتأثر عرب بلاد الشام بالروم، فأخذوا منهم بعض ملابسهم،حتى أسمائها، احتفظوا بها، وقد حفظتها لنا كتب الاسلاميين، وبعضها لا تزال حية نستعملها هذا اليوم. ولا تختلف ألبسة الرأس المعروفة عند الجاهليين عن ألبسة الرأس المستعملة بين الأعراب وفي قرى جزيرة العرب. فقد اقتضت طبيعة الصحراء، أن يحمي الجاهلي رأسه بألبسة واقية تقيه من أذى أشعة الشمس المحرقة ومن الرمال التي تذرها العواصف في العيون وفي الأنوف، فأوجد لنفسه ألبسة رأس مناسبة له ولبساطة حياته. فستر رأسه بقطعة قماش مربعة الشكل في الغالب، تمتد على أطرافه ليتلثم بها وقت ظهور العواصف وارتفاع الرمال، أو وقت ظهور السموم، فيحمي نفسه منها ومن العطش، كما يحمي مؤخر رأسه من أشعة الشمس، ولتحميه من البرد في الشتاء كذلك. ويضع فوق هذه القطعة عقالاً، يصنع من الصوف أو من شعر الماعز أو الوبر، ليمسك قطعة القماش فلا تسقط. وتعرف قطعة القماش هذه بالكوفية و ب "الكفية" في الوقت الحاضر، ويقال لها وللعقال "الكفية والعقال" و "الكوفية والعقال" في اصطلاح المحدثين.
أما عرب بلاد الشام، فقد كانوا يضعون لباداً فوق رأسهم مصنوعاً من مادة مضغوطة من الصوف أو الوبر، يشبه ما يسمى ب "العرقجبن" في العراق "العرقية"، يلف حوله بقماش مختلف الألوان، قد يمتد أحد طرفيه، ليستعمل لثاماً للوجه وستراً للرقبة ، وهو زي الفلاحين والرعاة.
والعمامة من لباس الرأس عند الجاهليين. "والعرب تقول للرجل إذا سوُّد: قد عمم. وكانوا إذا سوّدوا رجلاً عمموه عمامة حمراء،وكانت الفرس تتوج ملوكها فيقال له متوج". ويقال لها "السبائب" كذلك. والعمامة: "السُب".
وعادة صبغ الثياب،من العادات المعروفة عند العرب قبل الإسلام. وكانوا يستعملون في ذلك أصباغاً مختلقة،كالقرف وهو قشور الشجر، والجذور يستخرجون ما فيها من مادة ملونة لصبغ ما يضعونه فيها من ملابس، والأصباغ المستخرجة من بعض النباتات. ولألوان العمائم أو الملابس دخل في المناسبات الاجتماعية،فكانوا يستعملون للحرب مثلاً نوعاً خاصاً من العمائم ذوات ألوان خاصة، تعبر عن المواقع، ويستعملون في الأحزان نوعاً خاصاً من العمائم والثياب، وفي الفرح ملابس خاصة،وهكذا، كما كانوا يقومون بتجميرها في بعض الأحوال.
ويقوم بصبغ الثياب وقصرها الصباغون، يصبغون الملابس كما يصبغون الأقمشة قبل تفصيلها وخياطتها. وذكر أن الكهان كانوا لا يلبسون المصبوغ ، ولعلهم كانوا يفعلون ذلك بسبب اعتقادهم أن تابع الكاهن ينفر من الصبغ.
وفي جملة الأصباغ المعروفة والشائعة عند الجاهلين، العصفر، وهو نبت أصفر يستخرج منه صبغ أصفر، تصبغ به الثياب والاقمشة وأمثالها. ومن هذه الصبغة جاءت لفظة "المعصفرات"، ويراد بها الثياب المصبوغة بالعصفر. والورس وهو صبغ أصفر، يؤخذ من نبت طيب الرائحة تصبغ به الملابس، فيقال ملحفة مورسة،إذا كانت مصبغة بالورس. وقد جاء النهي عن لبس الثياب المعصفرة في الإسلام.
والثوب الأحمر، هو الثوب المصبوغ بلون أحمر، أما "الكرك"،فالثوب الأحمر كذلك. و "ثوب مشرق"، ثوب بن الحمرة والبياض، و "ثوب قتمة" و"مقتوم" ثوب سواده ليس بشديد، و "ثوب مفروك"،مصبوغ بالزعفران، وزبرقت الثوب زبرقة، صفرته. وقد سمي "الزبرقان بن بدر" بذلك، لصفرة عمامته.
ويظهر إن الصباغين كانوا يمطلون بالمواعيد ويخلفون، لذلك ضرب بهم وبالصياغين المثل في الحلف. وورد في الحديث: "أكذب الناس الصباغون و الصوّاغون".
ويستعمل شعر الماعز في الغالب لصنع الخيام،وذلك للاعراب وللتجار والمسافرين وغيرهم. والاتجار بالخام، من التجارات التي كانت رائجة يومئذ ويستعمل شيوخ القبائل والرؤساء والملوك خياماً خاصة مصنوعة من أقمشة غليظة تتحمل المطر والعوارض الطبيعية الأخرى، ولها أسعار غالية عالية، تختلف باختلاف حجمها ونوع القماش المصنوعة منه. ولبعضها قواطع تجزئ الخيممة إلى أقسام تكون شبه غرف يسكن فيها. ويستعمل بعضها مضارب يعقد فيها ديوان الرئيس، وبعضها معابد توضع فيها الأصنام والأشياء المقدسة التي تتنقل مع القبيلة، يحملها الكهنة معهم.وقد أشير إلى هذه الأصنام المتنقلة مع القبائل في الأخبار التي سجْلها الآشوريون عن حروبهم مع الأعراب ، كما كان العبرانيون يصنعون خياماً واسعة تكون مقدسة لخدمة الرب. ومن الخيم الكبار "الفسطاط". ويطلق على الأبنية كذلك.
والبساط، ما بسط. وقد اشتهرت أنواع خاصة من البسط بين الجاهليين. منها بسط عبقر، والبساط العبقري من الأبسطة الجيدة، ومن عادة العرب أنهم إذا استحسنوا شيئاً أو عجبوا من شدته و مضائه نسبوه الى "عبقر". وعبقر عندهم أرض من أرض الجن. وورد "ثياب عبقرية" نسبة إلى عبقر. حتى قالوا: "ظلم عبقري " أي شديد فاحش. ومن أنواع البسط: "النخ". وهو بساط طوله أكثر من عرضه، وهو فارسي معرب، وجمعه نخاخ.
وللعرب طرق في هيأة لبسهم وفي كيفية وضعها على أبدانهم، ولا سيما أهل الحضر منهم. كما كانوا يكيفون لبسهم حسب المناسبات في مثل الغارات والحروب والسفر. ومن ضروب لبسهم، ما يقال له: "الاضطباع"،ويقال له: "التأبط"، وهو أن يدخل الثوب من تحت يده اليمنى فيلقيه على منكبه الأيسر.
ومن ضروب اللبس: "التفضل"، وهو التوشح،أن يخالف اللابس بين أطراف ثوبه على عاتقه. وأما "الفضلة" فالثياب التي تبتذل للنوم لأنها فضلت عن ثياب الصرف. وعرف التوشح: أن يتوشح بالثوب، ثم يخرج طرفه الذي ألقاه على عاتقه الأيسر من تحت يده اليمنى، ثم يعقد طرفيهما على صدره. وقيل: التوشح بالرداء مثل التأبط والاضطباع،وهو أن يدخل الثوب من تحت يده اليمنى فيلقيه على منكبه الأيسر، كما يفعل المحرم.
وأما "الاشتمال"، فهو ادارة الإنسان الثوب على جسده كله حتى لا تخرج منه يده. وروي أن النبي نهى عن اشتمال الصّماء. والشملة الصّمّاء، التي ليس تحتها قميص ولا سراويل، وذكر أن اشتمال الصمّاء هو أن يشتمل بالثوب حتى يجلل به جسده ولا يرفع منه جانباً، فيكون فيه فرجة تخرج منها يده، وهو التلفع،وربما اضطجع فيه على هذه الحالة.وذكر الفقهاء: أن الاشتمال هو أن يشتمل بثوب واحد ليس عليه غيره، ثم يرفعه من أحد جانبيه فيضعه على منكبه فتبدو منه فرجة.
"والسند"، ضرب من ضروب اللبس عند العرب، وهو أن يلبس قميصاً طويلاً تحت قميص أقصر منه. كما أن السند ضروب من البرود،وضرب من الثياب. وذكر أن السناد هي الحمراء من جباب البرود.
وإذا نام الشخص وأدخل رأسه في ثوبه قيل لذلك الكبس والكباس. و "الكمكمة" التغطي بالثياب.
وقد عرف الجاهليون "الكلل". و "الكلة": الستر الرقيق يخاط كالبيت يُتوقى فيه من البق.
ويعبر عن الستر ب "السجف"، وهو قماش يستر به. والسجافة السدافة،أي الحجاب. وكل باب ستر بسترين مقرونين فكل شق منه سجف. وقيل لا يسمى سجفاً إلا أن يكون مشقوق الوسط كالمصراعين.
الفصل الخامس عشر بعد المئة
قياس الابعاد والمساحات والكيل
وقد استعمل الجاهليون قياس الأبعاد والوزن والكيل في معاملاتهم. وهي متقاربة بين الشعوب السامية لاختلاط هذه الشعوب بعضها ببعض، ولمستوى تلك الشعوب في الأيام الماضية، ودرجتها في الثقافة بالنسبة إلى تلك العهود، هذا وتجد الأوزان والمكاييل قد تطورت شيئاً فشيئاً، تطورت بالتدريج من أحوال بدائية حسية يدركها الإنسان البدائي، إلى أن اتخذت أشكالاً تستند الى أسس علمية. ويستعمل الوزن لقياس الكميات. أما المسافات والأبعاد، فتقاس بالطبع بمقاييس تستند إلى أساس تقدير الأبعاد.
ويختلف أهل الجاهلية في الكيل والوزن، اختلاف الناس في هذا اليوم. منهم من يوزن الشيء، ومنهم من يكيله كيلا". كان أهل المدينة يكيلون التمر، وهو يوزن في كثر من أهل الأمصار. وان للسمن عندهم وزن، وهو كيل في كثير من الأمصار. وقد يباع الشيء عدداً، بينما يباع وزناً عند قوم آخرين. والذي يعرف به أصل الكيل والوزن، أن كلّ ما لزمه اسم المختوم والقفيز والمكوك والمدّ والصاع، فهو كيل. وكل ما لزمه اسم الأرطال والأواقي والأمناء، فهو وزن. ودرهم أهل مكة ستة دوانيق، ودراهم الإسلام المعدلة كل عشرة دراهم سبعة مثاقيل.
وقد كان الجاهليون يستعملون المكاييل في الغالب لقياس الجوامد والمائعات على حد سواء. وذلك كما يتبين من دراسة أسماء المعايير بالقياس إلى المعايير المستعملة عند الرومان واليونان. وكما يتبين من مراجعة معجمات اللغة، حيث تذكر المقياس في قياس الجوامد أحياناً وفي قياس المائعات أحياناً أخرى. وكما يتبين من عدم تفريق بعض اللغويين بين الوزن والكيل.
وقد جاءت في كتب الحديث والفقه وكتب اللغة أسماء بعض العيارات والموازين التي كان يستعملها العرب قبل الإسلام. ويظهر من هذه الكتب أن هذه العيارات والموازين كانت تختلف باختلاف المواضع، وإن اتفقت في الأسماء. فبين مكة والمدينة مثلاً اختلاف في تقدير العيارات، كذلك أختلف العرب في وزن الأشياء في بعض الأحيان، فقد ذكر أن أهل المدينة كانوا يكيلون التمر، وهو يوزن في كثير من الأمصار. ثم إِن بعض المواد تكال وتوزن، فالسمن يكال في بعض الأماكن، ويوزن في أماكن أخرى، ويكال ويوزن في آن واحد في أماكن غيرها وقد ورد في الحديث: "الوزن وزن أهل مكة، والمكيال مكيال أهل ا لمدينة".
والكيل والوزن سواء في معرفة المقادير. وتعني لفظة "كال" معنى وزن.
وقد ورد عن النبي أنه قال: المكيال مكيال أهل المدينة والميزان ميزان أهل مكة. وورد الكيل كيل الطعام، يقال: كلتُ الطعام إذا توليت ذلك له. وورد في القرآن الكريم: )ويل للمطففين، الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون، وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون(. وذلك إن كان مخصوصاً بالكيل، فحث على تحري العدل. وقد وردت لفظة: "الكيل" و "كيل" و "المكبال" و "كلتم" و "اكتالوا" و "نكتل" في مواضع من القرآن الكريمْ.
ويعبر عن الوزن وعن قياس الأبعاد بلفظة: "كل" "كال" أي "كالَ" في المسند. والوحدة "كلت" أي "كيلة". أما في عربيتنا، فقد استعملت في الوزن والكيل. وجاء الكيل: كيل الطعام. وورد كال البئر، أي قدر ما فيها من ماء. والاسم "الكيلة"، والكيل، والمكيل، والمكيال،والمكيلة، ما كيل به حديداً كان أو خشباً. وكال الدراهم والدنانير وزنها.
وفي معنى "كلت" ترد لفظة "سفرت" "سفرة". وتستعمل خاصة في قياسات الأبعاد، مثل البعد بين مكانين، أي المسافات والأطوال فهي بمعنى مرحلة أي وحدة قياسية للبعد، ومعدل ما يسافره الإنسان أو تقطعه القافلة في اليوم، أي السفرة التي تتمكن منها القافلة في اليوم، فسفرت، هي سفرة في لغتنا، أي مرحلة.
وتعد قياسات الأبعاد والموازين والمكاييل البابلية من أهم وأدق المكاييل والأوزان عند الشعوب الشرقية. فقد استند البابليون في قياساتهم هذه إلى أسس علمية.
وهم في ذلك أدق من قدماء المصريين، ومن اليهود.
والعادة قياس الأبعاد الصغيرة والمسافات القصيرة، بمقاييس تتناسب مع هذه الأبعاد وذلك باستعمال مقاييس صغيرة مثل الاصبع والشبر والذراع، صارت أساساَ للمقاييس التي تقاس بها المسافات اليعيدة، مثل المسافات بين مراحل السفر أو الأبعاد بين اسن والقرى وما شاكل ذلك. إذ لا بد من اتخاذ وحدة قياسية كبيرة في قياس الأبعاد الطويلة، لسهولة الضبط والحفظ، ولهذا اصطلحت الأمم على اتخاذ وحدات كبيرة في قياسات المراحل والأبعاد، سمتها.
وقاس الجاهليون مساحات الأرضبن الزراعية بمقدار البذور المنثورة وبمقدار ما يحرثه ثور واحد أو حيوان في نهار. ويراد بذلك متوسط عمل محراث واحد في الارض. فتقدر مساحة أرض بمقدار كميات البذور التي تنثر في الأرض، وتذكر عندئذ مقدار كيلات البذور المنثورة، ويدل عددها على مساحة الأرض.
ولو تعمقنا ثي دراسة قياس المسافات، فإننا في أن الإنسان قد استعان بأجزاء جسمه في بادئ الأمر في القياسات، فاستعان بالاصبع، واعتبره وحدة قياسية صغيرة لقياس البعد،استعمل عرضه كما استعمل طوله. واستعمل "الكف" قياساً للابعاد كذلك. وهو أربع أصابع عند العبرانيين. واستعل "الشبر" للابعاد التي تزيد على الكف. والشبر هو مسافة ما بين طرف الإبهام وطرف الخنصر، ويساوي ثلاث كفوف. ويعدل من ثمانية قراريط الى أحد عشر قيراطاً. واستعملت "الذراع" وجعلوها تعادل شبرين. وتقدر بنحو قدم إلى قدمين. ثم "الخطوة" وتعادل ذراعين أو ثلاث أقدام أو إثنتي عشر كفاً. ثم "القامة"،وتعادل خطوتين أو أربع أذرع أو ستة أقدام. ثم "القصبة". وتعادل قامة ونصف قامة، أو ستة أفرع. وتعادل تسع أقدام أو ستاً وثلاثين كفاً.
والكف - عند العرب - اليد، أو منها إلى الكوع والشبر ما بين أعلى الإبهام وأعلى الخنصر، ويكال به. ومنه "اشبر"، كيل الثوب بالشبر، يشره شبراً. والذراع من طرف المرفق إلى طرف الاصبع الوسطى، وقبل الذراع والساعد واحد. بقال ذرع الثوب وغيره، قاسه بالذراع. وهو ما يذرع به من حديد أو خشبْ. و "الباع"، قدر مد اليدين وما بي نهما من البدن، ويستعمل في قياس الأعماق، مثل الآبار، وأعماق الماء.
والخطوة ما بين القدمين. والقامة عند العرب، مقدار هيأة رجل، والبكرة بأداتها، وقيل: البكرة التي يستقى بها الماء من البئر. والقامة مقياس أيضاً تقاس به الأعماق.
وذكر الذراع في القراَن الكريم في آية: )في سلسلة ذرعها سبعون ذراعا فأسلكوه(. ويعبر عن المذروع، أي الممسوح بالذراع. وقد ذكر بعض علماء اللغة أن الذراع من طرف المرفق إلى طرف الإصبع الوسطى. وذكر بعض العلماء أن الذراع والساعد واحد. وأما المذارعة فالبيع بالذراع. ويقال ذراع من الثوب والأرض. فتستعمل المذراعة إذن في الأموال المنقولة التي لها اتساع مثل الثياب والأقمشة والخشب وما شابه ذلك، كما يستعمل في ذرع الأرض. وقد اختلف الذراع الجاهلي عن الذراع في الإسلام.
والقصبة من أصل "Kas-pu في البابلية، ومعناه "ساعتان"، أي مسيرة تقطع في ساعتين. وورد "Kas-pu Kakkari" في النصوص البابلية، ويراد بالجملة: ما يقابل "قصبة ارض" أو "ميل أرض" وقد كان أهل مصر في الإسلام يمسحون أرضهم بقصبة طولها خمسة أذرع بالتجاري، فمتى بلغت المساحة اربعمائة قصبة، فاسمها: الفدان.
و "الغلوة"، وكانت مقياساً يونانياً، وتعادل نحو " " خطوة، أو ُثمن ميل. وتسمى "فرسخاً" ايضاً. وذكر علماء اللغة أن "الغلوة" قدر رمية بسهم، وتستعمل في سباق الخيل. وقيل هي قدر ثلاثمائة ذراع إلى أربعمائة ذراع. وذكر بعض علماء اللغة،أن الفرسخ التام خمس وعشرون غلوة. وقد ذكر بعض علماء اللغة أن الفرسخ ساعة من النهار. وقال بعض آخر انه السافة المعلومة، وهو ثلاثة أميال هاشمية أو ستهّ أو اثنا عشر ألف ذراع أو عشرة آلاف ذراع. واللفظة من الكلمات المعربة، وهي Frosong فرسنك في الفهلوية. وقد أشير إلى هذا المقياس الفارسي في بعض مؤلفات الكتبة اليونان مثل "هيرودوتس" و "كسينوفون" "Xenophon" وهو "Farsong"في الفارسية الحديثة. "Prasakha" في لغة بني إرم.
وأما "الميل"، فمقياس روماني، وقد اختلف في طوله، فقيل إنه ثلث الفرسخ، وقيل إنه ثلاثة آلاف فراع أو أربعة آلاف، وقيل أربعة آلاف، خطوة، كل خطوة ثلاثة أقدام. وقيل إنه سدس الفرسخ. وهو من الألفاظ المعربة، من أصل "Miloin"، وذكر علماء اللغة أن الميل هو المنار يبنى للمسافر في أنشاز الأرض، وأنه أيضاً الأعلام المبنية على الطرق لهداية الناس.
وقد استخدم الجاهليون مصطلحات خاصة في تقدير المسافات والأبعاد، ولا سيما في الأسفار. فاستعملوا مصطلح "مسيرة ساعة" ومسيرة ليلة ومسيرة نهار ومسيرة قافلة وأمثال ذلك. وقصدوا بذلك معدل ما يقطعه الإنسان والقافلة في المدد المذكورة. واستعملوا "البريد" في تقدير الأبعاد والمسافات، و "البريد"، فرسخان، كل فرسخ ثلاثة أميال، والميل أربعة آلاف ذراع،أو أربعة فراسخ، وهو اثنا عشر ميلاً. وفي الحديث: لا تقصر الصلاة في أقل من أربعة برد، وهي ستة عشر فرسخاً، وفي كتب الفقه: السفر الذي يجوز فيه القصر أربعة برد، وهي ثمانية وأربعون ميلاً بالأميال الهاشمية في طريق مكة.
وقاس الجاهليون المساحات، مثل مساحات البيت أو الملك كالأرضين بالذراع،إن كانت غير كبيرة. أما إذا كانت كبيرة، فقد قيست بمقدار متوسط ما يحرثه "الفدان" في اليوم. وذكر علماء اللغة أن "الفدان" الثوران اللذان يقرنان فيحرث عليهما، وأن الفدان المزرعة ، والآلة، ومقدار محدود من الأرض اصطلح الناس على تحديد مقداره.
وتقاس الأرض بالجريب أيضاً. قال علماء اللغة: الجريب من الأرض مقدار معلوم الذراع والمساحة، وهو عشرة أقفزة،كل قفيز.منها عشرة أعشراء،فالعشير جزء من مائة جزء من الجريب. وقيل: الجريب المزرعة،وقدر ما يزرع فيه من الأرض. وقد استعمل للطعام ولتقدير غلة الأرض،أي وحدة قياس للارضين، ومكيلة في آن واحد، وقال بعض العلماء انه يختلف باختلاف البلدان، ومن وحدات القياس في اليمن: "ا م ت" "امت". وقد ذكرت هذه الوحدة في نصوص المسند. وتقاس بها الأبعاد طولاً وعرضاً، وذكر علماء اللغة أن "الأمت" الحزر والتقدير، يقال كم أمت ما بينك وبين الكوفة، أي قدر، وأمت القوم أمتاً، إذا حزرتهم. فللمعنى اذن صلة بالمعنى المفهوم من اللفظة في لغة المسند.
والشوحط من وحدات القياس الأبعاد كذلك. فورد: "سدثي شو حطم"، أي ستون شوحطاً. وقد ذكر هذا المقياس في كتابات المعنيين. ولعله قصبة أو خشبة، حدد طولها، واعتبرت كالمتر و "الياردة" وحدة أساسية لقياس الأبعاد. و "الشوحط"،في كتب اللغة ضرب من شجر الجبال تتخذ منه القسي، أو ضرب من النبع تتخذ منه القياس. فلا يستبعد وجود صلة بين الشوحط اليماني،وهذا الشوحط،وهو اتخاذ قضب الشوحط،مقياساً معيناً محدداً، لقياس الأبعاد.
وترد في بعض كتابات المسند لفظة "ممد" مع العدد، كأنها استعملت للتعبير عن قياس. وقد ذهب بعض الباحثين إلى أنها لا تعبر عن وحدة قياسية قائمة بذاتها، كما تعبر لفظة قدم أو ذراع، بل هي تعبر عن معنى عام، هو مسافة أو كيل أو وزن. ويفهم ذلك المعنى من مكانه الكلمة وموضعها في الجملة، وأما وزن الأشياء، أي تقدير مقدار ثقلها، فيختلف في الغالبّ باختلاف طبيعة الشيء المراد معرفة وزنه وتقدير ثقله. فإذا كان الشئ جافاً قدر بمعايير خاصة، واذا كان سائلاً قدّر بمعايير أخرى. غير إن هذا التفريق ليس يعدّ قاعدة عامة، وانما يختلف باختلاف الأماكن والأعراف والعادات. فقد يزن بعض الناس المائعات بمعايير توزن بها الأشياء الجافة عند أناس آخرين، فالسمن مثلاً يوزن ويكال، والتمر يوزن ويكال، وهناك أمثلة عديدة أخرى من هذا القبيل، وأما الأوزان، أي معرفة الخفة أو الثقل للاشياء التي يراد وزنها لمعرفة مقدارها، فقد كانت توزن بوضعها في إحدى كفتي ميزان ووضع الأوزان في الكفة الثانية. وقد كانت للاوزان البابلية شهرة، وعليها كان اعتماد العبرانيين.
والميزان الآلة التي يوزن بها. وقد ذكر علماء اللغة أسماء أجزاء الميزان. والميزان الذي كان يستعمله الجاهليون لا يختلف عن الميزان المستعمل عند الشعوب الأخرى. ويقوم الوزن على أساس المعادلة بين الكفتين، ويظهر أن الجاهليين كانوا فد أخذوا الأوزان من العراق ومن بلاد الشام، واستعملوها كلها وبأسمائها الأصلية، وذلك بدليل ما نجده في أسماء هذه الأوزان التي استعملوها من مسميات بابلية أو إرمية وفهلوية ويونانية ورومانية. لقد أخذوها بتعاملهم مع أهل العراق ومع أهل بلاد الشام، وأدخلوا مسمّياتها إلى لغتهم بعد ادخالهم بعض التحوير والتغيير عليها لتتناسب مع النطق العربي. وقد كان لا بد لهم من استخدام تلك الموازين كلها أو أكثرها على حدّ سواء، لأنهم تعاملوا وتاجروا مع العراق وبلاد الشام منذ القدم. فكان لا بد لهم من التعامل مع كل بلد بموازينه وبمقاييسه،ومن استعمال هذه الأوزان في بلادهم أيضاً بحكم ذلك التعامل والإتجار، كما نستعمل اليوم الأوزان والمقاييس الأجنبية في التعامل عندنا بدلاً من الموازين والمقاييس القديمة.
ومن الأوزان التي يعود أصلها إلى الروم: "الرطل"، وهو "Litra" عند اليونان. والأوقية، وتقابل "Oncia" "Ounguiya"عند البيزنطيين. و "الدرهم"، وهو وحدة وزن، وقطعة نقد، من "Dhrakhmi". "وقيراط" وهو من "Keration"، ومن وحدات القياس التي يعود أصلها إلى الفارسية: "الدانق"،فإنه من "دانك"،وهو سدس الدرهم، واما "المثقال" فمن أصل آرامي، من "Matqolo".
والقسطاس: الميزان، ويعبر به عن العدالة، كما يعبر عنها بالميزان. ويذكر العلماء إن القسطاس أقوم الموازين. و "القسط" مكيال يسع نصف صاع. و "الفرق" ستة أقساط. وذكر بعضهم إن "القسط" أربعمائة وواحد وثمانون درهماً. والقسط الحصة من الشيء، والمقدار.
ويقاس الذهب بالوزن، وكذلك الفضة، فكان التجّار يحملون معهم الموازين ليزنوا بها هذين المعدنين. وقد كان "الشاقل" هو وحدة القياس للوزن عند الجاهليين. ويقال في العربية: "شقل الدينار وشوقل الدينار، بمعنى وزنه وعايره وصححه". وجاء أن الشقل: الوزن. يقال: اشقل لي هذا الدينار، أي زنه. واللفظة من الألفاظ البابلية التي دخلت الى لغة بني إرم والى العبرانية والعربية.
و "الحبّة" من العيارات المستعملة عند الجاهليين والتي بقيت مستعملة في الإسلام كذلك، ولا تزال تستعمل. أما وزنها فاختلف فيه باختلاف الأزمنة والأمكنة وقد قدرها بعضهم بعُشر الدانق، وقدرها بعض آخر بسدس ثمن درهم، وهو جزء من ثمانية وأربعين جزءاً من درهم.
والقيراط،هو نصف دانق. وذكر بعض العلماء أنه جزء من أجزاء الدينار،وهو نصف عشره في بعض البلاد في الإسلام، وجزء من أربعة وعشرين في بلاد الشام، وهو عند الروم جزء من اربعة وعشرين من أجزاء شيء. وهو من أصل رومي هو "Keration"، ويظهر أو وزنه لم يكن ثابتاً، بل اختلف باختلاف البلدان.
و "المثقال" من الأوزان القديمة عند العرب، وقد وردت لفظة "مثقال"
في القرآن الكريم بمعنى مقدار ووزن. ويظن بعض المستشرفين إن "المثقال" من أقدم المعايير عند العرب، ويستعطه العطارون والصيارفة وباعة اللؤلؤ والحجارة الثمينة، وهو عبارة عن اثنتين وسبعين شعيرة. وفي بعض الموارد: المثقال عشرون قيراطاً. وهو يقابل ال "Solidus" عند الروم على وفق النظام الذي أقره القيصر "قسطنطين" "Costantine". وهو نظام اتبع في بلاد الشام،وأقره العرب واستعملوه. واللفظة من الألفاظ المعربة عن الإرمية من أصل "متقولو" "Matqolo" على بعض الآراء ،والأوقية من الأوزان التي كانت مستعملة في الجاهلية. وقد اختلف العلماء في ضبط وزنها وتعيين مقداره. فقال بعضهم: هي سبعة مثاقيل، وانها أربعون درهماً. وقال بعض آخر: هي أربعون درهماً. وقد ورد في الحديث: ليس فيما دون خمس أواق من الورق صدقة. وفي حديث النبي، انه لم يصدق امرأة من نسائه أكثر من اثنتي عشرة أوقية ونش. قال مجاهد: الأوقية أربعون درهماً،والنش عشرون. وهي تقابل "Uncia" عند الروم.
و"البزمة" وزن ثلاثين درهماً.
وقد أشير في الحديث إلى "نواة من ذهب"، وقد جعل بعض العلماء النواة زنة، وقال بعض آخر: النواة من العدد عشرون أو عشرة، أو هي الأوقية من الذهب أو أربعة دنانير أو ما زنته خمسة دراهم أو ثلاثة دراهم ونصف أو ثلاثة دراهم وثلث.
وقد كان الجاهليون يبايعون الذهب والفضة بالأوزان التي ذكرتها مثل النواة والحبة والشعيرة والمثقال والأوقية. ولما جاء الرسول المدينة وجد أهلها يبايعون اليهود الوقية من الذهب بالدنانير، فقال لهم: "لا تبيعوا الذهب بالذهب إلاّ وزناً بوزن"، وأما الرطل، فإنه في مقابلَ "Litra" في اليونانية،و "Libra" في اللاتينية. وهو قدر نصف "من". وهو من الأوزان المعروفة عند الجاهليين. وذكر أن الرطل الجاهلي هو ضعف الرطل الإسلامي، وقد اختلف وزنه عند المسلمين باختلاف الأماكن والمواضع والناس. وذكر بعضهم: الرطل اثنا عشر أوقيهّ بأواقي العرب، والأوقية أربعون درهماً، فذلك أربعمائة وثمانون درهماً. وأما "المنّ"، "Mana" "Mna" "Maneh" "Mina" "Mnh" " "منا" و "منو" "Mnu"، في البابلية، فإنه خمسة عشر شاقلاً، وعشرون شاقلاً وخمسة وعشرون شاقلاء،اي انه ورد في ثلاثة أوزان. فعرف كل وزن من هذه الأوزان الثلاثة باسم "من". وهو معروف عند قدماء اليونان، وعند السريان. وهو من الأوزان المعروفة،عند العرب الجاهليين.
وقد ذكر علماء اللغة انه كيل أو ميزان وهو رطلان، والقنطار وزن أربعين أوقية من ذهب، وقيل ألف ومئتا دينار، وقيل، ألف ومئتا أوقية ، وقيل سبعون ألف دينار، وقيل ثمانون ألف درهم، وقيل مئة رطل من ذهب أو فضة. وزعم بعض علماء اللغة انه سرياني، وزعم آخرون انه عربي، ويظهر انه لاتيني الأصل وانه من أصل، "Centenarium Pondus" أي وزن يساوي مئة ضعف وزن أخر. وقد اختلف العلماء في القنطار، وقد ذكر العلماء آراءهم فيه ويظهر إنهم كانوا قد اختلفوا فيه في الجاهلية كذلك،وسبب ذلك على ما يظهر، انهم استعملوه وزناً، أي معياراً، واستعملوه ثمنا، أي بمقدار ما يعادله بالذهب والفضة، وبالنقد، ثم بالمقايضة، مثل قولهم انه ملء ثور ذهب أو فضة.
وقد ذكر في الآية )ومن أهل الكتاب مَن إن تأمنه بقنطار يؤده لك،ومنهم من إن تأمنه بدينار لا يؤده اليك إلا ما دمت عليه قائماً(. وفي الاية: )وآتيتم إحداهن قنطاراً(. وورد: )والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة(.
وفي الإشارة إلى القنطار في القرآن الكريم دلالة على استعماله في الحجاز وربما في أماكن أخرى من جزيرة العرب كذلك.
والقناطير جمع قنطار. ومعنى القناطر المقنطرة: المال الكثير من الذهب والفضة، والمال الكثير بعضه على بعض. ويظهر من اختلاف المفسرين وسائر العلماء في مقدار القنطار أن العرب لا تحد القنطار بمقدار معلوم من الوزن، ولكنها تقول هو قدر ووزن ، لأن ذلك لو كان محدوداً قدره عندها لم يكن بين متقدمي أهل التأويل فيه كل هذا الاختلاف.
والمُدّ مكيال، وهو رطلان أو رطل وثلث أو ملء كفي الإنسان المعتدل، إذا ملأهما ومدّ يده بهما، وبه سميّ مداً ،وقيل هو ربع الصاع، لأن الصاع أربعة أمداد. وقد اختلف في مقدار المدّ في الإسلام، وقد ورثوا ذلك من الجاهلية، فقد اختلفوا في مقداره أيضاً باختلاف مواضعهم،
والصاع من المكاييل التي كان يستعملها أهل الحجاز عند ظهور الإسلام. وقد عرف خاصة عند أهل المدينة. ويأخذ أربعة أمداد. وهو يأخذ من الحبّ قدر ثلثي الصاع في بعض الأماكن. وكان لأهل المدينة صيعان مختلفة. وورد صاع المدينة أصغر الصيعان. كما ورد في كتب الحديث والفقه،صاع النبي وصاع عمر وقد كالوا به التمر والحبوب، وقد اختلف العلماء في مقداره في الإسلام. ومردّ ذلك الى الجاهلية الذين كانوا يختلفون في تقدير الصاع وذكر المفسرون أن "صواع الملك"، أو "صاع الملك" حسب قراءة "أبي هريرة" كناية عن الصاع الذي يكال به الطعام. وذكر أنه الإناء الذي يكال به الطعام، وإناء يشرب فيه، وكان يشرب الملك، وهو من فضة. وكان للعباس في الجاهلية واحد، وهو المكوك الفارسي الذي يلتقي طرفاه، كانت تشرب فيه الأعاجم.
والقفيز من المكاييل القديمة المستعملة لتقدير كميات الأشياء الجامدة، ويتسع لنحو عشرة "غالونات"، وأصله من المكاييل البابلية. وقد ذكره المؤرخ "اكسينيفون"،وهو عند العرب أصغر من القاب "Cub".
والوسق من المكاييل التي كان يستعملها العرب قبل الإسلام كذلك. قيل: هو ستون صاعاً. وقيل: هو حمل بعير. وقيل: الوسق مئة وستون منّا. وقال الزجّاج: خمسة أوسق هي خمسة عشر قفيزاً. وكل وسق بالملجم هو ثلاثة أقفزة. وقيل إن الوسق ستون صاعاً. وهو ثلاث مئة رطل وعشرون رطلاً عند أهل الحجاز. وأربع مئة رطل وثمانون رطلاً عند أهل العراق على اختلافهم في مقدار الصاع والمدّ. والأصل في الوسق الحمل. وقيل: الوسق العِدلُ، وقيل: العدلان،وقيل هو الحمل عامة.
و استعملوا الحمل كيلاً، وقد رأينا إن بعضهم عرف الوسق بأنه عدل، أو عدلان،وهو مقدار ما محمله الحيوان. وبهذا المعنى وردت لفظة "الوِقر" وتطلق على حمل البغل أو الحمار أو البعير، فهو شيء تقديري غير مضبوط تماماً. وقد ورد في القرآن الكريم: "كيلّ بعير" ،وذلك تعبيراً عن حمل بعير، وهو مقدار ما يحمل. كما ورد فيه "حمل بعير" في المعنى نفسه.
ولا يزال العرف جارياً بين أهل القرى والبادية في البيع "حمولاً"، جمع "حمل"، وهو حمل "بعير" أو حمار أو غير ذلك من الدواب التي تنقل الشيء الذي يراد بيعه مثل الملح أو "العوسج" أو "العاقول" أو "حطب البادية" أو الزرع إلى الأسواق، فتباع حملا لا وزناً، ويشتريه المشترون على هذه الصفة.
وذكر علماء اللغة، أن الكر، مكيال لأهل العراق، وقد أشير اليه في كتب الحديث. و ذكر أنه ستة أوقار حمار، وهو عند أهل العراق ستين قفيزاً. والقفيز ثمانية مكاكيك. والمكوك صاع ونصف. وهو ثلاث كيلجات. وذكر "الأزهري" أنه اثنا عشر وسقاً، كل وسق ستون صاعاً أو أربعون أردباً بحساب أهل مصر. وهو "كور" في لغة بتي "ارم"، ويعادل عند أهل بابل وقر ستة حمير.
وذكر علماء اللغة، أن "المكوك" طاس يشرب به أعلاه ضيق ووسطه واسع، والصاع كهيئة المكوك. وكان للعباس مثله في الجاهلية يشرب به. وقد ورد في الحديث أن الرسول كان يتوضأ بمكوك. ويسع صاعاً ونصفاً، أو نصف رطل إلى ثماني أواق،أو يسع نصف الويبة، و الويبة اثنان وعشرون، أو أربع وعشرون مدا بمد النبي، أو هو ثلاث كيلجات. وهو صاع ونصف. والكيلجة تسع منّا وسبعة أثمان منا. والمنا رطلان، والرطل اثنتا عشرة أوقية، والأوقية أستار وثلثاً، والأستار أربعة مثاقيل ونصف، والمثقال درهم وثلاثة أسباع درهم،، والدرهم ستة دوانق، والدانق قيراطان، وللقيراط طسوجان، والطسوج حبتان،والحبّة سدس ثمن درهم، وهو جزء من ثمانية وأربعين جزءاً من درهم. وذكر أن الكر: ستون قفيزاً، والقفيز ثمانية مكاكيك، والمكوك صاع ونصف، وهو ثلاث كيلجات، والكيلة مقياس استعمله العبرانيون والجاهليون ؛ وهي "Seah"، و "Saton"، في اليونانية "Modius"، وهي تختلف باختلاف اصطلاح الأمم. فالكيلة العبرانية كبيرة بالقياس إلى الكيلة الرومانية، وهي تعادل كيلة وربع كيلة رومانية. وتبلغ ثلث "الأيفة". وتعادل اثنين وعشرين "Sextari". وتستعمل في وزن المواد الجامدة مثل الحبوب.
وأما "الأيفة" "Ephah"، فكلمة مأخوذة من اللغة المصرية، ترد كثيراً في العهد القديم. وهي تعادل ثلاث كيلات "Seah". وتستعمل لقياس المواد الجافة فقط، وتقابل "Atrabe"، و "Metretis"عند اليونان، وهي مجزأة إلى عشرة اجزاء، يقال للجزء الواحد "العمر". "عومير" "اومير" "Omer"، أو الكومة. ويقال له "عشر" "Issaron" أيضاً، وتقسم إلى ستة أقسام كذلك يطلق على كل قسم اسم "سدس".
ولعل لأومير "عومير" "Omer"، صلة ب "الغمر" عند الجاهليين. وهو عندهم قدح صغير يتصافن به للقوم في السفر، إذا لم يكن معهم من الماء إلا يسيراً على حصاة يلقونها في إناء ثم يصب فيه من الماء قدر ما يغمر الحصاة فيعطاها كل رجل منهم. وقيل هو "القعب" الصغير يحمله الراكب معه، يعلقه على رحله. وقيل: الغمر: أصغر الأقداح. قال أعشى باهلة يرثى أخاه المنتشر بن وهب الباهلي: تكفيه حزة فلـذان ألـم بـهـا من الشواء ويروي شربه الغمر
والغمر يأخذ كيلجتين أو ثلاثاً، والقعب أعظم منه، وهو يروي الرجل،و "الكيلجة"، مكيال.
و "الكر" من المكاييل المستعملة عند العبرانيين. وذكر علماء اللغة أن الكُر،مكيال لأهل العراق. وقد أشير اليه في كتب الحديث والفقه. ويظهر أنه مكيال للمائعات. ورد: اذا كان الماء قدر كرّ لم يحمل القذر. ومكيال للجوامد أيضاً،وهو ستة أوقار حمار، وهو عند أهل العراق ستون قفيزاً. والقفيز ثمانية "مكاكيك" والمكوك صاع ونصف، وهو ثلاث كليجات. وذكر الأزهري أنه اثنا عشر وسقاً، كَل وسق ستون صاعاً او أربعون اردباً بحساب اهل مصر.
واستعمل الجاهليون "للزق"، وحدة عامة لوزن المائعات. فورد: "زق خمر" مثلاَ ويستعمل خاصة في الخمور.
وقد عثر على عدد من قطع الأوزان المصنوعة من الحديد وبعضها من برونز، وقد استعملت في وزن الأشياء. وقد تأًثر بعضها بالعوارض ولعبت الأيدي ببعض آخر. ونأسف على عدم وقوفنا وقوفاً تاماً على أسماء الأوزان ومقدار ثقلها،لعدم وصول عدد كاف منها الينا عليه كتابة تشير إلى اسمه ومقدار وزنه، ولعل الأيام تجود علينا منها بما يحقق لنا هذه المعرفة أما "الصّبرة": فما جمع من الطعام بلا كيل ولا وزن بعضه فوق بعض.
فهي: الطعام المجتمع كالكومة، ومن ذلك بيع "الصبرة" من التمر. وقد نهى الإسلام عن هذا النوع من البيع، والفالج والفلج مكيال ضخم، وقيل هو القفيز. وقد ذكر بعض الباحثين انه سرياني الأصل، وأن أصله "فالغا" فعرب. قال الجعدي يصف الخمر: ألقى فيها فلجان من مسك دا رين وفلج من فلفل ضـرم
ومن هنا يقال للطرف المعدّ لشرب القهوة وغيرها "فلجان"، والعامة تقول: فنجان، و "الطسق" مكيال أيضاً، وهو من أصل فارسي، وذكر أنه مكيال لكيل الزيوت وكل أنواع الدهن. وهو ضريبة الأرض كذلك، أي في معنى خراج في الإسلام. كتب عمر إلى "عثمان بن حنيف" في رجلين من اهل المدينة أسلما: ارفع الجزية عن رؤوسهما وخذ الطسق من أرضيهما.
والفرق مكيال بالمدينة، اختلف فيه. فقيل: يسع ستة عشر مداً، وذلك ثلاثة آصع، أو يسع ستة عشر رطلاً، وهي اثنا عشر مداً وثلاثة اصع عند أهل الحجاز. أو هو أربعة أرباع، وقيل الفرق خمسة أقساط، والقسط نصف صاع. وقيل غير ذلك. وذكر أن "الفرق" هو مكيال لأهل اليمن، وقد ذكر في عهد الرسول لقيس بن مالك بن سعد بن لأي الأرحبي الهمداني، إذ جاء فيه: "وأطعمه ثلاثمائة فرق من خيوان، مائتا زبيب وذرة شطران ومن عمران الجوف مائة فرق برُّ".
وقد ذكر بعض علماء اللغة اسم مكيال من مكاييل أهل اليمن دعوه "الذهب"، ويجمع على أذهاب.
ومن المكاييل المذكورة في التوراة والمعروفة عند الجاهليين كذلك، والتي تكال بها الأشياء الجافة: "القبضة"، أي كومة اليد. والكومة كيلة عند الشعوب الأخرى وهي بمعنى "صبرة". ولا يزال البدو يستعملونها، ولكنها ليست من المكاييل الرسمية، بل هي في الواقع كتلة عرفية. وهي تختلف في المقدار والكمية بحسب اتساع قبضة اليد، وقد كان الجاهليون يكوّمون ما يريدون بيعه بالتكوم كوما، ولا زال هذا البيع معروفاً. وقد كان أهل الجاهلية، يبيعون قبضة من التمر، أو قبضة من السويق، أو الدقيق، وذلك بحسب ما تقبضه اليد، أي كفاً منها.