هنا عشت و من هذا الطريق سلكت و لأنها الحياة رحلت

الأربعاء، 21 أبريل، 2010

المفصل في تاريخ العرب : وبنو ثقيف حزبان

وبنو ثقيف حزبان: الأحلاف ومنهم: "غيلان بن سلمة" و "كنانة بن عبد ياليل" و"الحكم بن عمرو بن وهب بن معتب"، و"ربيعة بن عبد ياليل" و "شرحبيل بن غيلان بن سلمة"و "عثمان بن أبي العاص" و "أوس بن عوف" و "نمير بن خرشة بن ربيعة"، وقد ذهب هؤلاء إلى الرسول وأسلموا، فاستعمل عليهم "عثمان بن أبي العاص". وأما القسم الثاني، فعرف ب "بني مالك"، وقد ذهب نفر منهم مع هذا الوفد إلى الرسول، فضرب لهم قبة في المسجد. وأما الأحلاف، فنزلوا ضيوفاً على "المغيرة بن شعبة" وهو من ثقيف. ومن الإخلاف في الإسلام: المختار بن أبي عبيد، والحجاج بن يوسف.
ومن زعماء الأحلاف عند ظهور الإسلام" أميةّ بن أبي الصلت، والحارث. ابن كلدة، ومعتب، وعتاب، وأبو عتبة، وعتبان.
ويذكر أهل الأخبار إن حربا وقعت بين "مالك" والأحلاف، فخرجت الأحلاف تطلب الحلف من أهل يثرب على "بني مالك"، وعلى رأسها "مسعود ابن معتب" رأس الأحلاف. فقدم على "احيحة بن الحلاّج"، أحد بني عمرو بن عوف من "الأوس". فطلب منه الحلف. فأشار عليه "احيحة"، إن عليه إن يعود إلى الطائف ويصالح إخوانه، فان أحداً لن يبر له إذا حالفهم، فانصرف "مسعود" عن "عتبة" بعد إن زوّده بسلاح وزاد وأعطاه غلاماً يبني الأسوار. فلما وصل، أمر الغلام ببناء سور حول الطائف. فبناه له، وأحيطت الطائف بسور قوي حصين، وأمنت بذلك على نفسها من غارات الإعراب.
ويختلف أهل الطائف عن أهل مكة، وعن الأعراب من حيثُ ميلهُم إلى الزراعة واشتغالهم بها وعنايتهم بغرس الأشجار. وقد عرفت الطائف بكثرة زبيبها وأعنابها واشتهرت بأثمارها. وقد كان أهلها يعُنون بزراعة الأشجار المثمرة، ويسعون إلى تحسين أنواعها وجلب أنواع جديدة لها، فقد استوردوا أشجاراً من بلاد. الشام ومن أماكن أخرى وغرسوها، حتى صارت الطائف تموّن مكة وغيرها بالأثمار والخضر.
وثقيف حضر مستقرون متقدمون بالقياس إلى بقية أهل الحجاز. فاقوا غيرهم في الزراعة اذ عنوا بها كما ذكرت مع واستفادوا من الماء فائدة كبيرة، وأحاطوا المدينة ببساتين مثمرة، كما فاقوا في البناء فبيوتهم جيدة منظمة، وكان لهم حذق ومهارة في الأمور العسكرية. وقد تجلى ذلك في دفاعهم عن مدينتهم يوم حاصرها الرسول وتحصنهم بسورهم، ورميهم المسلمين بالسهام وبالنار من فوق سورهم، يوم لم يكن لمكة ولا للمدينة سور ولا خنادق.
كذلك اختلف أهل الطائف عن غيرهم من أهل الحجاز في ميلهم إلى الحرف اليدوية مثل الدباغه والتجارة والحدادة، وهي حرف مستهجنة في نطر العربي، يأنف من الاشتغال بها. ولكن أهل الطائف احترفوها، وربحوا منها، وشغّلوا رقيقهم بها. وقد استفادوا من خبرة الرقيق، فتعلموا منهم ما لم يكن معروفاً عندهم من أساليب الزراعة وأعمال الحرف، فجددوا وأضافوا إلى خبرتهم خبرة جديدة.
وقد عاش أهل الطائف في مستوى هو أرفع من مستوى عامة أهل الحجاز، فقد رزقوا فواكه أكلوا منها، وجففوا بعضا منها مثل "الزبيب"، وأكلوا وصدروا منه ما زاد عن حاجتهم، كما اقتاتوا بالحبوب واللحوم. حتى حظ فقراء الطائف، هو أرفع وأحسن من درجة من حظ فقراء المواضع الأخرى من الحجاز.
وقّد ذهب المفسرون إلى أن كلمة القريتين الواردة في القرآن الكريم، تعني مكة و الطائف. )وقالوا لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم(.
و كان رؤساؤها من المثرين الكبار، لهم حصون يدافعون بها عن أنفسهم وعن أموالهم، ولهم علم بالحرب. ولحماية مدينتهم أقاموا حصوناً على مسافات منها، وحوّطوا مدينتهم بسور حصين عال، يردّ من يحاول دخولها، وجمعوا عندهم كل وسائل المقاومة الممكنة التي كانت معروفة في ذلك العهد، مثل أوتاد الحديد التي تحمى بالنار لتلقى على الجنود المختفين بالدبابات، وغير ذلك من وسائل المقاومة والدفاع، كما كانوا قد تغلّموا من أهل اليمن مثل مدينة "جرش" صناعة العرادات والمنجنيق والدبابات.
وكان أغنياء "الطائف"، كأغنياء مكة وأغنياء المواضع الأخرى من جزيرة العرب أصحاب ربا، ولما اسلموا اشرط عليهم الرسول أن لا يرابوا، ولا يشربوا الخمر.وكتب لهم كتاباً. وكانت لهم تجارة مع اليمن، ولكننا لا نسمع شيئاً عن قوافل كبيرة كقوافل أهل مكة، كانت. تتاجر مع بلاد الشام أو العراق. ولعلهم كانوا يساهمون مع تجار مكة في اتجارهم مع تلك الديار.
وقد اشتهرت الطائف بدباغة الجلود، وذكر أن مدابغها كانت كثيرة، وان مياهها كانت تنساب إلى الوادي، فتنبعث منها روائح كريهة مؤذية. واشتهرت بفواكهها وبعسلها.
وقد استغل أثرياء قريش أموالهم في الطائف، فاشتروا فيها الأرضين وغرسوها واستثمروها، واشتروا بعض المياه، وبنوا لهم منازل في الطائف ليتخذوها مساكن لهم في الصيف، وأسهموا مع رؤساء ثقيف في أعمال تجارية رابحة، وربطوا حبالهم بحبالهم، وحاولوا جهد إمكانهم ربط الطائف بمكة في كل شيء.
ولما فتحت مكة، وأسلم أهلها طمعت ثقيف فيها، حتى إذا فتحت الطائف أقرت في أيدي المكيين، وصارت أرض الطائف مخلافاً من مخاليف مكة.
وقد كان بين أهل مكة وأهل الطائف تنافس وتحاسد، وقد حاول أهل الطائف جلب القوافل اليهم، وجعل مدينتهم مركزاً للتجار يستريحون فيه، وقد نجحوا في مشروعهم هذا بعض النجاح يوم استولى الفرس على اليمن، وتمكنوا فيه من طرد الحبش عن العربية الجنوبية، فصارت قوافل "كسرى" التجارية و "لطَائم" ملوك الحيرة تذهب إلى اليمن وتعود منها من طريق الطائف، ونغصت بذلك عيش أهل مكة، غير إن أهل مكة تمكنوا من التغلغل إلى الطائف ومن بسط سلطانهم عليها، بإقراض سادتها الأموال، وبشراء الأرضين. فبسطوا بذلك سلطانهم عليها، وأقاموا بها أعمالاً اقتصادية خاصة ومشتركة، وهكذا استغل أذكياء مكة هذا الموضع المهم، وحوّلوه إلى مكان صار في حكم التابع لسادات قريش.
ومن سادات الطائف: "عبد ياليل" وأخوته "حبيبا" و "مسعودا" و "ربيعة" و "كنانة" وهم "بنو عمرو بن عمير بن عوف بن عقدة بن غيرة الثقفي"، وكانوا أثرياء أجواداً يطعمون بالرياح. وأمهم "قلابة بنت الحارث بن كلدة بن عمرو بن علاج" الثقفي. وبيت "بني علاج" من البيوت القديمة المعروفة بالطائف.
وقد لقي الرسول مقاومة عنيفة من أهل الطائف حين حاصرها وأحاط بها، فقد تحصن أهلها بحائطهم وبحصونهم، وأغلقوا عليهم أبواب مدينتهم، وصنعوا الصنائع للقتال. إما من كان حول الطائف من الناس، فقد أسلموا كلهم. ولما ضيق المسلمون الحصار عليها، وقربوا من الحائط، دخل نفر من أصحاب رسول الله تحت دبّابة، ثم زحفوا بها إلى جدار الطائف فأرسلت عليهم ثقيف سكك الحديد فحماة بالنار، فخرجوا من تحتها، فرمتهم ثقيف بالنبل، وقتلوا رجالاً، فأمر رسول الله بقطع أعناب ثقيف،كي يحملهم على فتح أبواب مدينتهم ومهادنة الرسول، للإبقاء على أموالهم، غير انهم لم يبالوا بما رأوا من قطع أعنابهم وتخريب بساتينهم، وبقوا على عنادهم، مما حمل الرسول على ترك حصارهم والرحل عنهم انتظاراً لفرصة أخرى.
ويذكر أهل الأخبار، إن "سلمان الفارسي"، اتخذ منجنيقاً نصبه المسلمون على الطائف، وان المسلمين كانت لهم دبّابة، جاء بها "خالد بن سعيد بن العاص" من "جرش".
ويذكر الطبري إن عروة بن مسعود، وهو من وجوه الطائف، كان قد تعلم مع غيلان بن سلمة صنعة الدبابات والضّبور والمجانيق من أهل جرش. وقد اشتهرت هذه المدينة بصنع آلات الحرب.
ولما انصرف الرسول عن الطائف، اتبع أثره "عروة بن مسعود بن معتب" حتى أدركه قبل إن يصل إلى المدينة، فأسلم. فلما رجع إلى الطائف على أمل إقناع أهلها بالدخول في الإسلام، لمكانته فيهم، رموه بالنبل من كل وجه، فأصابه سمم فقتله. ثم أقامت ثقيف بعد مقتل عروة أشهراً، ثم انهم ائتمروا بينهم ألا طاقة لهم بحرب من حولهم من العرب، فأرسلوا وفداً إلى المدينة لمفاوضة الرسول على الدخول في الإسلام. فلما دخلوا عليه أبوا إن يحيوّه إلا بتحية الجاهلية، ثم سألوه إن يدع لهم "الطاغية"، وهي اللات لا يهدمها إلى أجل، لأنهم أرادوا بذلك "فيما يظهرون إن يسلموا بتركها من سفهائهم ونسائهم وذراريهم، ويكرهون إن يروّعوا قومهم بهدمها حتى يدخلهم الإسلام. فأبى رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك إلا إن يبعث أبا سفيان بن حرب والمغيرة بن شعبة فيهدماها. وقد كانوا سألوه مع ترك الطاغية إن يعفيهم من الصلاة، وان يكسروا أوثانهم بأيديهم، فقال رسول الله: أما كسر أوثانكم بأيديكم فسنعفيكم منه. وأما الصلاة، فلا خير في دين لا صلاة فيه. فقالوا: يا محمد، أما هذه فسنؤتيكها وإن كانت دناءة".
فلما وصل الوفد ومعه أبو سفيان والمغيرة بن شعبة، إلى الطائف، وأرادا هدم الصنم، "أراد المغيرة إن يقدم أبا سفيان، فأبى ذلك أبو سفيان عليه، وقال: ادخل أنت على قومك، وأقام أبو سفيان بماله بذي الهرم، فلما دخل المغيرة بن شعبة، علاها يضربها بالمعول، وقام قوم دونه-بنو مُعتب -خشية إن يرمى أو يصاب... وخرجن نساء ثقيف حسّراً يبكين" "ويقول أبو سفيان والمغيرة يضربها بالفأس: واهاً لك. فلما هدمها المغيرة، أخذ مالها وحُليهَّا، وأرسل إلى أبي سفيان وحليهّا مجوع، ومالها من الذهب والجزع، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر أبا سفيان إن يقضي من مال اللات دين عروة. والأسود ابني مسعود، فقضي منه دينهما".
وذكر عن "عروة بن مسعود الثقفي" انه كان من الرجال الذين كانوا عندهم عشر نسوة عند مجيء الإسلام، وانه نادى على سطحه بالطائف بالأذان أو التوحيد، فرماه رجل من أهل الطائف فقتله، وان الرسول، قال فيه: "مثله مثل صاحب ياسين". "ويقال إنه الذي ذكره الله عز وجل في التنزيل من القرينين عظيم. وذكر بعض أهل العلم إن أربعة اتصل سؤددهم في الجاهلية والإسلام" عروة بن مسعود، والجارود واسمه: بشر بن المعلى، وجرير بن عبد الله، وسراقة بن جعشم المُدْلجي".
وثقيف أقرب في الواقع إلى اليمن منهم إلى أهل الحجاز. وتكاد تكون ثقافتهم ثقافة يمانية، وحياتهم الاجتماعية حياة اجتماعية من النوع المألوف في اليمن. حتى في الوثنية نجد لهم معبداً خاصاً بهم، يتقربون إليه ويحجون له. ولعلّ هذه الاختلافات وغيرها هي من جملة العوامل التي صَيرت ثقيفاً مجتمعاً خاصاً معارضاً لمجتمع مكة، وجعلت أهل الطائف يكرهون أهل مكة الذين امتلكوا أملاكاً في الطائف، وكانوا يأتون إليها في الصيف هرباً من جوّ مكة المحرق.
ومن بطون ثقيف، "بنو الحطيط" و "بنو غاضرة". ومن " بني الحطيط "مالك بن حطيط"، وكان من ساداتهم في الجاهلية، ومن ثقيف الشاعر أمية بن أبي الصلت. "وكان بعض العلماء يقول لولا النبي صلى الله عليه وسلم، لادعت ثقيف إن أمية نبيّ، لأنه قد دارس النصارى وقرأ معهم ودارس اليهود وكل الكتب قرأ. ولم يسلم ورثى قتلى بدر. ومن رجالهم "أبو محجن"، كان شاعراً فارساً شجاعاً شهد يوم القادسية، وكان له فيها بلاء عظيم، وقد شهد يومئذ "عمرو بن معد يكرب" وغيره من فرسان العرب، فلم يبل أحد بلاءه. و "الأخنس بن شريق"، وتزعم ثقيف انه أحد الرجلين اللذين ورد ذكرهما في القرآن، على رجل من القريتين عظيم: "الأخنس بن شريق والوليد بن المغيرة. وقد كان حليفا لبني زهرة. وقد خنس ببني زهرة يوم بدر.
ومن ثقيف "بنو علاج"، ومنهم "الحارث بن كلدة". "كان طبيب العرب في زمانه وأسلم ومات في خلافة عمر". والمغيرة بن شعبة.
ومن بني ثقيف عثمان والحكم ابنا أبي العاص بن بشر بن دهمان الثقفي، كانا شريفين عظمي القدر، ولى "عمر" عثمان عمان والبحرين وأقطعه الموضع المعروف بالبصرة ب "شط عثمان". ومنهم "تميم بن خرشة بن ربيعة"، أحد وفد ثقيف إلى رسول الله، ومن فرسانهم في الجاهلية" "أوس بن حذيفة" وأدرك الإسلام، و "ضبيس بن أبي عمرو"، و "همام بن الأعقل" وآخرون.
الفصل الرابع والأربعون
مجمل الحالة السياسة في جزيرة العرب عند ظهور الإسلام
استعرضنا في الفصول المتقدمة من هذا الكتاب حالة العرب السياسية قبل الإسلام على قدر ما أدّى إليه بحثنا، وساعفتنا عليه الموارد. أما في هذا الفصل وهو خاتمة فصول القسم السياسي، فنستعرض حالة العرب السياسية في القرن السادس للميلاد بوجه عام،
والقرن السادس للميلاد، فترة من الفترات المهمة في تأريخ البشرية، فيه ظهرت أمارات الشيخوخة على الانبراطورية الساسانية التي شيدها "أردشير الأول" على أثر الثورة التي اندلعت عام "224 م" أو "226 م"، ثم لم تلبث إن انهارت في القرن السابع للميلاد بسرعة عجيبة، وبأيد لم يحسب لوجودها حساب، ومن مكان لم يكن له قبل ظهور الإسلام أثر ما فعاًل في السياسة العالمية. وفي هذا القرن أيضاً برزت الأمراض العديدة التي ألمّت بالقيصرية، والأملاك التي كانت خاضعة لها، وهي أمراض لم تنج منها إلا ببتر بعض أطرافها في القرن التالي له، فخرجت من ردهة العمليات تئن من فاجعة الألم الذي حلّ بها، ومن هول ما أصيبت به بذلك البتر.
وفي النصف الثاني من هذا القرنُ ولدَ الرسول، وبميلاد الرسول ظهر حدث تأريخي خطير للبشرية في النصف الأول من القرن السابع للميلاد، يكفي إن أثره قائم حتى الآن، وانه سيقوم إلى ما شاء. الله، وانه أوجد مفاهيم خلقية جديدة للبشرية، وانه بشر برسالة قائمة على إن الدين لله، وان الناس أمامه سواء، لا فرق بين فرد وآخر وجنس وجنس، ولا تمييز للون على اخر، ثم لم يلبث إن انتشر بسرعة عجيبة لم ينتشر بمثلها دين من الأديان، فقضى على إحدى الانبراطوريتين العظيمتين في عالم ذلك العهد، واستأصل الأعضاء الثمينة من الانبراطورية الأخرى، وأوجد من أشتات سكان جزيرة العرب أمة، ومن قبائلها المتنازعة حكومة ذات سلطان، وفاض على سداد الجزيرة، وسقى ما وراءها من أرضين، ثم وحد بين أقوام عديدين وجمعهم في صعيد دين الله.
وقد ابتلي هذا القرن والنصف الأول من القرن التالي له بأوبئة وبآفات وبمجاعات زادت في مشكلاته الكثيرة التي ورثها من القرون السابقة له، ففيه انتشرت أوبئة ابتلعت بضع مئات من البشر في كل يوم من أيام انتشارها، كانت كالعواصف تنتقل من مكان إلى مكانّ مكتسحة من تجده أمامها من مساكين، وتعود بين الحين والحين لتبتلع ما يسد حاجتها من البشر والحيوانات. وفيه ُمني العالم بزلازل وبنقص كبير في الغلات أوجد قحطاً ومجاعةً وفقراً في كثير من الأقطار، حتى اضطر كثير من الناس إلى هجر الأماكن المنكوبة والارتحال عنها إلى أماكن أخرى فيها النجاة والسلامة.
ولا ريب إن ظروفاً هذه حالتها، لا بد إن تتولد منها مشكلات اجتماعية وسياسية واقتصادية للحكومات وللرعية، فاختل الأمن خاصة في المناطق الواقعة تحت أقدام الجيوش، فيوماً تكتسحها جيوش الفرس فتهدم كل ما تجده أمامها من قرى ومدن، ويوماً تغزوها جيوش الروم فتستولي على ما تجده أمامها من حاصلات زراعية ومن أموال. وفي ظروف هذه شأنها لا بد إن يجد الخارجون على النظام والطامعون في الربح السهل الحرام فرصاً مواتية لا يفرط فيها للكسب والظفر بما يرغبون فيه، فتأثرت بذلك حالة سكان هذه الأرضين، كما تعرضت التجارة للأخطار، واضطر التجار إلى سلوك طرق ثانية ليكونوا بمأمن من شر قطاع الطرق وفسادهم. وترك أكثر الناس مزارعهم وقراهم فراراً من هذا الوضع إلى المدن الكبيره البعيدة عن مواطن الغزو والأخطار،. فتحولت خيرة الأرضين الخصبة إلى اًرضين مجدبة، نتيجة لهذه الهجرة، ولتراكم الأتربة في شبكات الري. ولكن هذا القرن لم يعدم مع ذلكُ حكاماً حاولوا جهد إمكانهم إصلاح الخطأ، وأناساً كان لهم حسّ وشعور بما وصلت إليه الحالة فنادوا بالإصلاح. ولكن صيحاتهم لم تكن ذات أثر خطير في قوم قلقين حائرين، وليس في أيديهم زمام أمورهم، وقد اعتراهم ذهول جعلهم لا يعرفون كيف يتصرفون. ثم إن الحمل كان ثقيلاً، والأخطاء كثيرة، والأمراض، عديدة لا يقومها طبيب واحد أو أطباء معدودون.
لقد عزم "كسرى" الأول "531-579م" المعروف ب "كسرى أنو شروان"، على إصلاح الحال في مملكته، فأمر بوضع دستور جديد للجباية يخفف عن كاهل الدافعين بعض الثقل، وأمر بإصلاح الأرض وتوزيعها على شعبه بالعدل وبالإنصاف بين الناس حتى عرف لذلك بالعادل، واستعان بمستشارين حكماء كانوا يعظونه ويرشدونه بطريقة الحكم والأمثال والعظات إلى كيفية سياسة الرعية وتدبر أمورها، كما ولى النواحي الروحية عنايته كذلك، فأعاد الزردشتية القديمة، وقاوم الحركة المزدكية التي قام بها "مزدك" في عهد والد "قباد الأول" "483 - 531م" "488 - 531م"، وهي حركة تدعو إلى الغاء الملكية، والى الإباحية، والى القضاء على امتيازات النبلاء ورجال الدين على ما تقوله الموارد التأريخية العربية المستندة إلى موارد "فهلوية" شجعها "قباذ" لما وجد فيها من مبادئ توافق سياسته الرامية إلى مقاومة تلك الطبقات المتنفذة التي عارضت في انتقال العرش إليه، والتي اجتمعت كلمتها برئاسة "موبذان موبذ" والعظماء على إنزاله من عرشه، لما بدا لهم من ازوراره عنهم، وانحرافه عن الزردشتية إلى تعاليم مزدك المناهضة للموابذة ولعظماء المملكة الذين كانوا يتمتعون في المملكة بنفوذ واسع حدّ من سلطان "شاهنشاه".
ورسالة مزدك وتعاليمه، غامضة، لا نعلم من حقيقتها شيئاً، فقد أبيدت كتبهم وطمست معالم دينهم في.عهد "أنو شروان"، ولم يبق منها إلا هذه النتف المدوّنة في الكتب العربية عن موارد "فهلوية" دوّنت في أيام محفة المزدكية وبعدها. ويظهر من هذه النتف إنها حركة دينية اجتماعية سياسية تدعو إلى توزيع الثروات بين الناس بالتساوي. والى انتزاع الأموال والأرضين من الأغنياء لإعطائها للمقليّن، حىّ من كان عنده جملة نساء تؤخذ منه لتعطى لغيره من المحتاجين، فهي على هذا التعريف فكرة اشتراكية متطرفة عارضت النظم الاجتماعية القائمه، وهددت الدين القائم، وجرّأت العامة على تلك الطبقات، كان الملك في حاجة إليها للانتقام ممن عارضه فأيدها.
هذا وحيث أننا قد تعلمنا من التجارب التي تجري في الوقت الحاضر ومن دراستنا للموارد التأريخية القديمة، إن ما يكتب عن قوم غضب الحاكمون عليهم لا يمكن إن يكون مرآة صافية يعبر عن وجه أولئك القوم وعن ملامحهم الحقيقية، لذا فإننا لا نستطيع إن نقول ان ما وصل إلينا عن المزدكية بمثل رأيها وعقيدتها تمام التمثيل، إذ يجوز إن يكون منه ما هو مصنوع موضوع حمل عليهم، وان رواة الأخبار قد غرقوا منه، ودوّنوه على نحو ما وصل إلينا في كتبهم. لذلك يجب الانتباه على هذه الملاحظة.
وحمل عدل الملك الساساني وحلمه وتسامحه مع رعيته ومساعدته للخارجين على الكنيسة الرومية الرسمية "من الفلاسفة والمثقفين بالثقافة الإغريقية القديمة ممن كانوا هدفاً لهجمات الكنيسة الأرثودكسية في الانبراطورية البيزنطية" على الهجرة إلى المملكة الساسانية، طامعين في عدل الملك وحمايته، وفي بيأة تكون فيها الحربة الفكرية مكفولة مضمونة، لا ضغط فيها ولا إكراه. ولكنهم ما لبثوا إن وجدوا إن الزردشتية التي نصرها وأيدها "كسرى أنو شروان"، وهي ديانة المملكة غير ملائمة للفلسفة، وأنها ليست أرحب صدراً من "الأرثُودكسية"، وانهم لم يكونوا على صواب بمجيئهم إلى هذه الأرض، فرجوا من "ملك الملوك" الترفق بهم، بالسماح لهم بالعودة إلى بلادهم. فلما كانت الهدنة، طلب "كسرى" من قيصر في سنة 549م إباحة العودة إلى ديارهم والتلطف بهم والعفو عما بدر منهم من الذهاب إن مملكته.
وكان مما فعله "كسرى أنو شروان" أن هاجم الإمبراطورية البيزنطية وقيصرها في عهد "يوسطفيان" "يسطنيانوس" "جستنيان" "527 - 565م"، واشتبك معها في جملة حروب، ووسع حدوده في الشرق، وساعد الأحزاب المعارضة للروم، وأرسل حملة إلى اليمن بناء على طلب الأمراء المعارضين لحكم الحبشة عليها، ساعدتهم في وضع خطة لإزاحة الحبشة عنها. والحبش هم حلفاء البيزنطيين وإخوانهم في الدين وهم الذين حثوّا النجاشي على فتح اليمن بعد إن يئسوا من الاستيلاء عليها ومن الاستيلاء على الحجاز وبقية جزيرة العرب.
واتبع "كسرى الثاني" "595 - 628 م" المعروف ب "كسرى أبرويز"، وهو ابن "هرمز بن كسرى أنو شروان"، خطوات جدّه وأسلافه الملوك الماضين في الحرب مع البيزنطيين، فبلغ "خلقيدونية" ثلاث مرات، واستولى على بلاد الشام، ودخلت جيوشه القدس في سنة "614 م". ثم استولى على مصر في سنة "619 م" ودَوّخ بفتوحاته الروم إلى أن عاجله ابنه بخلعه، فاستراح الروم منه، ثم لم يلبثوا أن استردوا من الفرس أكثر ما أخذوه منهم في تلك الحروب.
وقد اضعفت هذه الحروب المتوالية الحكومة الساسانية وآذت الشعوب التي خضعت لحكمها وأفقرتها، وأثرت على الأمن الداخلي وعلى الأوضاع الاقتصادية والعمرانية تأثراً كبيراً ولا سيما في البلاد التي صارت ساحة تعبئة وتلاحم جيوش، وهي بلاد العراق. ولم يعد الإنسان يأمن على حياته وعلى ماله، وصار سواد الناس وكأنهم أبقار واجبها إعطاء الحليب وأداء الأعمال الأخرى للحكام، والذبح للاستفادة من لحومها ومن جلودها وعظامها حينما تنتفي الحاجات الأخرى منها. وتأسد المرازبة وقادة الجيوش في الحكم، حتى صار الحكم حكم عواطف وأهواء ومصالح، و "الشاهنشاه" عاجز عن عمل كل شيء لأن "الشاهنشاهية"، لم تعد متقيدة بالوراثة القديمة وبالآداب السلطانية، بل صارت لمن يستعين بأصحاب العضلات وبمثيري الفتق والاضطرابات. أضف إلى ذلك أن من بيده مفتاح الدفاع عن الدولة، وهم الجنود، والضباط الصغار، شعروا أنهم يقاتلون لا في سبيل وطن ودين وعقبدة، بل يقاتلون لأنهم يساقون اذ القتال قسراً، وهم في حالة. سيئة ووراءهم عوائلهم لا تملك شيئاً، وقد جيء بهم إلى الجيش قسراً وعلى طريقة "السخيرة". وهم يحاربون ولا سلاح لهم، لأن الحكومة لا تملك سلاحا، ولا نظام لهم، لأنهم لم يدربوا على القتال ولم يُعَلَّموا أصوله، أجسامهم تقاتل، وقلوبهم مشغولة في مصير أولادهم وزوجاتهم وبيوتهم، وهم المعيلون لهم، ليس لهم غيرهم من معين.
وحكومة هذا شأنها، لا يرممن لها أن تحافط على حدود طويلة مفتوحة سهلة تقيم عليها قبائل غارية، تترقب الفرص لتجد فرصة تهتبلها لتغير فيها على الحضر، فتنتزع منهم ما قد تقع أيديهم عليه من أي شيء. فصار الأعراب يغيرون على الحدود من كل مع مكان فيه نفوذ وجنود للساسانيين، ولاسيما بعد معركة "ذي قار" التي منحتهم قوة معنوية عالية، وعلمتهم مواطن الضعف عند الساسانيين. فما جاء الإسلام من جزيرة العرب صاروا عوناً له في تقويض تلك الدولة، ودالة ساعدته في تفهم مواطن الضعف فيها، ومنها نفذ الإسلام إلى ما وراء البحار، وقوض الحكومة الضخمة بسرعة عجيبة وبمحاربين لم يكونوا قد عرفوا من قبل أساليب القتال المنظم، ولا المعارك الضخمة التي صادفوها لأول مرة في حروبهم مع الساسانيين والبيزنطيين.
وقد طمعت القبائل في حكومة الحيرة أيضاً، هذه الحكومة التي ظهر عليها الوهن كذلك. فأخذت تغير عليها وتتعرض بحدودها، وتتحرش بقوافلها التي كان يرسلها ملوكها للاتجار في أسواق الحجاز واليمن. حتى صارت الطرق التي تسلكها خطرة غير آمنة، لا يتمكن رجالها من المرور بها بسلام. ولم يستطع الساسانيون من مساعدتها وحمايتها، لأن أوضاعهم الداخلية، كانت كما ذكرتُ على غير ما يرام. وهذا مما زاد في تصميم القبائل على مهاجمة ملوك الحيرة وحدود الفرس في آن واحد. ولعل هذه الغارات، كانت في جملة الأسباب التي حطمت "كسرى" على القضاء على النعمان وعابر إنهاء حكم "آل نصر"، إما بسبب ما رآه "كسرى" من عدم تمكن الملك "النعمان" من تأديب القبائل ومن ضبط الطرق والأمن، فارتأى استبداله بعربي أخر أو برجل قوي من قادة الجيوش الفرس، وإما لظنه أو لما وصل إلى علمه من خبر يفيد بأن النعمان قد أخذ يفاوض سادة القبائل الكبار لإرضائهم وضمهم إليه. وفي هذا العمل تهديد لمصالح الفرس ومحاولة للابتعاد عنهم. فأراد لذلك القضاء عليه وعلى الأسر الحاكمة، قبل أن يتمكن من الحصول على تأييد أولئك السادة الذين أدركوا نواحي الضعف في حكومة الساسانيين.
وهناك روايات يشتمّ منها أن "النعمان"، قال لسادات القبائل" "إنما أنا رجل منكم، وإنما ملكتُ وعززتُ بمكانكم وما يتخوف من ناحيتكم... ليعلم أن العرب على غير ما ظن وحدث". وروايات تفيد أن "كسرى" إنما قتل "النعمان"، لأنه وسائر أسرته سايروا سادات القبائل وتواطئوا معهم على الساسانيين. ولعل عجز ملوك الحيرة عن حماية قوافل الفرس الذاهبة إلى اليمن والآيبة منها، وعن حماية الطرق البرية المهمة التي توصل العراق باليمن، ثم عجز ملك الحيرة من منع الأعراب من الإغارة على حدود الساسانيين، ثم اضطرار الملك "النعمان" على الاتصال بسادات القبائل لترضيتهم ولضمهم إليه لتأييده ولتقوية ملكه الضعيف، الذي كان يهدده خصوم له. لعلّ هذه الأسباب وغْيرها، كانت في جملة العوامل التي حملت "كسرى" على القضاء على "النعمان" وعلى استبدال الأسرة الحاكمة بأسرة أخرى، أو تسليم أمور الحيرة نهائياً إلى قائد فارسي، يحكمها حكماً عسكرياً.
وقد نصب الفرسُ حاكماً منهم على الحيرة، لكنه لم يتمكن من سد أبواب الحدود الطويلة وغلقها، وجمع الأعراب من دخولها. لقد اجتازوها ثم جاوزوها إلى مسافات بعيدة في الإسلام، أوصلت العرب إلى الصين والهند وتركستان الصينية. ذلك لأن الفرس كانوا منهوكي القوى في الداخل وفي الخارج، وقد أتعبتهم الأوجاع، بينما جاء العرب بإيمان برسالة، وبعزم وتصميم، وباعتماد على النفس، من أن النصر سيكون لهم حتماً. لقد بدأ هذا العزم قبل "ذي قار"، ثم تجسم في "ذي قار"، فكان نصر العركة في هذا الموضع، ناقوس النصر، و "الهرمون" الذي بعث الحيوية في جسم القبائل، فجعلها تشعر أن في استطاعتها أن تفعل شيئاً، لو وحدت نفسها، وعملت عملاّ إيجابياً منتظماً، بعد دراسة وتفكير، وباعدت نفسها عن الهياج والحماس والكلام الكثير، الذي يذهب بعد تكلمه مع الهواء.
ولم تكن مشكلات الروم أقل خطورة أو عدداً من مشكلات الساسانيين. لقد تمكنت النصرانية، بعد عنت واضطهاد ومقاومة، أن تكون ديانة رسمية للحكومة والشعب. وكان المأمول أن تتوحد بذلك صفوف الأمة، غير أن التصدع الذي أصاب هذه الديانة لم يحقق لهما ذلك الأول، فتدخلت المذهبية في السياسة، في المذهبيّات. وتولدت من هذا التدخل مقاومة رسمية من الحكومة للمذاهب المعارضة، واضطهاد لكل من يعارض مذهب القيصر. وظفرت كنيسة شرقية وكنيسة غربية، وتجزأ النصارى الشرقيون إلى شيع وفرقُ عدّ بعضها خارجاً على تعاليم الحق والأيمان، هي في نظر "الأرثودكسية" مذاهب الحادية باطلة، فعوملت كما عاملت وثنيةُ روما النصرانية حين ظهورها، فحوربت بغير هوادة واضطر الكثير من المخالفين إلى التكتم أو الهرب إلى مواضع ليس للبيزنطيين عليها سلطان.
والحروب المتوالية التي شنها الفرس على البيزنطيين، والبيزنطيون على الفرس، وانقسام الإنبراطورية إلى حكومتين: حكومة روما وحكومة القسطنطينية، ثم مهاجمة الملوك والأقوام الساكنة في أوربة لهاتين الحكومتين من الشمال والغرب، كل هذه انتجت مشكلات خطيرة للعالم الغربي عامة وللروم خاصة. وقد كان إزعاج الروم وقلاقهم، مما يفيد بالطبع منافسيهم الفرس ويسرهم، فكانوا يشجعون الثائرين ويتحالفون معهم لأن في ذلك قوة لهم، كما كان الروم أنفسهم يشجعون الأحزاب المعارضة للفرس ويحرضونها على الثورة على الساسانيين والتمرد عليهم، وعلى مهاجمة حدودهم نكاية بأعدائهم وللانتقام منهم حتى صارت الحروب بين الانبراطوريتين تقليداً موروثاً، لا يتركها أحد الطرفين إلا اضطراراً، ولا تعقد هدنة بينهما الا بدفع جزية تكون مقبولة لدى الطرف الغالب تغنيه عن المكاسب التي يتأملها من وراء الحرب. يدفعها المغلوب صاغراً بسبب الأحوال الحرجة التي هو فيها، آملاً تحسن الموقف للانتقام من الخم. فتأريخ الساسانيين والروم، هو تأريخ هدن وحروب عادت إلى بلاد الطرفين بأفدح الأضرار. وما الذي يكسبه الإنسان من الحروب غير الضرر والدمار ? %)165(
لقد وجد "كسرى أنو شروان" "531ه- 579م" في انشغال "يوسطنيان" "جستنيان" "Justinian" "527 - 565م" بالحروب في الجبهات الغربية فرصة مواتية للتوسع في المناطق الشرقية من الإنبراطورية البيزنطية، فتحلل من "الهدنة الأبدية" التي كانت قد عقدت بين الفرس والروم، وهاجم الإنبراطورية منتحلاّ أعذاراً واهيةً، واشترك في قتال دمويّ مرّ بجيوش الروم. ولم يفلح مجيء القائد "بليزاريوس" "Belisarius" من الجبهات الإيطالية لإيقاف تقدم الفرس، فسقطت مدن الشام وبلغت جيوش الفرس سواحل البحر المتوسط، وبعد مفاوضات ومساومات طويلة تمكن الروم من شراء هدنة من الفرس أمدما خمس سنوات بشروط صعبة عسيرة، وبدفع أموال كثيرة. ثمُ مددت هذه الهدنة على أثر مفاوضات شاقة مع الفرس خمسين عاماً حيث عقد الصلح في سنة "561" أو "562م". تعهد الروم لكسرى بدفع إتاوة سنوية عالية، وتعهد الفرس في مقابل ذلك بعدم اضطهاد للنصارى، وبالسماح للروم في الإتجار في مملكتهم على شرط معاملة الروم لرعايا الفرس المعاملة التي يتلقاها تجار الروم في أرض الساسانيين.
و "يوسطنيان" معاصر "كسرى أنوشروان" شخصية فذة مثل شخصية معاصره، ذو آراء في السياسة وفي الملك، من رأيه إن الملك يجب إن يكون دليلا وقدوة ونبراساً للناس، وانه لا يكون عظيماً شهيراً لحروبه ولكثرة ما يمكله من سلاح وجند، إنما يكون عظيماً بقوته وبقدرته وبالقوانين التي يسنها لشعبه للسير عليها، تنظيماً للحياة. فالملك في نظره قائد في الحروب ومرشد في السلم، حامٍ للقوانين، منتصر على أعدائه. وكان من رأيه إن الله قد جعل الأباطرة ولاته على الأرض، وأدلة للناس، قوامين على الشريعة. ولذلك فإن من واجب كل انبراطور إن يقوم بأداء ما فرضه الله عليه بسنّ القوانين وتشريع الشرائع، ليسير الناس عليها. ولما كانت القوانين التي سارت عليها الانبراطورية الرومانية كثيرة جداً، حتى صعب جمعها وحفظها، تطرق إليها الخلل، وتناقضت الإحكام. لذلك رأى إن من واجبه جمعها وتنسيقها وتهذيبها وإصدارها في هيأة دستور الانبراطوري يسير عليه قضاة الانبراطورية في تنفيذ الإحكام بين الناس، وعهد بهذا العمل الشاق إلى "تريبونيان" "Tribonian" من المشرعين المعروفين في أيامه. فجمع هذا المشرع البارع القوانين في مدوّنات، ورتبها في كتب وأبواب، وكان بتدوينه هذا بعض القوانين البيزنطية والرومانية من الضياع، وأورث المشرعين ذخيرة ثمينة من ذخائر البشرية في التشريع.
ويعد هذا العمل مم الأعمال العظيمة في تاريخ التشريع، ولم يكن "يوسطغيان" أول من فكر في جميع القوانين السابقة في مدوّنة، ولكنه كان أول من أقدم على تنسيقها وجمع ما تشتت منها وتيسيرها للمشرعين، وقد وحد بذلك قوانين الانبراطورية. فَعُدَّ صنيعه هذا إصلاحاً كبيراً يدل على شعور الملك وتقديره للعدالة في مملكته. وقد أدخل معاصره "كسرى أنو شروان" إصلاحات على قوانين الجباية، فعد القرن السادس من القرون المهمة في تأريخ التشريع. ولكن الذي يؤسفنا إننا لا نملك موارد تفصل إصلاحات "كسرى" وهل هي نتيجة شعور بضرورة ملحة وحاجة، أو هي صدى للعسل الذي قام به "يوسطنيان"، ثم أي مدى بلغته تلك الإصلاحات? وفكرة إخضاع الانبراطورية لقانون واحد نابعة من أصل عام كان يدين به "يوسطنيان"، يتلخص في دولة واحدة وقانون واحد وكنيسة واحدة. كان يوسطنيان يرى إن الدولة المنظمة هي الدولة التي يخضع فيها كل أحد لأوامر القيصر، وان الكنيسة إنما هي سلاح ماض يعين الحكومة في تحقيق أهدافها، لذلك سعى لجعلها تحت نفوذ الحكومة وفي خدمة أغراضها، فتقرب إلى رجال الدين، وساعد على إنشاء كنائس جديدة، واستدعى إلى عاصمته رؤساء الكنيسة "المنوفيزيتية" ""Monophysites" القائلين بالطبيعة الواحدة واليعاقبة وأتباع "آريوس" "Ariaus" وغيرهم من المعارضين لمباحثتهم ولعقد مناظرات بينهم وبين الكنيسة الرسمية للتقريب فيما بينهم وإيجاد نوع من الاتفاق يخدم أهداف الملك المذكور. ولكن هذه المحاولة لم تنجح، ومحاولات التوفيق لم تثمر، ولتحقيق نظريته في الكنيسة الواحدة اضطهد أصحاب المذاهب المعارضة وكذلك اليهود.
وزادت نظريته المذكورة في الدولة وفي الكنية في حدة المشكلات التي ورثها من أسلافه وجاءت بنتائج معاكسة لما كان يريد منها. فمحاولة تقربه من "البابا" وتأًييده له، اصطدمت بفكرة كانت مسيطرة عليه، هي إن علمه باللاهوت لا يقل عن علم رجال الدين به، وان من حقه التدخل في أمور الكنائس وفي تسيير المجامع الكنيسية، لتوحيد الكنائس وإعادتها إلى أصلها، فأزعج بذلك "البابا"، وصار من أضداده، وأزعج أصدقاءه ومعارضتوه من رجال المذاهب الأخرى، لأنه خالفهم، وجاء بتفسرات لم ترضي أي مذهب منها. واضطر أخيراً على الخضوع لعقيدته المهيمنة على عقله، وهي إن ما يراه في الدين، هو الصحيح، وهو الحل الوسط للنزاع الكنسي، وهو الأصلح للدولة. فخلق. معارضين له. وأغلق "جامعة أثينا" ومدارس البحث، واصدر أمراً بمنع الوثنين و. كل من ليس نصرانياً من الاشتغال في الدولة. وهكذا ولدت نظريته في "أنا الدولة" مشكلات خطيرة لدولته ولدولة من جاء بعده من قياصرة.
وكانت لدى الروم مثل هذه المشكلة التي كانت عند الفرس: مشكلة تهرب كبار الملاكين والمتنفذين من دفع الضرائب، وزيادة نفوذهم وسلطانهم في الدولة. فعزم "يوسطنيان" على الحد من سلطانهم، والتشديد في استيفاء الضرائب لمعالجة الوضع الحربي الناتج من قلة المال اللازم للإنفاق على جيش كبير، مما اضطر الحكومة إلى تقليص عدد الجنود. فأصدر أوامر عديدة بالتشديد في جمع الضرائب، وبإجراء الإصلاحات في الإدارة، غير إن إصلاحاته هذه لم تنفذ، إذ. لم يكن في مقدور الحكومة تنفيذها لعدم وجود قوة لديها تمكنها من "لحدّ من نفوذ المتنفذين ورجال أكفاء أقوياء يقومون بالتنفيذ.
واهتم "يوسطنيان" بأمر التجارة. والتجارة مورد رزق للدولة كبير، ولاسيما مع الأقطار الشرقية، فقد كانت بضائعها مرغوباً فيها في أوربة ومطلوبة، تجني الحكومة منها أرباحاً كثيرة، وفي مطلع قائمة هذه البضائع النفيسة الأموال التي ترد إلى الانبراطورية من الصين والهند، فقد كانت تلافي إقبالاً كبيراً من أثرياء الانبراطورية ومن أثرياء انبراطورية روما الغربية وبقية أنحاء أوربة.
وأثمن بضاعة في قائمة البضائع الواردة من الصين مادة الحرير، ولثمن الحرير الباهض حرص الصينيون على ألا يسمحوا لأي غريب كان إن ينقل معه البيض أو الديدان التي تتولد منه إلى الخارج، خشية المزاحمة والمنافسة التي تلحق بهم أفدح الأضرار. وتلي هذه المادة البضائع النفيسة الأخرى مثل العطور والقطن الوارد من الهند والتوابل وأمثالها من الموات التي كان يعجب بها أصحاب الذوق في ذلك الزمن. كل هذه يشتريها تجار الروم، وبعد إن تأخذ الدولة البيزنطية الضرائب المفروضة، تسمح للتجار بالتصرف فيها وبيعها على بقبة الأوربيين.
وأسعار هذه المواد عالية باهظة إلى درجة كبيرة صارت مشكلة من مشكلات الدولة البيزنطية، ولهذا كانت تتصل دوماً بالانبراطورية الساسانية لمحاولة الاتفاق على تحديد الأسعار، وتعيين مقدار الضرائب، وذلك بسبب ورود أكرها من هذه الانبراطورية، إذْ كان التجار يأتون بالأموال من أسواق الصين تنقلها القوافل التي تجتاز أرض الدولة الساسانية لتسلمها إلى حدود الانبراطورية البيزنطية، ومنها إلى العاصمة لتوزع في الأسواق الأوربية.
هذا طريق. وهناك طريق آخر هو طريق البحر. يحمل تجار الصين أموالهم على سفن توصلها إلى جزيرة "تبروبانة" "Taprobane" وهي جزيرة "سيلان" ثم تفرغ هناك، فتُحمل في سفن تنقلها إلى خليج البصرة، ثم تحمل في سفن أخرى تمخر في دجلة والفرات إلى حدود الروم.
ولما كانت علافات الروم بالساسانيين غير مستقرة، والحرب بين الانبراطوريتين متوالية صارت هذه التجارة معرضة للتوقف والإنقطاع طوال أيام الحروب، وهي كثيرة، فترتفع أسعارها هناك، كما إن الساسانيين كانوا يزيدون في أسعار البيع وفي ضربية المرور، فتزيد هذه في سعر التكليف، ولهذا فكر "يوسطنيان" في التحرر من تحكم الساسانيين في مورد مهم من موارد رزقهم، وذلك باستيراد بضائع عن طريق البحر الأحمر، وهو بعيد عن رقابة الساسانيين.
والخطة التي اختطها "يوسظيان" لتحرير التجارة البيزنطية من سيطرة الساسانينن عليها، هي الاتصال بالأسواق البيزنطية المصدرة، ونقل المشتريات إلى الانبراطورية بالبحر الأحمر الذي كان يسيطر الروم على أعاليه. لقد كان ميناء "أيلة" في أيدي البيزنطيين، وكان هذا الميناء موضعاً لتفريغ السفن الموسقة بالبضائع المرسلة من الهند إلى فلسطين وبلاد الشام، كما كان ميناء "القلزم" "Clysma" في أيديهم كذلك، تقصده السفن التي تريد إرسال حمولتها إلى موانئ البحر المتوسط. أما جزيرة "أيوتابة" "Iotabe" وهي جزيرة "تاران" "تيران"، فقد كانت مركزاً مهماً لجباية الضرائب من السفن القادمة من الهند، وكانت في أيدي بعض سادات القبائل، فأمر "يوسطنيان" بإقامة موظفي الجباية البيزنطيين بها، ليقوموا بالجباية. وأما ما بعد هذه المنطقة حتى مضيق المندب والمحيط الهندي فلم يكن للبيزنطيين عليه نفوذ.
ولتحقيق هذه الخطة، كان عليه وجوب السيطرة على البحر الأحمر والدخول منه إلى المحيط الهندي، للوصول إلى الهند وجزيرة "سيلان". ولا يمكن تحقيق هذه الخطة إلا بعملين: عمل عسكري يعتمد على القوة، وعمل سياسي يعتمد على التقرب إلى الحبشة الذين كانوا قد استولوا على اليمن، فصار مدخل البحر الأحمر "مضيق باب المندب" بذلك في أيديهم. ثم بالتودد إلى سادات القبائل العربية النازلة في العربية وفي بادية الشام، لضمهم إلى صفوف البيزنطيين، ولتحريضهم على الفرس، وبذلك يلحق البيزنطيون ضررا بالغاً بالفرس ويكون في استطاعتهم نقل التجارة نحو الغرب عن جزيرة العرب والبحر الأحمر إلى أسواقهم بكل حرية وأمان.
أما العمل العسكري، فلم في وسع البيزنطيين القيام به في ذلك الوقت، لعدم وجود قوات برية كبيرة كافية. لتتمكن من اجتياز العربية الغربية للوصول إلى اليمن، حيث الحبش هناك، أخوان البيزنطيين في الدين. وقد علموا من التجارب السابقة، أن الجوع والعطش يفتكان بالجيش فتكاً، وان القبائل لا يمكن الاطمئنان إليها والوثوق بها أبداً، لذلك تركوا هذا المشروع. فلم يبق أمامهم غير تنفيذه من ناحية البحر، وقد وجدوا إن هذا التنفيذ غير ممكن أيضاً، لأن أسطولهم في البحر الأحمر لم يكن قوياً، ولم يكن في استطاعته السيطرة عليه سيطرة تامة. فتركوه، ولو إلى حين، مفضّلين عليه العمل السياسي.
أما العمل السياسي، فقد تم بالاتصال بالحبش، وقد كان ملكهم على النصرانية، لذلك كان من الممكن جلبه إلى البيزنطيين بالتودد إليه باسم الاخوّة في الدين. كما تم بالتقرب إلى سادات القبائل المتنصرين، والتودد إليهم باسم الدين أيضاً. وتم بإرسال المبشرين إلى جزيرة العرب، وبتشجيعهم على المعيشة بين الأعراب وفي البوادي لتنصير،سادات القبائل، وللتأثير عليهم بذلك. وبإقامة الكنائس وإرسال المال وعمال البناء لبنائها بأسلوب يؤثر في عقول الوثنيين، فيجعلها تميل إلى النصرانية، ولتكون هذه المعابد معاهد تثقيف تثقف بالثقافة البيزنطية كما تفعل الدول الكبرى في هذه الأيام.
وأرسل "يوسطنيان"-كما سبق إن بينا ذلك-رسولاً عنه يدعي "يوليانوس" "جوليانس" "Julianus" إلى النجاشي والى "السميفع أشوع" "Esimphanus" حاكم اليمن في ذلك العهد، ليتودد اليهما، وليطلب منهما باسم "العقيدة المشتركة" التي تجمعهم إن يكوّنا مع الروم جبهة واحدة في محاربة الساسانيين، وان يقوما مع من ينضم إليهم من قبائل العرب بمهاجمتهم، وحمل السفير إلى "السميفع أشوع" رجاء آخر، هو موافقته على تعيين رئيس عربي اسمه "Kaisos" أي "قيس" عاملاً "فيلارخ" "Phylarch" على قبيلة عربية تدعى "معديني" "Maddeni"، أي قبيلة "معد"، ليشترك معه ومع عدد كبير من أفراد هذه القبيلة بمهاجمة الساسانيين، وقد رجع السفر فرحاً مستبشراً بنجاح مهمته، معتمداً على الوعود التي أخذها من العاهلين. غير أنهما لم يفعلا شيئاً، ولم ينفذا شيئاً ما مما تعهدا به للسفير، فلم يغزوا للفرس، ولم يعين "للسميفع فوع" "قيساً" "فيلارخاً" عاملا على قبيلة معدّ.
وورد أيضاً إن القيصر جدّد في أيام "ابراموس" "Abramos" الذي نصب نفسه في مكان "Esimiphaeus"، طلبه ورجائه في محاربة الفرس، فوافق على ذلك وأغار عليهم، غير انه تراجع بسرعة.
ويظهر إن اتصال البيزنطيين ب "ابراموس" "Abramos" كان بعد القضاء على "السميفع أشوع" الذي لم يتمكن من مهاجمة الفرس إذْ كان من الصعب عليه اجتياز أرض واسعة بعيدة وطرق بعيدة تمرّ بصحارى وقفار لمحاربة أناس أقدر من رجاله على القتال. فلما تمكن "ابراموس" من التحكم في شؤون اليمن ومن تنصيب نفسه حاكماً عاماً على اليمن وصارت الأمور بيديه تماماً، فكر البيزنطيون في الاستفادة منه بتحريضه على الساسانيين، وذلك باسم الأخوة في الدين.
وقد تحرش "ابراموس" بالفرس، غير انه لم يستمر في تحرشه بهم. فما لبث إن كف قواته عنهم. ولم يذكر المؤرخ "بروكوبيوس" كيف هاجم "ابراموز" الساسانيين، ومن أين هاجمهم ومتى هاجمهم. لذلك أبقانا في جهل بأخبار هذا الهجوم.
و "ابراموس" هو "أبرهة" الذي تحدثت عنه في أثناء كلامي عن اليمن. أما ما أشار إليه "بروكوبيوس" من تحرشه بالفرس ومن تركه لهم بعد قليل، فقد قصد به حملته على "مكة" على الغالب، وهي حملة قصد بها "أبرهة" على ما يظهر الاتصال بالبيزنطيين عن طريق البر، وإخضاع العربية الغربية بذلك على حكمه وهو من المؤيدين البيزنطيين. وبذلك تؤمن حرية الملاحة في البحر الأحمر ة ويكون في إمكان السفن البيزنطية السير به بكل حرية. ولعله كان يقصد بعد ذلك مهاجمة الفرس من البادية بتحريض القبائل المعادية للساسانيين عليهم، وبتأليف حلف من قبائل يؤثر عليها فيهاجم بها الفرس.
اما "Kaisos" "Caisus"، فكان كما وصفه المؤرخ "بروكربيوس" شجاعاً ذا شخصية قوية مؤثرة حازماً من أسرة سادت قبيلة "معدِّ". وقتل أحد ذوي قرابة "للسميفع أشوع" "Esimaphaios" "Esimiphaeus"، فتعادى بذلك معه، حتى اضطر إلى ترك دياره والهرب إلى مناطق صحراوية نائية. فأراد القيصر الشفاعة له لدى "Esimaphaios"، والرجاء منه الموافقة على أقامته رئيساً "Phyarch" على قبيلته قبيلة معدّ.
ولا يعقل بالطبع توسط القيصر في هذا الموضوع، لو لم يكن الرجل من أسرة مهمة عريقة، لها عند قومها مكانة ومنزلة، وعند القيصر أهمية وحظوة. ولشخصيته ومكانة أسرته أرسل رسوله إلى حاكم اليمن لإقناعه بالموافقة على أقامته رئيساً على قومه. وبهذا يكسب القيصر رئيساً قوياً وحليفاً شجاعاً يفيده في خططه السياسية الرامية إلى بسط نفوذ الروم على العرب، ومكافحة الساسانيين.
ونحن لا نعرف ن أمر "قيس" هذا في روايات الأخباريين شيئاً غير أن هناك رواية لابن إسحاق جاء فيها أن أبرهة عين محمد بن خزاعى عاملا له على مضر، وأن "قيساً" كان يرافق أخاه محمداً حين كان في أرض كنانة. فلما قتل "محمد"، فَرّا إلى "ابرهة". وقد ورد نسب "محمد" على هذه الصورة: "محمد بن خزاعي بن علقمة بن محارب بن مرّة بن هلال بن فالح ابن ذكوان السلمي" في بعض الروايات، وذكر أنه كان في جيش أبرهة مع الفيل.
فهل قيس هذا هو قيس الذي ذكره "بروكوبيوس" ?. اتصل مع أخيه محمد بأبرهة، وصار من المقربين لديه? أو هو رجل آخر لا علاقة له ب "قيس" الذي يذكره "ابن إسحاق"? وقد زار والد "نونوسوس" "Nonnosos" "قيساً" هذا مرتين، وذلك قبل سنة "535م" وزاره "نونوسوس" نفسه في إثناء حكمه. وأرسل "قيس" ابنه "معاوية" إلى "يوسطنيان"، ثم أعلم أخاه ثم ابنه الأمارة. وعينه القيصر عاملاً "Phylarch" على فلسطين.
وكانت للقيصر "يوسطنيان" صداقة مع رئيس آخر اسمه "أبو كرب" "Abochorabus"، يقع ملكه في أعالي الحجاز وفي المناطق الجنوبية من فلسطين. عرف هذا الرئيس بالحزم والعزم فخافه الأعداء، واحترمه الأتباع، واتسع لذلك ملكه، وتوسع سلطانه حتى شمل مناطق واسعة، ودخلت في تبعيته قبائل عديدة أخرى على القانون الطبيعي في البادية الذي يحتم دخول القبائل طوعاً وكرهاً في تبعية الرئيس القوي.
أراد هذا الرئيس أن يتقرب إلى القيصر، وأن يبالغ في تقربه إليه وفي إكرامه له، فنزل له عن أرض ذات تخيل كثيرة، عرفت عند الروم ب "فوينيكون" "Phoinikon" "واحة النخيل"، أو "غاية النخيل". وهي أرض بعيدة. لاتبلَغ الا بعد مسيرة عشرة أيام في أرض قفرة. فقبل القيصر هذه الهدية الرمزية، اذ كان يعلم، كما يقول المؤرخ "بروكوبيوس" عدم فائدتها له، وأضافها إلى أملاكه، وعن هذا "الشيخ" عاملاً "فيلارخا" على عرب فلسطين.
وقد قام ملك هذا الرئيس على ملك رئيس آخر كانت له صلات حسنة بالروم كذلك، هو "امرؤ القيس" "Amorkesos" وكان "Amorkesos" في الأصل من عرب المناطق الخاضعة للفرس، ثم هجر دياره لسبب لا نعرفه إلى الأرضين الخاضعة لنفوذ الرومان، وأخذ يغزو الأعراب، حتى هابته القوافل، فتوسع نفوذه، وامتد إلى العربية الصخرية، واستولى على. جزيرة "تاران" "Iotaba" وترك رجاله فيها يجبون له الجباية من السفن القادمة من الهند، حتى حصل على ثروة كبيرة، وعزم في سنة "473 م" على إرسال الأسقف "بطرس" أسقف الأعراب التابعين له إلى القسطنطينية، ليتصل بالقيصر، وليتوسط لديه هناك أن يوافق على تعيينه عاملاً "Phylarch" على الأعراب المقيمين في العربية الحجرية %)175( ابن المنذر، حليف الفرس. بمعنى أنه تعرض لجماعة كانت في جانب الساسانين. فهل الغزاة التي أشار إليها المؤرخ "بروكوبيوس" هي هذه الغزاة? و "Maddenoi" هي قبيلة "معداية" "Ma'addaye" التي ذكرها "يوحنا الأفسوسي" "John of Ephesus" مع "طياية" "طيايا"" "طيايه" "Tayaye" "Taiyaya" في كتابه الشي وجهه إلى أسقف "بيت أرشام" "Beth Aresham"، ويظهر من هذا الكتاب أنها كانت مقيمة في فلسطين.
وقد تحدثتُ سابقاً عن ورود اسم قبيلة "سدّ" في نص النمارة الذي يرجع عهده إلى سنة "328 م" حيث ورد أن "امرئ القيس بن عمرو" ملك العرب ملك على "معدّ" وعلى قبائل أخرى ذكرها النصى، منها أسد ونزار ومذحج. ويربط الأخباريون في العادة بين ملوك الحيرة وقبيلة معدّ، وظالما ذكروا إن ملوك الحيرة غزوا معدّ، مما يدل على وجود صلة تأريخية متينة بين الحيرة وهذه القبيلة المتبدية التي كانت تمعن في سكنها مع البادية.
ويظهر من روايات أهل الأخبار أنه قد كان للتبابعة شأن في تنصيب سادات على معدّ. فهي تذكر انهم هم الذين كانوا يعينون أولئك السادهّ، فينصبونهم "ملوكاً" على معدّ. وذلك بسبب تنازع سادات معد فيما بينهم وتحاسدهم وعدم تسليم بعضهم لبعض بالزعامة. ولهذا كانوا يلجأوون إلى التبابعة لتنصيب "ملوك" عليهم. يضاف إلى ذلك أن معدّ اً كانت قبائل متبدية: منتشرة في ارضين واسعة تتصل باليمن، وقد. كان أهل اليمن المتحضرون أرقى منهم، وجيوشهم أقوى وأنظم نسبياً من محاربي معدّ ومقاتليهم الذين كانوا يقاتلون قتال بدو، لا يعرفون تنظيماً ولا تشكيلاً ولا توزيعاً للعمل. وكل ما عندهم هو كرٌَّ وفرٌّ، إذا وجدوا خصمهم أشطر منهم وأقدر على القتال هربوا منه.
وقد منيت الانبراطورية البيزنطية بانتكاسات عديدة بعد وفاة "يوسطنبان"، فاشتدّ الاضطهاد للمذاهب المخالفة للمذهب الارثودكسي، وعادت الفوضى إلى الحكومة بعد أن سعى القيصر الراحل في القضاء عليها، وتجددت الحروب بين البيزنطيين والساسانيين، وعاد الناس يقاسون الشدائد بعد فترة من الراحة لم تدم طويلا. وبعد حروب ممتتالية دخل الساسانيون بلاد الشام. وفي سنة "614 م"، احتل اتباع ديانة زرادشت عاصمة النصرانية القدس، فأصيبت المدينة بخسائر كبيرة في أبنيتها التأريخية وفي ثروتها الفينة التي لا تقدر بثمن. ثم أصيبت. الانبراطورية بنكبة عظيمة جداً هي استيلاء الفرس على مصر، وبلوغ جيوش الساسانيين في هذه الأثناء للساحل المقابل للقسطنطينية عاصمة الانبراطورية.
لقد وقعت هذه الأحداث ونزلت هذه الهزائم بالروم في وقت كان أمر الله قد نزل فيه على الرسول بلزوم إبلاغ رسالته للناس. والرسول إذ ذاك بمكة، يدعو أهلها إلى دين الله. فلما جاء الخبر بظهور فارس على الروم، فرح المشركون، وكانوا يحبون إن يظهر أهل فارس على الروم لأنهم وإياهم أهل أوثان. وكان المسلمون محبون إن تظهر الروم على فارس لأنهم أهل كتاب. قلقي المشركون أصحاب النبي، فقالوا: إنكم أهل كتاب والنصارى أهل كتاب، ونحن اميون. وقد ظهر إخواننا من أهل فارس على إخوانكم من أهل الكتاب، وأنكم إن قاتلتمونا لنظهرن عليكم، فأنزل الله" )الم غُلبت الروم. في أدنى الأرض، وهم من بعد غَلبهم سيغلبون. في بضع سنين لله الأمر من قبل ومن بعد. ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله؛ ينصر من يشاء وهو العزيز الرحيم(. وفرح المسلمون بنزول هذه الآيات المقوية للعزيمة وأيقنوا إن النصر لا بد آت، وانهم سينتصرون على أهل مكة أيضاً ويغلبونهم بأذن الله. وخرج أبو بكرً إلى الكفّار فقال: أفرحتم بظهور إخوانكم على إخواننا. فلا تفرحوا ولا يقرّنّ الله أعيكنم، فوالله ليَظهرن الروم على فارس أخبرنا بذلك نبينا، صلى الله عليه وسلم، فقام إليه أبيّ بن خلف. فقال: كذبت يا أبا فضل. فقال له أبو بكر، رضي الله عنه: أنت أكذب يا عدوّ الله. فقال أناحبك على عشر قلائص مني وعشر قلائص منك، فإن ظهرت الروم على فارس غرمت، وإن ظهرت فارس على الروم غرمت إلى ثلاث سنين. ثم جاء أبو بكر إلى النبي، صلى الله عليه وسلم، فأخبره، فقال: ما هكذا ذكرت إنما البِضع ما بين الثلاث إلى التسع، فزايد.ه في الخطر ومادَّه في الأجل. فخرج أبو بكر فلقي أبياً، فقال: لعلك ندمت? فقال لا. نقال: أزايدك في الخطر وأمادك الأجل، فاجعلها مائة قلوص لمائة قلوص إلى تسع سنين. قال قد فعلت".
لقد وقعت هذه الهزائم الحربية الكبيرة في عهد القيصر "هرقل" "Heraclius" "610-641 م". ففي عهده، اقتطعت بلاد الشام ومصر من جسم الانبراطورية، وهي أعضاء رئيسية في ذلك الجسم. غير إن طالع هذا القيصر لم يلبث إن تحسن بعد سنين من النحسى، فاستعاد تلك الأملاك في المعارك التي نشبت بين سنة 622 وسنة 628 م. في هذه الفترة نال هرقل أعظم نصر له في ثلاث معارك كبيرة. ولكن نصره الأكبر جاءه يوم قتل "كسرى أبرويز" صاحب هذه الفتوحات بيد ابنه "شيرويه"، فورد طائر السعد على القيصر بهذا الخبر المفرح، ثم تحققت البشرى بالصلح الذي عقد بين القيصر وبين "شيرويه". وفيه نزل الفرس عن كل ما غنموه، ورضوا بالرجوع إلى حدودهم القديمة قبل الفتح. فعادت الشام وفلسطين ومصر إلى، البيزنطيين، وأعيد الصليب المقدس إلى موضعه في القدس في موكب حافل عظيم.
وسُر المسلمون وهم بالمدينة بانتصار الروم على الفرس، وزاد أملهم في قرب مجيء اليوم الذي ينتصر فيه المسلمون على المشركين، وقويت عزيمتهم في التغلب على قريش. "وأسلم عند ذاك ناس كثير". وتضعضت معنويات قريش، وغلب "أبو بكر" أبيّاً" على الرهان، وكسبه، أخذه من ورئته، لأنه كان قد توفي من جرح أصيب به، فلم يدرك زمن طرد من تعصب له من بلاد. الشام وخسارته الإبل التي تراهن عليها.
وشاء ربك ألا يكون النصر في هذه المرة لا للروم ولا للفرس، بل للمسلمين. وشاء ألا يبقى الروم في بلاد الشام إلا قليلاً، إلا سين، إذْ تهاوت مدن بلاد الشام ثم مصر فشمال إفريقية، الواحدة بعد الأخرى، في أيدي أناس لم يخطر ببال الروم أبداً انهم سيكونون شيئاً ذا خطر في هذا العالم، أعني بهم أبناء مكة ويثرب ومن تبعهم من، أهل جزيرة العرب. تهاوت بسرعّة عجيبة لا تكاد تصدق، وبطريقة تشبه المعجزات. وقد بدأ هذا الانهيار بكتاب يذكر أهل السَير والأخبار إن الرسول أرسله إلى "هرقل عظيم الروم"، يدعوه فيه إلى الإسلام، فإن أبى وبقي على دينه فعليه تبعته، فلما لم يسلم، جاءه الإنذار، قوات صغيرة لا تكاد تكون شيئاً بالنسبة إلى جيوش الروم الضخمة، أخذت تُمَهد الطريق لنشر الأيمان في بلاد رفض حكامها الدخول فيه. طهرت الأرض الموصلة إلى الحدود من المخالفين، ثم أخذت تتحرش ببلاد الشام، ولم يأخذ الروم ذلك التحرش مأخذاً جدّياً، اذ تصوّروه غزواً من غزو العرب المألوف يمكن القضاء عليه بتحريك عرب بلاد الشام من الغساسنة ومن لّفّ لفهم عليهم، أو بإرشاء رؤسائهم بالهدايا والمال وتنصبهم ملوكاً على عرب بلاد الشام في موضع الغساسنة كما كانوا يفعلون مع القبائل القوية الكبيرة التي كانت تتحرش بالحدود، وينتهي بذلك الغزو وتصفو الأمور.
ولم يعلم البيزنطيون أن المسلمين يختلفون عن الجاهليين، يختلفون عنهم في أن لهم عقيدة ورسالة، وأن من يسقط منهم يسقط شهيداً في سبيل إعلاء كلمة ربّه، وله الجنة، وأن من يعيش منهم وينجو فلن يركن إلى الدعة والحياة الهادئة والرجوع إلى البادية بل لا بد له من أحد أمرين: إما نصر حاسم، وإما موت شريف في سبيل الله ورسوله. وبقوا في جهلهم هذا إلى أن نبهتهم الضربات العنيفة التي وقعت بينهم وبين العرب في "أجنادين" "Gabatha" وفي "اليرموك" "Hieromax" بان المعارك التي وقعت ليست غزواً من الغزو المألوف، بل خطة مهيأة لطرد الروم الذين لا يؤمنون برسالة الرسول من كل بلاد الشام وما ورائها من أرضين، وعندئذ جمعوا جموعهم، وألفوا قلوب "العرب المستعربة، أي العرب النصارى القاطنين في بلاد الشام، بالمال وباسم الدين، وجعلوهم معهم وتحت قيادتهم في جيوشهم الضخمة لمقابلة المسلمين الذين لم يعرفوا الحروب الكبيرة، ذات المعدد الضخم من المحاربين، والأسلحة المتنوعة الحديثة، بالنسبة إلى أسلحتهم المكوّنة من سيوف وسهام ورماح وحجارة وخناجر. وهنا وقعت غلطة فنية حربية أخرى من الروم، اذ قابلوا المسلمين بجيوش ضخمه، يسيرها قوّاد كبار تعودوا الحرب بأساليبها النظامية وبالطرق المدرسية الموروثة عن الرومان،وتزوّدوا بالخبرة الفنية العالية التي كسبوها من حروبهم مع الفرس ومع الأوربيين، فظنوا إن الحرب مع المسلمين شيئاً بسيطاً، بل ابسط من البسيط، حتى أن كبار القادة وجدوا أن من المهانة الاهتمام بأمر أولئك البدو الغزاة، فتركوا الأمر لمن دونهم في الدرجات يديرونها مع العرب، الذين أظهروا ذكاءاً فطريّا عظيماً في هذه الحروب، بتجنبهم الالتحام بالجيوش، اذ لا قبل لهم بمقاتلتها، وباتخاذهم خطة المناوشات والكرّ والفرّ بقوات غير كبيرة العدد، وبذلك تتوفر لهم السرعة في العمل ومباغتة الجيوش الضخمة من ورائها ومن مجنباتها، وبغزو خاطف كالبرق يلقي الفزع في القلوب. وبذلك أفسدوا على الروم خطتهم بالهجوم على العربْ، بجيوش نظامية كبيرةُ مدرّبة على القتال يكون في حكم المحال بالنسبة للعرب الوقوف أمامها لو أنهم حاربوهم حربهم، ووقفوا أمامهم وجهاً لوجه. وبركون العرب إلى هذه الخطة المبتكرة، وبمعاملتهم من خضع لهم واستسلم لأمرهم معاملة حسنة، وبتحريض "العرب المستعربة"، "العرب المتنصّرة"، وسكان، بلاد الشام من غير الروم، بل ومن الروم على الانضمام إليهم، غلبوا البيزنطيين، وحصلوا ما حصلوا عليه من أرضين.
وعند ظهور الإسلام كانت اليمن في حكم الساسانيين كما رأينا، غير أن حكمهم لم يكن في الواقع حكماً تاماً فعلياً.، بل كان حكماء شكلياً اسمياً، محصوراً في صنعاء وما والاها. أما الأطراف والمدن الأخرى. فكان الحكم فيها لسادات اليمن من حضر ومن أهل وبر. وهو حكم نسمّيه حكم "أصحاب الجاه والنفوذ". وقد شاء بعض منهم أن يظهر نفسه بمظهر الملوك المنفردين بالحكم والسلطان والجاه، فلقبوا أنفسهم بلقب "ملك" وحملوه افتخاراً واعتزازاً، ولم يكن أولئك الملوك ملوكاً بالمعنى المفهوم، إنما كانوا سادات ارض وقبائل، جَمَّلوا أنفسهم بالقاب الملك.
فقد نعتت كتب التواريخ والسير سادات حمير في أيام الرسول: الحارث بن عبد كلال، وشريح بن عبد كلال، ونعيم بن عبد كلال، و "النعمان قيل ذي رعين وهمدان ومعافر"، و "زرعة ذو يزن" "زرعة بن ذي يزن" ب "ملوك حمير"، وذكرت أنهم أرسلوا إلى الرسول رسولاً يحل إليه كتاباً منهم يخبرونه فيه بإسلامهم، وقد وصل إليه مَقفله من تبوك، ولقيه بالمدينة، فكتبّ الرسول إليهم جوابه، شرح لهم فيه ما لهم وما عليهم، وما يجب عليه مراعاة من إحكام. ويذكر "ابن سعد" أن هذا الرسول هو "مالك بئ مُرارة الرهاوي" "مالك بن مرة الرهاوي"، وقد وصل المدينة في شهر رمضان سنة تسع، وذلك بعد رجوعه من أرض الروم.
ودَوّن "ابن سعد" صورة كتاب ذكر أن الرسول أرسله إلى "الحارث" و "مسروح" و "نعيم" أبناء "عبد كلال" من حمير. حمله إليهم "عياش ابن أبي ربيعة المخزومي". وأوصاه بوصايا ليوصي بها أبناء "عبد كلال" إن أسلموا. منها أنهم إذا رطنوا "فقل ترجموا"، حتى يفقه كلامهم. وإذا أسلموا، فليأخذ "قضبهم الثلاثة التي إذا حضروا بها سجدوا. وهي من الأئل قضيب ملمع ببياض وصفرة، وقضيب ذو عجر كأنه خبزران، والأسود البهيم كأنه من ساسم. ثم أخرجها فحرّقها بسوقهم. فذهب إليهم ووجدهم في دار. ذات ستور عظام على أبواب دور ثلاثة. فكشف الستر ودخل الباب الأوسط، وانتهى إلى قوم في قاعة الدار. ففعل بمثل ما أمره به الرسول.
ويظهر من قوله: "فاذا رطنوا فقل ترجموا"، أنهم لم يكونوا يحسنون عربية أهل مكة. وأنهم كانوا يتكلمون فيما بينهم بلهجاتهم الخاصة بهم. وأن معنى تحريق القضب الثلاثة، هدم ما كان لهم من عزة وسلطان وتكبر على الرعية، لأن الإسلام قد أمر باجتثات ذلك. وبان يكون الحكم للرسول وحده. ولما كانت تلك القضب رمزاً للحكم والسلطان، وقد جعل الإسلام الحكم للرسول وحده، هذا أمر الرسول بكسر تلك القضب، وفي كسرها أشعار لهم بأن حكمهم القديم قد زال عنهم، وأن الحكم الآن للرسول.
ويظهر من نص الكتاب الذي وجهه الرسول إلى "زرعة بن ذي يزن"، وفيه: "إما بعد، فإن محمداً يشهد أن لا إله إلا الله وأنه عبده ورسوله، ثم إن مالك بن مرة الرهاوي قد حدثني أنك أسلمت من أول حمير، وقتلت المشركين... الخ"، أن "زرعة" هذا كان رأس حمير، والمطاع فيها، وهذا أرسل إليه رسولاً خاصاً به هو "مالك بن مرة الرهاوي"، واستلم جواباً خاصاً من الرسول كتب باسمه، ولم يذكر اسمه في الجواب الذي أرسله إلى الباقين بصورة مشتركة.
وذكر "ابن سعد" أن رسول الله كتب كتاباً إلى "بني عمرو" من حمير، ولم يذكر من هم "بنو عمرو"، وأشار إلى أن في الكتاب: "وكتب خالد ابن سعيد بن العاصي"، ما يدل على أنه كان كاتب ذلك الكتاب. ويشير "ابن سعد" أيضاً إلى إن الرسول أرسل "جرير بن عبد الله البجلي" إلى "ذي الكلاع بن ناكور بن حبيب بن مالك بن حسان بن تبع" والى "ذي عمرو"، يدعوهما إلى الإسلام، فأسلما وأسلفت "ضريبة بنت ابرهة بن الصباح" امرأة "ذي الكلاع". وتوفي رسول الله، وجرير عندهم، فأخبره "ذو عمر" بوفاته.
ويشير نسب "ذو الكلاع" المذكور. إلى انه من الأسرة التي كانت تحكم اليمن قبيل غزو الحبش لها. فهو من الأسر الشريفة الحميرية في اليمن. وقد عرف ب "ذي الكلاع الأصغر" عند أهل الأخبار تمييزاً له عن "ذي الكلاع الأكبر" الذي هو في عرفهم "يزيد بن النعمان الحميري" من ولد "شهال بن وحاظة بن سعد بن عوف بن عدي بن ماللت بن زيد بن شدد بن زرعة بن سبأ الأصغر".
وأما صاحبنا "ذو الكلاع" الأصغر التي راسله الرسول، وأسلم فهو أبو"شراحيل سميفع بن ناكور بن عمرو بن يعفر بن ذي الكلاع الأكبر". قال أهل الأخبار" والتكلع الخلف "وبه سُمىِّ فو الكلاع الأصغر، لأن حمير تكلَّعوا على يد. أي تجمعوا، إلا قبيلتين" هوازن وحراز، فانهما تكلعتا على ذي الكلاع الأكبر" يزيد بن النعمان".
وذكر نسب "ذو الكلاع الأصغر" على هذا الشكل: "سميع بن ناكور ابن عمرو بن يعفر بن يزيد بن النعمان الحميري". و "يزيد" هذا هو "ذو الكلاع الأكبر". وذكر إن "أبا شراحيل" هو الرئيس في قومه المطاع المتبوع، أسلم في حياة النبي، فكتب إليه النبي على يد جرير بن عبد الله البجلي كتاباً في التعاون عل الأسود ومسيلمة وطليحة. وكان القائم بأمر معاوية في حرب صفير. وقتل قبل انقضاء الحرب، فقرح معاوية بموته، وذلك انه بلغه إن "ذا الكلاع" ثبت عنده إن عليّاً بريء من دم عثمان، وان معاوية لبسَّ عليهم ذلك، فأراد التشتيت عليه فعاجلته منيته بصفين وذلك سنة سبع وثلاثين.
ويكون "ذو الكلاع" الأصغر، قد تزوج بنتاً من بنات أبرهة هي "ضريبة".
ونسب إلى النابغة قوله: أتانا بالنجاشة مجلـبـوهـا وكندة تحت راية ذي الكلاع
يريد تميماً وأسداً وطيّاً اجلبوا الجيش على بني عامر مع أبي يكسوم وذو الكلاع كان معه أيضاً.
وذكر إن رسول الله كتب إلى "معد يكرب بن أبرهة" إن له ما أسلم عليه من أرض خولان. ولم يشر "ابن سعد" إلى بقية اسم أبرهة أو إلى شهرته، ذلك لا ندري إذا كان قصد "أبرهة" المعروف، أم شخصاً آخر اسمه "أبرهة". ولكننا نعرف اسم قبل عرف ب "معد يكرب" اسم والده "أبو مرة الفياض" ذو يزن، كان متزوجاً من "ريحانة" ابنة "ذي جدن"، فولدت له "سعد يكرب" المذكور. ثم انتزعها منه "الأشرم"، ونشأ. "معد يكرب" مع أمه "ريحانة" في حجر "أبرهة"، فلعلّه نسب إليه، لذلك قال له "ابن سعد" "معد يكرب بن أبرهة".
وكان للفرس وللجيل الجديد الذي ظهر في اليمن من تزاوجهم باليمانيين، وهو الجيل الذي عرف ب "الأبناء" نفوذ كبير في اليمن، وقد تحدثت عنه في الجزء السابق من هذا الكتاب. والى هذا الجيل أرسل الرسول "وبر بنُ يُحنس"، يدعوه إلى الإسلام، فنزل على بنات "النعمان بن بزرج" فأسلمن، وبعث إلى فيروز الديلمي فأسلم، والى مركبود وعطاء ابنه، ووهب بن منبه. وكان أول من جمع القرآن بصنعاء ابنه عطاء بن مركبود ووهب بن منبه.
وقد كان الفرس الذين أقاموا باليمن مثل سائر الفرس على المجوسية، ولما دخل أهل اليمن في الإسلام دخل بعض هؤلاء فيه. وأقام بعض آخر على دينه، وفرض الرسول على من بقي على دينه جزية. وقد نفر منهم بعض سادات اليمن من الأسر القديمة، بسبب انهم غرباء عن اليمن، جاؤوا إلى اليمن فحكموها، ولهذا انضم بعض منهم إلى "الأسود" في ردّته. لأن "الأسود العنسي"، كان كارهاً الأبناء، حاقداً عليهم. يرى انهم عصابة دخيلة، استأثرت بحكم اليمن. وقد شاءت الأقدار إن تكون نهايته بأيديهم. إذْ كان قاتله منهم فكأن قلبه كان يعلم بما سيفعلونه به، ولهذا كرههم.
وكانت الأزد من القبائل المعروفة في اليمن، وقد جاء وفد منهم إلى الرسول على رأسه "صرد بن عبد الله" في بضعة عشر، فأسلم، وأمره إن يجاهد بمن أسلم من أهل بيته المشركين من قبائل اليمن، وكان أول ما فعله انه حاصر "جرش"، وكانت قد تحصنت وضوت إليها خثعم، فلما وجد إن من العسر عليه فتحها إ القوة آوى إلى جبل "كشر"، فظن أهل جرش، انه إنما ولى عنهم منهزماً، فخرجوا في طلبه، حتى إذا أدركوه عطف عليهم فقتلهم قتلاً. ثم أسلم من نجا منهم. وحمى الرسول لهم حمى حول قريتهم على أعلام معلومة للفرس، وللراحلة، وللمثيرة تثير الحرث، فمن رعاها من الناس سوى ذلك فماله سحت.
وكتب الرسول كتاباً إلى "خالد بن ضباد الأردي" إن له ما أسلم عليه من أرضه، وكان كاتب كتابه "أبيَّ". وكتب مثل ذلك لجنادة الأزدي وقومه، وكان كاتب هذا الكتاب "أبيَّ" كذلك. وكتب الرسول إلى "أبي ظبيان الأزدي" من "غامد" يدعوه ويدعو قومه إلى الإسلام. فأجابه في نفر من قومه بمكة. وكانت لأبي ظبيان صحبة، وأدرك عمر بن الخطاب.
وذكر إن "ضماد بن ثعلبة" الأزدي، كان صديقاً للرسول في الجاهلية، وكان يتطبب ويرقي من هذه الرياح، ويطلب العلم، فقدم مكة قبل الهجرة، واجتمع بالرسول وكلّمه، ثم أسلم. وهو من "أزد شنوءة".
ونجد "ابن سعد" يدوّن صورة كتاب ذكر إن الرسول كتبه لبارق من الأزد. نظم فيه حقوقهم مثل إن لاُ تجذّ ثمارهم وان لا ترعى بلادهم في مربع ولا مصيف إلا بمسألة من بارق. وغير ذلك. وكتب الكتاب "أبيَّ بن كعب"، وشهد عليه أبو عبيدة بن الجراح وحذيفة بن اليمان.
ويجاور الأزد من الشرق "خثعم" و "مذحج" و "مراد" و "همدان" و "بلحارث"، ويجاورهم في غربهم "بنو كنانة" و "بنو عك". وأما من الجنوب، فتتصل ديارهم بديار "همدان" و "حمير".
وتجمع بعد وفاة النبي قوم من الأزد وبجيلة وخثعم، عليهم حميضة بن النعمان وذلك ب "شنوءة"، وعلى أهل الطائف "عثمان بن ربيعة"، فبعث عليهم "عثمان بن أبي العاص"، عامل النبي على الطائف بعثاً التقى بهم بشنوءة، فهزموا تلك الجُمّاع، وتفرقوا عن ""حميضة"، وهرب وفسدت ثورة هؤلاء المرتدين.
وتمرد قوم د من "خثعم" على "أبي يكر" حينما بلغهم نبأ وفاة الرسول وخرجوا غضباً إلى "ذي الخلصة" يريدون إعادته، فأمر "أبو بكر" "جرير ابن عبد الله" إن يدعو من قومه من ثبت على أمر الله، وان يستنفر "مقويهم"، فيقاتل بهم خثعم، فنفذ أمره فتتبعهم وقتلهم وعاد إلى الإسلام من تاب. وكان الرسول قد بعث سنة تسع للهجرة "قطبة بن عامر بن حدية" إلى خثعم بناحية "تبالة"، فتغلب عليهم.
وبقيت "همدان" قبيلة قوية من قبائل اليمن، وقد أسلمت كلها في يوم واحد، أسلمت يوم مقدم "علي بن أبي طالب" إلى اليمن على رأس سرية أمر الرسول بإرسالها إلى هناك. وقد فرح الرسول بإسلامها، وتتابع أهل اليمن على الإسلام.
وقد كانت همدان بطون عديدة، من بطونها "بنو ناعط"، ومن رجالهم "حمرة ذو المشعار بن أيفع"، وكان شريفاً في الجاهلية، والظاهر انه كان صاحب موضع "المشعار". وهو "أبو ثور". وقد وفد على الرسول، ووفد معه "مالك بن نمط" و "مالك بن أيفع"، و "ظمام بن مالك السلماني"، و "عميرة بن مالك الخارفي"، فلقوا رسول الله بعد مرجعه من تبوك، وعليهم مقطعات الحبرات والعمائم المعدنية، برحال المَبسْ على المهرية والأرحبية. ويذكر أهل الأخبار، إن الوفد لما وصل المدينة، ارتجز "مالك بن نمط" رحزاً، ثم خطب بين يدي الرسول، ذاكراً له إن نصيه، أي أخياراً أشرافاً من همدان، يريد رجال الوفد، قدمت إلى الرسول، وهي "من كل حاضر وباد" أي من أهل الحضر ومن أهل البادية، ومن أهل مخلاف خارف ويام وشاكًر، ومن أهل الإبل والخيل، قدموا إليه، بعد إن عافوا الأصنام واعتنقوا الإسلام. فأثنى الرسول عليهم، وشكره سم وكتب لهم كتاباً، وجهه "لمخلاف خارف وأهل جناب الهضب، وحقاف الرمل مع وافدها، ذي المشعار: مالك بن نمط، ومن أسلم من قومه"، ثم بين لهم ما عليهم وما لهم.
وورد إن "قيس بن مالك بن سد بن لأي الأرحبي" قدم على رسول الله وهو بمكة، فعرض رسول الله عليه الإسلام فأسلم، ثم خرج إلى قومه فأسلموا بإسلامه، ثم عاد إلى الرسول فأخبره بإسلامهم، فكتب له عهداً على قومه "همدان". وذكر إن رجلاً مرّ بالرسول، وهو من "أرحب" من "همدان"، اسمه "عبد الله بن قيس بن أم غزال"، فعرض عليه الرسول الإسلام، فأسلم، فلما عاد إلى قومه قتله رجل من "بني زُبَيْد". وجاء وفد آخر من "همدان" إلى الرسول فأسلم على يديه، وكان فيه "حمزة بن مالك" من "ذي مشعار"، وكان على الوفد مقطعات الحبرة مكففة بالديباج، فكتب الرسول لهم كتاباً، وأوصاهم بقومهم من بقيه بطؤن همدان.
وورد إن الرسول كتب ل "قيس بن مالك بن سعد الأرحبي"، عهداً ثبته فيه على قومه "همدان: أحمورها وعربها وخلائطها ومواليها إن يسمعوا له ويطيعوا". وذكر إن الأحمور: قدم، وآل ذي مران، وآل ذي لعوة، وأذواء همدان. وقيل: حمورها: أهل القرى. وأرى إن المراد بالأحمور هم بقايا حمير الناطقون بالحميرية وهم سكان القرى والمدن. ذكروا وخصوا بالذكر، لأنهم اختلفوا عن غيرهم ممن كان يتكلم بلهجات أخرى، ولهذا ميزوا عن "عربها"، أي عرب همدان، وهم الأعراب، وعن الخلائط وهمم الذين يكونون أخلاط الناس وعن الموالي. وذهب بعض الباحثين، إلى إن "عربها" بالغين، أي "غربها" ويراد بهم: أرحب، ونهم، وشاكر ووداعة، و يام، و موهبة، و دالان، و خارف، وعذر، وحجور".
وأما "بنو زُبَيْد"، فكان على رأسهم "عمرو بن معد يكرب الزبيدي"، وكان قد قدم على الرسول في أناس من قومه، ليعرض عليه الإسلام. فأسلم وأسلم من كان معه. وقد نعت بالشجاعة فدعي ب "فارس العرب"، وهو لقب يلقب به الشجعان الفرسان. وأقام في قومه من بني زُبَيْد. وعليهم "فروة بن مسيك المُرادي"، الذي كان قد استعمله الرسول على مراد وزبيد ومذحج كلها: فلما توفي رسول الله ارتد عمرو بن معديكرب. ووثب "قيس بن عبد يغوث" على "فروة بن مسيك"، وهو على مواد ة فأجلاه ونزل منزله.
وكان "عمرو بن معد يكرب" قد لقيَ "قيس برْ مكشوح المرادي" حين انتهى إليه أمر رسول الله، فعرض عليه إن يذهب معه إلى رسول الله حتى يعلم علمه، فإن كان نبيّاً، فإنه لا يخفى أمره عليهم، وإن كان غير ذلك علم علمه أيضاً وتركه، فلم يأخذ "قيس" برأيه وسفهّ فكرته. ثم أوعد "قّيس" "عمرو بن معد يكرب" يوم سمع بذهابه إلى الرسول وباعتناقه الإسلام. وقال: "خالفني وترك رأيي".
وكان "فروة بن مسيك المرادي" من "بني مُراد" وقد عدّه "ابن حبيب" في جملة الجرارين، أي الذين قادوا ألفاً. وقد كان مفارقاً لملوك كندة، ومعانداً لهم. وقد شهد يوم الرزم، وهو يوم كان بين مراد قوم فروة وبن همدان، انتصرت فيه همدان على مراد. وقد نسبوا شعراً لفروة ذكروا انه قاله يعتذر فيه عن الهزيمة التي أصابت مراداً في ذلك اليوم، وكان الذي قّاد همدان فيه "مراد الأجدع بن مالك".
ولما وصل "فروة" المدينة، نزل على "سعد بن عبادة"، وقد أكرمه الرسول، واستعمله على مراد وزبيد ومذحج، وبعث معه "خالد بن سعيد بن العاص" على الصدقات 6.
والى بني الحارث بن كعب أرسل الرسول خالد بن الوليد يدعنهم إلى الإسلام أو البقاء على دينهم وهو النصرانية مع دفع الجزية. فأسلم أكثرهم، وذهب وفد منهم فيه "قيس بن الحصين بن يزيد بن قنان ذي الغصة"، و "يزيد بن عبد المدان"، و يزيد بن المحجل"، و "عبد الله بن قريظ الزيادي"، و "شدّاد بن عبد الله القناني"، و "عمرو بن عبد الله الضبابيّ"، فقابل الرسول، وكان السواد غالباً على لونهم، فقال الرسول، لما رآهم: من هؤلاء القوم الذين كأنهم رجال من الهند?. قيل: يا رسول الله، هؤلاء بنو الحارث ابن كعب. وأمر رسول الله "قيس بن الحصن" على "بني الحارث بن كعب". كما زار الرسول "عبدة بن مسهر الحارثي" في المدينة، وأسلم على يديه.
وكتب الرسول لبني الضباب من "بني الحارث بن كعب" إن لهم ساربة ورافعها، لا يُحاقّهم فبها أحد ما داموا مسلمين، وكتب كتابهم هذا المغيرة. وكتب لبني قنان بن وعلة من بني الحارث كتاباً إن لهم محبساً وانهم آمنون على أموالهم وأنفسهم، كتبه له المغيرة أيضاً. وأمر الرسول كاتبه: الأرقم بن أبي الأرقم المخزومي، إن يكتب لعبد يغوث بن وعلة الحارثي، إن له ما أسلم عليه من أرضها وأشيائها، أي نخلها ما دام يقوم بما يفرضه الإسلام عليه من واجبات. وكتب له "علي بن أبي طالب" إن لبني زياد بن الحارث جمّاء وأذنبة. وأمر رسول الله المغيرة بن شعبة إن يكتب ليزيد بن المحجل الحارثي، إن له ولقومه نمرهّ ومساقيها ووادي الرحمان من بين غابتها. وانه على قومه من "بني مالك" و "عقبة" لا يغزون ولا يحشرون.
وأصر الرسول إن يكتب كتاباً ل "قيس بن الحصين ذي الغصة" أمانة لبني أبيه بني الحارث ولبني نهد حلفاء بني الحارث، يؤمنهم على أموالهم ما داموا مسلمين. وكتب كتاباً يشهد بإسلام "بني قنان بن يزيد" الحارثيين، ويؤمنهم فيه أيضاً إن لهمِ مذْوداً وسواقيه. وكتب مثل ذلك لعاصم، بن الحارث الحارثي، إن له نجمة من راكس لا يُحاقه فيها أحدا.
وكان "عوز بن سُرير الغافقي" في جملة من وفد من "غافق" على الرسول، كما كان فيهم "جليحة بن شجار بن صُحار الغافقي".
وقد آلم ولا شك خروج الحبش من اليمن البيزنطيين كثيراً، وأصيبوا بخروجهم منها بخسارة من الوجهة العسكرية والاقتصادية، غير إن مما خفف من هذه المصيبة إن الفرس لم يكن لديهم آنذاك أسطول قوي يستطيع الهيمنة على مضيق المندب، مدجل البحر الأحمر، بل ولا سفن كافية يكون في وسعها حماية سواحل اليمن والعربية الجنوبية. لذلك لم يهدد دخولهم اليمن السواحلَ الإفريقية المقابلة لسواحل جزيرة العرب وهي مهمة بالنسبة للروم، ثم انهم عوّضوا عن خسارتهم الكبيرة الفادحة التي نزلت بهم باحتلال الفرس لبلاد الشام، بطردهم الفرس وإجلائهم عن كل الأرضين التي استولوا عليها وبإعادتهم "الصليب المقدس" إلى مكانه. فرفعوا بذلك من معنوياتهم في الشرق الأوسط وفي إفريقية.
وقد سُرَّ اليهود من خروج الحبش من اليمن ومن استيلاء الفرس عليها. إذه صاروا في حكم حكومة لا تحقد عليهم، حكومة لا يهمها أمر اليهود لعدم وجود علاقة لها بها. بل ربما ساعدتها لأنها تناهض الروم، على عكس النصرانية التي كانت قد وجدت في الحبشة نصيراً ومساعداً، لذلك، أتباعها وانحسروا تدريجياً، وبقيت متمركزة بمدينة نجران.
ولنجران وضع خاص. فقد تمتعت باستقلال ذاتي في الغالب. وقد تحرشتُ بتأريخها في مواضع متعددة من هذا الكتاب وبحسب المناسبات. ولما استولى الفرس على اليمن لم تدخل في طاعتهم ولم تخضع لحكم "عاملهم"، بل أخذت تدير شؤونها بنفسها وبمجلس تنفيذي حصر أمور البلد في أيدي سادات ثلاثة اختصر أحدهم بالحكم المدني، واختص ثانيهم بالنظر في أمور الدين. واختص الثالث في شؤون الأمن والدفاع عن المدينة. وقد عرفوا بالعاقب والسيد والأسقف. وقد قدموا على الرسول وباهلوه ؛. وكتبِ لهم كتاب الصلح وذلك سنة عشر للهجرة. واشترط عليهم في جملة. ما اشترطه فيه، إن لا يأكلوا الربا ولا يتعاملوا به. وكتب الكتاب: المغيرة.
وذكر إن الوفد الذي خرج إلى الرسول من نجران كان مؤلفاً من أربعة عشر رجلا من أشرافهم نصارى. فيهم" العاقب، وهو عبد المسيح، رجل من كندة، وأبو الحارث بن علقمة، رجل من بني ربيعة، والسيد وأوس إبنا الحارث، وزيد بن قيس، وشيبة، وخويلد، وخالد، وعمرو، وعبيد الله، وفيهم ثلاثة نفر يتولون أمورهم، والعاقب، وهو أسقفهم وحبرهم وإمامهم وصاحبه مدارسهم، والسيد، وهو صاحب رحلهم. فتقدمهم "كرز" أخو "أبو الحارث"، ثم قدم الوفد بعده، فدخلوا المسجد عليهم ثياب الحبرة، وأردية مكفوفة بالحرير، ثم كلّموا الرسول، وصالحهم على شروط، ثم عادوا إلى ديارهم، ثم عاد السيد والعاقب إلى المدينة فأسلما، وبقي الآخرون على دينهم إلى زمن "عمر" فأجلاهم، لأنهم أصابوا "الربا" وكثر بينهم. واشترى عقاراتهم وأموالهم، فتفرقوا، فنزل بعضهم الشام ونزل بعضهم "النجرانية" بناحية الكوفة.
وكان الحكم في نجران ل "بني الأفعى"، ثم تحول إلى "بني الحارث بن كعب"، فلما ظهر الإسلام كان حُكامها من بني الحارث بن كعب. أما بنو الأفعى فكانوا كثرة فيها. غير إن الحكم لم يكن في أيديهم.
ولما توفي رسول الله، كان عامله "عمرو بن حزم" بنجران. ولما قام "ذو الخمار عبهلة بن كعب" وهو " الأسود"، بعامة مذحج على الإسلام في حياة الرسول وكان كاهناً شعباذاً، يري الناس الأعاجيب، ويسبي قلوب من سمع منطقه، أخرج "عمرو برت حزم" من نجران، واستولى عليها ثم سار "عبهلة" إلى صنعاء فأخذها، وأخذ يدعو الناس إليه، حتى قضى عليه. وأرسل الرسول قبل وفاته بقليل "وبر بن يُحنس" إلى "فيروز" و "جُشيش الديلمي" و "داذويه اللاصطخري"، و "جرير بن عبد الله" إلى "ذي الكلاع" و "ذي ظليم"، و "الاقرع بن عبد الله الحميري" إلى "ذي زود" و "ذي مران" وذلك للقضاء على "الأسود" وعلى من استجاب إليه، فقتل. قتله: "فيروز للديلمي" و "قيس بن مكشوح المرادي"، وعاد من ارتد واتبعه إلى الإسلام، ولم يكن الرسول قد فارق الدنيا بعد.
وكان النبيّ حين وفاته قد نصب عمالاً على عمالات تمتد من مكة إلى اليمن، فكان على مكة وأرضها "عتاب بن أُسيدْ" و "الطاهر بن أبي هالة"، عتاب على بني كنانة والطاهر على عك. وعلى "الطائف" وأرضها "عثمان بن أبي العاص" و "مالك بن عوف النصريّ". "عثمان" على أهل المدر ومالك كل أهل الوبر أعجاز هوازن. وعلى نجران وأرضها عمرو بن حزم وأبو سفيان بن حرب. عمرو بن حزم على الصلاة، وأبو سفيان بن حرب على الصدقات، وعلى ما بين "رمع" و "زبيد" إلى حد "نجران" خالد بن سعيد بن العاص. وعلى همدان كلها "عامر بن شهر"، وعلى "صنعاء" فيروز الديلمي يسانده داذويه وقيس بن المكشوح، وعلى الجند يعلى بن أمية، وعلى مأرب أبو موسى الأشعري، وعلى الأشعريين مع عك الطاهر بن أبي هالة، ومعاذ بن جبل يعلم القوم، يتنقل في عمل عامل. بقي الحال على هذا المنوال حتى نزا بهم الأسود الكذّاب.
وورد في ش رواية أخرى، إن رسول الله وجه "خالد بن سعيد بن العاص" أميراً إلى صنعاء وأرضها، وذكر انه ولى "المهاجر بن أبي أمية بن المغيرة المخزومي" صنعاء، فقبض وهو عليها. وقال آخرون إنما ولى "المهاجر" "أبو يكر"، وولى "خالد بن سعيد" مخاليف أعلى اليمن. وذكر أيضاً، إن رسول الله ولى "المهاجر" كندة والصدف، فلما قبض رسول الله، كتب أبو بكر إلى "زياد بن لبيد البياضي" من الأنصار بولاية كندة والصدف إلى ما كان يتولى من حضرموت. وولى المهاجر "صنعاء". والذي عليه الإجماع إن رسول الله ولى "زياد بن لبيد" حضرموت.
ولما ارتد "قيس بن عبد يغوث المكشوح" ردته الثانية، وعمل في قتل فيروز وداذويه وجشيش، وكتب إلى "ذي الكلاع" وأصحابه" "إن الأبناء نزُّاع في بلادكم، وثقلاء فيكم، وأن تتركوهم لن يزالوا عليكم، وقد أرى من الرأي أن اقتل رؤوسهم، وأخرجهم من بلادناً، كتب "أبو بكر" إلى "عمير ذي مران" والى "سعيد ذو زود" والى "سميفع ذي الكلاع" والى "حوشب ذي ظلم"، والى "شهر ذي يناف"، يأمرهم بالتمسك بالإسلام، وبمقاومة "قيس" والمرتدين. فكاتب "قيس" "تلك الفالة السيارة اللحجية، وهم يصعدون في البلاد ويصوّبون، محاربين لجميع من خالفهم" "وأمرهم إن يتعجلوا إليه، وليكون أمره وأمرهم واحداً، وليجتمعوا على نفي الأبناء من بلاد اليمن"، فاستجابوا له، ودنوا من صنعاء. وعمد إلى الحيلة لقتل "فيروز"، و "داذويه"، و "جشيش". وتمكن من "داذويه"، فقتله. فأحسرّ "فيروز" و "جشيش" بالمكيدة، فهربا إلى "خولان"، وهم أخوال "فيروز"، و امتنع "فيروز" بأخواله. فثار "قيس" بصنعاء، وجمع "فيروز" من تمكن جمعه من الأبناء، وكتب إلى "بني عقيل بن ربيعة بن عامر بن صعصعة" والى "عك" يستنصرهم ويستمدهم على "قيس". فساروا إليه ووثبت "عك" وعليهم "مسروق"، وسار "فيروز" بهم نحو "قيس"، فهرب في قومه والتحق بفلول "العنسي" التي تذبذبت بعد مقتله، وسار فيما بين صنعاء ونجران. وانضم إلى "عمرو بن معديكرب". وكان "عمرو" قد فارق قومه "سعد العشيرة" في "بني زبيد" وأحلافها وانضم إلى "العنسي".
ولما أرسل "أبو يكر" مدداً إلى من أرسله إلى اليمن، انضم إليه قوم من "مهرة" وسعد زيد والأزد وناجية وعبد القيس وحُدبان من بني مالك، وقوم من العنبر والنخع، وحمير، واختلف "قيس" مع "عمرو بن معديكرب"، وإنفلّ من كان معهما، وأخذا أسرين إلى أبي بكر، فعفى عنهما. وانتهت بذلك ردة هذين المرتدين.
ومن "بني خُشَين" "أبو ثعلبة الخشني"،. وقد وفد على الرسول وأسلم ووفد عليه نفر من "خشين" فنزلوا عليه وأسلموا وبايعوه ورجعوا إلى قومهم.
وكان من جملة وفود أهل اليمن إلى الرسول، وفد "بهراء"، جاؤوا إلى المدينة فأسلموا، وقد نزلوا على "المقداد بن عمرو".
ومن قبائل اليمن قبائل "مذحج"، وتقع منازلها جنوب منازل "خثعم" وفي شمال ديار "قهد". ومن بطونها "الرهاويون"، وهم حيّ من مذحج، قدم وفد منهم على الرسول سنة "عشر" للهجرة فأسلموا. وقدم رجل منهم اسمه "عمرو بن سبيع" على الرسول فأسلم، فعقد له رسول الله لواءً.
وأرسل "النخع" رجلين منهم إلى النبيّ" "ارطاة بن شراحيل بن كعب" من "بني حارثة بن مالك بن النخع" و "الجهيش" واسمه "الأرقم" من "بني بكر بن عوف بن النخع" فأسلما، وعقد لأرطاة لواء على قومه، وجاء وفد آخر من وفد النخع من اليمن سنة إحدى عشرة، وهم مائتا رجل، وكان فيهم "زرارة بن عمرو"، وقيل هو "زرارة بن قيس بن الحارث بن عداء"، وكان نصرانياً، فأسلموا، وبايعوا الرسول، وكانوا قد بايعوا "معاذ بن جبل" باليمن.
وقسم "جرير بن عبد الله البجلي" سنة عشر المدينةَ على رأس وفد من قومه "بحيلة"، فأسلموا وبايعوا الرسول. وقدم وفد آخر منهم فيه "قيس بن عزرة الأحمسي" فأسلموا وعادوا إلى ديارهم وجاء وفد "خثعم" وفيه "عثعث بن زحر" و "أنس بن مدرك"، فأسلموا، وكتب النبي لهم كتاباً. وقد دَوّن "ابن سعد" صورة كتاب ذكر أن الرسول كتبه ل "خثعم" "من حاضر بيشة وباديتها"، وأن الذي كتبه له وشهد عليه "جرير بن عبد الله" ومن حضر. ودَوّنَ "ابن سعد" صورة كتاب آخر، أمر الرسول بكتابته ل "مطرف بن الكاهن الباهلي". جاء فيه: "هذا كتاب من محمد رسول الله لمطرف بن الكاهن ولمن سكن بيشة من باهلة". ويظهر منه أن "مطرفا" المذكور وقومه من باهلة كانوا يقيمون اذ ذاك ب "بيشة". ودَوّن "ابن سعد" صورة كتاب آخر كتبه الرسول إلى "نهشل بن مالك الوائلي" من "باهلة. ولم يذكر الكتاب مواضع منازلهم.
وكان من رجال "جُعْفى" الذين وفدوا على الرسول" "قيس بن سلمة ابن شراحيل"، و "سلمة بن يزيد"، فأسلما، وأستأذنا الرسول بالعودة إلى منازلها. فلما كانا في الطريق، لقيا رجلاً من أصحاب رسول الله، معه إبل منه ابل الصدقة، فطردا الإبل، واوثقا الراعي. ومن "جعفى"، "ابو سبرة"، وهو "يزيد بن مالك بن عبد الله الجعفى" وابناه "سبرة" و "عزيز"، قدم بهما أبوهما على الرسول، وأسلموا.
وأما "تهامة"، فكان بها عَك والأشعرون. وكانوا قد ارتدوا بعد سماعهم خبر وفاة الرسول، ولكنهم غلبوا على أمرهم، وعادوا إلى الإسلام ولما توفي الرسول، كان أول منتقض بعد النبي بتهامة عَك والأشعرون، وذلك انهم حين بلغهم موت النبي، تجمعوا وأقاموا على الاعلاب طريق الساحل. فسار عليهم "الطاهر بن أبي هالة" ومعه "مسروق المكيّ"، فهزمهم وقتلهم كل قتلةَ، وعرفت الجموع من عكّ ومن تأشب إليهم" الأخابث، وُسميّ الطريق الذي تجمعوا فيه "طريق الأخابث"، وجاء وفد من الأشعريين، فيه "أبو موسى الأشعري"، ومعه رجلان من "عكّ" قدم في سفن في البحر، ثم نزلوا الساحل وذهبوا "برّاً إلى المدينة، فرأوا الرسول وبايعوه.
وأرسلت "جيشان" نفراً إلى المدينة فيهم "أبو وهب الجيشاني"، فأسلموا. وكان الحكم في حضرموت إلى الاقيال كذلك. وفي أيام الرسول قدم عليه "وائل بن حجر" راغباً في الإسلام، وكانت له مكانة كبيرة في بلده، وقد نعته كتاب الرسول الذي كتبه إليه ب "قيل حضرموت"، وقد كان لكندة والسكاسك والسكون والصدف اثر كبير في تأريخ حضرموت في هذا العهد الذي نتحدث عنه.
وذكر "ابن سعد"، إن الرسول كتب إلى أقيال حضرموت، وعظمائهم، كتب إلى "زرعة" و "فهد" و "البسّي" و "البحري" و "عبد كلال" و"ربيعة" و "حجر".ْ وكانت كندة هي القبيلة المتنفذة بحضرموت، كان "الاشعث بن قيس بن معديكرب الكندي" من رؤساء هذه القبيلة البارزين، وقد مدح الأعشى "قيس ابن معديكرب" بقوله: وجلنداء في عُمان مـقـيمـاً ثم قيساً في حضرموت المنيف
وكان "الأشعث بن قيس" على رأس وفد كندة الذي وفد على الرسول سنة عشر، فأسلم مع قومه على يديه. وقد كان رجال الوفد قد رجًّلوا جمعهم واكتحلوا، ولبسوا جباب الحبرة قد كفَوّها بالحرير، وعليهم الديباج ظاهر مخوص بالذهب، فأمرهم الرسول بتك ذلك. فألقوه.
وذكر "أبو عبيدة"، إن "الأشعث بن قيس" لم يكن كندياً، وإنما صار في كندة بالولاء. وزعم إن والد "قيس" وهو "معمد يكرب" كان علجاً من أهل فارس إسكافاً اسمه "سيبخت بن ذكر"، قطع البحر من توج إلى حضرموت. وللفرزدق شعر في ذلك قاله في حق "عبد الرحمن" حين خالف عبد الملك بن مروان. كما زعم إن "وردة بنت معد يكرب" عمة الأشعث كانت عند رجل من اليهود، فماتت ولم تخلف ولداً، فأتى الأشعث "عمر بن الخطاب" يطلب ميراثها، فقال له عمر" لا ميراث لأهل ملتين. وقد عرف ملوك كندة الذين راسلهم الرسول ب "بني معاوية"، وهم الذين عرفوا ب "بني معاوية الأكرمين"، في شعر مدحوا به.
وكان مخوص "مخوس" ومشرح وجمد "حمدة" وأبضعة بنو معد يكرب ابن وليعة بن شرحبيل بن معاوية من الرؤساء الملقبين بلقب ملك، لأن كل واحد منهم قد اختص بواد ملكه، ولقب نفسه بلقب ملك. وقد نزلوا المحاجر، وهي أحماء حموها، وقد عرف هؤلاء بالملوك الأربعة من بني عمرو بن معاوية وقد لعنهم النبيّ. وعرفوا ب "بني وليعة" ملوك حضرموت وقد جاؤوا إلى الرسول مع وفد كندة فأسلموا.
ووفد رئيس آخر من رؤساء حضرموت على الرسول اسمه "وائل بن حجر"، ويظهر انه كان ذا منزلة كبيرة عند قومه، فلما وصل المدينة أمر الرسول "معاوية بن أبي سفيان" باستقباله وبإنزاله منزلاً خاصاً ب "الحرة"، وأمر بأن ينادى ليجتمع الناس: الصلاة جامعة، سروراً بقدومه، ولما أراد الشخوص إلى بلاده كتب له الرسول كتاباً دعاه فيه ب "قيل حضرموت"، وذكر فيه انه جعل له في يديه من الأرضين والحصون. ولما أمر الرسول معاوية بأن ينزل "وائلاً" بالحرة، مشى معاوية معه ووائل راكب، فقال معاوية: الق إليّ نعليك أتوقّى بهما من الحرّ، فقال له: لا يبلغ أهل اليمن إن سوقة لبس نعل ملك، ولما قال له: فأردفني، قال: لستَ من أرداف الملوك، ولكن إن شئتَ قصرت عليك ناقتي فسرتَ في ظلها، فأتى معاوية النبي، فأنبأه بقوله، فقال رسول الله: إن قيه لعُبية من عُبيّةَ الجاهلية.
وكان "الأشعث الكندي" وغيره من "كندة" نازعوا "وائل بن حجر" على وادٍ بحضرموت فادعوه عند رسول الله، فكتب به رسول الله، لوائل ابن حجر. بعد إن شهد له أقيال حمير وأقيال حضرموت. فكتب له بذلك، وأقره على ما في يده من الأرضين.
ومن قرى حضرموت" تريم ومشطة والنجير وتنعة وشبوة وذمار وكان الرسول قد استعمل "المهاجر بن أبي أمية" على كندة والصدف و "زياد بن لبيد البياضي" من "بني بياضة" على حضرموت، و "عكاشة ابن محصن" على "السكاسك" و "السكون". ولما توفي الرسول، خرج "بنو عمرو بن معاوية"، إلى محاجرهم، ونزل "الأشعث بن قيس الكندي" محجراً، و "السمط بن الأسود" محجراً، وطابقت "معاوية" كلها على منع الصدقة وأجمعوا على الردة، إلا ما كان من "شرحبيل بن السمط" وابنه، فإنهما خالفوهم في رأيهم، فهجم المسلمون على المحاجر، وقتلوا الملوك الأربعة.
وساروا على "الأشعث" ومن انضم إليه من "كندة"، والتقوا بمحجر الزرقان فهزمت كندة وعلهم الأشعث: فالتجأت إلى حصن النجر، ومعهم من استغووا من السكاسلك وشذاذ من السكون وحضرموت والنجير، فلحقتهم جيوش المسلمين، ومنعت المسد عنهم، وأخضعت من بقرى "بني هند" إلى "برهوت"، وأهل الساحل، وأهل "محا"، فخاف من بالحصن على نفسه، واستسلم الأشعث وانتهت فتنته. وأخذ إلى المدينة، فحقن "أبو بكر" دمه، وزوّجه أخته، ثم سار إلى الشام والعراق غازياً ومات بالكوفة.
وكان "شرحبيل بن السمط" الكندي مقاوماً للأشعث بن قيس الكندي في الرئاسة، وانتقل العداء إلى الأولاد.
وينسب "الصدف" إلى الصدف بن مالك بن مرخ بن معاوية بن كندة"، فهم إذن من كندة.
وذكر إن من سادات حضرموت في هذا العهد" "ربيعة بن ذي مرحب الحضرمي". وقد كتب إليه الرسول كتاباً أقره فيه وأقر أعمامه وأخوته وكل "آل ذي مرحب" على أرضهم وأموالهم ونخلهم ورقيقهم وآبارهم ونخلهم وشجرهم ومياههم وسواقيهم ونبتهم وشراجعهم وان "أموالهم وأنفسهم وزافر حائط الملك الذي كان يسيل إلى آل قيس" هو لهم. وكتب الكتاب للرسول معاوية بن أبي سفيان.
وكان يتنازع على رئاسة مهرة رجلان منهم عند ظهور الإسلام، أحدهما "شجريت" وهو من "بني شخراة"، وكان بمكان من أرض مهرة يقال له: "جَيْروت" إلى "نضدون". وأما الأخر فبالنّجد. وقد انقادت مهرة جميعاً لصاحب هذا الجمع، عليهم "المصبح" أحد بني محارب، والناس كلهم معه، إلا ما كان من شخريت، فكانا مختلفين، كل واحد من الرئيسين يدعو الآخر إلى نفسه" وقد قتل "المصبح" في أثناء ردة مهرة، أما شخريت الذي كان قد أسلم ثم ارتد، فقد سلم على نفسه بعودته إلى الإسلام، وأرسل مع الأخماس إلى "أبي بكر".
ويذكر أهل الأخبار إن بعض رجال "مهرة" وفدوا على الرسول، منهم "مَهْرى بن الأبيض"، وقد كتب له الرسول كتاباً، و "زهير بنِ قرضم ابن العُجيل بن قباث بن قمومي"، وقد اسلم، وكتب له الرسول كتاباً حين هم بالانصراف إلى قومه.
ومن مواضع "مهرة" "رياض الروضة"، بأقضى أرض اليمن من مهرة، و "جيروت" و "ظهور الشحر" و "الصبرات" و "ينعب" و "ذات الخيم".
وأما عمان، فكان المتنفذ والحاكم فيها "الجلندى بن المستكبر"، وكان قد نصب نفسه ملكاً عليها، ويفعل في ذلك فعل الملوك، فيُعشرُ للتجار في سوق "دبا" و "سوق صحار" وكانت سوق دبا من الأسواق المقصودة المشهورة، يأتي إليها البائعون والمشترون من جزيرة العرب ومن خارجها، فيأتيها تجار من السند والهند والصين.
وورد في باب الرسل الذين أرسلهم رسول الله إلى الملوك، انه أرسل "عمرو بن العاص" إلى"جيفر بن جلندى" و"عباد بن جلندى" "عبيد" "جيفر بن جلندى بن عامر ابن جلندى" "عبدا" الأزديين صاحبي عمان. مما يدل على انهما كانا هما الحاكمين على عمان في هذا الوقت. وتعني لفظة "جلنداء" الواردة في شعر الأعشى في مدح "قيس بن معد يكرب" "الجلندى" صاحب عمان. وتذكر الروايات إن "جيفر"، كان هو الملك منهما: وكان أسن من أخيه.
وكان يُسامي "الجلندى" "ذو التاج" "لقيط بن مالك الأزدي"، وقد أرتد وادعى يمثل ما ادعى من تنبأ: وغلب على عمان، والتجأ "جيفر" و "عباد" إلى الجبال. فأرسل "أبو بكر" إليهما مدداً، فتغلبا عليه وعلى من التف حوله. ويظهر إن لم لقيطاً" كان ينافس "آل الجلندى بن المستكبر" على السلطان، وقد اعتصم "آل الجلندى" بالإسلام. وانتصروا بفضل المدد الذي وصل إليهم عليه. وقد قتل "لقيط" وسُبي أهل "دبا".
وكلمة "الجلندي" على ما يظهر من روايات الأخباريين ليست اسماً لشخص، وإنما هي لقب، وقد تعني "لقباً" أو "قيلاء" أو "كاهناً" في لهجات أهل عمان. ويؤيد ذلك ما ورد من انه "ادعى به من كان نبيّاً".
وارتدت طوائف من أهل "عمان"، ولحقوا بالشحر، وارتد جمع من "مهرة بن حيدان بن عمرو بن الحاف بن قضاعة"، فجهز عليهم "أبو بكر" "عكرمة بن أبي جهل بن هشام المخزومي" و "حذيفة بن حصن البارقي" من الأزد، فتغلبا عليهم جميعاً، وعادوا عن ردتهم إلى الإسلام.
ودوّن "ابن سعد" صورة كتاب ذكر أن الرسول كتبه لرجل من "مهرة" اسمه "مهري بن الأبيض". كتبه له: "محمد بن مسلمة الأنصاري".
وغالب أهل عمان من الأزد. وهم من "القحطانيين على رأي أهل الأنساب، من نسل "أزد بن الغوث بن نبت بن مالك بن كهلان بن سبأ". وقد عرفوا ب "أزد عمان"، تمييزاً لهم عن أزد شنوءة وأزد السراة وعن أزد غسان. وذكر إن أصل كلمة "أزد" هي "أسد"، وان "أسد" "أفصح من"أزد" وان الأزد نزلت عمان بعد سيل العرم، فغلبت على من كان بها من ناس. وإما أزد "شنوءة" فقد اتجهوا نحو الشمال، فذهب قوم منهم إلى العراق، ذكر انهم سموا "شنوءة" لشنآن، أي تباغض وقع بينهم أو لتباعدهم عن بلدهم. وإذا أخذنا بهذا التفسير، قلنا إنه يعني إن هذه الجماعة من الأزد، كانت مستبدية أعرابية، عاشت متباغضة يقاتل بعضها بعضاً، وهذا ما دفع فلولها على الارتحال عن مواضعها الأصلية وعلى الانتشار والتفكك والذهاب إلى أماكن بعيدة عن مواطنها شأن الأعراب المتقاتلين المتخاذلين.
ثم نراهم يذكرون إن أول من لحق بعمان من الأزد: "مالك بن فهم بن غانم بن دوس بن عبد الله بن زهران بن كعب بن الحارث بن عبد الله ابن مالك" وكان سبب خروجه عن قومه إلى عمان: إن كان له جار وكان لجاره كلبة، وكان بنو أخيه "عمرو بن فهم بن غانم يسرحون ويروحون على طريق بيت ذلك الرجل، وكانت الكلبة تعوي عليهم وتفرق غنمهم، فرماها أحدهم بسهم فقتلها. فشكا جار مالك إليه ما فعل بنو أخيه، فغضب مالك وقال: لا أقيم في بلد ينال فيه هذا من جاري. ثم خرج مراغماً لأخيه عمرو ابن فهم. ثم لحقت به قبائل أخرى من الأزد".
ويذكر الأخباريون إن "عمان" نسبة إلى رجل اسمه "عمان بن قحطان": وكان أول من نزلها بولاية أخيه يعرب، وذكر أيضاً إن "عمان" اسم وادٍ، كان ينزل الأزد عليه حين كانوا بمأرب، وان الفرس كانوا يسمون "عماناً" "مزون". وذكر إن العرب كانت تسمي "عمان" المزون. وذكر إن "أردشير بابكان" جعل الأزد ملاحين بشحر عمان قبل الإسلام بستمائة سنة. وقيل إن المزون، قرية من قرى عمان يسكنها اليهود والملاحون ليس بها غيرهم. ونزل بعمان ناس من غير الأزد. منهم جمع من "بني تميم"، ومنهم "آل جذيمة بن حازم"، وقوم من "بني النبيت" من الأنصار، ومنازلهم في قرية يقال لها "ضنك" من أعمال "السر"، و "بنو قطن" من أهل يثرب. كذلك، ومنازلهم "عبرى" و "السليف" و "تنعم" من أرض السر، وقوم من "بني الحارث بن كعب"، وآخرون من "قضاعة"، وفروع من "عبس".
وكان في جملة من وفد من أزد عمان على الرسول، "أسد بن يبرح الطاحي، خرج في وفد، فبايعوا الرسول، وطلبوا منه إن يرسل إليهم رجلا يقيم أمرهم، فأمر رسول الله "مخربة العبدي"، واسمه "مدرك بن خُوط" بأن يذهب اليهم، ويعلمهم القرآن والإحكام. وجاء بعده وفد آخر فيه "سلمة ابن عياذ "عباد" الأزدي".
ومن عمان "صحار"، وقد اشتهرت بسوقها. و "قسات"، وهي فرضة عمان على للبحر، إليها ترفأ أكثر سفن الهند. و "دبا" "حما" و"مهرة". ويعقد سوق صحار في أول يوم من رجب، ولا يختفر فيها بخفير، ثم يرتحلون إلى سوق دبا، فيعشرهم "آل الجلندى".
ودوّن "ابن سعد" صورة كتاب ذكر إن الرسول كتبه إلى وفد "ثُمالة" و "الحُدّان". جاء فيه "هذا كتاب من رسول الله لبادية الأسياف ونازلة الأجواف مما حاذت صُحار"، ثم ورد بعدها ما وضع عليهم الرسول من، حقوق. وقد كتب الصحيفة "ثابت بن قيس بن شماس"، وشهد عليها: سد بن عيادة ومحمد بن مسلمة.
وأما البحرين، فجلّ سكانها من "بني عبد القيس" وبكر بن وائل وتميم. وهم بين أهل شرك أو نصرانية وبين شراذم من يهود ومجوس. أما الوالي عليها في أيام ظهور الرسول، فكان "المنذر بن ساوى".. وهو من بني عبد الله ابن زيد" من "بني تميم". وكانوا ملوك المشقر بهجر، وكانت ملوك الفرس قد استعملتهم عليها. و "عبد الله بن زيد" هذا هو "الأسبذي"، نسبة إلى قرية ب "هجر" يقال لها "الأسبذ"، ويقال انه نسب إلى "الأسبذيين"، وهم قوم كانوا يعبدون الخيل بالبحرين.
و "المشقر" حصن آخر من حصون البحرين المعروفة، وهو من الحصون العادية لذلك نسب بعض أهل الأخبار بناءه إلى "سليمان بن داوود" على عادتهم في إرجاع نسب الأبنية العادية إليه في الغالب عند عجزهم عن معرفة أصل الأبنية. وذكر بعض آخر انه من بناء "طسم". وقد كان لعبد القيس، ولهم حصن أخر يليه اسمه "الصفا" قبل مدينة "هجر". وبين الصفا والمشقر نهر يجري يقال له "العين". ويذكر أهل الأخبار إن "بني عبد القيس" لما جاؤوا بها "إياداً"، فأخرجوهم عنها قهراً، وأخذوا مكانهم. وان "كسرى" حبس "تميماً" بهذا الحصن، وفيه فتك "المكعبر" والي "كسرى"، ببني تميم. وعرف الموضع لذلك ب "فج بني تميم".
وقد ورد اسم هذا الحصن في شعر "لبيد بن ربيعة العامري"، إذْ قال: وأعوصن بالدوميّ من رأس حصنه وانزلن بالأسباب رب المشـقـر
وقد ذكر شارح الديوان إن الشاعر "لبيد" قصد بالدوميّ ملك دومة الجندل. وان المشقر حصن بالبحرين. "قال أبو عمرو" وكان ربَهّ رجلاً من الفرس". وجاء في هامش التحقيق إن "المشقر" قصر بالبحرين بناه معاوية بن الحارث بن معاوية الملك الكندي، وكانت منازلهم ضرية، فانتقل أبوه الحارث إلى الغمر ظ وبنى ابنه المشقر، وقال ابن الأعرابي: المشقر بمدينة قديمة في وسطها قلعة، وهي مدينة هجر".
وتقع ديار "عبد القيس" إلى الشمال من ديار "أزد عمان"، وهي تشرف على الخليج، وتمتد نحو الشمال حتى تصل إلى منازل قبائل "بكر بن وائل"، وقد خالطتها قبائل أخرى. وسكنت إلى الغرب من ديار "عبد القيس" قبائل "تميم"، التي تمتد ديارها موازية لديار "بني عبد القيس" الواقعة إلى شرقها حتى تصل إلى ديار "بكر بن وائل" وديار "أسد" التي تؤلف الحدود الشمالية الغربية لها. وأما القبائل النازلة إلى الغرب من ديار تميم، فهي: أسد وهوازن و "غني" و "باهلة"، وأما القبائل النازلة إلى الجنوب من بلاد تميم، فهي "أزد عمان" و "عبد مناة" و "ضَبةّ".
ويخبر من دراسة الروايات التي يرويها أهل الأخبار عن هجرة القبائل، إن "يبني عبد القيس"، لما جاؤوا إلى البحرين، كانت البلاد إذ ذاك لإياد، فجلت إياد من البحرين ونزحت نحو العراق، فكان ما كان لها من مواقف هناك مع الفرس.
وسبب غدر "المكعبر" ببني تميم، هو وثوبهم على قافلة كانت محملة بالطرف والأموال أرسلها "وهرز" عامل كسرى على اليمن إلى كسرى، فاغتاط "كسرى" من ذلك، وأراد إرسال جيش عليهم، فأخبر إن بلادهم بلاد سوء، قليلة الماء، وأشر إليه إن يرسل إلى عامله بالبحرين إن يقتلهم، وكانت تميم تصير إلى هجر للميرة. فلجأ العامل إلى الغدر بهم، فأمر مناديه إن ينادي لا تطلق الميرة إلا لتميم، فأقبل إليه خلق كثير، فأمرهم بدخول المشقر وأخذ الميرة، والخروج من باب آخر، فدخل قوم منها فقتلهم. ثم أجهز على الباقين، وبعث بذراريهم في سفن إلى فارس.
وذكر إن "المكعبر" واسمه "فيروز بن جشيش"، تحصهن ب "الزارة" وانضم إليه مجوس كانوا تجمعوا بالقطيف، وامتنعوا عن أداء الجزية، فحاصرها "العلاء" وفتحها في أول خلافة "عمر". وفتح "العلاء" "السابون" و "دارين" في الساحل المقابل من الخليج.
وتميم من القبائل الكبيرة التي كان لها شان عند ظهور الإسلام. وقد سكنت في مواضع متعددة من جزيرة العرب وفي العراق وبادية الشام. وكان من أشرافها عند ظهور الإسلام: عطارد لن حاجب بن زرارة لن عدس التميمي، والأقرع أبن حابس، والزبرقان بن بدر، وعمرو بن الأهتم، وقيس بن عاصم، وربيعة بن رفيع، وسرة بن عمرو. والقعقاع بن معبد، ووردان بن محرز، ومالك بن عمرو، وحنظلة بن دارم، وفراس بن حابس، وقيس بن الحارث، ونعيم بن سعد، ورباح بن الحارث. و "سفيان بن الحارث بن مصاد".
وكان "الزبرقان بن بدر" على الرباب وعوف والأبناء، وقيس بن عاصم على "مقاعس" والبطون، و "صفوان بن صفوان" على "بهدى" و "سبرة بن عمرو" على "خضم" من "بني عمرو". و "بهدى" و "خضم" قبيلتان من "بني تميم". و "وكيع بن مالك" و "مالك بن نويرة" على "بني حنظلة" "وكيع" على "بني مالك" و "مالك" على "بني يربوع". ولما وقعت "الردة"، ارتبك موقف زعماء "تميم"، وكانوا متخاصمين غير متفقين فيما بينهم، وبينهم تحاسد وتباغض، منهم من أدى الصدقة ومنهم من امتنع، وتخاصموا فيما بينهم بسبب ذلك. وزاد في ارتباكهم هذا قدوم "سجاح بنت الحارث بن سويد بن عقفان" من الجزيرة، وكانت ورهطها في "بني تغلب" تقود أفناء "ربيعة"، ومعها "الهذيل بن عمران" في "بني تغلب" و "عقة بن هلال" في النمر، و "تاد" في إياد، و "السُليل بن قيس" في "شيبان"، وحاروا في امرهم، منهم من انضم إليها ومنهم من خالفها وقاتلها، ثم اتجهت نحو "مسيلمة" باليمامة واتفقت معه، ثم غادرته راجعة إلى قومها،.
ولما امتنع "مالك بن نويرة" عن دفع الصدقة، سار عليه "خالد بن الوليد" إلى "البطاح"، وكان قد فَرقَ قومه، وأمرهم بعدم التعرض والمقاومة، ولكنه قتل. وانتهى بذلك أمر تميمْ.
وكان "الاقرع بن حابس بن عقال" المجاشعي الدارمي في جملة المؤلفة قلوبهم. وهو من سادات تميم. وذكر انه كان على دين المجوس ولقبيلة تميم صلات بملوك الحيرة، وقد كانت "الردافة" اليها. وهي مكانة ودرجة مهمة جداً، لا تعطى إلا للقبائل المتنفذة القوية. ومع ذلك فقد وقعت بينها وبينهم خطوب ومعارك. لما في طبع القبائل من شق عصا الطاعة عند شعورها بوجود وهن في الحكم وبأن في إمكانها الانفراد بنفسها في الحكم. كما كانت لها صلات متينة برجال مكة التجار، ولها معهم أعمال وتجارة وعهود وحبال. لحماية قوافل قريش ولتأمن وصولها سالمة إلى الأماكن التي كانت تقصدها.
ونجد تميماً تحارب "بكر بن وائل" ومن يشد أزرها ويعاونها من "الاساورة" وذلك يوم "الصليب". وفد انتصر "بنو عمرو" وهم من تميم على "بني بكر"، وقتل "طريف" "رأس الاساورة". وقد كانت "بكر بن وائل" من القبائل المؤيدة للساسانيين. وكان الفرس يقومونهم ويجهزونهم، ويشرف على تجهيزهم عاملهم على "عين التمر" وتظهر صلات "تميم" الطيبة بقريش من أخبار أهل الأخبار عن تجارة قريش وعن الطرق التي كان يسلكها تجارهم لوصولهم إلى الاسواق، مثل سوق دومة الجندل والمشقر والأسواق الأخرى. لقد كانت. الطرق المؤدية إلى تلك الأسواق تمر بأرضين هي لأحياء من تميم. ولم تكن هذه الأحياء تتعرض لتجار مكة أو للتجار المتحالفين معهم والذين يتاجرون باسمهم، بأي سَوء. على العكس كانت تحترمهم وتقدم لهم المعونة، لوجود حبال وعهود عقدا ساداتهم مع سادات قريش. ونظراً إلى ما كان من حلف بين "كلب" و "تميم"، فقد صار في وسع تاجر مكة ومن هو في حلفه أو يتاجر بحماية تجار مكة، المرور في منازل "كلب" بأمن وسلام.
ومن ديار تميم "الحزن"، وهو د "بني يربوع". وهو مرتع من مراتع العرب، فيه رياض وقيعان. وقيل هو صقع واسع نجدي بين الكوفة وفيد. وقيل: هو قف غليظ، ومربع من مرابع العرب، بعيد عن المياه، فليس ترعاه الشياه ولا الحمر. فليس فيها دمن ولا ارواث. وعرف بأنه بلاد بني يربوع. وهناك حزن آخر ما بين زبالة فما فوق ذلك مصعداً في بلاد نجد. وفيه غلظ وارتفاع. وقد ورد ذكر "الحزن" في شعر للأعشى، حيث يقول: ما روضة من رياض الحزن، معشبة خضراء جاد عليها مسُبل هـطـل
وذكر انه موضع كانت ترعى فيه إبل الملوك، وهو من ارض "بني أسد".
وكانت قوافل قريش إذا قصدت "دومة الجندل" ،وسلكت السبل التي تمر ب "الحزن"، فإنها تكون آمنة مطمئنة، لأنها تمر ببلاد مضر. ولا يتحرش مضريّ بمضريّ. وكانت إذا عادت وأرادت سلوك مواضع الماء، مرّت بديار كلب، فتكون عندئذ آمنة مطمئنة، لأن لكلب حلفاً مع "تميم" و "تميم" من مضر ولها صلات وعلاقات بمكة. وإذا مرت بحزن أسد، فأنها تكون آمنة كذلك، لأن "بني أسد" من مضر. وإذا دخلت ديار "طيء"، صارت آمنة أيضاً، لأن لطيء حلفاً مع بني أسد.
ويظهر انه قد كانت لتميم صلات بقريش وبمكة تعود إلى أيام سابقة على الإسلام. إذ نجد في روايات أهل الأخبار إن نفراً منهم كانوا يذهبون إلى مكة ومنهم من كان يذهب إليها للاتجار. فقد ذكر إن تميمتاً كان متجره بمكة، وقد اختلف مع "حبرب"، فاعتدى عليه "حرب". فذهب التميمي إلى "بني هاشم" واستجار بهم، فأجاره "الزبير بن عبد المطلب"، رئيس "بني هاشم"،" وذكر إن نفراً من "بني دارم" كانوا في جوار رجل من "بني هاشم". بل يظهر انه قد كان لهذه القبيلة علاقة بمكة نفسها وبسوق عكاظ. وهو سوق مهم تقصده قريش، وكانت تتحكم في شؤونه. فلتميم صلة ب "الإفاضة"، ولها صلة بالحكومة في سوق عكاظ، وقد. ذكر أهل الأخبار أسماء عدد من حُكام تميم حكموا بعكاظ. وكانت هي وقريش وكنانة، تدير مراسم الحج وتحافظ على شعائره. مما يدل على إنها كانت ذات صلة قديمة بمكة، ولاسيما بعض أحياء منها، مثل "بنو دارم"، الذين ظهروا على اكثر أحياء تميم. ولعل ابتعادها عن مكة وارتحال أحيائها إلى مواطن بعيدة عن مكة، قد باعد فيما بينها وبين قريش، وقلل من صلاتها بهم.
وتتجلى هذه العلافة في تزوجّ قريش من "تميم"، مع ما عرف عن قريش من الامتناع من التزوج من غير قريش. وقد روى أهل الأخبار أسماء جماعة من أشراف مكة، كانت أمهاتهم من "تميم". ونجد في مكة رجالاً من تميم تحالفوا مع رجال من مكة. فصاروا من حلفائهم.
وقيام "تميم" بمهمة "الحكومة" في سوق عكاظ، وب "الإجازة"، يدل على أهمية مركز هذه القبيلة بالنسبة لقريش. وما كانت قريش تعطي "الإجازة" لتميم، لولا ما كان لها من نفوذ ومن علاقات طيبة بقريش. وقد افتخر "بنو تميم"، بالحكومة في "عكاظ" وبالإجازة في الجاهلية وفي الإسلام.
وكان "بنو عبد القيس" من قبائل البحرين المتنفذة. وكانت غالبيتهم على النصرانية، ومنهم كان "الجارود بن عمرو بن حنش بن المعلي"، الذي قدم في وفد عبد القيس إلى الرسول، فأسلم على يديه. وقد رفض الدخول فيما دخل فيه قومه من الردة عن الإسلام والعودة إلى النصرانية وتأييد "الغرور": المنذر ابن النعمان بن المنذر. وكان في جملة الوفد الذي قسم على الرسول عام الفتح: "عبد الله بن عوف الأشج" و "منقذ بن حيّان"، وهو ابن اخت الأشج، فأسلما وعادا إلى ديارهما.
ودوّن "ابن سعد" صورة كتاب ذكر إن الرسول وجهه إلى "الأكبر بن عبد القيس". ولم يشر إلى المراد من "الأكبر بن عبد القيس".ومما جاء فيه إن "العلاء بن الحضرمي" "أمين رسول الله على بَرّها وبحرها وحاضرها وسراياها وما خرج منها، وأهل البحرين خفراؤه من الضيم وأعوانه على الظالم وأنصاره في الملاحم".
وكان الرسول قد أرسل "العلاء بن الحضرمي" سنة ثمان قبل فتح مكة إلى "المنذر بن ساوي العبدي"، يدعوه إلى الإسلام، فأسلم، فهلك بعد وفاة الرسول بشهر، وارتد بعده أهل البحرين. واجتمعت "ربيعة" بالبحرين وارتدت، وملكوا عليهم "المنذر بن النعمان بن المنذر الغرور"، وكان يعاونه "الغرور بن سويد" أخي النعمان بن المنذر، ويسمى "المنذر بن سويد بن المنذر"، وكان رأس أهل الردة "الحطم بن ضُبيَعْة" أخو بني قيس بن ثعلبة، فجمع من اتبعه من بكر بن وائل، حتى نزل القطيف وهجر، واستغوى الخط ومن فيها من الزط والسيابجة، وبعث بعثاً إلى "دارين" وبعث على "جواثي" فحصرهم. وكان قد منى "سويد بن المنذر" بأن يجعله كالنعمان بالحيرة، غير انه فشل وغلب المسلمون أهل الردة، وقتل "الحطم".
وكان "المنذر بن النعمان" يسمى "الغرور"، فلما ظهر المسلمون، قال: لست بالغرور ولكني المغرور، ولحق هو وفُلّ "ربيعة" بالخط، فأتاها "العلاء" ففتحها وقتل المنذر ومن معه. وذكر انه نجا فدخل إلى "المشقر"، ثم لحق بسليمة فقتل معه. وذكر انه قتل "يوم جواثا"، وذكر انه استأمن ثم هرب فلحق فقتل. وقيل انه اسلم.
والمنذر بن ساوى هو رجل عربي من "بني تميم" من "بني دارم" على رأي اكثر أهل الأخبار. وقد ذهب بعضهم إلى انه من "بني عبد القيس". ولكن أكثرهم على انه "المنذر بن ساوى بن الاخنس بن بيان بن عمرو بن عبد الله ابن زيد بن عبد الله بن دارم التميمي الدارمي". وكان هو المتولي على البحرين في أيام الرسول.
ونجد في طبقات ابن سعد صورة كتاب أرسله الرسول إلى "المنذر بن ساوى"، يذكر فيه إن رسُل رسول الله قد "حمدوك، وانك مهما تصلح أصلح إليك وأثبتك على عملك وتنصح لله ولرسوله"، كما نجد للرسول كتاباً آخر، يخبر "المنذر" فيه انه قد بعث إليه "قدامة" و "أبا هريرة"، و "فادقع إليهما ما اجتمع عندك من جزية أرضك". وأرسل كتاباً مثله إلى "العلاء بن الحضرمي" يخبره فيه، انه بعث إلى المنذر بن ساوى من يقبض منه ما اجتمع عنده من الجزية، فعجله بها. وابعث معها ما اجتمع عندك من الصدقة والعشور". وكاتب الكتابين أبيّ. وكتب المنذر كتاباً إلى الرسول، جاء فيه: "إني قرأت كتابك على أهل هجر، فمنهم من أحب الإسلام وأعجبه ودخل فيه، ومنهم من كرهه".
وفي طبقات ابن سعد، كتاب من الرسول، ذكر انه أرسله "إلى الهلال صاحب البحرين"، فيه دعوة لهلال إلى الإسلام والى عبادة الله وحده والدخول في الجماعة فان ذلك خير له. ويظهر إن هلالاً هذا كان أحد سادات البحرين في هذا الوقت، وانه كان قد تأخر عن "الجماعة" أي قومه في الدخول في الإسلام، فكتب الرسول له ذلك الكتاب.
وأما "هجر"، فكان عليها عند ظهور الإسلام مرزبان يدعى "سيبخت" وإليه ذهب أيضاً العلاء بن الحضرمي يدعوه إلى الإسلام، فأسلم وأسلم معه جميع العرب وبعض العجم. وأما أهل الأرض هناك من اليهود والنصارى والمجوس، فقد صالحوا العلاء على الجزية. وهجًرْ سوق من أسواق الجاهلية، يؤمها "بنو محارب" من "عبد القيس". ويظهر من كتاب أمر رسول الله بتدوينه إليه. انه لما أسلم وصدق أرسل إلى رسول الله رسولاً يخبرهً بذلك اسمه "الأقرع"، فكتب إليه الرسول كتاباً حمله إليه الأقرع صاحبه، ويذكر رسوله الله فيه انه علم بما جاء في كتاب "سيبخت" إليه، وانه يحثه ويدعوه إلى القيام بشعائر الإسلام.
وقد ذهب بعض أهل الأخبار إلى إن هجراً كانت قاعدة البحرين، وقال بعض آخر إنها اسم لجميع أرض البحرين. وقد اشتهرت بالتمر، فقيل في المثل" كمُبضع التمر إلى هجر، كما عرفت بأوبئتها، وقد روي إن الخليفة عمر قال: "عجبت لتاجر هجر وراكب البحر"، كأنه أراد ذلك لكثرة وبائها، فعجب من تاجر يذهب لذلك إليها، كما عجب من راكب البحر، لأنه سواء في الخطر. ويظهر إنها كانت كثيرة المياه ذات مستنقعات، لذلك تفشت بها الأوبئة. وذكر الأخباريون إنها عرفت ب "هجر"، نسبة إلى "هجر بنت المكفف"، وكانت من العماليق، أو من العرب المتعربة؛ وكان زوجها: محلم ابن عبد الله صاحب النهر الذي بالبحرين، ويقال له: نهر محلم وهناك عين ماء عرفت بعين هجر وبعين محلم.
وذكر أهل الأخبار إن "ملك هجر"، ولم يشيروا إلى اسمه، كان قد سوّد "زهرة بن عبد الله بن قتادة بن الخوية"، ووفّده على النبي، وانه كان في جيش "سعد بن أبي وقاص" الذي أرسله إلى العراق، فجعله "سعد" من "أمراء التعبية". ولعلهم قصدوا بذلك المرزبان "سيبخت"، الذي ذهب إليه "العلاء بن الحضرمي" بأمر الرسول ليدعوه إلى الإسلام، فأسلم على يديه.
ويعرف الساحل المقابل لجزيرة "أوال" من جزر البحرين، ب "السيف" سيف البحر. والسيف في اللغة ساحل البحر. ويليه "الستار": "ستار البحرين".
و "كاظمة" جوّ على سيف البحر، وفيها ركايا كثيرة وماؤها شروب.
وعرفت ب "كاظمة البحور". وقد أكثر الشعراء من ذكرها. وهي موضع مجهول في الوقت الحاضر، يظن إن مكانه على ساحل الجون المقابل لموضع "الجهرة". ويعرف ذلك الموضع ب "دوحة كاظمة".
وكان على الأبلة وما والاها "قيس بن مسعود بن خالد"، فلما علم بما فعله كسرى بملك الحيرة، تفاوض سراً مع بكر، واتفق معها على مساعدتها. فلما انتهت معركة "ذي قار" لم يجرا كسرى إن يلحق به أذى ما هو في أرضه، فعمد إلى الحيلة للانتقام منه، بأن كتب إليه يطلب منه المجيء لرؤيته. فلما ذهب إليه، قبض عليه وحبسه في قصره بالأنبار أو بساباط. وقد عَدّه أهل الأخبار في المعدودين من "أجواد الجاهلية". ذكروا انه كانت له مائة ناقةُ مُعّدة للأضياف إذا نقصت أتمها. وقد مدحه لذلك الشعراء. وعدّ من "ذوي الآكال". وذكر إن كسرى كان قد أطعمه "الأبلة" وثمانين قرية من قراها.
وكان على اليمامة "هوذة بن علي الحنفي"، وكان ملكاً على دين النصرانية، واليه أرسل رسول الله "سليط بن عمرو" "سليط بن قيس بن عمرو الأنصاري" يدعوه إلى الإسلام. فأرسل "هوذة" وفداً إلى الرسول ليقول له: "إن جعل الأمر له من بعده أسلم، وسار إليه ونصره، وإلا قصد حربه. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا، ولا كرامة". ثم مات بعد قليل. وذكر انه كان شاعر قومه وخطيبهم، وكانت له مكانة عند العرب.
وذكر انه كان من "قُرّان" من مواضع اليمامة، وأهلها أفصح بنو حنيفة. وانه كان من وجهاء قومه. وقد نسب على هذه الصورة: "هوذة بن عليّ بن ثمامة بن عمرو الحنفي" من بكر بن وائل. وورد إن تميماً كانت قد قتلت والد "هوذة"، وان هوذة كان يكره بني تميم كرهاً شديداً حتى إن كسرى حين سأله عنهم أجابه: "بيني وبينهم حساء الموت، فهم الذين قتلوا أبي". وورد إن كسرى سأل هوذة عن عيشه وعن ماله، فقال: "أعيش عيشة رغيدة، وأغزو المغازي، واحصل على الغنائم". ولكن الظاهر انه لم يكن كفؤاً لبني تميم. وان ملكه لم يتجاوز حدود اليمامة.
وزعم أهل الأخبار إن "كسرى" تَوَجَّهَ إلى اليمامة، أو انه سمع بجوده وكرمه، فاستدعاه إليه، ولما وجد فيه عقلاً وسياسة" ورجاحة رأي توّجه بتاج من تيجانه، ولذا لقب هوذة ب "صاحب التاج"، وأقطعه أموالاً ب "هجر"، وكان نصرانياً. وقيل إن كسرى دعا بعقد من الدُرّ فعقد على رأسه وكساه قباء ديباج مع كسوة كثيرة، فمن ثم سُميّ هوذة ذا التاج. وذكر إن سبب استدعاء كسرى له، انه أكرم رجال العير التي حملت الطاف وهدايا وأموال "وهرز" التي أرسلها من اليمن إلى "كسرى"، وكانوا قد انتهُبوا حتى لم يبق عندهم شيء، فصاروا إلى "هوذة"، فأكرم مثواهم وآواهم وكساهم: وزَوّدهم وحماهم، وسار معهم إليه، فأكرمه كسرى على النحو المذكور. وقيل إنه لم يكن صاحب تاج، وإنما كان يضع على رأسه إِكليلا رصعه بأحجار ثمينة كأنه التاج تشبها بالملوك.
ويروي أحل الأخبار إن الشاعر الأعشى قال في حق هوذة: له أكاليل بالياقوت فصّـلـهـا صوّاغها لا ترى عيبا ولا طبعا
وذكر انه كان أول معدّيّ لبس التاج، ولم يلبس التاج معديّ غيره.
ويظهر من روايات أهل الأخبار عن يوم الصفقة وعن يوم المشقر، إن نفوذ "هوذة" لم يكن واسعاً بعيداً، بل كان محدوداً بحدود قبيلته، وانه لم يكن في مستوى ملوك الحيرة أو آل غسان، بل كان سيد قومه إِذْ ذاك، حتى انه لما طمع في الجعالة التي كان الفرس يعطونها لمن يتولى خفارة قوافلهم الآتية من اليمن إلى العراق أو الذاهبة من العراق إلى اليمن، ووافق الفرس على إن يعطوه ما أراد، وسار مع القافلة خفيراً لها من "هجر" حتى "نطاع"، وبلغ "بنو سد" ما صنعه "هوذة"، خرجوا عليه وأخذوا ما كان مع الأساورة والقافلة وما معه، وأسروه، حتى اشترى منهم نفسه بثلاثمائة بعير، وقدُ عيرّ في ذلك، وتغنى شاعر "بني سد" بذلك اليوم، الذي سيق فيه هوذة، وهو مقرون اليدين إلى النحر، فلما استلم بنو سعد الإبل المذكورة جاؤوا به إلى اليمامة فأطلقوه.
ويذكر أهل الأخبار إن هوذة سار مع من تبقى من الأساورة وبقية فلول القافلة إلى "كسرى"، ليخبره بما حدث له، وبما فعلت به بنو تميم، ودخل على ملك الفرس فأكرمه، وأمر باسقائه بكأس من ذهب، ثم أعطاه إياه وكساه قباءاً له ديباج منسوج بالذهب واللؤلؤ وقلنسوة قيمتها ثلاثون ألف درهم وحباه ثم عاد إلى بلاده. ولو كان هوذة قد جاء كسرى بخبر انتصار وانقاذ للقافلة جاز لنا أخذ هذا الوصف على محمل الصدق، أما وأن الرواية هي في موضوع هزيمة واندحار، فإن من الصعب،علينا التصديق بها، ولا سيما وان ملوك الفرس كانوا أصحاب غطرسة وكانوا إذا جاءهم أحد بخبر هزيمة قابلوه بالازدراء والتبكيت وبإنزال اللعنات عليه في الغالب. وليس في هذا الموقف ما يدعو إلى اسقاء هوذة بكأس من ذهب.
ويذكر أهل الأخبار إن اليمامة من نجد، وقاعدتها "حجر"، وكانت تسمى "جدا" في الأصل، كما عرفت ب "جو". وذكروا إنها سميت "يمامة" نسبة إلى "اليمامة بنت سهم بن طسم"، وكانت منازل طسم وجديس في هذا المكان. وقد تناولتها الأيدي حتى صارت في أيدي "بني حنيفة" عند ظهور الإسلام في قصص من قصص أهل الأخبار.
واليمامة من الأماكن الخصبة في جزيرة العرب. وبها "وادي حنيفة". وبه مياه ومواضع كانت عامرة ثم خربت، وهي اليوم خراب أو آثار. وقد اشتهرت قراها ومزارعها، وكانت من أهم الأرضين الخاضعة لمملكة كندة. ويظهر إن سيلاً جارفاً أو سيولاً عارمة اكتسحت في الإسلام بعض قراها، فهجرت إذ ترى في هذا اليوم آثار أسس بيوت مبنية من اللبن ومن الطين، يظهر إنها اكتسحت بالسيول وجاءت الرمال فغطتها بغطاء لتستر بقاياها عن رؤية النور. وقد ذكر أهل الأخبار إن اليمامة كانت من "أحسن بلاد الله أرضاً وأكثرها خيراً وشجراً ونخيلاً". وبها مياه كثيرة. وقد عرف أهلها بالنشاط وبالتحضر، وذلك بسبب وجود الماء بها، إذْ أغرى سحر الماء الناس على الإقامة عند مواضع المياه، فنشأت مستوطنات كثيرة. ولا زال أهل اليمامة يعدّون من أنشط سكان المملكة العربية السعودية.
وحدود اليمامة من الشرق البحرين ومن الغرب تنتهي إلى الحجاز، وأما من الشمال فتتصل بواد متصل بالعذيب والضرية والنباج وسائر حدود البصرة وجنوبها بلاد اليمن. هذا على تعريف "ابن رسته". وتبعد "جو" وهي الخضارم من حجر يوماً وليلة. ومن مواضع اليمامة "منفوحة"، وهي قرية مشهورة، كان يسكنها الأعشى، وبها قبره. وهي لبني قيس بن ثعلبة بن عكابة. ومن مواضع اليمامة الأخرى "المعلاة" من قرى "الخرج".
ومن أبرز قبائل اليمامة في أيام الرسول، "بنو حنيفة". و "حنيفة" لقب "أثال بن لجيم بن صعب بن علي بن بكر بن وائل". ويذكر أهل، الأخبار، إن "الأحوى بن عوف" المعروف بجذيمة، لقى أثالاً فضربه فحنفه، فلقب حنيفة. وضربه أثال فحذمه جذيمة. فقال جذيمة: فإن تك خنصري بانت فإني بها حنفَّت حاملتـي أثـال
وقد وفد وفد منهم، فيه "مسيلمة بن حبيب" الذي عرف ب "الكذّاب" لادعائه النبوة، وكان قد طلب من الرسول إن يشركه معه في الأمر. وادعى النبوة، ثم قتل. وكان يسجع السجعات مضاهاة للقرآن. وممن كان في هذا الوفد: "رحال بن عنفوة"، وقد شهد لمسيلمة إن رسول الله أشركه في الأمر فافتن الناس به، و "سلمي بن حنظلة السحيمي" و "طلق بن علي بن قيس" و "حمران بن جابر بن شمر" و "علي بن سنان" و "الأقعس بن مسلمة" و "زيد بن عبد عمرو"، وعلى الوفد "سلمي بن حنظلة".
ويذكر إن "سجاحاً"، وهي "سجاح بنت أوس بن العنبر بن يربوع" التميمية التي تكهنت وادعت النبوة، أتت "مسيلمة الكذّاب"، وهو ب "حجر"، فتزوجته، وجعلت دينها ودينه واحداً. وكان قد اتبعها قوم من "بني تميم" وقوم من أخوالها من "بني تغلب".
ومن "بني حنيفة"، "عُمير" و "قُرين" ابنا "سلمي". وكان "عمير" أوفى العرب، قبل أخاه "قرينا" بقتيل قتله من جيرانه. ومنهم "مجاعة بن مرارة بن سلمي"، وكان رسول الله قد أقطعه "الغورة" و "غرابة" و "الحبل"، ثم أقطعه "أبو بكر" "الخضرمة" ثم أقطعه "عمر" "الرياء"، ثم أقطعه "عثمان" قطيعة أخرى.
ومن رجال اليمامة "محكم بن الطفيل بن سبيع" الذي يقال له "محكم اليمامة"، وقد ارتد وقتل مع من قتل من المرتدين.
ومن قبائل اليمامة: بنو باهلة بن أعصر، وبنو نمير وأحياء من تميم. واستقرت بطون من بكر وعنزة وضبيعة في القسم الشرقي من اليمامة حتى البحرين، واتصلت منازل بطون منها بالعراق. كما كان بها "بنو هزان"، وهم من قطنة اليمامة القدامى: إذْ في أهل الأخبار يرجعون تأريخهم بها إلى أيام طسم، أي إلى أيام العرب العاربة أو العرب البائدة الأولى. والظاهر إن أهل الأخبار قد حاروا في أمر "هزان". فجعلوهم من العرب البائدة ودعاهم الهمداني ب "هزان الأولى"، وجعلوهم من اليمن ونسبوهم إلى "قحطان" وجعلوهم من "معدّ". وهم الذين بقوا في ديارهم اليمامة إلى الإسلام وفي الإسلام. ويظهر من روايات أهل الأخبار، انهم قصدوا قبائل مختلفة لا قبيلة واحدة هي "هزان" التي طلت باقية ولها بقية في اليمامة حتى اليوم. ولكننا نستبعد كون القبائل الثلاث قبيلة واحدة في الأصل. بدليل إن أهل الأخبار يذكرون إن هزان اليمانية الأصل كانت تقيم في اليمامة، وان هزان "معدّ" هم من أهل اليمامة أيضاً، أي إن مواطن القبيلتين واحدة، بل إن منهم من يرجع مواطن هزان الأولى إلى اليمامة كذلك. وهذا ما يحملنا علي القول إن الهزانيين كلهم من قبيلة واحدة، بقيت فروعها في مواطنها القديمة اليمامة حتى اليوم. ولا قيمة لما يرويه أهل الأنساب من سرد نسب كل قبيلة من القبائل الثلاث إلى العرب البائدة أو إلى العرب العاربة أو إلى العرب المستعربة.
والظاهر إن "بني حنيفة" ضغطوا على الهزانيين، فاغتصبوا معظم أرضهم باليمامة، فقل بذلك شأنهم، وصاروا دون "بني حنيفه" في القوة. ومن "بني هزان" تزوج الأعشى، ثم أكرهوه على تطليقها، فطلقها حين ضربوه، وأصروا عليه بلزوم تخليه عنها ففعل، فقال في ذلك شعراً، رواه الرواة. ومنهم نفر أسروا "الحارث بن ظالم المرّيّ"، ولم يكرنوا يعرفونه، وظنوه صعلوكاً، ثم باعوه إلى نفر من القيسيين بزق خمر وشاة، وقيل من بني سعد. ومنهم كان قاتل حيان برت عتبة بن جعفر بن كلاب. وهو المعروف بصاحب الرداع.
ومن مواطن "هزان" العلاة، وهو جبل من جبال اليمامة، وبرك، ونعام، وشهوان، وماوان، والمجازة. ويلاحظ إن أخلاطاً من قبائل أخرى جاورت "بني هزان"، وسكنت معهم. منهم "بنو جرم" و "بنو جشم"، و "الحارث بن لؤي بن غالب بن فهر" من قريش، و "ربيعة" وهم من اليمن.
وأما منازل طيء عند ظهور الإسلام فجبلا طيء: أجأ وسلمى. غير إن هناك بطوناً من طيء كانت قد انتشرت في أماكن أخرى، فنزلت في العراق وفي بلاد الشام وفي أماكن أخرى في جزيرة العرب.
وطيء من القبائل التي كان لها شأن كبير قبل الإسلام. ولعلّها كانت من أشهرها وأعرفها قبيل الميلاد وفي القرون الأولى للميلاد. بدليل إطلاق السريان كلمة "طيايا" على كل العرب، من أي قبيلة كانوا. أي إنها استعملت عندهم بمعنى "عرب"، وأصلها من اسم القبيلة التي نتحدث عنها وهي قبيلة "طيء".
ولم تكن طيء متصافية فيما بينها متحابة، فوقعت بين عشائرها حروب، حتى تداخل "الحارث بن جبلة" الغساني فيما بينها، فأصلح حالها، فلما ترك عادت إلى حربها، فالتقت جديلة وغوث بموضع تحاربت فيه، قتل فيه قائد بني جديلة، وهو أسبع بن عمرو بن لأم، وأخذ رجل من سنبس أذنيه فخصف بهما نعليه، فعظم ما صنعت الغوث على أوس بن خالد بن لأم، وعزم على لقاء الغوث بنفسه، وحلف ألا يرجع عن طيء حتى ينزل معها جبليها أجأ وسلمى، وتجبى له أهلها، وكان لم يشهد الحروب المتقدمة، لا هو ولا أحد من رؤساء طيء، كحاتم، وزيد الخيل، وغيرهم من الرؤساء. فلما اقبلت جديلة وعلى رأسها أوس بن حارثة بن لأم، وبلغ الغوث جمع أوسٍ لها، أوقدت ناراً على ذروة أجأ، وذلك في أول يوم توقد فيه النار، فأقبلت قبائل الغوث، كل قبيلة وعليها رئيسها، ومنهم زيد الخنيل، وحاتم، وتلاحمت بجديلة في يوم اليحاميم ويعرف أيضاً بقارات حوق، الذي انتهى بهزيمة منكرة حلت بجدية، فلم تبق لها بقية للحرب، فدخلت بلاد كلب، وحالفتهم وأقامت معهم.
وكان سيد طيء في أيام الرسول، "زيد الخيل بن مهلهل الطائي". وهو ممن قدم على الرسول في وفد طيء. وقد قطع له الرسول فيداً وأرضين معه، وكتب له بذلك، ولكنه توفي في موضع يقال له "فردة". من بلاد نجد من حمى علقت به أثناء أقامته بيثرب، فلم يبلغ مكانه. وقد مدحه الرسول وأثنى عليه. و "زيد الخيل" الذي سمّاه الرسول "زيد الخير"، هو من "بني نبهان" من "طيء". وكأن في الوفد رجال آخرون منهم: "وزر بن جابر ابن سدوس" من "بني نبهان"، و "قبيصة بن الأسود بن عامر" من "جرم طيء"، و "مالك بن عبد الله بن خيبري" من "بني معن"، و "قعُين ابن خليف بن جديلة".
ومن "طيء" الرجل الذي ضرب بجدوه المثل، والذي لا زال الناس يذكرون اسمه على انه المثل الأعلى في الكرم، وهو "حاتم الطائي". مقري الضيوف ومغيث الفقراء. فمدحه لجوده الشعراء" عبيد بن الابرص والنابغة الذبياني وبشر ابن أبي حازم وغيرهم. وكان مضربه ملجأ للمحتاجين ولمن يسلك الطريق يريد "الحيرة". ونظراً لجوده وكرمه هابته العرب وصارت له دالة ومكانة عند ملوك الحيرة وعند آل غسان. وذكر انه "إذا أسر اطلق. ومرّ في سفره على عنزة وفيهم أسير، فاستغاث به الأسير، ولم يحضره فكاكه فاشتراه من العنزيين، وأقام مكانه في القدّ حتى أدي فداؤه.
وقد توفي "حاتم الطائي" قبل الإسلام، وانتقلت رئاسة طيء منه إلى ابنه "عدي بن حاتم طيء"، وكان نصرانياً يسير في قومه بالمرباع، وكان بمثابة الملك فهم، فلما جاءت خيل الرسول سنة تسعٍ بلاد طيء، قرر اللحوق بأهل دينه من النصارى بالشام، ثم ترك الشام ولحق بالمدينة فأسلم وأكرمه الرسول. وعينه الرسول على صدقة طيء وأسد.
وذكر إن "عمرو بن المسبح بن كعب بن عمرو بن عصر بن غنم"، الذي كان أرمى العرب، وهو الذي ذكره "امرؤ القيس" في شعاره وأشار إليه، هو من "طيء"، كان قد أدرك الرسول، ووفد عليه.
وقد وقع بين طيء نزاع أدى إلى وقوع حروب وأيام بينها، ومن بينها يوم عرف ب "يوم اليحاميم". وقد كان "الحارث بن جبلة الغساني" قد اصلح بين قبائلها، فلما هلك عادت إلى حروبها. فالتقت جديلة والغوث، فقيل "أسبع ابن عمرو بن لأم"، وهو من جديلة وقائدها، قتل في موضع يقال له "غرثان"، وأخذ رجل من "سنبس" أذنيه فخصف بهما نعليه، فغضبت "بنو جديلة"، واقسم "أوس بن خالد بن لأم" على الانتقام من "الغوث" ومنهم "بنو سنبس"، وأخذ في حشد قومه "جديلة"، وبلغ الغوث ذلك، فأوقدت النار على "اجأ"، فأقبلت قبائل الغوث، وعلى رأسها ساداتها ومنهم "زيد الخيل" و "حاتم الطائي"، ووقع القتال بين جديلة والغوث في موضع يقال له "قارات حوق"، فانهزمت جديلة، وقتل فيها ابرح القتل، حتى لم تبق لها بقية للحرب، فدخلت بلاد كلب وحالفوا كلباً وأقاموا معهم. وعرف هذا اليوم ب "يوم اليحاميم".
وكتب الرسول كتباً إلى جماعة من "طيء". منهم "بنو معاوية بن جرول و "عامر بن الأسود بن عامر بن جوين الطائي"، وجماعة من "بتي جوين"، و "لبني معن" الطائيين.
وتقع إلى الشرق من ديار "طيء" منازل "أسد". والى الشمال من ديار أسد منازل "بكر"، وإما إلى الجنوب من منازل "أسد" فديار "هوازن" و "غطفان". وتتاخم ديار أسد من الشرق قبائل "عبد القيس" و "تميم".
ولما أخذت الوفود تترى على المدينة لمبايعة الرسول والدخول في الإسلام، كان وفد "أسد" في جملة الوفود التي بايعت الرسول ودخلت في الإسلام، وذلك سنة تسع للهجرة. وكان فيه "حضرمي بن عامر" و "ضرار بن الأزور" و "وابصة ابن معبد" و"قتادة بن القايف" و "سلمة بن حبيش" و "طلحة بن خويلد" و "نقادة بن عبد الله بن خلف"، ومعهم قوم من "بني الزنية" وهم من "مالك بن مالك بن ثعلبة بن دودان بن اسد".
وكتب رسول الله كتاباً إلى "بني أسد" كتبه له "خالد بن سعيد"، ورد فيه: "الا يقربن مياه طيء وأرضهم فانه لا تحل لهم مياههم ولا يلجن أرضهم من اولجوا. وأمر عليهم "قضاعي بن عمرو" وهو من "بني عذر"، بأن جعله عاملا عليهم. وكتب الرسول إلى "حصين بن نضلة الأسدي" "إن له اراما وكسة، لا يحاقه فيها احد".
ومن ديار "بني أسد بن خزيمة"، "قطن"، وهو جبل بناحية "فيد" به ماء. وأمر الرسول "ابا سلمة بن عبد الأسد المخزومي" بغزوه، لما بلغه إن "طليحة" و "سلمة" ابني "خويلد" قد سارا في قومهما ومن أطاعهما يدعوانهم إلى حرب الرسول، فذهب إلى "قطن"، ثم عاد، ومعه إبلٌ وشاء.
وتقع إلى الشمال الغربي من ديار "طيء"، ديار "بكر"، وهى "بكر ابن وائل". وهي قبائل ضخمة ذات فروع عديدة، سكنت في مواضع عديدة أخرى غير هذه المواضع.
وذكر في خبر فتوح السواد، إن "المثنى بن حارثة الشيباني" كان يغير على السواد، فبلغ "أبا بكر" خبره، فسأل عنه، فقال له قيس بن عاصم بن سنان المنقري: هذا رجل غير خامل الذكر، ولا مجهول النسب، وأثنى عليه. ثم إن المثنى قدم على "أبي بكر"، فقال له: يا خليفة رسول الله، استعملني على من اسلم من قومي اقاتل هذه الأعاجم من أهل فارس، فكتب له أبو بكر في ذلك عهداً، فسار حتى نزل "خفان" ودعا فيه إلى الإسلام فأسلموا. ثم إن ابا بكر أمر "خالد بن الوليد" بالمسير إلى العراق، وكتب إلى "المثنى بن حارثة" يأمره بالسمع والطاعة له وتلقيه. وكان "مذعور بن عدي العجلي"، قد كتب إلى أبي بكر يعلمه حاله وحال قومه ويسأله توليته قتال الفرس، فكتب إليه يأمره إن ينضم إلى خالد ويسمع له بالطاعة.
و "خفان" مأسدة وموضع أشبّ الغياض كثير الأسد، أو اجمة قرب "الكوفة".
ونجد في موارد أخرى إن "المثنى بن حارثة الشيباني" و "سويد بن قطبة العجلي"، وكلاهما من "بكر بن وائل" كانا يغيران على الدهاقين، فيأخذان ما قدرا عليه. فإذا ُطلبا أمعنا في البَرّ فلا يتبعهما أحد، وكان المثنى يغير من ناحية الحيرة، و "سويد" من ناحية "الأبلة". فكتب إلى "أبي بكر"، يعلمه ضراوته بفارس ويعرفه وهنهم، ويسأله إن يمدّه بجيش، فكتب إليه "أبو بكر" يخبره انه مرسل إليه "خالد بن الوليد" وان يكون في طاعته، فكره "المثنى" ورود خالد عليه، وكان ظن إن أبا بكر سيوليه الأمر، ولكنه لم يتمكن إن يفعل شيئاً فانضم إلى خالد.
ومن "بني عجل" "فرات بن حيان للعجلي"، كان دليل "أبي سفيان" إلى الشام. وذلك إن قريشاً خافوا طريقهم الذي كانوا يسلكون إلى الشام حين وقعة "بدر"، فكانوا يسلكون طريق العراق، فخرج بهم دليلهم "فرات"، في السنة الثالثة من الهجرة، ومعه أبو سفيان وصفوان بن امية، وحويطب بن عبد العُزّى، وعبد الله بن أبي ربيعة، ومعهم مال كثير، فيه فضة كثيرة، وهي اعظم تجارتهم، فلما بلغوا موضع "القردة"، وكان "فرات" قد سلك بهم على ذات عرق، اعترض "زيد بن حارثة" القافلة، وكان الرسول قد أرسله للتحرش بها، يوم بلغه أمر القافلة، فهرب أعيانها واستولى زيد على العير، وجاء بها إلى الرسول. وأسر فرات، فأسلم.
ويذكر أهل الأخبار إن قبائل مضر كانت تنزع إلى العراق، وكان أهل اليمن ينزعون إلى الشام. وانه لم يكن أحد من العرب اجرأ على فارس من ربيعة وقد قيل لها لذلك: ربيعة الأسد، وكانت العرب في جاهليتها تسمى: فارسُ الأسد.
وقد قدم وفد من "بكر بن وائل" على الرسول، فيه "بشير بن الخصاصية" و "عبد الله بن مرثد"، و "حسان بن حوط، "خوط"، فأسلموا وعادوا إلى ديارهم وذهب "حريث بن حسان الشيباني" في وفد من "بكر بن وائل" إلى الرسول، فأسلم على يديه. وذكر إن "عبد الله بن اسود بن شهاب بن عوف بن عمرو بن الحارث بن سدوس"، قدم مع الوفد المذكور، وكان ينزل اليمامة، فباع ما كان له من مال باليمامة واستقر بالمدينة.
وذكر إن رسول الله كتب كتاباً إلى "بكر بن وائل"، فما وجدوا رجلاً يقرؤه حتى جاءهم رجل من "بني صبيعة بن ربيعة" فقرأه. وكان الذي أتاهم بكتاب رسول الل: "ظبيان بن مرثد السدوسي".
وخرج "خالد" إلى العراق، فمرّ ب "فيد" و "الثعلبية" وأماكن أخرى منها "العذيب" و "خفان"، ثم سار قاصداً "الحيرة" وهي اهم موضع للعرب في العراق. فخرج إليه ساداتها في هذا الوقت" "عبد المسيح بن عمرو ابن قيس بن حيّان بن بقيلة"، وهو من الأزد، وصاحب القصر الذي يقال له: "قصر بني بقيلة" بالحيرة. وهو من "بني سبين". وكان من المعمرين. و "هانىء بن قبيصة بن مسعود الشيباني"، ويقال "فروة بن اياس". وكان "اياس" عامل كسري ابرويز على الحيرة، بعد النعمان بن المنذر، و "عدي ابن عدي بن زيد العبادي"، وأخوه "عمرو بن عدي"، و "عمرو بن عبد المسيح" و"حيرى بن أكّال"، وهم نقباء أهل الحيرة. فصالحوه على دفع الجزية وعلى إن يكونوا عيوناً للمسلمين على أهل فارس.
وفيد موضع مهم بطريق مكة في نصفها من الكوفة، به حصن عليه باب حديد، وعليه سور دائر. كان الناس يودعون فيه فواصل ازوادهم وما ثقل من أمتعتهم إلى حين رجوعهم. وذكر إن فيداً فلاة في الأرض بين أسد وطيء في الجاهلية. فلما قدم "زيد الخيل" الفارس المشهور على رسول الله اقطعه فيداً. وذكر أهل الأخبار، إن فيداً، إنما سميت فيد بفيد بن حسام أول من نزلها. والظاهر إنها من المواضع القديمة وقد ورد اسمها في الشعر الجاهلي والإسلامي.
و "العذيب"، اذ ذاك مسلحة كانت للفرس على طريق البادية، ومن القادسية التي تبعد عن الكوفة "15" ميلاّ إلى العذيب "6" اميال، ويؤدي الطريق من العذيب إلى البرية. وكان لبني تميم. وذكر أهل الأخبار إن "محلم بن سويط الضبي" أخا بني صباع، قاد الرباب كلها. وهو الرئيس الأول: أول من سار في ارض مضر برئاسة، وغزا العراق وبه كسرى حتى بلغ العذيب. فجعلت الإبل تتهيب خرير الماء. ويظهر من شعر لبعض الضبين إن العذيب كان احساءاً، يخرج الماء فيه من باطن الأرض ويندفع مكوّناً خريراً"، لذلك هابته الإبل، فكانت تتخوف من الشرب منه. وبعد العذيب، نهاية حدّ نجد في الشمال.
ويذكر "ابن رسته" إن "البطانية"، هو "قبر العبادي"، وسمّاه بعضهم "بطان". وذكر "اليعقوبي" إن هذا الموضع من ديار "بني أسد". وكان للثعلبية شأن يذكر، فقد ذكر إنها كانت موضعاً معروفاً، بل ذكر إنها مدينة عامرة عليها سور وفيها حمامات وسوق، وهي على ثلث الطريق القادم من بغداد إلى مكة. وقد صار لها شاًن في صدر الإسلام فما بعد، لأنها تقع على طريق التجارة والحاج. وهي على جادة مكة من الكوفة، ومن منازل أسد ابن خزيمة.
وكان أهل الحرة قد تحصنوا بقصورهم: في القصر الأبيض، وهو قصر "النعمان بن المنذر" وقصر ابن بقيلة، قصر العدسيين، والعدسيون من "كلب" نسبوا إلى امهم، وهي كلبية أيضاًء. وذكر انه كان في طرف الحيرة، لبني عمار بن عبد المسيح بن قيس بن حرملة بن علقمة بن عدس الكلبي، نسبوا إلى جدتهم "عدسة بنت مالك بن عوف الكلبي"، وهي "أم الرماح" و "المشط" ابني عامر المذمم.
وعدة قصور الحيرة ثلاثة على ما ورد في بعض الروايات. وهي عدة الحيرة وملاجئها أيام الخطر، فإذا سقطت، سقطت الحيرة، لأنها هي المكونة لها. وقد صالحت "خالد بن الوليد" لما وجدته إن ليس في استطاعتها الصمود أمام المسلمين. ولم يكن لها على ما يظهر من روايات أهل الأخبار سور.
ومن مواضع الحيرة، "ربيعة بني مازن"، لقوم من الأزد من بني عمرو ابن مازن من الأزد، وهم من غسان. و "دير هند"، لأم "عمرو بن هند بن ماء السماء"، و "ربيعة بني عدي بن الذميل" من لخم.
وقد هدمت قصور الحيرة التي كانت لآل المنذر واستخدمت حجارتها وأنقاضها لبناء المسجد الجامع بالكوفة ولأبنية اخرى، وقد عوض أصحاب القصور عنها. وفقاً لما جاء في "قراطيس هدم قصور الحيرة". وقد هدم بعض الخلفاء العباسيين قصور الحيرة وأزالوا بذلك من معالمها. منهم? الخليفة "أبو جعفر المنصور"، فقد هدم "الزوراء"، وهي دار بناها النعمان بن المنذر على ما يذكره أهل الأخبار.
وذكر "اليعقوبي" إن الحيرة "هي منازل آل بقيلة وغيرهم"، وان عليةّ أهل الحيرة نصارى، منهم من قبائل العرب من بني تميم ومن "سليم" ومن "طيء" وغيرهم. وان "الخورنق" بالقرب منها مما يلي المشرق، وبينه وبين الحيرة ثلاثة أميال، والسدير في برية.
وكان الفرس يستعينون بعرب الحيرة في أمر الترجمة فيما بينهم وبين العرب. ومن هؤلاء أسرة "عدي بن زيد العبادي" على نحو ما ذكرت. وترجمان كان يترجم ل "رستم" اسمه "عبود". وكان عربياً من أهل الحيرة. كما استخدم المسلمون تراجمة، ليترجموا ما كان يدور بينهم وبين الفرس من حوار، أو بينهم وبن من يقبضون عليه من أسرى الفرس، من هؤلاء رجل اسمه "هلال الهجري". واستخدموا كتبة لكتابة الكتب والأخبار، ذكروا منهم "زياد بن أبي سفيان.
لا وقد استعان الفرس ببعض "آل لخم" لمحاربة العرب ولاشغالهم، في معارك صغيرة، من هؤلاء "قابوس بن قابوس بن المنذر"، وقد كلفه "الآزاذبة مرد بن الآزاذبة" بالذهاب إلى "القادسية" لأشغال المسلمين، وأن يكون للفرس كما كان آباؤه قبله من النضر والعون، فنزل القادسية، وكاتب بكر بن وائل، بمثل ما كان النعمان يكاتبهم به، فلما بلغ خبره المسلمون حاصروه.
والقادسية موضع مهم جداً من الوجهة العسكرية، وقد قال عنه الخليفة "عمر" في كتابه الذي وجهه إلى "سعد" بأنه "باب فارس" وأجمع أبوابهم لمادتهم. وقد وضعوا ما بعده الحصون والقناطر والأنهار لحماية مواقعهم من وقوعها في أيدي من قد يأتي إليهم من البادية. وأهله من العرب، وكان الفرس قد أقاموا فيه مسالح عبثت بجنود من فارس، للدفاع عن خطوطهم الأمامية، ولمشاغلة الغزاة إلى حين وصول المدد الكبير.
وممن ساعد الفرس ودافع عنهم "النعمان بن قبيصة" ظ وهو ابن "حية الطائي" ابن عم "قبيصة بن اياس بن حيةّ الطائي" صاحب الحيرة، وكان مرابطاً في قصر "بني مقاتل"، وكان منظرة له. وقد قتله "سعد بن عبد الله بن سنان الأسدي" لما سمعه يستخف بقريش وبالقريشيين. فلما سأل عن "سعد بن أبي وقاص"، وقيل له انه من قريش، قال: "إما إذا كان قرشياً فليس بشيء، والته لأجاهدنه القتال، إنما قريش عبيد من غلب، والله ما يمنعون خفيراً، ولا يخرجون من بلادهم إلا بخفير".
ونجد في "فتوح الشام" للواقدي، خبراً مفاده إن "سعد بن أبي وقاص" لما وجهه الخليفة "عمر" إلى العراق قدم ارض "الرحبة"، فاتصلت الأخبار ب "اليعمور بن ميسرة العبسي"، فكتب إلى كسرى يخبره بمجيئه إلى هذا المكان، وان "سداً" لما ارتحل من "الرحبة" إلى "الحيرة البيضاء" في ثلاثين ألفاً من بجيلة والنخع وشيبان وربيعة واخلاط العرب، وجد هناك جيش "النعمان بن المنذر"، وقد ضرب خيامه والسرادقات إلى ظاهرها، وهو في ثمانين ألفاً من جميع عرب العراق، فكتب "النعمان" إلى "كسرى" بمجيئهم وحَثَّ عربه على الصمود وعلى مقاومة سعد قائلاً لهم: "إن هؤلاء عرب وأنتم عرب وهلاك كل شيء من جنسه" "وليس لأصحاب محمد فخر يفتخرون به علينا، ولكن نحن لنا الفخر عليهم. وهم يزعمون إن الله بعث فيهم نبياً وأنزل عليهم كتاباً يقال له القرآن،، ونحن لنا الإنجيل وعيسى بن مريم، وجميع الحوارين، ولنا المدبح، ولنا القسوس والرهبان والشمامسة، وعلى كل حال ديننا عتيق ودينهم محدث، فاثبتوا عند اللقاء وكونوا عند ظن الملك كسرى بكم". ويذكر رواة هذا الخبر إن عم "النعمان بن المنذر"، وكان صاحب حرسه، دخل إليه وقال له" إن أعداءنا قد أنفذوا إلينا رسولاّ، فأمر بإدخاله عليه، وكان الرسول "سعد بن أبي عبيد القاري"، فلما وقف بين يدي النعمان صاح به الحجاب والغلمان: قَبّل الأرض للملك فلم يلتفت إليهم، وقال: إن الله أمرنا إن لا يسجد بعضنا لبعض. ولعمري إن هذه كانت العادة المعروفة في الجاهلية قبل إن يبعث الله نبيه محمداً، فلما بعث جعل تحيته السلام، وكذا كانت الأنبياء من قبله. وأما السلام، فهو من أسماء الله تعالى، وأما تحيتكم هذه، فهي تحية جبابرة الملوك. فقال النعمان" لسنا من الجبابرة، بل نحن أجلّ منكم، لأنكم توحدون في دينكم وتقولون إن الله واحد وتوحدون ولده عيسى بن مريم". ويذكرون إن "سعداً" جادل "النعمان" في طبيعة "المسيح"، فأعجب بكلامه. ثم كلمه في الإسلام أو دفع الجزية، فغضب "النعمان"، وقال له: "لا ويح قومك، فليس عندنا جواب إلا السيف".
وتقدمت جيوش المسلمين حتى التحمت بجيش "النعمان" بظاهر الحيرة، وان "القعقاع بن عمرو التميمي" أو "بشر بن ربيعة التميمي"، أحدهما التقى بالنعمان في كبكبة من الخيل والازدهارات على رأسه، فحمل القعقاع أو بشر على الكبكبة ففرقها، وعلى الكتيبة فَمزَّقها وعلى النعمان بطعنة في صدره فقتل. فلما نظرت جيوش الحيرة إلى الملك النعمان مجندلا ولوا الأدبار يريدون القادسية نحو جيش الفرس. وأخذ المسلمون أسرى وغنائم، واحتوى "سعد" على قصر الخورنق والسدير، وترك جميع ما أخذه بالحيرة. وتحرك نحو القادسية. وكانت أخبار هزيمة النعمان قد وصلت الفرس وهم بالقادسية، وقد وصلت إليهم الفلول المنهزمة من جيش النعمان، فوقع التشويش في عسكر الفرس، وخارت قواهم، مما أدى إلى انتصار المسلمين عليهم في هذا المكان.
ولا نجد هذا الخبر في أيّ مورد آخر من موارد أهل الأخبار، فقد نصت جميع الموارد الأخرى على إن النعمان كان قد لقي مصرعه على نحو ما تحدثت عنه في أثناء كلامي على مملكة الحيرة. فلعل "النعمان" هذا هو أحد أبناء "آل لخم"، واستعان به الفرس للدفاع عن الحيرة ومنوّه في مقابل مساعدته لهم بالملك، كما استعانوا ب "قابوس بن قابوس". وقد يكون خبره من صنع أهل الأخبار، اقتحموا اسمه إقحاماً، وما فطنوا إلى انه كان قد توفي قبل هذا الوقت بسنين، على كل ففي الخبر كلام منمق وحوار وجدل ينبئك لونه إن فيه تكلفاً وصنعة، وان الخبر قد وضع وضعه أناس، لغايات لا مجال للبحث عنها في هذا المكان. وسار "خالد" من "الحيرة" إلى الأنبار، فحاصرها، وكان أصحاب النعمان وصنائعه يعطون أرزاقهم منها، ثم صالحهم، ثم أتى "خالد" سد مواقع أخرى "عين التمر".
وكان على رأس العرب الذين عاونوا الفرس وانحازوا إليهم" "عقة بن أبي عقة" و "هلال بن عقة بن قيس بن البشر" الثمري، على النمر بن قاسط بعين التمر، و "عمرو بن الصعق" و "بجير" أحد بني عتبة بن سعد بن زهر، والهذيل بن عمران، وسهم رجال من قبائلهم. ولكنهم لم يتمكنوا من الوقوف أمام "خالد بن الوليد"، إذْ انهزم جندهم، وأسرَ "عقة" و "عمرو بن الصق"، وكان "عقة" خفير القوم، وسقط حصن عين التمر في الإسلام. وورد في خبر آخر إن "خالد" قتل "هلال بن عقة" "هلال بن عقبة"، وصلبه. وكان من "النصر بن قاسط"، وكان خفيراً بعين التمرْ.
وتعرف "عين التمر" ب "شفاثا" "شفاثى" وب "عين شفته"، وقد اشتهرت بالقسب والتمر، وكانت تصدرهما إلى البادية والى أماكن أخرى، ويقصدها الأعراب للأمتيار. وبها حصن يتحصن به وعين ماء. ولما اقترب المسلمون منها، كان بها "مهران بن بهرام جوبين" في جمع عظيم من الفرس للدفاع عنها ومعه جمع عظيم من النمر وتغلب وأياد ومن لآفهّم، ولكنهم غلبوا على أمرهم، وفر الفرس. وكان بعين التمر مسلحة لأهل فارس.
وقد وجد "خالد" في كنيسة "عين التمر" جماعة سباهم، ووجد أولاداً كانوا يتعلمون الكتابة في الكنيسة، وقد اشتهر وعرف عدد من هؤلاء الذين سبوا، واشتهر أولادهم أيضاً. وقد كان من هؤلاء من كان من "بني النمر ابن قاسط" النازلين بعين التمر.
وكانت قُريّات السواد وهي: بانقيا وباروسما وألّيس خليط من العرب ومن النبط وسواد العراق، وقد صالح أهلها "خالد بن الوليد" حينما ظهر أمامها، صالحوه على الجزية، وكان الذي صالحه عليها "ابن صلوبا السوادي" المعروف ب "بصبرى بن صلوبا"، ومنزله بشاطئ الفرات. وقد ورد في كتاب الصلح الذي أعطاه "خالد بن الوليد" له، "وقد أعطيتَ عن نفسك وعن أهل خرجك وجزيرتك ومن كان في قريتك-بانقيا وباروسما-ألف درهم".
وذكر "البلاذري" إن الخليفة "عمر" وَجًّهَ "أبا عبيدة الثقفي" إلى العراق، فلما وصل إلى هناك، وهزم "جابان" بالعذيب، ثم هزم الفرس في معارك أخرى، حتى بلغ "باروسما"، صالحه "ابن الأنذر زعر" "ابن الأندر زعر" عن كل رأس على أربعة دراهم. ولم يشر إلى الصلة التي كانت بين "ابن صلوبا" و "ابن الأنذر". انه كان ينزل بها. وان اليهود كانوا يدفنون موتاهم بها. ويذكرون إنها ارض بالنجف دون الكوفة، وان سكانها كانوا على النصرانية عند ظهور الإسلام. وان الساسانيين كانوا هم الذين يدافعون عنها ويتولون أمر إدارتها، أما شؤونها المحلية فكان أمرها بيد ساداتها ورؤسائها.
وكانت عشائر "إياد" من العشائر التي نزحت إلى العراق قبل الإسلام بوقت طويل. نزل بعضهم ب"عين أباّغ" ج نزل بعض منهم بسنداد. فأمروا هناك، وكثروا، واتخذوا بسنداد بيتاً ذا شرفات تعبَدّوا له. ثم انتشروا، وغلبوا على ما يلي الحيرة. وصار لهم "الخورنق" و "السدير". فلهم "أقساس مالك". وهو مالك بن تيسر بن زهر بن إياد. ولهم دير الأعور، ودير السواء، ودير قرة، ودير الجماجم. وإنماُ سميّ دير الجماجم لأنه كان بين إياد وبهراء القين حرب، فقتل فيها من إياد خلق، فلما انقضت الحرب، دفنوا قتلاهم عند الدير. فكان الناس بعد ذلك يحفرون فتظهر جماجم. فسمي دير الجماجم. وقيل غير ذلك، مما لا مجال لذكره في هذا الموضع.
وكانت إياد تغير على السواد وتفسد. فجعل "سابور" ذو الأكتاب مسالح بالأنبار وعين التمر وغير. هاتين الناحيتين. لحماية الحدود منهم. ثم إن إياداً أغارت على السواد في ملك كسرى أنوشروان، فوجه اليهم جيوشاً كثيفة. فخرجوا هاربين، واتبعوا، فغرق منهم بشر، وأتى فُلُّهم "بني تغلب"، فأقاموا معهم على النصرانية، فأساءت "بني تغلب" جوارهم، فصار قوم منهم إلى الحيرة، ودخل منهم في جند ملوك الحيرة، ولحقُ جلّهم بغساّن بالشام. فلما جاء الإسلام دخل بعضهم بلاد الروم، ودخل منهم قوم في خثعم وفي تنوخ وفي قبائل أخرى.
ويقال إن مواطن إياد قبل نزوحها إلى العراق، كانت بالبحرين، واجتمعت عبد القيس والأزد على إياد، فاخرجوا عن الدار فأتت العراق.
وقد وصف "ابن قتيبة" إياداً على هذا النحو: "وكانت إياد أكثر نزار عدداً وأحسنهم وجوهاً وأمدهم وأشدهم، وأمنعهم. وكانوا لقاحاً لا يؤدون خرجاً. وهم أول معدّي خرج من تهامة، ونزلوا السواد وغلبوا على ما بين البحرين إلى سنداد والخورنق". فاصطدموا بالساسانيين لأنهم أغاروا على أموال فأخذوها، فهزموهم إلى الجزيرة، ووجه إليهم "كسرى" ستين ألفاً فكتب إليهم "لقيط" ينبههم. وانتصر عليهم كسرى، وانقسموا ثلاث فرق. فرقة لحقت بالشام، وفرقة أقامت بالجزيرة، وفرقة رجعت إلى السواد.
ولما سار "خالد" من "عين التمر" أتى "صندوداء" وبها قوم من كندة وإياد والعجم. وتركها واتجه نحو جمع من "تغلب" كانوا ب "المضيح"و "الحصيد" مرتدين صليهم، "ربيعة بن بجير"، فأتاهم فقاتلوه فهزمهم. ثم أغار "خالد" على "قراقر"، وهو ماء لكلب، ثم فوَّز منه إلى "سوى"، وهو ماء لكلب أيضاً. ومعهم فجه قوم من "بهراء"، فقتل "حرقوص بن النعمان البهراني"؛ من "قضاعة". وكان المسلمون لما انتهوا إلى "سوى" وجدوا "حرقوصاً" وجماعة معه يشربون ويتغنون فهجموا عليهم وقَتلوا "حرقوصاً". وخرج خالد من "سوى" إلى "الكواثل"، ثم أتى "قرقيسيا" وانحاز إلى البرّ، وأتى "أركه "أرك"، فأغار على أهلها، وفتحها، وسار منها نحو "دومة الجندل".
وذكر "ابن سعد" إن الرسول كتب إلى "نفاثة بن فروة بن الدئلي ملك السماوة"، ولم يشير إلى موضع ملكه من بادية السماوة ومقداره في البادية.
وكانت "دومة الجندل" عند ظهور الإسلام في ملك "أكيدر بن عبد الملك الكنِدي السكوني". والسكون من كندة، فهو كنديَ النسب أيضاً. وكان يتنقل في البادية فيصل إلى الحيرة والى أرض الغساسنة، ويقال إنه ملك "دومة الحيرة" ونزل بها قبل جلائه عن "دومة الجندل" أو بعده على رأي أهل الأخبار. وكان مثل أكثر رؤساء القبائل في العراق وفي البادية وبلاد الشام على النصرانية، وله عقود ومعاهدات مع القبائل العربية الشمالية الضاربة في البادية، تأتي إلى مقره في الموسم أيام افتتاح السوق لتمتار ولبيع ما تحمله من تجارات.
وكان لأكيدر بن عبد الملك أخ اسمه "بشر بن عبد الملك"، يذكر أهل الأخبار انه ذهب إلى الحيرة، وتعلم بها الخط، ثم رجع إلى مكة فتزوج "الصّهباء بنت حرب" أخت أبي سفيان.
وقد أرسل الرسول خالد بن الوليد إلى دومة الجندل ليفتحها، فسار خالد على رأس خيل إلى "دومة"، فلما بلغها وجد الأكيدر خارج حصنه يصطاد مع نفر من قومه فيهم أخ له يقال له: حسان، فهجم رجال خالد على الأكيدر وأسروه، وقتل حسان، وأخذ خالد قباء "أكيدر" وكان من ديباج مخوص بالذهب، وبعث به إلى الرسول ليقف عليه المسلمون، فلما رأوه عجبوا منه وجعلوا "يلمسونه بأيديهم، ويتعجبون منه، فقال رسول الله" أتعجبون من هذا. فوالذي نفس محمد بيده لمناديل سعد بن معاذ في الجنة أحسن من هذا". وقد زاد عجبهم حين وصل خالد ومعه أسيره "أكيدر"، فحقن له دمه، وصالحه الرسول على الجزية، ثم خلى سبيله، فرجع إلى قريته.
ويذكر الرواة إن الرسول استقبل خالداً ومعه أسيره "الأكيدر" في المدينة، فعرض الرسول الإسلام على الأكيدر، فقبله وحقن الرسول دمه وكتب له كتاباً، وعاد إلى "دومة". فلما قبض النبي منع الصدقة وارتد إلى النصرانية ديانته الأولى. وخرج من دومة الجندل فلحق بالحيرة وابتنى بها بناء على مقربة من "عين التمر" سمّاه "دومة" أو "عومة الجندل" على اسم موضعه، وسكن هناك. ثم عاد إلى "دومة الجندل"، وتحصهن بها، فأمر "أبو بكر" خالد بن الوليد بالتوجه إليهم فسار إليه وقتله. أما أخوه "حريث بن عبد الملك" فقد أسلم، وحقن دمه. وقد تزوج "يزيد بن معاوية" إبنة له.
وتذكر رواية أخرى إن "الأكيدر" بعد إن نقض الصلح وعاد إلى نصرانيته، أجلاه "عمر" من "دومة" فيمن أجلى من مخالفي الإسلام إلى الحيرة، فأقام في موضع قرب "عين التمر"، ابتناه فسمّاه "دومة" وقيل "دوماء" باسم حصنه. وهي رواية. لا تتفق مع المشهور بين أهل الأخبار من إن خالداً قتل "الأكيدر" في السنة الثانية عشرة أو السنة الثالثة عشرة من الهجرة، وذلك في أيام "أبي بكر" بعد إن أمره ا الخليفة بالتوجه إليه. وهي رواية أقوى من الرواية المتقدمة في نظر المؤرخين.
ويظهر إن أهل "دومة الجندل" كانوا قد سمعوا بخبر مسير "خالد إليهم، فأرسلوا إلى حلفائهم وأحزابهم من بهراء وكلب وغسان وقبائل تنوخ والضجاعم ليساعدوهم في الوقوف أمامه. فأتاهم "وديعة" في "كلب" وبهراء، وسانده "رومانس بن وبرة بن رومانس" الكلبي، وجاءهم "ابن الحدرجان" في الضجاعم، و "جبلة بات الأيهم" في طوائف من غسان وتنوخ. وكذلك "الجودي بن ربيعة الغساني". وكان من المتزعمين في "دومة"، وقد احتمى أهل "دومة" بحصنهم وخلف أسوار المدينة، والتفت حول السور من الخارج نصارى العرب الذين جاؤوا لمساعدة أهلها. وقد تمكن "خالد" يساعده "عياض" من التغلب على أهل المدينة وحلفائهم، وقتل رؤساءهم، ودخل المدينة منتصراً، فغنم جيشه غنائم كثيرة وقُتِلَ من أهلها خلق كثير. وسبي ابنة "الجوديّ". وكان الأكيدر في جملة القتلى.
وكان الرسول قد غزا "دومة الجندل" بنفسه، وذلك في شهر ربيع الأول من السنة الخامسة من الهجرة، وبلغها، ولم يلق كيداً. كان سبب غزوه لها، إن رسول الله أراد إن يدنو إلى أراضي الشام، لأن ذلك مما يفزع الروم، ثم أن أهل دومة الجندل كانوا يظلمون من يمر بهم وبنزل عندهم، ومن يحل بسوقهم للبيع والشراء، وقد كان الناس يذهبون إليها ويعودون إلى المدينة، فقرر غزوها، فلما وصل الرسول كان أهلها قد فَرّوا وتركوا قريتهم، فنزل بها ولم يجد احداً، فرجع عنها، وذلك قبل غزو خالد لهما.
وورد في سبب غزو الرسول لها، إن جمعاً من قضاعة ومن غسان تجمعوا، وهمّوا بغزو الحجاز. فسار في ألفٍ انتخبهم، فلما انتهى إلى موضعهم ألفاهم قد تفرقوا أو هربوا، لم يلق كيداً.
وفي هذه الغزوة وادع رسول الله "عيينة بن حصن" على إن يرعى ب "تغلمين" وما والاه إلى "المراض".
ويفهم من حديث بعض أهل الأخبار عن "دومة الجندل"، إنها كانت قرية عادية، إلا إن الدهر كان قد لعب بها، فخربت وقلّ عدد من كان بها، إلى إن نزل بها "أكيدر"، فأعاد إليها رواءها، وغرس الزيتون بها، فتوافد إليها الأعراب. ويذكر هؤلاء إن "أكيدر"، كان ينزل مع اخوته قبل مجيئه إلى "دومة" "دومةَ الحيرة"، ولما جاء يزور أخواله من "كلب" و نزل بخرائب "دومة الجندل" أعجبته فنزل بها، وأمر باعادة بناء ما تهدم من حائطها وببعث الحياة بها حتى صارت قرية عامرة يقصدها الأعراب للبيع والشراء. وصار "اكيدر" يتردد بينها وبين "دومة الحيرة".
ويحمي "دومة" سور قديم، بني قبل "اكيدر" في زمان لا يحيط علم أهل الأخبار به. يقولون انه بُني من "الجندل"، وانه هو الذي جعل الناس يسمون الموضع ب "دومة الجندل". ويذكرون انه كان في دخل السور حصن منبع يقال له "مارد"، وهو حصن "اكيدر بن عبد الملك بن الحي بن أعيا ابن الحارث بن معاوية بن خلاده بن ابامه بن سلمة بن شكامة بن شبيب بن السكون بن اشرس بن شور بن عفير، وهو كندة" فهو سكوني كندي.
وحصن "مارد"، حصن شهير له ذكر بين أعراب الشمال بُني قبل أيام "اكيدر". قال عنه بعض أهل الأخبار انه حصن عادي، أي من الحصون الجاهلية القديمة. وقد رأينا فيما سلف إن "دومة" من المواضع المعروفة التي يعود عهدها إلى ما قبل الميلاد. وذكر أهل الأخبار، إن سكانها كانوا أصحاب نخل وزرع، يسقون على النواضح، وحولها عيون قليلة وزرعهم الشعير. وإنها. "دوماء الجندل" أيضاً.
وكان اكثر سكان "دومة الجندل" من "بني كنانة" من "كلب". ويعدّها بعض أهل الأخيار من "القريّات" ويقصدون بمصطلح "القريات": دومة وسكاكة وذو القارة. وتحيط بدومة مستوطنات وقرى تحتمي بسلطان حاكم "دومة". وكان "اكيدر" يلقب نفسه بلقب "ملك" على عادة ذلك الوقت في تلقيب سادات المواضع أنفسهم بهذا اللقب، وان كان لا يعني في الواقع اكثر مما يعنيه مصطلح "شيخ" في الوقت الحاضر.
وكان أهل "دومة" على النصرانية، شأنهم في ذلك شأن اكثر أهل القرى في العراق وفي بادية الشام وبلاد الشام. وكان أهل "اكيدر" على هذه الديانة أيضاً. إذ ورد إن الرسول أرسل "عبد الرحمن بن عوف" على رأس جيش إلى دومة، فذهب إليها ودخلها، وأسلم "الأصبغ"، وتزوج عبد الرحمن ابنته "تماضر"، اذ كان الرسول قد كتب إليه إن يتزوج ابنة ملكها، أي ملك "دومة"، وهو "الأصبغ". فيظهر من هذا الخبر، إن "الأصبغ" كان يلقب نفسه بلقب "ملك" أيضاً، وأنه كان يحكم "دومة" في أيام الرسول. في نفس الوقت الذي كان فيه "الأكيدر" يحكم "دومة"، ويلقب نفسه بلقب "ملك".
وذكر بعض الأخباريين إن أهل دومة الجندل كانوا من عُباد الكوفة ويقصدون بذلك انهم كانوا نصارى، فقد كانت عادتهم إطلاق لفظة "عباد" على النصارى العرب، عرب الحيرة بصورة خاصة. وقصدوا بالكوفة، الحيرة، لأن الكوفة لم تكن موجودة في الجاهلية، اذ بنيت في أيام الخليفة "عمر".
ويظهر من أهل الأخبار إن "اكيدر السكوني" لم يتمكن من تثبيت ملكه على "دومة الجندل" بصورة دائمة، اذ كان ينافسه زعماء كلب الأقوياء. فقد ذكر "محمد بن حبيب" إن ملكها كان بين "اكيدر العبادي ثم السكوني وبين قنافة الكلبي. فكان العباديون إذا غلبوا عليها وليها اكيدر، واذا غلب الغسانيون ولوها قنافة. وكانت غلبتهم إن الملكين كانا يتحاجيان فأيما ملك غلب صاحبه بإخراج ما يلقى عليه، تركه والسوق فصنع فيها ما شاء. ولم يبع بها أحد شيئاً إلا باذله حتى يبيع الملك كلما أراد بيعه مع ما يصل إليه من عشورها". ويؤيد هذا الخبر ما ذكرته من وجود ملك آخر على دومة، هو "الأصبغ" الكلبي المتقدم الذكر.
وهناك خبر آخر يفيد إن "الجودي بن ربيعة"، كان مثل "الاكيدر" رئيساً على "دوفة"، وان الإثنين كانا رئيسين عليها. وورد انه كان من غسان وأن اسمه "عدي بن عمرو. بن أبي عمرو الغساني"، وأن "عبد الرحمن ابن أبي بكر"، "كان يختلف إلى الشام في تجارة قريش في الجاهلية، فرأى هناك امرأة يقال لها: ابنة الجودي من غسان، فكان يهذى بها، ويذكرها كثيراً في شعره"، "وأصيبت حين غزو الروم ليلى ابنة الجودي، فبعثوا بها إلى عبد الرحمن بن أبي بكر لذكره إياها".0 فه إذن على هذه الرواية من غسان.
ويظهر من غربلة روايات الأخباريين إن هنالك موضعاً آخر عرف ب "دومة" و "دوماء". يقع في العراق على مقربة من "عين التمر"، ذكر الأخباريون إن اسمه "دومة" و "دوما" و "دومة الجندل". ونسبوا كما ذكرت قبل قليل بناءه إلى "الاكيدر". وهو موضع لا نعرف من أمر تأريخه شيئاً يذكر.
وذكر إن "حارثة بن قطن"، و "حمل بن سعدانة بن حارثة بن مغفل"، وهما من "كلب" قدما إلى رسول الله وأسلما، فكتب رسول الله لحارثة كتاباً "لأهل دومة الجندل وما يليها من طوائف كلب مع حارثة بن قطن"، ثم بين ما على المذكورين من حقوق وواجبات، وما عليهم من إحكام فرضها الإسلام على المسلمين.
وترك "خالد" "دومة الجندل"، ثم أتى "قم"، فصالحه "بنو مشجعة بن التيم بن النمر بن وبرة بن ثعلب بن حلوان بن عمران بن الحاف بن قضاعة"، وكتب لهم اماناً. ثم أتى "تدمر"، فأمنهم، ثم أتى "القريتين"، ثم "حوارين" من "سنير"، ثم أتى "مرج راهط"، فأغار على "غسان".
وكان "حاضر" "قنسرين" لتنوخ، من أول ما تنخوا بالشام، نزلوه وهم في خيم الشعر. ثم ابتنوا به المنازل. فسعاهم "أبو عبيدة" إلى الإسلام، فأسلم بعضهم وأقام على النصرانية "بنو سليح". وكان بهذا الحاضرقوم من "طيء"، نزلوه بعد حرب الفساد التي كانت بينهم حين نزلوا الجبلين. فلما ورد "أبو عبيدة" عليهم اسلم بعضهم وصالح كثير منهم على الجزية، ثم اسلموا بعد ذلك.
وقضاعة قبائل عديدة، منها "بنو جرم بن ربان" و "بنو سليح" و "تزيد" ابنا "عمران بن الحاف بن قضاعة" و "كلب بن وبرة"، وهو قبيل عظيم. منهم "الأسبع"، ومن قبائل قضاعة "عذرة بن زيد اللآت" و "العبيد بن زيد اللآت"، و "بنو كنانة"، و "بنو جناب بن هبل"، و "بنو عليم بن جناب"، و "بنو مصاد"، و "بنو حصن"، و "بنو معقل". ومن "بني جناب" "بحدل بن أتيف"، ج، "يزيد بن معاوية" لأمه. ومن رجالهم "ابن الجَلاّح"، وكان قائداً للحارث بن أبي شمر. الجفني، واسمه "النعمان". وهو الذي أغار على "بني فزارة" و "بني ذبيان"، مَاستباحهم وسبي "عقرب" بنت النابغة، ومَنّ عليها، فمدحه "النابغة".
وقد انتشرت بطون "كلب" في ارضين واسعة، شملت دومة الجندل وبادية السماوة والأقسام الشرقية من بلاد الشام. ولما أخرج الروم عن ديار الشام، لعبت بطون كلب دوراً بارزاً في السياسة، إذ أيدت الاموين، وتزوجّ "معاوية" "ميسون" أم "يزيد" وهي كلبية، فصارت كلب في جانب الامويين.
ومن قبائل "قضاعة"، "بنو عامر الاجدار". ومن رجال "بني وبرة" غير كلب، "بنو القيس بن جسر"، و "بنو مصاد بن مذعور" و "بنو زهير بن عمرر بن فهم". ومن قبائل "جرم بن ربان": "بنو اعجب" و "بنو طرود" و "بنو شميس". ومن بطون "جرم": "بنو خشين"، ومن رجالهم "رأس الحجر"، وقد رأس في الجاهلية وأخذ المرباع. ومن رجال "جرم"، "عصام بن شهبر"، حاجب النعمان. وكان النعمان إذا أراد إن يبعث بألف فارس بعث بعصام.
وقد ذهب وفد من "جرم" إلى المدينة، فيه "الاصقع بن شريح بن صريم" و "هوذة بن عمرو"، فأسلما، وكتب الرسول لهما كتاباً. وذهب وفد آخر، اخبر الرسول بإسلام حواء من جرم، كان عليه "سلمة بن قيس الجرميّ" ومعه ابنه "أبو زيد عمرو بن سلمة بن قيس الجرمي".
وقد ساعد الغساسنة الروم في حروبهم مع المسلمين، وكان على رأسهم "جبلة ابن الايهم الغساني"، الذي حارب مع مقدمهّ جيش الروم في مستعربة الشام من غسان ولخم وجذام وغيرهم يوم اليرموك. ثم انحاز "جبلة" إلى المسلبين، وأظهر الإسلام، ثم عاد، ففرّ إلى بلاد الروم، واستقر بها، وبها مات. وقد استمر "المستعربة" يناصرون الروم، فلما تراجع قوادهم نحو الشمال لضغط المسلمين عليهم، التحق بهم هؤلاء "المستعربة" من غسان وتنوخ وإياد، وقد التحموا بالمسلمين في "درب بغراس".
ويذكر الأخباريون إن "دمشق" كانت منازل ملوك غسان. وبها آثار لآل جفنة. والظاهر، انهم كانوا قد اشتروا وابتنوا بها قصوراً، عاشوا فيها، ومنها كانوا يتصلون بكبار الموظفين الحاكمين البيزنطيين. فإذا أرادوا الاتصال بقومهم الغساسنة عادوا إلى قصورهم بين قومهم. وكانت الغوطة: غوطة دمشق من المناطق التي سكن بها الغساسنة.
ويظهر من رواية يرجع سندها إلى "محمد بن بُكر الغساني" عن قومه "غسان" إن الغساسنة لم يقبلوا على الإسلام إقبال غيرهم من العرب، وانهم لم يسلموا إلا بعد فتوح الشام. ولما. ذهب ثلاثة نفر منهم إلى المدينة، وأسلموا وبايعوا الرسول، لم يستجب قومهم لهم في دعوتهم إلى الإسلام، فكتموا أمهرهم عنهم، خوفاً من بطش قومهم بهم.
وورد في أخبار الرسل الذين أرسلهم الرسول إلى الملوك يدعوهم إلى الإسلام، إن الرسول أرسل "شجاج بن وهب" إلى "الحارث بن أبي شمر الغسانيّ" من غسان، وكان يقم إذ ذاك بغوطة دمشق في قصر منيف، ليدعوه إلى الإسلام، فلما دفع "شجاع" كتاب رسول الله إلى "الحارث" رمى به، ولم يدخل في الإسلام وبقي على النصرانية حتى توفي عام الفتح.
وكان "جبلة" مع الروم يوم "اليرموك" ومعه "المستعربة" من غَساّن وقضاعة وذلك سنة "15" للهجرة، "وكان قد انضم إلى المسلمين بعض لخم وجذام، فلما وجدوا جدّ القتال فرّوا ونجوا إلى ما كان قربهم من القرى وخذلوا المسلمين.
وقد كان "جبلة بن الأيهم" على رأس "العرب المتنصرة" يحارب مع الروم، لمنع المسلمين من التقدم نحو "قنسرين"، ويذكر أهل الأخبار إن محاورات جرت بينه وبين المسلمين في موضوع اشتراكه مع الروم، وعنا محاورات مع "خالد بن الوليد" صاغوها بأسلوب قصصي منمق، وذكروا انه كان جالساً "على كرسي من ذهب أحمر وعليه ثياب الديباج الرومي وعلى رأسه شبكة من اللؤلؤ وفي عنقه صليب من الياقوت. وكان ذلك بعد ارتداده عن الإسلام، فلما غلب الروم، "كان جبلة أول من انهزم والعرب المتنصرة أثره".
ومن الغساسنة "شرحبيل بن عمرو الغسانيّ"، الذي قتل رسولَ رسول الله "الحارث بن عمير الأزدي"، الذي كان الرسول قد بعثه إلى ملك "بصرى". فما نزل "مؤتة" قتله "شرحييل". فأمر رسول الله بإرسال حملة عليه، سنة ثمان للهجرة جعل أمرها "زيد بن حارثة". ولما سمع بها "شرحبيل" جمع جمعاً من قومه وتقدم نحوهم، وكانوا قد نزلوا "معان". وبلغ المسلمين إن "هرقل" كان قد نزل "مآب" من أرض البلقاء في جمع من بهراء ووائل وبكر ولخم وجذلم والقين، عليهم "مالك بن رافلة" الاراشي من "بليّ"، فانحازوا إلى "مشارف"، ولما دنا العدو انحازوا إلى "مؤتة"، وقتل فيها في فيها "جعفر بن أبي طالب"، و "عبد الله بن رواحة" و "ثابت بن رواحة" و "ثابت بن أرقم"، ثم "زيد بن حارثة"، ثم تراجعوا إلى المدينة. وقتل من العرب الذين كانوا مع الروم "مالك بن رافلة" "زافلة". واعتزل بعض "حَدَس" وهم "بنو غنم" الحرب، لإشارة كاهنتهم عليهم بذلك، فأخذوا بقولها، فاعتزلوا عن "بني لخم" وصلم الحرب بعض منهم، وهم "بنو ثعلبة".
وكان بقرب "حلب" حاضر، عرف ب "حاضر حلب"، جمع أصنافاً من العرب من تنوخ، فصالحهم "أبو عبيدة" على الجزية. ويرجع هذا الحاضر إلى أيام الجاهلية، فقد كان العرب قد توغلوا إلى هذه الديار قبل ظهور الإسلام، وأقاموا في الحواضر بظواهر المدن يتعيشون من اتصالهم بأهل تلك المدن.
ولم تكن الرابطة الدينية التي ربطت بين أكثر عرب بلاد الشام والبيزنطيين، هي العامل الوحيد الذي جعل أولئك العرب ينضمون إلى صفوف الروم في الدفاع عنهم وفي مقاومة جيوش المسلمين، بل كانت هنالك عوامل أخرى، مثل المنافع المادية التي كان يجنبها سادات الأعراب من البيزنطيين، حيث كانوا ينالون هدايا ورواتب منهم في مقابل حماية الحدود والمحافظة عليها من غارات الأعراب وفي مقابل الغارات التي كان البيزنطيون يكلفونهم بها لغزو حدود العراق لازعاج أعدائهم الفرس وقت الحاجة والضرورة، ومثل التسهيلات التي كانوا ينالونها من البيزنطيين في الإتجار مع مدن الشام وفي معاملات البيع والشراء والرواتب السخيفة التي تدفع للأعراب إذا خدموا في صفوف العساكر المتطوعة، وهي رواتب سخية إذا قيست بالنسبة لحالة أهل البادية المنخفضة من الناحية المادية كثيراً بالنسبة إلى حالة سكان بلاد الشام.
وكان "الحيار": "حيار بني القعقاع" بلداً معروفاً قبل الإسلام. وبه كان مقبل "المنذر بن ماء السماء" اللخمي، ملك الحيرة. فنزله "بنو القعقاع" من "عبس بن بغيض".
وكانت البلقاء في أيدي قبائل من العرب مثل لخم وجذام وبلقين وبهراء وبليّ، وهي قبائل يطلق عليها المؤرخون اسم "المستعربة". وكانوا على النصرانية في الغالب، لذلك كان هواهم إلى جانب الروم. فكانوا معهم في غزوة "مؤتة" يقاتلون مع "هرقل" ضد المسلمين وعليهم "مالك بن رافلة" وهو من "بليّ" ثم أحد إراشة. وكان المسلمون إذْ ذاك في "معان". وهي من أعمال البلقاء يستعدون للروم. وكان صاحب هذه المدينة في أيام الرسول رجلاً من "جذام"، هو "فروة بن عمرو الجُذاميّ". وكان عاملاً للروم على من يليهم من العرب، ومنزله بمعان. فلما أرسل فروة رسولاً عنه إلى الرسول يبلغه بإسلامه، قبض الروم عليه وحبسوه، ثم ضربوا عنقه وصلبوه.
ومن "لخم" "بنو السار بن هانىء". وقد قدم وفد منهم على رسول، الله منصرفه من "تبوك"، فيه" "تميم بن أوس بن خارجة الداريّ" و "نعيم ابن أوس بن خارجة"، و "يزيد بن قيس بن خارجة"، و "الفاكه بن النعمان بن جبلة بن صفارة"، و "جبلة بن مالك بن صفارة"، و"أبو هند" و "الطيب" إبنا "ذر". وهو "عبد الله بن رزين بن عِمّيت بن ربيعة درّ اع"، و "هانىء بن حبيب" و "عزيز" و "مُرّة" إبنا "مالك بن سواد بن جذيمة"، فأسلموا، وأهدى "هانىء بن حبيب" لرسول الله، راوية خمر وأفراساً وقباءاً مخوصاً بالذهب. فقيل الأفراس والقباء. وقال تميم: لنا جيرة من الروم لهم قريتان يقال لإحداهما "حبرى" والأخرى "بيت عينون"، فإن فتح الله عليك الشام فهبهما لي. فوهبهما رسول الله له. فلم توفي الرسول وقام أبو بكر أعطاه ذلك وكتب له كتاباً.
ولما أمر الرسول "أسامة بن زيد بن حارثة" إن يوطىء الخيل تخوم البلقاء والداروم من أرض فلسطين، تجهز معه المهاجرون الأولون، ولكن وفاة الرسول لم تمكنه من السفر، فكان أول ما فعله خليفته "أبو بكر" إن أمره بتنفيذ. ما أمره به رسول الله. ولكنه لم يتقدم كثيراً، بل بلغ الموضع الذي قتل أبوه زيد بن حارثة فيه، وهو من أرض الشام فرجع، لأن الرسول أمره في حياته بالمسير إليه.
و "الداروم" قلعة بعد غزة للقاصد إلى مصر. يجاورها عربان بني ثعلبة بن سلامان بن ثعل من بني طيء. وهم درماء وزريق.
وكانت "جذام" نازلة في "حسمى" عند ظهور الإسلام. وهي من مواطن "ثمود". و "جدام" من نسل "جذام" شقيق "عاملة" و "لخم" أبناء "عدي بن الحارث بن مرّة بن كهلان". واسم "جذام" الحقيقي في رأيهم "عمرو".وتقع أرض جذام في الأقسام الجنوبية من بلاد الشام، وتصل إلى "أيلة" ثم تمتد مع الساحل حتى تبلغ "ينبع".
ويرجع بعض النسابين نسب جذام إلى اليمن، ويرجها بعض آخر إلى مضر، وتوسط قوم فقالوا إنهم كانوا من مضر في الأصل، ثم غادروا ديار مضر، فذهبوا إلى اليمن، وعاشوا بين قبائل قحطان، فنسوا أصلهم بتقادم العهد، وعُدّوا في القحطانيين. ويظهر إن هذا الرأي هو محاولة للتوفيق بين الرأيين السابقين.. أما الذي عليه غالبية جُذام، فهو إنها من قحطان.
وقد وفد رجال من "جذام" على رسول الله، منهم "رفاعة بن زيد بن عمير بن معبد الجُذامي" ثم أحد "بني الضبيب"، فأسلم وكتب الرسول له كتاباً. أما "فروة بن عمرو بن النافرة" الجُذامي، فقد كان كما سبق إن ذكرت عاملا الروم على ما يليهم من العرب، وكان منزله "معان" وما حولها أو على "عمان"، فلما بلغهم انه كاتب الرسول وانه أسلم أخذوه فحبسوه، ثم ضربوا عنقه. ويذكر أهل الأخبار إن "فروة" كتب إلى الرسول كتاباً أرسله مع "مسعود بن سعد"، وبعث إليه ببغلة وفرس وحمار، وأثواب لينْ، وقباء سندس مخوص بالذهب. وان الرسول كتب إلى فروة جواب كتابه. ويذكر أهل الأخبار إن الروم لما قبضوا على "فروة"، قال شعراً يذكر فيه نفسه والرسول، وقال مثل ذلك لما نقله الروم إلى موضع يقع على ماء لهم بفلسطين اسمه "عفراء"، فلما أرادوا ضرب عنقه، قال بيتاً من الشعر في إسلامه وفي إيمانه.
وقد انتشرت النصرانية بين كلب، كما انتشرت بين أكثر القبائل النازلة بديار الشام. والظاهر إنها كانت على مذهب القائلين بالطبيعة الواحدة "Monophysities".
وفي جوار "الحجر" وفي شرق "حرة ليلى"، أقامت بنو عذرة، وهي من قبائل قضاعة، وتنسب إلى "عذرة بن سعد بن هذيم بن زيد بن ليث بن أسلم بن الحاف بن قضاعة". ولا نعلم من تأريخ هذه القبيلة في الجاهلية شيئاً يذكر. ولم يرد اسمها كثيراً في الأيام، والظاهر إن ذلك لقلّة شعرائها، فإن شعر الشعراء هو الذي خلد أسماء القبائل عند الأخباريين. ويظن إنها قبيلة "Abritai" "Abraetai" التي ذكرها "بطلميوس".
أما ديار هذه القبيلة، فكانت في وادي القرى وتبوك. ولكنها امتدت حتى بلغت قرب أيلة ويذكر الأخباريون إن هذه القبيلة هاجرت مع من هاجر من قبائل قضاعة بعد حربها مع حمير، فنزلت في هذه الديار ه. وتعاهدت مع قوم من يهود على مجاورتهم، وإلا تتحرش بهم وبنخيلهم وبساتينهم. وتجاور ديار عذرة ديار قبائل أخرى من قضاعة مثل نهد وجهينة وبليّ وكلب، كما جاورت من الشمال قبيلة غطفان.
ولعذرة حلف مع عدد من بطون سعد هذيم، مثل بني ضنة، ويعدهم النسابون بطناً من عذرة، وكذلك مع بني سلامان. وقد عرفوا بصحار. وكان لهم حلف مع جهينة، ويرجع الأخباريون عهد هذا الحلف إلى أيام حرب قضاعة، وهي الحرب المسماة ب "حرب القريض".
وهنالك جملة قبائل ذكر الأخباريون أربعاً أو خمساً قالوا إنها كانت تعرف ب "عذرة". وقد سبسب تعدد هذه الأسماء للنسابين بعض التشويش.
ويظهر من روايات الأخباريين انه كان لهذه القبيلة صلة بقريش، فزعموا إن أم "قصي" تزوجت رجلاً من "بني عذرة"، وان أخاه من أمه "رزاح ابن ربيعة بن حرام" اشترك مع قريش في الدفاع عن الكعبة وفيَ طرد خزاعة عنها. ورووا أيضاً انه كان لها صلة بالأوس والخزرج كذلك، لأن أم القبيلتين، وهي "قيلة بنت كاهل أو بنت هالك"، كانت من هذه القبيلة.
ولما قدم وفد "عذرة" على الرسول في صفر سنة تسع، وفيه "حمزة بن النعمان العذري" و "سليم" و "سعد" ابنا مالك، و "مالك بن أبي رباح"، سلَّموا على الرسول "بسلام أهل الجاهلية، وقالوا" نحن إخوة قصي لأمه، ونحن الذين أزاحوا خزاعة وبني بكر عن مكة، ولنا قرابات وأرحام". وكان من رجال عذرة الذين وفدوا على الرسول: "زمل بن عمرو العذري".
وذكر "ابن سد" إن الرسول كتب إلى "عشرة" في "عسَيب"، وبعث به مع رجل من "بني عذرة"، فعدا عليه "ورد بن مرداس" أحد "بتي سعد هذيم"، فكسر العسيب وأسلم واستشهد مع "زيد بن حارثة" في غزوة وادي القرى أو غزوة القردة.
وكانت مواطنها عند ظهور الإسلام في منطقة مهمة جداً تقع بين الحجاز وبلاد الشام ومصر، فتمتد من منازل "كلب" في الشمال حتى منطقة المدينة. وكانت بطونها منتشرة في "وادي القرى" وحول "تبوك" وعند "أيلة" وفي طور سيناء. ولمرور طريق القوافل منها، تولى رجالها حراستها وجباية رسوم المرور منها. ولما رأى بعض المستشرقين إنها تقطن منطقة كان يسكنها "أهل مدين" وكذلك النبط، ذهبوا إلى إنها من نسل "مدين" أو من بقايا "النبط".
ومن المستشرقين من يرى إن "بني النضير" هم فرع من جُذام، دخلوا في دين يهود، ودليلهم على ذلك انتشار اليهودية بين بعض بطون جذام التي تقع منازلها على مقربة من "يثرب". وكانت النصرانية قد وجدت لها سبيلاً بين جذام، وذلك باتصالها ببلاد الشام ومصر. وقد، كانت مع "المستعربة" أي النصارى العرب، تحارب المسلين مع الروم في حروب بلاد الشام.
وفي أرض جذام موضع يقال له "السلاسل"، وقعت غزوة عرفت ب "ذات السلاسل". وقد قام بها "عمرو بن العاص"، وكان الرسول قد بعثه إلى أرض "بليّ" و "عذرة" يستنفر الناس إلى الشام.
ومن جذام "رفاعة بن زيد الجذامي" ثم "الضُبيبي"، وكان قد قدم إلى الرسول فأسلم، وكتب الرسول له كتاباً، وذهب إلى قومه، ونزل الحرة: حرة الرجلاء. و "ضبيب" بطن من جُذام. ولما أغار "الهُنيد بن عوص"، وهو من "الضليع"، بطن من جُذام على "دحية بن خليفة الكلبي"، حين قدومه من بلاد الشام، وكان رسول الله بعثه إلى "قيصر" صاحب الروم ومعه تجارة له، فأصاب كل شيء كان مع "دحية" نفًرَ "رفاعةُ" وقومه ممن أسلم، إلى "الهُنيد"، فاستنقذا ما كان في يده، فرَدّوه على "دحية". وكان المعتدون يقيمون بحسمى.
ومن "جذام" "زنباع بن روج بن سلامة بن حُداد بن حديدة"، وكان عَشّاراً، مرّ به "عمر بن الخطاب" في الجاهلية تاجراً إلى الشام، فأساء إليه في اجتيازه وأخذ مكسه، فقال "عمر" فيه شعراً يتوعده ويهجوه، فبلغ ذلك "زنباعا" فهجز جيشاً لغزو مكة، فنهي عن ذلك وأشر عليه بعدم تمكنه منها، فَكَفَّ عنها.
وكانت "أيلة" في أيام الرسول، في أيدي "يوحنا بن رؤبة" "يحنة بن رؤبة". ولما سمع "يوحنا" بمجيء الرسول مع جيشي إلى "تبوك"، جاء إليه، وصالحه على الجزية، وصالحه أهل "جرباء" و "اذرح" على الجزية أيضاً. كما صالح أهل "مقنا" على ربع كروعهم وغزولهم وحلفتهم وعلى ربع ثمارهم، وكانوا يهوداً. وقد دَوّن "ابن سعد" صورة كتاب ذكر إن الرسول كتبه ل "يحنة بن رؤبة" "يحنة بن رَوْبةَ" وأهل ايلة "لسفنهم وسيارتهم في البر والبحر... ولمن كان معهم من أهل الشام وأهل اليمن وأهل البحر".
وأورد "ابن سعد" نص كتاب أرسله الرسول إلى "يوحنا بن روبة" "يحنة ابن رَوْبةَ" و "سَرَوات" أهل ايلة" جاء فيه إن رسول الله قد أرسل إليه رسلاً هم" "شرحبيل" و "أبيّ" و "حرملة"، و "حريث بن زيد الطائي". و "أن حرملة" قد شفع له ولأهل ايلة لدى الرسول وأن عليه إن يكسو "زيداً" كسوة حسنة. وأنه قد أوصى رسله بهم. ويظهر من هذا الكتاب، إن حامله كان "زيداً، وجاء فيه "وجهزوا أهل مقنا إلى أرضهم".
وكتب الرسول كتباً إلى أهل "اذرح" و "جربا" ولأهل مقنا، وذكر إن أهل مقنا، كانوا يهوداً على ساحل البحر. وأهل جربا وافرح يهود أيضاً.
إما "كلب" التي كانت ديارها تتاخم ديار جذام، فينسبها النسابون إلى "كلب بن وبرة"، وهي من القبائل التي كانت تنزل ديار الشام عند ظهور الإسلام. غير إننا لا نعرف من تأريخها شيئاً يذكر قبل الإسلام.
وتتصل بديار كلب من الشرق أرض الحيرة وديار "بني بكر"، ومن الجنوب ديار طيء، ومن الغرب ديار "بنو بليّ" و "جذام"، ومن الشمال "بنو بهراء" وقبائل غسان.
ويرجع نسب "كلب" في عرف النَسّابين إلى قبائل "قضاعة". ومن كلب الأسبع" وهي بطون ثعلب وفهد ودب والسيد والسرحان وبرك. ومن قبائلها: ثور وكلب ورفيدة وعوذي وعرينة وقبائل أخرى يذكرها النسابون.
وينسب إلى هذه القبيلة "زهر بن جناب الكلبي"، وهو في جملة من يذكرهم الأخباريون من المعمرين. ويذكرون انه كان رئيساً من رؤساء هذه القبيلة، وانه كان شاعراً، وأنه كان في أيام "كليب وائل" و "المهلهل بن ربيعة"، ومعنى ذلك انه عاشر في القرن السادس للميلاد.
وقد ذكر الأخباريون أسماء رجال برزوا في الجاهلية، ينتمون إلى بطون هذه القبيلة، منهم "هوذة بن عمرو"، نعتوه ب "رب الحجاز"، وهذا النعت يدل على منزلة الرجل ومكانته التي كان عليها قبل الإسلام. وهو من "حَرْ دش" وقد مدحه "النابغة "لذبياني". وقد نسب الأخباريون هوذة إلى "عص" أو "عيثر بن لبيد"، وهو في زعمهم من المعمرين في الجاهلية.
وقد وفد رجل من "كلب" على الرسول اسمه "عبد عمرو بن جبلة بن وائل بن الجَلاِّح الكلبي"، ومعه "عاصم"، من "بني وقاش" من "بني عامر"، فأسلم. ووفد "حارثة بن قطن بن زائر بن حصن بن كعب بن عليم الكَلْبي" و "حمل بن سعدانة بن حارثة بن مغفل بن كعب بن عليم"، فأسلما. وكتب الحارثة بن قطن، كتاباً، لأهل دومة الجندل وما يليها من طوائف كلب، دَوّن فيه أوامره لهم ونواهيه وشروطه إن أرادوا الدخول في الإسلام.
وأورد "ابن سعد" صورة كتاب، ذكر إن الرسول كتبه "لبني جناب" من كلب وأحلافهم ومن ظاهرهم. وقد بين فيه الأمور التي يجب عليهم مراعاتها من حقوق وإحكام. وأشهد عليه فيه: سعد بن عبادة، وعبد الله بن انيس، ودحية الكلبي 60 ولعذرة عدة بطون، منها" بنو الجلحاء، وبنو جلهمة، وبنو زقزقة، وبنو ضنة، وبنو حردش، وبنو حنّ، وبنو مدلج. ويظهر من ابيات للشاعر النابغة إن "النعمان بن حارث الغساني" لما هم بغزو "بني حنّ" في موضعهم ب "برقة صادر"، نهاه عن ذلك، غير انه لم ينته، فأصيب غزوه بهزيمة. وحنّ، هم الذين قتلوا "الجلاس بن وهب بن قيس بن عبيد" من طيء، في الحجر. وكان الجلاس ممن اجتمعت عليه جديلة طيء.
وتبوك هي من جملة مواضع بني عذرة، وهي موضع "Thapaua" الذي ذكره "بطلميوس"، ولا نعرف من أمرها قبل الإسلام شيئاً يذكر. وقد ذكرت في الفتوح، اذ وصل الرسول إليها، وصل الرسول، وصالح أهلها على الجزية، مما يدل على إن سكانها كانوا من أهل الكتاب.
وكان غزو الرسول لها سنة تسع للهجرة، اذ بلغه إن الروم قد جمعت جموعاً كثيرة بالشام، وانهم قد جمعوا إليهم جمعاً من لخم وجذام وعاملة وغسان وقدموا مقدماتهم إلى البلقاء، فأراد الرسول مباغتتهم قبل إن يباغتوه، فلما وصل إليها، وجد إن الروم بعيدون عنه فرجع.
ويذكر أهل الأخبار إن "بني عذرة" نصروا قصيّاً وساعدوه، لوجود صلة له بهم. ويظهر انه قد كان عند القدامى من "بنيُ عذرة" كتاب في أخبارهم كانوا يرجعون إليه إذا احتاجوا إلى الوقوف على خبر يخص هذه القبيلة. فقد ذكر "أبو عمرو بن حريث العذري"، انه رجع إلى كتاب من كتب آبائه في أمر "وفد عذرة" الذي ذهب إلى الرسول .
وتقع ديار "غطفان" جنوب "طيء"، وشمال "هوازن" و "خيبر" والى الغرب من بليّ وديار سعد. وهم من القبائل الكبيرة التي يرجع النسابون نسبها إلى "سعد بن قيس بن مضر". فهي من القبائل المضرية في اصطلاح أهل الأنساب. وهم قبائل: منهم: ريث وبغيض وأشجع، ومن بغيض ذبيان، وهو والد عبس، وأنما أجداد قبائل كبيرة. وتقع ديار أشجع على مقربة من المدينة، وأما ديار "بغيض" فتقع عند شربة والربذة، وتجاورها "خصفة بن قيس عيلان"، وسليم الذين تقع ديارهم في جنوبهم.
ومن رجال "أشجع" "مسعود بن رخيلة بن نويرة بن طريف"، وقد وفد على الرسول على رأس وفد قوامه مئة رجل، وادَعوا رسول الله، ثم أسلموا.
وقد كانت بين "غطفان" وبين "بني عامر بن صعصعة" وهم بطن من هوازن حوادث وأياّم. من ذلك "يوم النفراوات"، وفيه قيل خالد بن جعفر ابن كلاب العامري زهير بن جذيمة سيد عبس. وكانت هرازن تخضع لزهير. وتقدم له الإتاوة كل سنة في سوق عكاظ. فلما استبد بهم زهير، ولم يرع لهم حرمة، ولم ينصفهم، نقموا عليه. وأقسم جعفر ليقتلنه، وقد وفى بقسمه في يوم "النفراوات".
وقد غزا الرسول قوماً من "غطفان"، هم من "بني محارب" و "بني ثعلبة"، حتى نزل نخلاً فلقي جمعاً من "غطفان"، ولم تقع بينهم حرب، وعرفت الغزوة ب "غزوة ذات الرقاع". وكانت هذه الغزوة في أول السنة الثالثة من الهجرة. وعرفت أيضاً ب "غزوة ذي أمر" ناحية "النخيل". وكان قد جمعهم رجل يقال له: "دعثور بن الحارث" من "بني محارب"، وهم من الأعراب، فلما وصل الرسول إليهم، هربوا في رؤوس الجبال، ثم أسلم "دعثور" ودعى قومه إلى الإسلام.
وقد تجمع جمع من غطفان بالجناب، وأرادوا مباغتة المسلمين، فوصلت الأنباء بذلك إلى الرسول، فأرسل سرية عليهم فلت ذلك الجمع.
وقد استجابت "غطفان" لدعوة سادات "بني النضير" أمثال: "سلام ابن أبي الحقيق"، و "حيي بن أخطب" و "كنانة بن الربيع بن أبي الحقيق"، ودعوة نفر من "بني وائل"، فيهم "هوذة بن قيس الوائلي" و "أبو عمار الوائلي"، ولزعماء مكة وعلى رأسهم "أبو سفيان"، فخرجت وقائدها "عيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر الفزاري" في بني فزارة، و "الحارث بن عوف بن أبي حارثة المُرّي" في "بنيُ مرّة" و "مسعود "مسعْر" بن رخيلة بن نويرة بن طريف بن سحمة الأشجعي" فيمن تابعه من أشجع. واستجابت لهم "بنو سليم"، يقودهم "سفيان بن عبد شمس" وهو أبو "أبي الأعور السلمي"، وانضمت إليهم "بنو أسد" يقودهم "طليحة بن خويلد الأسدي"، وكوّنوا الأحزاب. وساروا باتجاه المدينة، فوجدوا المسلمين وقد حفروا خندقاً حولها، حال بينهم وبين اقتحامها، ووقعت مناوشات، انتهت برجوع الأحزاب. ونجاح المسلمين في الدفاع عن أنفسهم.
ومن رجال "عبس" الذين وفدوا على الرسول "ميسرة بن مسروق" و "الحارث بن ربيع" وهو الكامل، و "قنان بن دارم"، و "بشر بن الحارث بن عبادة" و "هِدْم بن مسعدة"، و "سباع بن زيد"، و "أبو الحصن بن لقمان"، و "عبد الله بن مالك"، و "فروة بن الحصين بن فضالة". وذكر إن رسول الله سأل نفراً من "عبس" عن "خالد بن سنان"، فقالوا: لا عقا له، فقال: نبيّ ضيعه قومه، ثم أنشأ يحدث أصحابه حديث خالد.
وقد كتب الرسول إلى "بني زهير بن أقيش" كتاباً، أمنهم فيه على أنفسهم وأموالهم. و "بنو أقيش" هم حيّ من "عكل". و "عكل" من "الرباب". وهم "تيم" و "عدي" و "عكل" و "مزينة" .وذكر إن الرسول كتب لبني اقيش في ركية بالبادية.
ومن ديار "هوازن"، "تربة"، وهي ناحية "العبلاء" على طريق صنعاء ونجران. وتقع في "عجز هوازن". وقد أرسل الرسولُ عليهم سرية بقيادة "عمر" وذلك سنة سبع للهجرة. وتقع ديار هوازن بغور تهامة إلى إلى بيشة والسراة وحنين وأوطاس.
وفي جنوب شرقي "حسمى" أقامت بطون "فزارة"، وتنسب إلى "فزارة بن ذبيان بن بغيض بن غيث بن غطفان". وقد اشتركت في حرب داحس والغبراء بين عبس وذبيان، وفي معارك أخرى، وتعاونت مع يهود خيبر ضد الرسول. ومن رجال "فزارة" "خارجة بن حصن"، وكان فيمن وفد على التي من وفد "بني فزارة" سنة تسع للهجرة.
ومن "بني فزارة" في أيام الرسول "عيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر"، أغار على لقاح رسول الله وهي ترعى بالغابة، وهي على بريد من المدينة، فوجه رسول الله جمعاً عليه، قتل "مسعدة بن حَكمةَ بن مالك بن حذيفة بن بدر الفزاري" و "حبيب بن عيينة"، ثم لحقهم الرسول ب "ذي قرد"، فوجدهم قد مضوا. وقد نعت النبي "عيينة" ب "الأحمق المطاع في قومه". ومن بني فزارة الذين وفدوا إلى الرسول بعد رجوعه من تبوك سنة تسع للهجرة، "خارجة بن حصن" و "الحرّ بن قيس بن حصن. وذكر إن "عيينة بن حصن" كان من المؤلفة قلوبهم. شهد حنيناً والطائف. وكان أحمق مطاعاً دخل على النبي بغير إذن وأساء الأدب، فصبر النبي على جفوته وأعرابيته. وقد ارتد وآمن بطليحة،. ثم أسر، فمنّ عليه الصدّيق، ثم لم يزل مظهراً للإسلام. وكان يتبعه عشرة آلاف قناة. وكان من الجرارة. واسمه حذيفة ولقبه عيينة لشتر عينه.
ولما خرج "زيد بن حارثة" في تجارة له إلى الشام، ومعه بضائع لأصحاب رسول الله، وكان دون "وادي القرى" لقيه ناس من "فزارة" من "بني بدر"، فضربوه وأخذوا ما كان معه، فعاد "زيد" إلى المدينة وأخبر الرسول بما حدث. فأعاده مع سرية لغزوهم، فحاصرهم، ولكنهم كانوا قد هربوا، فأسر منهم "فاطمة بنت ربيعة بن بدر" وابنتها "جارية بنت مالك بن حذيفة ابن بدر"، وقُتل "النعمان" و "عبد الله" ابنا "مسعدة بن حكمة بن مالك ابن بدر".
وعلى السُنّة الجارية بن القبائل، تشتَّت شمل عشائر غطفان بسبب الحروب التي نشبت بينها من جهةّ، وبينها وبن بطون خصافة من جهة أخرى. ونعني بخصافة هوازن وسليماً. وقد استمر التنافس بين عشائر غطفان وعشائر خصافة إلى ظهور الإسلام، وتميز بحوادث الفتك والاغتيالات، وبرز في هذا النزاع اسم "دريد بن الصمة" وهو من هوازن، ومعاوية وصخر أخوي الخنساء وهما من سُليم.
ولما انتقل الرسول إلى جوار ربه، ارتد كثير من غطفان، وأيد بعضهم طليحة، ولم يرجعوا إلى الإسلام إلا بعد انتصاره على المرتدين.
وكان من وجوه "بني عامر بن صعصعة"، عامر بن الطفيل، وأريد بن قيس بن مالك بن جعفر، "أريد بن ربيعة بن مالك بن جعفر"، وجبار بن سلمى بن مالك، وكان هؤلاء رؤوس القوم وشياطينهم. وقد وفدوا على الرسول. ولم يسلم "عامر بن الطفيل"، بل رجع كافراً ومات على الشرك. وكان معجباً بنفسه، جريئاً على الناس، من الفرسان. طلب من الرسول إن يجعل الأمر له من بعده في مقابل إسلامه، أو إن يقتسم معه الحكم على الناس مناصفة، فيكون الرسول حكم أهل الوبر، وله حكم أهل الوبر. فما قال له الرسول: " لا، ولكني أجعل لك أعنة الخيل فإنك امرؤ فارس" قال: أوليست لي? لأملأنها خيلاً ورجالاً. ثم ولى، فلما كان في طريقه إلى منازله مرض وهلك.
وكان "أبو براء عامر بن مالك بن جعفر" المعروف ب "ملاعب الأسنة الكلابي"، بعث إلى رسول الله إن ينفذ إليهم قوماً يفقهّونهم ويعرضون عليهم الإسلام وشرائعه، فبعث إليهم قوماً من أصحابه. فعرض لهم "عامر بن الطفيل" يوم بئر معونة فقتلهم أجمعين. واغتمَّ "أبو براء" لاخفار عامر بن الطفيل ذمته في أصحاب رسول الله، ثم تود بعد ذلك بقليل. وكان سيد "بني عامر ابن صعصعة" في أيامه. و "بئر معونة"، أرض بين أرض "بني عامر" و "حرة بني سُليم"، وهي إلى حرة بني سليم أقرب. وقد استصرخ "عامر بن الطفيل" جماعة من "بني سليم" و "عصية" و "رعلا" و "ذكران" فنفروا معه على المسلمين.
ولما أرسل "أبو بكر" "خالد بن الوليد" إلى "بني عامر بن صعصعة"، لم يقاتلوه ودفعوا الصدقة. وكان "قرة بن هبيرة" القشري امتنع من أداء الصدقة، وأمد "طليحة الأسدي"، فأخذه خالداً، فحمله إلى "أبي بكر" فحقن أبو بكر دمه.
ومن بني "عامر بن صعصعة "، بنو "رؤاس بن كلاب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة". ومنهم "عمرو بن مالك بن قيس" الذي وفد على الرسول فأسلم. ومنهم "بنو البكّاء". ووفد وفد من "بني البكّاء" على الرسول كان فيه "معاوية بن ثور بن عبادة بن البكّاء" و "الفُجيع بن عبد الله بن جندح بن البكّاء" و "عبد عمر البكّائي"، وهم الأصم.
وتقع ديار "بني عامر بن صعصعة" في الأقسام الغربية من نجد وتمتد إلى الحجاز. وذكر انهم كانوا يصيفون بالطائف لطيب هوائها، فلما اشتدّ عود ثقيف وقوي أمرهم، منعوهم منها، واستقلوا بها وحدهم.
ويرجع نسب "بني سليم" إلى "قيس عيلان"، وتقع منازلها في مواطن حرار ذات مياه ومعادن عرفت ب "معدن سُليم". وكانوا يجاورون عشائر غطفان وهوازن وهلال. ولخيرات أرضهم ووقوعها في منطقة مهمة تهيمن على طرق التجارة، صارت بنو سليم من القبائل الغنية. وكانت صلاتها حسنة بيهود يثرب، كما كانت صلاتها وثيقة بقريش.. وقد تحالف عدد كبير من رجالات مكة مع بني سليم، واشتغلوا معهم في الاستفادة من المعادن والثروة في أرض سليم.