هنا عشت و من هذا الطريق سلكت و لأنها الحياة رحلت

الاثنين، 5 أبريل، 2010

كتاب النحو الوافي عباس حس5

ولو قلنا: كن جاريًا - لكان المراد إفادة السامع أن المخاطب موصوف بتوجه طلب معين إليه؛ هو؛ مباشرة الجرى، أى: مطالبته بالجرى فى المستقبل؛ بدليل فعل الأمر: "كُنْ".
مما سبق نفهم المراد من قول النحاة: "كان" مع معموليها تفيد مجرد اتصاف اسمها بمعنى خبرها اتصافاً مجرداً فى زمن يناسب صيغتها. فإن كانت صيغتها فعلاً ماضياً فالزمن ماض، بشرط ألاّ يوجد ما يجعله لغير الماضى. وإن كانت صيغتها فعلاً مضارعاً فالزمن صالح للحال والاستقبال بشرط لا يوجد ما يجعله لغيرهما، وإن كانت صيغتها فعل أمر فالزمن مستقبل؛ إن لم يوجد ما يجعله لغيره -.
وقد تستعمل "كان" الناسخة بمعنى: "صار" فتأخذ أحكامها، وتعمل عملها بشروطه؛ مثل: جمد الماء فكان ثلجاً - احترق الخشب فكان تراباً.
وقد تستعمل بمعنى: "بَقِىَ على حاله، واستمر شأنه من غير انقطاع ولا تَقَيُّدٍ بزمن" نحو: كان الله غفوراً رحيماً.
وقد تستعمل تامة، وتكثر فى معنى: حصل وظهر (أىّ: وُجِد) فتكتفى بفاعلها؛ نحو: أشرقت الشمس فكان النورُ، وكان الدفء، وكان الأمن. أى: حصل وظهر.
وما تقدم من الأحكام للفعل الماضى: "كان" يثبت لباقى أخواته المشتقات؛ كالمضارع، والأمر، واسم الفاعل. و. و..
هذا، وتضم الكاف من الفعل الماضى: "كان" عند اتصاله بضمائر الرفع المتحركة؛ كالتاء، ونون النسوة، طبقاً للبيان الذى سلف مفصلا.
وبقى من أحكام "كان" أربعة أخرى سيجئ الكلام عليها مفصلاً فى موضعه من آخر هذا الباب؛ وهى: أنها تقع زائدة، وأن الحذف يتناولها كما يتناول أحد معموليها، أو هما معاً، وأن نون مضارعها قد تحذف، وأن خبرها قد ينفى. وهذا الأخير يجئ الكلام عليه مع باقى الأخبار الأخرى المنفية.
زيادة وتفصيل:
(ا) إذا وجد نفى قبل "كان" الماضية والمضارعة وكان خبرها جملة مقترنة "بإلا" الاستثنائية الملغاة - جاز أن يقترن بالواو؛ كقول الشاعر:
*ما كانَ من بَشَرٍ إلا ومِيتتُهُ * محْتومة؛ لكِنِْ الآجالُ تختلفُ*
لأن النفى قد نقض هنا بـ "إلا". والنفى ونقضه شرطان - على الصحيح - لزيادة الواو فى الجملة الواقعة خبر: "كان" أو مضارعها - كما تقدم-.
وهذه الواو تسمى "الواو الداخلة على خبر الناسخ" وتدخل أيضاً فى خبر "ليس بالشرط السالف كما سيجئ. وقد سُمعت قليلا فى خبر غيرهما من النواسخ. ولا يصح القياس على هذا القليل.
وبرغم أن وجودها جائز فى غير القيل مما ذكرناه، فإن الخير - كما يرى كثير من النحاة - فى العدول عنها؛ حرصاً على الدقة فى التعبير، وبعداص عن اللبس الذى قد ينشأ بين هذه الواو والواو الأخرى التى للحال - أو غيره -، ولكل منهما معنى يخالف معنى الأخرى. والبراعة تقتضى الإبانة التامة، وتجنب أسباب اللبس والاشتباه؛ نزولاً على حكم البلاغة.
(ب) من الأساليب الأدبية الشائعة: "كائناً ما كان"، و "كائناً من كان"؛ فى مثل: سأفعل ما يقضى به الواجب؛ كائناً ما كان. وسأحقق الغرض الكريم كائناً ما كان... أى: سأفعل ذلك مهما جدّ وكان ذلك الواجب؛ وذلك الغرض. ومثل: سأرد الظالم: "كائناً من كان" - سأكرم النابغ "كائناً من كان"... أى: سأفعل ذلك مهما كان الإنسان الظالم، أو النابغ.
أما إعرابه فمتعدد الأوجه: وأيسر ما يقال وأنسبه هو: "كائناً" حال منصوب، واسمه ضمير مستتر تقديره: "هو" يعود على الشئ السابق، و "ما" أو "من" نكرة موصوفة مبنية على السكون فى محل نصب خبر "كائن". و "كان" فعل ماض تام، وفاعله ضمير مستتر يعود على "ما" أو "من" والجملة من الفعل والفاعل فى محل نصب صفة "ما" أو "من". والتقدير النحوىّ: سأفعل ذلك كائناً شيئاً كان. أو: كائناً إنساناً كان. أى: سأفعل ذلك كائناً أىّ شئ وجد أو أىّ إنسان وجد.
ومن الأساليب المرددة فى كلام القدامى الفصحاء - برغم غرابتها اليوم - قولهم: "ربما اشتدت وَقْدة الشمس على المسافر فى الفلاة؛ فكان مما يُغَطِى رأسَه وذراعيه، وربما ثارت الرمال؛ فكان مما يَحْجُبُ عينيه ومنخريه..." يريدون: فكان ربما يُغَطى رأسه - وكان ربما يحجب عينيه ومنخريه، أى: يغطيهما...
ظل: تفيد مع معموليها اتصاف اسمها بمعنى خبرها طول النهار، فى زمن يناسب صيغتها. نحو: ظل الجو معتدلا.
وتسعمل كثيراً بمعنى: "صار" عند وجود قرينة؛ فتعمل بشروطها؛ نحو قوله تعالى: (وإذا بُشِّرَ أحدُهم بالأنثى ظل وجههُ مسوداً)، أى: صار. وقد تستعمل تامة فى نحو: ظل الحر؛ بمعنى: دام وطال...
شروط عملها: لا يشترط لها وللمشتقات أخواتها سوى الشروط العامة التى سلفت.
أصبح: تفيد مع معموليها اتصاف اسمها بمعنى خبرها صباحاً، فى زمن يناسب صيغتها. مثل أصبح الساهر مُتعباً. وتستعمل كثيراً بمعنى: "صار" فتعمل بشروطها؛ مثل: أصبح النِّفطُ دِعامة الصناعة؛ وإنما كانت بمعنى: "صار" فى هذا المثال وأشباهه لأن المراد ليس مقصوراً على وقت الصبح. وإنما المراد التحول من حالة قديمة إلى أخرى جديدة ليست خاصة بالصباح.
وقد تستعمل - بكثرة - تامة فى نحو: أيها السارى قد أصبحت. أى: دخلت فى وقت الصباح. وشروط عملها هى الشروط العامة؛ فهى مثل: "ظل".
أضحى: تفيد مع معموليها اتصاف اسمها بمعنى خبرها وقت الضحا، فى زمن يناسب صيغتها... مثل: أضحى الزارع نكبًّا على زراعته. وتستعمل كثيراً بمعنى: "صار" فَتعمل بشروطها فى مثل: أضحى الميدان الصناعى مطلوباً. وإنما كانت بمعنى: "صار" لأن المعنى ليس على التقيد بوقت الضحا أو غيره - وإنما على التحول والانتقال من حالى إلى أخرى.
وقد تستعمل تامة فى مثل: أضحى النائم؛ أى: دخل فى وقت الضحا.
شروط عملها: هى الشروط العامة التى سبقت؛ فهى مثل: "ظل".
أمسى: تفيد مع معموليها اتصاف اسمها بمعنى خبرها، مسَاءً فى زمن يناسب صيغتها؛ مثل: أمسى المجاهد قريراً. وتكون كثيراً بمعنى: "صار" فتعمل بشروطها؛ مثل: اقتحم العلم الفضاء المجهول: فأمسى معلوماً؛ أى: صار معلوماً؛ لأن المراد ليس التقيد بوقت المساء، وإنما المراد التحول والانتقال. وتستعمل تامة فى مثل: أمسى الحارس. أى: دخل فى وقت المساء.
شروط عملها هى الشروط العامة. كظل:
بات: تفيد مع معموليها اتصاف اسمها بمعنى خبرها طول الليل؛ فى زمن يناسب صيغتها؛ مثل: "بات القادم نائماً، وقول الشاعر:
*أبيتُ نجِيًّا للهموم كأنَّما * خلالَ فِراشى جمرةٌ تتوهَّجُ*
وتكون تامة، فى مثل: بات الطائر؛ بمعنى: نزل ليقضى الليل فى بعض الأمكنة.
صار: تفيد مع معموليها تَحَوُّلَ اسمها، وَتَغيُّرهُ من حالى إلى حالة أخرى ينطبق عليها معنى الخبر؛ مثل: صارت الشجرة باباً. أى: تحولت الشجرة (وهى اسم: صار) من حالتها الأولى إلى حالة جديدة، سميت فيها باسم جديد، هو: "باب" (وهو؛ الخبر)، ومثل: صار الماء بخاراً؛ فقد تحول الماء (وهو: اسم: صار)، من حالته الأولى إلى حالة جديدة يسمى فيها: "بخاراً" وهو الخبر. وتستعمل تامة فى مثل: صار الأمر إليك؛ بمعنى؛ انتقل إليك. وفى مثل: إلى الله تصير الأمور، أى: ترجع....
شروط عملها: يشترط فيها وفى الأفعال التى بمعناها.
(1) الشروط العامة.
(2) ألا يكون خبرها جملة فعلية فعلها ماض، فلا يصح صار الجالس وقف، ولا صار المتكلم سكت.
زيادة وتفصيل:
ويشترك مع صار فى المعنى، والعمل، والشروط، أفعال أخرى - غير التى سبقت - أشهرها أحدَ عشرَ، كل منها يصح أن تحل "صار" محله، واستعماله قياسىّ مثلها:
1- آض، مثل: آضَ الطفل غلاماً. وآض الغلام شابًّا: بمعنى: "صار" فيهما.
2- رجع، مثل: قوله عليه السلام: "لا تَرْجِعوا بعدى كفارا يَضْربُ بعضكم رقابَ بعض".
3- عاد، مثل:
عاد البلد الزراعى صناعيًّا.
4- استحال، مثل: استحال الخشب فحماً.
5- قعد، مثل: قعدتْ المرأةُ مكافحةً فى الميادين المختلفة. 6- حار، مثل:
*وما المرْءُ إلا كالشِّهاب وضوْئِهِ * يَخُورُ رَماداً بَعْد إذْ هو ساطعُ*
7- ارتد، مثل قوله تعالى: {أَلقَاهُ على وجْههِ فارْتَدَّ بَصِيراً}.
8- تَحَول، مثل: تحول القطن نسيجاً، وتحولَ النسيح ثوباً رائعاً.
9- غَدَا: مثل غَدَا العملُ الحرّ مرموماً. وقول الشاعر:
*إذا غَدَا ملِكٌ بالَّلهوِ مشتغلاً * فاحكمْ على مُلكه بالويْل والحَرَبِ*
10- رَاح: مثل: رَاحَ المرءُ مقدَّراً بما يحسنه.
11- جاء، فى مثل: ما جاءت حاجَتَك؟ فقد ورد هذا الأسلوب فى الأساليب الصحيحة المأثورة بنصب كلمة: "حاجة"، ومعناه: ما صارت حاجتك.؟ والمراد: أىُّ حاجة صارت حاجتك؟ وإنّما نُصِبتْ كلمة "حاجة" لأنها خبر "جاء" التى بمعنى: صار، واسمها ضمير يعود على "ما" الاستفهامية التى تعرب مبتدأ مبنية على السكون فى محل رفع، والجملة من "جاء ومعموليها" فى محل رفع خبرها.
وقد سبق بيان الأفعال الأخرى الناسخة التى يكثر استعمالها بمعنى: "صار" وبشروطها (وهى: كان - ظل - أصبح - أضحى - أمسى).
ليس: تفيد مع معموليها نفى اتصاف اسمها بمعنى خبرها فى الزمن الحالىّ نحو: ليس القطار مقبلاً. فالمراد نفى القدوم عن القطار الآن. ولا تكون للنفى فى الزمن الحالى إلا عند الإطلاق، أى: عند عدم وجود قرينة تدل على أن النفى واقع فى الزمن الماضى، أو فى المستقبل: فإن وجدت قرينة تدل على أنه واقع فى أحدهما وجب الأخذ بها؛ نحو: ليس الغريب مسافراً أمس، أو: ليس سافر الغريب، أو: وجود الفعل الماضي بعدها، أو قبلها - دليل على أنه النفى للماضى ... أما فى نحو: ليس الغريب مسافراً غداً، أو قوله تعالى في عذاب الكافرين يوم القيامة: {ألاَ يَوْمَ يأتيهم ليْس مصرُوفاً عنهمْ}، فيكون النفى متجهماً للمستقبل؛ لوجود قرينة لفظية فى المثال؛ وهى كلمة: "غد" الدالة عليه ولوجود قرينة عقلية فى الآية تدل عليه أيضاً، هى: أن يوم القيامة لم يأت حتى الآن.
وقد يكون المراد منها نفى الحكم نفياً مجرداً من الزمن؛ كقول العرب: ليس لكذوب مروءة، ولا لحسود راحة، ولا لسيء الخلق سُؤْدُد.
شروط عملها؛ وأحكامها:
(1) هى الشروط العامة.
(2) لا تستعمل تامة.
(3) لا يجوز تقدم خبرها عليها فى الرأى الأرجح.
(4) يجوز حذف خبرها، إذا كان نكرة عامة؛ نحو: ليس أحد. أى: ليس أحد موجوداً، أو نحو ذلك... ويجوز جره بالباء الزائدة، بشرط ألا تكون أداة استثناء؛ وبشرط ألا ينتقض النفى بإلا؛ نحو: ليس الغضب بمحمود العاقبة. وقول الشاعر:
*وليس بِمُغْنٍ فى المودة شافعٌ * إذا لم يكنْ بين الضلوعِ شفيعُ*
فإن نقض النفى بإلا لم يصح جر الخبر بالباء الزائدة؛فلا يجوز ليس الغِثَى إلا بغِنَى النفس...
(5) لا يصح وقوع "إنْ" الزائدة بعدها...
وبقى من أحكام "ليس" حكم يتعلق بخبرها المنفى، سيجئ الكلام عليه مع بقية الأخبار المنفية...
زيادة وتفصيل:
(أ) أشرنا فيما سبق إلى أنه يجوز فى خبر "ليس" ما جاز فى خبر "كان" الماضية والمضارعة المسبوقة بالنفى، من اقترانه بالواو حين يكون جملة موجبة، بسبب اقترانها بكلمة: "إلا"؛ كقول الشاعر:
*لَيْس شَىْءٌ إلاّ وَفيهِ إذَا * قَابَلَتْهُ عيْنُ البَصيرِ اعبتارُ*
وتسمى هذه الواو: "الواو الداخلة على خبر الناسخ" كما - عرفنا.
ونقول هنا ما قلناه فى "كان": من أن الأحسن العدول عن زيادتها، برغم أن وجودها جائز؛ حرصاً على دقة التعبير، وبعداً عن اللبس الذى قد ينشأ بين هذه الواو والأخرى التى للحال أو لغيره... فلكل واحدة موضع تستعمل فيه ومعنى تؤديهن وتركها يريحنا مما قال بعض النحاة الأقدمين من تأويل للنصوص المشتملة عليها، وتكلف لا داعى له.
(ب) لا تقع "إن" الزائدة بعد "ليس" - كما أشرنا فى الصفحة السالفة - فلا يصح أن يقال: ليس إنْ الكذوب محترماً، مع أنه يجوز زيادتها بعد "ما" النافية المهملة التى معناها معنى "ليس"، مثل: ما إنْ الضعف محمود، أما وقوعها بعد "ما" الحجازية فيبطل عملها.
(حـ) قد يقع بعد خبر "ليس" و "ما" معطوف مشتق، له أحكام مختلفة تجئ فى "ب" من ص 554.
زال: تدل بذاتها على النفى، وعدم وجوج الشئ؛ من غير أن تحتاج فى هذه الدلالة للفظ آخر؛ فإذا وجد قبلها نفى أو شبهه (وهو النهى والدعاء) انقلبت معناها للإثبات؛ مثل: ما زال العدو ناقماً. أى: بقى واستمر ناقماً. وفى هذه الحالة تفيد مع معموليها اتصاف اسمها بمعنى الخبر اتصافاً مستمرًّا لا ينقطع، أو مستمرًّا إلى وقت الكلام، ثم ينقطع بعده بوقت طويل أو قصير؛ كل ذلك على حسب المعنى. فمثال المستمر الدائم: ما زال الله رحيماً بعباده - ما زال الفير كبير الأذنين. ومثال الثانى: لا يزال الحارس واقفاً. لا يزال الخطيب متكلماً.
ومثالها مع النهى: لا تزَلْ بعيداً عن الطغيان. ومع الدعاء (وأدواته هنا: "لا"، أو: "لن") لا زال الخير منهمراً عليك فى قابل أيامك - لا يزال التوفيق رائدك فى كل ما تقدم عليه - لن تزال عناية الله تحرسك فيما يصادفك التوفيق رائدك فى كل ما تقدم عليه - لن تزال عناية الله تحرسك فيما يصادفك من مكايد...، بشرط أن يكون القصد من كل ذلك الدعاء للمخاطب...
ولا تستعمل زال تامة... ويشبهها فى الدلالة على النفى بذاتها، وصيغتها، وفى اشتراط أداة نفى قبلها، أو شبهه للعمل - أخوات لها فى هذا، هى: (فتئ - برح - انفك وسيأتى الكلام على الثلاثة).
شروط إعمالها:
1- يشترط فيها الشروط العامة.
2- أن يسبقها نفى أو نهى أو دعاء؛ كالأمثلة التى سبقت. ولى فرق فى النفى بين أن يكون ظاهراً؛ مثل: لا زال الغِنى ثمرة الجدّ، وأن يكون مقدراً لا يظهر فى الكلام، ولكن المعنى يكشف عنه، والسياق يرشد إليه؛ مثل: تالله يزال الشحيح محروماً متعة الحياة حتى يموت. أى: تالله لا يزال. وحذف النفى قياسى بشرط أن يكون بالحرف: "لا" وأن يكون الفعل مضارعاً فى جواب قسم.
3- ألا يكون خبرها جملة فعلية ماضوية؛ فلا يصح: ما زال المسافر غاب: لأن زال تفيد مع معموليها استمرار المعنى إلى وقت الكلام ثم ينقطع بعده - كما سبق - أولا ينقطع. والخبر إذا وقع جملة فعلية ماضوية كان منافياً هذا، ومعارضاً له: لدلالته على الماضى وحده دون اتصال بالحال أو المستقبل.
4- ألا يقع خبرها بعد: "إلا"؛ فلا يصح ما زال النجم إلا بعيداً: لأن النفى نقِضَ وزال بسبب: "إلا".
5- أن يكون مضارعها هو: "يزال" التى ليس لها مصدر مستعمل. أما: "زال" التى مضارعها: "يَزيل" ومصدرها "زَيْل" - فليست من الأفعال الناسخة، وإنما هى فعل تام، متعد، إلى مفعول به، ومعناها: مَيزَ وفصَل. تقول "زال" التارج بضاعته زَيلا: أى: ميَّزَها وفصَلها من غيرها. وذلك "زال" التى مضارعها: "يزول" ومصدرها" "الزوال" فإنها ليست من النواسخ؛ وإنما هى فعل لازم، معناه: هلك وفَنِىَ... مثل: زال سلطان الطغاة زوالا؛ بمعنى: هَلَكَ وفَنِىَ هلاكاً، وفناء. وقد يكون معناها: انتقل من مكانه، مثل: زال الحجر؛ أى: انتقل من موضعه...
وسيجئ آخر هذا الباب حكم خاص بخبرها المنفى، وخبر أخواتها عند الكلام على الأخبار المنفية عامة.
فتئ: تشترك مع "زال" فى كل أحكامها، أى: فى معناها، وفى شروطها. إلا الأخير؛ - لاختلاف المضارع فيهما وإلا وقوع: "فتئ" تامة فى بعض الأساليب - دون زوال - ومنها: فتئ الصانع عن شئ. بمعنى: نسيه.
برح: تشترك مع "زال" فى كل أحكامها، أى: فى معناها، وفى شروطها، إلا الأخير؛ لاختلاف المضارع فيهما؛ وإلا وقوع "برح" تامة؛ مثل قوله تعالى: {وإذْ قالَ موسى لفتاه لا أبْرَحُ...}، أى: لا أذهب، ولا أنتقل.
انْفَكَّ: تشترك مع "زال" فى كل أحكامها إلا فى الشرط الأخير؛ لاختلاف المضارع فيها. وإلا استعمال. "انفك" تامة، بمعنى: انفصل؛ مثل: فككتُ حلَقَات السلسلة فانفكت، أى: انفصلت...
دام: تفيد مع معموليها استمرار المعنى الذى قبلها مدة محددة؛ هى مدة ثبوت معنى خبرها لاسمها؛ نحو: يفيد الأكل ما دام المرء جائعاً: ويضر ما دام المرء ممتلئاً. ففائدة الأكل تدوم بدوام وقت معين، محدد، هو: وقت جوع المرء. والضرر يدوم كذلك بدوام وقت معين، محدود، هو: وقت الامتلاء، ولا بد فى دوام ذلك الوقت المحدد من أن يستمر ويمتد إلى زمن الكلام.
شروط إعمالها:
1- يشترط فيها الشروط العامة.
2- أن تكون بلفظ الماضى - فى الرأى الأرجح - وقبلها ما المصدرية الظرفية. وإذا أسندت لضمير رفع متحرك وجب ضم الدال، وحذف الألف.
3- أن يسبقهما معاً كلام تتصل به اتصالا معنويًّا، بشرط أن يكون جملة فعلية مضارعية.
4- ألا يكون خبرها جملة فعلية ماضوية؛ لأن دام مع معموليها تفيد استمرار المعنى إلى وقت الكلام، والجملة الماضوية تفيد انقطاعه فيقع التنافى.
5- ألا يتقدم خبرها عليها وعلى "ما"؛ لأن "ما" المصدرية الظرفية لا يسبقها شئ من صلتها التى تسبك معها بمصدر. أما توسطه بينها وبين "ما" فجائز.
ومما سبق نعلم أن جميع أفعال هذا الباب تستعمل ناقصة وتامة إلا ثلاثة أفعال تلتزم النقص؛ وهى: فتئ - زال - ليس - كما نعلم أن كل فعل ناقص (ناسخ) لا يعمل إلا بشروط مفصَّلة؛ فلا يكفى الاقتصار على ما يذكره كثير من النحاة من تقسيم هذه الأفعال الناسخة ثلاثة أقسام مجْملة؛ بحسب ما يلزم لها من شروط أولا يلزم، حيث يقولون:
(ا) قسم يعمل بدون شرط وهو ثمانية أفعال:
كان - أصبح - أضحى - أمسى - ظل - بات - صار - ليس.
(ب) قسم يعمل بشرط أن يسبقه نفى، أو شبه نفى، وهو أربعة أفعال: زال - برح - فتئ - انفك.
(حـ) قسم يعمل بشرط أن يسبقه "ما" المصدرية الظرفية وهو فعل واحد: "دام"... لأن هذا التقسيم غير سلم، لاعتباره القسم الأنول غير محتاج إلى شروط، ولأنه ترك فى القسمين الأخيرين شروطاً هامة لا يصح أهمالها. وقد عرفنا تفصيلها.
بقى أن نعود إلى مسألة أشرنا إليها من قبل؛ هى: أن النسخ ليس مقصوراً على الأفعال الماضية وحدها، بل يشمهلا ويشمل ما قد يكون معها من مشتقات إنْ وجدت؛ فتعمل بالشروط التى للماضى.
وتفصيل هذا أن الأفعال الناسخة ثلاثة أقسام:
(ا) قسم جامد، أى: لا يتصرف مطلقاً، ولا يوجد منه غير الماضى، وهو فعلان: "ليس بالاتفاق، و "دام" فى أشهرها الآراء.
(ب) قسم يتصرف تصرفاً شِبْه كامل؛ فله الماضى، والمضارع، والأمر، والمصدر، واسم الفاعل، دون اسم المفعول وباقى المشتقات؛ فإنها لم ترد فى استعمال الفصحاء؛ وهو سبعة: (كان - أصبح - أضحى - أمسى - بات - ظل - صار) فمن أمثلة "كان" للماضى: كان الوفاء شيمةَ الحر، وللمضارع: يكون الكلامُ عنوانَ صاحبه، وللأمر: كونوا أنصار الله. وللمصدر قول العرب: كوْنك شريفاً مع الفقر خير من كونك دنيئاً مع الغنى. وقول الشاعر:
*ببذلٍ وحلم سادَ فى قوْمهِ الفتى * وكَوْنُكَ إيَّاهُ عليكَ يسيرُ*
ولاسم الفاعل:
*وما كلُّ من يبَدِى البشاشة كائناً * أخاكَ إذَا لم تُلْفِه لكَ مُنْجدَا*
وهكذا. وبقية الأفعال السبعة مثل "كان" فى هذا لتصرف الشبيه بالكامل والذى يسمونه أحياناً: "الكامل نسبيًّا".
(حـ) قسم يتصرف تصرفاً ناقصاً؛ وهو الأربعة المسبوقة بالنفى، أو شبهه (أى: زال - برح - فتئ - انفك) فهذه الأربعة ليس لها إلا الماضى، والمضارع، واسم الفاعل؛ مثل: لا زالت الأمطارُ موردَ الأنهار. ولا تزال الأنهارُ عمادَ الحياة. وليس النيل زائلاً عمادَ الزراعة فى بلادنا.
النصوص الواردة في ( كتاب النحو الوافي / عباس حسن ) ضمن الموضوع ( باب النواسخ - "كان" وأخواتها ) ضمن العنوان ( المسألة 43: الترتيب بين الناسخ ومعموليه. )


الترتيب - فى هذا الباب - واجب بين الناسخ واسمه؛ فلا يجوز تقديم الاسم على عامله. أما الخبر فإن كان جملة خالية من ضمير يعود على اسم الناسخ، فالأحسن تأخيره عن الناسخ واسمه؛ ذلك لأن تقدمه - فى هذه الصورة - على الناسخ أو توسطه بين الناسخ واسمْه، غير معروف فى الكلام العربى الفصيح.
ويجب تأخيره عنهما إن كان جملة مشتملة على ضمير يعود على اسم الناسخ؛ كالضمير الذى فى الجملة الفعلية: "تُوسعه" من قول أعرابى ينصح صديقه: "دَعْ ما يسْبق إلى القلوب إنكارُه، وإن كان عندك - اعتذارُه فليس من حكى عنك نُكْراً تُوسِعُهُ فيك عُذرا".
وأما الخبر الذى ليس جملة (وهو المفرد وشبه الجملة) فله ست حالات:
الأولى: وجوب التأخر عن الاسم، وذلك:
1- حين يترتب على التقديم لبْس لا يمكن معه تمييز أحدهما من الآخر نحو: كان شريكى أخى - صار أستاذى رفيقى فى العمل - باتت أختى طبيبتى... فلو تقدم الخبر لأوقع فى لبس لا يظهر معه الاسم من الخبر. والفرق بينهما كبير؛ لأن أحدهما محكوم عليه؛ وهو: الاسم، والآخر محكوم به، وهو: الخبر.
2- حين يكون الخبر واقعاً فيه الحصر؛ كأن يكون مقروناً بإلا المسبوقة بالنفى؛ نحو: ما كان التاريخ إلا هادياً. أو "بإنما"؛ مثل: إنما كان التاريخ هادياً؛ لأن المحصور فيه: "بإلا" يجب اتصاله بها متأخراً عنها، والمحصور فيه: "بإنما" يجب تأخيره. فلو تقدم المتأخر فى الصورتين تغير المقصود، وفات الغرض الهام من الحصر.
الثانية: وجوب التقدم على الاسم فقط، (فيتوسط الخبر بينه وبين العامل الناسخ) وذلك حين يكون الاسم مضافاً إلى ضمير يعود على شيء متصل بالخبر؛ مع وجود ما يمنع تقدم الاسم على الأداة؛ مثل يعجبنى أن يكون للعملِ أهلُه فلا يصح: (يعبجنى أن يكون أهلُه للعمل)؛ لما فى هذا من عود الضمير على متأخر لفظاص ورتبة، وهو ممنوع فى مثل هذا.
الثالثة: وجوب التقدم على العامل الناسخ وذلك حين يكون الخبر اسماً واجب الصدارة؛ كأسماء الاستفهام و "كم" الخبرية... نحو: أين كان الغائب؟ وقو الشاعر:
*وقد كان ذِكْرى للفِراق يُرُوعبُنى * فكيف أكونُ اليوم؟ وهو يقينُ*
الرابعة: وجوب التوسط بين العامل الناسخ واسمه، أو التأخر عنهما معاً؛ وذلك حين يكون العامل مسبوقاً بأداة لها الصدارة، ولا يجوز أن يفصل بينها وبين العامل الناسخ فاصل. ومن أمثلته: الاستفهام "بهل" فى: هل أصبح المريض صحيحاً؟ فيجب تأخره كهذا المثال، أو توسطه فنقول. هل أصبح صحيحاً المريض.
الخامسة: وجوب التوسط بين الناسخ واسمه، أو التقدم عليهما، وذلك:
1- حين يكون الاسم مضافاً لضمير يعود على شئ متصل بالخبر؛ فمثال التوسط: أمسى (فى البستان) حارسه، وبات (مع الحارس) أخوه. ومثال التقدم عليهما: فى البستان أمسى حارسه، ومع الحارس بات أخوه. فقد توسط الخبر أو تقدم؛ لكيلا يعود الضمير الذى فى الاسم على شئ متأخر لفظاً ورتبة، وهو لا يجوز هنا.
2- حين يكون الاسم واقعاً فيه الحصر كأن يكون مقروناً بإلا المسبوقة بالنفى؛ فمثال التوسط؛ ما كان حاضراً إلا على، ومثال التقدم على العامل ما حاضراً كان إلا على: لأن تقديم المحصور فيه يفسد الحصر.
السادسة: جواز الأمور الثلاثة (التأخر، والتقدم على العامل، والتوسط بينه وبين الاسم) فى غير ما سبق؛ نحو: كان الخطيب مؤثراً. أو كان مؤثراً الخطيبُ، أو مؤثراً كان الخطيب. ومثله: كان خلقُ المرء سلاحَه، ويجوز: كان سلاحَه خلقُ المرءِ، كما يجوز: سلاحَه كان خلقُ المرء.
فأحوال الخبر الستة تتلخص فيما يأتى إذا كان غير جملة:
1- وجوب تأخيره عن الناسخ واسمه معها.
2- وجوب تقديمه عليهما معا.
3- وجوب توسطه بينهما.
4- وجوب تقديمه على العامل الناسخ أو التوسط بينه وبين الاسم.
5- وجوب توسطه، أو تأخره.
6- جواز تأخره، أو تقدمه، أو توسطه.
وتلك الأحوال والأحكام تنطبق على جميع أخبار النواسخ فى هذا الباب إلا الأفعال التى يشترط لإعمالها أن يسبقها نفى، أو شبهه، وإلا "دام" التى يشترط لإعمالها أن يسبقها "ما" المصدرية الظرفية، وإلا "ليس" كما سبقت الإشارة إليها. فهذه ثلاثة أشياء لكل واحد منها صور ممنوعة، وإليك البيان.
فأما الأفعال التى يشترط أن يسبقها نفى أو شبهه فتنطبق عليها الأحكام السابقة إلا حالة واحدة هى وجود النافى "ما"، فلا يجوز تقديم الخبر عليه؛ لأن "ما" النافية لها الصدارة كما سبق؛ فلا يصح: متكلماً ما زال محمود، ولكن يصح تقدمه على العامل الناسخ وحده دون حرف النفى: "ما" فيصح: ما متكلماً زال محمود. كما يصح تقدمه على حروف النفى الأخرى؛ (مثل: لا، ولم، ولن...) أما بقية الصور الأخرى من التقديم والتأخير فشأن هذه الأفعال التى لا تعمل إلا بسبق نفى أو شبهه، كشأن غيرها.
وأما "دام" فتنطبق عليها الأحوال والأحكام السابقة إلا حالة واحدة لا تجوز؛ وهى تقدم الخبر عليها وعلى "ما" المصدرية الظرفية، ففى مثل: "سأبقى فى البيت ما دام المطر منهمراً" لا يصح أن يقال: (سأبقى فى البيت منهمراً ما دام المطر)؛ لأن "ما" المصدرية الظرفية لا يصح أن يتقدم عليها شئ من الجملة التى بعدها (وهى الجملة التى تقع صلة لها) لكن يجوز أن يتقدم الخبر على "دام" وحدها فيتوسط بينها وبين "ما" المذكورة؛ ففى المثال السابق يصح أن نقول: سأبقَى فى البيت ما منهمراً دام المطر. وفى مثل؛ اقرأ فى الكتاب ما دامت النفس راغبة؛ لا يصح أن نقول: اقرأ فى الكتاب راغبةً ما دامت النفس، ويصح أن نقول، اقرأ فى الكتاب ما راغبةً دامت النفس... وهكذا.
وأما "ليس" فتنطبق عليها جميع الأحوال والأحكام السابقة أيضاً إلا حالة واحدة وقع فيها الخلاف بين النحاة وهى الحالة التى يتقدم فيها الخبر عليها؛ ففريق منع، وفريق أجاز والاقتصار على المنع أوْلى.
زيادَة وتفصيل:
(ا) عرفنا مما تقدم حكم الخبر المفرد وشبه الجملة، من حيث تقدمه وحده على عامله الناسخ، أو توسطه بينه وبين اسمه، أو تأخره عنهما، وبقى للموضوع بقية تتصل بتقديم معمول هذا النوع من الأخبار على عامل الخبر؛ وهى أن الخبر يمتنع تقديمه وحده على الناسخ إذا كان الخبر قد رفع اسماً ظاهراً؛ ففى مثل: "كان الرجل نبيلا مقصدُه" و "بات المغنى ساحراً صوته" لا يصح: "نبيلا كان الرجل مقصدُه" - ولا ساحراً بات المغنى صوته؛ لأنه لا يجوز تقديم الخبر وحده دون معموله المرفوع - كما قلنا - فإن تقدم مع معموله المرفوع جاز؛ فيصح: "نبيلا مقصدُه كان الرجل". "ساحراً صوته بات المغنى" فإن كان معمول الخبر منصوباً نحو: "أضحى الرجل راكباً الطيارةَ" جاز تقديم الخبر وحده على العامل الناسخ لكن مع قبح. نحو: الطيارةَ أضحى الرجل راكباً.
وإن كان المعمول ظرفاً أو جارًّا مع مجروره جاز تقديم الخبر وحده بغير قبح، ففي مثل؛ ظل الفتى عاملا يوماً، وأمسى قرير العين فى بيته - يقال: يوماً ظل الفتى عاملا، وفى بيته أمسى قرير العين.
(ب) يتصل بمسألة تقديم معمول الخبر مسألة توسط هذا المعمول بين الناسخ واسمه، ففى مثل: كان القادم راكباً سيارة: وكان المسافر راكباً سفينة... نعرب كلمة: "سيارة" وكلمة: "سفينة" - وأمثالهما - مفعولا به لخبر: "كان" فكل واحدة منهما معمولة لذلك الخبر، وليست معمولة للفعل "كان". فهل يجوز تقديم ذلك المعمول وحده على الاسم بحيث يتوسط بينه وبين كان؛ فنقول: كان سيارةً القادمُ راكباً؟ وكان سفينةً المسافرُ راكباً؟ لا يجوز ذلك، لأنه مخالف للنهج العام الذى تسير عليه الجملة العربية فى نظام تكوينها المأثور، وطريقة ترتيب كلماتها. وذلك النهج يقتضى ألا يقع بعد العامل - مباشرةً معمل لغيره، مثل: أقبل القطار يحمل الركاب، نعرب كلمة: "الركاب" مفعولا به للفعل: "يحمل" وهذا الفعل هو، عاملها؛ فهى وثيقة الصلة به، وليست أجنبية منه، فلا يصح أن نقدمها ونضعها بعد عامل آخر؛ هو: "أقبل" لأنها أجنبية عنه؛ فلو قلنا: أقبل الركابَ الواردفى تركيب الجملة؛ وهو النسق الذى تدل عليه تلك القاعدة العامة التى أشرنا إليها، والتى ملخصها: "أنه لا يجوز أن يلى العامل - مباشرة - معمول لعامل آخر". أو: "لا يصح أن يلى العامل - مباشرة - معمولٌ أجنبي عنه".
ولا فرق فى المعمول التقدم بين أن يكون معمولا الخبر "كان"، أو لغيرها من النواسخ، وغير النواسخ، ولا بين أن يكون المعمول مفعولا أو غير مفعول... إلا الظرف والجار مع مجروره، فإنه يجوز أن يلى عاملا آخر غيرَ عامله. والقاعدة - كما أسلفنا - لا تختص بعامل، ولا تقتصر على معمول، وهى مستمدة من الأساليب الكثيرة الفصيحة وعلى أساسها بنى الحكم السابق.
هذا إذا تقدم المعمول وحده بدون الخبر كالأمثلة السابقة، أو تقدم ومعه الخبر، وكان المعمول هو السابق على الخبر؛ ففى مثل: كان الطالبُ قارئاً الكتاب، لا يصح أن يقال: كان الكتابَ الطالبُ قارئاً. أما لو تقدما معاً وكان الخبر هو السابق فالأحسن الأخذ بالرأى الذى يبيحه؛ لمسايرته الأساليب الفصيحة المأثورة فيصح أن نقول: كان قارئاً الكتابَ الطالبُ.
غير أن هناك حالة واحدة يصح فيها تقديم معمول الخبر وحده، أو مع الخبر، متقدماً عليه، أو متأخراً عنه؛ هى - كما سبق -: أن يكون المعمول شبه جملة (أى: ظرفاً، أو: جارا مع مجروره)، نحو: بات الطير نائماً على الأشجار؛ وأصبح الطَّلُّ متراكما فوق الغصون، فيصح أن يقال: بات على الأشجار الطيرُ نائماً - وأصبح فوق الغصون الطّلّ متراكما... وهكذا. وقد وردت أمثلة قليلة مسموعة تقدم فيها معمول الخبر وحده، مع أنه ليس شبه جملة؛ فتناولها النحاة بالتأويل والتكلف لإدخالها تحت قاعدة عامة تصونها من مخالفة القاعدة السابقة. والأحسن إغفال ما قالوه، - إذ لا يرتاح العقل إليه - والحكم على تلك الأمثلة القليلة بالشذوذ؛ فلا يصح القياس عليها.
النصوص الواردة في ( كتاب النحو الوافي / عباس حسن ) ضمن الموضوع ( باب النواسخ - "كان" وأخواتها ) ضمن العنوان ( المسألة 44: زيادة "كان" وبعض أخواتها. )


"كان" ثلاثة أنواع: تامة، وناقصة، وقد عرفناهما - وزائدة، وقعت فى كثير من الأساليب المأثورة بلفظ الماضى، مع توسطها بين شيئين متلازمين؛ كالمبتدأ والخبر فى مثل: القطار - كان - قادم. أو الفعل والفاعل فى مثل: لم يتكلم - كان - غيرُك، أو الموصول وصلته فى مثل: أقبل الذى - كان - عرفته، أو الصفة والموصوف فى مثل: قصدتُ لزيادة صديقٍ - كان - مريض، أو المعطوف والمعطوف عليه فى مثل: الصديق مخلص فى الشَّدة - كان - والرخاءِ، أو حرف الجر ومجروره فى مثل: القلم على - كان - المكتبِ، أو بين "ما" التعجبية وفعل التعجب فى مثل: ما - كان - أطيبَ كلامَك، وما - كان - أكرمَ فعلكَ... وقول الشاعر:
*ما كان أسعدَ مَن أجابك آخذًا * بهداك، مجتنباً هَوًى وعِنادا*
وقد وردت زيادتها بلفظ المضارع قليلا مع توطسه بين شيئين متلازمين فى مثل؛ أنت - تكون - رجلٌ نابهُ الشأن... غير أن هذه القلة لم تدخل فى اعتبار النحاة؛ فقد اشترطوا للحكم بزيادة: "كان" شرطين؛ أن تكون يصيغة الماضة، وأن تكون متوسطة بين شيئين متلازمين، على الوجه السالف.
لكن إذا وقت: "كان" زائدة، فما معنى زيادتها؟ وكيف نعربها؟ وأقياسيه تلك الزيادة، أم الأمر مقصور فيها على السماع؟
أما معنى زيادتها فأمران؛ أولهما؛ أنها غير عاملة، فلا تحتاج إلى معمول من فاعل، أو مفعول أو اسم وخبر، أو غيرهما؛ إذ ليس لها عمل؛ ليست معمولة لغيرها. وهذا شأن لك فعل زائد.
وثانيهما: أن الكلام يستغنى عنها، فلا ينقص معناه بحذفها. لا يخفى المراد منه، وكل فائدتها أنها تمنح المعنى الموجود قوة، وتوكيداً؛ فليس من شأنها أن تُحدِث معنى جديداً، ولا أن تزيد فى المعنى الموجود شيئاً إلا التقوية. فحين نقول: الوالد عطوف، فإننا نريد من هذه الجملة نسبة العطف والحنان إلى الوالد، وإلصاقهما بذاته: فلو قلنا؛ والله الوالدُ عطوف. أو، إن الولد عطوف... لم يزد المعنى شيئاً، ولم ينقص؛ ولكنه استفاد قوة وتمكناً؛ بسبب القسَم، أو: "إنّ" وأشباههما. ومثل هذا يحصل من زيادة "كان" حين نقول: الوالد - كانض - عطوفٌ. وفرق كبير بين كلمة تنشئ معنى جديداً، أو تزيد فى المعنى القائم، وكلمة أخرى لا تنشئ معنى جديداً ولا تزيد فى المعنى الموجود، ولكنها تقتصر على تأكيده وتقويته. لهذا تجردت كلمة: "كان" عند زيادتها من الحدث الذى يكون فى الفعل؛ فلا تحتاج إلى فاعل، ولا إلى اسم، وخبر، ولا لشئ آخر مطلقاً؛ لأن الذى يحتاج لذلك إنما هو الفعل الذى له حَدَث، ومنه: "كان" التامة أو الناقصة. أما الزائدة فمخالفة لهما فى ذلك؛ فهي مقصورة على نفسها حين تكون بصيغة الماضى.
والراجح أنها تدل على الزمن الماضى إذا كانت بصيغته. ولا سيما إذا توسطت بين "ما" التعجبية وفعل التعجب؛ فى مثل: ما - كان - أحسنَ صنيعك، وما - كان - أرَقّ حديثَك؛ فإنها فى هذه الصورة تدل على الزمن الماضى، إذ المراد أن الحسن والرقة كانا فيما مضى ولا تدل على غيره، ولا تحتاج لفاعل، ولا لشئ آخر، كما لا يحتاج عامل ليؤثر فيها.
أما قياسية استعمالها أو الاقتصار فيها على السماع فالأنسب الأخذ بالرأى القائل بقياسيتها فى التعجب وحده، دون غيره من باقى الحالات؛ منعاً للخلط، وفِراراً من سوء الاستعمال، وهذان عيبان يتوقاهما الحريص على لغته، الخبير بأسرارها.
وقد وردت زيادة بعض أخواتها، كأصبح، وأمسى، فى قولهم: الدنيا ما أصبحَ أبْرَدَها، وما أمسى - أدْفأها. يريدون: ما أبردها وما أدفاها... والأمر فى هذا وأشباهه مقصور على السماع لا محالة.
النصوص الواردة في ( كتاب النحو الوافي / عباس حسن ) ضمن الموضوع ( باب النواسخ - "كان" وأخواتها ) ضمن العنوان ( المسألة 45: حذف "كان". وحذف المعمولين. )


ليس بين "كان" وأخواتها ما يجوز حذفه وحده، أو مع أحد معموليه، أو معموليه معاً - إلا: "ليس" "وكان". فأما "ليس" فيجوز حذف خبرها على الوجه الذى شرحناه عند الكلام عليها.
وأما "كان" فقد اختصت - وحدها - من بين أخواتها بأنها تعمل وهى مذكورة أحياناً، أو محذوفة أحياناً أخرى. والأصل أن تذكر مع معموليها ليقوم كل واحد من الثلاثة بنصيبه فى تكوين الجملة وتأدية المعنى المراد. لكن قد يطرأ على هذا الأصل ما يقتضى العدول عنه، لأسباب بلاغية تدعو إلى حذف واحد أو أكثر.
وصور الحذف أربعة؛ حذف "كان" وحدها، أو حذفها مع اسمها فقط، أو حذفها مع خبرها فقط، أو حذفها مع معموليها. وهذه الصور الأربع شائعة فى الكلام الفصيح شيوعاً متفاوتاً يبيح لنا محاكاته، والقياس عليه. (ومن تلك الصور صورتان تحذف: "كان" فيهما وجوباً، لوجود عِوَض عنها؛ كما سنعلم).
وبقى حذف خبرها وحده أو اسمها وحده، وكلاهما وهذا ممنوع فى الرأى الأصح عند جمهرة النحاة.
1- فأما حذفها وحدها دون معموليها أو أحدهما فبعد "أنْ" المصدرية فى كل موضع أريد فيه تعليل شئ بشئ؛ مثل: "أمَّا أنت غنيًّا فتَصَدَّقْ"؛ فأصل هذه الجملة فيما يتخيلون لتوضيحها، تَصَدَّقْ؛ لأنْ كنتَ غنيًّا. ثم حذفت اللام الجارة، تخفيفاً؛ لأن هذا جائز وقياسى قبل "أنْ"؛ فصارت الجملة: تَصدقْ أنْ كنتَ غنيًّا. ثم تقدمت "أنْ" وما دخلت عليه (أى: تقدمت العلة على المعلول) فصارت الجملة: "أنْ كنتَ غنيًّا تصدَّقْ". ثم حذفت: "كان" وأتينا بكلمة: "ما" عوضاً عنها، وأدغمناها فى "أنْ"؛ فصارت: "أمَّا". والحذف هنا واجب، لوجود العِوَض عن "كان". وبقى اسم "كان" بعد حذفها؛ وهو: تاء المخاطب. ولما كانت التاء ضميراً للرفع متصلا؛ لا يمكن أن يستقل بنفسه - أتينا بدله بضمير منفصل، للرفع، يقوم مقامه، ويؤدى معناه؛ وهو: "أنت" فصارت الجملة: أما أنت غنيًّا فتصَدقْ. ثم زيدت: "الفاء" فى المعلول؛ فصارت الجملة: أما أنت غنيا فتصَدقْ. ومثلها: أما أنت قويًّا فاعملْ بجدّ. وأما أنت شابًّا فحافظ على شبابك بالحكمة...
ويجب عند محاكاة هذا الأسلوب - اتباع طريقته فى تركيب الجملة، وترتيبها، ولا سيما مراعاة الخطاب.
2- وأما حذفها مع اسمها دون خبرها فجائز وكثير بعد "إنْ" و لوْ" الشرطتين، فمثاله بعد "إنْ": المرء محاسَب على عمله؛ إنْ خيراً يكن الجزاءُ خيرًّا، وإن شرًّا؛ فالأصل: المرء محاسب على عمله؛ إن كان العمل خيراً يكنْ الجزاء خيراً، وإن كان العمل شرًّا؛ فقد حذفت "كان" مع اسمها.
ومثال حذفهما "لو" الشرطية: تعود الرياضةَ ولو ساعةً فى اليوم، واحذر الإرهاقَ ولو برهةً قصيرة. فالأصل: تعود الرياضة ولو كانت الرياضةُ ساعةً فى اليوم، واحذر الإرهاق، ولو كان الإربهاق برهةً قصيرة... فحذفت "كان" مع اسمها وبقى الخبر.
3- وأما حذفها مع خبرها دون اسمها فجائز - مع قلته، بالنسبة للحالة السالفة - بعد: "إنْ" و "لو" الشرطيتين أيضاً؛ فمثاله بعد "إنْ": المرءُ محاسَبٌ على عمله؛ إنْ خيرٌ فخيرٌ وإن شرٌّ فشرٌّ. الأصل: المرء محاسب على عمله؛ إن كان فى عمله خيرٌ فجزاؤه خير، وإن كان فى عمله شرٌّ فجزاؤه شر... ومثاله بعد "لو": أطعم المسكينَ ولو رغيفٌ. أى: ولو كان فى بيتكم رغيف، أو: ولو يكون عندكم رغيف.
4- وأما حذفها مع معموليها فواجب بعد "إن الشرطية" أيضاً، ولكن فى أسلوب معين، مثل: "اذهب إلى الريف صَيفاً، إمَّا لاَ". والأصل: "اذهب إلى الريف صيفاً إن كنت لا تذهب إلى غيره". حُذِفت "كان" وهى فعل الشرط، مع اسمها، ومع خبرها، دون حرف النفى الذى قبله، وأتينا بكلمة: "ما" عِوَضاً عن "كان" وحدها؛ وبسبب العِوَض كان حذفها واجباً؛ فلا تجتمع مع كلمة: "ما". وأدغمت فيها النون من "إنْ" الشرطية؛ فصار الكلام: "إمَّا لا". وجواب الشرط محذوف لدلالة ما قبله عليه، وتقديره: "فافعل هذا".
ومثل ما سبق أن تقول لآخر: "ساعد المحتاج ببعض المال"؛ فيجيب: "ليس عندى ما يزيد على حاجتى". فتقول: "ساعده بالمعاملة الكريمة إما لا". فأصل الكلام: ساعده بالمعاملة الكريمة إن كنت لا تملك غيرها... وجرى على الجملة من الحذف والتقدير ما جرى على سابقتها، مما يفترضونه للتيسير والإيضاح كما بيناه...
وحذف "كان" هنا واجب كما سلف؛ لوجود عِوَض عنها؛ فهو الموضع الثانى من موضعَى الحذف الواجب بسبب العوض، ولا يصح الجمع بين العوَض، والمعَوَّض عنه - والموضع الأول بعد "أن" المصدرية السابقة - أما فى غيرهما فالحذف جائز.
ومن الأمثلة الشائعة لحذف كان مع معموليها - بعد "إنْ" من غير تعويض؛ قولك لآخر: أتسافر وإن كان البرد شديداً؟ فيجيب: نعم، وإنْ... أى: أسافر وإن كان البرد شديداً. ومثله: أتعطى السائل وإن كان أجنبيًّا؟ فتجيب: وإنْ... أى: أنا أعطيه، وإن كان أجنبيًّا.
ومما سبق نعلم: أنّ "كان" تحذف جوازاً فى حالتين، ووجوباً فى حالتين أخْرَيَيْنِ، تجئ "ما" عوضاً عنها فى كل منهما، ولا يجوز إرجاع "كان" مع وجود العوَض عنها فى حالتى حذفها وجوباً. أما فى الحالتين الجائزتين فحذفها وإرجاعها سواء.
زيادة وتفصيل:
(ا) ورد فى الكلام القديم حذف كان مع اسمها بعد: "لَدُن": كأن يسألك سائل: متى كان الاجتماع؟ فتجيب: يومَ الخميس من لَدُن عصراً إلى المغرب. أى؛ من زمن كان الوقتُ عصراً إلى المغرب... وهذا حذف لا يقاس عليه. وإنما عرضناه هنا لِيُفْهَم حين يرد فى كلام القدماء.
(ب) قد وردت كان وحدها محذوفة فى كلام قديم مع بقاء اسمها وخبرها ومنه:
*أزمانَ "قومى" والجماعةَ كالذى * لَزم الرَّحالةَ أنْ تميل مَمِيلاً*
أى: أزمان كان قومى مع الجماعة. فكلمة: "قوم" اسم "كان" المحذوفة و "الجماعة" مفعول معه، و "كالذى" خبرها. والسبب فى تقدير "كان" أن المفعول معه لا يقع - فى الأكثر - إلا بعد جملة مشتملة على لفظ الفعل وحروفه، أو على معناه دون حروفه.
النصوص الواردة في ( كتاب النحو الوافي / عباس حسن ) ضمن الموضوع ( باب النواسخ - "كان" وأخواتها ) ضمن العنوان ( المسألة 46: حذف النون من مضارع: "كان" )


إذا دخل جازم على الفعل المضارع من: "كان" فإنه: يجزمه، وتُحذَف الواو التى قبل النون. نحو: لَمْ أكنْ من أعوان الشر، ولم تكُنْ من أنصاره، وكقول علىّ: لا تكُنْ عبد غيرك، وقد جعلك الله حرًّا. وأصل الفعل بعد الجازم: لَمْ أكونْ - لم تكونْ - لا تكونْ فهو مجزوم بالسكون على النون؛ فالتقى ساكنان؛ الواو والنون؛ فحذفت الواو - وجوباً - للتخلص من التقائهما؛ فصار الفعل؛ لم أكُنْ - لم تكْنْ - لا تَكُنْ... ومثل هذا يقال فى الفعل: "يكنْ" من قول القائل:
*إذا لم يكُنْ فيكُنّ ظلٌّ ولا جنًى * فأبْعدَ كُنًّ اللهُ من شجراتٍ*
ويجوز بعد ذلك حذف النون: تخفيفاً؛ فنقول: لم أكُ - لم تَكُ، وكقول الشاعر:
*فإنْ أكُ مظلوماً فعَبْدٌ ظلمتَهُ * وإنْ تكُ ذا عُتْبَى فمِثْلُكَ يُعتِبُ*
وهذا الحذف جائز كما قلنا؛ سواء أوقع بعدها حرف هجائى ساكن؛ نحو: لم أكُ الذى ينكر المعروف، ولم تكُ الصاحبَ الجاحدَ - أم وقع بعدها حرف هجائى متحرك، نحو: لم أك ذا مَنّ، ولم تكُ مصاباً به. إلاّ إن كان الحرف المتحرك ضميراً متصلا فيمتنع حذف النون؛ نحو: الشبَحُ المقبل علينا يُوحى بأنه صديقى الغائب؛ فإن يَكُنْهُ فسوف نسعد بلقائه، وإن لم يَكنْهُ فسوف نأسف. أى: إن يكن إياه... وإن لم يكن إياه.
وتسرى الأحكام السالفة على المضارع الذى ماضيه "كان" الناقصة، كالأمثلة التى سبقت، والذى ماضيه "كان" التامة؛ نحو: صفا الجو، واعتدل، فلم تكن سحب، ولم يكن برد... بإثبات النون أو حذفها. أى: لم توجد سحب... و...
وبهذه المناسبة نشير إلى أمرين:
أولهما: ما تقتضيه القواعد اللغوية من حذف "الألف" من عين الفعل: "كان"، ومن حذف "الواو" من عين مضارعه وأمره، بشرط أن تكون الأفعال الثلاثة ساكنة الآخر؛ كقوله تعالى: {كنتم خير أمة أُخرجتْ للناس}. وقوله تعالى: {إنْ يَكنْ منكم عشرون صابرون يَغلبوا مائتين} وقوله تعالى {بَلْ اللهَ فاعبدْ، وكنْ من الشاكرين}. وقول الشاعر: *إِذا كنتَ ذا رأىٍ فكنْ ذا عزيمةٍ * فإِنَّ فسَادَ الرأى أَنْ تَتَرَدَّدَا*
ثانيهما: وجوب ضم الكاف من الماضى عند إسناده لضمير رفع متحرك، كما فى بعض الأمثل السالفة، وتطبيقاً للبيان الذى سبق من قبل.
النصوص الواردة في ( كتاب النحو الوافي / عباس حسن ) ضمن الموضوع ( باب النواسخ - "كان" وأخواتها ) ضمن العنوان ( المسألة 47: نفى الأخبار فى هذا الباب. )


إذا دخلت أداة نفى على فعل من أفعال هذا الباب (غير "ليس"، و "زال" وأخواتها الثلاثة) فإن النفى يقع على الخبر؛ فتزول نسبته الراجعة إلى الاسم؛ ففى مثل: ما كان السارق خائفاً - وقع النفى على الخوف، وسُلبتْ نسبته الراجعة إلى السارق؛ فإذا أردنا إثبات هذا الخبر، وجعل نسبته موجبَة مع وجود أداة النفى - أتينا قبله بكلمة: "إلاّ" فنقول: ما كان السارق إلا خائفاً؛ لأنها تنقض معنى النفى، وتزيل أثره عن الخبر متى اقترنت به. وفى مثل قول الشاعر:
*لم يك معروفك برْقاً خُلَّبًا * إن خير البرقِ ما الغيثُ مَعَهْ*
وقع نَفْى خَلاَبة البرق على المعروف. فإذا أريد إثباتها قيل: لم يك معروفك إلا برقاً خُلَّبًا. كل هذا بشرط ألا يكون الخبر من الكلمات التى ينحصر استعمالها فى الكلام المنفى وحده، مثل: يَعِيج؛ فإن كان منها لم يجز اقترانه بكلمة: "إلا"؛ ففى مثل: ما كان المريض يَعِيج بالدواء، لا يقال: ما كان المريض إلا يعيج بالدواء. وفى: ما كان مثلُك أحدا، لا يقال: ما كان مثلُك إلا أحداً.
فإن كان الفعل الناسخ هو: "ليس" (وهى معدودة من أدوات النفى) فالحكم لا يتغير (من ناحية أن المنفى بها هو الخبر، وأنه إذا قصد إيجابه وبقاء نسبته إلى الاسم وضعنا قبله: "إلا"، وأنه إذا كان من الألفاظ التى لا تستعمل إلا فى كلام منفى لم يجز اقترانه بإلا). ومن الأمثلة: ليس الخطيب عاجزاً؛ فقد انصب النفى على "العجز" وزالت نسبته الراجعة إلى الخطيب. فإذا أردنا إبطال النفى عن الخبر، ومنع أثره فى معناه - أتينا قبله بكلمة: "إلا" فقلنا: ليس الخطيب إلا عاجزاً، لأنها تنقض النفى، وتوقف أثره؛ فيصير المراد معها هو الحكم على الخطيب بالعجز، وهو حكم يناقض السابق. أما فى مثل: ليس المريض يَعيج بالدواء، فلا يصح اقتران الخبر بإلا؛ فلا يقال: ليس المريض إلا يَعيج بالجواء. فشأن "ليس" كشأن "كان" المسبوقة بالنفى؛ حيث لا يصح أن يقال فيها: ما كان المريض إلا يعيج بالدواء؛ كما سبق.
فإن كان الفعل الناسخ هو: "زال" أو إحدى أخواتها الثلاث، (وكلها لا بد أن يسبقه نفى، أو شبهه) - فخبرها مثبت غير منفى؛ لأن كل واحدة منها تفيد النفي وقبلها نفى، ونفى النفى إثبات؛ فمثل: ما زال المال قوة، فيه إثبات لاستمرار القوة للمال، وحكم موجَب بنسبتها إليه، يمتد من الماضى إلى وقت الكلام؛ فالنفى: فى كلمة: "زال" وأخواتها مسلوب ومنقوض بالنفى الذى قبلها مباشرة. والمعنى فى جملتها موجَب، وخبرها مثبت، كما قلنا - فلا يقترن بكلمة "إلا"؛ فلا يصح ما زال المال إلا قوة؛ فشأنه شأن خبر: "كان" الخالية من نفى قبلها؛ فكلا الخبرين موجَب (مثبت).
وإذا كان خبر الناسخ منفيًّا على الوجه السالف جاز أن يدخل عليه حرف الجر الزائد: "الباء" نحو: ليس الحِلْم ببلادة، وما كان الحليم ببليد يحتمل المهانة، أى: ليس الحِلم بلادة، وما كان الحليم بليداً؛ يحتمل المهانة. فزيدت "باء الجر" فى أول الخبر المنفى فى المثالين - وأشباههما - لغرض معنوى؛ هو: توكيد النفى وتقويته.
وليست زيادتها مقصورة على أخبار بعض النواسخ دون بعض، وإنما هى جائزة فى جميع تلك الأخبار؛ بشرط أن تكون منفية، فلا يصح زيادتها فى خبر: "زال" وأخواتها الثلاث؛ لأن الخبر فيها موجب (أى: مثبت) كما عرفنا.
ومع أن زيادتها مباحة بالشرط السالف فإنها متفاوتة فى الكثرة بين تلك الأخبار فتكثر فى خبر: "ليس"، نحو قوله تعالى: {أليس اللهُ بعزيز ذى انتقام؟} وقول الشاعر:
*ولسْتُ بهَيَّاب لمنْ لا يَهابُنى * لسْتُ أرَى للمرء مالاَ يَرَى لِيَا*
ثم فى خبر: "ما" الحجازية؛ نحو قوله تعالى: {وما ربُّك بظلاّم للعبيد} وقوله: {وما ربك بغافل عَمَّا يَعمل الظالمون} ثم فى خبر "كان".
وإذا تقدم الخبر فتوسط بينَ الناسخ واسمه جاز إدخال؛ "باء" الجر الزائدة على الاسم المتأخر؛ ففى نحو: ليس الشجاع متهوراً - يصح أن يقال: ليس متهوراً بالشجاع. وفى نحو: ما كان الجواد إسرافاً - يصح أن يقال: ما كان إسرافاً بالجود.
ومن المستحسن ألا نلجأ لهذه الزيادة فى اسم الناسخ إلا حيث يتضح أمرها، وتشتد الحاجة إليها.
النصوص الواردة في ( كتاب النحو الوافي / عباس حسن ) ضمن الموضوع ( باب الحروف التى تشبه "ليس" وهى: (ما-لا-لات-إنْ) ) ضمن العنوان ( المسألة 48: "ما" )


من الحروف نوع يشبه الفعل: "ليس" فى معناه، وهو: النفى، وفى عمله؛ وهو: النسخ فيرفع الاسم وينصب الخبر. وبهذه المشابهة يعد من أخوات: "ليس". مع أنها فعل وهو حرف، كما يعد من أخوات: "كان" لمشابهته إياها فى العمل فقط. وأشهر هذه الحروف أربعة: ما - لا - لات - إنْ.
فأما الحرف الأول: "ما" فبعض العرب - كالحجازين - يُعْمله، وبَعْض آخر - كبنى تميم - يهمله. وهو يفيد عند الفريقين نفى المعنى فى الزمن الحالى عند الإطلاق. تقول: ما الشجاع خوافاً، أو ما الشجاع خواف؛ بالإعمال أو الإهمال. ومثل هذا فى قول الشاعر:
*وما الحسْنُ فى وجه الفتى شرفاً له * إذا لم يكنْ فى فعلِه والخلائق*
وقول الآخر:
*لَعَمرك ما الإسرافُ فىَّ طبيعةٌ * ولكنَّ طبعَ البخْل عِندِى كَالموت*
لكن الذى يحسن الأخذ به فى عصرنا هو الإعمال، لأنه اللغة العالية، لغة القرآن، وأكثر العرب، ولا داعى للأخذ باللغة الأخرى؛ منعاً للبلبلة، وتعدد الآراء من غير فائدة....
وتشتهر العاملة باسم: "ما الحجازية". ويشترط لإعمالها خمسة شروط مجتمعة:
(ا) ألا تقع بعدها كلمة: "إنْ" الزائدة؛ فيصح الإعمال فى مثل: ما الحق مغلوباً، ولا يصح فى مثل: ما إنْ الحق مغلوب.
(ب) ألا ينتقض نفيها عن الخبر بسبب وقوع "إلا" بعدها؛ فتعمل فى مثل: ما الجو منحرفاً، ولا تعمل فى مثل: ما الجو إلا منحرف؛ وقول الشاعر: *إذا كانت النعْمَى تُكَدَّرُ بالأذَى * فما هى إلا مِحْنَةٌ وعذابُ*
لأن الخبر مثبت هنا بسبب "إلا" التى أبطلت النفى عنه، ولا يضر نقضه عن المعمول؛ نحو: ما أنت متكلماً إلا بصواب.
(حـ) التزام الترتيب بين اسمها وخبرها الذى ليس شبه جملة، فلا يصح تقديم الخبر الذى ليس شبه جملة عل الاسم؛ ولهذا تَعْمَل فى مثل: ما المعدنُ حجراً، وتُهْمَل فى مثل: ما حجرٌ المعدنُ؛ لتقدم خبرها على اسمها. فإن كان الخبر شبه جملة جاز إعمالها وإهمالها عند تقدمه ومخالفته الترتيب؛ مثل: ما للسرور "دواماً". وقول الشاعر:
*وما للمرء خيرٌ فى حياة * إذا ما عُدَّ من سَقَط المتاع*
بالإعمال أو الإهمال فى كل ذلك؛ فعند الإهمال يكون شبه الجملة فى محل نصب؛ خبر "ما"، وعند الإهمال يكون فى محل رفع؛ خبر المبتدأ.
(د) ألا يتقدم معمول الخبر على الاسم، بشرط أن يكون ذلك المعمول المتقدم غير شبه جملة؛ ففى مثل: ما العاقل مصاحباً الأحمق - لا يصح الإعمال مع تقدم كلمة: "الأحمق" على الاسم؛ لأنها معمول للخبر، وليست شبه جملة، فيجب الإهمال فتقول: ما، الأحمقَ - العاقل مصاحبٌ، فإن كان المعمول المتقدم شبه جملة جاز الإعمال والإهمال، نحو: ما فى الشرِّ أنت راغباً وما عندك فضلٌ ضائعاً، ويجوز... راغبٌ، وضائعٌ.
(هـ) ألا تتكرر "ما"، فلا عمل لها فى مثل: "ما" "ما" الحُرُّ مقيم على الضيم؛ لأن كلمة: "ما" الأولى للنفى، وكلمة "ما" الثانية للنفى أيضاً؛ فهى قد نفت معنى الأولى، ونفى النفى إثبات فتبتعد "ما" الأولى عن النفى، وينقلب معنى الجملة إلى إثبات، وهو غير المراد.
حكم المعطوف على خبرها
(ا) إن كان حرف العطف مما يقتضى أن يكون المعطوف موجَباً (أى: مثبتاً) مثل: "لَكِنْ" و "بل" - وجب رفع المعطوف؛ مثل: ما الفضل مجهولا لكنْ معروف؛ وما الإحسان منكوراً بل مشكور؛ فيجب الرفع فى كلمتى: "معروف" و "مشكور" وأشباههما؛ محاكاة لنظائرهما فى الكلام الفصيح المأثور. وتعرب كلا منهما خبراً لمبتدأ محذوف؛ فكأن أصل الكلام. ما الفضل مجهولا لكن هو معروف. وما الإحسان منكوراً بل هو مشكور. ويتعين فى هذه الحالة إعراب كل واحدة من "لكن" و "بل" حرف ابتداء، ولا يصح إعرابها حرف عطف، لما يترتب على ذلك من أن يكون المعطوف جملة على حسب التقدير السابق، ولا يصح أن يكون المعطوف بهما جملة.
ولو جعلنا المعطوف بهما مفرداً ولم نلاحظ التقدير السابق لوجب أن يكون منصوباً ومنفيًّا، تبعاً للخبر المعطوف عليه؛ لأن المعطوف المفرد يشابه المعطوف عليه فى حركات الإعراب، وفى النفى، والإثبات، والعامل فيهما واحد، وهنا يقع التعارض بين المعطوف عليه والمعطوف؛ فالأول مفى "بما" ومعمول لها. والثانى معمول لها أيضاً وموجَب؛ لوقوعه بعد: "لكن" أو: "بل". المسبوقين بنفى. و "ما" لا تعمل فى الموجَب, ومن هنا يجئ التعارض أيضاً؛ وهو يقضى بمنع العطف ولو كان عطف مفرد على مفرد، ويقضى بالرفع. والأحسن أن يكون رفعه خبراً لمبتدأ محذوف.
ومما تقدم نعلم أن الكلام فى حالة: "ا" لا يشتمل على عطف مطلقاً؛ فلا عاطف، ولا معطوف عليه، ولا حرف عطف.
(ب) أما إن كان العطف لا يقتضى أن يكون المعطوف موجَبًا وإنما يقتضى أن يشابه المعطوف عليه فى حركات إعرابه، ونفيه، وإثباته: كالواو والفاء... فإنه يجوز فى هذه الحالة نصب المعطوف ورفعه، مثل: ما أنت قاسياً وعنيفاً على الضعيف، أو: "عنيف" بنصب كلمة: "عنيفاً"؛ لأنها معطوفة على خبر "ما" المنصوب. وبرفعها لأنها معطوفة على خبر "ما" باعتبار أصله الأول قبل مجئ "ما"؛ فقد كان خبراً مرفوعاً للمبتدأ. ويحسن الاقتصار على الأول؛ ليكون الأسلوب مُتَّسقًا مؤتلفًا...
وتلخيص ما تقدم فى: "ا و ب" هو: أن رفع المعطوف جائز مع كل عاطف وأما نصبه فمقصور على بعض حروف العَطف دون بعض آخر يقتضى إيجاب المعطوف مثل: لكن وبل...
زيادة وتفصيل:
(ا) إنما عرض النحاة للعطف على خبر "ما" دون العطف على أخبار غيرها من النواسخ الأخرى التى لا يشترط فيها عدم نقض النفى، لأن "ما" يشترط فى عملها ألا ينتقض نفى خبرها. فإن انتقض لم تعمل كما سبق. والحرفان ("لكن"، و "بل") من حروف العطف، ينقض كل منهما النفى عن المعطوف بعده، ويجعله موجَباً، مع أن المعطوف عليه منفى. ولما كان المعطوف على خبر "ما" بمنزلة خبرها - وجب أن يكون ذلك المعطوف منفيًّا كالخبر المعطوف عليه؛ لكى تعمل فيه "ما" النصب. غير أن المعطوف هنا موجب لوقوعه بعد "لكن"، أو "بل" فالنفى منقوض عنه، وصار موجباً. ولهذا لم يصح نصبه، لأنه بمنزلة الخبر - كما قلنا - و "ما" لا تعمل فى الموجب.
وقياساً على ما سبق يجرى هذا الحكم على كل ناسخ آخر، (مثل: إنْ - لا، وسيجئ الكلام عليهما) مما يشترط فى إعماله ألا ينتقض النفى عن خبره فعند العطف على خبره ينطبق عليه الحكم السالف.
(ب) أنسب الآراء، أنه لا يجوز حذف "ما" الحجازية وحدها، أو مع أحد معموليها، أو معهما. كما لا يجوز حذف معموليها ولا أحدهما.
(حـ) إذا دخلت همزة الاستفهام على "ما" الحجازية لم تغير شيئاً من أحكامها السابقة.
وأما الحرف الثاني-: "لا" فهو للنفى. وفريق من العرب - كالحجازين - يُعْمِله عمل: "ليس" ويجعل النفى به منصبًّا مثلها على الزمن الحالى عند عدم قرينة تدل على زمن غيره. وفريق آخر - كالتميميين - يهْمِله. تقول: لا معروفٌ ضائعاً، أو: لا معروفٌ "ضائعٌ"، بالإعمال أو الإهمال. والمهم عند إعمالها هو فهم معناها، وإدراك أثرها المعنوى فى الجملة، ليحسن استخدامها على الوجه الصحيح وفيما يلي الإيضاح.
(ا) لا رجلٌ غائباً - تشتمل هذه الجملة على كلمة: "لا" النافية وبعدها اسم مفرد مرفوع، وبعده اسم منصوب. فما الذى تفيده هذه الجملة؟ تفيد هذه الجملة التى يكون فيها اسم: "لا" مفرداً - أى: غير مثنى وغير مجموع - احتمال أمرين: نفى الخبر (وهو: الغياب) عن رجل واحد، ونفى الغياب عن جنس الرجل كله؛ فرداً فرداً؛ فلا غياب لواحد أو أكثر.
ولو قلنا: لا رجلان غائبيْن، ولا رجالٌ غائبِين - لكان الأمر محتملا نفى الغياب عن اثنين فقط، أو عن جماعة فقط، ومحتملا أيضاً نفى الغياب عن جنس الرجل كله؛ فرداً فرداً، أو عن جماعة فقط، ومحتملا أيضاً نفى الغياب عن جنس الرجل كله؛ فرداً فرداً؛ بحيث لا يخلو واحد من الحكم عليه بعدم الغياب.
(ب) لا طائرٌ موجوداً - تفيد هذه الجملة التى يكون فيها اسم "لا" مفردًا أى: غير مثنى وغير مجموع - ما أفادته التى قبلها من احتمال أمرين؛ نفى وجود طائر واحد، ونفى وجود جنس الطائر كله؛ فرداً فرداً؛ بحيث لا يخلو واحد من الحكم عليه بعدم الغياب.
(ب) لا طائرٌ موجوداً - تفيد هذه الجملة التى يكون فيها اسم "لا" مفرداً أى: غير مثنى وغير مجموع - ما أفادته التى قبلها من احتمال أمرين؛ نفى وجود طائر واحد، ونفى وجود جنس الطائر كله؛ فرداً فرداً؛ فلا وجود لطائر واحد، ولا أكثر. ولو قلنا: لا طائران موجودَيْن، ولا طيورٌ موجودةً - لكان النفى إمَّا واقعاً على طائرين فقط، وإما واقعاً على جماعة فقط، وإما على الجنس كله واحداً واحداً؛ بحيث لا يخلو طائر من الحكم عليه بعدم الوجود.
مما سبق نعلم أن: "لا" النافية التى تعمل عمل: "كان" لا تدل على نفى الجنس كله فرد فرداً دلالة قاطعة لا تحتمل معها أمراً آخر؛ وإنما تدل - دائماً - على احتمال أمرين، فإن كان اسمها مفرداً دلت على نفى الخبر عن فرد واحد، أو على نفيه عن كل فرد من الأفراد. وإن كان اسمها مثنى أو جمعاً دلت أيضاً على احتمال أمرين؛ إمَّا نفى الخبر عن المثنى فقط، أو عن الجمع فقط، وإمَّا نفيه عن كل فرد من أفراد الجنس. فدلالتها على نفى الخبر تحتمل هذا، وتحتمل ذاك فى كل حالة. وليست نصًّا فى أمر واحد.
ومن أجل أنها تحتمل نفى الخبر عن الفرد الواحد إذا كان اسمها مفرداً سميت: "لا" التى لنفى الواحد، أو: "لا" التى لنفى الوحْدة، أى: الواحد أيضاً.
والذين يُعملونها يشترطون لذلك شروطاً خمسة.
أولها: أن يكون اسمها وخبرها نكرتين؛ مثل: لا مالٌ باقياً مع التبذير. فإن كان أحدهما معرفة أو كلاهما - لم تعمل.
ثانيهما: عدم الفصل بينها وبين اسمها وهذا يستلزم الترتيب بين معمونيها،فيجب تأخير الخبر، وكذلك تأخير معموله عن الاسم، كى لا يفصل بينها وبين اسمها فاصل؛ نحو: لا حصنٌ واقياًالظالمَ.
ثالثها: ألا ينتقض النفى بإلا؛ تقول؛ لا سعىٌ إلا مثمر، ولا يصح نصب الخبر.
رابعها: عدم تكرارها؛ فلا تعمل فى مثل: لا، لا مسرع سَبَّاق. إذا كانت "لا" الثانية لإفادة نفى جديد.
خامسها: ألا تكون نصًّا فى نفى الجنس - كما شرحنا - وإلا عملت عمل: "إنّ":
تلك هى الشروط الحتمية لعمل "لا" وهى نفسها شروط لعمل "ما" مع زيادة شرطين فى عمل "لا" وهما: أن يكون اسمها وخبرها نكرتين، وألا تكون نصًّا فى نفى الجنس.
وحذف خبرها كثير فى جيد الكلام؛ ومنه أن تقول للمريض؛ لا بأسٌ؛ أى: لا بأسٌ عليك. وفلان وديع لا شكٌّ. أى: لا شكٌّ فى ذلك، أو فى وداعته....
"ملاحظة": لا يتغير شئ من الأحكام السالفة إذا دخلت همزة الاستفهام على "لا" سواء أكان الاستفهام باقياً على حقيقته، أم خرج إلى معنى آخر كالتوبيخ.ز أو الإنكار...، مثل: ألا إحسانٌ للفقير من هذا الرجل الغنى...
* * *
أما الحرف الثالث: "إنْ" فهو لنفى الزمن الحالى عند الإطلاق، وإعمالُه وإهمالُه سِيَّانِ. ولكن الذين يُعملونه يشترطون الشروط الخاصة بإعمال "ما" النافية إلا الشرط الخاص بعدم وقوع "إنْ" الزائدة بعدها؛ إذ لا تقع "إنْ" الزائدة بعد "إنْ" النافية أيضاً؛ نحو: إنْ الذهبُ رخيصاً (بمعنى: ما الذهب رخيصاً) أو: إنْ الذهبُ رخيص. ففى المثال الأول تعرب "إنْ" حرف نفى ناسخ بمعنى: ما، وبعدها اسمها وخبرها. وفى المثال الثانى: "إنْ" حرف نفى مهمل، وبعده مبتدأ مرفوع، ثم خبره المرفوع. ومن أمثلة عمالها، قول الشاعر:
*إنْ المرْءُ بانقضاءِ حيَاتِه * ولكنْ بأن يُبْغَى عليه فيُخْذَلاَ*
وهى فى حالتى إعمالها وإهمالها لنفى الزمن الحالى، ما لم تقم قرينةٌ على غيره. - كما تقدم -.
* * *
وأما الحرف الرابع: "لات" فهو لنفى الزمن الحالى عند الإطلاق ويشترط لعملها:
(ا) الشروط الخاصة بعمل "ما" إلا الشرط الخاص بعدم وقوع: "إنْ" الزائدة بعدها؛ إذ لا تقع "إنْ" الزائدة بعد: "لات".
(ب) ثلاثة شروط أخرى؛ هى: أن يكون اسمها وخبرها كلمتين دالتين على الزمان، وأن يحذف أحدهما دائماً، والغالب أنه الاسم. وأن يكون المذكور منها نكرة؛ مثل: سهوتَ عن ميعادك، ولاتَ حينَ سهو. أى: ولاتَ الحينُ حينَ سهو. وإعرابها: "لا" نافية؛ تعمل عمل: "ليس". التاء للتأنيث اللفظى واسمها محذوف تقديره: الحينُ، أو: الوقت، أو: الزمن... "حينَ" خبرها، منصوب بالفتحة الظاهرة، مضاف. "السهو" مضاف إليه مجرور. ومثل: تسرعتَ فى الإجابة، ولاتَ حينَ تَسرُّع. أى: وليس الحينُ حينَ تسرُّعٍ، أو ليس الوقت وقتَ تسرع. والإعراب كالسابق.
زيادة وتفصيل
(ا) وردت "لات" فى بعض الكلام العربى القديم مهملة لا عمل بها؛ فهى متجردة للنفى المحض. ومنه قول الشاعر:
*تَرَكَ الناسُ لنا أكنافَهم * وتولَّوا، لاتَ لمْ يُغْنِ الفرارُ*
فهى هنا حرف نفى، مؤكد بحرف نفى آخر من معناه، هو: "لم" وهذا الاستعمال مقصور على السماع لا يجوز اليوم محاكاته. وإنما عرضناه لنفهم نظائره فى الكلام القديم حين تمر بنا، ومنه قول القائل:
*لَهْفى عليك لِلهفةٍ من خائفٍ * يَبغى جوارَك حينَ لاتَ مجيرُ*
فهى حرف نَفى مهمل. "ومجير" فاعل لفعل محذوف أو مبتدأ خبره محذوف.
(ب) حكم العطف على خبر: "لات" نفسه كحكم العطف على خبر "ما". وقد تقدم (فى ص 540 و 543) فيتعين الرفع إن كان حرف العطف يقتضى إيجاب ما بعده، (مثل: لكنْ وبل)، تقول: سئمت ولات حينَ سآمة، بل حينُ صبر، أو لكن حينُ صبر. فإن كان حرف العطف لا يقتضى إيجاب ما بعده (كالواو) جاز النصب والرفع، تقول: رغبت فى الراحة أياماً، ولات حين راحة، وحينَ استجمام، بنصب كلمة "حين" المعطوفة أو رفعها.
(حـ) من أسماء الإشارة: "هَنَّا" وهى فى أصلها ظرف مكان كما عرفنا فى باب أسماء الإشارة. وقد وقعت فى الكلام العربى القديم بعد كلمة: "لات" كقول القائل: (حَنَّتْ نَوَارُ ولات هَنَّا حنَّت)... وخير ما يقال فى إعرابها: إن: "لات" حرف نَفى مهمل (أى: لا عمل له) و "هنا" اسم إشارة للمكان، منصوب على الظرفية، خبر مقدم "حنت" حن: فعل ماض، قبله "أنْ" مقدرة. والتاء للتأنيث، والفاعل مستتر تقديره: هى. والمصدر المؤول من الفعل والفاعل و "أنْ" المقدرة قبل "نت" فى محل رفع مبتدأ مؤخر. وخبره اسم الإشارة الظرف المتقدم: (هنَّا). وهذا أسلوب يحسن الوقوف فيه عند السماع، والبعد عن محاكاته.
النصوص الواردة في ( كتاب النحو الوافي / عباس حسن ) ضمن الموضوع ( باب الحروف التى تشبه "ليس" وهى: (ما-لا-لات-إنْ) ) ضمن العنوان ( المسألة 49: زيادة "باء الجر" فى خبر هذه الأحرف. )


تقدم أن "باء" الجر تزاد فى مواضع، منها: أخبار الأفعال الناسخة إذا كانت تلك الأخبار منفية؛ (فلا تزاد فى أخبار "ما زال" وأخواتها الثلاثة؛ لأن أخبارها موجبَة) وأن الغرض من تلك الزيادة هو تأكيد النفى وتقويته، كما عرفنا.
ومن تلك المواضع: خبر "ليس"؛ ويكثر فيه زيادة الباء؛ نحو: ليس الحازم بمتواكل. فالباء زائدة، "ومتواكل" مجرورة بها فى محل نصب خبر "ليس". ومنها: "ما" العاملة والمهملة، فيكثر فى خبرها المنفى زيادة الباء؛ نحو: ما العربى ببخيل، وما العربى بهياب الشدائد. وأصل الكلام ما العربى بخيلا. ما العربى هياباً، فالباء حرف جر زائد، وما بعدها مجرور فى محل نصب خبر: "ما" إن كانت عاملة، أو فى محل رفع خبر المبتدأ، إن كانت: "ما" مهملة. ومن الأمثلة، قوله تعالى: {وما ربك بظَلاَّم للعبيد}، وقول الشاعر:
*أقْصِرْ - فؤادى - فما الذكرَى بنافعَة * ولا بشافعةٍ فى رَدّ ما كانا*
وقد تزاد أحياناً بعد خبر: "لا"، نحو: لا جاهٌ بخالد. ولا سلطانٌ بباق. وأصل الكلام: لا جاهٌ خالداً، ولا سلطانٌ باقياً. (والإعراب كالسابق)...
وقد تقدم أنها تزاد فى خبر المضارع من "كان"، بشرط أن يكون منفيًّا بحرف النفى: "لم"؛ نحو: كلمتنى فلم أكنْ بمشغول عنك، ولم أكنْ بمنصرف عن حديثك. أى: لم أكن مشغولا عنك، ولم أكن منصرفاً عن حديثك. فالباء حرف جر زائد، وما بعدها مجرور بها فى محل نصب: خبر "أكن". وأنها قد تزاد أيضاً فى المفعول الثانى من مفعولى: "ظن وأخواتها"، نحو: ما ظننت المؤمن بجبان.
أما زيادتها فى بقية الأفعال والحروف الناسخة، أو فى خبر المبتدأ، أو فى غير ما سبق - فمقصور على السماع.
زيادة وتفصيل:
يتردد فى مواطن مختلفة من كتب النحو ما يسمى؛ "العطف على التوهم"؛ وهو نوع يجب الفرار من محاكاته - قدر الاستطاعة - ولتوضيحه نسوق المثالين التاليين: (ا) "ليس المؤمن متأخراً عن إغاثة الملهوف". فكلمة: "متأخراً" خبر "ليس"، وهو منصوب. ويجوز - كما عرفنا - أن تزاد باء الجر فى أول الخبر؛ فنقول: "ليس المؤمن بمتأخر عن إغاثة الملهوف"؛ فتكون كلمة: "متأخر" فى الظاهر مجرورة بالباء الزائدة، لكنها فى التقدير فى محل نصب، لأنها خبر "ليس".
فإذا عطفنا على الخبر المجرور بالباء الزائدة كلمة أخرى، بأن قلنا: ليس المؤمت بمتأخر وقاعد عن إغاثة الملهوف - فإنه يجوز فى المعطوف - وهو كلمة: "قاعد" مثلا - الجر تبعاً للمعطوف عليه المجرور فى اللفظ، كما يجوز نصبه، تبعاً للمعطوف عليه المنصوب محلا، لأنه خبر "ليس". فالمعطوف فى المثال السابق يجوز نصبه تبعاً لمحل الخبر، كما يجوز جره تبعاً للفظ الخبر المجرور بالباء الزائدة المذكورة فى الجملة، والتى يجوز زيادتها فى مثل هذا الخبر.
لكن إذا خلا الخبر منها فكيف نضبط المعطوف عليه؟ أيجوز النصب والجر مع عدم وجودها كما كانا جائزين عند وجودها؟ يقول أكثر النحاة: نعم. ففى المثال السابق يصح أن نقول: ليس المؤمن متأخراً وقاعداً عن إغاثة الملهوف. أو: ليس المؤمن متأخراً وقاعدٍ ... بنصب كلمة: "قاعد" أو جرها؛ فالنصب لأنها معطوفة على الخبر المنصوب مباشرة؛ ولا عيب فى هذا. والجر لأنها معطوفة على خبر منصوب فى التقدير؛ على تخيل وتوهم أنه مجرور بالباء الزائدة؛ فكأن المتكلم قد تخيل وجود الباء الزائدة مع أنها غير موجودة بالفعل. وتوهم أنها ظاهرة فى أول الخبر؛ مع أن توهمه غير صحيح. ومن العجب أن يتوهم ويتخيل ما لا وجود له، ويبنى عليه آثاراً. وهذا أمر يجب الفرار منه - كما قلنا -؛ لما فيه من البعد، والعدول عن الطريقة المستقيمة الواضحة إلى أخرى ملتوية، لا خير فيها. فإن قهرتنا بعض الأساليب القديمة على الالتجاء إليه وجب أن نقتصر عليه فى الوارد، ونحصر أمره فى المسموع من تلك الأساليب، دون أن نتوسع فيها بالمحاكاة والقياس، إذ لا ضرورة تلجئنا إلى محاكاته. وهذا الرأى السديد لبعض النحاة الأقدمين تستريح النفس إليه وحده، ولا فرق فيه بين العطف على خبر "ليس" أو "ما" أو غيرهما من الأخبار التى تزاد فى أولها الباء جوازاً...
مثال آخر:
ما المحسن مناناً بإحسانه. كلمة: "مناناً" - خبر "ما" منصوبة، ويجوز أن تزاد "باء" الجر فى خبر: "ما" الحجازية على الوجه المشروح فى زيادتها - فيقال: ما المحسن بمنان بإحسانه. فتكون كلمة: "منان" مجرورة فى الظاهر بالباء الزائدة، ومنصوبة المحل، لأنها خبر "ما"؛ فإذا عطفنا على هذا الخبر المجرور كلمة أخرى، جاز فى المعطوف إما الجر تبعاً للخبر المجرور لفظه، وإما النصب أيضاً تبعاً للخبر المنصوب محله؛ فيقال ما لامحسن بمنان وذاكر إحسانه أو: "ذاكراً" إحسانه؛ بجر كلمة: "ذاكراً"، أو نصبها.
فإذا لم تكن "باء" الجر الزائدة مذكورة فى أول الخبر فكيف نضبط المعطوف؟ يقول أكثر النحاة: إن العسطف عند عدم وجود باء الجر الزائدة فى الخبر كالعطف مع وجودها، فيجوز النصب فى المعطوف تبعاً للنصب اللفظى فى الخبر المعطوف عليه؛ كما يجوز الجر فى المعطوف تبعاً لتوهمهم الجر فى الخبر المعطوف عليه، وافتراضهم أن ذلك الخبر مجرور بالباء الزائدة؛ مع أنها غير موجودة، فى الكلام.
وهو توهم لا يصح الالتفات إليه اليوم، ولا الأخذ بما يرتبونه عليه... لما أوضحناه. ويتساوى فى هذا خبر "ليس" وخبر "ما" وغيرهما من الأخبار التى يجوز فى أولها زيادة باء الجر؛ كما قلنا.
(ب) إذا وقع بعد خبر "ليس" وخبر "ما" - مشتق معطوف، فكيف نضبطه؟ لهذا صور يعنينا منها ما يأتي:
أولا: أن يكون المشتق المعطوف على خبرها وصفاً عاملا وبعده اسم مرفوع، سبىّ له، نحو: "ليس المستعمر أميناً، ولا صادقاً وعدُه" أو: "ما المستعمر أميناً ولا صادقاً وعدُه". فيجوز فى الوصف المعطوف وهو كلمة: "صادق" ما يجوز فيه لو كان غير رافع اسماً بعده؛ وعلى هذا يصح فى كلمة: "صادق" النصب بعطفها على الخبر المنصوب مباشرة وهو كلمة: "أميناً" كما يصح فيها الجر عطفاً على الخبر المجرور على حسب توهم النحاة أن الخبر مجرور بباء زائدة غير ظاهرة فى اللفظ... وهو توهم وتخيل سبق رفضه فى: "ا" أما الاسم السبى المرفوع بعد الوصف المعطوف فيعرب فى الحالة السالفة فاعلا له (وقد يعرب أحياناً نائب فاعل فى جملة أخرى إذا كان الوصف الرافع له اسم مفعول). وفى المثال السابق بصورتيه يلتزم الوصف الإفراد فلا يثنى ولا يجمع - فى رأى أكثر النحاة -.
ويصح أن يكون الوصف مرفوعاً مبتدأ - لا معطوفاً - وأن يكون السبى بعده مرفوعاً به يغنى عن الخبر (سواء أكان المرفوع فاعلا أو نائب فاعل)، وفى هذه الصورة يلتزم الوصف الإفراد أيضاً. ويكون الوصف مع مرفوعه معطوفاً على الجملة قبله.
ويصح أن يكون السبي مبتدأ متأخراً والوصف خبراً مرفوعاً متقدماً - لا معطوفاً وفى هذه الحالة يتطابقان؛ إفراداً وتثنية وجمعاً، وتذكيراً، وتأنيثاً؛ نحو: ليس علىّ مهملا ولا مقصرٌ أخوه - ليس على مهملا ولا مقصران أخواه - ليس على مهملا ولا مقصرون إخوانه ... - وكذلك لو كان الناسخ "ما" بدلا من "ليس".
ثانياً: أن يكون المعطوف وصفاً أيضاً وقبله: "ليس" ومعمولاها ولكن بعده اسم أجنبى. فيعطف الأجنبى على اسمها، ويرفع مثله. ويعطف الوصف على خبرها، وينصب مثله، تقول ليس محمود حاضراً، ولا غائباً حامد، فكلمة: "حامد" معطوفة على الاسم: "محمود" مرفوعة مثله. وكلمة "غائباً" معطوفة على الخبر "حاضر" منصوبة مثله.
فإن كان خبر "ليس" مجروراً بالباء الزائدة جاز أيضاً جر الوصف؛ تقول: ليس محمود بحاضر، ولا غائب حامد؛ بجر كلمة: "غائب" لأنها معطوفة على الخبر المجرور لفظه بالياء الزائدة؛ ويجوز فى الحالتين السالفتين رفع الأجنبي على أنه مبتدأ، خبره الوصف المتقدم؛ فيتطابقان. وتكون الجملة الثانية معطوفة على الأولى.
ثالثاً: أن يكون المعطوف وصفاً قبله "ما" ومعمولاها؛ وبعده اسم أجنبى؛ فيجب رفع الوصف الواقع بعد خبرها؛ سواء أكان خبرها منصوباً، أم مجروراً بالباء الزائدة؛ نحو: ما محمود حاضراً ولا غائبٌ حامدٌ. أو: ما محمود بحاضر ولا غائبٌ حامدٌ.
النصوص الواردة في ( كتاب النحو الوافي / عباس حسن ) ضمن الموضوع ( باب أفعال المقاربة ) ضمن العنوان ( المسألة 50: أفعال المقاربة، معناها. )


أفعال المقاربة - معناها:
فى جملة مثل: "الماء يَغلى"، يفهم السامع بسبب وجود الفعل المضارع: أن الماء فى حالة غليان الآن، أوْ: أنه سيكون كذلك فى المستقبل. فإذا قلنا: "كاد الماء يغلى" - اختلف المعنى تماماً؛ إذ نفهم أمرين، أن الماء اقترب من الغليان اقتراباً كبيراً، وأنه لم يَغْلِ بالفعل، أى: أنه فى حالة إنْ استمرت زمناً قليلا فسيغلى. والسبب فى اختلاف المعنى الثانى عن الأول هو وجود الفعل: "كا" فى الجملة الثانية، وأنه ماض.
وكذلك الشأن: فى: "القطار يتأخر" إذ نفهم من الجملة أن القطار يباشر التأخر الآن، أو فى المستقبل. فإذا قلنا: "كاد القطار يتأخر..." تغيَّر المعنى، وفهمنا أمرين؛ أنه اقترب من التأخر جدًّا، وأنه - بالرغم من ذلك - لم يتأخر فى الواقع. أى: أنه فى حالة، إنْ طال زمنها قليلا يقع فى التأخر. والسبب فى اختلاف المعنى الثانى عن الأول وجود الفعل الماضى: "كاد".
ومثل ما سبق: "الكأس تتدفق ماء" فالمعنى: أن الماء يفيض منها الآن، أو مستقبلا. فإذا قلنا: "كادت الكأس تفيض ماء" تغير المعنى، وانحصر فى أنها اقتربت كثيراً من التدفق، وأنها لم تتدفق بالفعل، وهذا التغير بسبب وجود الفعل الماضى: "كاد".
ومن الأمثلة السابقة - وأشباهها - يتبين أن الفعل: الماضى "كاد" يؤدى فى جملته معنى خاصًّا، هو الدلالة على التقارب بين زمن وقوع الخبر والاسم، تقارباً كبيراً مجرداً؛ (أى: لا ملابسة فيه، ولا اتصال). ومن أجل ذلك سميت "كاد" فعل: "مقاربة". ولها إخوة تشاركها فى تأدية هذا المعنى. ومن أشهر أخواتها - كرَبَ - أوشكَ - مثل: كرَبَ الليلُ ينقضى - أوْشكَ الصبح يقبل، بمعنى: "كاد" فيهما. وكلها بمعنى: "قَرُبَ".
عملها:
أفعال المقاربة أفعال ناقصة (أىْ: ناسخة) ترفع المبتدأ اسماً لها، وتنصب الخبر، فلا ترفع فاعلا، ولا تنصب مفعولا ما دامت ناسخة، فهى من أخوات "كان". غير أن الخبر فى أفعال المقاربة لا بد أن يشتمل على:
(1) فعل مضارع، ومرفوعه (من فاعل، أو نائبه ...) ضميرٌ فى الغالب.
(2) وأن يكون هذا المضارع مسبوقاً بأن المصدرية مع الفعل: "أوْشكَ" وغير مسبوق بها مع الفعل: "كاد" أو: "كَرَبَ"، نحو: أوشك المطر أن ينقطع، وكاد الجو يعتدل، وكَرَبَ الهواءُ يطيب. ويجوز - قليلا - العكس، فيتجرد خبر: "أوْشَكَ"، من "أنْ" ويقترن بها خبر "كاد" و "كرب"، ولكن الأول هو الشائع فى الأساليب العالية التي يحسن الاقتصار على محاكاتها. ومن النادر أن يكون الخبر غير جملة مضارعية. ولا يصح محاكاة هذا النادر، بل يجب الوقوف فيه عند المسموع.
وعمل أفعال المقاربة ليس مقصوراً على الماضى منها: بل ينطبق عليه وعلى المشتقات الأخرى، وهى محدودة؛ أشهرها ثلاثة؛ مضارع للفعل: "كاد"، ومضارع للفعل: "أوشك"، واسم فاعل له، نحو: يكاد العلم يكشف أسرار الكواكب - يوشك القمر أن يتكشف للعلماء - أنت موشكٌ أن تنتهى إلى خير.
والأكثر أن تستعمل "كاد" و "كَرَبَ" ناسختين. أما "أوشك" فيجوز أن تقع تامة؛ بشرط أن تُسنَد إلى "أنْ" والفعل المضارع الذى فاعله (أو مرفوعه) ضمير مستتر: نحو: القوىّ أوشك أن يتعب؛ فالمصدر المؤول من "أنْ" والفعل المضارع وفاعله فى محل رفع فاعل "أوشك" التامة. ومثله قول الشاعر:
*إذا المجدُ الرفيع تواكلتْه * بناة السُّوء أوشَك أن يضيعا*
وهي فى حالة تمامها تلزم صورة واحدة لا تتغير، مهما تغير الاسم السابق عليها فلا يتصل بآخرها ضمير رفع مستتر أو بارز: تقول: القويان أوشك أن يتعبا. الأقوياء أوشك أن يتعبوا. القوية أوشك أن تتعب. القويتان أوشك أن تتعبا. القويات أوشك أن يتعبن ... بخلاف ما لو كانت ناقصة؛ فيجب أن يتصل بآخرها ضمير رفيع يطابق الاسم السابق فى التذكير، والتأنيث، وفى الإفراد، وفروعه: فتقول فى الأمثلة السابقة: (أوشَك) - (أوْشكا) - (أوْشكوا) - (أوشكت) - (أوشكَتَا) - (أوشَكْن) فإن وقع المضارع اسم مرفوع ظاهر نحو: أوشك أن يفوز القوىُّ - جاز فى أوشك أن تكون تامة، وأن تكون ناقصة.
* * *
زيادة وتفصيل:
(ا) "كاد" كغيرها من الأفعال فى أن معناها ومعنى خبرها منفى إذا سبقها نفى، ومثبت إذا لم يسبقها نفى، خلافاً لبعض النحاة؛ فمثل: "كاد الصبى يقع" معناه: قارب الصبى الوقوع. فمقاربة الوقوع ثابتة. ولكن الوقوع نفسه لم يتحقق. وإذا قلنا: ما كاد الصبى يقع. فمعناه: لم يقارب الوقوع فمقاربة الوقوع منتفية. والوقوع نفسه منفى من باب أولى، ومثل هذا يقال فى بيت المعَرّى.
*إذا انصرفت نفسى عن الشئْ لم تكَدْ * إليه بوجه - آخِرَ الدَهرِ - تُقْبِلُ*
(ب) تعد أفعال المقاربة من أخوات "كان" الناسخة كما عرفنا. ولكن أفعال المقاربة تخالفها فيما يأتى:
1- خبرها لا بد أن يكون مصدراً مؤولاً من جملة مضارعية - فى الأصح - مسبوقة بأنْ أو غير مسبوقة، على التفصيل السابق، وفاعل المضارع لا بد أن يكون - فى الأرجح - ضميراً يعود على اسمها: وقد ورد رفعه السبىّ فى حالات قليلة، لا يحسن القياس عليها، مثل: كاد الطلل تكلمنى أحجاره.
2- خبرها لا يجوز أن يتقدم عليها.
3- إذا كان الخبر مقترناً "بأن" لم يجز - فى الأشهر - أن يتوسط بينها وبين اسمها، أما غير المقترن فيجوز كما فى خبر كان.
4- يجوز حذف الخبر إن علم، نحو: "من تأنى أصاب أو كاد؛ ومن عَجل أخطأ أو كاد، وهو كثير فى خبر "كاد" قليل فى خبر "كان" ومع قلته جائز بالتفصيل الذى سبق فى موضعه.
5- لا يقع فعل من أفعال المقاربة زائداً.
(حـ) يرى بعض النحاة أن "أوشك" ليست من أفعال المقاربة، وإنما هى من أفعال الرجاء التى سيجئ الكلام عليها فى هذا الباب. مستشهداً ببعض أمثلة مأثورة تؤيده. ولا داعى للأخذ برأيه اليوم، بعد أن شاع اتباع الرأى الآخر الذى يخالفه، وتؤيده أيضاً شواهد فصيحة قديمة، تسايرها أساليبنا الحديثة. وإنما ذكرنا الرأى الأول ليستعين به المتخصصون على فهم النصوص القديمة.
أفعال الشروع - معناها:
ما معنى كلمة: "شَرَعَ" و "أخذَ" فى مثل: شَرَعَ المُغنَّى يُجَرِّبُ صوته، ويُصْلح عوده، وأخذ يوائم بين رنات هذا، ونغمات ذاك؟
معنى: "شَرَعَ" أنه ابتدأ فعلا فى التجربة ودخل فيها، وباشرها، وكذلك معنى كلمة "أخذ" فهى تفيد أنه ابتدأ فعلا فى المواءمة والتوفيق بين الاثنين. وكذلك فى مثل: أُعِدَّ الطعامُ: فشرَع المدعوون يتوجهون إلى غرفته، وأخذ كل منهم يجلس فى المكان المهيأ له ... أى: ابتدءوا فى الذهاب إلى الغرفة، وباشروا الانتقال إليها فعلا، كما ابتدءوا فى الجلوس ومارسوه. ومرجع هذا الفهم إلى الفعل: "شرع"، "وأخذ"، فكلاهما يدل على ما سبق، ولهذا يسميه النحاة: "فعل شروع" يريدون: أنه الفعل الذى يدل على أول الدخول فى الشئ، وبدء التلبس به، وبمباشرته.
وأشهر أفعال الشروع: شَرَع - أَنشأ - طفِقَ - أَخذَ - عَلِقَ - هَبّ - قام - هَلْهَل - جَعَل.
عملها:
هذه الأفعال جامدة لأنها مقصورة على الماضى، إلا "طفِق" و "جعل" فلهما مضارعان. وعملها الدائم هو رفع المبتدأ ونصب الخبر بشرط أن يكون المبتدأ مما يدخل عليه النواسخ، فلا ترفع فاعلا ولا تنصب مفعولا ما دامت ناسخة؛ فهى من أخوات "كان" الناقصة. ولا تكون تامة حين إفادتها معنى: "الشروع" - كما أوضحناه - إلا أنّ خبر أفعال الشروه لا بد أن يكون:
(1) جملة مضارعية فاعلها (أو: مرفوعها) ضمير.
(2) المضارع فيها غير مسبوق "بأنْ" المصدرية، كالأمثلة السابقة.
(3) لا يجوز فى هذه الأفعال تقدم الخبر عليها، كما لا يجوز توسطه بينها وبين الاسم.
(4) ويجوز حذف خبرها إن دل عليه دليل.
أفعال الرجاء - معناها:
يتضح معناها من مثل: اشتد الغلاء؛ فعسى اللهُ أنْ يُخفف حدَّته - زاد شوق الغريب إلى أهله، فعسى الأيامُ أن تُقَربَ بينهم - تَطَلَّع الرحالة إلى كشف المجاهل؛ فعسى الحكومة أن تهيئ له الوسائل...
ففى المثال الأول: رجاء وأمل فى الله أن يخفف شدة الغلاء. وفى الثانى: رجاء وأمل أن تُقربَ الأيام بين الغريب وأهله. وفى الثالث كذلك: أن تُعدّ الحكومة للرحالة الوسائل... ففى كل مثال رجاء وأمل فى تحقيق شئ مطلوب يُفهم من الفعل المضارع مع مرفوعه، والكلمة التى تدل على الرجاء والأمل هى: "عسى"، ولهذا تبعد من أفعال الرجاء التى تدل على الرجاء التى يدل كل فعل منها على: "ترقب الخير، والأمل فى تحققه ووقعه". (والخبر المرتقب هنا هو: ما يتضمنه المضارع مع مرفوعه، كما سبق). ومن أشهرها: عسى - حَرَى - اخْلَولَقَ.
عملها:
هى أفعال ماضية فى لفظها، جامدة، الصيغة والأغلب أنها ترفع الاسم وتنصب الخبر - إن كانا صالحين لدخول النواسخ - فهى من الأفعال الناقصة (أى: الناسخة) أخوات "كان". وخبرها - فى الأفصح - مضارع مسبوق: بأنْ، وفاعله ضمير، لكن يجوز فى خبر "عسى" أن يكون مضارعه غير مسبوق بأنْ، نحو: عسَى الأمن يدومُ. كما يجوز أن يكون فاعل هذا المضارع سببيًّا، أى: اسماً ظاهراً مضافاً لضمير اسمها؛ نحو: عسى الوطن يدوم عزُّه.
المكتوب بالأخر هو:
حكمها:
يجب تقديم هذه الأفعال على معموليها. كما يجب - فى رأى دون آخر - تأخير الخبر المقرون بأن عن الأسم. ويجوز حذف الخبر لدليل وقد تقدم أن والأغلب فى استعمال هذه الأفعال أن تكون ناقصة. لكن يجوز فى "عسى" "واخلولق" أن تكونا تامتين، بشرط إسنادهما إلى "أنْ" والمضاعر الذى مرفوعة ضمير يعود على اسم سابق. دون إسنادهما إلى ضمير مستتر أو بارز؛ فلا بد لتمامهما أن يكون فاعلهما مصدراً مؤولا من "أنْ" وما دخلت عليه من جملة مضارعية، ولا يصح أن يكون ضميراً، نحو: الرجل عسى أن يكون. ونحو: الزرع اخلولق أن يتفتح، فالمصدر المؤول فى المثالين فاعل وفى هذه الحالة لا يكون فى "عسى" و "اخلولق" ضمير مستتر. (وهذا التمام خاص بهما وبأوشك من أفعال المقاربة، كما سبق). وفى حالة التمام تلزم "عسى" وأختها حالة واحدة لا تتغير مهما تغير الاسم السابق - لأن فاعلهما مذكور بعدهما - .... نقول: الرجل عسى أن يقوم - الرجلان عسى أن يقوما - الرجال عسى أن يقوموا .... وهكذا.
أما عند النقص فى: "عسى" و "اخلولق"، فلا بد أن يتصل بآخرهما ضمير مطابق للاسم السابق فتكونا ناقصتين. فإن لم يتصل بهما ضمير، وأسْندتا إلى: "أنْ" والمضارع الذى فاعله ضمير، فهما تامتان، - كما سلف - والمصدر المؤول فاعلهما. ففى حالة النقص نقول: الرجل عسى أن يقوم - الرجلان عسيا أن يقوما - الرجال عَسْوا أن يقوموا. البنت عست أن تقوم. البنتان عَسَتا أن تقوما - النساء عَسيْن أن يقمن ... و ...
فإن كان فاعل المضارع (أو مرفوعه) اسماً ظاهراً جاز فى كل منهما أن تكون تامة، وأن تكون ناقصة؛ فعند التمام يكون المصدر المؤول من "أنْ" والمضارع مع مرفوعه الظاهر - فاعلا للناسخ، وعند النقص لا يكون الاسم الظاهر المتأخر مرفوعاً للمضارع، بل يصير هو اسم الناسخ ويكون الخبر هو: المصدر المؤول من "أنْ" والمضارع مع مرفوعه الفاعل أو ما يغنى عن الفاعل.
وكل هذا يصح فى: "اخلولق" أيضاً.
زيادة وتفصيل:
إذا وقعت "عسى" ومثلها: "اخلولق" و "أوشك" بعد اسم ظاهر مرفوع وليس بعدها فى الجملة اسم ظاهر ولا ضمير بارز؛ مثل: الصديق عسى أن يحضر. جاز أمران:
ا- أن تخلو "عسى" من ضمير مستتر فيها أو بارز، فتكون تامة. فاعلها هو المصدر المؤول بعدها من "أن" والمضارع مع مرفوعه المستتر، والجملة من "عسى" ومرفوعها فى محل رفع خبر المبتدأ الذى قبلها وهو: (الصديق). ونحو: المحمدان عسى أن يتقدما. المحمدون عسى أن يتقدموا. البنات عسى أن يتقدمن.
ب- وجاز أن تكون ناقصة، فتشتمل على ضمير مستتر أو بارز هو اسمها يعود على المبتدأ السابق عليها ويطابقه فى التذكير والتأنيث، وفى الإفراد وفروعه، وخبرها هو المصدر المؤول من "أن" والمضارع مع مرفوعه المستتر أو البارز. والجملة منها ومن اسمها وخبرها فى محل رفع خبر المبتدأ الذى قبلها؛ مثل: محمد عسى أن يحضر - المحمدان عسيا أن يحضُرا - المحمدون عَسوْا أن يحضُروا - النساء عسَين أن يحضُرْن... - كما تقدم -.
أما إذا تأخر ذلك الاسم المرفوع بحيث يقع بعد المضارع المسبوق بأن المصدرية كما فى المثال: عسى أن يحضر الوالد - فيجوز أربعة أوجه.
الأول - أن يكون الاسم المتأخر مبتدأ (وهو مع تأخره فى اللفظ متقدم فى الرتبة). "عسى" فعل ماض تام، وفاعله هو المصدر المؤول من "أنْ" ومن المضارع مع مرفوعه المستتر، والجملة من "عسى" وفاعلهما فى محل رفع خبر المبتدأ المتأخر.
الثانى: أن يكون الاسم المتأخر مبتدأ مع تأخره. "عسى" فعل ماض ناقص، اسمها ضمير مستتر تقديره: "هو" يعود على المبتدأ، المتأخر فى اللفظ، المتقدم فى الرتبة، ويطابقه؛ وخبرها هو المصدر المؤول من "أن" والمضارع مع مرفوعه المستتر. والجملة من "عسى" واسمها وخبرها فى محل رفع خبر المبتدأ المتأخر.
الثالث: أن تكون "عسى" تامة وفاعلها هو المصدر المؤول بعدها من "أن" والفعل المضارع مع مرفوعه، ومرفوعه هو الاسم الظاهر بعده. (الولد).
الرابع: أن تكون "عسى" ناقصة واسمها هو: الاسم الظاهر المتأخر (الوالد). وخبرها هو المصدر المؤول من أن والفعل المضارع ومرفوعه المستتر.
وتشترك "اخلولق" و "أوشك" مع "عسى" فى كل ما سبق من الحالات...
(ب) سبق أنه لا يجوز فى أفعال الرجاء أن يتقدم خبرها عليها، كما لا يجوز - فى رأى - أن يتوسط بينها وبين اسمها إن كان المضارع مقترناً "بأن". ويجوز حذف خبرها للعمل به.
والأكثر فى "عسى" أن تكون للرجاء. وقد تكون للإشفاق (أى: الخوف من وقوع أمر مكروه) مثل قوله تعالى: {وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم} - كما سبق فى رقم 2 من هامش ص 563 وكما يجئ فى رقم1 من هامش ص 575.
(حـ) إذا أسند الفعل: "عسى" لضمير رفع المتكلم أو المخاطب جاز فتح السين وكسرها؛ نحو: عسِيَت أن أسْلَمَ من المرض، وعسيَت أن تفوز بالغنى، وعَسِيتما ... وعَسِيتم ... وعَسين ... والفتح أشهر.
(د) فى مثل: عسانَى أزورك - عساك تزورنى، عساه يزورنا من كل تركيب وقع فيه بعد "عسى" الضمير: "الياء" أو "الكاف" أو "الهاء" وهى ضمائر ليست للرفع - تكون: "عسى" حرفاً للرجاء، بمعنى: "لعل" وتعمل عملها، وهذا أيسر الآراء كما سبق. ويجوز اعتبار "عسى" من أخوات "كان" وهذا الضمير فى محل رفع اسمها. ولا يكون كذلك فى غير هذا الموضع والأفضل الإعراب الأول، والاقتصار عليه أحسن.
(هـ) فى مثل: عسى أن يتلطف الطبيب مع المريض - يوجب النحاة إعراب كلمة: "الطبيب" فاعلا للفعل: "يتلطف". ولا يجيزون أن تكون مبتدأ متأخراً، ولا اسماً لعسى الناقصة، ولا غير ذلك. وحجتهم فى المنع أن إعرابها بغير الفاعلية للفعل: "يتلطف" يؤدى إلى وجود كلمة أجنبية فى وسط صلة "أنْ" فمن الخطأ إعراب أن "مصدرية" "يتلطف" مضارع منصوب بها، وفاعله ضمير مستتر تقديره: "هو" يعود على "الطبيب" المتأخر فى اللفظ؛ دون الرتبة؛ وعلة الخطا أن كلمة: "الطبيب" سواء أكانت مبتدأ متأخراً، أم اسماً لعسى، قد وقعت غريبة بين أجزاء صلة "أنْ" لأنها ليست من تلك الصلة، وفصَلتْ بين تلك الأجزاء. ولا يجوز الفصل بأجنبى فى تلك الصلة. ومثل هذا قالوا: فى إعراب كلمة: "رَبّ"، فى قوله تعالى: {عسى أن يبعثك رَبك مقاماً محمودًا} مع إعراب: "مقاماً" ظرف.
و- من الاستعمالات الصحيحة وقوع اللفظ: "حَرًى" اسماً منوناً مع ملازمته الإفراد والتذكير فى جميع حالاته؛ نحو: الصانع حَرًى أن يُكرَم - الصانعان حرًى أنْ يُكرَما - الصانعون حَرًى أن يكرموا - الصانعة حَرًى أن تكرم - الصانعتان حَرًى أن تكرما - الصانعات حرى أنْ يكرمن ... ولفظ: "حَرًى" فى كل الاستعمالات السابقة مصدر معناه: جدير وحقيق؛ فهو مصدر بمعنى الوصف، والأحسن أن يكون مصدراً لفعل تام متصرف ليس فى "أفعال الرجاء" هو الفعل: حَرِىَ - يَحْرَى - حَرًى. وقد يجئ من هذا الفعل التام المتصرف وصف مشتق على: "حَرِىّ" (وزان: غَنِيّ)، وعلى: حَرٍ (وزان: صَدٍ بمعنى: ظمآن) وهذان الوصفان هما صفتان مشبهتان ولا يلتزمان صيغة واحدة، وإنما تلحقهما علامة التثنية والجمع، والتذكير والتأنيث فيقال: المكافح حَرِىّ أو حَرٍ أن يفوز - المكافحات حريَّان، أو حَريَان أن يفوزا - المكافحون حريُّون أو حريُون أن يفوزوا - المكافحة حريَّة أو حَرِيةٌ ... المكافحتان حرِّيتَان أو حَرِيتَان ... المكافحات حَرِيَّات أو حَرِيَات...
النصوص الواردة في ( كتاب النحو الوافي / عباس حسن ) ضمن الموضوع ( باب الحروف الناسخة: ("إنّ" وأخواتها.) ) ضمن العنوان ( المسألة 51: أوجه الاختلاف بينها وبين "كان" وأخواتها )


يراد بالحروف الناسخة هنا - سبعة أحرف لا شك فى حرفيتها، وهي:
( 1 )














المرءُ مخبوءٌ تحت لسانه
النظافةُ وِقايةٌ من المرض - إنّ المرءَ مخبوءٌ تحت لسانه
- إن النظافةَ وِقايةٌ من المرض 1- إنّ، بكسر الهمزة مع تشديد النون
( 2 )














الغضبُ بلاءٌ على صاحبه
العملُ وسيلةُ الرزق - ثبت أنَّ الغضبَ بلاءٌ على صاحبه
- عرفتُ أنَّ العمل وسيلةُ الرِزق 2- أنّ، بفتح الهمزة مع تشديد النون
( 3 )














الصمتُ حسنٌ
الرياضةُ مفيدةٌ - الصمتُ حسنٌ، لكنَّ الكلامَ أحسنُ منه أحياناً
- الرياضةُ مفيدةٌ، لكنَّ الإسرافَ فيها ضارّ 3- لكنّ: بتشديد النون
( 4 )














وجهُ القط كوجه الأسد
البَرَدُ كالملح فى الشكل - كأنَّ وجهَ القط وجهُ أسد
- كأنّ البردَ مِلْحٌ 4- كأنّ: بتشديد النون
( 5 )














الاستعمار زائلٌ
الاستبدادُ صريعٌ - ليتَ الاستعمارَ زائلٌ
- ليتَ الاستبدادَ صريعٌ 5- ليتَ
( 6 )














الغائبُ قادمٌ
الصديقُ وفىٌّ - لعلّ الغائبَ قادِمٌ
- لعلّ الصديقَ وفىٌّ 6- لعل
( 7 )














مُهملُ عمله خاسرٌ
خائنُ وطنهِ معذبٌ - لا مهملاً فى عمله كاسبٌ
- لا خائنَ وطنه مطمئنٌّ 7- لا - (وسيجئ لها باب مستقل)
وكل واحد من هذه السبعة يدخل على المبتدأ والخبر بأنواعهما وأحوالهما؛ فيتناولهما بالتغيير فى اسمهما، وفى شئ من ضبط آخرهما؛ إذ يصير المبتدأ منصوباً، ويسمى: اسم الناسخ، ويبقى الخبر مرفوعاً، ويسمى؛ خبر الناسخ، كالأمثلة المذكورة.
ولكل واحد من تلك الحروف معنى خاص يغلب فيه؛ فالغالب فى: "إنّ" و أنّ": التوكيد، وفى "لكنّ" الاستدراك ولا بد أن يسبقها كلام له صلة معنوية بمعموليها. وفى: "كأن": التشبيه؛ وفى: "ليت" التمنى. وفى: "لعل" الترجى والتوقع. وقد تكون للإشفاق.
شروط إعمالها:
ا- يشترط لعملها ألا تتصل بها: "ما" الزائدة. فإن اتصلت بها "ما" الزائدة - وتسمَّة: "ما" الكافَّة - منعتها من العمل، وأباحت دخولها على الجمل الفعلية بعد أن كانت مختصة بالاسمية. إلا: "ليت" فيجوز إهمالها وإعمالها عند اتصالها بكلمة "ما" السالفة؛ فيجب الإهمال فى مثل: إنما الأمين صديقٌ، ولكنما الخائن عدوّ، وفى مثل قول الشاعر يصف حصاناً ببياض وجهه، وسواد ظهره:
*وكأنما انفَجر الصباح بوجهه * حسْنًا، أو احْتَبَسَ الظلامُ بِمَتْنِهِ*
ويجوز الأمران مع: "ليت" مثل: ليتما علىّ حاضرٌ، أو: لَيّما عَليَا حاضرٌ، وهى فى الحالتين مختصة بالجمل الاسمية.
ب- يشترط فى اسمها شروط، أهمها:
ألا يكون من الكلمات التى تلازم استعمالاً واحداً، وضبطا واحداً لا يتغير؛ كالكلمات التى تلازم الرفع على الابتداء، فلا تخرج عنه إلى غيره؛ ككلمة: "طُوبَى" وأشباهها - فى مثل: طوبى للمجاهد فى سبيل الله. - فإنها لا تكون إلا مبتدأ.
وألا يكون من الكلمات الملازمة للصدارة في جملتها، إما بنفسها مباشرة؛ كأسماء الشرط، و: "كم"....، وإما بسبب غيرها؛ كالمضاف إلى ما يجب تصديره؛ مثل: صاحِبُ مَنْ أنت؟ فكلاهما لا يصلح أسماً.
والسبب: هو أن هذه الحروف الناسخة ملازمة للصدارة فى جملتها (ما عدا "أنّ" فإذا كان اسم واحد منها ملازماً للصدارة وقع بينهما التعارض. ولهذا كان من شروط إعمالها - أيضاً - أن يتأخر اسمها وخبرها عنها.
وألا يكون اسمها فى الأصل مبتدأ واجب الحذف؛ كالمبتدأ الذى خبره فى الأصل نعت، ثم انقطع عن النعت إلى الخبر؛ نحو: عرفت محموداً العالمُ.
حـ- ويشترط فى خبرها ألا يكون إنشائيًّا، (إلا الإنشاء المشتمل على: "نِعْم" و "بِئْس" وأخواتهما من أفعال المدح والذم) فلا يصح: إن المريض ساعدْهُ. وليت البائسَ لا تُهنْه ... ويصح: إن الأمين نِعْم الرجل، وإن الخائن بئس الإنسان.
وكذلك يشترط فى خبرها إذا كان مفرداً أو جملة - أن يتأخر عن اسمها، فيجب مراعاة الترتيب بينهما؛ بتقديم الاسم وتأخير الخبر، نحو: إن الحقَّ غَلاّب - إن العظائم كفؤُها العظماءُ - إن كبارَ النفوسِ ينفرون من صغائر الأمور، وقول الشاعر:
*إن الأمينَ - إذا استعان بخائن - * كان الأمينُ شريكَه فى المأثِم*
فلو تقدم هذا الخبر لم تعمل، بل لم يكن الأسلوب صحيحاً. وهذا الشرط يقتضى عدم تقدمه على الناسخ من باب أوْلى.
أما إذا كان الخبر غير مفرد وغير جملة، بأن كان شبه جملة: (ظرفاً أو جاراً مع مجروره). فيجوز أن يتقدم على الاسم فقط، فيتوسطه بينه وبين الناسخ عند عدم وجود مانع، نحو؛ إن فى السماء عبرةً، وإن فى دراستها عجائبَ. وقول الشاعر:
*إنّ من الحلْم دلاًّ أنت عارِفُهُ * والحِلْمُ عن قُدرَةٍ فضلٌ من الكرم*
ومثل: إن هنا رفاقاً كراماً، وإن معنا إخواناً أبراراً. وقولهم فى وصف رجل: كانَ والله سمْحاً سهْلا، كأنّ بيْنه وبين القلوب نَسَبا، أو: بينه وبين الحياة سبباً. فإن وُجِد مانع لم يجز تقدمه؛ كوجود لام الابتداء فى نحو: إن الشجاعة لفى قول الحق: حيثَ لا يجوز تقديمه وفيه لام الابتداء...
وهناك حالة يجب فيها تقديمه؛ هى: أن يكون فى الاسم ضمير يعود على شئ فى الخبر الجار والمجرور؛ مثل: إن فى الحقل رجالَه، وإن فى المصنع عمالَه. فاسم الناسخ (رجال وعمال) مشتمل على ضمير يعود على بعض الخبر؛ (أى: على الحقل، والمصنع)؛ ولو تأخر الخبر لعاد ذلك الضمير على متأخر فى اللفظ وفى الرتبة معاً؛ وهو ممنوع هنا.
ومما تقدم نعلم أن للخبر - فى هذا الباب - ثلاثة أحوال من ناحية تقديمه، أو تأخيره على الاسم.
الأولى: وجوب تأخيره إذا لم يكن شبه جملة، وكذلك إن كان شبه جملة جارا مع مجروره، ولا يعود على المجرور ضمير من الاسم.
الثانية: وجوب تقديمه إذا كان شبه جملة، جارا مع مجروره، وكان الاسم مشتملا على ضمير يعود على المجرور (أى: علىَ بعض الخبر الجار مع مجروره).
الثالثة: جواز الأمرين إذا كان شبه جملة، - غير ما سلف - ولم يمنع من التقدم مانع.
أما معمول الخبر (مثل: إن المتعلم قارئ كتابك، وإنه منتفع بعلمك،) فلا يجوز تقديمه على الحرف الناسخ، لكن يجوز تقديمه على الخبر مطلقاً (أى: سواء أكان المعمول شبه جملة، أم غير شبهها، فتقول: إن المتعلم - كتابَك - "قارئُ، وإنه - بعلمك - منتفع. ففى الجملة الأولى تقدم المعمول: "كتابَك" وليس بشبه جملة؛ وفى الثانية تقدم المعمول شبه الجملة، وهو الجار والمجرور: "بعلم.
كما يصح تقديم معمول الخبر على الاسم والتوسط بينه وبين الناسخ فى حالة واحدة، هى: أن يكون المعمول شبه جملة؛ نحو: إن فى المهد الطفلَ نائم - إن بيننا الودَّ راسخ.
ويؤخذ من كل ما سبق: أنه لا يجوز أن يفصل بين الحرف الناسخ واسمه فاصل إلا الخبر شبه الجملة الذى يصح تقديمه، أو معمول الخبر إذا كان المعمول شبه جملة أيضا الجملة كذلك، كما لا يجوز أن يتقدم على الحرف الناسخ اسمه، أو خبره، أو معمول أحدهما.
زيادة وتفصيل:
ا- قد يحذف الحرف الناسخ مع معموليه أو أحدهما، ويظل ملحوظاً تتجه إليه النية؛ كأنه موجود. وأكثر ما يكون الحذف فى إنّ (المكسورة الهمزة المشدّدة النون)، ومنه قوله تعالى: {أي شركائي الذين كنتم تزعمون} بناء على أن التقدير: تزعمون أنهم شركائى. وقد تحذف مع الخبر ويبقى الاسم، وقد تحذف وحدها ويبقى اسمها وخبرها، وقد يحذف أحدهما فقط، وكل ذلك مع ملاحظة المحذوف ولا يصح شئ مما سبق إذا إذا قامت قرينة تدل على المحذوف مع عدم تأثر المعنى بالحذف، وهذه قاعدة لغوية عامة أشرنا إليها من قبل)؛ هى جواز حذف ما لا يتأثر المعنى بحذفه. بشرط أن تقوم قرينة تدل عليه).
وقد يجب حذف خبر "إن" إذا سَدّ مسده واو المعية، نحو: إنك وخيراً، أى: إنك مع خير، أو سد مسده الحال، نحو: قول الشاعر:
*إنَّ اختيارك ما تبغيه ذائقةٍ * بالله مستظهراً بالحزم والجدّ*
أو مصدراً مكرراً؛ نحو: إن الفائدة سيراً سيراً.
وتختص: "ليت" بالاستغناء عن معموليها، وبأحكام أخرى سبقت شروطها وتفصيلاتها فى رقم 1 من هامش ص 574.
ب- الأنسب الأخذ بالرأى القائل بجواز تعدد الخبر فى هذا الباب على الوجه الذى سبق إيضاحه فى تعدد خبر المبتدأ ص 480، لأن التعدد هنا وهناك أمر تشتد إليه حاجة المعنى أحياناً.
حـ- من العرب من ينصب بهذه الحروف المعمولين؛ كما تنطق الشواهد الواردة به. لكن لا يصح القياس عليها فى عصرنا؛ منعاً لفوضى التعبير والإبانة، وإنما نذكر رأيهم - كعادتنا فى نظائره - ليعرفه المتخصصون فيكشفوا به، فى غير حيرة ولا اضطراب - ما يصادفهم من شواهد قديمة وردت مطابقة له مع ابتعادهم عن محاكاتها.
النصوص الواردة في ( كتاب النحو الوافي / عباس حسن ) ضمن الموضوع ( باب الحروف الناسخة: ("إنّ" وأخواتها.) ) ضمن العنوان ( المسألة 52: فتح همزة: "إن"، وكسرها )


لهمزة "إنّ" ثلاثة أحوال، وجوب الفتح، ووجوب الكسر، وجواز الأمرين.
الحالة الأولى:
يجب فتحها فى موضع واحد، هو: أن تقع مع معموليها جزءا من جملة مفتقرة إلى اسم مرفوع، أو منصوب، أو مجرور، ولا سبيل للحصول على ذلك الاسم إلا من طريق مصدر منسبك من "أنّ" مع معموليها. ففى مثل: شاع أن المعادنَ كثيرةٌ فى بلادنا. سرنى أنك بارٌّ بأهلك - لا نجد فاعلا للفعل: "شاع" ولا للفعل: "سَرَّ" مع حاجة كل فعل للفاعل، ولا وسيلة للوصول إليه إلا بسبك مصدر مؤول من: "أنّ" مع معموليها؛ فيكون التقدير: شاع كثرةُ المعادِن فى بلادنا - سرنى برُّك بأهلك وكذلك الفعل: "زاد" فى قول القائل:
*لقد زادنى حُبًّا لنفْسِىَ أننى * بغيضٌ إلىّ كل امرئٍ غير طائلِ*
وفى مثل: عرفت أن المدن مزدحمة - سمعت أن البحار ممتلئةً بالأحياء ... نجد الفعل: "عرف" محتاجاً لمفعول به، وكذلك الفعل: "سمع". فأين المفعولان؟ لا نتوصل إليهما إلا بسبك مصدر مؤول من: "أن" مع معموليها؛ فيكون التقدير: عرفت ازدحامَ المدنِ - سمعت امتلاءَ البحارِ بالأحياء.
وفى مثل: تألمت من أن الصديقَ مريضٌ - فرحت بأن العربىَّ مخلصٌ للعروبة...، نجد حرف الجر: "مِنْ" ليس له مجرور، وكذلك حرف الجر: "الباء" وهذا غيرُ جائز فى العربية. فلا مفر من أن يكون المصدر المنسبك من "أنّ" مع معموليها فى الجملة الأولى هو المجرور بالحرف: "منْ" وفى الجملة الثانية هو المجرور "بالباء". والتقدير: تألمت من مرضِ الصديقِ - وفرِحتُ بإخلاص العربىِّ للعروبة ... وهكذا كل جملة تتطلب اسماً لها، ولا سبيل لإيجاده إلا من طريق مصدر منسبك من "أنّ" مع معموليها.
ومن الأمثلة غير ما سبق: "حَقا، أنك متعلمٌ رَفْعٌ لقدرك" - "المعروف أن التعلم نافع". فالمصدر المؤول فى الجملة الأولى مبتدأ، والتقدير: تَعَلمُك رفعٌ لقدرك، أما فى الجملة الثانية فهو خبر، والتقدير: المعروف نَفْعُ التعلم.
ومثله المصدر المؤول بعد: "لولا" حيث يحب فتح همزة "أنّ" نحو: لولا أنك مخلص لقاطعتك. والتقدير: لولا إخلاصك حاصل لقاطعتك.
ومما سبق نعلم أن المصدر المؤول يجئ لإكمال النقص، فيكون فاعلا، أو نائبه، أو مفعولا به، أو مبتدأ، أو خبراً. وقد يكون غير ذلك. كما نفهم المراد من قول النحاة: يجب فتح همزة: "أن" إذا تحتم تقديرها مع معموليها بمصدر يقع فى محل رفع، أو نصب، أو جر.
زيادة وتفصيل:
ا- "أنّ" - مفتوحة الهمزة، مشددة النون - معناها التوكيد - كما شرحنا - وهى مع اسمها وخبرها تؤول بمصدر معمول لعامل محتاج له، فمن الواجب أن يكون الفعل - وغيره مما هى معمولة له - مطابقاً لها فى المعنى؛ بأن يكون من الألفاظ الدالة على العلم واليقين؛ لكيلا قع التعارض والتناقض بينهما (أى: بين ما يدل عليه العامل، وما يدل عليه المعمول) وهذا هو ما جرت عليه الأساليب الفصيحة حيث يتقدمها ما يدل على اليقين والقطع: مثل: اعتقدت، علمت، ووثِقْت، تيقتنت، اعتقادى... ولا يقع قبلها شئ من ألفاظ الطمع، والإشفاق، والرجاء ... مثل: أردت، اشتهيت، وددْتُ... وغيرها من الألفاظ التى يجوز أن يوجد ما بعدها أوْ لا يوجد؛ والتى لا يقع بعدها إلا "أنْ" الناصبة للمضارع. وهذه لا تأكيد فيها ولا شبه تأكيد؛ فتقول أرجو أن تحسن إلى الضعيف، وأرغب أن تعاون المحتاج. وكالتى فى الآية الكريمة: {والذي أطمعُ أنْ يغْفِرَ لي خطيئتي يوم الدين}. وما ذكرناه فى "أنّ" المشدّدة يسرى على: "أنّ" المفتوحة الهمزة المخففة من الثقيلة؛ فكلاهما فى الحكم سواء، نحو قوله تعالى {علمَ أنْ سيكونُ منكم مرضى}.
ومن الألفاظ ما لا يدل على اليقين ولا على الطمع والإشفاق ولكن يقع بعده "أنْ" المشددة والمخففة الناسختان كما يقع بعده "أنْ" التى تنصب الفعل المضارع. وذلك النوع من الألفاظ هو ما يدل على الظن؛ مثل: ظننت، وحسبت، وخلْت. ومعنى الظن: أن يتعارض الدليلان، ويرجح أحدهما الآخر. وقد يقوى الترجيحُ فيستعمل اللفظ بمعنى اليقين؛ نحو قوله تعالى: {الذين يظنون أنهم مُلاقو ربهم}، وقد يضعف حتى يصير مشكوكاً فى وجوده: كأفعال الرجاء والطمع وألفاظهما الأخرى...
ب- لا تكون "أنّ" (المفتوحة الهمزة. المشدة النون) مستقلة بنفسها مع معموليها: فلا بد أن تطون معهما جزءاً من جملة أخرى... غير أنه لا يجوز أن يقع المصدر المؤول من: "أن ومعموليها" اسماً لأختها المكسورة الهمزة. فإذا أريد ذلك وجب الفصل بينهما بالخبر، فيتقدم بشرط أن يكون شبه جملة نحو: إن عندى أن التجربة خيرُ مرشد. إن فى الكتب السماوية أن الرسل هداةٌ للناس ... وقد سبق أنه يجوز وقوع "أنّ" مع معموليها اسماً للأحرف الناسخة - ومنها: أن - (أى: أن يكون المصدر المؤول اسماً للحرف الناسخ) بشرط أن يتقدم عليه الخبر شبه الجملة.
حـ - أشرنا - فى ص 181 - إلى بعض مواضع المصدر المؤول من "أنّ ومعموليها". وقد يقع فاعلا لفعل ظاهر كما رأينا أو مقدر؛ نحو: اسمع ما أنَّ الخطيب يخطب. أى: ما ثبت أن الخطيب يخطب، (مدة ثبوت خطبته) وذلك لأن "ما" المصدرية الظرفية لا تدخل - فى أشهر الآراء - على الجملة الاسمية المبدوءة بحرف مصدرى. ومثلها العبارة المأثورة: "لا أكلم الظالم ما أنّ فى السماء نجماً. أى: ما ثبت أن فى السماء نجماً...".
ومن الفعل المقدر أيضاً أن يقع ذلك المصدر المؤول بع: "لو" الشرطية؛ نحو: لو أنك حضرت لأكرمتك: فالمصدر المؤول فاعل محذوف، والتقدير: لو ثبت حضورك... لأن "لو" شرطية لا تدخل إلا على الفعل فى الرأى المشهور. والأخذ به أولى من الرأى القائل: إن المصدر المؤول مبتدأ خبره محذوف وجوباً، أو مبتدأ لا يحتاج إلى خبر. لأن فيهما تكلفاً وبعداً.
وقد يقع ذلك المصدر نائب فاعل، نحو قوله تعالى: {قُلْ أوحِيَ إليّ أنَّهُ اسْتَمَع نَفرٌ منَ الجنّ...}،وقد يقع خبراً عن مبتدأ الآن، كالأمثلة السالفة، أو بحسب الأصل: نحو: كان عندى أنك مقيم. لكن يشترط فى المبتدأ الذى يقع خبره هذا المصدر المؤول، ثلاثة شروط:
1- أن يكون اسم معنى؛ نحو: الإنصاف أنك تُسَوّى بين أصحاب الحقوق؛ فلا يصح: الأسد أنه ملك الوحوش، بفتح الهمزة. بل يجب كسرها - كما سيجئ-.
2- وأن يكون غير قول؛ فلا يجب الفتح فى مثل: قولى: أن البطالة مهلكة.
3- وأن يكون محتاجاً للخبر المؤول من "أنّ" ومعموليها ليكمل معه المعنى الأساسى للجملة، من غير أن يكون المبتدأ داخلا فى معنى الخبر؛ (أى: من غير أن يكون معنى الخبر صادقاً عليه)، نحو: اعتقادى أنك نزيه. فكلمة: اعتقادى. مبتدأ يحتاج إلى خبر يتمم المعنى الأساسي. فجاء المصدر المؤول ليتممه. والتقدير: "اعتقادى نزاهتك"، فالخبر هنا يختلف فى معناه عن المبتدأ اختلافاً واضحاً. فإن كان المصدر المؤول من: "أن مع معموليها" ليس هو محط الفائدة الأصلية، (أى: ليس المقصود بتكملة المعنى الأساسى؛ كأن يكون معناه منطبقاً على المبتدأ وصادقاً عليه) فإنه لا يعرب خبراً، بل الخبر غيره. كما فى المثال السابق وهو: "اعتقادى أنك نزيه" إذا لم يكن القصد الإخبار بنزاهته والحكم عليها بها، وإنما القصد الإخبار بأن ذلك الاعتقاد حاصل واقع؛ فيكون المصدر المؤول مفعولا به للمبتدأ، والخبر محذوف؛ والتقدير - مثلا - اعتقادى نزاهتَك حاصل أو ثابت....، والمصدر المؤول فى هذا المثال ينطبق على المبتدأ، ويصدق عليه؛ لأن النزاهة هنا هى: الاعتقاد، والاعتقاد هو النزاهة... و ...
وقد يقع المصدر المؤول مفعولا لأجله؛ زرتك أنى أحبك، أو مفعولا معه، نحو: يسنرى قعودك هنا، وأنك تحدثنا. أو مستثنى؛ نحو: ترضينى أحوالك، إلا أنك تخلفَ الميعادَ. ويقع مضافاً إليه بشرط أن يكون المضاف مما يضاف إلى المفرد، لا إلى الجملة؛ مثل: سرنى عملك غير أن خطك ردئ. أى: غير رداءة خطك. فإن كان المضاف مما يضاف إلى الجملة وحدها وجب كسر الهمزة؛ مثل: حضرت حيث إنك دعوتنى، بكسر همزة: "إن" مراعاة للرأى الذى يحتم إضافة "حيث" للجمل، دون الرأى الآخر الذى يبيح إضافتها لغير الجملة.
ومثل المواضع السابقة ما عطف عليها؛ نحو قوله تعالى: {... اذكروا نعمتيَ التي أنعمتُ عليكم، وأني فضَّلتُكم...} فالمصدر المؤول وهو "تفضيلى" معطوف على المفعول به: "نعمة"، وكذلك ما أبدل منها؛ نحو قوله تعالى: {وإذ يَعِدُكُم اللهُ إحدى الطائفتين، أنها لكم...}، فالمصدر المؤول، وهو: استقرارها وكونها ... بدل من إحدى. وهكذا...
ولا يكون هذا المصدر المؤول مفعولا مطلقاً، ولا ظرفاً، ولا حالا، ولا تمييزاً ولا يسدد مسد "مفعول به" أصله خبر عن ذات، نحو: ظننت القادم إنه عالم. فلو فتحت الهمزة لكان المصدر المؤول من: "أنه عالم"؛ مفعولا ثانياً للفعل: "ظننت" مع أن أصل هذا المفعول خبر عن كلمة: "القادم" فيكون التقدير "القادم علِمْ" فيقع المعنى خبراً عن الجنة، وهذا مرفوض هنا إلا بتأويل لا يستساغ مع أنّ.
د- من الأساليب الفصحية: "أحقًّا أنَّ جيرتَنا استَقَلُّوا.... يريدون، أفى حق أن جيرتنا استقلوا. فكلمة: "حقًّا" ظرف زمان - فى الشائع -، والمصدر المنسبك من "أنّ" مع معموليها مبتدأ مؤخر. ولهذا وجب فتح همزة "أن". أى: أفى حق استقلال جيرتنا.
ويصح أن تكون كلمة؛ "حقًّا"، مفعولا مطلقاً محذوف تقديره: حَقَّ (بمعنى: ثَبَت) والمصدر المنسبك فاعله، أى: أحق حقًّا استقلال جيرتنا؟ وأحياناً يقولون: "أمَا أنّ جيرتنا استقلوا". فكلمة: "أمَا" (بتخفيف الميم) بمعنى: حقًّا، ويجب فتح همزة "أن" بعدها.
وخير ما ارتضوه فى إعرابها: أنها مركبة من كلمتين؛ فالهمزة للاستفهام. "ما" ظرف، بمعنى: شئ. ويراد بذلك الشئ: "حق" فالمعنى: "أحقًّا" وكلمة: "إما" مبنية على السكون فى محل نصب، وهى خبر مقدم، والمصدر المؤول مبتدأ مؤخر.
هـ- قد يَسُدّ المصدر المؤول من أنّ ومعموليها مسد المفعولين إن لم يوجد سواه، نحو: ظننت أن بعض الكواكب صالح للسكنى. وكذلك فى كل موضع تحتاج فيه الجملة إلى ما يكمل نقصها فلا جد غيره، مع عدم مانع يمنع منه...
و- أشرنا من قبل إلى وقوع: "أنَّ" المفتوحة الهمزة المشددة النون - للترجى، فتشارك "لعل" فى تأدية هذا المعنى وتحتاج إلى جملة اسمية بعدها؛ فترفع المبتدأ وتنصب الخبر ولا بد أ، يكون لها الصدارة فى جملتها. ولا يصح أن تسبك مع ما بها بمصدر مؤول؛ فهي تخالف "أنَّ" المفتوحة الهمزة، المشددة النون التى معناها التوكيد فى أمور: فى المعنى، وفى وجوب الصدارة، وفى منع السبك بمصدر مؤول.
الحالة الثانية:
يجب كسر همزة: "إن" فى كل موضع لا يصح أن تسبك فيه مع معموليها بمصدر؛ يجب الكسر فيما يأتى:
(1) أن تكون فى أول جملتها حقيقة، نحو: {إنَّا فَتَحْنا لك فتحاً مُبيناً}، وقول الشاعر يمدح محسناً:
*يُخفِى صنائعَه، واللهُ يُظهرها * إن الجميل إذا أخفيته ظهرَا*
وتعتبر فى أول جملتها حكماً إذا وقعت بعد حرف من حروف الاستفتاح؛ مثل: ألاَ، وأَمَا، نحو: ألاَ إن إنكار المعروف لؤم - أمَا إن الرشوة جريمة من الراشى والمُرتشى. ومثلهما الواو التى للاستئناف، كقول الشاعر:
*وإنى شِقِىٌّ باللئام ولا ترى * شَقِيًّا بهم إلا كريمَ الشمائِل*
وكذلك كل واو أخرى تقع بعدها جملة تامة.
فإن سبقها شىء من جملتها وجب الفتح، نحو: عندى أن الدّين وقاية من الشرور.
(2) أن تقع فى جملة الصلة، بحيث لا يسبقها شئ منها؛ نحو: أحترم الذى (إنه عزيز النفس عندى.)، وكذلك فى أول جملة الصفة التى موصوفها اسم ذات؛ نحو: أحِبُّ رجلا (إنه مفيد). وفى: أول جملة الحال أيضاً؛ نحو: أجِلُّ الرجلَ (إنه يعتمد على نفسه) وأُكْبِرُهُ (وإنه بعيد من الدنايا).
(3) أن تقع فى صدر جملة جواب القسم وفى خبرها اللام؛ سواء أكانت جملة القسم اسمية؛ نحو: لعمرك إن الحذر لمطلوب، أم كانت فعلية فعلُها مذكور؛ نحو: أحلف بالله إن العدلَ لمحبوب. أو غير مذكور، نحو: والله إن الظلم لوخيم العاقبة.
فإن لم تقع فى خبرها اللام لم يجب كسر الهمزة إلا إذا كانت جملة القسم جملة فعلية فعلها محذوف؛ نحو: والله إن السياحة مفيدة.
يتضح مما سلف أن الكسر واجب فى كل الحالات التى تظهر فيها اللام فى خبر "إنّ". وكذلك فى الحالة التى تحذف فيها تلك اللام من الخبر بشرط أن تكون جملة القسم فعلية، قد حذف فعلها.
(4) أن تقع فى صدر جملة محكيَّة بالقول (لأن المحكىّ بالقول لا يكون إلا جملة، - فى الأغلب - بشرط ألا يكون القول بمعنى الظن). فتكسر وجوباً فى مثل: قال عليه السلام: (إن الدّين يُسْرٌ). ويقول الحكماء: "إن المبالغة فى التشدد مَدْعاةٌ للنفور"، (فقل للمتشددين: "إن الاعتدال خير")، وكذلك فى الشطر الثانى من بيت الشاعر:
*تُعَيّرنا أنَّا قليلٌ عَدِيدنا * فقلتُ لها: إنّ الكرام قليلُ*
فإن وجد القول ولم تكن محكية به بل كانت معمولة لغيره لم تكسر، نحو: أيها العالمُ، أخُصّك القول؛ إنك فاضل؛ أى: لأنك فاضل؛ فالمصدر المؤول معمول للام الجر، لا للقول. وكذلك لا تكسر إن كان القول بمعنى: الظن، بقرينة تدل على هذا المعنى فيعمل عمله فى نصب مفعولين. - نحو: أتقول المراصدُ أن الجو بارد فى الأسبوع المقبل؟ أى: أتظن (فتفتح مع أنها مع معموليها معمولة للقول؛ لأن القول هنا بمعنى "الظن" ينصب مفعولين فيكون المصدر المؤول منها ومن معموليها فى محل نصب يسدُّ مسدَّ المفعولين...).
(5) أن تقع بعد فعل من أفعال القلوب وقد علِّق عن العمل، بسبب وجود لام الابتداء فى خبرها؛ نحو: علمت إن الإسراف لطريق الفقر. فإن لم يكن فى خبرها اللام فتحت أو كسرت. نحو: علمت إن الرياءَ بلاءٌ - بفتح الهمزة، أو كسرها.
(6) أن تقع خبراً عن مبتدأ اسم ذات؛ نحو: الشجرة إنها مثمرة وقد يدخل على هذا المبتدأ ناسخ؛ ومنه قوله تعالى: {إنَّ الذين آمنوا، والذين هادُوا، والصابئن، والنصارى، والمجوس، والذين أشركوا - إن الله يَفْصِلْ بينْهم...}. زيادة وتفصيل:
ا- يَعْدّ بعض النحاة مواضع أخرى للكسر، منها: أن تقع "إنَّ" بعد كلمة "كلاّ" التى تفيد الاستفتاح؛ نحو: قوله تعالى: "كلاَّ، إن الإنسان لَيَطْغَى، أنْ رآه اسْتغنى...".
أو يقع فى خبرها اللام من غير وجود فعل للتعليق؛ نحو: إن ربك لسريع العقاب.
أو تقع بعد "حتى" التى تفيد الابتداء نحو: يتحرك الهواء، حتى إن الغصون تتراقص - تفيض الصحراء بالخير، حتى إنها تجود بالمعادن الكثيرة.
والتوابع لشئ من ذلك؛ نحو: إن النشاط محمود وإن الخمول داء...
والحق أن هذه المواضع ينطبق عليها الحكم الأول، وهو أنها واقعة فى مصدر جملتها؛ فلا يمنع من الحكم لها بالصدارة أن يكون لجملتها نوع اتصال معنوى - لا إعرابىّ - بجملة قبلها؛ كمثال: "حتى" السابق ... "وكلاَّ"، فى بعض الأحيان. أما اتصالها الإعرابىّ فيمنع كسرها إن كان ما قبلها محتاجاً إلى المصدر المؤول منها مع معموليها احتياجاً لا مناص منه، كما سبق.
الحالة الثالثة:
جواز الأمرين (أىْ: فتح همزة "إنّ" وكسرها.) وذلك فى مواضع، أشهرها:
(1) أن تقع بعد كلمة: "إذا" الدالة على المفاجأة، نحو: استيقظت فإذا إن الشمس طالعة، وفتحت النافذة، فإذا إن المطر نازل. فالكسر على اعتبار: "إذا" حرف - تبعاً للرأى الأسهل - مع وقوع "إن" فى صدر جملتها الاسمية المصَرّح بطرفيها؛ بأن يُذْكر بعدها اسمها وخبرها. والفتح على اعتبار "إذا" حرف أيضاً والمصدر المؤول من "أنّ" مع معموليها فى محل رفع مبتدأ، والخبر محذوف، والتقدير: استيقظت فإذا طلوع الشمس حاضر، وفتحت النافذة فإذا نزول المطر حاضر ... ويجوز اعتبار "إذا" الفجائية ظرف زمان أو مكان أيضاً، خبراً مقدماً. والمصدر المنسبك من "أنّ" ومعموليها مبتدأ مؤخر، والتقدير ففى المكان أو فى الوقت طلوع الشمس، أو نزول المطر...
(2)أن تقع فى صدر جملة القسم، وليس فى خبرها اللام؛ بشرط أن تكون جملة القسم اسمية؛ نحو: لعمْرك إن الرياء فاضحٌ أهلَه، أو فعلية فعلها مذكور؛ نحو: أقسم بالله أن الباغىَ هالكٌ ببغيه. بفتح الهمزة وكسرها فيهما، (فإن كان فعل القسم محذوفاً فالكسر واجب - كما سبق -؛ نحو: بالله إن الزكاة طهارة للنفس). فالكسر بعد جملة القسم الاسمية فى المثال الأول هو على اعتبار: "إنّ" فى صدر جملة؛ لأنها مع معموليها جملة الجواب لا محل لها من الإعراب. والفتح هو على اعتبار المصدر المؤول منصوب على نزع الخافض، وشبه الجملة سَد مَسَد جواب القسم، لا محل له. والتقدير: لعمرك قسمى على فضيحة الرياء أهلَه. وكذلك فى المثال الثانى بعد فعل القسم المذكور، فالكسر على اعتبار "إن" مع معموليها جملة الجواب لا محل لها، والفتح على اعتبار المصدر المؤول مجروراً بحرف جرّ محذوف؛ والتقدير: أقسم بالله على هلاك الباغي ببغيه. ويكون الجار مع المجرور قد سد مسد جملة الجواب؛ وأغْنَى عنه - كما سبق -.
(3) أن تقع بعد فعل من أفعال القلوب، وليس فى خبرها اللام، - طبقاً لما تقدم بيانه -؛ نحو: علمت أن الدِّين عاصمٌ من الزلل.
(4) أن تقع بعد فاء الجزاء، نحو: مَن يرضَ عن الجريمة فإنه شريك فى الإساءة. فكسر الهمزة على اعتبار "إنّ" مع معموليها جملة فى محل جزم جواب أداة الشرط: "منْ". وفتح الهمزة على اعتبار المصدر المؤول من أن ومعموليها فى محل رفع مبتدأ، خبره محذوف، أو خبر مبتدؤه محذوف. والتقدير: من يرض على الجريمة فشركته فى الإساءة حاصلة، أو: فالثابت شركته فى الإساءة...
(5) أن تقع بعد مبتدأ هو قول، أو فى معنى القول، وخبرها قول، أو فى معناه أيضاً، والقائل واحد، نحو: قولى: "إنى معترف بالفضل لأصحابه، وكلامى: إنى شاكر صنيع الأصدقاء". فقولى - وهو المبتدأ - مساو فى مدلوله لخبر "إن" وهو: معترف بالفضل، وخبر "إن" مساوية فى المداول كذلك؛ فهما فى المراد متساويات، وقائلهما واحد، وهو: المتكلم.
كذلك: "كلامى"، مبتدأ؛ معناه معنى خبر "إن": (شاكر صنيع الأصدقاء) وخبر "إن" معناه معنى المبتدأ؛ فالمراد منهما واحد، وقائلهما واحد. وهمزة "إنّ" فيهما يجوز كسرها عند قصد الحكاية؛ أى: ترديد الألفاظ ذاتها فتكون "إن" فيهما يجوز كسرها عند قصد الحكاية؛ أى: ترديد الألفاظ ذاتها فتكون "إن" مع معموليها جملة. وقعت خبراً. ومع أنها محكية بالقول نصا تعرب فى محل رفع خبر المبتدأ، ويجوز فتح الهمزة ذا لم تُقصَد "الحكاية"؛ وأنما يكون المقصود هو التعبير عن المعنى المصْدرىّ من غير تقيد مطلقاً بنَصّ العبارة الأولى المعينة، ولا بترديد الجملة السابقة بألفاظها الخاصة فيكون المصدر المؤول من أن مع معموليها فى محل رفع خبر المبتدأ، والتقدير: قولى، اعترافى بالفضل لأصحابه، وكلامى، شكرى صنيع الأصدقاء.
فإن لم يكن المبتدأ قولا أو ما فى معناه وجب الفتح، نحو: عملى أنى أزرع الحقل. والمصدر المنسبك خبر المبتدأ. ويجب الكسر إن لم يكن خبر "إن" قولا أو ما فى معناه، مثل كلمة: "مستريح" فى نحو: قولى إنى مستريح. أو لم يكن قائل المبتدأ وخبر "إن" واحداً؛ فلا يتساوى مدلول المبتدا والخبر، ولا يتوافقان؛ نحو: كلامى إن المريض يصرخ. ففى هاتين الحالتين يجب كسر الهمزة، وتكون "إنّ" مع معموليها جملة فى محل رفع خبر المبتدأ.
زيادة وتفصيل:
ا- سرد بعض النحاة مواضع أخرى يجوز فيها الأمران، ومن الممكن الاستغناء عن أكثرها؛ لفهمها مما سبق. فمما سردوه.
(1) أن تقع "أنّ" مع معموليها معطوفة على مفرد لا يفسدُ المعنى بالعطف عليه. نحو: سرّنى نبوغك، وإنك عالى المنزلة. فيجوز فتح همزة: "أنّ" فيكون المصدر المؤول معطوفاً على نبوغ، والتقدير: سرنى نبوغك وعلو منزلتك. والمعنى هنا لا يفسد بالعطف. ويجوز كسر الهمزة فتكون "إن" فى صدر جملة مستقلة. ومثال ما يفسد فيه المعنى بالعطف فلا يصح فتح الهمزة: لى بيت، وإن أخى كثير الزروع. فلو فتحت الهمزة لكان المصدر المؤول معطوفاً على "بيت" والتقدير: لى بيت وكثرة زروع أخى، وهو معنى فاسد، لأنه غير المراد إذا كان المتكلم لا يملك شيئاً من تلك الزروع. ومثله ما نقله النحاة: "إن لى مالا. وإن عمْراً ناضل" إذ يترتب عليه أن يكون المعنى: إن لى مالا وفضل عمْرو. وهو معنى غير المقصود.
(2) أن تقع بعد "حتى"، فتكسر بعد "حتى" الابتدائية - كما سبق - فى مثل: تتحرك الريح حتى إن الغصون تتراقص ... لوقوعها فى صدر جملة. وتفتح إذا وقعت بعد "حتى" العاطفة، أو الجارة، نحو: عرفت أمورك حتى أنك مسابق، أى: حتى مسابقتَك، بالنصب على العطف، أو بالجر والأداة فيهما: "حتى".
(3) أن تقع بعد "أمّا" (المخففة الميم)، نحو: أمّا إنك فصيح، فتكسر إن كانت "أمَا" حرف استفتاح وتفتح إن كانت بمعنى: "حقًّا" - كما سبق -.
(4) أن تقع بعد. لا جرم، نحو: لا جرم أن الله ينتقمُ للمظلوم.
(5) أن تقع فى موضع التعليل، نحو قوله: (إنَّا كنَّا ندعوه منْ قبلُ، إنه هو البر الرحيم) قرئ بفتح الهمزة، على تقدير لام التعليل؛ أى: لأنه هو البر الرحيم. وقرئ بكسر الهمزة على اعتبار: "إن" فى صدر جملة جديدة. ومثله قوله تعالى: {وصَلِّ عليهم. إن صلاتكَ سكن لهم}. فالفتح على تقدير لام التعليل، أى: لأن صلاتك سكن لهم، والكسر على اعتبار: "إنّ" فى صدر جملة جديدة...
(6) وقوعها بعد "أىْ" المفسرة؛ نحو: سرنى ابتداعك المفيد، أى: أنك تبتكر شيئا جديداً نافعاً.
(7) أن تقع بعد حيث الظرفية، نحو: أزورك حيث إنك مقيم فى بلدك بفتح الهمزة وبكسرها، فالفتح على اعتبار الظرف: "حيث" داخله على الفرد المضاف إليه وهو المصدر الأول. والكسر على اعتبارها داخلة على المضاف إليه الجملة، وهذا هو الأفصح؛ إذ الأغلب فى "حيث" أن تضاف للجملة.
النصوص الواردة في ( كتاب النحو الوافي / عباس حسن ) ضمن الموضوع ( باب الحروف الناسخة: ("إنّ" وأخواتها.) ) ضمن العنوان ( المسألة 53: لام الابتداء، فائدتها، مواضعها. )


حين نقول: أصل الماس فحم، أو: بعض الحيوانات بَرِّىٌّ بحْرِىٌّ - قد يشك السامع فى صدق الكلام، أو ينكره؛ فنلجأ إلى الوسائل التى ترشد إليها اللغة لتقوية معنى الجملة، وتأكيد مضمونها، وإزالة الشك عنها أو الإنكار. ومن هذه الوسائل تكرار الجملة. لكن التكرار قد تَنفرُ منه النفس أحياناً. فنعدلُ عنه إلى وسائل تكرار الجملة. لكن التكرار قد تَنفرُ منه النفس أحياناً. فنعدلُ عنه إلى وسائل أخرى لها مزية التكرار فى تأكيد معنى الجملة، كالقسم، أو: "إنّ" فنقول: والله أصل الماس فحم. إن بعض الحيوانات برّى بحْرىّ. أو: لام الابتداء وتدخل على المبتدأ كثيراً (ولهذا سميت: لام الابتداء)، نحو: لرجلٌ فقير يعمل، أنفعُ لبلاده من غنى لا يعمل. ليدٌ كاسبةٌ خيرٌ من يد عاطلة. وتدخل على غيره، كخبر "إنّ"، نحو: إنّ أبطال السلام لخير من أبطال الحرب. وهكذا باقى الوسائل التى تؤكد مضمون الجملة، وتقوى معناها.
وهذه اللام مفتوحة، وفائدتها: توكيد مضمون الجملة المثبتة، وإزالة الشك عن معناها المثبت؛ بالتفصيل الذى أوضحناه فيما سبق، وأوضحنا معه آثارها النحوية، والمعنوية.
ولها مواضع تدخلها جوازاً، وأشهرها ما يأتى:
(1) المبتدأ، كالأمثلة السابقة، وكقول الشاعر:
*ولَلْبينُ خيرٌ من مُقام على أذًى * ولَلمتُ خيرٌ من حياة على ذلِّ*
(2) الخبر المتقدم على المبتدأ؛ نحو: لصادقٌ أنت.
(3) خبر إنَّ (المكسورة الهمزة، المشددة النون) - دون أخبار أخواتها فى فى الرأى الأصح؛ نحو: إن الشتاء لفصل النشاط، وإنه لموسم السياحة فى بلادنا وقول الشاعر:
*إِنَّا - على البِعادِ والتَّفرُّقِ- * لَنلْتَقِى بالفكر إن لم نَلْتقِ*
ولكن يشترط فى خبر "إنّ" الذى تتصدره لام الابتداء ما يأتى:
أن يكون متأخراً عن الاسم، فلا يجوز دخولها فى مثل: إن فيك إنصافاً، وإن عندك ميلاً للحق؛ وذلك لتقدم الخبر.
وأن يكون مثبتاً؛ فلا يصح: إن العمل لَمَا طال بالأمس. أو: إن العمل لَمَا نفعُهُ قليل. بل يجب حذفها قبل "ما" النافية وغيرها من أدوات النفى الداخلة على خبر "إن".
ألا يكون جملة فعلية فعلها ماض، متصرف. غير مقرون بكلمة: "قَدْ"؛ فلا يصح: "إن الطيارة لأسرعتْ..." بل يجب حذف لام الابتداء. فإن كان الخبر جملة فعلية فعلها ماض غير متصرف جاز - فى غير ليس - دخول اللام وعدم دخولها؛ نحو: إن القطار لنعم وسيلةُ السفر، أو نعم وسيلةُ السفر... وإن إسراع السائق لبِئْس العملُ، أو بئس العملُ. بإدخال اللام على "نعم"، و "بئس" أو عدم إدخالها...
وكذلك يجوز إن كان الفعل ماضياً متصرفاً، ولكنه مقرون بكلمة: "قد" فتصحبها اللام أوْ لا تصحبها؛ نحو: إن العلم لقد رَفع صاحبه، أو: رفع...
أما إن كان الخبر جملة فعلية فعلها مضارع مثبت فيجوز دخول اللام على المضارع المثبت سواء أكان متصرفاً أم غير متصرف تصرفاً كاملا، إلا فى حالة واحدة وقع فيها الخلاف؛ هى التى يكون فيها مبدوءاً بالسين، أو سوف. فلا يصح - فى الرأى الأحق - أن تقول: "إن الطائرة لستحضر، أو: لسوف تحضر" بل يجب حذف اللام من هذا المضارع المبدوء بالسين، أو سوف ومن أمثلة دخولها قوله تعالى فى أهل الديانات المختلفة: {وإنَّ رَبَّك لَيَحْكمُ بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون}، وقوله عليه السلام: "إن الُجْبَ ليَأكل الحسنات كما تَأكلُ النارُ الحطب".
وإن كان الخبر جملة اسمية جاز دخول اللام على مبتدئها - وهو الأنسب - أو على خبره؛ نحو: إنّ الكهرَبا لأثرُها عميق فى حياتنا... أو: إنّ الكهرَبا أثرُها لعميقٌ فى حياتنا.
(4) معمول خبر "إنّ" بشرطين: أن يكون هذا المعمول متوسطاً بين اسمها وخبرها أو غيرهما من الكلمات الأخرى التى دخلت عليها "إنّ"، وأن يكون الخبر خالياً من لام الابتداء، ولكنه صالح لقبولها. ففى مثل: إن الشدائد مُظهرةٌ أبطالا، وإن المحن صاقلةٌ نفوساً، يصح تقديم معمول الخبر مقروناً بلام الابتداء؛ فنقول: إن الشدائدَ - لأبطالا- مظهرةٌ، وإن المحن - لنفوساً - صاقلةٌ. فإن تأخر المعمول لم يجز إدخال اللام عليه؛ كما فى المثالين السابقين قبل تقديمه.
وكذلك لا يجوز إدخالها عليه إن كان الخبر مشتملا عليها، ففى مثل: إن العزيزَ ليرْفُضُ هواناً - لا يصح: إنّ العزيزّ لهواناً ليرفضُ.
وكذلك لا يجوز إدخالها عليه إن كان الخبر الحالى منها غير صالح لها؛ كأن يكون جملة فعلية، فعلها ماض، متصرف، غير مقورن بكلمة "قد"؛ ففى مثل: إنّ الحرَّ رَضِىَ كفاحاً - لا يصح أن نقول: إن الحُرَّ لَكِفَاحاً رَضِىَ.
(5) ضمير الفصل؛ نحو: إن العظمة لهى الترفع عن الدنايا، وإن العظيم لهو البعيد عن الأدناس. وإذا دخلت على ضمير الفصل لم تدخل على الخبر.
(6) اسم "إن" بشرط أن يتأخر ويتقدم عليه الخبر شبه الجملة؛ مثل: إن أمامك لمستقبلا سعيدا، وإن فى العمل الحرّ لمجالا واسعاً، وقول الشاعر يخاطب زوجته:
*إن من شيمتى لَبذلَ تِلادِى * دون عِرضى. فإن رضيتِ فكونى*
وإذا دخلت على الاسم المتأخر لم تدخل على الخبر.
النصوص الواردة في ( كتاب النحو الوافي / عباس حسن ) ضمن الموضوع ( باب الحروف الناسخة: ("إنّ" وأخواتها.) ) ضمن العنوان ( المسألة 54: حكم المعطوف بعد خبر "إن" وقبله. )


إن الأقمارَ دائراتٌ فى الفضاء، والشموسَ ُ.
إنّ الشعر محمودٌ فى مواطنَ - والنثرَ ُ.
إنّ الإهمال مفسدٌ للأعمال - والجهلَ ُ
إنّ الحديد دِعامة الصناعة - والنِّفْطَ ُ














كيف نضبط الأسماء التى تحتها خط، وهى: (الشموس - النثر - الجهل - النِّفْط....) وأشباهها من كل اسم تأخر عن "إن" ومعموليها، وكان معطوفاً على اسمها.....
يجوز أمران، النصب والرفع. ويكفى معرفةُ هذا الحكم من غير تعليل. وبالرغم من جواز الأمرين فالنصب هو الأوضح والأنسب؛ لموافقته الظاهرية لاسم "إنّ"، أى: للمعطوف عليه؛ فلا عناء معه ولا شبهة.
فإن تأخر خبر "إنّ" وتوسط ذلك المعطوف بينه وبين اسمها - فالأحسن اتباع الرأى القائل بجواز الأمرين أيضاً، وبعدم وجوب النصب. ومع عدم وجوبه فهو الأوضح والأنسب؛ كما سبق.
إن القاهرةَ ودِمَشقَ ُ حاضرتان عظيمتان
إن مكة والمدينةَ ُ مكرَّمان
إنّ العدالة والنصَفَةَ ُ كفيلتان بالأمن والرخاء
إن الظلمَ والاستبدادَ ُ مؤذنان بخراب العُمران














من التيسير الحسن إجازة النصب والرفع فى كل كلمة من: (دمشق - المدينة - النصفة - الاستبداد...) وأشباهها، مع الانتصار، على معرفة هذا الحكم دون تعليله
فيكون الحكم فى الحالتين واحداً والقاعدة مطردة، سواء أكان المعطوف متقدماً على الخبر متوسطا بينه وبين الاسم، كهذه الأمثلة، أم متأخراً عنهما معا، كالأمثلة الأولى.
هذا، وكل ما قيل فى حكم المعطوف بعد استكمال "إن" خبرها، وقبل استكمالها - يقال أيضاً بعد حرفين من أخواتها، هما: أنّ (المفتوحة الهمزة، المشددة النون) و "لكنّ" المشددة النون، سواء أكان العطف قبل استكمالهما الخبر أم بعده، فالحروف الثلاثة الناسخة: (إنّ - أنّ - لكنّ) مشتركة فى الحكم السالف. تقول: علمت أنّ طائرة مسافرةٌ وسيارةً ٌ، أو علمت أن طائرةً وسيارةً ٌمسافرتان، ينصب كلمة: "سيارة" ورفعها، مع تقدمها على الخبر وحده، أو تأخرها عنه. كما تقول الفواكه كثيرة فى بلادنا، لكنّ التفاحَ قليل. والبُرقوقَ ُ. أو لكنّ التفاح والبُرقوقَ ُ قليلان، بنصب كلمة: "البرقوق" أو رفعهما مع التقدم على الخبر وحده أو التأخر عنه.
أما "ليت" و "لعل" و "كأن" فلا يجوز معها فى المعطوف إلا النصب؛ سواء أوقع بعد استكمالها الخبر أم قبل استكمالها. مثل: ليت الأخ حاضر والصديقَ، أو ليت الأخَ والصديقَ حاضرِان؛ بنصب كلمة: "الصديق" فى الحالتين. ومثل: لعل العلاجَ مفيدٌ والدواءَ، أو: لعل العلاجَ والدواءَ مفيدان. بنصب كلمة: "الدواء" فيهما. ومثل: ليت الصحة دائمة والثروةَ، أو: ليت الصحة "والثروةَ" دائمتان. بنصب كلمة: الثروة فيهما.
ونستخلص مما تقدم:
ا- أن المعطوف على اسم من أسماء هذه الحروف الناسخة يجوز فيه النصب مطلقاً، (أىْ: سواء أكان الحرف الناسخ هو: "إن" أم غيره من أخواته؛ وسواء أكان العطف بعد استكماله الخبر أم قبل استكماله ومجيئه) إلا "لا" الجنسية فللعطف على اسمها أحكام خاصة تجئ فى بابها.
ب- امتياز: إنّ، وأنّ، ولكنّ - دون أخواتها - بجواز شىء آخر هو صحة رفع المعطوف على اسمها؛ سواء أكان المعطوف متوسطاً بين الاسم والخبر أم متأخراً عن الخبر.
النصوص الواردة في ( كتاب النحو الوافي / عباس حسن ) ضمن الموضوع ( باب الحروف الناسخة: ("إنّ" وأخواتها.) ) ضمن العنوان ( المسألة 55: تخفيف "النون" فى هذه الأحرف الناسخة. )


فأما "إنَّ" (المكسورة الهمزة، المشددة النون) فيجوز فيها التخفيف بحذف النون الثانية المفتوحة، وإبقاء الأولى ساكنة. وعندئذ تصلح "إنْ" للدخول على الجمل الاسمية والفعلية، بعد أن كانت مع التشديد مختصة بالنوع الأول.
(ا) فإن خففت ودخلت على جملة اسمية جاز إبقاء معناها وعملها وسائر أحكامها التى كانت لها قبل التخفيف، وجاز إبقاء معناها دون عملها فتصير مهملة ملغاة. مثل: إنْ جريراً لشاعرٌ أمَوِىٌّ كبير، أو: إنْ جريرٌ لشاعر أموى كبير. مثل: إنْ أبا حنيفة لإمام عظيم، أو: إنْ أبو حنيفة لإمام عظيم. بنصب كلمتى. جريراً و "أبا" على الإعمال، وبرفعهما على الإهمال... وإهمالها أكثر فى كلام العرب، ويحسن - اليوم - الاقتصار عليه.
وإذا أهملت - مع دخولها على جملة اسمية - وجب مراعاة ما يأتى: (ا) أن يكون اسمها قبل أهمالها - اسماً ظاهراً لا ضميراً؛ مثل: إنْ بَغدادُ لبلد تاريخى مشهور.
(2) أن تشتمل الجملة التى بعدها على لام الابتداء؛ لتكون رمزاً للتخفيف، ودالة على أنها ليست النافية، ولذا قد تسمى: اللام الفارقة؛ لأنها تفرق بين المخففة والنافية؛ مثل: إنْ تونُسُ لَرِجالُها عرب. ويجوز تركها والاستغناء عنها متى وجدت قرينة واضحة تقوم مقامها فى تبيين نوع "إنْ"، وأنها المخففة، وليست النافية، لكن عدم تركها أفضل. ولا فرق فى القرينة بين أن تكون لفظية فى أو معنوية، والمعنوية أقوى. ومن القرائن الفظية أن يكون الخبر فيها منفيًّا مثل: إنْ المجاملةُ لن تضرَّ صاحبها. فكلمة "إنْ" مخففة، وليست نافية؛ لأن إدخال النفى على النفى لإبطال الأول قليل فى الكلام الفصيح: إذ يمكن مجئ الكلام مثبتاً من أول الأمر، من غير حاجة إلى نفى النفى المؤدى للإثبات بعد تطويل. ومثال القرينة المعنوية: إنْ العاقلُ يتبع سبيل الرشاد. إنْ المحسنُ يكون محبوباً. إنّ الاستقامةُ تجلب الغِنى؛ إذ المعنى يفسد على اعتبار "إنْ" للنفى فى هذه الأمثلة... ومن هذا النوع قول الشاعر:
*أنا بانُ أبَاةِ الضَّيْمِ من آلِ مالكٍ * وإنْ مالكٌ كانت كرامَ المعادنِ*
فلو كانت "إنْ" للنفى لكان عجز البيت ذمًّا فى قبيلة مالك، مع أن صدرهُ لمدحها.
(3) أن يكون الخبر من النوع الذى يصلح لدخول اللام عليه وقد سبق بيانه.
(ب) وإن خُفِّفت ودخلت على جملة فعلية وجب الإهمال، وأن يكون الفعل بعدها ناسخا؛ مثل: الحريةُ عزةٌ، وإنْ كانت لأمنيةَ النفوس الكبيرة، وقول أعرابيّ لأحد الفتيان: رَحِم الله أباك، وإنْ كان ليملأ العين جمالا، والأذن بيانا، ومثل: إن يكادُ الذليلُ ليألفُ الهوان. ومثل: إنْ وجدْنا المنافق لأبْعَدَ من إكبار الناس وتقديرهم.
زيادة وتفصيل:
ا- من الأمثلة العربية المسموعة: إنْ يَزينُك لَنَفسُك، وإنْ يَشينُك لَهِيَهْ. وقد سبق، ومنها إنْ قَنَّعتَ كاتبك لسَوْطاً. وقول الشاعر:
*شَلَّتْ يمينُكَ إنْ قتلت لمُسلماً * حَلَّتْ عليك عقوبةُ المتعمد*
وهى أمثلة يستشهد بها النحاة على وقوع الأفعال غير الناسخة بعد "إنَّ" إذا خففت. ولا داعى لمحاكاة هذه الأمثلة القليلة. وحسبنا أن نتبين معناها، والغرض الذى نستعملها فيه، دون القياس عليها من هذه الناحية.
ب- بمناسبة تخفيف "إنّ" يعرض النحاة للقراءات التى فى قوله تعالى: {وإنَّ كُلاًّ لَمَّا لَيُوَفِينَّهم رَبُّك أعمالَهم}، وتوجيه كل قراءة. وإليك بعض ذلك.
(1) (وإنَّ كلاً لَمَا ليُوَفِّيَنَّهم ربُّك أعمالَهم) بتشديد النون، وتخفيف "ما"، فيكون الإعراب: "كلاًّ" اسم إن. "لما"؛ اللام لام ابتداء، "ما" زائدة؛ لتفصل بين اللامين. "ليوفينهم" اللام للابتداء؛ لتوكيد الأولى، والجملة بعدها خبر "إنّ".
ويصح إعراب آخر: "كُلاًّ" اسم إن المشددة. "لَمَا" اللام لام الابتداء، "ما": اسم موصول خبر "إنّ" مبنى على السكون فى محل رفع. "لَيُوفينهم" اللام للقسم، والجملة بعدها لا محل لها من الإعراب جواب قسم محذوف؛ وجملة القسم وجوابه صلة "ما"، والتقدير: "لَمَا والله لَنوفَّينَّهم". وجملة القسم وإن كانت إنشائية - هى لمجرد التأكيد. والصلة فى الحقيقة جوابه. أى: (وإنّ كلا لَلّذين والله ليوفينهم) لهذا لا يقال إن جملة القسم هنا إنشائية مع أن جملة الصلة لا تكون إلا خبرية).
(2) (وإنْ كُلاًّ لَمَا ليوفنيهمْ ربك أعمالهم) بتخفيف "إنْ" و "ما" مع إعمال "إنْ" كأصلها. والإعراب لا يختلف عما سبق؛ فيصح هنا ما صح هناك.
(3) (وإنْ كُلٌّ لَمَا لَيُوَفِّينَّهم....) بتخفيف "إنْ" و "ما". فكلمة "إنْ" مهملة. كل: مبتدأ. وما بعد ذلك يصح فيه الأوجه السالفة فى الصورة الأولى مع ملاحظة أن الأخبار هنا تكون للمبتدأ.
(4) (وإنْ كلاًّ لمَّا ليوفينَّهم ربك أعمالهم) بتخفيف "إنْ" وتشديد "لمَّا" والإعراب يجرى على اعتبار "إنْ" حرف نفى، و "لما" أداة استثناء بمعنى: "إلا" و "كلاًّ" مفعول به لفعل تقديره: أرى - مثلاً - محذوف، و "ليوفينهم" اللام للقسم، والجملة، بعدها جوابه؛ أى: ما أرى كلاًّ إلى والله ليوفينهم.
(5) (وإنَّ كلاًّ لمَّا ليوفينَّهم ربك أعمالهم) بتشديد "إنّ" و "لمَّا" والأحسن اعتبار "لما" حرف جزم، والمجزوم محذوف، والتقدير: (وإنّ كلاًّ لمَّا يُوَفَّوْا أعمالهم)... "ليوفينهم" اللام للقسم، والجملة بعدها جوابه، والقسم وجوابه كلام مستأنف.
وعلى ضوء ما تقدم نعرب قوله تعالى: (وإنْ كلٌّ لمَّا جميعٌ لديْنا مُحْضَرون) فعند تشديد "لما" تكون بمعنى "إلا"، و "إنْ" المخففة حرف نفى. "كل" مبتدأ، جميع: خبره، "محضرون" نعت للخبر، مرفوع بالواو، "لدى" ظرف متعلق به، مضاف، "نا" مضاف إليه مبنى على السكون فى محل جر.
وعند تخفيف "ما" يكون الإعراب، كما يأتى:
"إنْ" مهملة "كُلّ" مبتدأ. "لمَا" اللام لام الابتداء، "ما" زائدة، "جميع" مبتدأ ثان "محضرون" خبر الثانى، والثانى وخبره خبر الأول. "لدينا" "لدى" ظرف متعلق بكلمة "محضرون". "نا" مضاف إلى الظرف. ويجوز فى هذه الآية وسابقتها إعرابات وتوجيهات أخرى.
* * *
وأما "أنّ" (مفتوحة الهمزة، مشددة النون) فيجوز فيها التخفيف بحذف النون الثانية المفتوحة، وترك الأولى ساكنة؛ نحو: أيقنت أنْ" (علىٌّ شجاعٌ).
ويتحتم اعتبار "أنْ" مخفَّفة من الثقيلة متى وجدت علامة مما يأتى:
1- أن تقع بعد ما يدل على اليقين والقطع، مثل: أيقَن، تيقَّن، جزَم، عَلِم، اعتَرف التى بمعنى: عَلِمَ، أو: أقَرَّ، اعتقادى، لا شَكَّ. وغيرها من الأفعال أو الألفاظ التى تفيد اليقين؛ نحو: أيقنت أنْ عدلٌ من الله كلُّ جزائه. وقول الشاعر:
*أأنت أخى ما لم تكنْ لى حاجةٌ؟ * فإن عرَضتْ أيقنت أنْ لا أخا ليا*
2- أن تدْخل على فعل جامد، أو رُبّ، أو حرف تنفيس؛ نحو: اعتقادى أنْ ليس لشفقة الوالدين مثيل؛ وقول الشاعر:
*وإنى رأيت الشمسَ زادت محبةً * إلى الناس أن ليْسَتْ عليهم بسَرْمَدِ*
ومثل:
*أجِدَّكِ ما تَدرينَ أنْ رُبَّ ليلةٍ * كأن دُجَاها من قُرونِكِ يُنْشَرُ*
وقول الناصح لسامعيه:
*فإنْ عصيتم مقالى اليوم فاعترفوا * أنْ سوف تَلْقَوْن خِزْيًا ظاهر العار*
3- أن يقع بعدها فعل دعاء، نحو أطال الله عمرك، وأن هيَّأ لك المستقبل السعيد.
4- أن تكون داخلة على جملة اسمية مسبوقة بجزء أساسى من جملة - لا بجملة كاملة - بحيث يكون المصدر المؤول من: "أنْ" المخففة والجملة الاسمية التى دخلت عليها - مكملاً أساسياً للجزء السابق. كقوله تعالى: {وآخِرُ دعوهم أنِ الحمد للهِ ربّ العالمين}. فالمصدر المؤول خبر المبتدأ. "أخِر". وقول الشاعر:
*كفى حزَنًا أنْ لا حياةَ هنيئةٌ * ولا عملٌ يرضَى به اللهُ - صالحُ*
فالمصدر المؤول فاعل: "كفى".
ويترتب على التخفيف أربعة أحكام، يوجب أكثر النحاة مراعاتها:
أولها: إبقاء معنى: "أنّ" وعملها على حالهما الذى كان قبل التخفيف.
ثانيهما: أن يكون اسمها ضميراً محذوفاً، ويغلب أن يكون ضمير شأن محذوف كالمثال السابق؛ وهو: أيقنت أنْ (علىٌّ شجاعٌ).
ثالثها: أن يكون خبرها جملة؛ سواء أكانت اسمية أم فعلية؛ نحو: علمتُ أنْ حاتمٌ أشهرُ كرام العرب، وأيقنت أن قد أشْبَههُ كثيرون.
رابعها: وجود فاصل - فى الأغلب - بينها وبين خبرها إذا كان جملة فعلية، فعلها متصرف، لا يقصد به الدعاء. والفاصل أنواع.
(ا) إما "قد" نحو: ثبت أنْ قد ازدهرت الصناعة فى بلادنا، ونحو قول الشاعر:
شَهِدْتُ بأنْ قدْ خُطَّ ما هو كائنٌ * وأنَّكَ تَمْحُو ما تَشَاءُ وتُثْبِتُ*
(ب) وإما أحد حرفي التنفيس مثل: أنت تعلم أن سأكونُ نصير الحق، قول الشاعر:
*وإذا رأيتَ من الهلال نُمُوّهُ * أيقنتَ أن سيصيرُ بدراً كاملا*
وقول الآخر:
*واعلمْ - فَعلُم المرءِ يَنْفَعُهُ - *أنْ سَوْفَ يأتِى كُل ما قُدِرَا*
(حـ) وإما حرف نفى من الحروف الثالثة التى استعملها العرب فى هذا الموضع؛ وهى: (لا - لن - لم). نحو: أيقنت أنْ لا يَغْدِرُ الشريفُ، وأنْ لن يحيد عن الحق. ووثقت أنْ لم ينصر الله المبطلين. ومن الأمثلة قوله تعالى: {وحسبوا أنْ لا تكونُ فتنةُ} فى قراءة من رفع "تكونُ". وقوله: {أيحسبُ أنْ لنْ يَقْدرَ عليه أحد}، وقوله تعالى: {أيحسب أنْ لم يرهُ أحد}.
(د) وإما "لو" والنص عليها فى كتب النحاة قليل مع أنها كثيرة فى المسموع؛ نحو: أوقن أنْ لو أخلصنا لبلادنا لم يطمع الأعداء فينا.
(ا) أن يكون الخبر جملة اسمية نحو قوله تعالى: {وآخرُ دعواهم أنْ الحمدُ لله ربِّ العالمين}، ونحو: الثابت أنْ انتقامٌ من الله يحلّ بالباغى. إلا عند إرادة النفى نحوَ: عقيدتى أنْ لا كاذبَ محترم؛ ومنه: أشهد أنْ لا إلهَ إلا اللهُ.
(ب) أن يكون الخبر جملة فعلية جامد؛ نحو قوله تعالى: {وأنْ ليس للإنسان إلا ما سعى}. وثقت أنْ ليس للكرامة مكان فى نفوس الأدنياء.
(حـ) أن يكون الخبر جملة فعلية؛ فعلها متصرف، ولكن قصد به الدعاء كالذى رواه أعرابى عن أخيه الواقف يدعو: أسأل ربى التوفيق لما يرضيه، ودوام العافية علىّ - ونظر إلىّ وصاح -: وأنْ كتب الله لك الأمن والسلامة ما حييت، وأن أسبْغَ عليك نِعَمه ظاهرة وباطنة فى قابل أيامك، وأنْ أهْلَك كلَّ باغٍ يَتَصَدّى لإيذائكَ.
وفى الرسم التالى بيان للصور السالفة:
الجملة الواقعة خبر (( أنْ )) المخففة
جملة لا تحتاج لفاصل جملة تحتاج لفاصل


الجملة الفعلية التي فعلها متصرف غير دعائي --
الجملة الإسمية الجملة الفعلية التي فعلها جامد الجملة الفعلية التي فعلها متصرف ولكنه للدعاء والفاصل : هو قد ، أو : التنفيس ، أو : النفي ، أو : لو


زيادة وتفصيل:
ورد فى بعض النصوص القديمة - اسم "أنْ" المخففة من الثقيلة ضميراً بارزاً، لا ضميراً محذوفاً. ومعه الخبر جملة فعلية أو مفرد. من ذلك قول الشاعر يخاطب زوجته:
*فلوْ أنْكِ فى يوم الرَّخاءِ سألتِْنى * طلاقَكِ، لم أبخَلْ وأنتِ صَديقُ*
فقد وقعت "الكاف" اسم: "أنْ" وخبرها جملة: سألتنى. ومثل قول الآخر:
*لقد علمَ الضيفُ والمرْمِلون * إذا اغبرَّ هُناكَ تكون الشِّمالا*
ففى البيت الثانى تكررت "أنْ" المخففة مرتين، واسمها ضمير "بارز" فيهما، وخبر الأولى مفرد، وهو كلمة: "ربيع"، وخبر الثانية جملة فعلية هى: "تكون الثمال". وقد وصفت هذه الأمثلة الشعرية بأنها شاذة، أو بأنها لضرورة الشعر، كما وُصفت نظائرها النثرية بأنها شاذة. فالواجب أن نقتصر على الكثير الشائع الذى سردنا قواعده وضوابطه، منعاً للاضطراب فى التعبير، دون محاكاة هذه الشواهد التى تخالفها، والتى نقلناها، منعاً للاضطراب فى التعبير، دون محاكاة هذه الشواهد التى تخالفها، والتى نقلناها، ليعرفها المتخصصون فيستعينوا بها على فهم ما قد يكون لها من نظائرها قديمة. دون أن يحاكوها.
* * *
وأما "كأنّ" فيجوز تخفيف نونها المشددة (بحذف الثانية المفتوحة، وإبقاء الأولى ساكنة) ويترتب على التخفيف أمور؛ منها:
(ا) أن معناها لا يتغير، وإعمالها واجب.
(ب) أن اسمها - فى الأغلب - يكون ضميراً للشأن. أو لغير الشأن؛ فمثال الأول. كأنْ عصفورٌ سهمٌ فى السرعة، أى: كأنه (الحال والشأن) عصفورٌ سهمٌ. ومثال الثانى: يَدُقُّ البَرَدُ النافذةَ، وكأنْ حجرٌ، أى: كأنه حجر. ولو قلنا: يَدُق البرَدُ النافذة وكأنْ "حجر" صغير يَدُق - لجاز الاعتباران وقد اجتمعت المشددة والمخففة فى قوله تعالى يصف المُضَلِّل عن سبيله: {وإذا تُتْلَى عَليْه آياتُنا وَلَّى مُسْتَكْبِراً كأنْ لمْ يسمعْها؛ كأنَّ فى أذنيهِ وَقْراً}.
(حـ) أن خبرها لا بد أن يكون جملة إذا وقع اسمها ضمير شأن. فإن كانت اسمية فلا حاجة لفاصل بينها وبين "كأن" مثل: كأنْ سبَّاحٌ فى سباحته سمكة فى انسيابها. وإن كانت فعلية، فالأحسن الفصل بالحرف: "قد" قبل الماضى المثبت، وبالحرف: "لم" قبل المضارع المنفى، نحو: كأنْ قد هَوَى الغريقُ فى البحر؛ كصخرة هَوَتْ فى الماء، وكأنْ لم يكن بين الغرق والنجاة وسيلة للإنقاذ.
وأما "لكنّ" فيجوز تخفيف نونها المشددة (فتحذف الثانية المفتوحة، وتبقى الأولى ساكنة).
ويترتب على التخفيف وجوب إهمالها، وزوال اختصاصها بالجملة الاسمية؛ فتدخل على الاسمية، وعلى الفعلية، وعلى المفرد، ويبقى لها معناها بعد التخفيف وهو: الاستدراك. ومن الأمثلة قول الشاعر:
*ولستُ أجازِى المعتدِى باعتدائه * ولكنْ بصفح القادر المتَحِلِم*
وأما "لعل" فلا يجوز تخفيف لامها المشددة.
النصوص الواردة في ( كتاب النحو الوافي / عباس حسن ) ضمن الموضوع ( باب "لا" النافية للجنس ) ضمن العنوان ( المسألة 56: معناها، معنى التى لنفى الوحدة اتفاق معناهما فى غير المفرد. صدارتها. )


نسوق بعض الأمثلة لإيضاح معناها:
حين نقول: لا كتابٌ فى الحقيبة؛ بإدخال: "لا" على جملة اسمية - فى أصلها -، ورفع كلمة: "كتاب" - التى للمفرد) يكون معنى التركيب مُحتَمِلا أمرين:
أحدهما: نفى وجود كتاب واحد فى الحقيبة، مع جواز وجود كتابين أو أكثر فيها.
والآخر: نفى وجود كتاب واحد، وما زاد على الواحد؛ فليس بها شئ من الكتب مطلقاً. فالتركيب مُحتمِل للأمرين، ولا دليل فيه يعين أحدهما، ويمنع الاحتمال.
وكذلك حين نقول: لا مصباحٌ مكسوراً، (بإدخال: "لا" على جملة اسمية - فى أصلها - ورفع كلمة: "مصباح" التى للمفرد) فإن التركيب يحتمل أمرين:
أحدهما: نفى وجود مصباح واحد مكسور، ولا مانع من وجود مصباحين مكسورين؛ أو أكثر.
والآخر: نفى وجود مصباح واحد مكسور وما زاد على الواحد أيضاً. فلا وجود لشئ من جنس المصابيح المكسورة. فالتركيب يحتمل نفى الواحد المكسور فقط، كما يحتمل نفى الواحد وما زاد عليه.
ومثل هذا يقال فى: لا سيارةٌ موجودةً، بإدخال "لا" على جملة اسمية الأصل، ورفع كلمة: "سيارة" - التى للمفردة) حيث يحتمل التركيب الأمرين: نفى وجود سيارة واحدة، دون نفى سيارتين وأكثر، ونفى وجود شىء من جنس السيارات مطلقاًن فلا وجود لواحدة منها؛ ولا لأكثر.
مما سبق نعلم: أن، "لا" فى تلك الأمثلة - وأشباهها - تدل على نفى يُحتَمل وقوعُه على فرد واحد فقط، أو على فرد واحد وما زاد عليه. ولمّا كان النفى بها صالحاً لوقوعه على الفرد الواحد سماها النحاة: "لا" - التى لنفى الوَحْدة (أى: الواحد) وهى إحدى الحروف الناسخة التى تعمل عمل "كان" الناقصة.
فإذا أردنا أن تدل الأمثلة السابقة وأشباهها على النفى الصريح العام ودب أن نضبط تلك الألفاظ ضبطاً آخر؛ يؤدى إلى هذا الغرض؛ فنقول: لا كتابَ فى الحقيبة؛ - لا مصباحَ مكسورٌ - لا سيارةَ موجودةٌ، فضبط تلك الكلمات المفردة بهذا الضبط الجديد - وهو بناء الاسم على الفتح، ورفع الخبر، كما سيجئ - يجعل النفى فى كل جملة صريحاً فى غرض واحد؛ لا احتمال معه لغيره، كما يجعله عامًّا؛ ينصبُّ على كل فرد؛ فيقع على الواحد، وعلى الاثنين، وعلى الثلاثة، وما فوقها، ولا يسمح لفرد أو أكثر بالخروج من دائرته.
ومثل هذا يقال فى نحو: لا مهملاً عملَه فائزٌ - لا راغباً فى المجد مُقصّرٌ... ونحوهما مما يقع فيه الاسم منصوباً بعد: "لا" وليس مرفوعاً، والخبر هو المرفوع - على الوجه الذى سنشرحه - فهى تنفى الحكم عن كل فرد من أفراد جنس الشئ الذى دخلت عليه نفيًا صريحًّا وعاماً؛ كما قلنا: وهذا مراد النحاة بقولهم فى معناها:
"إنها تدل على نفى الحكم عن جنس اسمها نصًّا". أو "إنها لاستغراق حكم النفى لجنس اسمها كله نصًّا." ويسمونها لذلك؛ "لا" - النافية للجنس". أى: التى قصد بها التنصيص على استغراق النفى لأفراد الجنس كله. تمييزاً لها من: "لا" التى لنفى الوَحْدَة؛ فليست نصًّا فى نفى الحكم عن أفراد الجنس كله؛ وإنما تحتملِ نفيه عن الواحد فقط، وعن الجنس كله؛ على ما عرفنا.
عملها وشروطه:
"لا" النافية للجنس حرف ناسخ من أخوات: "إنًَّ" ينصب الاسم: ويرفع الخبر. ولكنها لا تعمل هذا العمل إلا باجتماع شروط ستة:
أولهما: أن تكون نافية. فإن لم تكن نافية لم تعمل مطلقاً.
ثانيهما: أن يكون الحكم المنفى بها شاملا جنس اسمها كله، (أى: منصبًّا على كل فرد من أفراد ذلك الجنس). فإن لم يكن كذلك لم تعمل عمل "إنّ"،: نحو: لا كتابٌ واحدٌ كافياً....، إذ أن كلمة: "واحد" قد دلت دلالة قاطعة على أن النفى ليس شاملا أفراد الجنس كله، وإنما هو مقصور على فرد واحد.
ثالثهما: أن يكون المقصود بها نفى الحكم عن الجنس نصًّا - لا احتمالا - فإن لم يكن على سبيل التنصيص لم تعمل عمل "إنّ" كالأمثلة السالفة أول البحث.
رابعها: ألا تتوسط بين عامل ومعموله (بأن تكون مسبوقة بعامل قبلها يحتاج لمعمول بعدها) كحرف الجر فى مثل: حضرت بلا تأخير وقول الشاعر:
*مُتارَكةُ السَّفيه بلا جوابٍ * أشَدُّ على السَّفيه من الجواب*
خامسها: أن يكون اسمها وخبرها نكرتين فإن لم يكونا كذلك لم تعمل: مطلقاً ولا تعد من أخوات "إنّ" ولا "ليس"؛ كالتى فى قول الشاعر:
*لا القومُ قومى، ولا الأعْوان أعْوانى * إذا وَنا يوم تحصيل العُلا وانِى*
سادسها: عدم وجود فاصل بينها وبين اسمها. فإن وجد فاصل اهْملَتْ (أى: لم تعمل شيئاً) وتكررت؛ نحو: لا فى النبوغ حَظ لكسلان، ولا نصيبٌ. وهذا الشرط يستلزم الترتيب بين معموليها فلا يجوز أن يتقدم الخبر - ولو كان شبه جملة - على الاسم. فإن تقدم مثل: لا لهازلِ هيبةٌ ولا توقير - لم تعمل مطلقاً.
وكذلك لا يجوز تقدم معمول الخبر على الاسم؛ ففى مثل: لا جندىَّ تاركٌ ميدانَه... لا تعمل حين نقول، لا ميدانَه جندىٌّ تاركٌ.
فإذا استوفت شروطها وجب إعمالها: (إن اقتضى المعنى ذلك؛ سواء أكانت واحدة، أم متكررة - على التفصيل الذى سنعرفه).
* * *
حكم اسم "لا" المفردة؛ (أى: المنفردة التى لم تتكرر). لهذا الاسم حالتان:
الأولى: أن يكون مضافاً أو شبيهاً بالمضاف. وحكمه وجوب إعرابه، مع نصبه بالفتحة، أو بما ينوب عنها. فمن أمثلة المضاف:
لا قولَ زُورٍ نافعٌ.................................. كلمة: (قول) اسم "لا"، منصوبة بالفتحة، لأنها اسم مفرد: ومضاف.
لا أنصارَ خيرٍ متنافورن.......................... كلمة: (أنصار) اسم "لا"، منصوبة بالفتحة لأنها جمع تكسير، ومضاف.
لا ذا أدبٍ نمامٌ....................................... كلمة: (ذا) اسم "لا"، منصوبة بالألف نيابة عن الفتحة؛ لأنها من الأسماء الستة، مضافة.
لا نصيحتىْ إخلاصٍ أنفعُ من نُصح الوالدين كلمة: (نصيحتى...) اسم "لا"، منصوبة بالياء نيابة عن الفتحة، لأنها، مثنى مضاف؟
لا خائِنى وطنٍ سالمون............................ كلمة: (خائنى...) اسم "لا" منصوبة بالياء نيابة عن الفتحة، لأنها جمع مذكر؛ مضاف.
لا مهملاتِ عملٍ مُكرماتٌ......................... كلمة: (مهملات) اسم "لا"، منصوبة بالكسرة نيابة عن الفتحة: لأنها جمع مؤنث سالم مضاف.
ومن أمثلة الشبيه بالمضاف:
لا مرتفعاً قدرهُ مغمورٌ...
لا بائعاً دينَه بدنياه رابحٌ...
لا خمسةً وعشرين غائبون...
لا ساعياً وراء الرزق محرومٌ...
لا قاعداً عن الجهاد معذور...
لا سائقَيْنٍ طيارةً غافلان...
لا حارسِينَ بالليل نائمون...
لا راغباتٍ فى الشهرة مُسْتَريحاتٌ كلمة (مرتفعاً) اسم "لا" منصوبة بالفتحة
" (بائعاً) " " "
" (خمسة) " " "
" (ساعياً) " " "
" (قاعداً) " " "
" (سائقين) " " بالياء لأنها مثنى
" (حارسين) " " " لأنها جمع مذكر
" (راغبات) " " بالكسرة؛ لأنها جمع مؤنث سالم
ومن الأمثلة السالفة يتضح الإعراب مع النصب بالفتحة مباشرة فى المفرد وفى جمع التكسير، (ومثله: اسم الجمع، كقوم، ورَهْط. إذا كانا من الحالة الأولى المذكورة)، وبما ينوب عن الفتحة وهو: الألف، فى الأسماء الستة، والياء فى المثنى وجمع المذكر السالم، والكسرة فى جمع المؤنث السالم.
الثانية: أن يكون مفرداً (ويراد بالمفرد هنا: ما ليس مضافاً ولا شبيهاً بالمضاف، ولو كان مثنى، أو مجموعاً) وحكمه: وجوب بنائه على الفتح أو ما ينوب عنه فيبنى على الفتح مباشرة إن كان مفرداً أو جمع تكسير أو اسم جمع؛ مثل: لا عالمَ متكبرٌ - لا علماءَ متكبرون - لا قومَ للسفيه.
ويبنى على الياء نيابة عن الفتة إن كان مثنى أو جمع مذكر سالماً؛ نحو: لا صديقَيْن متنافران - لا حاسدِينَ متعاونون.
ويبنى على الكسرة نيابة على الفتحة إن كان جمع مؤنث سالماً، نحو: لا والداتٍ قاسياتٌ.
ومع أنه مبنى فى الحالات السالفة، هو فى محل نصب دائماً. أى: مبنى لفظاً منصوب محلا.
زيادة وتفصيل:
(ا) سبق (فى ص 626) أن من شروط إعمالها: تنكير معموليها. وقد وردت أمثلة فصيحة وقعت فيها عاملة مع أن اسمها معرفة. من ذلك قوله عليه السلام، إذا هلك كِسْرِى فلا كسرَى بعده، وإذا هَلَك قَيْصَرُ فلا قيصرَ بعده. ومن ذلك قولهم: لا هيثمَ الليلة للمطىّ. وقولهم: يُبْكَى على زيد ولا زيدَ مثلُه... وغير هذا من الأمثلة المسموعة. وقد تناولها النحاة بالتأويل كي يخضعوها لشرط التنكير. وهو تأويل لا داعى لتكلفه مع ورود تلك الأمثلة الصريحة، الدالة على أن فريقاً من العرب لا يلتزم التنكير. فعلينا أن نتقبل تلك النصوص بحالها الظاهر دون محاكاتها، ونقتصر فى استعمالنا على اللغة الشائعة المشهورة التى تشترط الشروط التى عرفناها؛ توحيداً لأداة التفاهم، ومنعًا للتشعيب بين المتخاطبين بلغة واحدة. ب- قلنا إن حكم اسم "لا" المفرد هو البناء على الفتحة، أو ما ينوب عن الفتحة. وقد يصح بناؤه على الضمة العارضة فى حالة واحدة، هى أن يكون الاسم كلمة: "غير" - ونظيراتها - فتكون كلمة: "غير" مبنية على الضمة الطارئة فى محل نصب، بشرط أن تكون مضافة مسبوقة بكلمة: "لا - أو: ليس" - وبشرط أن يكون المضاف إليه محذوفاً قد نُوى معناه على الوجه المفصَّل فى مكانه من باب الإضافة نحو: قطعت ثلاثة أميال لا غيرُ - أو ليس غيرُ - أى: لا غيرُها، أو ليس غيرُها مقطوعاً.
والنحاة يقولون فى إعراب هذا: إنه مبنى على فتح مقدر، منع من ظهوره الضم العارض للبناء أيضاً - فى محل نصب. وفى هذا تكلف وتطويل يدعوهم إليه رغبتهم فى إخضاع هذا النوع الحكم المفرد بحيث يكون الحكم (وهو البناء على الفتح فى محل نصب) عاماً مطردًا. لكن لا داعى لهذا التكلف، إذ لا مانع من أن يقال: إنه مبنى على الضمّ - مباشرة - فى محل نصب، كما فى الصبان والخضرى، عند كلامها على أحكام: "غير" فى باب الإضافة وستجئ فى الموضع الذى أشرنا إليه.
النصوص الواردة في ( كتاب النحو الوافي / عباس حسن ) ضمن الموضوع ( باب "لا" النافية للجنس ) ضمن العنوان ( المسألة 57: اسم "لا" المتكررة مع المعطوف )


(1)














لا خيرَ مرجوٌّ من الشِّرير، ولا نفعَ
لا خيرَ مَرجوٌّ من الشرير، ولا نفعاً
لا خيرَ مرجوٌّ من الشرير، ولا نفعٌ إذا تكرّرت: "لا" وكانت كل واحدة مستوفية شروط العمل، فكيف نضبط الاسم الواقع بعد: "لا" المكررة، وهى التى ليست الأولى؟
(2)














لا تقدمَ ولا رقيَّ مع الجهالة
لا تقدمَ ولا رقيًّا مع الجهالة
لا تقدمَ ولا رُفيٌّ مع الجهالة لهذا الاسم صور متعددة بتعدد الأساليب التى يوضع فيها. ونبدأ بصورة من أكثر تلك الصور استعمالا؛ هى التي يكون فيها اسم لا الأولى مفرداً، واسم المتكررة مفرداً معطوفاً على اسم على الأولى. كما فى الأمثلة المعروضة
(3)














لا نهرَ فى الصحراء ولا بحرَ
ولا بحراً - ولا بحرٌ
يجوز فى هذا الاسم المفرد المعطوف أحد ثلاثة أشياء:
أولها: البناء على الفتح، أو ما ينوب عن الفتحة؛ فنقول فى المثال الأول: لا خيرَ مرجوٌّ ولا نفعَ. على اعتبار "لا" المكررة نافية للجنس. "نفعَ" اسمها، مبنى على الفتح فى محل نصب - وخبرها محذوف تقديره: مرجُوّ - مثلا - والجملة الاسمية الثانية معطوفة على الجملة الاسمية الأولى، فعندنا جملتان.
ونقول فى المثال الثانى: لا تقدمَ ولا رقىَّ مع الجهالة؛ فتكون كلمة: "رقىّ" اسم، "لا" الثانية على الاعتبار السابق، ولكن خبرها وخبر الأولى هو الظرف: "مع" فإنه يصلح خبراً لهما.
ونقول فى الثالث: لا نهرَ فى الصحراء ولا بحرَ. فيجرى على هذا المثال ما جرى على الثانى.
ثانيهما: الإعراب مع نصبه بالفتحة أو ما ينوب عنها. فنقول فى المثال الأول: لا خيرَ مرجُوٌّ من الشرير، ولا نفعاً، بإعرابه منصوباً. وهذا على اعتبار: "لا" الثانية زائدة لتوكيد النفى؛ فلا عمل لها. وكلمة. "نفعاً" معطوفة بحرف العطف على محل اسم "لا" الأولى؛ لأن محله النصب. (فهو مبنى فى اللفظ، لكنه منصوب المحل، كما سبق).
ونقول فى المثال الثانى: لا تقدمَ ولا رقيًّا مع الجهالة. على الاعتبار السابق أيضاً؛ فتكون "لا" المكررة زائدة لتوكيد النفى، "رقياً" معطوفة على محل اسم "لا" الأولى. وخبر "الأولى" هو الظرف: "مع".
ونقول فى المثال الثالث: لا نهرَ فى الصحراء ولا بحراً؛ كما قلنا فى الأول تماماً.
ثالثها: الإعراب مع رفعه بالضمة، أو بما ينوب عنها؛ فنقول فى المثال الأول: لا خيرَ مرجوٌّ من الشرير، ولا نفعٌ. برفع كلمة: "نفع" على اعتبار "لا" الثانية زائدة لتوكيد النفى؛ فلا عمل لها. و "نفع" مبتدأ مرفوع، خبره محذوف، والجملة الاسمية الثانية معطوفة على الجملة الاسمية الأولى.
ويصح اعتبار "لا" الثانية عاملة عمل "ليس" وكلمة: "نفع" اسمها مرفوع، والخبر محذوف، والجملة من "لا" الثانية ومعموليها معطوفة على الجملة الأولى.
ويصح اعتبار "لا" الثانية زائدة لتوكيد النفى، وكلمة: "نفع" معطوفة على "لا" الأولى مع اسمها، لأنهما بمنزلة المبتدأ المرفوع: فالمعطوف عليهما معاً يكون مرفوعاً أيضاً.
ويجرى على المثالين الأخيرين ما جرى على المثال الأول؛ حيث يصح فى كلمتى رقىّ، و "بحر" الرفع على أحد الاعتبارات الثلاثة السابقة.
"ملاحظة": إذا تكررت "لا" وكل واحدة مستوفية الشروط، مفردة الاسم؛ وكانت الأولى لنفى الوَحدة (أى: عاملة عمل ليس) جاز فى اسم المكررة بعد عاطف، أمران: أن يكون معرباً مرفوعاً بالضمة أو بما ينوب عنها، وأن يكون مبنيًّا على الفتح أو ما ينوب عن الفتحة؛ مثل: لا قوىٌّ ولا ضعيفٌ أمام القانون. أو: لا قوىٌّ ولا ضعيفَ أمام القانون.
(ا) فالرفع - فى هذا المثال - إما على اعتبار "لا" المكررة زائدة لتوكيد النفى، والاسم بعدها معطوف على اسم الأولى؛ فالمعطوف مرفوع كالمعطوف عليه، والخبر عنهما هو الظرف: (أمام). وإما على اعتبار "لا" المكررة زائدة للنفى أيضاً، والاسم بعدها مبتدأ. وإما على اعتبار "لا" المكررة عاملة عمل "ليس" والمرفوع بعدها اسمها.
وإنما جاز الرفع على هذين الاعتبارين، ولم يجز النصب لأن النصب إنما يجرى على اعتبار أن "لا" المكررة زائدة، والاسم الذى بعدها معطوف على محل اسم الأولى، المبنى لفظاً المنصوب محلاً، ولما كان اسم الأولى هنا مرفوعاً، وليس مبنيًّا على الفتح لفظاً. كان غير منصوب محلا؛ فلا يجوز العطف على محله.
ب- والبناء على على الفتح على اعتبار "لا" المكررة نافية للجنس، إلى هنا انتهى الكلام على أحكام اسم "لا" المكررة حين يكون مفرداً بعد كل واحدة. وهى أحكام تسرى على اسم "لا" المكررة مرة أو أكثر، بشرط استيقفاء كل واحدة شروط العمل، وإفراد اسمها؛ كما عرفنا.
حكم المعطوف على اسم "لا" بغير تكرارها.
إذا لم تتكرر: "لا" الجنسية وعطف على اسمها جاز فى المعوف النكرة الرفع أو النصب فى جميع الحالات (أى: سواء أكان مفرداً أم غير مفرد، وسواء أكان اسمها - وهو المعطوف عليه -، مفرداً أم غير مفرد، ومن أمثلة ذلك:
(ا) لا كتابَ وقلمٌ فى الحقيبة. أو: لا كتابَ وقلماً فى الحقيبة. فيجوز فى المعطوف أمرانْ.
الرفع على اعتبار أن كلمة: "قلم"، معطوفة على "لا" مع اسمها، وهما بمنزلة المبتدأ المرفوع، فالمعطوف عليهما مرفوع أيضاً. أو: على الاسم وحده باعتباره مبتدأ فى الأصل - وهذا أحسن -.
والنصب على اعتبار أن كلمة: "قلم" معطوفة على محل اسم "لا" المبنى، لأنه مبنى فى اللفظ لكنه منْصوب المحل، فيجوز العطف عليه بمراعاة محله، لا لفظه (لأن البناء لا يراعى فى التوابع، كما سبق).
(ب) لا كتابَ هندسة وقلمُ رصاص فى الحقيبة، يجوز فى المعطوف الأمران، الرفع على الاعتبار السالف، والنصب على العطف على لفظ اسم "لا" المنصوب.
(حـ) لا كتابَ حساب وقلمٌ أو قلماً فى الحقيبة. يجوز فى المعطوف الأمران: الرفع أو النصب على الاعتبارين السالفين فى: "ب".
(د) لا كتابَ وقلمَ ُ رصاص، فى الحقيبة. يجوز فى المعطوف الأمران: الرفع أو النصب على الاعتبارين السالفين فى: "ا".
فإن كان المعطوف معرفة لم يجز فيه إلا الرفع على اعتباره مبتدأ...
وعلى ضوء الصور والأساليب السالفة - إفراداً وتركيباً - تُضبط الصور الأخر التى لم نعرضها هنا. ويجب مراعاة الخبر بدقة، ليظهر المعنى، وليمكن تمييز نوع العطف إن وجد.
* * *
حكم المعطوف على اسم "لا" المكررة.
يتَبَع المعطوف عليه، (أى: يتبع اسمها) فى إعرابه رفعاً ونصباً دون أن يتبعه فى البناء كما عرفنا.
النصوص الواردة في ( كتاب النحو الوافي / عباس حسن ) ضمن الموضوع ( باب "لا" النافية للجنس ) ضمن العنوان ( المسألة 58: حكم نعت اسم "لا". )


لا تاجرَ خداع ناجحٌ
لا سيارةً مسرعة مأمونةٌ
لا كتابةَ، رديئة ممدوحةٌ














كيف نضبط الكلمات التى تحتها خط وهى: (خدّاع - مسرعة - رديئة) وأشباعها من كل كلمة وقعت نعتاً، مفرداً، لاسم: "لا" النافية للجنس، المفرد ولم يفصل بين النعت والمنعوت فاصل؟
يجوز فى ضبط هذا النعت أحد أمور ثلاثة:
(ا) بناؤه على الفتح أو بما ينوب عن الفتحة؛ كالشأن فى اسم: لا، فنقول: لا تاجرَ خداعَ ناجحٌ - لا سيارةَ مسرعةَ مأمونةٌ - لا كتابةَ رديئةَ ممدوحةٌ.
(حـ) إعرابه مرفوعاً بالضمة أو بما ينوب عنها. على اعتباره نعتاً لكلمة: "لا" مع اسسها؛ وهما معاً بمنزلة المبتدأ المرفوع؛ فنعتهما مرفوع كذلك. أو لاسمها وحده تقول:
لا تاجرَ خداعٌ ناجحٌ - لا سيارةَ مسرعةٌ مأمونةٌ - لا كتابةَ رديئةٌ ممدوحةٌ. فإن اختل شرط من الشروط السالفة لم يصح بناء النعت على الفتح، وصحّ أن يكون مرفوعاً أو منصوباً. فإذا كان النعت غير مفرد، مثل: لا تاجر خَدّاعَ الناس ناجحٌ، لا يجوز أن يكون النعت (وهو: خداع) مبنيًّا على الفتح ويجوز أن يكون مرفوعاً أو منصوباً على الاعتبار الذى أوضحناه سالفاً (فى: "ب و جـ") وإن كان المنعوت غير مفرد، مثل: لا تاجرَ خشبٍ خداعٌ ناجحٌ، لم يجز البناء على الفتح أيضاً، وجاز الرفع أو النصب كسابقه.
وكذلك الحكم إن وجد فاصل بين النعت والمنعوت؛ مثل لا تاجرَ وصانعٌ خَدَّاعان ناجحان. فلا يجوز بناء كلمة، "خداعان" بل يجب رفعها أو نصبها.
ومما يلاحظ أن المنعوت إذا كان غير مفرد بأن كان مضافاً أو شبيهاً بالمضاف) فإنه سيجئ بعده ما يفصل بينه وبين النعت حتماً.
*زيادة وتفصيل: البدل النكرة (وهو الصالح لدخول: "لا") كالنعت المفصول، نحو؛ لا أحدَ، رجلا، وامرأةً فيها. بالنصب أو الرفع، ولا يجوز بناؤه على توهم تركبه مع المبدل منه، لأن البدل على نية تكرار العامل: "لا"، فيقع بين البدل والمبدل منه فاصل مقدر يمنع من ذلك التركيب الوهمى. وأجازه بعضهم لأن هذا الفاصل - وهو "لا" - يقتضى الفتح.
فإن كان البدل معرفة وجب رفعه، نحو لا أحد محمدٌ وعلىٌّ فيها. وكذا يقال فى عطف البيان.
وأما التوكيد فالأفضل فى اللفظىّ منه أن يكون جارياً على لفظ المؤكَّد من ناحية خلوه من التنوين. ويجوز رفعه أو نصبه. وأما المعنوى فيمتنع هنا تبعاً للرأى الشائع القائل: إنه لا يَتْبَع نكرة؛ لأن ألفاظه معارف. أما على الرأى القائل إنه يتبعها فيتعين رفعه، لعدم دخول "لا" على المعرفة.
النصوص الواردة في ( كتاب النحو الوافي / عباس حسن ) ضمن الموضوع ( باب "لا" النافية للجنس ) ضمن العنوان ( المسألة 59: بعض أحكام أخرى. )


(ا) دخول همزة الاستفهام على "لا" النافية للجنس.
إذا دخلت همزة الاستفهام على: "لا" النافية للجنس صار الأسلوب إنشائيًّا، ولم يتغير شىء من الأحكام السالفة كلها - وهذا أوضح الآراء وأيسرها - يتساوى معه أن تكون "لا" مفردة، ومكررة، وأن يكون الاسم مفرداً وغير مفرد، منعوتاً وغير منعوت، معطوفاً وغير معطوف.... إلى غير ذلك من سائر الأحكام التى أوضحناها.
ولا فرق فيما سبق بين أن تكون الهمزة للاستفهام الصريح عن النفى المحض (أىْ: دون قصد توبيخ أو غيره ...)؛ نحو: ألا رجلَ حاضراً؟ أو للاستفهام المقصود به التوبيخ؛ نحو: ألا إحسانَ منك وأنت غنى؟. أو للاستفهام المقصود به التمنى؛ نحو ألامالَ فأساعدَ المحتاج؟
زيادة وتفصيل:
(ا) ومن الأساليب الصحيحة فى التمنى: "ألا ماءَ ماءَ بارداً". فكلمة "ماء" الثانية نعت للأولى: فهو مبنى على الفتح، لأنه بمنزلة المركب المزجىّ مع اسم "لا" ويجوز نصبه، ولكن يمتنع رفعه عند سيبويه ومن معه - على مراعاة محل (لا) مع اسمها، وأنهما بمنزلة المبتدأ، ويجوز عند المازنى ومن وافقه.
وعلى هذا، تكون "ألا" التى: للتمنى محتفظة عند بعض النحاة - بجميع الأحكام الخاصة التى كانت لكلمة: "لا" قبل دخول الهمزة. وقبل أن يصبرا كلمة واحدة للتمنى. وإذا لم يكن خبرها مذكوراً فهو محذوف. ويخالف فى هذا فريق آخر كسيبويه فيرى أنها حين تكون للتمنى - لا تعمل إلا فى الاسم؛ فلا خبر لها؛ لأنها صارت بمنزلة: أتمنى. فقولك: "ألا ماء"، كلام تام عنده؛ حملا على معناه، وهو: أتمنى ماء. فلا خبر لها لفظاً ولا تقديراً، واسمها هنا يكون بمنزلة المفعول به. ولا يجوز إلغاء عملها فى الاسم، كما لا يجوز الوصف ولا العطف بالرفع مراعاة للابتداء؛ كما أشرنا. ولا يقع هذا الخلاف فى النعوت الأخرى. التى سبق حكمها - فى ص 639 والرأى الأول - مع عيبه - أفضل؛ لأنه مطرد يساير القواعد العامة؛ فلا داعى للأخذ بالرأى الثانى.
ويتعين تنوين كلمة: "بارداً"، لأن العرب لم تركب أربعة أشياء تركيباً مزجياً، ولا يصح إعراب كلمة: "ماء" الثانية توكيداً ولا بدلا؛ إذ يكون مقيداً بالنعت الآتى بعده، والأول مطلق؛ فليس مرادفًا له حتى يؤكده، ولا مساوياً له حتى يبدل منه بدل مطابقة.
لكن جوز بعضهم التوكيد فى قوله تعالى: {لنسفعنْ بالناصية ناصية كاذبة} فكذا هنا. وجوز بعضهم أن يكون عطف بيان؛ لأنه يجيز أنّ يكون أوضح من متبوعه.
(ب) قد ترد كلمة: "ألا" للاستفتاح والتنبيه (بقصد توجيه الذهن إلى كلام هام مؤكد عند المتكلم؛ يجئ بعدها). وهى كلمة واحدة. لا عمل لها، فتدخل على الجملة الاسمية والفعلية؛ نحو: {ألا إنّ أولياءَ اللهِ لا خوفٌ عليهم ولا هم يحزنون} وقوله: {ألا يوم يأتيهم ليس مصروفاً عنهم} فقد دخلت على "ليس" كما تجئ وهى كلمة واحدة للعَرْض، والتحضيض؛ فتَخْتَص بالجملة الفعلية؛ فمثال العَرْض: ألا تشاركنى فى الرحلة الجميلة. ومثال التحضيض ألاَ تقاوم أعداء الوطن.
جـ - يجرى على خبر "لا" ما يجرى على سائر الأخبار، من جواز الحذف - وكثرته - إنْ دلَّ دليل. وليس من اللازم لجواز الحذف أن يكون الخبر هنا شبه جملة فقد يكون شبه جملة كقول الشاعر:
*إذا كان إصلاحى لجسمىَ - واجباً * فإصلاح نفسى لا محالة أوجب*
اى: لا محالة فى ذلك. وقول الآخر:
*لا يصلح الناس فِوْضَى لا سَرَاة الهم * ولا سَراةَ إذا جُهَّالهم سادوا*
أى: ولا سَرَاة لهم إذا جُهَّالهم سادوا. وقد يكون جملة؛ كان يقال: هل من جاهل يصلح للسيادة؟ فيجاب: لا جاهلَ. أى: لا جاهل يصلح للسيادة .... وقد يكون مفرَداً كالأمثلة الآتية بعد:
والدليل على الحذف قد يكون مقاليًا؛ كأن يقال: من المسافر؟ فيجاب: لا أحد. أى: لا أحدَ مسافر. وقد يكون الدّليل مفهوماً من المقام والحالة الملابسة؛ كأنْ يقَال للمريض: لا بأسَ، أى: لا بأس عليك. وللسارق: لا نجاة، أى: لا نجاة لك. وبغير الدليل لا يصحّ الحذف.
ومن الأساليب التى حذف فيها الخبر: "لا سيما" وقد سبق الكلام عليها. فى ص 363-.
ومنها: لا إله إلا الله؛ ومنها: لا ضَيْرَ. ومنها: لا ضرر ولا ضِرَار. ومنها: لا فوْت..
وقد يحذف الاسم لدليل، نحو: لا عليك. أى: لا بأس عليك.
د- بمناسبة الكلام على: "لا" يتعرض بعض النحاة لتفصيل الكلام على الأسلوب الذى يشتمل على: "لا جرمَ" واعتبار "لا" زائدة. أو غير زائدة. وقد سبق تفصيل هذا فى رقم 4 من ص 595.
هـ- إن جاء بعد "لا" جملة اسمية صدرها معرفة، أو صدرها نكرة لم تعمل فيها - بسبب وجود فاصل، مثلا - أو جاء بعدها فعل ماض لفظاً ومعنى لغير الدعاء - وجب تكرارها فى أشهرا الاستعمالات. فمثال الاسمية التى صدرها معرفة قوله تعالى: {لا الشمسُ ينبغى لها أن تُدركَ القمرَ، ولا الليلُ سابقُ النهار} ومثال النكرة التى لم تعمل فيها قوله تعالى: {لا فيها غَوْلٌ ولا هم عنها يُنْزَفُون...}.
ولم تعمل هنا لوجود فاصل. ومثل الماضى قوله تعالى: {فلا صَدَّق ولا صلى...} وفى الحديث: إن المنْبَتَّ لا أرضاً قطع ولا ظهراً أبقى.
(و) إذا وقعت كلمة "إلاّ" بعد "لا" جاز فى الاسم المذكور بعد "إلا" الرفع والنصب. نحو: لا إلهَ إلا اللهَ، - بالرفع أو النصب، ولا سيفَ إلا ذو الفَقَار. أو ذَا الفقار فالنصب على الاستثناء، والخبر محذوف قبل "إلاّ". والرفع على البدل؛ إما من محل "لا" مع اسمها؛ والخبر محذوف قبل "إلاّ". والرفع على البدل؛ إما من محل "لا" مع اسمها؛ وإما على البدل من الضمير المستتر فى الخبر المحذوف، وإما من محل اسم "لا" بحسب أصله الأول؛ فقد كان مبتدأ، وقد أوضحنا هذا قريباً.
(ز) إذا لم تعمل: "لا" بسبب دخولها على معرفة، أو لوجود فاصل بينها وبين اسمها - فالواجب عند الجمهور تكرارها - كما تقدم -.
ويلزم تكرارها مع اقترانها بالواو العاطفة إذا وليها مفرد منفى بها وقع خبراً أو نعتًا، أو حالا؛ نحو: علىٌّ لا قائمٌ ولا قاعدٌ، ومررت برجلٍ لا قائمٍ ولا قاعدٍ، ونظرت إليه لا قائماً ولا قاعداً.
وتتكرر أيضاً إذا دخلت على الماضى لفظاً ومعنًى، وكان لغير الدعاء - كما سلف -‘ نحو: محمود لا قام ولا قعد. وقد يغنى عن تكرارها حرف نفى آخر؛ وهذا قليل؛ مثل لا أنت أبديت رأيك ولم تظهر غرضك. ومنه وقول الشاعر: (... فلا هو أبداها ولم يتجمجم) ولم تتكرر فى نحو: لا نَوْلُك أن تفعل كذا ... لأنه بمعنى: لا ينبغى....
فلم يبق شيء لا تتكرر فيه وجوباً سوى المضارع؛ نحو: حامد لا يقوم...


تم الكتاب ولله الحمد والمنة