هنا عشت و من هذا الطريق سلكت و لأنها الحياة رحلت

الاثنين، 5 أبريل، 2010

كتاب النحو الوافي عباس حس4

* *
كيفية إعراب أسماء الموصول:
(ا) جميع الأسماء الموصولة المختصة مبنية، إلا اسمين للمثنى؛ هما: "اللذان" "واللتان". وما عدا هذين الاسمين يلاحظ فى إعرابه موقعه من الجملة، أفاعل هو، أم مفعول به...، أم مبتدأ، أم خبر... أم غير ذلك؟ فإذا عرفنا موقعه، وحاجة الجملة إليه - نظرنا بعد ذلك إلى آخره؛ أساكن هو أم متحرك؟ فإذا اهتدينا إلى الأمرين؛ (موقعه من الجملة، وحالة آخره) قلنا فى إعرابه: اسم موصول مبنى على السكون، أو على حركة كذا، فى محل رفع، أو نصب، أو جر، على حسب الجملة؛ "فالذى" مبنية على السكون دائمًا، ولكنها فى محل رفع، أو نصب، أو جر على حسب موقعها من الجملة؛ ففى ملث: سافر الذى يرغب فى السياحة، مبنية على السكون فى محل رفع، لأنها فاعل. وفى مثل: ودعت الذى سافر - مبنية على السكون فى محل نصب؛ لأنها مفعول به. وفى مثل: أشرت على الذى سافر بما ينفعه - مبنية على السكون فى محل جر بعلى.
ومثل هذا يقال فى باقى الأسماء الموصولة المختصة؛ سواء منها ما كان مبنيًّا على السكون أيضًا؛ وهو: "التى"، و"أولَى" مقصورة، واللاتى، واللائى. أو مبنيًّا على الكسر؛ وهو: "أولاءِ"، و "اللاتِ" و"اللاءِ". أو مبنيًّا على الفتح وهو: "الذينَ".
أما الاسمان الخاصّان بالتثنية؛ وهما: "اللَّذانِ" و "اللَّتان"، رفعا. و"اللَّذَيْنِ" و "اللَّتينِ"، نصبا وجرا، فالأحسن - كما سبق - أن يكونا معربين كالمثنى؛ فيرفعان بالألف، وينصبان ويجران بالياء.
(ب) وجميع الأسماء الموصولة العامة (أى: المشتركة) مبنية كذلك؛ إلا (أىّ)؛ فإنها تكون مبنية فى حالة، وتكون معربة فى غيرها، على حسب ما أوضحنا.
والأساس الذى نتبعه فى الموصولات العامة هو الأساس الذى بيناه فى الموصولات المختصة؛ بأن ننظر أوّلا إلى موقع اسم الموصول المشترك من جملته؛ أمبتدأ هو، أم خبر، أم فاعل، أم مفعول... أو ...؟ فإذا عرفنا موقعه نظرنا إلى آخره؛ أساكن هو أم متحرك؟ فإذا أدركنا الأمرين قلنا عنه: إنه مبنى على السكون أوعلى حركة "كذا" فى محل رفع، أو نصب، أو جر. لأنه مبتدأ، أو خبر، أو فاعل، أو مفعول به، أو مضاف إليه ... أو ...
فكلمة "مَنْ" مبنية على السكون دائمًا، ولكن فى محل رفع، أو نصب، أو جر، ف فهى فى مثل، قعد "مَن" حضر - مبنية على السكون فى محل رفع؛ لأنها فاعل. وهى فى مثل: آنستُ "مَنْ" حضر 0 مبنية على السكون فى محل نصب؛ لأنها مفعول به. وهى فى مثل: سعدتُ "بمن" حضر - مبنية على السكون فى محل جر؛ لأنها مجرورة بالياء.
وهكذا يقال فى: "ما" و: "ذو" وفى: "ذا" الواقعة بعد "ما" أو "من" الاستفهاميتين.
أما "أل" الموصولة فالأحسن ألا نطبق عليها الأساس السابق؛ فلا ندخل فى اعتبارنا أنها مبنية، ولا ننظر إلى آخرها؛ وهو اللام - وإنما ننظر معها إلى الصفة الصريحة التى بعدها، ونجرى على الصفة وحدها حركات الإعراب؛ ففى مثل: الناصح الأمين خير مِعوان فى ساعات الشدة، يلجأ إليه المكروب فينقذه بصائب رأيه - نقول: "الناصح" اسم إن منصوب، "الأمين" صفة منصوبة. "المكروب" فاعل مرفوع.
النصوص الواردة في ( كتاب النحو الوافي / عباس حسن ) ضمن الموضوع ( باب الموصول ) ضمن العنوان ( المسألة 27: صلة الموصول والرابط. تعريفها وشروطها. )


الموصولات كلها - سواء أكانت اسمية أم حرفية - مبهمة المدلول، غامضة المعنى، كما عرفنا. فلا بد لها من شيء يزيل إبهامها وغموضها، وهو ما يسمى: "الصلة". فالصلة هى التى تُعَين مدلول الموصول، وتُفَصّل مجمله، وتجعله واضح المعنى، كامل الإفادة. ومن أجل هذا كله لا يستغنى عنها موصول اسمى، أو حرفى. وهى التى تُعرّف الموصول الاسمى. - فى الصحيح -
شروطها:
الصلة نوعان: جملة (اسمية أو: فعلية) وشبه جملة. والجملة هى الأصل.
فأما النوع الأول - وهو الجملة بقسميها - فمن أمثالها قول الشاعر يصف إساءة أحد أقاربه:
*ويَسْعَى إذا أبْنِى لِيْدِمَ صَالحِى * وليس الذى يَبْنِى كمنْ شأنُه الهدمُ*
ولا يتحقق الغرض منها إلا بشروط، أهمها:
1- أن تكون خبرية لظفاً ومعنى، وليست للتعجب؛ نحو؛ اقرأ الكتاب الذى "يفيدك". بخلاف: اقْرأ الكتاب الذى "حَافِظْ عليه" لأن جملة؛ "حافظْ عليه"، إنشائية، وليست خبرية. وبخلاف: مات الذى "غفر الله له" لأن جملة: "غفر الله له" خبرية فى اللفظ دون المعنى؛ إذ معناها طلب الدعاء للميت بالغفران؛ وطلب الدعاء إنشاء، لا خبر. وبخلاف: هنا الذى "ما أفْضَلَه"؛ لأن الجملة التعجية إنشائية - فى رأى كثير من النحاة - برغم أنها كانت خبرية قبل استعمالها فى التعجب. ويلحق بالخبرية - هنا - الإنشائية التى فعلها: "عسى".
قد يصح فى: "إنْ" - وهى من الموصولات الحرفية - وقوع صلتها جملة طلبية: نحو: كتبت لأخى بأن دَاوِمْ. على أداء واجبك. وهذا مقصور على "أنْ" دون غيرها من الموصولات الاسمية والحرفية.
2- أن يكون معناها معهداً مفصلاً للمخاطب، أو بمنزلة المعهود المفصَّل.
فالأولى مثل: أكرمت الذى قابلك صباحاً؛ إذا كان بينك وبين المخاطب عهد فى شخص مُعَين. ولا يصح غاب الذى تكلم، إذا لم تقصد شخصاً معيناً عند السامع.
والثانية: هى الواقعة فى مَعْرِض التفخيم، أو معرض التهويل؛ مثل: يا له من قائد انتصر بعد أن أبدى من الشجاعة ما أبْدى!! ويا لها من معركة قُتل فيها من الأعداء مَنْ قُتل!!.أي: أبْدَى من الشجاعة الشىء الكثير المحمود. وقتل فى المعركة الكثير الذى لا يكاد يُعَد. ومثل هذا قوله تعالى: {فَأَوْحَىٰ إِلَىٰ عَبْدِهِ مَآ أَوْحَىٰ}. أى: الكثير من العلم والحكمة... وقوله تعالى: {فَغَشِيَهُمْ مِّنَ ٱلْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ}، أى؛ الهول الكثير، والبلاء العظيم.
والمعول عليه فى ذلك كله هو الغرض من الموصول؛ فإن كَان الغرض منه أمرًا معودًا للمخاطب جاءت صلته معهودة مفصلة، وإن أريد به التعظيم أو التهويل جاءت مبهمة بمنزلة المفصلة.
3- أن تكون مشتملة على ضمير يعود على اسم الموصول - غالباً - ويطابقه؛ إما فى اللفظ والمعنى معًا، وإما فى أحدهما فقط على التفصيل الذى سنعرفه. وهذا الضمير يسمى: "العائد، أو: الرابط" لأنه يعود - غالبًا - على الموصول، ويربطه بالصلة. ولا يكون إلا فى الموصولات الاسمية دون الحرفية، ويجب أن تكون مطابقته تامة؛ بأن يوافق لفظ الموصول ومعناه. وهذا حين يكون الموصول اسمًا مختصًا؛ فيطابقه الضمير فى الإفراد، والتأنيث، وفروعهما؛ نحو: سَعِدَ الذى أخلص، واللذان أخلصا، والذين أخصلوا، والتي أخلصتْ، واللتان أخلصتا، واللاتى أخلصْن. ومن هذا قول الشاعر:
*أمَنزلَتىْ مَىٍّ، سَلامٌ عليكما * هل الأزْمُنُ اللاَّتى مَضَيْنَ رَوَاجعُ*
أما إن كان الاسم الموصول عامًّا (أى: مشتركاً) فلا يجب فى الضمير مطابقته مطابقة تامة: لأن اسم الموصول العام: لفظه مفرد مذكر دائماً، كما أسلفنا (مثل: مَنْ - ما - ذو -...) ولكن معناه قد يكون مقصوداً به. المفردة، أو المثنى، أو الجمع. بنوعيها، ولهذا يجوز فى العائد (أى: الرابط). عند أمْن اللبس، وفى "غير أل": مراعاة اللفظ، وهو الأكثر، ومراعاة المعنى وهو كثير أيضًا - بالتفصيل الذى عرفناه - تقول شَقِىَ مَنْ أسْرَف... فيكون الضمير مفردًا مذكرًا فى الحالات كلها؛ مراعاة للفظ "من"، ولو كان المراد المفردة، أو المثنى، أو الجمع بنوعيهما. وإن شئت راعيْت المعنى، فأتيت بالرابط مطابقًا له؛ فقلت: من أسْرَفَتْ. من أسْرَفَتَا - من أسْرفُوا - من أسْرفَّن. فالمطابقة فى اللفظ أو فى المعنى جائزة فى العائد على اسم الموصول المشترك. إلا إن كان اسم الموصول المشترك "أل" فتجب المطابقة فى المعنى وحده؛ لخفاء موصوليتها بغير المطابقة - كما سبق عند الكلام عليها.
وقد يغنى عن الضمير فى الربط اسم طاهر يحل مكان ذلك الضمير، ويكون بمعنى الموصول؛ نحو: اشكر عليًّا الذى نفعك علْمُ علىّ، أي: علمه. ونحو قول الشاعر العربى:
*فيا رَبَّ ليلَى أنتَ فى كُلِّ مَوْطن * وأنت الَّذِى فى رحمةِ اللهِ أطمعُ*
أى: فى رحمته أطمعُ.
زيادة وتفصيل:
(ا) هناك شروط أخرى في جملة الصلة؛ أهمها:
1- أن تتأخر وجوباً عن الموصول؛ فلا يجوز تقديمها، ولا تقديم شىء منها عليه.
2- أن تقع بعد الموصول مباشرة؛ فلا يفصل بينهما فاصل أجنبى؛ (أى: ليس من جملة الصلة نفسها). وألا يفصل بين أجزاء الصلة فاصل أجنبى أيضًا؛ ففى مثل: اقرأ الكتاب الذى يفيدك فى عملك، وأرشدْ إليه غيرَك...، لا يصح اقرأ الكتاب الذى - غيرَك - يفيدك فى عملك، وأرشد إليه، لوجود فاصل أجنبى بين الموصول وصلته، وهو كلمة: "غير" التى هى من جملة أخرى غير جملة الصلة. ولا يصح اقرأ الكتاب الذى يفيدك - غيرَك - فى عملك، وأرشد إليه، لوجود فاصل أجنبي لم يفصل بين الموصول وصلته؛ وإنما تخلل جملة الصلة، وفصل بين أجزائها مع أنه ليس منها... وهكذا.
لكن هناك أشياء يجوز الفصل بها بين الموصولات الاسمية وصلتها إلا "أل" فلا يجوز الفصل بينها وبين صلتها مطلقاً. وكذلك يجوز الفصل بها بين الموصول الحرفى "ما" وصلته - في رأى قوىّ - دون غيره من باقى الموصولات الحرفية.
فأما الأشياء التى يجوز أن تفصل بين هذه الأنواع من الموصولات وصلتها فهى: جملة القسم؛ نحو غاب الذى "والله" قهر الأعداء. أو جمكلة النداء بشرط أن يسبقها ضمير المخاطب؛ نحو: أنت الذى - يا حامد - تتعهد الحديقة، أو بالجملة المعترضة؛ نحو: والدى الذى - أطال الله عمره - يرعى شئونى، أو بجملة الحال، نحو: قدم الذى - هو مبتسم - يحسن الصنيع.
وكذلك يجوز تقديم بعض أجزاء الصلة الواحدة على بعض بحيث يفصل المتقدم بين الموصول وصلته، أو بين أجزاء الصلة، إلا المفعول به؛ فلا يصح تقديمه على عامله إن كان الموصول حرفياً غير: "ما" تقول: تفتح الورد الذى العيونَ - يَسُرّ ببهائه. أو تفتح الورد الذى - ببهائه - يَسُرّ العيون. تريد فيهما: تفتح الورد الذى يسر العيون ببهائه.
والفصل بتلك الأشياء على الوجه الذى شرحناه - جائز فى الموصولات الاسمية إلا "أل"، غير جائز فى الموصولات الحرفية إلا "ما"؛ كما قلنا؛ فيصح أن تقول: فرحتُ بما الكتابةَ أحسْنت، أى: بما أحسنْت الكتابة. (بإحسانك الكتابة).
ولما كان الفصل بين الموصول وصلته غير جائز إلا على الوجه السالف امتنع مجىء تابع للموصول قبل مجىء صلته؛ فلا يكون له قبلها نعت، ولا عطف بيان، أو نسق ولا توكيد، ولا بدل، وكذلك لا يخبر عنه قبل مجىء الصلة وإتمامها. لأن الخبر أجنبى عن الصلة، وكذلك لا يستثنى من الموصول؛ فلا يصح: (رجع الذى - غيرُ الضار - ينفع الناس)؛ ولا يصح: (يحترم العقلاء الذى محمدًا - يفيد غيره)، ولا: (نظرت إلى الذى - والحصنِ - سكنتَه)، ولا: (رأيت التى - نفسَها فى الحقل)، ولا : (جاء الذينَ - الذى فاز - فازوا). ولا: (الذى سباحٌ ماهر - عبر النيل) ولا: (وقف الذين - إلا محمودًا - فى الغرفة) تريد: رجع الذى ينفع الناس غيرُ الضار. ويحترم العقلاء الذى (أى: محمدًا) يفيد غيرَه. ونظرت إلى الذى سكنته والحصنِ، ورأيت التى فى الحقل نفسَها. وجاء الذى فاز. الذى عبر النيل سباح ماهر - ووقف الذين فى الغرفة إلا محمودًا.
ويفهم من الشرط السابق شىء آخر. هو: أنه لا يجوز تقدم الصلة ولا شىء من مكملاتها على الموصول، وهذا صحيح، إلا أن يكون المكمل ظرفًا، أو جارًّا مع مجروره - فيجوز التقديم عند أمن اللبس نحو: أمامنا الذى قرأتَه رسالةٌ كريمةٌ. أى: الذى قرأته أمامنا رسالةٌ كريمة. ومثل: الغزالة هى - فى حديقتك - التى دَخَلَتْ. أى: الغزالة هى التى دخلتْ فى حديقتك.
3- ألا تستدعى كلامًا قبلها؛ فلا يصح: كتب الذى لكنه غائب، ولا: تَصَدَّق الذى حتى ما لُه قليل؛ إذ "لكن" لا يتحقق الغرض منها (وهو: الاستدراك) إلا بكلام مفيد سابق عليها، وكذلك: "حتى" لا بد أن يتقدمها كلام مفيد تكون غاية له.
4- ألا تكون معلومة لكل فرد؛ فلا يصح شاهدت الذى فمه فى وجهه، ولا حضر مَنْ رأسه فوق عنقه.
(ب) إذا كان اسم الموصول خبرًا عن مبتدأ، هو ضمير متكلم أو مخاطب، جاز أن يراعى فى الضمير الرابط مطابقته للمبتدأ فى التَّكلم أو الخطاب، وجاز مطابقته لاسم الموصول فى الغَيبة؛ تقول: أنا الذى حضرت، أو: أنا الذى حضر. وأنت الذى برعتَ فى الفن، أو: أنت الذى برع فى الفن؛ فالتاء فى الصورة الأولى يراد بها المبتدأ: (أنا) ولا تعود على اسم الموصول. وهو فى هذه الحالة يعرب خبرًا؛ ولا يحتاج لرابط يعود عليه من الصلة؛ اكتفاء واستغناء بالتاء المراد بها المبتدأ؛ فيكون المبتدأ والخبر هنا كالشىء الواحد. وأما فى الصورة الثانية فالضمير فى الصلة للغائب فيعود على اسم الموصول. ومثل ذلك يقال فى الحالتين اللتين فيهما المبتدأ ضمير المخاطب، وخبره اسم موصول. كما يقال أيضًا فى حالة ثالثة؛ هى: أن يكون المبتدأ ضمير متكلم أو مخاطب، وله خبر موصوف باسم موصول؛ فيجوز فى الرابط أن يكون للتكَّلم أو للخطاب، مراعاة للمبتدأ، ويجوز فيه أن يكون للغيبة؛ مراعاة لاسم الموصول.تقول: أنا الرجل الذى عاونت الضعيف، أو أنا الرجل الذى عاون الضعيف - وأنت الرجل الذى سبقت فى ميدان الفنون، أو: أنت الرجل الذى سبق فى ميدان الفنون.
وإنما يجوز الأمران فى الحالات السابقة ونظائرها بشرطين:
أولهما: ألا يكون المبتدأ الضمير مُشَبهًا بالخبر فى تلك الأمثلة؛ فإن كان مُشَبَّهًا بالخبر لم يجز فى الربط إلا الغَيبة؛ نحو: أنا فى الشجاعة الذى هزم الرومان فى الشام. وأنت فى القدرة الذى بنى الهرم الأكبر؛ تريد؛ أنا فى الشجاعة كالذى هزم الرومان فى الشام، وأنت فى القدرة كالذى بنى الهرم الأكبر. فالمبتدأ فى المثالين مقصود به التشبيه، لوجود قرينة تدل على ذلك؛ هى: أن المتكلم والمخاطب يعيشان فى عصرنا، ولم يدركا العصور القديمة.
وثانيهما: ألا يكون اسم الموصول تابعًا للمنادى: "أىّ"، أو: أيّة، فى مثل: يأيّها الذى نصرت الضعيف ستسعد، ويأيتها التى نصرت الحق ستفوزين فلا يَصح أن تشتمل الصلة على ضمير خطاب فى رأى بعض النحاة، دون بعض آخر. وملخص المسألة - كما سيجىء فى ج4 ص 36 م 30 باب أحكام تابع المنادى - هو أنه لا بد من وصف؛ "أى وأيَّة"، عند ندائهما بواحد من أشياء معينة محددة، منها: اسم الموصول المبدوء "بأل" وقد اشترط الهمع (ج1 ص175) أن يكون الموصول مبدوءًا بأل، وأن تكون صلته خالية من الخطاب، فلا يقال يأيها الذى قمت. فى حين نقل الصبان (ج3 أو باب تابع المنادى) - صحة ذلك قائلا ما نصه: (ويجوز بأيها الذى قام، ويأيها الذى قمت)، والظاهر أن الذى منعه الهمع ليس بالممنوع، ولكنه غير الأفصح الشائع فى الكلام المأثور؛ بدليل ما قرره النحاة ونقله الصبّان فى الموضع المشار إليه ونصّه: (الضمير فى تابع المنادى يجوز أن يكون بلفظ الغَيبة؛ نظرًا إلى كون لفظ المنادى اسمًا ظاهرًا، والاسم الظاهر من قبيل الغيبة، وبلفظ الخطاب نظرًا إلىكون المنادى مخاطبًا، فعلمت أنه يجوز أيضًا: يا زيد نفسه أو نفسك. قاله الدمامينى. ثم قال ويجوز يأيها الذى قام، ويأيها الذى قمت) ا هـ كلام الصبان نصّا.
وكل ما سبق تقريره فى العائد من حيث التكلم أو الخطاب أو الغيبة يثبت لكل ضمير قد يجىء بعده ويكون بمعناه؛ نحو: أنا الذى عاهدتك على الوفاء ما عشتُ. أو أنا الذى عاهدك على الوفاء ما عاش، وقد يختلفان كما فى قول الشاعر:
*نحن الذين بايعوا محمدًا * على الجهاد ما بقينا أبدا*
هذا، وبالرغم من جواز المطابقة وعدمها فى الصور السابقة - فإن مطابقة الرابط لضمير المتكلم أفصح، وأوضح؛ فهى أولى من مراعاة الموصول الغائب، وكذلك مطابقته للمخاطب أولى من اسم الموصول الغائب؛ وزيادة الإيضاح غرض لغوىّ هامّ لا يُعْدَل عنه إلا لداع آخر أهم.
وسيجىء فى باب أحكام تابع المنادى (فى الجزء الرابع) أن الضمير المصاحب لتابع المنادى يصح فيه أن يكون للغائب أو للمخاطب، وأن هذا الحكم عام يسرى على توابع المنادى المنصوب اللفظ وغير المنصوب، إلا صورة واحدة مستثناة وقع فيها الخلاف. وتطبيقًا لذلك الحكم العام نقول: يا عربا كلكم، أو: كلهم... ويا هارون نفسك، أو: نفسه، خذ بيد أخيك - يا هذا الذى قمت أو قام أسرع إلى الصارخ.
أما الصورة المستثناة التى وقع فيها الخلاف فهى التى يكون فيها المنادى لفظ. (أىّ، أو: أية) والتابع اسم موصول، فلا يجوز عند فريق من النحاة أن تشتمل صلته على ما يدل على خطاب؛ فلا يصح: يأيها الذى حضرت، ويصح عنده غيره - كما سلف -
حـ - يجيز الكوفيون جزم المضارع الواقع فى جملة بعد جملة الصلة، بشرط أن تكون الجملة الفعلية المشتملة على هذا المضارع مترتبة على جملة الصلة كترتب الجملة الجوابية على الجملة الشرطية حين توجد أداة الشرط التى تحتاج للجملتين، فكأن الموصول بمنزلة أدامة الشرط، والجملتان بعده بمنزلة جملة الشرط وجملة الجواب. ففى مثل: من يزورنى أزُوره... يجيزون؛ من يزورنى أزره؛ بجزم المضارع: "أزرْ" على الاعتبار السالف. لكن حجتهم هنا ضعيفة، والسماع القوى لا يؤيدهم، ولهذا يجب إهمال رأيهم، والاكتفاء من معرفته بفهم المسموع الوارد، دون محاكاته - كما سيجىء فى الجوازم.
وأما النوع الثانى وهو: "شبه الجملة" فى باب الموصول فثلاثة أشياء: الظرف - والجار مع المجرور - والصفة الصريحة. ويشترط فى الظرف والجار مع المجرور أن يكونا تأمّين، أى: يحصل بالوصل بكل منهما فائدة؛ تزيل إبهام الموصول، وتوضح معناه من غير حاجة لذكر متعلقهما؛ نحو: تكلم الذى عندك، وسكت الذى فى الحجرة. فكل من الظرف: (عند) والجار مع المجرور: (فى الحجرة)، تام. وكلاهما يتعلق حتمًا بفعل لا بشىء آخر، وهذا الفعل محذوف وجوبًا - لأنه كوْن عامّ - تقديره: استقرّ، أو حَل، أو نزلَ... وفاعله ضمير مستتر يعود على اسم الموصول، ويربط بينه وبين الصلة. فالأصل فى المثالين السابقين: تكلم الذى استقر عندك، وسكت الذى استقر فى الحجرة. وهكذا...
"ملاحظة"؛ إذا وقع الظرف نفسه صلة "أل" - بأن دخلت عليه مباشرة، كصنيع بعض القبائل العربية فى مثل قولهم: سررت من الكتاب الْمَعَك؛ يريدون: الذى معك - فإنَّ تعلق الظرف فى هذه الحالة لا يكون إلاّ بصفة صريحة، تقديرها: "الكائن"، أو: نحو هذا التقدير. لأن صلة: "أل" لا بد أن تكون صفة صريحة، ولا يصح التعلق بفعل - كما سنعرف -...
أما الصفة الصريحة فالمراد بها: الاسم المشتق الذى يشبه الفعل فى التجدد والحدوث، شبهًا صريحًا؛ أى: قويًا خالصًا (بحيث يمكن أن يحل الفعل محله) ولم تغلب عليه الاسمية الخالصة. وهذا ينطبق على اسم الفاعل - ومثله صيغُ المبالغة - واسم المفعول؛ لأنهما - باتفاق - يفيدان التجدد والحدوث؛ مثل قارىء، فاهم: زَرّاع، مقروء، مفهوم...، وتكون الصفة الصريحة مع فروعها صلة "أل" خاصة؛ فلا يقعان صلة لغيرها، ولا تكون "أل" اسم موصول مع غيرهما على الأشهر. تقول: انتفع القارىء - سَمَا الفاهم - اغتنى الزَّراع، المقروء قليل،ولكن المفهوم كثير... ومثل المرتَجَى والخائب في قول الشاعر:
*الصدق يألفُه الكريمُ المرتَجَى * والكِذْب يألفه الدنىء الخائبُ*
ولما كانت الصفة المشبهة الصريحة مع مرفوعها هى التى تقع صلة "أل" وتتصل بها اتصالا مباشراً ولا ينفصلان حتى كأنهما كلمة واحدة - كان المستحسن إجراء الإعراب بحركاته المختلفة على آخر هذه الصفة الصريحة دون ملاحظة "أل"؛ فهو يتخطاها؛ برغم أنها اسم موصول مستقل، وأن صلته هى شبه الجملة المكون من الصفة الصريحة مع فروعها. فالصفة وحدها هى التى تجرى عليها أحكام الإعراب، ولكنها مع فروعها صلة لا محل لها. والأخذ بهذا الإعراب أيسر وأبعد من التعقيد الضارب فى الآراء الأخرى.
فإن غلبت الاسمية على الصفة صارت اسماً جامد، ولم تكن "أل" الداخلة عليها اسم موصول، مثل الأعلام: المنصور، والهادى، والمأمول، والمتوكل... من أسماء الخلفاء العباسيين؛ ومثل: الحاجب؛ لما فوق العين. والقاهر، والمنصور، والمعمورة، من أسماء البلاد المصرية.
زيادة وتفصيل:
يقتضى المقام أن نعرض لمسائل هامة تتصل بما نحن فيه. منها: تعدد الموصول، والصلة - حذفها - حذف الموصول - اقتران الفاء بخبر اسم الموصول، والتفريعات المتصلة بذلك - حذف العائد (ولهذا بحث مستقل فى 357).
وإليك الكلام فى هذه المسائل:
(ا) تعدد الموصول والصلة:
1- قد يتعدد الموصول من غير أن تتعدد الصلة؛ فيكتفى موصولان أو أكثر بصلة واحدة. ويشترط فى هذه الحالة أن يكون معنى الصلة أمرًا مشتركًا بين هذه الموصولات المتعددة، لا يصح أن ينفرد به أحدهما، دون الآخر، وأن يكون الرابط مطابقًا لها باعتبار تعددها. مثل: فاز بالمنحة "الذى" "والتى" أجادا، وأخفق "الذين واللاتى" أهملوا. ففى المثال الأول وقعت الجملة الفعلية: (أجادا) صلة لاسمى الموصول: "الذى" و"التى". ولا يصح أن تكون صلة لأحدهما بغير الآخر؛ لاشتراكهما معًا فى معناها؛ ولأن الرابط مثنى لا يطابق أحدهما وحده، وإنما لوحظ فيه أمرهما معًا. وكذلك الشأن فى المثال الآخر.
2- قد تتعدد الموصولات وتتعدد معها الصلة؛ فيكون لكل موصول صتله؛ إما مذكورة فى الكلام، وإما محذوفة. جوازًا، و تدل عليها صلة أخرى مذكورة، بشرط أن تكون المذكورة صالحة لواحد دون غيره؛ فلا تصلح لكل موصول من تلك الموصولات المتعددة؛ نحو: عُدْت "الذى" و"التى" مرضتْ. وسارعت بتكريم "اللائى" و"الذين" أخلصوا للعلم. فالصلة فى كل مثال صالحة لأحد الموصولين فقط؛ بسبب عدم المطابقة فى الرابط؛ فكانت صلة لواحد، ودليلا على صلة الآخر المحذوفة جوازًا. فأصل الكلام عدت الذى مرض، والتى مرضت. وسارعت بكريم اللائى أخلصن، والذين أخلصوا. وهذا نوع من حذف الصلة جوازًا، لقرينة لفظية تدل عليها....
وقد تحذف الصلة لوجود قرينة لفظية أيضاً ولكن من غير أن يتعدد الموصول؛ مثل من رأيته فى المكتبة؟ فتجيب: محمد الذى ... أو: سعاد التى...
وقد تحذف الصلة من غير أن يكون فى الكلام قرينة لفظية تدل عليها وإنما تكون هناك قرينة معنوية يوضحها المقام؛ كالفخر، والتعظيم، والتحقير، والتهويل... فمن أمثلة الفخر أن يسأل القائد المهزوم البادى عليه وعلى كلامه أثر الهزيمة، قائدًا هزمه: من أنت؟ فيجيبه المنتصر: أنا الذى... أى: ،أنا الذى هزمتك. فقد فُهمت الصلة من قرينة خارجية، لا علاقة لها بألفاظ الجملة. ومثل: أن يسأل الطالب المتخلف زميله الفائز السابق بازدراء: من أنت؟ فجيب الفائز: أنا الذى... أي: أنا الذى فزت، وسبقتك، وسبقت غيرك... ومنه قول الشاعر يفاخر:
*نَحْنُ الأُلى... فَاجْمَعْ جُمُو * عَكَ ثُمَّ وَجِّهْهُمْ إِلَيْنَا*
أى: نحن الذين اشتهروا بالشجاعة، والبطولة، وعدم المبالاة بالأعداء.
ومن التحقير أن يتحدث الناس عن لص فتاك، أوقعت به حيلة فتاة صغيرة وغلام، حتى اشتهر أمرهما. ثم يراهما اللص؛ فيقول له أحد الناس: انظر إلى التى والذى... أي: التى أوقعت بك. والذى أوقع بك...
وقد وردت أساليب قليلة مسموعة عند العرب، التزموا فيها حذف الصلة؛ كقولهم: عند استعظام شىء وتهويله: "بعد اللَّتُيَا والَّتى، يريدون بعد اللتيا كَلَّفتْنا مالا نطيق، والتى حملتنا مالا نقدر عليه - أدركنا ما نريد.
مما تقدم نعلم أن حذف الصلة فى غير الأساليب المسموعة جائز عند وجود قرينة لفظية، أو معنوية؛ سواء أكانت الموصولات متعددة، أم غير متعددة بشرط ألا يكون الباقى بعد حذفها صالحًا لأن يكون صلة.
3- يجوز حذف الموصول الاسمى غير "أل" إذا كان مطوفاً على مثله، بشرط ألا يوقع حذفه - فى لَبْس؛ كقول زعيم عربىّ: "أيها العرب، نحن نعلم ما تفيض به صدور أعدائنا؛ من حقد علينا، وبغض لنا، وأن فريقًا منهم يدبر المؤامرات سرًّا، وفريقًا يملأ الحواضر إرْجَافًا، وفريقًا يُعِد العُدة للهجوم علينا، وإشعال الحرب فى بلادنا، ألا فليعلموا أن من يُدبّر المؤامرات، ويطلق الإشاعات. ويحْشُد الجيوش للقتال - كمن يطرق حديدًا باردًا. بل كمن يضرب رأسه فى صخرة عاتية، ليحطمها؛ فلن يخدشها وسيحطم رأسه".
فالمعنى يقتضى تقدير أسماء موصولة - محذوفة -؛ فهو يريد أن يقول: من يدبّر المؤمرات، ومن يطلق الإشاعات، ومن يحشد الجيوش... ذلك لانهم طوائف متعددة، ولن يظهر التعدد إلا بتقدير "مَنْ". ولولاها لأوهم الكلام أن تلك الأمور كلها منسوبة لفريق واحد؛ وهى نسبة فاسدة. ولهذا يجب عند الإعراب مراعاة ذلك المحذوف، كأنه مذكور، ومثله قول حسان فى أعداء الرسول عليه السلام:
*فَمَنْ يَهْجُو رَسُولَ اللهِ مِنْكُمْ * وَيَمْدَحُه وَيَنْصُرُهُ سَوَاءُ*
فالتقدير؛ من يهجو رسول الله، ومن يمدحه: ومن ينصره سواء. ولولا هذا التقدير لكان ظاهر الكلام أن الهجاء والمدح والنصر - كل أولئك من فريق واحد. ومن هذا قوله تعالى: "قولوا آمنا بالذى أنزل إلينا وأنزل إليكم"، أى: والذى أنزل إليكم، لأن المنزل إلى المسلمين ليس هو المنزَّل إلى غيرهم من أهل الكتاب.
أما الموصول الحرفى فلا يجوز حذفه. إلا "أنْ" فيجوز حذفها؛ مثل قوله تعالى: {يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ} وقد يجب. الحذف - بنوعيه - تفصيلات موضعها الكلام على "أنْ" الناصبة.
ب - قد يقترن الخبر الذى مبتدؤه اسم موصول بالفاء وجوبًا أو جوازًا، أو الذى مبتدؤه متصل باسم الموصول بنوع من الاتصال على الوجه الذى يجىء بيانه وتفصيله فى مكانه المناسب من باب المبتدأ والخير تحت عنوان: مواضع اقتران الخبر بالفاء ص 484 م41 وما بعدها. ومنها نعلم مواضع زيادة "الفاء" فى صلة الموصول بنوعيه بسبب إبهامه وعمومه.
النصوص الواردة في ( كتاب النحو الوافي / عباس حسن ) ضمن الموضوع ( باب الموصول ) ضمن العنوان ( المسألة 28: حكم حذف العائد. حذف العائد المرفوع. )


لا بد لكل موصول من صلة. فإن كان اسميًّا وجب أن تشتمل صلته على رابط؛ هو: الضمير، أو ما يقوم مقامه، كما أسلفنا.
وهذا الضمير الرابط قد يكون مرفوعًا؛ مثل "هو" فى نحو: خبر الأصدقاء مَنْ هو عَوْنٌ فى الشدائد... أو منصوباً،مثل "ها" فى نحو: ما أعجبَ الآثار التى تركها قدماؤنا، أو مجروراً؛ مثل: "هم" فى نحو: أصغيتُ إلى الذين إصغيتَ إليهم.
والرابط فى كل هذه الصور - وأشباهها - يجوز ذكره فى الصلة كما يجوز حذفه، بعد تحقق شرط عام، هو: وضوح المعنى بدونه، وأمن اللبس (ومن أهمّ مظاهر أمن اللبس ألا يكون الباقى بعد حذفه صالحًا صلة). غير أن هناك شروطًا خاصة أخرى تختلف باختلاف نوع الضمير يجب تحققها قبل حذفه، سواء أكان اسم الموصول هو "أىّ" أم غيرها. وفيما يلى التفصيل:
(ا) إن كان الضمير الرابط مرفوعًا لم يجز حذفه إلا بشرطين: أن تكون الصلة جملة إسمية، المبتدأ فيها هو الرابط، وان يكون خبره مفردًا. كأن يسألك سائل.
كيف نُفَرّقَ بين ماء النهر وماء البحر؟ فتجيب: الأنهار التى عذبةُ الماء، والبحار التى مِلْحيَّة الماء. تريد: الأنهار، التى هى عذبة الماء، والبحار التى هي ملحيةُ الماء. ومثل: أن يسأل: ما أوضحُ فارق بين النجم والكوكب؟ فتقول: النجم الذى مضىءٌ بنفسه، والكوكب الذى مستمِدٌ نورَه من غيره. أى: النجم الذى هو مضىء بنفسه... والكوكب الذى هو مستمد...
فإذا استوفى الضمير المرفوع الشرطين الخاصّين ومعهما الشرط العام جاز حذفه، والأحسن عند الحذف أن تكون صلته طويلة (أى: ليست مقصورة عليه وعلى خبره المفرد، وإنما يكون لها مُكَملات؛ كالمضاف إليه، أو المفعول، أو الحال، أو النعت، أو غير ذلك...)، نحو: نزل المطر الذى مصدر مياه الأنهار، ونحو برعتْ مصانعنا التى الرجاء العظيم. أو التى رجاؤنا فى الغنى قريبًا... ونحو: اشتد الإقبال على التعليم الذى كفيل بإنهاض الفرد والأمة... ويجوز أن نقول: نزل المطر الذى حياة، وبرعتْ مصانعنا التى الأمل، واشتد الإقبال على التعليم الذى سعادة.
والأساليب العالية لا تَجْنَح كثيرًا إلى حذف العائد المرفوع؛ فإن جنحت إليه اختارت - فى الغالب - طويل الصلة.
(ب) إن كان الرابط ضميراً منصوبًا لم يجز حذفه إلا بثلاثة شروط خاصة - غير الشرط العام - هى: أن يكون ضميرًا متصلاً، وأن يكون ناصبه فعلاً تامًّا، أو وصفًا تامًّا، وأن يكون هذا الوصف لغير صلة: "أل" التى يعود عليها الضمير، مثل: ركبت القطار الذى ركبتَ، أى: ركبته، وقرأت الصحيفة التى قرأتَ، أى: قرأتها وقول الشاعر يصف مَدينة:
*بها ما شئتَ مِنْ دين ودنْيا * وجيرانٍ تناهوْا فى الكمالِ*
أى: ما شئته: وقول الآخر:
*ومن ينفق الساعاتِ فى جعِ مالهِ * مخافةَ فقْرٍ فالذى فعلَ الفقرُ*
أى: فعَله.. ومثل: اشكر الله على ما هو مُوليك، واحْمَدُه علىما أنت المعْطَى. أى: موليكه (والأصل: موليك إياه)، والمُعْطَاه.
ومثل: الذى أنا مُعيرُك - كتابٌ. والذى أنت المسلوب - المالُ. أى: الذى أنا مُعيِرُكه كتاب، والذى أنت المسلوبُه 0 المال.
فإن فُقد شرط لم يصح الحذف.
(حـ) وإن كان الرابط ضميرًا مجرورًا - والشرط العام متحقق - فإما أن يكون مجرورًا بالإضافة، أو بحرف جر؛ فالمجرور بالإضافة يجوز حذفه إن كان المضاف اسم الفاعل، أو اسم مفعول. وكلاهما للحال أو الاستقبال؛ مثل: يفرح الذى أنا مُكرِمٌ الآن أو غدًا، (أي: مكرمه). ويرضينى ما أنا معطًى الآن أو غدًا (أي: مُعطاه) ومثلهما: جادت مصنوعاتنا، فالبس منها منا أنت لابس غدًا، واطلب منها ما أنت طالب بعد حين، (أى: لابسه... وطالبه) - إن يسلبنى اللص بعض المال أتألم لما أنا مسلوب (أى: مسلوبه).
والمجرور بالحرف يجوز حذفه بشرط أن يكون اسم الموصول مجروراً بحرف يشبه ذلك الحرف فى لفظه، ومعناه، ومتعلَّقه. وإذا حذف الرابط حذف معه الحرف الذى يجره؛ مثل: سلّمتُ على الذى سلّمتَ، (أى: سلّمتَ عليه وانهيتُ إلى ما انتهيتَ. (أى: إلى ما انتهيت إليه.)
وقد يكون حرف الجر غير داخل على اسم الموصول وإنما على موصوف باسم الموصول. نحو: مشيتُ على البساط الذى مشيتَ؛ أى: عليه، وسرتُ فى الحديقة التى سرتَ؛ أى: فيها.
تلك حالة حذف العائد المجرور، وهى كثيرة فى الأساليب العالية.
زيادة وتفصيل:
ا- قد يستغنى الموصول عن العائد كما فى بعض الصور التى سلفت.
ب- الكلام فى: "ولاسيما، وأخواتها" معناها، وإعرابها فى جملتها. يتضح معنى "ولا سيما" من الأمثلة التالية:
المعادن أساس الصناعة؛ كولا سيما الحديد. - تجود الزروع بمصر، ولاسيما القطن - نحتقر الأشرار، ولا سيما الكذَّاب...
فالمثال الأول يتضمن: أن الصناعة تقوم على أساس؛ هو: المعادن؛ كالنحاس، و الرصاص، والفضة... وكالحديد أيضاً. فالحديد يشاركها فى وصفها بأنها: "أساس". ولكنه يختلف عنها فى أن نصيبه من هذا الوصف أكثر وأوفر من نصيب كل معدن آخر.
وفى المثال الثانى حُكمٌ بالجودة على ما ينبت فى مصر، من قمح، وذرة وقصب، و... قطن أيضًا؛ فهو يشاركها فى الاتصاف بالجودة؛ ولكنه يخالفها فى أن تصيبه من هذه الجودة أوْفى وأكبر من نصيب كل واحد من تلك الزروع.
وفى المثال الثالث نحكم بالاحتقار على الأشرار؛ ومنهم اللص، والقاتل، والمنافق... ومنه الكذاب - أيضاً - فهو شريكهم فى ذلك الحكم، وينطبق عليه الوصف مثلهم. ولكن نصيبه منه أكبر وأكثر من نصيب كل فرد منهم.
مما سبق نعرف أن الغرض من الإتيان بلفظ: (ولا سيما) هو: إفادة أن ما بعدها وما قبلها مشتركان فى أمر واحد، ولكن نصيب ما بعدها أكثر وأوفر من نصيب ما قبلها. ولذا يقول النحاة: إن "لاسىَّ"، معناها: لا مثل... يريدون: أن ما بعدها ليس مماثلا لما قبلها فى المقدار الذى يخصه من الأمر المشترك بينهما؛ وإنما يزيد عليه فى ذلك المقدار؛ سواء أكان الأمر محمودًا، أم مذمومًا.
أما إعرابها فى جملتها وإعراب الاسم الذى بعدها فقد يكفى جمهرة المتعلمين علمها أن: "ولا سيَّمَا" لا تتغير حركة حروفها مهما اختلفت الأساليب، وأن الاسم الذي بعدها يجوز فيه الأوجه الثلاثة: "الرفع، والنصب، والجر" سواء أكان نكرة أم معرفة. وأن فيها عدة لغات صحيحة لا يمنع من استعمال إحداها مانع. ولكن أكثرها فى الاستعمال الأدبى هو: (ولا سيَّمَا)؛ فيحسن الاقتصار علهي؛ لما فى ذلك من المسايرة للأساليب الأدبية العالية التى تكسب اللفظ قوة فى غالب الأحيان، وفى هذا القدر كفاية لمن يتبغى الوصول إلى معرفة الطريقة القويمة فى استعمالها، من غير أن يتحمل العناء فى تفهم الإعرابات المختلفة. أمام من يرغب فى هذا فإليه البيان:
الاسم الواقع بعد: (ولا سيما) ما أن يكون نكرة، وإما أن يكون معرفة؛ فإن كان نكرة جاز في الأوجه الثلاثة كما سبق، تقول:
1- اقتنيت طرائف كثيرة، ولا سيَّما: أقلامٌ، أو أقلامًا، أو أقلامٍ.
2- اشتريت طيورًا كثيرة، ولا سيما؛ عصفورٌ، أو: عصفورًا، أو: عصفورٍ.
3- قصرت ودى على المخلصين؛ ولا سيَّما واحدٌ، أو واحدًا، أو واحدٍ.
وإن كان الاسم الواقع بعدها معرفة فالصواب جواز الأوجه الثلاثة أيضًا، كما فى الأمثلة التالية:
1- أتمتع برؤية الأزهار، ولاسيما: الوردُ، أو: الوردَ، أو: الوردِ.
2- شاهدت أثارًا رائعة، ولاسيما: الهرمُ، أو: الهرمَ، أو: الهرمِ.
3- ما أجمل الكواكب فى ليل الصيف: ولاسيما القمرُ، أو:القمرَ أو القمرِ.
وفيما يلى الإعراب تفصيلاً:
الكلمة إعرابها فى حالة الرفع فى حالة النصب فى حالة الجر
و للاستئناف... "و" كالسابق... "و" كالسابق
لا نافية للجنس، حرف لا محل لها من الإعراب. "لا" كالسابق.... "لا" كالسابق.
سيما سى:
اسمها منصوب، لأنه مضاف. سىَّ: اسم لا مبنى على الفتح فى محل نصب. (سىّ) اسم "لا" منصوب لأنه مضاف فى هذه الصورة.
"ما" اسم موصول، مبنى على السكون فى محل جر مضاف إليه. (ويحتاج لصلة). "ما" زائدة حرف مبنى على السكون لا محل له من الإعراب. "ما" زائدة (أقلام): مضاف إليه مجرور.
أقلام خبر لمبتدأ محذوف وجوباً تقديره: "هو" والجملة من المبتدأ والخبر لا محل لها من الإعراب صلة الموصول وخبر "لا" محذوف، تقديره مثلا: موجود؛... أقلاماً: تمييز منصوب أما خبر "لا" فمحذوف تقديره: موجود... أو ما يشبه هذه الكلمة. وخبر لا محذوف، تقديره: موجود، أو ما يشبهها.
ولا سيما كالذى سبق في نظائرها تمامًا.
كلمة: عصفور يجرى عليهما الإعراب السابق في كلمة: "أقلام رفعاً،
وكلمة: واحد... ونصبًا، وجرًا.
وإعراب المعرفة فى حالتى الرفع والجر كإعراب النكرة فيهما. أما فى حالة النصب فتعرب النكرة تمييزاً كما أوضحنا، وتعرب المعرفة مفعولا به. ففى مثل: أتمتع برؤية الأزهار ولا سيما الوردَ - يصح أن يكون الإعراب كما يلى:
الواو للاستئناف. (لا) نافية للجنس. (سىّ) اسمها منصوب ومضاف. (ما) نكرة تامة بمعنى: شىء، وهى مضاف إليه. مبنية على السكون فى محل جر. وخبر لا محذوف تقديره: موجود مثلا - و (الورد) مفعول به لفعل محذوف تقديره: أخص: أو: أعنى... والفاعل مستتر وجوبًا تقديره: أنا. ومثل هذا يقال فىكلمة: الهرم، والقمر، وأشباههما.
وقد تقع الحال المفردة أو الجلمة بعد: (ولا سيما) نحو: أخاف الأسد، ولاسيما غاضبًا، أو: وهو غاضب... وقد تقع الجملة الشرطية بعدها، وغير الشرطية، أيضًا؛ نحو: النمر غادر، ولاسيما إن أبصر عدوه.
أما أخوات: "ولا سيما" فقد نقل الرواة منها: "لا مِثْلَ مَا" و"لا سِوَى ما..." - فهذان يشاركان: "لا سيما" فى معناها، وفى أحكامها الإعرابية التى فصّلناها فيما سبق.
ومنها: "لا تَرَمَا..." و "لوتَرَمَا..." وهما بمعناها، ولكنهما يخالفانها فى الإعراب، وفى ضبط الاسم بعدهما، فهذان فعلان لا بد من رفع الاسم الذى يليها. ولا يمكن اعتبار "ما" زائدة وجر الاسم بعدها بالإضافة؛ لأن الأفعال لا تضاف. والأحسن أن تكون: "ما" موصولة وهى مفعول للفعل: "تر" وفاعله ضمير مستتر، تقديره: أنت. والاسم بعدها مرفوع - وهذا هو الوارد سماعا - على اعتباره خبر مبتدأ محذوف، والجلمة صلة.
وإنما كان الفعل مجزومًا بعد: "لا" - لأنها للنهى. والتقدير فى مثل: "قام القو لا تر ما على"...، هو: لا تبصر" أيها المخاطب الشخص الذى هو علىّ فإنه فى القيام أولى منهم.
أو تكون: "لا" للنفى، وحذفت الياء من آخر الفعل سماعا وشذوذًا، وكذلك بعد "لو" سماعًا. والتقدير: لو تبصر الذى هو علىّ لرأيته أولى بالقيام. والجدير بنا أن نقتصر فى استعمالنا على"ولا سيما" لشيوعها قديمًا وحديثًا.
النصوص الواردة في ( كتاب النحو الوافي / عباس حسن ) ضمن الموضوع ( باب الموصول ) ضمن العنوان ( المسألة 29: "ب" الموصولات الحرفية. )


عرفنا أن الموصولات قسمان؛ اسمية وقد سبق الكلام عليها، وحرفية وهى خمسة: "أنْ" ، (مفتوحة الهمزة، سكانة النون أصالة.) و "أَنّ" الناسخة (المشددة النون؛ أو الساكنة للنون للتخفيف) و"ما"، و"كى"، و"لو". وكلا القسمين لا بد له من صلة متأخرة عنه، لا يصح أن تتقدم عليه هى أو شىء منها -، - كما أوضحنا -. أما الفصل بين الموصول الحرفى، أو الاسمىّ، وصلته، وكذا الفصل بين أجزاء الصلة فقد سبق الكلام عليه (وهو بحث هام).
ولكن بين الموصول الاسمى والحرفى فروق، أهما ستة:
الأول: أن الموصولات الاسمية - غير أىّ - لا بد أن تكون مبنية فى محل رفع، أو نصب، أو جر، على حسب موقعها من الجلمة؛ وذلك شأن كل الأسماء المبنية. بخلاف الموصولات الحرفية، فإنها مبنية أيضًا؛ ولكن لا محل لها من الإعراب؛ - شأن كل الحروف - فلا تكون فى محل رفع، أو نصب، أو جر، مهما اختلفت الأساليب.
الثانى: أن صلة الموصول الاسمى لا بد أن تشتمل على العائد؛ أما صلة الحرفى فلا تشتمل عليه مطلقًا.
الثالث: أنّ الموصول الحرفىّ لا بد أن يسبك مع صلته سبكًا ينشأ عنه مصدر يقال له: "المصدر المسبوك" أو"المصدر المؤول"، يعرب على حسب حاجة الجملة - كما سنبينه بعد -. ولهذا تسمى الموصولات الحرفية: "حروف السبك" وتنفرد به دون الموصولات الاسمية.
الرابع: أن بعض الموصول الحرفىّ (وهو الحرف المصدرى) لا يوصل بفعل جامد - كما سيجىء - مثل: "لو"، وكذلك: "ما" المصدرية، إلاّ مع أفعال الاستثناء الجامدة الثلاثة؛ وهى: (خلا - عدا - وكذا: حاشا، فى رأي) فهذه الثلاثة مستثناة من الحكم السالف، أو لأنها متصرفة بحسب أصلها فجمودها عارض طارىء لا أصيل. والمصدر المؤول معها مؤول بالمشتق،... أى: مجاوزين.
الخامس: أن الموصول الاسمى - غير "أل" يجوز حذفه على الوجه الذى قدّمناه، أما الحرفىّ فلا يحذف منه إلا: "أنْ" الناصبة للمضارع، فتحذف جوازًا أو وجوبًا، طبقًا لماهو مبين عند الكلام عليها فى النواصب (جـ4) وهى فى حالتى حذفها تسبك مع صلتها كما تسبك فىحالة وجودها....
السادس: أن الموصول الحرفى "أنْ" يصح - فى الرأى المشهور - وقوع صلته جملة طلبية، دون سائر الموصولات الاسمية والحرفية.
وفيما يلى شىء من التفصيل الخاص بالموصولات الحرفية الخمسة:
(ا) أنْ. - ساكنة النون أصالة - ولا تكون صلتها إلا جملة فعلية، فعلها كامل التصرف؛ سواء أكان ماضيًا؛ نحو: عجبت من أنْ تأخرَ القادم. أم مضارعًا؛ نحو: من الشجاعة أن يقول المرء الحقَّ فى وجه الأقوياء، وقول الشاعر:
*إنّ من أقبح المعايِب عارًا * أن يَمُنَّ الفتى بما يُسْدِيه*
أم أمرًا، نحو: أنْصَحُ لك أن بادرْ إلى ما يرفع شأنك،
وهى فى كل الحالات تؤول مع صلتها بمصدر يُسْتغنَى به عنهما، ويعرب علىحسب حاجة الجملة، فيكون مبتدأ، أو فاعلا أو مفعولا به، أو غير ذلك، طبقًا لتلك الحاجة وقد يسد مسَد المفعولين أيضًا. ولكنها لا تنصب إلا المضارع، وتخلص زمنه للاستقبال المحض ولا تنفصل منه بفاصل... ولا تغير زمن الماضى ولا تكون للحال فدلالتها الزمنية إما للماضى وإما للمستقبل...
وليس من هذا النوع ما يقع بعده جملة اسمية مسبوقة بما يدل على يقين، نحو: علمت "أنْ"؛ محمدٌ لقائم، أو جملة فعلية فعلها جامد: نحو: أعتقد أنْ ليس الظالم بمستريح النفس، فإنَّ هذين النوع الثانى (الذي تكون فيه "أن" مخففة من "أنّ" المشددة النون)...
(ب) "أنّ" المشددة النون. وتتكون صلتها من اسمها وخبرها؛ نحو: سَرَّنى أنّ الجو معتدل، ويُستغنَى عن الثلاثة بعد صوغ المصدر المنسبك بطريقته الصحيحة. ومثلها: (أنْ) المخففة النون الناسخة؛ حيث تتكون صلتها من اسمها وخبرها. ولكن اسمها لا يكون - فى الأفصح - إلا ضميراً محذوفًا، وخبرها جملة؛ نحو: أيقنت أنْ علىٌّ لمسافر؛ (ومنه المثالان السالفان فى الكلام على "أنْ"). ويستغنى عن الثلاثة بعد صوغ المصدر المؤول بطريقته الصحيحة، ويعرب المصدر فى النوعين على حسب الجملة؛ فيكون فاعلا، أومبتدأ، أو مفعولاً به، أو غير ذلك... وقد سيُدّ مسَد المفعولين إنْ وجد فى الجملة ما يحتاج لهما.
(حـ) "كَىْ". وصلتها لا تكون إلا جملة مضارعية (وتنصب المضارع) نحو: أحسنت العمل لكى أفوز بخير النتائج. ومنها ومن صلتها معها يسبك المصدر المؤول الذى يُستغنَى به عنهما، ويعرب علىحسب حاجة الجملة، وحاجتها لا تكون هنا إلا لمجرور باللام دائمًا...
(د) "ما"، وتكون مصدرية ظرفية؛ نحو: سأصاحبك ما دمت مخلصًا، أى: مدة دوامك مخلصًا، وسألازمك ما أنصفت، أى: مدة إنصافك. وقول الشاعر:
*المرء ما عاش ممدود له أملٌ * لا تنتهى العين حتى ينتهى الأثر*
ومصدرية غير ظرفية، مثل: :فزعت مما أهمل الرجل؛ أى: من أهمال الرجل... ودهشت مما ترك العمل، أى: من تركه العمل. وقول العرب: "أنْجَزَ حُرٌّ ما وَعَدَ،
وكلاهما تكون صلته فعلية ما ضوية؛ كالأمثلة السابقة، أو مضارعية؛ نحو: لا أجلس فى الحديقة ما لم تجلس فيها، أى: مدة عدم جلوسك فيها. وإنى أبتهج بما تكرم الاخوان، أي: بإكرامك الإخوان ومثل قول الشاعر:
*والمرء ما لم تُفِدْ نفعًا إقامتهُ * غَيْمٌ حمَى الشمس؛ لم يمدرو ولم يَسرِ*
أو جملة اسمية؛ نحو: أزورك ما الوقت مناسب، ويرضينى ما العمل نافع؛ أي: أزورك مدة مناسبة الوقت، ويرضينى نفع العمل. ولكن الأكثر فى المصدرية الظرفية أن توصل بالجملة الماضوية، أو بالمضارعية المنفية بلم؛ كالأمثلة السابقة. ويقلّ وصلها بالمضارعية التى ليست منفية بلمْ؛ مثل: لا أصيح ما تنام، أى: لا أصيح مدة نومك.
ومن الحرف المصدرى "ما" وصلته ينشأ المصدر المؤول الذى يُستغنَى به عنهما.
ويصح الفصل - مع قلته - بين "ما" المصدرية بنوعيها، وما دخلت عليه دون غيرها من الموصولات الحرفية.
(هـ) "لو"، وتوصل بالجملة الماضوية، نحو ودِدْتُ لو رأيتك معى فى النزهة. وبالمضارعية: نحو: أوَد لو أشاركُك فى عمل نافع، ولا توصل بجلمة فعلية أمرية. ولا بد أن يكون الفعل الماضى أو المضارع تام التصرف. ومنها ومن صلتها يسبك المصدر المؤول الذى يُستغنَى به عنهما.
زيادة وتفصيل:
(ا) من حروف السَّبك - عند فريق كبير من النحاة - "همزة التسوية" وهى التى تقع بعد كلام مشتمل على لفظة: "سواء"، ويلى الهمزة جملتان، ثانيهما مصدرة بكلمة: "أم" الخاصة بتلك الهمزة. ومن الأمثلة قوله تعالى: {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ سَوَآءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ}، فالهمزة مسبوكة مع الجملة التى بعدها مباشرة بمصدر مؤول يعرب هنا فاعلا، والتقدير: إن الذين كفروا سَوَاءٌ - بمعنى: متساو - إنذارُك وعدمه عليهم؛ فهم يعربون كلمة: "سواء" خبر: "إن" "والمصدر المؤول" فاعل لكلمة: سواء، التى هى بمعنى اسم الفاعل: "متساوٍ". وقيل إن الجملة تسبك هنا بمصدر من غير سابك؛ كما سبكوه فى المثل العربى: "تسمعُ بالمعيدى خير من أن تراه"؛ برفع المضارع "تسع" فى أحدى الروايات؛ فقالوا فى سبكه: سماعك بالمعيدى... من غير تقدير "أنْ" قبل السبك، وكما يقدرون فى كل ظرف زمان أضيف إلى جملة بعده، كالذى فى قوله تعالى: {وَيَوْمَ نُسَيِّرُ ٱلْجِبَالَ وَتَرَى ٱلأَرْضَ بَارِزَةً...}، فقد قالوا: التقدير: "ويوم تسيير الجبال" - من غير وجود حرفَ سابك...
(ب) كيف يضاف المصدر المنسبك من حرف مصدرى مع صلته؟
للوصول إلى المصدر المؤول نتبع الخطوات الأربع التالية إن كان الحرف المصدرى هو: "أنْ"، أو: "أنّ"، كما فى الأمثلة المعروضة، أما إن كان غيرهما فيجرى عليه ما جرى على هذين تمامًا، وفيما يلى البيان:
















1- نستخرج المصدر الصريح لخبر "أنّ" فى الجمل المشتملة على "أن"، أو للفعل الذى بعد "أنْ" الناصبة فى الجمل المشتملة على الفعل؛ فنجده فى الأمثلة المعروضة: "كثرة" - "نهضة" - "نَفْع".
شاع (أنّ الفواكه كثيرةٌ فى بلادنا)
شاع (أنْ تكثرَ، الفواكهُ) فى بلادنا 2- نضبط ذلك المصدر الصريح على حسب حاجة الجملة هكذا: "كثرةُ"... (مفروعة فى القسم الأول)، "نهضةَ"... (منصوبة القسم الثالث)؛ لأن الأول محتاج لفاعل. والثانى محتاج لمفعول به، والثالث محتاج إلى مجرور.
عرفت (أن الصناعةَ ناهضةٌ) بمصر
عرفت (أن تنهضَ الصناعةٌ) بمصر 3- نذكر بعده اسم "أنّ" فى الجمل التى كانت مشتملة على "أنّ". و: نذكر الفاعل فى الجمل التى كانت مشتملة على "أنْ" الناصبة والفعل؛ فيكون: كثرةُ الفواكه، نهضةَ الصناعة، نفعِ الإذاعة.
آمنت بـ (أن الإذاعةَ نافعةٌ)
آمنت بـ (أن تنفع الإِذاعةُ) 4- نضبط ذلك الاسم الذى وضعناه بعد المصدر الصريح - بالجر، ونعربه مضافاً إليه؛ فتكون الجمل بعد السبك: شاع كثرةُ الفواكه - عرفت نهضةَ الصناعةِ بمصر -آمنت بنفعِ الإِذاعة!. وبإتمام الخطوة الرابعة تم عملية سبك المصدر المؤول؛ وتظهر الجملة فى شكلها الجديد؛ فتغنى عن "أنّ" و "أنْ" وعن صلتهما السابقة.
وعند السبك لا ندخل تغييرًا فى الباقى من الجملة إلا على اسم "إنّ" أو فاعل الفعل بالطريقة التى أوضحناها. أما ما عداهما مما لم يحذف فيبقى على حالته الأولى.
ومثل هذا يتبغ حين يكون الحرف المصدرى هو: "أنْ" المخففة من الثقيلة أو: "لو"، أو: "كى"، أو "ما".
وقد يقتضى الأمر فى بعض الأمثلة عملا زائدًا على ما سبق؛ ففى مثل: سرنى أن تَسْبقَ... تنتهى الجملة بعد إجراء الخطوات الأربع السابقة إلى: سرنى (سبقُ أَنت) فيقع فاعل الفعل المضارع "مضافًا إليه" بعد استخراج المصدر الصريح - كما قدمنا - ولما كان هذا الفاعل (الذى صار مضافًا إليه) ضميرًا مرفوعًا دائمًا، ولا يمكن أن يكون مجرورًا - وجب أن نضع بدله ضميرًا بمعناه؛ يصلح أن يكون مجرورًا، هو: كاف المخاطب، فنقول، سرنى سبقُك... وهكذا... يجرى التغيير والتبديل على كل ضمير آخر لا يصلح للجرّ كالذى فى قول الشاعر:
*ومن نَكَدِ الدنيا على الحُرِّ أن يَرَى * عَدوًّا له ما من صداقته بُدُّ*
حيث يكون المصدر المؤول المضاف: (رؤية هو)، ثم يقع التبديل المشار فيصير: رؤيته...
مسألة أخرى؛ قلنا فى تحقيق الخطوة الأولى: إننا نأتى بمصدر صريح لخبر الناسخ (أنَّ) أو بمصدر الفعل الذى دخلت عليه "أنْ"... فإن كان خبر الحرف المصدرى: (أنْ) اسما جامدًا؛ نحو: عرفت أنك أسد، أو ظرفًا، أو جارًا مع مجروره؛ نحو: عرفت أنك فوق الطيارة، أو عرفت أنك في البيت - فإننا نأتى فى الجامد بلفظ مصدر عام هو: "الكَوْن"، مثبتًا، أو: قبله كلمة: "عدَم" التى تفيد النفى، إن كان الكلام منفيًا، ويحل لفظ "الكون" محل المصدر الصريح المطلوب ويقوم مقامه، ويتم باقى الخطوات؛ فنقول: عرفت كونك أسدًام. ونأتى بالاستقرار أو الوجود فى الظرف والجار مع المجرور؛ أى: عرفت استقرارك فوق الطيارة، أو فى الدار.
ويصح فى الجامد شىء آخر هو: أن نزيد على آخره ياء مشددة مع التاء فتكون هذه الزيادة مفيدة للمصدرية، وتجعله بمنزلة المصدر الصريح، فنقول؛ عرفت أسَدِيَّتَكَ، كما نقول: فروسِيَّتَك ووطنِيَّتَك، وهو ما يسمى المصدر الصناعى...
وإن كان الفعل الذى فى الجملة جامدًا ليس له مصدر صريح: مثل "عسى" فى قولنا: (شاع أنْ يتحقق الأمل، وأن عسى الكرب أنْ يزول) ففى هذه الحالة يؤخذ المصدر الصريح من معنى الفعل الجامد: "عسى" (ومعناها الرجاء) أو مما بعده ويضاف إلى ما يناسبه؛ فنقول: شاع تحققُ الأمل، ورجاء زوال الكرب.
وإذا كان الفعل بنوعيه الجامد وغير الجامد - للنفى مثل قوله تعالى: {وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَىٰ} أتينا بما يفيد النفى؛ ككلمة: "عَدَم" فنقول: وعدم كون شىء للإنسان إلا سعيه.
وهكذا نحتال للوصول إلى المصدر الصريح مُشْبتًا أو منفيًّا، علىحسب ما يقتضيه الكلام: بحيث لا يفسد المعنى، ولا يختل ولا يتغير ما كان عليه قبل السَّبك من نفى أو إثبات.
***
(جـ) لما نلجأ فى الاستعمال إلى الحرف المصدرى وصلته، ثم نؤولهما بمصدر - ولا نلجأ ابتداء إلى المصدر الصريح؟ لم نقول - مثلا -: يحسن أن تأكل، ولا نقول: يحسن أكلك؟
إن الداعى للعدول عن المصدر الصريح إلى المؤول أمور هامة تتعلق بالمعنى أو بالضوابط النحوية. فمن الأولى:
1- الدلالة على زمان الفعل؛ سواء أكان ماضيًا نحو: الشائع أن حضرتَ، أم مستقبلا؛ نحو: الشائع أن تحضر. فلو قلنا - أول الأمر - الشائع حضورك، لم ندر زمن الحضور؛ أمضَى، أم لم يَمْضِ؟ - كما سجىء فى "د" -.
2- الدلالة على أن الحكم مقصور على المعنى المجرد للفعل؛ من غير نظر لوصف يلابسه، أو لشىء آخر يتصل به؛ نحو: أعجبنى أن أكلتَ، أى مجرد أكلك لذاته؛ لا لاعتبار أمر خارج عنه؛ ككثرته، أو قلته، أو: بطئه، أو سرعته، أو حسن طريقته، أو قبحها... ولو قلنا: أعجبنى أكلك... لكان محتملا لبعض تلك الأشياء والحالات.
3- الدلالة على أن حصول الفعل جائز لا واجب، نحو: ظهر أن يسافر إبراهيم. فالسفر هنا جائز. ولو قلنا: ظهر سفر إبراهيم لساغ أن يسبق إلى بعض الأذهان أن هذا الأمر واجب.
4- الحرف على إظهار الفعل مبنيًا للمجهول؛ تحقيقًا للغرض من حذف فاعله. وذلك عند إرادة التعجب من الثلاثى المبنى للمجهول؛ ففى مثل: عُرِفَ الحق، يقال: ما أحسن ما عُرِف الحق. وكذلك فى حالات أخرى من التعجب يجىء بيانها فى بابه - حـ 3-
ومن الثانية الفروق الآتية بين المصدر المؤول والمصدر الصريح:
1- أنه لا يصح وقوع المصدر المؤول من "أنْ" والفعل مفعولاً مطلقًا مؤكدًا للفعل؛ فلا يقال: فرحت أن أفرح. فى حين يصح أن يؤكَّد الفعل بالمصدر الصريح؛ مثل: فرحت فرحًا.
2- لا يصح أن يوصف المصدر المؤول؛ فلا يقال: يعجبنى أن تمشىَ الهادىء، تريد: يعجبنى مشيك الهادىء. مع أن الصريح يوصف.
3- قد يسد المصدر المؤول من "أنْ" والفعل مسد الاسم والخبر فى مثل: عسى أن يقوم الرجل؛ على اعتبار "عسى" ناقصة، والمصدر المؤول من "أنْ" والمضارع وفاعله يسد مسد اسمها وخبرها معًا. وليس كذلك الصريح.
4- قد يسد المصدر المؤول من "أنْ" والفعل مسد المفعولين فيما يحتاج إلى مفعولين؛ مثل: "حَسِبَ" فى قوله تعالى: {أَحَسِبَ ٱلنَّاسُ أَن يُتْرَكُوۤاْ} وليس كذلك الصريح. ومثلَ هذا يقال فى: "أنَّ" و"أنْ" الناسختين - أرى: المشدّدة والمخففة - مثل قول الشاعر:
*فإنك كالليل الذى هو مُدْرِكى * وإنْ خِلتُ أن الْمُنْتَأى عند واسع*
5- يصح أن يقع المصدر المؤول خبرًا عن الجثة من غير تأويل فى نحو: علىّ إما أن يقول الحق وإما أن يسكت؛ لاشتماله على الفعل والفاعل والنسبة بينهما بخلاف المصدر الصريح.
***
(د) من المعلوم أن المصدر الصريح (مثل، أكْل - شُرْب - قيام - قعود) لا يدل على زمن مطلقًا، وكذلك المصدر المؤول الذى يكون نتيجة سبك الحرف المصدرى وصلته؛ فإنه - وقد صار مصدرًا - لا يدل بنفسه على زمن مطلقًا. ولكن تبقى الدلالة على الزمن ملحوظة، ومستفادة من العبارة الأصلية التى سبك منها؛ فكأنه يحمل فى طيه الزمن الذى كان فى تلك العبارة قبل السبك. أما هو فلا يدل بذاته المجردة على زمن. وبالرغم من هذا لا يمكن معه إغفال الزمن السابق على السبك، وخاصة بعد أن عرفنا أن ذلك الزمن قد يكون سببًات من أسباب اختيار المصدر المؤول دون الصريح؛ ففى نحو: شاع أنْ نهض العرب فى كل مكان - نقول: "شاع نهوض العرب فى كل مكان"، فيكون زمن النهوض ماضيًا على حسب الزمن الذى فى الأصل قبل التأويل، لا على حسب المصدر المؤول ذاته؛ فإنه مجرد من الزمن. أما فى مثل: "الشائع أن ينهض العرب فى كل مكان" فيكون المصدر المؤول هو: "الشائع نهوض العرب"، أيضًا فيكون زمن النهوض هنا مستقبلا؛ مراعاة للزمن الذى فى العبارة الأولى. لهذا كان المصدر المؤول من "أنْ" وصلتها ملاحظًا فيه الزمن الماضى أو المستقبل على حسب نوع الفعل الذى دخل فى السبك؛ أماضٍ هو فيلاحظ المضى بعد التأويل؟ أم مضارع فيلاحظ الزمن بعد التأويل مستقبلا؟ ولا يكون للحال، لأن المضارع المنصوب "بأن" يتخلص للاستقبال، ولا يكون للحال. ومثلها: "لو" المصدرية فإنها بمعناها تخلص زمنه للاستقبال وإن كانت لا تنصبه - كما تقدم عند الكلام عليها - وكذا: "ما" المصدرية فإنها لا تنصبه، وإذا دخلت على جملة مضارعية كان المصدر المنسبك منها ومن صلتها للحال - غالباً - وقد تكون لغيره.
أما "كى" فالمصدر المنسبك منها ومن صلتها مستقبل الزمن، وذلك على أساس أنها لا تدخل إلا على المضارع فتنصبه - وتخلصه للزمن المستقبل فقط، وذلك شأن النواصب كلها - فيلاحظ الاستقبال فى المصدر المؤول منها ومن صلتها.
وأمام "أنّ" (المشددة النون) فالمصدر المنسبك منها من صلتها يكون على حسب دلالة الصلة؛ فقد يكون مستقبلا إذا كان خبرها دالا على ذلك؛ كالمضارع الخاص بالاستقبال لوجود قرينة، فى مثل؛ أعرف أن محمدًا يسافر غدًا؛ وهى كلمة؛ "غد" وقد يكون دالا على الحال لوجود قرينة؛ فى مثل: أعرف أن عالما يقرأ الآن؛ وهى كلمة: "الآن" وقد يكون دالا على الماضى نحو شاع أن العدو انهزم. وقد يكون خاليًا من الدلالة الزمنية فى مثل: المحمود أن الجو معتدل والمعروف أن الصدق فضيلة.
النصوص الواردة في ( كتاب النحو الوافي / عباس حسن ) ضمن الموضوع ( باب المُعَرف بأداة التعريف ) ضمن العنوان ( المسألة 30: إشارة ثانية إلى تحول همزة الوصل للقطع. )


1- زارنى صديق - زارنى صديق؛ فأكرمت الصديق.
2- اشتريت كتابًا - اشتريت كتابًا؛ فقرأت الكتاب.
3- تنزهت فى زورق - تنزهت فى زورق؛ فتهادى الزوْرق بى.
كلمة: "صديق" فى المثال الأول مبهمة: لأنها لا تدل على صديق مُعَين معهود؛ فقد يكون محمدًا، أو: عليًّا، أو: محمودًا، أو: غيرهم من الأشخاص الكثيرة التى يصدق على كل واحد مهم أنه: "صديق"، فهى نكرة. لكن حين أدخلنا عليها "ألْ" دلت على أن صديقًا معينًا - هو الذى سبق ذكره - قد زارنى دون غيره من باقى الأصدقاء.
ومثلها كلمة: "كتاب" فى المثال الثانى، فإنها مبهمة لا تدل على كتاب مُعَيَّن؛ بل تنطبق على عشرات ومئات الكتب؛ فهى نكرة؛ والنكرة لا تدل على معين - كما عرفنا - لكن حين أدَخلنا علهيا: "أل" وقلنا: "الكتاب" صارت تدل على أن كتابًا معينًا - هو الذي سبق ذكره - قد اشتريته.
ومثل هذا يقال فى كلمة "زوْرق"؛ فإنها نكرة لا تدل على زوْرق معروف. وحين أدخلنا عليها "أل" صارت تدل على واحد معين تنزهت فيه.
فكل كلمة من الكلمات الثلاث وأشباهها كانت فى أول أمرها نكرة، ثم صارت بعد ذلك معرفة؛ بسبب دخول: "أل" عليها. لهذا قال النحاة: إن "أل" التى من الطراز السابق أداة من أدوات التعريف؛ إذا دخلت على النكرة جعلتها معرفة؛ كالأمثلة السابقة ونظائرها.
وليس مما يناسبنا اليوم أن نذكر آراء القدماء فى كلمة "أل" التى هى حرف للتعريف؛ أهى كلها التى تُعَرّف، أم اللام وحدها، أم الهمزة وحدها...؟ فإن هذا الترديد لا طائل ورءاه بعد أن اشتهر الرأى القائل بأنهاما معًا. ولكن الذى يناسبنا ترديده هو ما يقولونه من أن كلمة "أل" عندة أقسام منها: الموصولة وهى اسم - فى الرأى الأرجح - وقد سبق الكلام عليها فى الموصولات. منها المعَرِّفة، ومنها الزائدة. وفيما يلى بيان هذين القسمين.
(ا) "ألْ" المُعَرِّفة؛ (أى: التى تفيد التعريف).
وهى نوعان؛ نوع يسمى: "أل" العهدية (أى: التى للعهد) ونوع يسمى: "أل" الجنسية، وكلاهما حرف.
فأما"العهدية" فهى التى تدخل على النكرة فتفيدها درجة من التعريف تجعل مدلولها فردًا معينًا بعد أن كان مبهمًا شائعًا. وسبب هذا التعريف والتعيين يرجع لواحد مما يأتى:
1- أن النكرة تذكر فى الكلام مرتين بلفظ واحد، تكون فى الأول مجردة من "أل" العهدية، وفى الثانية مقرونة "بأل" العهدية التى تربط بين النكرتين، وتحدد المراد من الثانية: بأن تحصره فى فرد واحد هو الذى تدل عليه النكرة الأولى. كالأمثلة الأولى، ونحو: نزل مطر؛ فأنعش المطر زروعنا. أقبلت سيارة، فركبت السيارة. وقوله تعالى: {كَمَآ أَرْسَلْنَآ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ رَسُولاً * فَعَصَىٰ فِرْعَوْنُ ٱلرَّسُولَ}. فكل كلمة من الثلاث: (مطر - سيارة - رسول) وأشباهها قد ذكرت مرتين؛ أولاهما بغير "أل" فبقيت على تنكيرها، وثانيتهما مقرونة بأل العهدية التى وظيفتها الربط بين النكرتين ربطًا معنويًا يجعل معنى الثانية فردًا محدودًا محصورًا فيما دخلت عليه وحده، والذى معناه ومدلوله هو النكرة السابقة ذاتها. وهذا التحديد والحصر هو الذى جعل الثانية معرفة؛ لأنها صارت معهودة عهدًا ذِكْريًّا، أى: معلومة المراد والدلالة، بسبب ذكر لفظها فى الكلام السابق ذكرًا أدى إلى تعيين الغرض وتحديده بعد ذلك، وأن المراد في الثانية فردٌ معين؛ هو السابق، وهذا هو ما يسمى: "بالعهد الذِّكْرى".
2- وقد يكون السبب فى تعريف النكرة المقترنة بأل العهدية هو أن "أل" تحدد المراد من تلك النكرة، وتحصره فى فرد معين تحديدًا أساسه علم سابق فى زمن انتهى قبل الكلام، ومعرفة قديمة فى عهد مضى قبل النطق، وليس أساسه ألفاظًا مذكورة فى الكلام الحالى. وذلك العلم السابق ترمز إليه "أل" العهدية وتدل عليه، وكأنها عنوانه. مثال ذلك؛ أن يسأل طالب زميله: ما أخبار الكلية؟ هل كتبت المحاضرة؟ أذاهب إلى البيت؟ فلا شك أنه يسأل عن كلية معهودة لهما من قبل، وعن محاضرة وبيت معهودين لهما كذلك. ولا شىء من ألفاظ السؤال الحالية تشير إلى المراد إلا: "أل"؛ فإنها هى التى توجه الذهن إلى المطلوب. وهذا هو ما يسمى: "العهد الذهنى" أو: "العهد العِلمى".
3- وقد يكون السبب فى تعريف تلك النكرة حصول مدلولها وتحققه فى وقت الكلام، بأن يتبدىء الكلام خلال وقوع المدلول وفى أثنائه؛ كأن تقول: (اليوم يحضر والدى). - (يبدأ عملى الساعة) - (البرد شديد الليلة)... تريد من "اليوم" و"الساعة" و"الليلة"؛ ما يشمل الوقت الحاضر الذى أنت فيه خلال الكلام. ومثل ذلك: أن ترى الصائد يحمل بندقيته فتقول له: الطائر. أى: أصبْ الطائر الحاضر وقت الكلام. وأن ترى كاتبًا يحمل بين أصابعه قلمًا فتقول له: الورقة. أى: خذ الورقة الحاضرة الآن. وهذا هو "العهد الحضورى".
فأنواع العهد ثلاثة: "ذِكْرِىّ"، و"ذهنىّ أو علمىّ"، و"حضوري". وللثلاثة رمز مشترك يدخل علىكل نوع منها هو: "أل". وتسمى: "أل" التى للعهد، أو: "أل" العهدية. فإذا دخلت على النكرة جعلتها تدل على فرد معين دلالة تقترب من دلالة العلم الشخصى بذاته لا برمز آخر. ولهذا كانت "أل" العهدية تفيد النكرة درجة من التعريف تُقَربها من درجة العلم الشخصى، وإن لم تبلغ مرتبته وقوته؛ وإنما تجعلها فى المرتبة التى تليه مباشرة.
***
وأما: "أل الجنسية" فهى الداخلة على نكرة تفيد معنى الالجنس المحض من غير أن تفيد العهد. ومثالها؛ النجم مضىء بذاته، والكوكب يستمد الضوء من غيره... فالنجم، والكوكب، والضوء، معارف بسبب دخول "أل" على كل منها، وكانت قبل دخولها نكرات ( وشأن النكرات كشأن اسم الجنس، لا تدل على واحد معين) وليس في الكلام ما يدل على العهد.
ولدخول "أل" هذه على الأجناس سميت: "أل" "الجنسية". وهى أنواع من ناحية دلالتها المعنوية، ومن ناحية إفادة التعريف.
1- فمنها التى تدخل على واحد من الجنس فتجعله يفيد الشمول والإحاطة بجميع أفراده إحاطة حقيقة؛ لا مجازًا ولا مبالغة، بحيث يصح أن يحل محلها لفظة "كل" فلا يتغير المعنى، نحو: النهر عذب، النبات حى، الإنسان مفكر، المعدن نافع... فلو قلنا: كل نهر عذب، كل نبات حى، كل إنسان مفكر، كل معدن نافع... يحذف "أل" فى الأمثلة كلها وضع كلمة: "كل" مكانها - لبقى المعنى على حالته الأولى.
وما تدخل عليه "أل" من هذا النوع يكون لفظه معرفة؛ تجرى عليه أحكام المعرفة، ويكون معناه معنى النكرة المسبوقة بكلمة: كل؛ فيشمل كل فرد من أفراد مدلولها، مثل كلمة "المَلِك" فى قول الشاعر:
*إذا الملك الجبَّار صَعَّر خَدَّه * مَشَيْنا إليه بالسيُوف نعاتبهْ*
2- ومنها التى تدخل على واحد من الجنس، فتجعله يفيد الإحاطة والشمول؛ لا بجميع الأفراد، ولكن بصفة واحدة من الصفات الشائعة بين تلك الأفراد؛ وذلك على سبيل المجاز والمبالغة؛ لا على سبيل الحقيقة الواقعة؛ نحو: أنت الرجل علمًا، وصالحٌ هو الإنسان لطفًا، وعلىّ هو الفتى شجاعة.تريد: أنت كل الرجال من ناحية العلم، أى: بمنزلتهم جميعًا من هذه الناحية، فإنك جمعت من العلم ما تفرق بينهم؛ ويُعَدّ موزعًا عليهم بجانب علمك الأكمل المجتمع فيك؛ فأنت تحيط بهذه الصفة (صفة العلم) إحاطة شاملة لم تتهيأ إلا للرجال كلهم مجتمعين. وكذلك صالح من ناحية الأدب؛ فهو فيه بمنزلة الناس كلهم؛ نال منه ما نالوه مجتمعين. وكذلك على؛ بمنزلة الفتيان كلهم فى الشجاعة؛ أدرك وحده من هذه الصفة ما توزع بينهم، ولم يبلغوا مبلغه إلا مجتمعين وكل هذا على سبيل المبالغة والادعاء.
وحكم ما تدخل عليه "أل" من هذا النوع كحكم سابقه لفظًا ومعنى.
3- ومنها التى لا تفيد نوعًا من نوعى الإحاطة والشمول السابقين؛ وإنما تفيد أن الجنس يراد منه حقيقته القائمة فى الذهن. ومادته التى تكوّن منها فى العقل بغير نظر إلى ما ينطبق عليه من أفراد قليلة أو كثيرة، ومن غير اعتبار لعددها. وقد يكون بين تلك الأفراد ما لا يَصدق عليه الحكم.، نحو: الحديد أصلب من الذهب، الذهب أنفس من النحاس. تريد: أن حقيقة الحديد (أى: مادته وطبيعته) أصلب من حقيقة الذهب (أى: من مادته وعنصره) من غير نظر لشىء معين من هذا أو ذاك؛ كمفتاح من حديد، أو خاتم من ذهب؛ فقد توجد أداة من نوع الذهب هى أصلب من أداة مصنوعة من أحد أنواع الحديد؛ فلا يمنع هذا من صدق الحكم السالف الذى ينص على أن الحديد فى حقيقته أصلب من الذهب في حقيقته من غير نظر إلى أفراد كل منهما - كما سبق - إذ أنك لا تريد أن كل قطعة من الأول أصل من نظيرتها فى الثانى؛ لأن الواقع يخالفه ومثل هذا أن تقول: الرجل أقوى من المرأة، أى: أن حقيقة الرجل وجنسه من حيث عنصره المتميز - لا من حيث أفراده - أقوى من حقيقة المراة وجنسها من حيث هى كذلك، من غير أن تريد أن كل واحد من الرجال أقوى من كل واحدة من النساء، لأنك لو أردت هذا لخالفك الواقع. وهكذا يقال فى: الذهب أنفس من النحاس، وفى: الصوف أغلى من القطن، وفى: الفحم أشد نارًا من الخشب... وفى الماء، والتراب، والهواء، والجماد، والنبات. تقول: الماء سائل: أى: أن عنصره وطبيعته من حيث هى مادة تجعله فى عِداد السوائل، من غير نظر فى ذلك إلى أنواعه، أو أفراده، أو شىء آخر منه؛ فتلك حقيقته؛ أى: مادته الأصلية التى قام عليها. وتقول: التراب غذاء النبات، أى: أن عنصره وطبيعته كذلك؛ فهى حقيقته الذاتية، وماهيته التى عرف بها من حيث هى. وتقول: الهواء لازم للأحياء؛ أى: أن عنصره ومادته وحقيقته كذلك... وهكذا.
وتسمى "أل" الداخلة على هذا النوع "أل" التى للحقيقة، أو: للطبيعة، أو للماهية فلا علاقة لها بالإحاطة بالأفراد، أو بصفاتهم، أو بعدهم الإحاطة. وتفيد ما دخلت عليه نوعًا من التعريف يجعله فى درجة عَلَم كالجنس لفظًا ومعنى.
فمعانى "أل الجنسية" إما إفادة الإحاط والشمول بكل أفراد الجنس حقيقة، لا مجازًا، وإما إفادة الإحاطة والشمول لا بأفراد الجنس؛ وإنما بصفة من صفاته وخصائصه على سبيل المبالغة والادعاء والمجاز، وإما بيان الحقيقة الذاتية، دون غيرها.
النصوص الواردة في ( كتاب النحو الوافي / عباس حسن ) ضمن الموضوع ( باب المُعَرف بأداة التعريف ) ضمن العنوان ( المسألة 31: "أل" الزائدة بنوعيها. )


هى التى تدخل على المعرفة أو النكرة فلا تغير من تعريفها أو تنكيرها. وربما أفادتها شيئًا آخر، - كما سيجىء -. فمثال دخولها على المعرفة: المأمون بن الرشيد من أشهر خلفاء بنى العباس. فالكلمات "مأمون"، و"رشيد: و"عباس"، معاف بالعلمية قبل دخول "أل". فلما دخلت عليها لم تفدها تعريفًا جديدًا. ومثال دخولها على النكرة ما سُمع من قولهم: "ادخلوا الأولَ فالأولَ..." وأشباهها. فكلمة "أول" نكرة لأنها حال ولم تخرجها "أل" عن التنكير.
و"أل الزائدة" نوعان، كلامهما حرف؛ نوع تكون فيه زائدة لازمة وهى التى اقترنت باسمٍ كبعض الأعلام منذ استعْماله علمًا؛ فلم يوجد خاليًا منها منذ علميته... ولا تفارقه بعد ذلك مطلقًا. (برغم زيادتها) كبعض أعلام مسموعة عن العرب لم يستعملوها بغير "أل"؛ مثل: السموءل، اليَسَعِ، واللاتِ والعُزَّى. وكبعض الظروف المبدوءة بأل، مثل: "الآن" للزمن الحاضر، وبعض أسماء الموصولات المصدرة بها، كالتى، والذى، والذين، واللاتى... ومن الزائدة اللازمة "أل" التى للغاية، وسيجىء بيانها...
ونوع تكون فيه زائدة عارضة (أى: غير لازمة) فتوجد حينًا وحينًا لا توجد؛ وهذا النوع ضربان: ضربٌ اضطرارى يلجأ إليه الشعراء وحدهم عند الضرورة؛ ليحافظوا على وزن الشعر وأصوله؛ كقول القائل:
*ولقد جَنَيْتُك أكْمُؤًا وعَساقِلاً * ولقد نَهَيْتُكَ عَنْ بَنَات الأوْبَرِ*
فقد أدخل الشاعر "أل" على كلمة: "أوبر" مضطرّا؛ مع أن العرب حين تستعملها علم جنس تجردها من "أل"؛ فتقول: بنات أوبر. ومثل قول الشاعر:
*رَأيتُكَ لَمَّا أنْ عَرَفْتَ وجُوهَنَا * صَدَدْت وطِبتَ النفسَ ياقيْسُ عن عَمْرِ*
فقد أدخل الشاعر "أل" على كلمة: "النفس" التى هى تمييز، والتمييز - على المشهور - لا تدخله "أل"، وكان الأصل أن يقول: طبت نفسًا. ولكن الضرورة الشعرية قهرته.
وضرب اختيارى يلجأ إليه الشاعر وغير الشاغر لغرض يريد أن يحققه هو: لمح الأصل؛ وبيانه: أن أكثر الأعلام منقول عن معنى سابق كان يؤديه قبل أن يصير علمًا، ثم انتقل إلى العلمية، وترك معناه السابق؛ مثل: عادل، ومنصور، وحسن؛ فقد كان المعنى السابق لها - وهى مشتقات -: ذاتٌ فعلت العدل. أو وقع عليها النصر، أو اتصفت بالحسن، ولا دخل للعلمية بواحد منها... ثما صار كل واحد بعد ذلك علمًا يدل على مُسَمّى مُعَين، ولا يدل على شىء من المعنى السابق؛ فكلمة: عادل، أو: منصور، أو: حسن، أو: ما شابهها - قد انقطعت صلتها بمعناها السابق بمجرد نقلها منه إلى الاستعمال الثانى. وهو : العَلمية، وصارت بعد العلمية اسمًا جامدًا لا يُنظَر إلى أصله المشتق.
فإذا أردنا ألا تنقطع تلك الصلة المعنوية، وأن تبقى الكلمة المنقولة مشتملة على الأمْرين معًا، وهما: معناها الأصلى السابق، ودلالتها الجديدة وهى: العلمية، فإننا نزيد فى أولها: "أل" لتكون رمزًا دالا على المعنى القديم تلميحًا؛ فوق دلالته على المعنى الجديد، وهو: العلمية مع الجمود؛ فنقول: العادل، والمنصور، والحسن، فتدل على العلمية بذاتها وبمادتها واعتبارها جامدة، وتدل على المعنى القديم "بأل" التى تشير وتُلمح إليه. ولهذا تسمى: "أل التى للمح الأصل". ومن هنا دخلت فى كثير من الأعلام المنقولة الصالحة لدخلوها؛ لتشير إلى معانيها القديمة التى تحوى المدح أو الذم، والتفاؤل، أو التشاؤم؛ نحو؛ الكامل، المتوكل، السعيد؛ الضحاك، الخاسر، الغراب، الخليع، المحروق... وغير ذلك من الأعلام المنقولة قديمًا وحديثًا.
والنقل قد يكون من اسم معنوى جامد؛ كالمصادر فى مثل: الفضل، والصلاح والعِرْفان... وقد يكون من اسم عين جامد؛ كالصخر، والحجر، والنعمان، والعظم... وقد يكون من كلمات مشتقة فى أصلها كالهادى، والحارث، والمبارك والمستنصر، ويُهْمَل هذا الاشتقاق بعد العلمية فتعدّ من الجامد - كما سبق -
فالأعلام السابقة يجوز أن يتدخلها "أل" عند إرادة الجمع بين لمح الأصل والعلمية، كما يجوز حذفها عند الرغبة فى الاقتصار على العلمية وحدها. والأعلام فى الحالتين جامدة.
أما من ناحية التعريف والتنكير فوجود "أل" التى للمح الأصل وحذفها سيان. - كما تقدم -.
والأعلام كلها صالحة لدخول "أل" هذه، إلا العلم المرتجل؛ كسعاد، وأدَد، وإلا العلم المنقول الذى لا يقبل "أل" بحسب أصوله؛ إما لأنه على وزن فعل من الأفعال؛ والفعل لا يقبلها؛ مثل: يحين، يزيد، تَعِز، يشكر، شَمَّر...، وإما لأنه مضاف؛ والمضاف لا تدخله "أل"؛ نحو: عبدالرءوف، وسعد الدين، وأبو العينين.
من كل ما سبق نعلم أن أشهر انواع "أل" هو: الموصول، والمُعتَرفة بأقسامها، والزائدة بأقسامها.
***
النصوص الواردة في ( كتاب النحو الوافي / عباس حسن ) ضمن الموضوع ( باب المُعَرف بأداة التعريف ) ضمن العنوان ( المسألة 32: العلم بالغلَبة، تعريفة أحكامه. )


المعارف متفاوتة فى درجة التعريف - كما سبق -؛ فبعضها أقوى من بعض وعلم الشخص أقوى من المعرف "بأل" العهدية، وأقوى من المضاف لمعرفة. غير أن كل واحد من هذين قد يصل فى قوة التعريف إلى درجة علم الشخص، ويصير مثله فى الأحكام الخاصة به، ولبيان ذلك نقول:
إن كُلاًّ من المعرف "بأل" العهدية والمضاف قد يكون ذا أفراد متعددة؛ فالكتاب - مثلا - ينطبق على عشرات، ومئات وألوف من الكتب، وكذلك النجم، والمنزل، والقلم... وكتاب سعد، يصدق على كل كتاب من كتبه المتعددة، ومثله: قلم عمرو، وثوب عثمان...
غير أن فردًا واحدًا من أفراد المعرف "بأل" أو المضاف قد يشتهر اشتهارًا بالغًا دون غيره من باقى الأفراد؛ فلا يخطر على البال سواه عند الذكر؛ بسبب شهرته التى غطت على الأفراد الأخرى، وحجبت الذهن عنها. ومن أمثلة ذلك: المصحف، الرسول، السُّنّة، ابن عباس، ابن عمر، ابن مسعود؛ فالمراد اليوم من المصحف: كتاب الله وقرآنه الكريم... ومن الرسول: النبى محمد عليه السلام، ومن السنة: ما ثبت عنه من قول، أو فعل، أو تقرير. كما أن المراد من: ابن عباس هو: عبدالله، بن عباس، بن عبدالمطلب... دون باقى أبناء العباس. وكذلك المراد من: ابن عمر، هو: عبدالله من عمر بن الخطاب، دون إخوته من أولاد عمر. وكذلك المراد من: ابن مسعود، هو: عبدالله بن مسعود أيضًا دون إخوته. وكانت تلك الكلمات فى الأصل قبل اشتهارها، معرفة؛ لاشتمالها على نوع من التعريف، ولكنها لا تبلغ فيه درجة العَلَم الشخصىّ؛ إذ ليست أعلامًا شخصية. فلا تدل على واحد بعينه؛ إذ الأصل فى كلمة: "المصحف" أن تنطبق علىكل غلاف يحوى صحفًا. وفى كلمة: "الرسول" أن تنطبق على كل إنسان أرسِل من جهة إلى جهة معينة. وفي كلمة: "السنة" أن تنطبق على كل طريقة مرسومة، وفىكلمة: "ابن فلان" أن تنطبق على كل ابن من أبناء ذلك الرجل. لكن اشتهرت كل كلمة مما سبق - بعد التعريف - فى فرد، واقتصرت عليه؛ بحيث إذا أُطْلقت لا تنصرف لغيره؛ فقوَى التعريف فيها، وارتفع إلى درجة أرقى من الأولى؛ تسمى: درجة العَلَم بالغلبة (أى: التغلب بالشهرة) وهى درجة تلحقه بالعلم الشخصى فى كل أحكامه. فمظهر الكلمة أنها معرفة "بأل" أو بالإضافة، ولكن حقيقتها أنها معرفة بعلمية الغلبة. وهى فى درجة علم الشخص - كما قلنا - وتلغى معها الدرجة القديمة. ومن أمثلة العلم بالغلبة: المدينة، العقبة الهرم... مجلس الأمن، جمعية الأمم، إمام النحاة... وغيرها مما هو عَلَم بالغلبة: كالنابغة ، أو الأعشى، أو الأخطل... وأصل النابغة: الرجل العظيم، وأصل الأعشى: من لا يبصر ليلا، وأصل الأخطل: الهجَّاء، ثم غلب على كل ما سبق الاستعمال فى العملية وحدها.
و "أل" فى الأعلام السابقة - ونظائرها - قسم من "أل" الزائدة اللازمة - كما أشرنا - ولكنه قسم مستقل، يسمى: "أل" التى للغلبة، وبالرغم من من أنها زائدة، ولازمة لا تفارق الاسم الذى دلت عليه - فإنها تحذف وجوبًا عند ندائه، أو إضافته؛ مثل: يا رسول الله قد بلغت رسالتك. هذا مصحف عثمان؛ يا نابغة، أسْمِعنا من طرائفك... فشأنها فى الحالتين المذكورتين من جهة الحذف وعدمه شأن "أل" المُعَرفة - فى الرأى الأرجح-
أما العَلَم بالغلبة إذا كان مضافًا، فإن إضافته تلازمه ولا تفارقه فى نداء، ولا فى غيره: تقول فى النداء: يا بنَ عمرَ قد أحسنت، ويا بنَ عباس قد أفدت الناس بفقهك، ويا بن مسعود قد حققت لنا كثيرًا من أحاديث الرسول...
وإذا اقتضى الأمر إضافته فإنه يضاف مع بقائه الإضافة الأولى، تقول: أنت ابن عُمَرنا العادل، وهذا ابن عباسنا زعيم الفتوى.
زيادة وتفصيل:
إذا أريد تعريف العدد "بأل" فإما أن يكون مضافًا، أو مركبًا، أو مفردًا، أو معطوفًا. فإذا كان العدد مضافًا وأردنا تعريفه "بأل" فالأحسن إدخالها على المضاف إليه وحده - أى: على المعدود -؛ نحو: عندى ثلاثة الأقلام، وأربع الصحف، ومائة ألف الورقة، وألف القرش. وعندئذ يكتسب المضاف التعريف من المضاف إليه في هذه الإضافة المحضة. والكوفيون يجيزون إدخال "أل" عليهما معًا ويحتجون بشواهد متعددة، تجعل مذهبهم مقبولا، وإن كان غير فصيح...
وإذا كان العدد مركبًا فالأحسن إدخالها على الجزء الأول منه؛ نحو: قرأت الأحدَ عشرَ كتابًا، وسمعت الخمسَ عشْرةَ أنشودة...
وإذا كان مفردًا - أى: أنه من العقود - دخلت عليه مباشرة؛ نحو: فى حديقتنا العشرون كرسيًّا، والثلاثون شجرة، والأربعون زهرة...
وإذا كان معطوفًا فالأحسن دخولها على الاسمين لتعريفهما معًا؛ نحو: أنفقت الواحد والعشرين درهما، وكتبت الخمسة والعشرين سطرًا...
وإذا كان المضاف إليه - وهو المعدود - معرفًا "بأل" فإن المضاف يكتسب منه التعريف فى الإضافة المحضة كما سبق، سواء أكانا متصلين لا فاصل بينهما، نحو: هذه ثلاثة الأبواب، ومائة اليوم، وألف الكتاب - أم فصل بينهما اسم واحد؛ نحو: هذه ثلاثُ قطع الأبواب، وخمسمائة الألف - أم اسمان، نحو: هذه ثلاث قطع خشب الأبواب، وخمسمائة ألفِ الدرهم - أم ثلاثة أسماء؛ نحو: هذه ثلاثة قطع خشب صَنَوْبَرِ الأبواب، وخمسمائة ألفِ درهمِ الرجل - أمر أربعة، نحو: هذه ثلاثُ قطعِ خشب صَنَوْبرِ صناعة الأبوابِ، وخمسمائةِ ألفِ درهمِ صاحبِ البيوت... ويسرى التعريف من المضاف إليه الأخير إلى ما قبله مباشرة، فالذى قبله... وهكذا حتى يصل إلى المضاف الأول، فيكون معرفة كالمضاف إليه، وما بينهما. وهذا حكم كل إضافة محضة؛ طالت بسبب الفواصل المضافة أم قصرت، فإنك تُعرّف الاسم الأخير؛ فيسرى تعريفه إلى ما قبله، فالذى قبله،... وهكذا حتى يصل إلى المضاف الأول. غير أن كثرة الإضافات المتوالية معيبة من الناحية البلاغية؛ فلا نلجأ إليها جهد استطاعتنا.
***
الاسم النكرة المضاف إلى معرفة - المنادى النكرة المقصودة:
بقى من أنواع المعارف السبع نوعان، سبق الكلام عليهما بما ملخصه:
ا- أن النكرة التى تضاف لمعرفة - مثل: قلمى شبيه بقلمك - قد تكتسب منها التعريف،وتصير فى درجتها. أى: أن المضاف قد يكتسب التعريف من المضاف إليه، ويرقى فى التعريف إلى درجته. إلا إذا كانت النكرة مضافة إلى الضمير فإنها تكتسب منه التعريف، ولكنها ترقى فى التعريف إلى درجة: "العَلَم" - فى الرأى الصحيح - لا إلى درجة الضمير.
وإنما يكتسب المضاف من المضاف إليه التعريف على الوجه السالف إذا كان المضاف لفظًا غير متوغل فى الإبهام؛ فإن كان متوغلا فيه لم يكتسب التعريف - فى أكثر حالات استعماله - بإضافة، أو غيرها؛ كالأسماء: مثل - غير - حسب...
ب - أن من أنواع المنادى نوعًا واحدًا يكتسب التعريف بالنداء، وهذا النوع الوحيد، هو: "النكرة المقصودة، مثل: يا شرطى، أو يا حارس... إذا كنت تنادى واحدًا منهما معينًا تقصده دون غيره. ذلك أن كلمة: "شرطىّ" وحدها، أو: كلمة، "حارس" وحدها نكرة، لا تدل فى أصلها قبل النداء على فرد معين"، ولكنها تصير معرفة بعد النداء، بسبب القصد الذى يفيد التعيين، وتخصيص واحد بعينه، دون غيره.
ودرجة هذا المنادى فى التعريف هى درجة اسم الإشارة؛ لأن تعريف كل منهما يتم بالقصد الذى يعينه المشار إليه فى اسم الإشارة والتخاطب فى المنادى النكرة المقصودة - كما سبقت الإشارة فى هامش رقم 1 من ص 142.
النصوص الواردة في ( كتاب النحو الوافي / عباس حسن ) ضمن الموضوع ( باب الابتداء. المبتدأ والخبر ) ضمن العنوان ( المسألة 33: تعريفهما. أنواع العامل. )


تعريفها:
(ا) الشموسُ متعددةٌ - الأقمارُ كثيرةٌ - المحيطاتُ خمسٌ.
(ب) أمرتفعٌ البناءُ - ما حَسَنٌ الظلمُ - ما مكرَمٌ الجبانُ.
فى القسم الأول: (ا) كلمات تحتها خط، كل واحدة منها اسم، مرفوع، فى أول الجملة، خال من عامل لفظى أصيل، وبعده كملة تتمم المعنى الأساسى للجملة: (أى: تتضمن الحكم بأمر من الأمور لا يمكن أن تستغنى الجملة عنه فى إتمام معناها الأساسى، كالحكم على الشموس بالتعدد؛ وعلى الأقمار بالكثرة، وعلى المحيطات بأنها خمس...) ذلك الاسم يسمى: "مبتدأ" والكلمة الأخرى تسمى: "خبر" المبتدأ.
وفى القسم (ب) أمثلة لمبتدأ أيضًا، ولكنه غير محكوم عليه بأمر؛ لأنه وصف يحتاج إلى فاعل بعده، أو نائب فاعل؛ يتمم الجلمة، ويكمل معناها الأساسى؛ مثل: كلمتى: "البناء" "والظلم" فإنهما فاعلان للوصف ومثل كلمة: "الجبان"؛ فإنها نائب فاعل له. وقد استغنى الوصف بمرفوعه عن الخبر.
مما سبق نعرف أن المبتدأ: اسم مرفوع فى أول جملته، مجرد من العوامل اللفظية الأصلية، محكوم عليه بأمر. وقد يكون وصفًا مستغنيًا بمرفوعه فى الإفادة وإتمام الجملة. والخبر هو: اللفظ الذى يكمل المعنى مع المبتدأ، ويتمم معناها الأساسى. (بشرط أن يكون المبتدأ غير وصف). ومن هنا كان المبتدأ نوعين، نوعًا يحتاج إلى خبر حتمًا - وقد يتحتم أيضًا أن يكون هذا الخبر جملة أو شبهها كما سيأتى -، ونوعًا لا يحتاج إلى خبر، وإنما يحتاج إلى مرفوع بعده يعرب فاعلا أو نائب فاعل. ولا بد فى هذا النوع أن يكون وصفًا مُنكرًّا، وأن يكون رافعًا لاسم بعده يتمم المعنى؛ فإن لم يتمم المعنى لم يعرب الوصف مبتدأ مستغنيًا بمرفوعه بالصورة السالفة؛ ففى مثل: ما حاضرٌ والدُه علىّ - لا يتم المعنى بالاقتصار على الوصف مع مرفوعه؛ أىْ: ما حاضرٌ والده. وفى هذه الحالة يعرب الوصف (وهو كلمة: "حاضر") إعرابًا آخر؛ كأن نجعله خبرًا مقدمًا، و"والده" فاعله، (على) مبتدأ مؤخر...
والأكثر فى الوصف الواقع مبتدأ أن يعتمد على نفى، أو استفهام؛ بأن يسبقه شىء منهما كالأمثلة السالفة فى "ب" ويجوز - بقلة - ألا يسبقه شىء منهما؛ نحو: نافعٌ أعمالُ المخلصين، خالد سيَرُ الشهداء.
ولا فرق بين أن يكون المبتدأ اسمًا صريحًا؛ كالأمثلة السالفة - وأن يكون اسمًا بالتأويل؛ نحو "أنْ تقتصد" أنفع لك، "أنْ تجنتبَ" الغضبَ أقربُ للسلامة. أى: اقتصادك... واجتنابك، وكقول الشاعر:
*فما حَسَنٌ أن يَعذِرَ المرء نفسَه * وليس له من سائر الناس عاذر*
هذا، والمبتدأ مع خبره أو مع مرفوعه الذى يستغنى به عن الخبر نوع من الجملة الاسمية.
زيادة وتفصيل:
(ا) عرفنا أن العوامل الأصلية لا تدخل على المبتدأ، أما غير الأصلية (وهى الزائدة وشبه الزائدة) فقد تدخل؛ فمثال الزائدة "مِنْ" فى قوله تعالى: {هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ ٱللَّهِ}، ومثالُ شبه الزائدة: "رُبّ" في مثل: "رُبّ قادمٍ غَريبٍ أفادنا. فكلمةَ: "مِن" حرف جر زائد؛ دخل على المبتدأ؛ فَجَرَّه فى اللفظ، دون المحل. ولذلك نقول فى إعرابه: إنه مبتدأ مجرور بمِنْ فى محل رفع.
وكذلك كلمة: "قادم" فإنها مبتدأ مجرور فى اللفظ بحر الجر الشبيه بالزائد، وهو: "رُبّ" - فى محل رفع.
(ب) الوصف الذى له مرفوع يستغنى به عن الخبر هو الوصف المشتق الجارى مجرى فعله فى كثير من الأمور، وأوضحها: المشاركةُ فى الحروف الأصلية، وحركاتها وسكناتها، وفى عمله ومعناه... كاسم الفاعل، واسم المفعول، والصفة المشتبهة، وكذا اسم التفضيل؛ فإنه قد يرفع الظاهر فى مثل: ما رأيت ورقةً أحسنَ فى سطورها الخطُّ منه فى ورقةِ محمودٍ. فيقال هنا عند وقوعه مبتدأ هل أحسنُ فى سطور هذه الورقةِ الخطُّ منه في سطور غيرها؟
ويلحق بالوصف ما أوّلَ به؛ من كل جامد تضمن معناه؛ مثل: أأسدٌ الرجلان؟ بمعنى أشجاعٌ الرجلان؟. والمنسوب؛ نحون: أعربىٌّ الشاعران. أى: أمنسوب الشاعران للعرب؟ و"ذَو" بمعنى صاحب؛ نحو: أذو علم القادمان؟ بمعنى: أصاحب علم القادمان؟ والمصغر؛ نحو: أصُخَيْرٌ المرتفعان؛ لأنه بمعنى: صخر صغير. فكل هذه الأنواع المؤولة تجرى مجرى المشتق فى أن لها مرفوعاً فى بعض الأحيان تستغنى به عن الخبر.
(حـ) قلنا إن الوصف يسبقه فى الأكثر نفى، أو استفهام؛ فالنفى قد يكون بالحرف؛ نحو: ما غائب الشاهدان، أو بالفعل؛ نحو: ليس محبوب الغادرون. أو بالاسم؛ نحو: غيرُ نافعٍ مالٌ حرامٌ. وغيرها من أدوات النفى التى تدخل على الأسماء. بخَلاف ما لا يدخل عليها؛ مثل: لم، ولمَّا، ولن، فإنها أدوات نفى مخنصة بالمضارع. وقد يكون النفى لفظيًا؛ لوجود لفظه كما سبق، أو معنويًا فى نحو: إنما قائم الحاضرون، لأنه فى قوة: ما قائم إلا الحاضرون. وإذا نقص النفى بإلا لم يتغير الحكم السابق؛ نحو: ما قائم إلا الحاضرون.
وكذلك الاستهفام قد يكون بالحرف نحو: أحافظٌ الصديقان العهدَ؟ هل عالمٌ أنّما الخبرَ؟ أو بالاسم؛ نحو: كيف جالسٌ الضيوفُ؟ ومَنْ مكرِمٌ الآباءُ! ومتى قادمٌ السائحون؟.
وقد يكون الاستفهام مقدرًا يدل عليه دليل؛ نحو: واقف الرجلان أم قاعدان؟ فوجود "أمْ" دليل على أنها مسبوقة باستفهام؛ شأن "أمْ" التى لطلب التعيين. (وكلمة "كيف" حال من الفاعل وهو "ضيوف". مبنية على الفتح فى محل نصب. و"من" مفعول به لكلمة: مكرم، مبنى على السكون فى محل نصب. و"متى" ظرف لكلمة "قادم" مبنى على السكون فى محل نصب).
(د) سبق أن المبتدأ الذى يستغنى بمرفوعه عن الخبر مقصور على نوع معين من المشتقات (أى: من الوصف)؛ وعلى الجامد المؤول بالمشتق وقد سبقت أمثلته. ومن أمثلته أيضاً بعض أساليب سماعية وقع فيها المبتدأ اسمًا جامدًا ليس له خبر؛ وإنما له اسم مرفوع يغنى عن الخبر؛ وذلك لتأول الجامد بالمشتق، كقولهم لا نَوْلُكَ أن تفعل كذا... يريدون: ما متناولك أن تفعل... أى: ليس متناولك هذا الفعل، فليس هو الذى تتناوله. والمراد لا ينبغى ولا يليق بك تناوله. فكلمة: "نوْل" جامدة؛ لأنها مصدر بمعنى: التناول، ولكنها مؤولة بالمشتق؛ إذ معناها: متناوَل، فهى بمعنى اسم المفعول، وتعرب مبتدأ، بمعنى: متناوَل، والمصدر المؤول من أنْ والفعل والفاعل: (أن تفعل) فى محل رفع نائب فاعل لها. ولا مانع من أن تكون كلمة "نول" مبتدأ والمصدر المؤول فى محل رفع خبره. وبهذا لا تحتاج إلى تأويل.
وكذلك وردت أساليب أخرى قليلة (لا يجوز القياس عليها) وقع فيها المبتدأ وصفًا لا خبرٍ له، ولا مرفوع يغنى عن الخبر، منها؛ أقل رجل يقول ذلك. والمراد؛ قَل رجلٌ يقول ذلك؛ أى: صَغُر شأ،ه وحَقُر. فقيل إن المبتدأ لا يحتاج هنا إلىخبر، وجملة: (يقول ذلك) صفة "لرجل" النكرة؛ لأن حاجة النكرة إلى الصفة أشد من حاجة المبتدأ إلى الخبر؛ فتُفَضّل الصفة على الخبر؛ فتغنى عنه. وقيل السبب هو: أن المبتدأ ليس مبتدأ فى المعنى؛ إذ الكلام ليس مقصودًا به التفضيل؛ وإنما المعنى: قَلَّ رجلٌ يقول ذلك؛ فهو مبتدأ فى ظاهره، فعل فى معناه وحقيقته؛ فكيتفى بالمضاف إليه الذى هو فاعل فى الأصل، ويستغنى به عن الخبر. وقيل: إنه مبتدأ والجملة هى الخبر؛ والأخذ بها الرأى وحده أوفق؛ لمسايرته الأصل العام الذى يقضى بأن للمبتدأ خبرًا، أو مرفوعًا يغنى عنه. على أن هذا الأسلوب سماعى لا يجوز القياس عليه، فذكره ليفهمه من يراه فى النصوص المسموعة؛ فيقتصر عليها فى الاستعمال.
هـ- أشرنا فى (رقم 2 من هامش ص 402) إلى المبتدأ الى لا يحتاج لخبر إن كان هذا المبتدأ وصفًا ناسخًا يعمل؛ كالمثال الذى فى رقم 1 من هامش ص 511 كما أشرنا فى رقم 3 من هامش ص 406 إلى الناسخ الذى يحتاج لخبر منصوب فيستغنى عنه بمرفوع.
و- إذا كان الخبر هو الذى يتمم الفائدة مع المبتدأ - على الوجه المشروح فيما تقدم فأني الخبر فى مثل: فلان - وإن كثر ماله - لكنه بخيل؟ وهذا تعبير يتردد على ألسنة بعض السابقين من المولدين الذي لا يستشهد بكلامهم، ومثله: فلان - وإن كثر ماله - إلا أنه بخيل. وكلا التعبيرين ظاهر القبح والفساد بالرغم مما حاوله بعض متأخرى النحاة - كما نقل الصبان - من تأويله تأويلا غير مستساغ، ليصحح الأول على أحد اعتبارين:
أولهما: أن جملة الاستدراك هى الخبر، بشرط اعتبار المبتدأ مقيدًا بالقيد المستفاد من الجملة الشرطية التى بعده، فكأن المراد: فلان مع كثرة ماله بخيل... أو فلان الكثير المال بخيل، والتكلف المعيب ظاهر فى هذا.
ثانيهما: أن يكون الخبر محذوفًا والاستدراك منه، أى: فلان دائب العمل وإن كثر ماله لكنه بخيل. وهذا الوجه المعيب ينطبق على المثال الثانى أيضًا.
النصوص الواردة في ( كتاب النحو الوافي / عباس حسن ) ضمن الموضوع ( باب الابتداء. المبتدأ والخبر ) ضمن العنوان ( المسألة 34: تطابق المبتدأ الوصف مع مرفوعه. )


إذا كان المبتدأ وصفًا متقدمًا فله مع مرفوعه حالتان؛ إحداهما: أن يتطابقا فى الإفراد، والتثنية، والجمع والأخرى: ألا يتطابقا.
(ا) فإن تطابقا فى الإفراد مع تقدم الوصف (مثل: أحاضرٌ القلمُ؟ - ما مهزومٌ الحقٌّ) جاز أن يعرب الوصف المتقدم مبتدأ والاسم المرفوع به فاعلا، أو نائب فاعل، على حسب نوع الوصف، وجاز أن يعرب الوصف خبرًا مقدمًا. والاسم المرفوع بعده مبتدأ مؤخرًا. ففى المثال الأول يجوز أن تكون كلمة: "حاضر" مبتدأ، وكلمة: "القلم" فاعل أغنى عن الخبر. ويجوز أن تكون كلمة: "حاضر" خبرًا مقدمًا. والقلم مبتدأ مؤخرًا.
وفى المثال الثانى يصح أن تكون كلمة: مهزوم؛ مبتدأ "والحق" نائب فاعل أغنى عن الخبر. كما يجوز أن تكون كلمة: "مهزوم" خبرًا مقدمًا و "الحق" مبتدأ مؤخرًا.
والمطابقة فى الإفراد على الوجه السابق الذى يبيح الإعرابين المذكورين تقتضى المطابقة فى التذكير والتأنيث حتمًا؛ فإن اختلفت فى مثل: "أمغرد فى الحديقة عصفورة"؟ وجب إعراب الوصف مبتدأ، والاسم المرفوع بعده فاعله أو نائب فاعل على حسب نوع الوصف، ولا يصح إعراب الوصف خبرًا مقدمًا والاسم المرفوع مبتدأ مؤخرًا؛ وذلك لعدم تطابقهما فى التأنيث؛ إذ لا يصح أن نقول: أعصفورة مغرد فى الحديقة.
ومما يجوز فيه الأمران أيضاً: أن يكون الوصف أحد الألفاظ التى يصح استعمالها بصورة واحدة فى الإفراد والتأنيث وفروعهما من غير أن تتغير صيغتها؛ مثل كلمة: "عدو"، فيصح: اللص عدو - اللصان عدو - اللصوص عدو - اللصة عدو - اللصتان عدو - اللصات عدو... فمثل هذه الكلمة التى يصح فيها أن تلزم صورة واحدة فى جميع الأساليب يجوز فيها إذا وقعت مبتدأ وبعدها اسم مرفوع: (مثل: أعدو اللص - أعدو اللصان - أعدو اللصوص...) أن يكون هذا الاسم المرفوع بها فاعلا لها أو نائب فاعل، على حسب نوع الوصف. كما يجوز أن يكون الوصف خبرًا مقدمًا والمرفوع بعده مبتدأ مؤخرًا. فهذه مسألة أخرى يجوز فيها الأمران. ومثلها المصدر الذى يصح أن يستعمل بلفظ واحد فى استعمالاته المختلفة؛ مثل: أحاضر عدْل - أحاضران عدل - أحاضرون عدْل... و...
وإن تطابقا فى التثنية أو الجمع (مثل: ما السابحان المحمدان - ما السابحون المحمدون)، فالأحسن - فى رأى جمهورة النحاة - أن يعرب الوصف خبرًا مقدمًا والاسم المرفوع بعده مبتدأ مؤخرًا.
(ب) وإن لم يتطابقا فإن كان الوصف مفردًا ومرفوعه مثنى أو جمعًا (مثل: أعالم المحمدان؟ أمحبوب المحمدون؟) صح التركيب فى هذه الصورة الخالية من المطابقة، ووجب إعراب الوصف مبتدأ، وإعراب مرفوعه فاعلا أو نائب فاعل على حسب حاجة الوصف - أغْنَى عن الخبر، ولا يجوز أن يكون مرفوعه مبتدأ لئلا يترتب على ذلك أن يكون المبتدأ مثنى أو جمعًا والخبر مفردًا؛ وهذا لا يجوز ويتساوى فى هذا الحكم أن يكون مرفوع الوصف اسمًا ظاهرًا، وضميرًا بارزًا...
أما فى غير هذه الصورة فلا يصح التركيب؛ ويكون الأسلوب فاسدًا. فمن الصور الفاسدة: أن يكون الوصف مثنى والاسم المرفوع مفردًا؛ مثل: ما قائمان محمد، أو يكون الوصف مثنى والاسم المرفوع جمعًا؛ نحو: أقائمان المحمدون؟. أو يكون الوصف جمعًا، والاسم المرفوع مفردًا، مثل: أحاضرون محمدٌ؟ أو يكون الوصف جمعًا والاسم المرفوع مثنى؛ نحو: أحاضرون الرجلان... وهكذا كل صورة تخلو من المطابقة الصحيحة.
من كل ما تقدم يمكن تلخيص الحالات الإعرابية الخاصة بالمبتدأ الوصف فى ثلاث:
الأولى: وجوب إعرابه مبتدأ يرفع فاعلا، أو نائبه - إذا لم يطابق ما بعده. وهذه الحالة مقصورة على أن يكون الوصف المتقدم مفردًا، والاسم المرفوع بعده مثنى أو جمعًا؛ نحو: أسابح المحمودان؟- أسابح المحمودون؟
الثانية: وجوب إعرابه خبرًا مقدمًا والاسم المرفوع بعده مبتدأ مؤخرًا، وذلك عند تطابقهما فى التثنية أو فى الجمع؛ نحو: أنائمان الرجلان؟ أنائمون الرجال؟
الثالثة: جواز الأمرين إن تطابقا فى الإفراد، وما يقتضيه. مثل أقارىء الجندىّ؟ وفى بعض مسائل سبقت الإشارة إليها.
زيادة وتفصيل:
(ا) هناك أنواع أخرى من المطابقة الواجبة، أو الجائزة، أو الممنوعة فيجب أن يكون الخبر مطابقًا للمبتدأ فى الإفراد والتذكير، وفروعهما؛ بشرط أن يكون الخبر مشتقًّا لا يستوى فيه التذكير والتأنيث، وأن يكون جاريًا على مبتدئه. ومن الأمثلة: محمود غائب، المحمودان غائبان، المحمودون غائبون. فاطمة غائبة. الفاطمتان غائبتان، الفاطمات غائبات... فلا تطابق فى مثل: زينب إنسان، ولا مثل: أتعرفُ الدنيا خداعة؟ وهى إقبال وإدبار؛ لعدم اشتقاق الخبر. ولا فى: هذا جريح؛ لأن الخبر وصف يستوى فيه المذكر والمؤنث (وسيجىء فى باب التأنيث من الجزء الرابع تفصيل هذه المسألة) ولا فى: سعاد كريم أبوها؛ لأن الخبر جار على غير مبتدئه.
وإذا كان المبتدأ جمعًا لما لا يعقل جاز فى خبره أن يكون مفردًا مؤنثًا، أو جمعًا سالما مؤنثًا، أو جمع تكسير للمؤنث، أو جمع تكسير للمذكر؛ مراعاةً لمفرده المذكر غير العاقل - إن لم يمنع من الجُمُوع السالفة ما نع آخر - نحو: العقوبات رادعة، أو رادعات، أو روادع - البيوت عالية، أوعاليات، أو عوال، أو: أعال، جمعُ أعْلَى. فإن كان المبتدأ جمع مؤنث للعاقل جاز فى خبره أن يكون مفردًا مؤنثًا، أو جمع مؤنث سالمًا، أو جمع تكسير للمؤنث؛ نحو المتعلمات نافعة، أو نافعات،أو نوافع. وقد سبق لهذا - ولحالات أخرى - بيان عند الكلام على تطابق الضمير ومرجعه.
وقد يُذَكَّر المبتدأ لمرادعاة الخبر؛ كقوله تعالى: {فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِن رَّبِّكَ} والإشارة المثناة راجعة إلى اليد والعصا قبل هذه الآية، وهما مؤنثتان، ولكن المبتدأ هنا مذكر لتذكير الخبر، ومثله قوله تعالى: {فَلَماَّ رَأَى ٱلشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَـٰذَا رَبِّي هَـٰذَآ أَكْبَرُ}... فاسم الإشارة: (هذا) مذكر، مع أن المشار إليه - وهو: الشمس - مؤنث، فحق الإشارة إليها أن تكون باسم إشارة للمؤنث مثل: "هذه". قال الزمخشرى: "فإن قلت: ما وجه التذكير؟ قلت: جعل المبتدأ مثل الخبر، لكونهما عبارة عن شىء واحد؛ كقولهم: "ما جاءت حاجتَك"؟ أى: ما صارت حاجتَك؟ - ومن كانت أمَّك؟... - ومثل هذا ينطبق على الآية السابقة وهى: (هذا ربى). على أن التذكير فى هذه الآية واجب لصيانة "الرب" عن شبهة التأنيث لو قيل: "هذه ربى". ألا تراهم قالوا فى صفة "الله": "علاّم"، ولم يقولوا: "علاّمة" - وإن كان "العلاّمة" أبلغ -؛ احترازًا من علامة التأنيث. اهـ ببعض اختصار.
ومن تأنيث المبتدأ المذكر مراعاةً لتأنيث الخبر قراءة من قرأ قوله تعالى: {ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ وَٱللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ} بالتاء فى أول المضارع: "تكنْ" لتأنيث اسم الناسخ؛ وهذا الاسم هو المصدر المنسك المتأخر، وهو فى أصله مذكر، ولكنه أنَّث موافقة للخبر المتقدم، وبسبب تأنيث هذا الخبر أنَّث الفعل "تكن".
وإذا كان الخبر دالاً على تقسيم أو تنويع جاز عدم مطابقته للمبتدأ فى الإفراد وفروعه؛ نحو: الصديق صديقان، مقيم على الود والولاء، وتارك لهما، والإخاء إخاءان، خالص لله، أو لمغنم عاجل. وكقولهم: المال أنواع؛ محمود الكسب، محمود الإنفاق؛ وهذا خيرها. وخبيث الثمرة خبيث المَصْرِف؛ وهذا شرّها، وما اجتمع له أحد العيبين وإحدى المزيتين؛ وهو بمنزلة بين المنزلتين السالفتين.
وقد تختلف المطابقة بين المبتدأ المتعدد الأفراد والخبر المفرد إذا كان المبتدأ متعدد الأفراد حقيقة، ولكنه يُنَزَّل منزلة المفرد؛ بقصد التشبيه، أو المبالغة، أو نحوهما؛ سواء أكان بمنزلة المفرد المذكر أم المؤنث، وقد اجتمعا فى قولهم: المقاتلون فى سبيل الله رجل واحد وقلب واحد، وهم يد على من سواهم، وقولهم: التجارب مرشد حكيم، والمنتفعون بإرشاده قلعة تَرتدّ دونها الشدائد، ومن أمثلة التعدّد الحقيقى أيضًا، قول الشاعر:
*المجْد والشَّرف الرّفيع صحيفةٌ * جُعِلتْ لها الأخلاق كالعنوان*
وقد يختلفان تذكيرًا وتأنيثًا، ولكن مع إفراد المبتدأ وعدم تعدده وسبب الاختلاف - كسابقه - المبالغة، أو التشبيه ونحوهما؛ مثل: الشدة مرب حازم، والتجربة معلم نافع، واللص هيابة، والمؤرخ نَسَّابة. وقد يختلفان كذلك إذا كان المبتدأ اسم جنس جميعًّا على الوجه الذى سبق تفصيله.
ومن الخبر الذى يجوز فيه التذكير والتأنيث كلمتا: "أحَد. وإحدى" المضافتين، إذا كان المضاف إليه لفظًا يخالف المبتدأ فى التذكير أو التأنيث؛ فيجوز فى الكلمتين موافقة المبتدأ، أو الخبر، مثل: المال أحد السعادتين، أو: إحدى السعادتين، بتذكير "أحد" مراعاة للمبتدأ المذكر (المال) وبالتأنيث مراعاة للمضاف إليه المؤنث، وهو كلمة: السعادتين. ومثل: الكتابة أحد اللسانين، إو إحدى اللسانين، بالتأنيث أو التذكير، طبقًا لما سلف.
وقد يكون الخبر مؤنثًا والمبتدأ مذكرًا مضافًا إلى مؤنث؛ فيستفيد التأنيث من المضاف إليه، أو العكس؛ (بأن يكون الخبر مذكرًا والمبتدأ مؤنثًا مضافًا إلى مذكر؛ فيستفيد منه التذكير).ويشترط فى الحالتين أمران.
ا- أن يكون المبتدأ المضاف صالحًا للحذف، وللاستغناء عنه بالخبر من غير أن يفسد المعنى.
ب- وأن يكون المبتدأ ا لمضاف كُلاًّ للمضاف إليه، أو جزءًا منه، أو مثل الجزء... و...
ومن أمثلة اكتساب المضاف من المضاف إليه التأنيث قول الشاعر:
*وما حُبُّ الديارِ شَغَفْنَ قلبى * ولكن حُبُّ مَن سكنَ الديارا*
ومِن أمثلة اكتساب المضاف التذكير من المضاف إليه قولهم: رؤيةُ الفكر عواقبَ الأمور مانعٌ له من التسرع.
وهناك حالات هامة من المطابقة وأحكامها المختلفة أشرنا إليها فيما سبق.
حـ- الغالب أن البدل يرتبط به ما بعده، ويعتمد عليه، فيطابقه فى حالتى التذكير والتأنيث وغيرهما، نحو: إن الغزال عينَه جميلة، وإنّ الفتاة جفنَها فاتر، ينصب كلمتى "عين" و"جفن" - وهما بدلان - وتأنيث خبر "إن" فى المثال الأول، وتذكيره فى الثانى. ولولا أن الملاحَظ هو البدل - وأنه بمنزلة المبدل منه - لوجب التذكير فى الأول، والتأنيث فى الثانى. ولا مانع من العدول عن البدل فيما سبق إلى المبتدأ فى الكلمتين، ولعله الأحسن؛ لبعده عن اللبس الناشىء من البدل. ولا بد عند مراعاة الغالب من عدم وجود قرينة تمنع منه، وتدل على غيره. ومن غير الغالب قول الشاعر:
*إن السيوفَ غُدُوَّها ورواحَها * تركت هَوَازن مثلى قرن الأعْضَب*
فقد جاء الفعل "ترك" مؤنثًا مراعاة لاسم: "إن"، لا للبدل...
وبمناسبة الكلام على المبتدأ والخبر وأنهما مرفوعان، بحث النحاة - كعادتهم - عن العامل الذى يوجد الضمة فىكل منهما. ولما لم يجدوا قبل المبتدأ عاملا لفظيًّا يوجدها، قالوا إن العامل معنوى؛ هو؛ وجود المبتدأ فى أول الجملة؛ لا يسبقه لفظ آخر؛ وسموْا هذا العامل المعنوى: الابتداء.فالمبتدأ عندهم مرفوع بالابتداء. أما الخبر فعامل الرفع فيه هو: المبتدأ؛ أى: أن الخبر مرفوع بالمبتدأ. هذا رأى من عدة آراء لا أثر لها فى ضبط كل منهما، ولا فى وضوح معناهما، ومعنى الكلام. فالخير فى إهمالها، وتناسيها، والاقتصار على معرفة أن المبتدأ مرفوع، والخبر مرفوع كذلك.
النصوص الواردة في ( كتاب النحو الوافي / عباس حسن ) ضمن الموضوع ( باب الابتداء. المبتدأ والخبر ) ضمن العنوان ( المسألة 35: أقسام الخبر. )


عرفنا أن الخبر جزء أساسىّ فى الجملة؛ يكملها مع المبتدأ الذى ليس بوصف ويتمم معناها. وهو ثلاثة أقسام: مفرد، وجملة. وشبه جملة.
القسم الأول: الخبر المفرد:
وهو ما كان كلمة واحدة، أو بمنزلة الواحدة (أى: ليس جملة، ولا شبه جملة) وهو إما جامد)، فلا يرفع ضميرًا مستترًا) فيه، ولا بارزًا، ولا اسمًا ظاهرًا؛ مثل: كلمتى: "كَرة" و"نهر" فى قولنا: الشمس كرة، الفرات نهر، ومثل كلمتى "إقبال" وإدْبار" فى قول الشاعر يصف ناقته التى فقدتْ وليدها:
*ترتَع ما رَتَعَتْ، حتَّى إذا ادّركتْ * فإنما هى إقبالٌ وإدبار*
فالخبر فى الأمثلة السابقة فارغ من الضمير المستتر، وغير رافع لضمير بارز أو لاسم ظاهر بعده.
وإما مشتق (وصف) فيرفع ضميرًا مستترًا وجوبًا، أو يرفع ضميرًا بارزًا، أو: اسمًا ظاهرًا بعده؛ مثل: الهرم مرتفع - الآثار عالية. أى: مرتفع هو. وعالية هى، فقد تحمل المشتق ضميرًا مستترًا وجوبًا يعود على المبتدأ؛ ليربط الخبرية ارتباطًا معنويًا. ومثل: ما راغب أنتم فى الظلم؟ فقد رفع الوصفُ ضميرًا بارزًا بعده. ومثل: الورد فاتن ألوانُه، ساحر أنواعُه. فكل من الوصفين: (فاتن، وساحر) قد وقع خبرًا، ورفع بعده اسمًا ظاهرًا. فلا بد فى الخبر المشتق من أن يرفع ضميرًا مستترًا وجوبًا، أو ضميرًا بارزًا أو يرفع اسمًا ظاهرًا بعده.
ومن المشتق (الوصف) ما يعرب على حسب الظاهر خبرًا للمبتدأ، مع أن معناه فى الواقع لا يَنْصَبُّ على ذلك المبتدأ، ولا ينسب إليه مباشرة: مثل: البنت الأبُ مكرمَتُهُ هى. "فالبنت" مبتدأ أول. و"الأب": مبتدأ ثان. "مكرمة" خبر المتبدأ الثانى، مع أن معنى هذا الخبر مُنْصَبٌّ على المبتدأ الأول وحده، لان البنت هى المكرمة؛ أى: المنسوب لها الإكرام، دون المبتدأ الثانى.
ومثل: الشفيق الأمُّ مساعدُها، هو. فكلمة "الشفيق": مبتدأ أول، و"الأم" مبتدأ ثان. و"مساعد": خبر المبتدأ الثانى. مع أن المعنى هذا الخبر - وهو: مساعد - واقع على الأول، ولاحقٌ به دون المبتدأ الثانى...، وهكذا كل وصف وقع خبرًا عن مبتدأ غريب عن معنى ذلك الخبر، وعن مدلوله. وهذا الخبر يقول عنه النحاة. "إنه جارٍ على غير صاحبه. أو: جارٍ على غير من هو له".
ولما كان هذا الخبر مشتقًّا كان لابد أن يرفع ضميرًا أو اسمًا ظاهرًا. غير أن الضمير هنا يجوز إبرازه، كما يجوز استتاره، بشرط أن يكون المبتدأ المنسوب إليه الخبر والمحكوم عليه حقيقة، واضحًا لا يشتبه بغيره عند الاستتار؛ أى: بشرط أمن اللبس، كما فى الأمثلة السابقة.
وهناك أمثلة للوصف الواقع خبرًا يصلح فيها أن يكون جاريًا على من هو له وعلى غير من هو له، فيقع اللبس فى المراد: نحو: (الفارس الحصانُ مُتْعِبُه) فكلمة: "الفارس" مبتدأ، و"الحصان" مبتدأ ثان "ومُتْعِب" خبر الثانى وفيه ضمير مستتر، والجملة منها خبر الأولى. فما المراد من هذا المثال؟ أتريد الحكم على الحصان بأنه يتعب الفارس؛ فيكون الخبر جاريًا على من هو له: أم نريد الحكم على الفارس بأنه يتعب الحصان؛ فيكون الخبر جاريًا على غير من هو له؟ الأمران محْتمَلان مع اختلافهما فى المعنى. وهذه هى حالة اللبس، حيث لا قرينة ترجح أحدهما على الآخر. فإن كان المراد هو المعنى الأول الذى يقتضى جريان الخبر على من هو له وجب استتار الضمير مراعاة للأصل السابق؛ ليكون استتاره دليلا على ذلك المعنى؛ فنقول: "الفارس الحصان متعبه". وإن كان المراد هو المعنى الثانى الذى يقتضى جريان الخبر على غير من هو له وجب إبراز الضمير منفصلاً؛ ليكون إبرازه دليلا على جريانه على غير من هو له؛ فنقول (الفارسُ الحصانُ متعبه هو). فالضمير: "هو" عائد على الفارس، المنسوب إليه "أنه متعب"، والمحكوم عليه بذلك الحكم. والضمير: "الهاء" المتصل بالخبر. وهو الهاء فى آخر كلمة: "متعبه" عائد إلى المبتدأ الثانى).
ومثل الكلبُ الثعلبُ مخيفهُ. "الكلب"؛ مبتدأ؛ أول. "الثعلب": مبتدأ ثان، "مخيف": خبر الثانى، وهو مضاف، والهاء مضاف إليه. فما المراد؟ قد نريد الحكم على الثعلب بأنه يخيف الكلب؛ فيكون الخبر جاريًا على صاحبه، ويجب استتار الضمير؛ مراعاة للأصل السابق؛ ليكون استتاره دليلا على جريانه على صاحبه. وقد نريد المعنى الثانى؛ وهو جريانه على غير صاحبه؛ فجب إبراز الضمير منفصلا؛ ليكون إبرازه شارة على هذا المعنى؛ فنقول: الكلب الثعلب مخيفة هو. ويكون الضمير البارز عائدًا على "الكلب" وهو المحكوم عليه حقيقة بالخبر؛ أى: بأنه المخيف. أما الضمير الثانى (وهو الهاء المتصلة بالخبر) فعائدة على المبتدأ الثانى.
وخلاصة ما تقدم:
1- أن الخبر الجامد لا يتحمل الضمير إلا عند التأويل الذى يقتضيه السياق؛ وأما المشتق فيتحمله.
2- إذا جرى الخبر المشتق على غير من هو له وكان اللبس مأمونًا جاز استتار الضمير وجاز إبرازه.
3- وإن لم يُؤْمَنْ اللبس وجب إبراره.
هذا، ومن المستحسن عدم محاكاة الأساليب المشتملة على النوع الأخير، وعدم صياغة نظائر لها؛ منعًا لاحتمال ألا يُفهَم المراد منها؛ بالرغم من كثرة ورودها فى الكلام العربى الأصيل، كما يستحسن إهمال الرأى الذى يوجب إبراز الضمير فى حالة أمن اللبس، لمجافاته الأصول اللغة العامة.
***
القسم الثانى الخبر الجملة:
الخبر الجملة: كلمتان أساسيتان لا بد منهما للحصول على معنى مفيد؛ كالفعل مع فاعله أو نائب فاعله؛ فى مثل: فرح الفائز، وأكْرِمَ النابغ. وتسمى هذه الجلمة: "فعلية"؛ لأنها مبدوءة - أصالة - بفعل. وكالمبتدأ مع خبره، أو ما يغنى عن الخبر فى مثل: المال فاتن. وهل الفاتن مال؟ وتسمى هذه الجملة: "اسمية" "لأنها مبدوءة" أصالة باسم؛ فالجملة إما "اسمية"، وإما "فعلية" وكل واحدة منهما قد تقع خبرًا؛ فتكون هنا فى محل رفع؛ نحو: الصيف يشتد حره. الشتاء يقسو بردُه. الربيع جَوُّه معتدل. الخريف جوه متقلب. وقد اجتمعت الجملتان فى قول الشاعر:
*الْبَغْىُ يصْرَعُ أهْلَهُ * وَالظلمُ مَرتَعُهُ وخِيم*
ويشترط فى الجملة والواقعة خبرًا أن تشتمل على رابط يربطها بالمبتدأ، إلا إن كانت بمعناه، كما سيجىء. وهذا الرابط - كالضمير فى الجمل السالفة - ضرورى؛ ولولاه لكانت جملة الخبر أجنبية عن المبتدأ، وصار الكلام مفككاً لا معنى له؛ لانقطاع الصلة بين أجزائه؛ فلا يصح أن نقول: محمد يذهب علىّ، وفاطمة يجىء القطار... لفساد التركيب، واختلال المعنى يفقد الرابط. والروابط أنواع كثيرة منها:
1- الضمير الراجع إلى المبتدأ، وهو أصل الروابط وأقواها (وغيره خلَف عنه)، سواء أكان ظاهرًا؛ مثل: الزارع "فضلُه كبيرٌ" أم مستتر (أى: مقدر) مثل: الأرض، تتحرك"، وقولهم: مخالفة الناصح الأمين تُورثُ الحسْرة، وتُعْقِبُ الندامة، أم محذوفًا للعلم به مع ملاحظته ونيته؛ مثل: الفاكهة "أقةٌ بعشرة قروش" أى: أقة منها. وحجارة الهرم "حجرٌ بوزن عشرة" أى: حجر منها. والورق "اللونُ لونُ اللبن". اللون منه. الثوب "الرائحة رائحةُ الزهر": الرائحة منه.
ويشترط في الضمير أن يكون مطابقًا للمبتدأ السابق فى التذكير، والتأنيث والإفراد، والتثنية، والجمع.
2- الإشارة إلى المبتدأ السابق؛ نحو: الحرية "تلك" أُمْنِيّة الأبطال، والإصلاح "ذلك" مقصد المخلصين. ومنه قوله تعالى: {وَٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَٱسْتَكْبَرُواْ عَنْهَآ أُوْلَـٰئِكَ أَصْحَابُ ٱلنَّارِ}...
3- إعادة المبتدأ السابق؛ بقصد التفخيم، أو التهويل، أو التحقير. والإعادة قد تكون بلفظه ومعناه معًا؛ نحو: الحرية ما الحرية؟ والحرب ما الحرب؟ والسارق من السارق؟ وقد تكون بمعناه فقط؛ نحو: السيف ما المهند؟ والأسد ما الغضنفر؟ وعلىّ من أبو الحسين؟ بشرط أن يكن أبو الحسين كنية علىّ. والمراد بهما شخص واحد.
4- أن يكون فى الجملة الواقعة خبرًا ما يدل على عموم يشمل المبتدأ السابق وغيره؛ نحو: أما جبُنُ المحارب فلا جبنَ فى بلادنا، وأما هربه فلا هربَ عندنا. و العربيّ نعم البطل... فعدم الجبن أمر عام يشمل جبن المحارب وغير المحارب، وكذلك عدم الهرب فى بلادنا يشمله ويشمل غيره... والبطل الممدوح بكلمة:"نِعم" يشمل العربى وغيره.
5- أن يقع بعد جلمة الخبر الخالية من الرابط جملة أخرى معطوفة عليها بالواو، أو الفاء، أو ثم، مع اشتمال المعطوفة على ضمير يعود على المبتدأ السابق؛ فيُكتفَى فى الجملتين بالضمير الذى فى الثانية فمثال الواو: الزارع نبتَ الزرعُ وتعهده - الطالب بدأت الدارسةُ وا ستعد لها... ومثال الفاء: الصانع تيسرت أسباب الصناعة فأقبل غير متردد، والعامل كثرت ميادين العمل فوجد الرزق مكفولا. ومثال ثُمّ: القمر طلعت الشمس ثم اختفى نوره، والنجوم انقضى النهار ثم أشرق ضوءها.
6- أن يقع بعد جملة الخبر الخالية من الرابط أداة شرط حذف جوابه الدلالة الخبر عليه، وبقى فعل الشرط مشتملا على ضمير يعود على المبتدأ؛ مثل الوالد يترك الأولادُ الصياح إن حضر - الضيف يقف الحاضرون إن قَدِمَ.
تلك أشهر الروابط. ويجوز أن تستغنى جملة الخبر عن الرابط إن كانت هى نفس المبتدأ فى المعنى؛ بحث يتضمن أحدهما المعنى الذى يتضمنه الآخر تمامًا؛ كأن يقول رجل لزميله؛ ما رأيك فى التجارة؟ فيجيب: رأيى. "التجارة غِنًى". فالجملة الواقعة خبرًا مطابقة فى معناها للمبتدأ فى معناه ومدلوله؛ فكلاهما مساو للآخر فى المضمون؛ فالرأى هو: "التجارة غنى" و"التجارة غنى" هى: "الرأى". ومن أمثلة ذلك: أن يتكلم متكلم فيسأله الآخر ماذا تقول؟ فيجب: قولى "الذليل مهين". كلامى "الكرامة تأبى المهانة" فجملة الخبر فى كل مثال هى نفس المبتدأ السابق فى المعنى، والمبتدأ السابق فى كل مثال يتضمن معنى الجملة الواقعة خبرًا، فكلاهما يتضمن معنى الآخر، ودلالته.
زيادة وتفصيل:
(ا) اشترطنا فى جملة الخبر وجود رابط، - بالتفصيل الذى أوضحناه - ويشترط فيها أيضًا أن تكون غير ندائية؛ فلا يصح: محمد (يا هذا...). وأن تكون غير مبدوءة بكلمة "لكن": أو "حتى": أو "بل"؛ لأن كل واحدة من هذه الكلمات تقتضى كلامًا مفيدًا قبلها، فالاستدراك بكلمة: "لكن" لا يكون إلا بعد كلام سابق. وكذلك الغاية بكلمة: "حتى" والإضراب بكلمة: "بل".
ويجوز فى جملة الخبر أن تكون قَسَمية؛ نحو: القوى والله ليهزمن عدوه، وأن تكون إنشائية؛ سواء أكانت إنشائية طلبية؛ نحو: الحديقةُ نسْقها، أم غير طلبية مثل: الصديقُ لعله قادم. العادل نعم الوالى، والظالم بئس الحاكم.
(ب) فى الأساليب التى يكون فيها الخبر جملة معناها هو معنى المبتدأ مثل: (كلامى: "الجو معتدل") (حديثى: "يجىء الفيضان صيفًا"). (قولى: "نشر التعليم ضرورى")، (خطْبتى: "التوحد قوة"). (مقالى: "احذروا الخائنين")... يجوز إعرابان:
أولهما: أن نعرب الجملة الاسمية أو الفعلية مجزأة على حقيقتها جزأين (مبتدأ وخبرًا، أو فعلا وفاعلا) ثم يكون مجموع الجزأين فى محل خبر المبتدأ السابق؛ ففى مثل: (كلامى: الجو معتدل) نقول: "كلام" مبتدأ مضاف، والياء مضاف إليه مبنى على السكون فى محل جرّ، "الجو" مبتدأ ثان. "معتدل" خبره، والجملة من الجزأين فى محل رفع خبر المبتدأ الأول. وفى مثل: (حدثنى: يزداد الفيضان صيفًا) نقول: "يزداد" مضارع مرفوع. "الفيضان" فاعل مرفوع "صيفًا" ظرف منصوب، والجملة من الجزأين (الفعل والفاعل) فى محل رفع خبر المبتدأ. فلكل جزء من أجزاء الجملة وجود مستقل، وإعراب خاص به وحده؛ ثم يكون مجموع الجزأين معًا هو خبر المبتدأ السابق.
ثانيهما: أن ننظر إلى تلك التى كانت فى الأصل جملة نظرتنا إلى شيى واحد ليس مجزأ، وليس له كلمات مفردة؛ فكأنه كتلة واحدة ليس لها أجزاء، أو أنه كلمة واحدة منهما تعددت الكلمات، فهى من قبيل المركب الإسنادى الذى ننطق فيه بالألفاظ على حسب ضبطها الأصل - قبل أن تكون خبرًا أو شيئًا آخر -؛ من غير تغيير شىء من حروفها أو ضبطها. ثم نقول عنها كلها الآن: إنها خبر مرفوع بضمة مقدرة على آخره لأجل الحكاية؛ (وهى - كما سبق ترديد اللفظ الأصلى وترجيعه على حسب هيئته الأولى - غالبا -؛ حروفًا وضبطًا). ويكون الخبر فى هذه الحالة من قبيل الخبر المفرد. لا الجملة؛ فنقول فى إعراب: (كلامى: "الجوّ معتدلٌ" "كلام" مبتدأ مضاف. والياء مضاف إليه."الجوُّ معتدلٌ" كلها خبر مرفوع بضمة مقدرة. على آخره، منع من ظهورها حركة الحكاية). ونقول فى مثل: (حديثى "يظهر الفيضان صيفًا") "حديث" مبتدأ مضاف... الياء مضافٌ إليه... "يظهر الفيضان صيفًا" كلها خبر مرفوع بضمة مقدرة على آخره؛ منع من ظهورها حرَكة "الحكاية"... وهكذا.
وقد يقع العكس كثيرًا؛ فيكون المبتدأ جملة بحسب أصلها، ولكنها صارت محكية. والخبر مفرد يتضمن معناها، كأن يقول قائل: أريد أن تدلنى على آية قرآنية، وعلى مثل قديم، وعلى حكمة مأثورة. فتجيب: (قولٌ معرُوفٌ ومغفرةٌ خَيرٌ منْ صَدقة يَتْبعُها أذىً) آية قرآينة. (إنّ أخاكَ من واساك) مثلٌ قديم. (رُبّ عيشٍ أهونُ منه لحمامُ) حكمةٌ من حكم المتنبى. فالآية كلها من أولها إلى آخرها مبتدأ مرفوع، بضمة مقدرة منع من ظهورها حركة الحكاية. وكلمة: "آية" هى لخبر. وكذلك (إن أخاك من واساك) كلها من أولها إلى أخرها مبتدأ مرفوع بضمة مقدرة على آخره، منع ظهورها حركة الحكاية، والخبر كلمة: "مثل" وكذا يقال فى: "رب عيش أهون منه الحمام".
وكما تتكون الجملة المحكية من مبتدأ وخبره تتكون من فعل وفاعله ومن غير ذلك. والمهم فى الألفاظ المحكية أن تكون دائمًا بصورة واحدة فى جميع الحالات الإعرابية، ولكنها مع ذلك فى محل رفع، أو نصب، أو جر؛ على حسب موقعها الإعرابىّ.
حـ- أشرنا إلى أنواع المبتدأ تحتاج إلى خبر حتمًا وإلى وجوب أن يكون هذا الخبر جملة - ويلحق بها نوع يجب أن يكون خبره شبه جملة (جارًّا مع مجروره) - وأشهر تلك الأنواع المحتاجة لجملة: أسماء الشرط الواقعة مبتدأ، وكذا: ضمير الشَّان، و "كأيِّن الخبرية الشبيهة بكم الخبرية، والمخَّصوص بالمدح والذم إذا تقدَّم، والمنصوب على الاختصاص؛ فإنه يجب فيه أن يتقدم عليه اسم بمعناه يعرب مبتدأ، ويعرب الاسم المنصوب على الاختصاص مفعولا به لفعل محذوف تقديره: أخُص - مثلا - والجملة خبر عن ذلك المبتدأ. ويجب أن يكون خبر "ما" التعجبية جملة، وكذلك المبتدأ الملازم للابتداء سماعًّا؛ نحو: طُوبَى للمؤمن؛ فإن خبره لا يكون إلا جارًا مع مجروره وهما شبيهان بالجملة... - ومثله وقولهم فى المدح: لله درّ فلان... وغير هذين مما سيجىء.
القسم الثالث: الخبر شبه الجملة:
يريد النحاة بشبه الجملة هنا أمران؛ أحدهما: الظرف بنوعيه الزمانىّ والمكانىّ، والآخر: حرف الجر مع مجروره. فالخبر قد يكون ظرف زمان؛ نحو: الرحلة "يومَ" الخميس. والرجوعُ "ليلةَ" السبت. وقد يكون ظرف مكان؛ نحو: "الحديقة" "أمامَ" البيت، والنهر "وراءَهُ"؛ فكلمة "يوم", و"ليلة" وما يشبههما ظرف زمان، منصوب، فى محل رفع؛ لأنه خبر المبتدأ. وكلمة "أمام" و "وراء" وما يشبههما - ظرف مكان منصوب في محل رفع؛ لأنه خبر المبتدأ. وقد يكون الخبر جارًّا مع مجروره؛ نحو، النشاط في السباحة. السكَّر من القصب؛ فالجار مع المجرور في محل رفع خبر المبتدأ. ومنه قول الشاعر:
*للعيد يومٌ من الأيام منتظَرٌ * والناس في كل يومٍ منك في عيدِ*
ويشترط في الظرف الوَاقع خبراً، وفي الجار مع المجرور كذلك - أن يكون تامًّا، أَى: يحصل بالإخبار به فائدة بمجرد ذكره، ويكْمُلُ به المعنى المطلوب من غير خفاء ولا لَبْس، كالأمثلة السابقة. فلا يصلح للخبر منهما ما كان ناقصاً؛ مثل: محمود اليوم.. أو حامد بك؛ لعدم الفائدة. أما حيث تحصل الفائدة فيصح وقوعهما خبراً؛ ويكون كل منهما هو الخبر مباشرة؛ أي: أن شبه الجملة نفسه يكون الخبر - فى الرأى المختار.
بقيت مسألة تتعلق ببيان نوع الظرف التام الذى يصلح أن يكون خبراً. فأما ظرف المكان فيصلح - فى الغالب - أن يقع خبراً عن المبتدأ المعنى وعن المبتدأ الجثة؛ فمثال الأول؛ العلم عندك - الحق معك. ومثال الثاني: الكتاب أمامك - الشجرة خلفك. ولا بد فى ظرف المكان أن يكون خاصًّا لكى يتحقق شرط الإفادة؛ كالأمثلة السالفة؛ فلا يصح أن يكون عامًّا؛ مثل: العلم مكاناً، أو الكتب مكاناً؛ لعدم الإفادة.
وأما ظرف الزمان فيصلح أن يقع خبراً عن المبتدأ المعنى فقط، بشرط أن تتحقق الإفادة. كأنْ يكون الزمان خاصّاً، لا عامًّا؛ مثل: السفر صباحاً، والراحة ليلا. بخلاف: السفر زماناً، الفضل دهراً، الأدب حيناً، لعدم الإفادة.
وهو لا يصلح أن يكون خبراً عن الجثة إلا قليلا؛ وذلك حين يفيد أيضاً؛ فلا يصح: الشجرة يوماً - البيت غداً؛ لعدم الإفادة. ويصح: القطن صيفاً. القمح شتاء، لتحقق الفائدة؛ إذ المراد: ظهور القطن صيفاً. وظهور القمح شتاء. ومنه قولهم: الهلاُ الليلةَ. والرطبُ شهرىْ ربيع.
ومجمل الأمر أن ظرف المكان يصلح - فى الغالب- خبراً للمبتدأ بنوعيه: المعنى والجثة، وأن ظرف الزمان يصلح في الغالب خبراً للمبتدأ المعنى دون الجثة، إلا إن أفاد؛ وهذه الإفادة تحقق فى الظرف بنوعيه حين يكون خاصًّا لا عامًّا. فالمعول عليه فى الإخبار بالظرف هو الإفادة.
زيادة وتفصيل:
أ- من الألفاظ الملازمة للابتداء كلمة: "طُوبَى، وهذه الكلمة لا يكون" خبرها إلا الجار مع مجروره، - كما سبق - نحو طوبى: للصّالح.
ب- شبه الجملة لا بد ن يتعلق بعامله على الوجه الذى شرحناه. فإن لم يوجد فى الكلام عامل يصح التعلق به صح أن يكون تعلقه بالإسناد نفسه (أى: بالنسبة الواقعة بين ركنى الجملة)، كقول ابن مالك فى باب "الاستثناء" من ألفيته، خاصاً بالأداتين "خلا وعدا":
وحيثُ جَرَّا فهُما حرفان
فالظرف: "حيث" متعلق بالنسبة (أى: بالإسناد) المأخوذة من قوله: "فهما حرفان"، أى: تثبت حرفيتهما حيث جرّا.
أما وجود الفاء هنا فله بيان أوضحناه عند إعادة الكلام فى هذه المسألة فى الجزء الثانى: (بابى الظرف وحرف الجر).
(حـ) قلنا: إن ظرف الزمان لا يقع خبراً عن الذات (الجثة) إلا بشرط أن يفيد، وهذه الإفادة تتحقق بأحد الثلاثة الآتية:
الأولى: أن يتخصص ظرف الزمان إما بنعت؛ مثل: نحن فى يوم طيب، أو: نحن فى أسبوع سعيد. وإما بإضافة؛ مثل: نحن فى شهر شوال .. وإما بَعَلميه مثل: نحن فى رمضان؛ ويجب جر الظرف الزمانى فى هذه الصور الثلاث بفى؛ ويكون الجار مع المجرور فى محل رفع خبرا. ولا يسمى فى حالة جره - أو رفعه - ظرفاً. كما سيجىء. الثانية: أن يكون المبتدأ الذات مما يتجدد؛ بأن يظهر فى بعض الأوقات دون بعض؛ فله مواسم معينة يظهر فيها ثم ينقطع، ثم يظهر .. وهكذا .. فيكون شبيهاً بالمعنى، مثل: البرتقال شهور الشتاء، والبِطيخ شهورَ الصيف. الهلال الليلةَ. وفى هذه الحالة يجوز نصب ظرف الزمان، أو جره بفى. وهو فى الحالتين فى محل رفع خبر.
الثالثة: أن يكون المبتدأ الذات صالحاً لتقدير مضاف قبله تدل عليه القرائن؛ بحيث يكون ذلك المضاف أمراً معنوياً مناسباً؛ كأنْ يلازم المرء بيته يومياً للراحة، فيعرض عليه صديقه الخروج لنزهة بحرية، فيعتذر قائلا: البيتُ اليومَ، والبحرُ غدا. أى: ملازمة البيت اليوم، ونزهة البحر غدا. ومثله: الكتابُ الساعةَ، والحديقةُ عصراً. أى: قراءةُ الكتاب الساعةَ، ومتعةُ الحديقة عصراً ... وفى هذه الصورة يكون الظرف منصوباً فى محل رفع خبراً.
والحالات الثلاث السابقة قياسيَّة؛ يصح محاكاتها؛ وصوغ الأساليب الحديثة على مقتضاها.
لكن كيف نعرب الظرف الزمانى فى غير تلك الأحوال الثالثة؟ وكيف نعرب المكانى؟ وكيف نضبطهما؟
إن الأصل في الظرف أن يكون منصوباً مباشرة، أو فى محل نصب.
1- فإن كان الظرف للزمان ووقع خبراً عن معنى ليس للزمان - جاز رفعه، ونصبه، وجره بفى، ويكون المرفوع هو الخبر مباشرة، ويكون المنصوب، أو المجرور مع حرف الجر، في محل رفع، هو: الخبر. تقول: الصوم شهرٌ، أو: شهراً، أو فى شهر. والراحة يومٌ، أو يوماً، أو فى يوم. والأكل ساعةٌ، أو ساعةً، أو فى ساعة. (أى: زمن الصوم ... وزمن الراحة ... وزمن الأكل) لكن الأحسن الرفع مباشرة إن كان الزمان نكرة والمبتدأ المعنى يعم ذلك الزمان كله أو أكثره؛ نحو: الصوم يومٌ، والسهر ليلةٌ.
2- إن كان الظرف زمانيًّا من أسماء الشهور ووقع خبراً عن مبتدأ هو معنى وزمان، تعين رفع الخبرُ، مثل: أولُ السنة المحرمُ، وشهرُ الصوم رمضانُ.
3- وإن لم يكن هذا الخبر الظرف من أسماء الشهور. ولكنّ المبتدأ يتضمن عملا - جاز الرفع والنصب؛ مثل: الجمعة اليوم، أو السبت اليوم، أو العيد اليوم، لتضمنها معنى الجمع، والقطع، والعوْد. ومنه: اليومُ يومك؛ لتضمنه معنى: شأنك الذى تذكر به. فإنْ لم يتضمن عملا؛ كالأحد، والاثنين، والثلاثاء، والأربعاء، والخميس - كان الرفع أحسن.
4- وإن كان الظرف للزمان، ووقع خبراً للمبتدأ الذات فى الحالات التى يصح وقوعه خبراً فيها؛ لإفادته، وقد سبقت فى "أ" - فحكمه كما سبق هناك.
5- وإن كان الظرف للمكان، ووقع خبراً عن ذات، أو معنى، وكان متصرفاً - جاز رفعه ونصبه؛ مثل: الكبار جانب، أو: جانباً، والأطفال جانب، أو جانباً. (برفع كلمة: "جانب". أو: نصبها) والرجل أمامك، والدار خلفك (برفع أمام، وخلف، أو نصبهما) ومثل: العلم ناحية والعمل ناحية، برفع كلمة: "ناحية" أو نصبها.
فإن كان غير متصرف مثل "فوق" وجب نصبه؛ نحو: الكتاب فوق المكتب.
6- إذا قلتَ: ظهرُك خلفك، جاز رفع الظرف المكانى: "خلْف" ونصبه. أما الرفع فلأن الخلف فى المعنى هو: الظهر. فالخبر هو اسم محض معناه معنى المبتدأ، وأما النصب فعلى الظرفية الواقعة خبراً. وكذلك ما يشبه ما سبق من الظروف المكانية، نحو: نعلك أسفل رجلك، والركب أسفلَ منك. وقد سبق أن الظرف المكانىّ المخبر به إذا كان غير متصرف، يجب نصبه؛ مثل: رأسك فوقك، ورجلاك تحتك؛ لأن "فوق" و "تحت" ظرفين للمكان غير متصرفين.
7- إذا كان الظرف الزمانى غير متصرف: مثل: "ضحوة" يراد بها ضحوة معينة ليوم معين - وجب النصب؛ مثل: العملُ ضحوةَ.
8- إذا كان الظرف بنوعيه متصرفاً، محدود المقدار، ووقع خبرا عن المبتدأ الذات - جاز فى الظرف الرفع، والنصب، بشرط أن يكون المبتدأ الذات على نية تقدير مضاف قبله، يدل على البعد والمسافة، مثل: المدرسة منى ميل أو ميلا. المدينة منى يوم أو يوماً، أى: بُعْدُ المدرسة ... وبعد المدينة ...، إذا قلت هذا - مثلا - قبل ابتداء السير. فإن كان المقصود أن المدرسة أو المدينة من أشياء تبعد عما سرنا ميلا تعين النصب على الظرفية، وكان الخبر هو الجار والمجرور: "منى" بخلاف الرفع فإنه على تقدير: بُعْد مكانها منى ميل، مثلا...
9- من الأساليب الواردة عن العرب: حامد وحده. يريدون: أنه فى موضع التفرد، وفى مكان التوحد؛ فيجوز إعراب: "وحد" ظرفاً منصوباً فى محل رفع خبر.
"ملاحظة": إذا ترك الظرفُ النصبَ على الظرفية، إلى الرفع أو إلى الجر فإنه لا يكون ظرفاً، ولا يسمى بهذا الاسم.
النصوص الواردة في ( كتاب النحو الوافي / عباس حسن ) ضمن الموضوع ( باب الابتداء. المبتدأ والخبر ) ضمن العنوان ( المسألة 36: المبتدأ المعرفة، والمبتدأ النكرة. )


إذا قلنا: الطيار شجاع - الوطنى مخلص - العربىّ كريم ... حكمنا على الطيار بالشجاعة، وعلى الوطنى بالإخلاص، وعلى العربى بالكرم. أى: حكمنا على المبتدأ بحكم مُعين؛ هو: الخبر. فالمبتدأ فى هذه الجمل الاسمية - و - نظائرها محكوم عليه دائماً بالخبر، والمحكوم عليه لا بد أن يكون معلوماً، ولو إلى حدّ مَّا، وإلا كان الحكم لغوًا لا قيمة له؛ لصدوره على مجهول، وصارت الجملة غير مفيدة إفادة تامة، مثل: زارع فى القرية ... صانع فى المصنع ... يد متحركة ... جشم مسْرع ... وغيرها مما لا يفيد الإفادة الحقيقية المطلوبة؛ بسبب عدم تعيين المبتدأ، أو عدم تخصيصه. أى: بسبب تنكيره تنكيراً تامًّا؛ لهذا امتنع أن يكون المبتدأ نكرة إذا كان غير وصف، لأنها شائعة مجهولة في الغالب. فلا يتَحَقَّقُ معها الغرض من الكلام؛ وهو: الإفادة المطلوبة، فإن هذه الإفادة هى السبب أيضاً فى اختيار المعرفة لأن تكون هى المبتدأ حين يكون أحد ركنى الجملة معرفة والآخر نكرة؛ مثل: شجرةٌ المتحركة. لكن إذا أفادت النكرة الفائدة المطلوبة صح وقوعها مبتدأ.
وقد أوصل النحاة مواضع النكرة المفيدة حين تقع مبتدأ إلى نحو أربعين موضعاً. ولا حاجة بنا إلى احتمال العناء فى سردها، واستقصاء مواضعها، ما دام الأساس الذى تقوم عليه هو: "الإفادة" فعلى هذا الأساس وحده يرجع الحكم على صحة الابتداء بالنكرة، أو عدم صحته، من غير داع لحصر المواضع أو عَدّها هذا إلى أن تلك المواضع الكثيرة يمكن تجميعها وتركيزها في نحو أحدَ عشَرَ تغنى عن العشرات التى سردوها. وإليك الأحدَ عشَرَ.
1- أن تدلّ النكرة على مدح، أو ذم، أو تهويل؛ مثل: (بطلٌ فى المعركة. خطيب على المنبر) - (جبانٌ مُدْبرٌ. جاسوسٌ مقبل) - (بالء فى الحرب، جحيم فى الموقعة).
2- أن تدل على تنويع وتقسيم؛ مثل رأيت الأزهار، فبعضٌ أبيضُ، وبعض أحمرُ، وبعضٌ أصفرُ ... عرفت فصل الخريف متقلبًا؛ فيومٌ بارد، ويومٌ حارّ، ويومٌ معتدل. وقول الشاعر:
*فيومٌ علينا، ويومٌ لنا * ويومٌ نُسَاءُ، ويومٌ نُسَرّ*
3- أن تدل على عموم؛ نحو: كلٌّ محاسَبٌ على عمله. وكلٌّ مسئول عما يصدر منه؛ {فمن يعملْ مِثقالَ ذَرّة خيراً يرَهُ. ومن يعملْ مثقالَ ذرة شرًّا يَرَه}.
4- أن تكون مسبوقة بنفى، أو استفهام؛ مثل: ما عملٌ بضائعٍ، ولا سعىٌ بمغمور. فمن مُنكرٌ هذا؟ وقول من طالت غربته:
*وهلْ داءٌ أمَرُّ من التَّنائِى؟ * وهلْ بُرْءٌ أتَمُّ من التَّلاقى؟*
5- أن تكون النكرة متأخرة، وقبلها خبرها؛ بشرط أن يكون مختصًّا؛ سواء أكان ظرفاً، أم جارًّا مع مجروره أم جملة؛ مثل: عند العزيز إباءٌ، وفي الحُرِّ تَرفع وقول الشاعر:
*وللحِلْم أوقاتٌ، وللجهل مثلها * ولكنَّ أوقاتى إلى الحَلْم أقْربُ*
ومثل: نَفَعك برهُ والدٌ، وصانك حنانُها أمٌّ.
6- أن تكون مخصّصَة بنعت، أو بإضافة، أو غيرهما مما يفيد التخصيص؛ نحو: نومٌ مبكرٌ أفضلُ من سهر، ويقظةُ البكور أنفعُ من نوم الضحا، وقول العرب: أحسن الولاة من سعدت به رعيته، وأشقاهم من شقيت به، وشر البلاد بلاد لا عدل فيها، ولا أمان، وقولهم: وَيْلٌ للشَّجى مِن الخَلِىِّ.
7- أن تكون دعاء؛ نحو: سلامٌ على الخائف - شفاءٌ للمريض - عونٌ للبائس؛ بشرط أن يكون القصد من النكرة فى كل جملة هو الدعاء.
8- أن تكون جواباً؛ مثل: ما الذى فى الحقيبة؟ فتُجيب: كتاب فى الحقيبة.
9- أن تكون فى أول جملة الحال، سواء سبقتها واو الحال، مثل: قطع الصحراء، ودليلٌ يَهدينى، وركبت البحر ليلا وإبرةٌ ترشد الملاحين. أمْ لم تسبقها؛ نحو كلُّ يوم أذهب للتعلم، كتبٌ فى يدى.
10- أن تقع بعد الفاء الداخلة على جواب الشرط؛ وهى التى تسمى: فاء الجزاء؛ مثل: مطالبُ الحياة كثيرة؛ إن تَيَسَّر بعضٌ فبعضٌ لا يتيسّر، والآمال لا تنفد؛ إن تحقق واحدٌ فواحدٌ يتجدد.
11- أن يدخل عليها ناسخ - أىّ ناسخ - وفى هذه الحالة لا تكون مبتدأ، وإنما تصير اسماً للناسخ، ومن ثَمَّ يصحّ فى أسماء النواسخ أن تكون فى أصلها معارف أو نكرات - كقولهم: كان إحسانٌ رعايةَ الضعيف، وإنّ يداً أن تذكروا الغائب...
زيادة وتفصيل:
(أ) قلنا إن مسوغات الابتداء بالنكرة كثيرة؛ أوصلها النحاة إلى أربعين، بل أكثر. وبالرغم من كثرتها بقيت نكرات أخرى قد تعرب مبتدأ، مع أنها لا تدخل تحت مسوغ مما ذكروه؛ نحو: "مذ" و "منذ" فهما نكرتان فى اللفظ؛ فى نحو: ما رأيته "مذ" أو "منذ" يومان، وإن كان بعض النحاة يعتبرهما معرفتين معنى؛ إذ المعنى: أمد انقطاع الرؤية يومان مثلا.
على أن تلك الكثرة من المسوغات قد فتحت الباب أمام كل نكرة لتدخل منه إلى الابتداء، حتى صار من العسير الحكم على نكرة، أىّ نكرة، بأنها لا تصلح أن تكون مبتدأ. كما صار الرأى القائل: "إن المبتدأ لا يكون نكرة إلا إن أفادت" - رأياً لا جديد فيه؛ لدخوله تحت أصل لغوى عام: هو: "ما يَستحدث معنى أو يزيد فى غيره لا يُطعن فى وجوده، ولا يستغنى عنه، وما لا فائدة منه لا خير فى ذكره".
وتأييداً لكلامنا وتوفية للبحث - نذكر أهم تلك المسوغات؛ ليؤمن المتردد أنها أبواب مفتوحة تتسرب منها النكرات كلها إلى الابتداء. وقد سبق منا أحدى عشر. وفيما يلى الباقى مع الاقتصار على ما يغنى عن غيره، وما يمكن إدماج غيره فيه.
12- أن تكون النكرة عاملة؛ سواء أكانت مصدراً؛ نحو: إطعامٌ مسكيناً طاعة، أمْ وصفاً عاملا، نحو: متقنٌ عمله يشتهر اسمهُ. ومن العمل أن تكون مضافة؛ لأن المضاف يعمل الجر في المضاف إليه؛ مثل: كلمة خير تأسِر النفس...
13- أن تكون النكرة أداة شرط؛ نحو؛ من يعملْ خيراً يجدْ خيراً.
14- أن يكون فيها معنى التعجب - كما سبق -؛ نحو: ما أبرع جنود المِظلات.
15- أن تكون محصورة؛ نحو: إنما رجلٌ مسافرٌ.
16- أن تكون فى معنى المحصور - بشرط وجود قرينة تُهَيِّئ لذلك - نحو: حادث دعاك للسفر المفاجئ، أى: ما دعاك للسفر المفاجئ إلا حادث. ويصح فى هذا المثال أن يكون من قسم النكرة الموصوفة بصفة غير ملحوظة، ولا مذكورة.... أى: حادث خطير دعاك إلى السفر.
17- أن تكون معطوفة على معرفة؛ نحو: محمود وخادم مسافران.
18- أن تكون معطوفة على موصوف، نحو: ضيف كريم وصديق حاضران.
19- أن يكون معطوفاً عليها موصوف، نحو: رجل وسيارة جميلة أمام البيت.
20- أن تكون مبهمة قصداً، لغرض يريده المتكلم؛ نحو: زائرة عندنا.
21- أن تكون بعد لولا؛ نحو: لولا صبرٌ وإيمانٌ لقتل الحزين نفسه.
22- أن تكون مسبوقة بلام الابتداء؛ نحو: لرجل نافع.
23- أن تكون مسبوقة بكلمة: "كَمْ" الخبرية؛ نحو: كم صديقٌ زرته فى العطلة فأفادنى كثيراً.
24- أن تكون مسبوقة بإذا الفجائية؛ نحو: غادرت البيت فإذا مطر.
25- أن يكون مراداً بها حقيقة الشئ وذاته الأصلية، نحو: حديد خير من نحاس.
النصوص الواردة في ( كتاب النحو الوافي / عباس حسن ) ضمن الموضوع ( باب الابتداء. المبتدأ والخبر ) ضمن العنوان ( المسألة 37: تأخير الخبر جوازًا ووجوباً. )


للخبر من ناحية تأخُّرِه عن المبتدأ وتقدمه ثلاث حالات، أن يتأخر وجوباً، وأن يتقدم وجوباً، وأن يجوز تأخره وتقدمه.
فأما تأخره وتقدمه جوازاً فهو الأصل الغالب؛ نحو: السحاب بخار متكاثف - البرق شرارة كهرَبية - الكتاب صديق أمين - قول الشاعر:
*أفى كل عام غُرْبةٌ ونُزُوحُ * أما للنَّوى من وَنْيةٍ فتُريحُ*
ففى هذه الأمثلة وأشباهها يصح تقديم الخبر وتأخيره...
أما تأخره وجوباً؛ ففى مواضع أشهرها:
1- أن يكون المبتدأ والخبر معاً متساويين أو متقاربين فى درجة تعريفهما أو تنكيرهما، بحيث يصلح كل منهما أن يكون مبتدأ؛ نحو: أخى شريكى - استاذى رائدى فى العلم - مكافح أمين جندى مجهول - أجملُ من حرير أجملُ من قطن...
ففي هذه الأمثلة وأشباهها يجب تأخير الخبر؛ لأن تقديمه يوقع فى لَبْس؛ إذ لا توجد قرينة تُعَينه، وتميزه من المبتدأ؛ فيختلط المحكوم به بالمحكوم عليه؛ ويَفسد المعنى تعاً لذلك. فإن وجدت قرينة معنوية أو لفظية تدل على أن المتقدم هو الخبر وليس المبتدأ جاز التقديم؛ فمثال "المعنوية": أبى أخى فى الشفقة والحنان .ز. فكلمة: "أب" خبر مقدم؛ وليست مبتدأ؛ لأن المراد: أخى كأؤ... أى: الحكم على الآخ بأنه كالأب فى الشفقة والحنان، ولا يُعْقَل العكس. فالمحكوم عليه هو: "الأخ"؛ فهو المبتدأ، والمحكوم به هو: "الأب الذى يشابهه الأخ. فالأب هو الخبر ولو تقدم؛ لأن القرينة المعنوية تميزه وتجعله هو الخبر؛ فصح التقديم لوجودها.
ومثل: الجامعة فى التعليم البيت. "فالجامعة" خبر مقدم، "والبيت" مبتدأ مؤخر؛ فهو المحكوم عليه بأنه مشابه للجامعة؛ إذ لا يعقل العكس. ومثل: نور الشمس نور الكهربَا. ضوء القمر ضوء الشموع ... الأسد فى الغضب القِطّ فى الثورة. الجبلُ الهرمُ فى الضخامة. هذا العالم فى براعته هذا الطالب فى تعلمه ... وهكذا ... ومثال القرينة "اللفظية": حاضرٌ رجلٌ أديبٌ. فكلمة "حاضر" هى الخبر؛ لأنها نكرة محضة والنكرة التي بعدها (وهى: رجل) نكرة غير محضة؛ لأنها مخصصة بالصفة بعدها؛ فهى أحق بأن تكون المبتدأ بسبب تخصصها. 2- أن يكونَ الخبر جملة فعلية، فاعلها ضمير مستتر يعود على المبتدأ: نحو: الكواكب "تتحرك"، فالجملة الفعلية المكونة من الفعل المضارع وفاعله، خبر المبتدأ. فلو تقدم الخبر وقلنا: تتحرك الكواكب - لكانت "الكواكب" فاعلا، مع أننا نريدها مبتدأ، وليس فى الكلام ما يكشف اللبس. بخلاف ما لو كان الفاعل اسماً ظاهراً أو ضميراً بارزاً، نحو: تتحرك كواكبُها السماء - قد أضاءَ النجمان...، فتعرب الجملة الفعلية هنا؛ (تتحرك كواكبُها) خبراً متقدماً؛ لاشتمالها على ضمير يعود على المبتدأ "السماء" فرجوع الضمير إلى كلمة: "السماء" دليل علىأنها متأخرة فى الترتيب اللفظى فقط، دون الترتيب الإعرابى (وهذا يسمى: الرتبة)؛ لأن الضمير لا يعود على متأخر لفظاً ورتبة إلا فى مواضع ليس منها هذا الموضع. فكلمة: "السماء" متأخرة فى اللفظ، لكنها متقدمة فى الرتبة. وأصل الكلام: السماء تتحرك كواكبها؛ فكلمة: "السماء" مبتدأ. وحاز تقديم الخبر عليها مع أنه جملة فعلية لأن اللبس مأمون؛ إذ فاعلها اسم ظاهر، وليس ضميراً مستتراً يعود على ذلك المبتدأ.
وتعرب الجملة الفعلية الثانية خبراً مقدماً، والنجْمان مبتدأ. ولا لبْس فيه، لأن وجود الضمير البارز (وهو ألف الاثنين) وإعرابه فاعلا - فى اللغات الشائعة عند العرب - أوجب أن يكون "النجمان" مبتدأ، لا غير؛ إذ لا يوجد ما يحتاج إلى فاعل، ومن ثمَّ كان اللبس مأمونيًّا.
وكما يقع اللبس بين المبتدأ والفاعل الضمير المستتر على الوجه السابق، يقع بين المبتدأ ونائب الفاعل إذا كان ضميراً مستتراً أيضاً؛ نحو: البيتُ أقيمَ. وكذلك بين المبتدأ وفاعل اسم الفعل. إذا كان الفاعل ضميراً مستتراً؛ نحو: القمرُ هيهاتَ. وقد يلتبس المبتدأ لو تأخر بالتوكيد؛ نحو: أنا سافرت؛ فلو تأخر المبتدأ الضمير لكان توكيداً للتاء. فبسبب اللبس يمتنع التقديم فى كل ما سبق...
3- أن يكون الخبر محصوراً فيه المبتدأ بإنما، أو إلا؛ مثل: إنما البحْترىّ شاعر - إنما المتنبى حكيم - ما النيل إلا حياة مصر - ما الصناعة إلا ثروة. فلا يجوز تقديم الخبر؛ كى لا يزول الحصر، فلا يتحقق المعنى على الوجه المراد.
4- أن يكون الخبر المبتدأ دخلت عليه لام الابتداء؛ نحو: لَعلْمٌ مع تعب خيرٌ من جهل مع راحة؛ لأن لام الابتداء لها الصدارة فى جملتها؛ فيجب تقديمها مع ما دخلت عليه؛ وهو المبتدأ.
5- أن يكون المبتدأ اسماً مستحقًّا للصدارة فى جملته؛ إما بنفسه مباشرة، كاسماء الاستفهام، وأسماء الشرط، وما التعجبية، وكم الخبرية...؛ مثل: مَن القادمُ؟ وأىُّ شريف تصاحبْه أصحابه - ما أطيبَ خُلُقك!! كم صديق عرفتُ فيه الذكاء!! وإما بغيره؛ كالمضاف إلى واحد مما سبق؛ فالمضاف إلى اسم استفهام نحو: صاحبُ مَن القادم؟ والمضاف إلى اسم شرط نحو: غلامُ أيِّ رجل شريف تعاونْه أعاونْه. والمضاف إلى كم الخبرية نحو: خادمُ كم صديق عرفت فيه الذكاء.
زيادة وتفصيل:
(أ) هنا مواضع أخرى يجب فيها تأخير الخبر؛ أشهرها ما يأتى:
1- ما ورد مسموعاً مِن مثل: راكبُ الناقة طَليحان. (أى: مُتْعبَان؛ أصابهما الإعياء والإرهاق، وأصله: راكبُ الناقةَ والناقَةُ طليحان؛ من كل مبتدأ مضاف، أخبر عنه بخبر مطابق فى التثنية أو الجمع للمضاف مع المضاف إليه من غير عطف شىء ظاهر على المبتدا؛ كالمثال السابق. ونحو: مهندس البيت جميلان - ونحو: خدم الطفلين لاعبون؛ أى: مهندسُ البتي والبيتُ جميلان. وخادم الطفلين والطفلان لاعبون. فالمعطوف على المبتدأ محذوف لوضوح المعنى. والخبر هنا واجب التأخير. لكن أيجوز القياس على تلك الأساليب التى حذف فيها حرف العطف والمعطوف على المبتدأ؛ لوضوح المعنى؟ الأحسن الأخذ بالرأى القائل بجوازه بشرط وجود قرينة واضحة تدل على المحذوف: لأن هذا الرأى يطابق الأصول اللغوية العامة التى تقضى بجواز الحذف عند قيام قرينة جلية تدل على المحذوف، وتمنع خفاء المعنى؛ كما رددنا هذا كثيراً...
2- أن يكون الخبر مقروناً بالفاء؛ نحو: الذى ينصحنى فمخلص. فإن تقدم الخبر وجب حذف الفاء.
3- أن يكون الخبر مقترناً بالباء الزائدة؛ نحو: ما شريف بكاذب.
4- أن يكون طلباً؛ نحو: المحتاجُ عاونْه، والبائسُ لا تؤلمه.
5- أن يكون الخبر عن "مذ" أو "منذ"، بجعلهما مبتدأين معرفتين فى المعنى؛ نحو: ما سافرت مذْ أو منذ شهران؛ (إذ المعنى: زمن انقطاع الرؤية شهران.
6- ضمير الشأن الواقع مبتدأ؛ نحو: قل (هو: الله أحد).
7- المبتدا المخبر عنه بجملة هى عينه فى المعن نحو: (كلامى: "السفر مفيد") (قولى: "العمل النافع").
8- اسم الإشارة المبدوء بكلمة: "ها" التنبيه، فى جملة اسميه؛ نحو: هذا أخى. وهذا رأى كثير من النحاة، ومن الميسور رفضه بالأدلة التى سبقت والتي تجعل تقديم المبتدأ هنا مستحسناً، لا واجباً. وإنما يتعين - عند أصحاب ذلك الرأى - أن يكون اسم الإشارة فى الجملة الاسمية هو: المبتدأ ولا يكون خبراً، بحجة أن: "ها" التنبيه تتطلب الصدارة، بشرط أن تتصل باسم الإشارة مباشرة، لا يفصل بينهما ضمير، فإن فصل بينهما الضمير فى مثل؛ "هأنذا" فالضمير هو المبتدأ واسم الإشارة هو الخبر. ويجوز: هذا أنا. ولكن الأول أحسن وأولى؛ لكثرة الأساليب الأدبية الواردة به.
9- المبتدأ الذى للدعاء؛ نحو: سلام عليكم، وويل للأعداء.
10- المبتدأ الذى له خبر متعدد يؤدى مع تعدده معنى واحداً؛ مثل: الفتى نحيف سمين - الرمان حلو حامض؛ لأنه لا يجوز تقديم الخبر المتعدد الذى يؤدى معنى واحداً، ولا تقديم واحد مما تعدد.
11- المبتدأ التَّالى: أمَّا: نحو: أما صالح فعالم؛ لأن الفاء لا تقع بعد "أما" مباشرة. ولأن الخبر الذى تدخل عليه لا يتقدم على المبتدأ - كما سلف -.
12- المبتدأ المفصول من خبره بضمير الفصل، نحو: الشجاع هو الناطق بالحق غير هياب.
13- المبتدأ إذا كان ضمير تكلم أو خطاب، وقد أخبر عنه بالذى وفروعه مع وجود بعده الضمير مطابقاً للتكلم، أو الخطاب؛ نحو: أنا الذى أساعد الضعيف. أنتما اللذان تساعدان الضعيف.
14- ويجب تقديم المبتدأ وتأخير الحبر فى باب الإخبار عن: "الذى"، نحو: الذى صافحته محمد.
15- المبتدأ إذا كان ضمير متكلم أو مخاطب، وقد أخبر عنه بنكرة مُعرَفة بأل، بعدها ضمير مطابق للمبتدأ في التكلم والخطاب، نحو: أنا السيف أمزق الضلال، أنت الجندى تدافع عن الوطن.
16- إذا كان المبتدا اسم موصول وجب تأخير الخبر عنه وعن الصلة معا. ملاحظة: يجب تقديم كل اسم أو فعل سبقته أداة عرض، أو تمن، أو رجاء، أو نفى، أو طلب.
17- ويجب تأخير الخبر، إذا كان جملة فعلية ماضوية والمبتدأ "ما" التعجبية؛ نحو: ما أقدر الله أن يُدْنِىَ المتباعدين.
(ب) أثار النحاة والبلاغيون جدلا مرهقاً حول بعض الحالات التى يكون فيها المبتدأ والخبر متساويين فى التعريف والتنكير، أو متقاربين فيهما؛ من غير لَبْس فى المعنى. ويدور الجدل حول معرفة الأحق منهما بأن يكون المبتدا. وإذا ظهر الأحق فهل يجوز الإغضاء عن أحقيته بجعله خبراً وجعل الخبر مبتدأ؟ وقد سبق بيان المراد من التساوى والتقارب فى التعريف والتنكير.
بالرغم من جدلهم المرهق؛ فإن الجواب السديد يتلخص فى أن المعوّل عليه فى جواز تقديم المبتدأ على الخبر ليس التساوى أو التقارب فى درجة التعريف والتنكير؛ وإنما المعول عليه وحده وهو وجود قرينة تدل على أن هذا هو المحكوم عليه، (أى: أنه المبتدأ)، وذلك هو المحكوم به، أى: الخبر، على حسب المعنى؛ بحيث يتميز كل من الآخر، دون خلط أو اشتباه. فمتى وجدت القرينة التى تمنع الخلط واللبس جاز تقديم أحدهما وتأخير الآخر على حسب الدواعى. وإن لم توجد القرينة وجب تأخير الخبر حتماً من غير أن يكون للتساوى أو التقارب دخل فى الحالتين. فلا بد من مراعاة حال السامعين من ناحية قدرتهم على إدراك أن هذا محكوم عليه فيكون مبتدأ، وأن ذاك محكوم به فيكون خبراً. فإذا وقع فى وهم المتكلم أن التمييز غير ممكن، وأن اللبس محتمل - وجب إزالته؛ إما بالقرينة التى تبعده وتبدده، وإما بالتزام الترتيب؛ فيتقدم المبتدأ ويتأخر الخبر؛ ليكون هذا التقدم دليلا على أنه المبتدأ، ووسيلة إلى تعينه؛ لموافقته للأصل الغالب فى المبتدأ.
النصوص الواردة في ( كتاب النحو الوافي / عباس حسن ) ضمن الموضوع ( باب الابتداء. المبتدأ والخبر ) ضمن العنوان ( المسألة 38: تقديم الخبر وجوباً. )


يتقدم الخبر وجوباً فى مواضع؛ أهمها:
1- أن يكون المبتدأ نكرة محضة، ولا مسوغ للابتداء به إلا تقدم الخبر المختص؛ ظرفاً كان، أو حارًّا مع مجروره؛ أو جملة؛ فمثال شبه الجملة: عندك كتابُ - على المكتب قلم ... فإن كان للمبتدا مسوغ آخر جاز تقديم الخبر وتأخيره؛ نحو: عندك كتاب جميل - على المكتب قلم نفيس؛ ويجوز: كتاب جميل عندك، وقلم نفيس على المكتب. ومثال الجملة: قَصَدَك ولدُه محتاج. فلا يجوز تقديم المبتدأ؛ وهو: "محتاج"؛ لأنه نكرة محضة، ولأن المبتدأ النكرة إذا تأخر عنه خبره الجملة أو شبه الجملة فقد يتوهم السامع أن المتأخر صفة، لا خبر.
3- أن يكون المبتدأ مشتملاً على ضمير يعود على جزء من الخبر؛ نحو: فى الحديقة صاحبها. فكلمة: "صاحب" مبتدأ، خبره الجار مع المجرور السابقَين؛ (فى الحديقة). وفى المبتدأ ضمير يعود على الحديقة التى هى جزء من الخبر. ولهذا وجب تقديم الخبر؛ فلا يصح: صاحبها فى الحديقة؛ لكيلا يعود الضمير على متأخر لظفاً ورتبة؛ وهو ممنوع هنا. ومثل ذلك: "فى القطار رُكَّابُه" فكلمة: "ركاب" مبتدأ خبره الجار مع المجرور السابقين. وفى المبتدا ضمير يعود على: "القطار" وهو جزء من الخبر. ويجب تقديم الخبر؛ فلا يصح: رُكَّابُه فى القطار؛ لئلا يعود الضمير على متأخر لفظًا ورتبة؛ وهو ممنوع هنا كما قلنا. وهكذا...
3- أن يكون للخبر الصدارة فى جملته؛ فلا يصح تأخيره. ومما له الصدارة أسماء الاستفهام؛ نحو: أين العصفورُ؟ فكلمة: "أين" اسم استفهام، مبنى على الفتح فى محل رفع، خبر مقدم، و "العصفور" مبتدا مؤخر. ونحو: متى السفرُ؟ فكلمة: "متى" اسم استفهام مبنى على السكون فى محل رفع خبر مقدم، و "السفر" مبتدأ مؤخر. ومثل هذا: كيف الحال؟ من القادم؟..
وكذلك الخبر الذى ليس اسم استفهام بنفسه ولكنه مضاف إلى اسم استفهام؛ نحو؛مِلْكُ مَن السيارةُ؟؛ وصاحبُ أيِّ اختارع أنت؟
ومما له الصدارة "مُذْ ومُنْذُ" عند إعرابهما ظرفين خبرين متقدمين فى مثل: ما رأيت زميلى مُذْ أو منذُ يومان. ولو أعربناهما مبتدأين لوجب تقديمهما أيضاً.
4- أن يكون الخبر محصوراً فى المبتدأ بإلا أو إنما؛ نحو: ما فى البيت إلا الأهل، إنما فى البيت الأهل؛ فلا يجوز تأخير الخبر وتقديم المبتدأ، لكيلا يختل الحصر المطلوب، ويختلف المراد.
زيادة وتفصيل:
(أ) من المواضع التى يجب فيها تقديم الخبر:
1- أن يكون لفظة "كم" الخبرية؛ نحو: كم يومٍ غيابُك!! أو أن يكون مضافا إليها، نحو: صاحب كم كتابٍ أنت!!
2- أن يكون قد ورد عن العرب متقدماً في مثَل من أمثالهم؛ نحو: فى لك واد بنو سعد؛ لأن الأمثال الواردة لا يصح أن يدخلها تغيير مطلقاً، (لا فى حروفها، ولا فى ضبطها، ولا فى ترتيب كلماتها). - كما سيجىء فى ص 471 -
3- أن يكون المبتدأ مقروناً بفاء الجزاء؛ نحو: أمَّا عندك فالخير. 4- أن يكون الخبر اسم إشارة ظرفاً للمكان؛ نحو: هنا وثَمَّ فى مثل: هنا النبوغ؛ وثَمَّ العلم والأدب.
5- أن يكون تأخير الخبر مؤدياً إلى خفاء المراد من الجملة، أو مؤدياً إلى الوقوع فى لبس؛ فمثال الأول: لله درك، عالما، فالمراد منها: التعجب. ولو تأخر الخبر وقلنا: درك لله - لم يتضح التعجب المقصود. ومثال الثانى: عندى أنك بارع، من كل مبتدأ يكون مصدراً مسبوكاً من "أنَّ" (مفتوحة الهمزة مشدودة النون) ومعموليها: وهى "أنّ" التى تفيد التوكيد. فلو قلنا: أنك بارع عندى - لكان التأخير سبباً فى احتمال اللبس فى الخلط بين "أنّ" المفتوحة الهمزة المشددة النون و "إنّ" المكسورة الهمزة المشددة النون، وسبباً فى احتمال لَبْس آخر أقْوَى، بين "أنّ" المفتوحة الهمزة المشددة التى معناها التوكيد، والتى تسبك مع معموليها بمصدر مفرد - و "أن" التى بمعنى "نعل"، وهذه مع معموليها جملة فلا تسبك معهما بمصدر مفرد، وفرق كبير فى الإعراب بين المفرد والجملة، وفى المعنى بين التوكيد، والترجى أو الظن ... فقد صار اللبس محتملا لفظاً وكتابة ومعنى بسبب تأخير الخبر، ولو تقدم لامتنع اللبس، إذ الحكم الثابت "لإن" المكسورة الهمزة المؤكِّدة، و "أنَّ" المفتوحة الهمزة التى بمعنى "لعل" أن كلا منهما مع معموليه جملة، وأن كلا منهما لا يجوز تقديم معمول خبره عليه؛ سواء أكان المعملو ظرفياً أم غير ظرف. ولهذا يسهل الاهتداء إلى إعراب الظرف فى المثال السابق، وأشباهه، وأنه خبر وليس معمولا للخبر متقدماً عليه؛ إذ لو لم نعربه خبرا واعتبرنا الحرف: "أنّ" للتوكيد (وهى المفتوحة الهمزة، المشددة النون) لكان المصدر المؤول منها ومن معموليها مبتدأ، ولا نجد له خبراً؛ وهذا لا يصح. ولو اعتبرناها بصورتها هذه بمعنى: "لعل" لم يصح تعليق الظرف المتقدم بخبرها إذ لا يجوز تقديم شىء من معمولات خبرها عليها - كما قلنا -. وكذلك لو اعتبرناها "إن" المكسورة الهمزة، المشددة النون، للتوكيد. فلم يبق بدّ من إعراب ذلك الظرف خبراً متقدماً. فتقدمه - أو غيره من المعمولات - يختم أمرين:
(أ) تعيين نوع "أنّ" التى بعده؛ فتكون للتوكيد، مفتوحة الهمزة مشددة النون.
(ب) أنه خبر متقدم وليس معمولا لخبرها.
كما أن تأخيره يوجب أمرين:
(أ) اعتبار "أن" (مفتوحة الهمزة، مشددة النون) بمعنى "لعل" أو كسر همزتها مع تشديد نونها لتكون للتوكيد.
(ب) إعرابه فى الصورتين معمولا للخبر وليس خبراً.
ولا شك أن كل اعتبار من الاعتبارات السالفة يؤدى إلى معنى يخالف الآخر.
هذا وإنما يكون تقديم خبر "أنَّ" واجباً على الوجه الذى شرحناه بشرط عدم وجود "أما" الشرطية. فإن وجدت جاز تأخير الخبر. إذ المشددة المكسورة الهمزة. وكذا التى بمعنى: "لعل" لا يقعان بعدها.
وغاية القول: أنه يجب تقديم الخبر فى كل موضع يؤدى فيه تأخيره إلى لبس، أو خفاء فى المعنى أو فساد فيه.
النصوص الواردة في ( كتاب النحو الوافي / عباس حسن ) ضمن الموضوع ( باب الابتداء. المبتدأ والخبر ) ضمن العنوان ( المسألة 39: حذف المبتدأ والخبر. )


يحذف كل منهما جوازاً وجوباً فى مواضع معينة؛ فيجوز حذف أحدهما إن دل عليه دليل، ولم يتأثر المعنى بحذفه؛ فمثال حذف المبتدأ جوازا أن يقال: أين الأخ؟ فيجاب: فى المكتبة. فالجار والمجرور خبر لمبتدأ محذوف تقديره: "الأخ". وأصل الكلام: "الأخ في المكتبة". حُذِف المبتدأ جوازاً؛ لوجود ما يدل عليه، مع عدم تأثر المعنى بحذفه. ومن الأمثلة أيضاً أن يقال: كيف الحال؟ فيجاب ... "حسن". فكلمة: "حَسَنٌ" خبر لمبتدأ محذوف تقديره: "الحال". وأصل الجملة: "الحال حسن" حُذِف المبتدأ جوازاً؛ لوجود ما يدل عليه، مع عدم تأثر المعنى بحذفه... وهكذا.
ومثال حذف الخبر جوازا أن يقال: مَنْ فى الحقل؟ فيجاب: "علىٌّ". فكلمة "على" مبتدأ مرفوع، والخبر محذوف تقديره: "في الحقل". وأصل الكلام. "علىّ فى الحقل". حذف الخبر جوازا لوجود ما يدل عليه، مع عدم تأثر المعنى بحذفه. ومثله: ماذا معك؟ فيقال: "القلم"، فكلمة: "القلم" مبتدأ مرفوع، والخبر محذوف تقديره: "معى". وأصل الكلام: "القلم معى"، ومثل: خرجت فإذا الوالد.
وقد يحذف المبتدأ والخبر معاً بالشرط السابق؛ نحو: المسحنون كثيرٌ؛ فمن يساعد محتاجاً فهو محسن، ومن يساعف مستغيثاً فهو محسن، ومن يشهدْ شهادة الحق... أى: من يشهدْ شهادة الحق فهو محسن. فجملة: (هو محسن) مبتدأ وخبر وقد حذفا معاً. جوازاً. ومن ذلك: مَنْ يخلص فى أداء واجبه فهو عظيم، ومن ينفع وطنه فهو عظيم، ومن يخدم الإنسانية ... أي: فهو عظيم.
ذلك هو الحذف الجائز، أما الواجب فللمبتدأ مواضع، وللخبر أخرى. وفيما يلى البيان:
مواضع حذف المبتدأ وجوباً، أشهرها أربعة:
(ا) المبتدأ الذى خبره فى الأصل نعت ثم ترك أصله وصار خبراً. بيان هذا: أن بعض الكلمات يكون نعتاً خاصًّا بالمدح كالذى فى نحو: ذهبت إلى الصديق الأديب، أو بالذم كالذى فى، نحو: ابتعدت عن الرجل السفيهِ، أو: بالترحم كالذى فى نحو: ترفقْ بالضعيف البائس. فكلمة "الأديب" و "السفيه" و "البائس" نعت مفرد، تابع للمنعوت فى حركة الإعراب، مجرور فى الأمثلة السابقة.
لكن يجوز إبعاده عن الجرّ إلى الرفع أو النصب بشروط، وعندئذ لا يسمى ولا يعرب فى حالته الحديد "نعتاً" وإنما يكون فى حالة الرفع خبراً لمبتدأ محذوف وجوباً تقديره: هو - مثلا - فيكون المراد: ذهبت إلى الصديق؛ "هو الأديبُ" ابتعدت عن الرجل؛ "هو السفيهُ. ترفق بالضعيف "هو البائسُ".
ويكون فى حالة النصب مفعولا به لفعل محذوف وجوباً مع فاعله، تقديره: "أمدحُ"، أو: "أذم"، أو: "ارحمُ"، على حسب معنى الجملة. والفاعل فى هذه الأمثلة ضمير مستتر وجوباً تقديره: أنا. فالمراد: أمدحُ الأديبَ... أذم السفيهَ... أرحمُ البائسَ.
ومن الأمثلة: أصغيت إلى الغناء الشجىِّ، فزعت من رؤية القاتل الفتاك، أشفقت على الطفل اليتيم. فكلمة "الشجىّ" نعت مفرد مجرور؛ تبعاً للمنعوت. وتفيد المدح. وكلمة: "الفتاك" نعت مفرد مجرور؛ تبعاً للمنعوت وتفيد الذم. وكذلك: "اليتيم"، إلا أنها تفيد الترحم. فتلك الكلمات الثلاث وأشباهها - من كل نعت مفرد مجرور يفيد المدح، أو الذم، أو الترحم - قد يجوز إبعادها عن الجر، إلى الرفع أو: النصب؛ فلا تعرب نعتاً مفرداً مجروراً؛ وإنما تعرب فى حالة الرفع خبراً لمبتدأ محذوف وجوباً تقديره: "هو" ويكون المراد: "هو الشجُى". "هو التفاكُ". "هو اليتيمُ" كما تعرب فى حالة النصب مفعولاً به لفعل محذوف وجوباً مع فاعله، تقديره: أمدح... أو: أذم... أو: أرحم...، على حسب الجلمة؛ فالمراد: أمدحُ الشجىَّ... أذمُّ الفتاك... أرحمُ اليتيم.
وإذا كان النعت مرفوعاً فى الأصل جاز قطعه إلى النصب، واذا كان منصوبا جاز قطعه إلى الرَّفع وإذا كان مجرور جاز قطعه للرفع أو النصب، والذى يتصل بموضوعنا هو: النعت المقطوع إلى الرفع حيث يعرب بعد القطع خبراً لمبتدأ محذوف وجوباً ولا يجب الحذف إلا بشرط أن يكون أصل النعت للمدح، أو الذم، أو الترحم، دون غيرها - كما سبق -.
2- المخصوص بالمدح أو الذم.
وبيانه: أن فى اللغة أساليبَ للمدح، وأخرى للذم، وكلاهما يؤلَّف بطريقة معينة، وصُوَر مختلفة، مشورحة فى أبوابها النحوية. فمن أساليب المدح: أن تقول فى مدح زارع اسمه حليم: "نِعْم الزارع حليم". وفى ذم صانع اسمه سليم: "بئس الصانع سليم"... فالممدوح هو "حليم" ويسمى: "المخصوص بالمدح" والمذموم هو: "سليم" ويسمى: "المخصوص بالذم". ومثلهما: "نعْم الوَفى حامد" أو: "بِئْسَ المختلِف وعده زُهَير". فالممدوح هو: "حامد"، ويسمى، "المخصوص بالمدح" والمذموم هو: "زُهير" ويسمى: "المخصوص بالذم" فالمخصوص - فى الحالتين - يقع بعد جملة فعلية، مكونة من فعل خاص - يدل على المدح، أو على الذم، - وفاعله. وقد يتقدم المخصوص عليهما؛ فنقول: "حليم نعم الزارع"... "سليم بئس الصانع". وله صور وإعرابات مختلفة؛ يعنينا منها الآن إعرابه إذا وقع متأخراً؛ فيجوز إعرابه خبراً، مرفوعاً، لمبتدأ محذوف وجوباً تقديره: "هو" فيكون أصل الكلام: "نعم الزارع هو حليم". "بئس الصانع هو سليم".
3- أن يكون الخبر صريحاً فى القَسَم (الحَلِف). وصراحته تتحقق بأن يكون معلوماً فى عُرف المتكلم والسامع أنه يمين؛ نحو: فى ذمتى لأسافرن. - بحياتى لأخْدُمَن العدالة. تريد: فى ذمتى يمين، أو عهد، أو ميثاق... بحياتى يمين، أو عهد، أو ميثاق...
4- أن يكون الخبر مصدراً يؤدى معنى فعله، ويغنى عن التلفظ بذلك الفعل - فى أساليب معينة، محدّدة الغرض؛ محاكاة للعرب فى ذلك -؛ كأن يدور بينك وبين طبيب، أو مهندس، أو زارع ... كلام فى عمله، فيقول عنه: "عملٌ لذيذ". أى: عمل عملى عملٌ لذيذ. وهذه الجملة فى معنى جملة أخرى فعلية، هى: "أعمَلُ عملاً لذيذاً". فكلمة: "عملا" مصدر، ويعرب مفعولا مطلقا للفعل الحالى: (أعمل) وقد حذف الفعل وجوباً؛ للاستغناء عنه بالمصدر الذى يؤدى معناه، وللتمهيد لإحلال جملة اسميه محلّ هذه الجملة الفعلية... وصار المصدر مرفوعاً بعد أن كان منصوباً؛ ليكون خبراً لمبتدأ محذوف؛ فتنشأ جملة اسمية تؤدى المعنى الأول تأدية أقوى وأبرع من السابقة. ومن الأمثلة أن يقول السباح وقد قطع أميالا: "سباحةٌ شاقةٌ" أى: سباحتى سباحةٌ شاقةٌ. وهذه الجملة فى معنى: أسْبَحُ سباحةً شاقةً. فكلمة: "سباحة" مصدر منصوب، لأنه مفعول مطلق للفعل: "أسْبَح"، ثم حذف الفعل وجوباً؛ استغناءً عنه بوجود المصدر الذى يؤدى معناه؛ ثم رفع المصدر ليكون خبراً لمبتدأ محذوف؛ فتنشأ جملة اسمية جديدة، تكون أقوى وأبرع فى تأدية المعنى من الجملة الفعلية الأولى.
ومن الأمثلة أيضاً أن يقول السعيد: شكرٌ كثير. حمدٌ وافر... وأن يقول المريض أو المكدود: صبرٌ جميلٌ - أملٌ طيبٌ... وأن يقول الولد لوالده الذى يطلب شيئاً: سمعٌ وطاعةٌ... أى: أمرى وحالى سمعٌ وطاعةٌ.
زيادة وتفصيل:
(ا) هناك مواضع أخرى - غير الأربعة السالفة - يجب فيها حذف المبتدأ؛ منها:
1- الاسم المرفوع بعد "لا سيما"؛ فى مثل: أحب الشعراء، ولا سيما "شوقىّ" بإعراب "شوقىٌّ" خبراً لمبتدأ محذوف وجوباً تقديره: هو.
2- بعد المصر النائب عن فعل الأمر: من مثل: "سَقْياً لك"... و "رَعْياً لك"... ومثلهما فى قول الشاعر:
*نُبِّئْتُ نُعْمَى على الهِجْران عاتبةً * سَقْيًا ورَعْياً لذاك العاتب الزارى*
وغيرهما من كل مصدر ينوب عن فعل الأمر نيابة تغنى عن لفظه ومعناه، وبعد المصدر ضمير مجرور المخاطب. فأصل: "سَقْيًا لك" "اسْقِ يا رب"... "الدعاء لك يا فلان". وأصل "رَعْياً لك" "ارْعَ يا رب"... "الدعاء لك يا فلان"، فالمصدر نائب عن لفظ فعل الأمر وعن معناه، وبعده المخاطب المجرور. والجار مع المجرور خبر لمبتدأ محذوف. ولا يصح أن يكون هذا الجار مع مجروره متعلقاً بالمصدر: (سقياً ورعياً)، لأن هذا التعلق مخالف للأصول العامة فى تكوين الجملة.
3- بعد ألفاظ مسموعة عن العرب مثل: (من أنت؟. محمد) وهو أسلوب يقال حين يتحدث شخص حقير بالسوء عن شخص عظيم اسمه: محمد... والتقدير: من أنت؟ مذكورُك محمد... أو: مذمُومك محمدّ: أى: من أنت؟ وما قيمتك بالنسبة للشخص الذى تذكره بالسوء؛ وهو محمد؟. فالمثل يتضمن تحقيراً للمغتاب، وتعظيماً لمحمد. فمحمد خبر لمبتدأ محذوف تقديره: مذكورُك ... أو مذمومك (أى: الشخص الذى تذكره فى حديثك أو تذمه فيه). ولما كان هذا الأسلوب قد ورد بغير مبتدأ صار من الواجب التزامه والإبقاء عليه بغير زيادة أو نقص؛ لأه بمنزلة المثل؛ والأمثال لا تتغير مطلقاً. وقد ورد ذلك الأسلوب بالنصب أيضاً: (من أنت؟ محمداً). التقدير: (من أنت؟ تذكر محمداً، أو تذم محمداً)؛ فتكون الكلمة المنصوبة مفعولاً به لفعل محذوف. ومن الأساليب المسموعة أن يقال: "لا سواءٌ" عند الموازنة بين شيئين. والتقدير: لا هما سواء، أو: هذان لا سواء؛ بمعنى: لا يستويان. فكلمة: "سواء" خبر مبتدأ محذوف وجوباً تقديره: "هما" أو: "هذان".
ويرى فريق من النحاة أن الحذف فى المسألتين جائز لا واجب. والأخذ بهذا الرأى أنسب فيما نصوغه من أساليبنا. أما الوارد المسموع عن العرب نصًّا على أنه مثل من أمثالهم فيجب إبقاؤه كما ورد عنهم.
* * *
مواضع حذف الخبر وجوباً، أشهرها خمسة:
1- أن يقع الخبر كوناً عامًّا والمبتدأ بعد "لولا الامتناعية"، نحو: لولا عدلُ الحاكم لقتل الناسُ بعضُهم بعضاً. ولولا العلم لشقى العالَم، ولولا الحضارة ما سعد البشر... أى: لولا العدل موجود... لولا العلم موجود... لولا الحضارة موجودة... فالخبر محذوف قبل جواب: "لولا"...
ومن هذه الأمثلة وأشباهها يتضح أن الخبر يحذف وجوباً بشرطين: وقوعه كونً عامًّا، ووجود لولا الامتناعية قبل المبتدأ. فإن لم يتحقق أحد الشرطين أو هما معاً تغير الحكم؛ فإن لم توجد "لولا" فإنّ حكم الخبر من ناحية الحذف وعدمه كحكم غيره من الأخبار كلها؛ وقد سبق الكلام عليها. وإن لم يقع كوناً - عاماً بأن كان خاصًّا - وجب ذكره؛ نحو: لولا السفينةُ واسعةٌ ما حملتْ مئات الركاب. لولا الطيارُ بارعٌ ما نجا من العاصفة؛ فكلمة: "واسعة" وكلمة: "بارع" - خبر من نوع الكون الخاص الذى لا دليل يدل عليه عند حذفه، فيجب ذكره؛ فإن دل عليه دليل جاز فيه الحذف والذكر؛ نحو: الصحراء قحلة لعدم وجود الماء بها؛ فلولا الماءُ معدومٌ لأنبتتْ - دخل اللص الحديقة لغياب حارسها؛ فلولا الحارس غائب لخاف اللص. - اضطرب البحر من شدة الهواء. فلولا الهواء شديد ما اضطرب. فكل من: "معدوم" و "غائب" و "شديد" قد وقع خبراً، وهو كون خاص، فيجوز ذكره وحذفه؛ لوجود ما يدل عليه عند الحذف.
2- أن يكون لفظ المبتدأ نصًّا فى القسم، نحو: لعمرُ الله لأُجِيدَنَّ عملى - لأمانةُ الله لن أهملَ واجبى - لحياةُ أبى لا أنصرُ الظالمَ - لأيمنُ الله لأسرعنّ للملهوف... فالخبر محذوف فى الأمثلة كلها قبل جواب القسم. وأصل الكلام لَعَمْرُ الله قَسَمِى ... لأمانة الله قَسَمِى... لحياة أبى قَسَمِى... لأيْمُنُ اللهِ قَسَمِى... ومن الأمثلة قول الشاعر:
*لعَمْرك ما الأيامُ إلا مُعَارَةٌ * فما اسْطَعْتَ من معروفها فَتَزَوَّدِ*
فالمبتدأ فى كل مثال كلمة صريحة الدلالة على القسم، غلب استعمالها فيه فى عُرْف السامع لها، ولذلك حذف خبرها؛ (وهو: قسمى) لأنها تدل عليه، وتغنى عنه، ولا يصح أن يكون المحذوف فى الأمثلة السابقة هو المبتدأ.
وهناك سبب آخر قوى يحتم أن يكون المحذوف هو الخبر؛ ذلك السبب وجود لام الابتداء فى أول كل اسم؛ إذ يدل على وجودها على أن المذكور هو المبتدأ دون الخبر؛ لأن الغالب عليها أن تدخل على المبتدأ لا على الخبر؛ ليكون لها الصدارة الحقيقية.
فإن لم يكن المبتدأ نصًّا فى اليمين، أو لم توجد لام الابتداء - لم يكن حذف الخبر واجباً، وإنما يكون جائزاً، نحو: عهدُ الله قسمى لا أرتكب ذنباً. أمرُ الدين قسمى لا أفعل إساءة؛ بإثبات الخبر أو حذفه.
3- أن يقع الخبر بعد المعطوف بواو تدل دلالة واضحة على أمرين مجتمعين، هما: العطف، والمعية؛ نحو: الطالب وكتابهُ...
ولبيان هذا نسوق المثال الآتى: إذا أقمت فى بلد تراقب أهله؛ فرأيت الفلاح يلازم حقله، والصانع يلازم مصنعه، والتاجر متجره، والملاّح سفينته، والطالب معهده، وكل واحد من أهلها يتفرغ لشأنه، لا يكاد يتركه. ثم أردت أن تصفهم، فقد تقول: شاهدت أهل البلد عاكفين على أعمالهم، منصرفين لشئونهم؛ (الفلاحُ وحقلُه) - (الصانعُ ومصنعهُ) - (التاجرُ ومتجرةُ) - (الملاح وسفينتُه) - (الطالبُ ومعهدهُ) - (كل رجل وحرفتُه). فما معنى كل جملة من هذه الجمل؟ معناها (الفلاح وحقله متلازمان) - (والصانع ومصنعه متلازمان) وهكذا الباقي...
وإذا تأملت تركيب واحدة منها (مثل: الفلاح وحقله) عرفت أنها مركبة من مبتدأ؛ هو: "الفلاح". بعده واو تفيد أمرين معاً، هما: العطف، والمعية، وبعد هذه الواو يجئ المعطوف على المبتدأ، ويشاركه فى الخبر، ثم يجئ بعده الخبر. لكن أين الخبر الواقع بعد المعطوف؟ إن الخبر محذوف نفهمه من الجملة؛ وهو كلمة: "متلازمان" أو: "متصاحبان" أو: "مقترنان" أو: ما يدل على الملازمة والمصاحبة التى توحى بها الواو التى بمعنى: "مع" وتدلّ عليها فى وضوح ظاهر للسامع. ومثل هذا يقال فى الأمثلة الأخرى. فإن لم تكن الواو نصًّا فى المعية لم يكن حذف الخبر واجباً؛ وإنما يكون جائزاً عند قيام دليل يدل عليه؛ نحو: الرجل وجاره مقترنان، أو: الرجل وجاره، فقط؛ لأن الاقتصار على المتعاطفين يفيد الاشتراك والاصطحاب. أما جواز ذكر المحذوف فلأن الواو هنا ليست نصًّا فى المعية، إذ الجارُ لا يلازم جاره، ولا يكون معه فى الأوقات كلها، أو أكثرها.
4- الخبر الذى بعده حال تدل عليه، وتسد مسده، من غير أن تصلح فى المعنى لأن تكون هى الخبر؛ نحو: "قراءتى النشيدَ مكتوباً". وذلك فى كل خبر لمبتدأ، مصدر، وبعد هذا المصدر معموله، ثم حالٌ، تدل على الخبر المحذوف وجوباً، وتغنى عنه، ولا تصلح فى المعنى أن تكون خبراً لهذا المبتدأ...؛ كالمثال السالف. فكلمة "قراءة" مبتدأ، وهى مصدر مضاف، والياء مضاف إليه، "النشيدَ" مفعول به للمصدر، فهو المعمول للمصدر - "مكتوباً" حال منصوب ولا تصلح أن تكون خبراً لهذا المبتدأ؛ إذ لا يقال: قراءتى مكتوب. وإنما الخبر ظرف محذوف مع جملة فعلية أضيف لها، والتقدير؛ قراءتى النشيد إذا كان مكتوباً، أو إذ كان مكتوباً وقد حذف الخبر الظرف متعلَّقه، ومعه المضاف إليه؛ لوجود ما يدل عليه، ويسد مسدهُ فى المعنى؛ وهو؛ الحال التى صاحبها الضمير، الفاعل، المحذوف مع فعله.
ومثله: مساعدتى الرجلَ محتاجاً، أى: إذا كان أو إذ كان محتاجاً. "فمحتاجاً" حال لا تصلح من جهة المعْنى أن تكون خبراً لهذا المبتدأ، إذ لا يقال: مساعدتى محتاج (وصاحب هذه الحال هو الضمير الفاعل المحذوف مع فعله). و "الرجل" مفعول به للمصدر - فهو معموله - ومثل هذا يقال فى شربى الدواء سائلا، وأكلى الطعامَ ناضجاً -.. و ...
فإن كانت الحال صالحة لوقوعها خبراً للمبتدأ المذكور وجب رفعها لتكون هى الخبر؛ فلا يصح إكرامى الضيف عظيماً، بل يتعين أن نقول: إكرامى الضيفَ عظيم... بالرفع على الخبر...
هذا، وتتلخص جميع مواضع حذف الخبر - التى سبقت - فى العلم بالمحذوف لوجود ما يدل عليه، أو ما يغنى عنه فى المعنى لا فى الإعراب.
5- حذفه من بعض أساليب مسموعة عن العرب؛ منها: حَسْبُك يَنَم الناسُ.
"ملاحظة": بقيت حالة سبقت الإشارة إليها، وهى التى يكون فيها المبتدأ متقدماً - مباشرة - على أداة شرطية، فإن اقترن ما بعدهما بالفاء، أو صلح لمباشرة الأداة الشرطية - كان هو الجواب للأداة الشرطية - فى الرأى الأرجح - وكان خبر المبتدأ محذوفاً وجوبا؛ نحو: الطفل إن يتعلم فهو نافع، - الصانعُ إن يتقن صناعته يستفدْ مالا وجاهاً.
فدخول "الفاء" على الجملة الاسمية دليل على أن هذه الجملة جواب للشرط، وليست خبراً؛ لكثرة دخول الفاء على الجمْلة الجوابية دون الخبرية.، وجزم المضارع: "يستفدْ" دليل على أنه جواب الشرط وعلى صلاحه لمباشرة الأداة، وأن الجملة المضارعية ليست خبراً...
فإن لم يقترن ما بعدهما بالفاء، أو لم يصلح لمباشرة الأداة، كان خبرا، والجواب محذوفا؛ نحو: الطفل إن يتعلم هو نافع - الصانع إن يهمل صناعته ليس يستفيدُ.
زيادة وتفصيل:
لا فرق فى المصدر الواقع مبتدأ بين أن يكون صريحاً كالأمثلة السابقة وأن يكون مؤولا؛ مثل: أن اقرأ النشيد مكتوباً. أن أساعد الرجل محتاجاً. وكذلك لا فرق فى الحال بين المفردة كالتى سبقت، والظرف، نحو: قراءتى النشيد مع الكتابة - أكلى الطعام مع النضج -، والجملة الاسمية نحو: قراءتى النشيد وهو مكتوب، أو: الفعلية مضارعية وغير مضارعية؛ نحو: مساعدتى الرجل يحتاج، أو: مساعدتى الرجل وقد احتاج.
وليس من اللازم أن يكون المبتدأ نفسه هو المصدر فقد يكون المبتدأ أفعل تفضيل مضافاً إلى المصدر - الصريح، أو المؤول - الذى وصفناه، نحو: أحسن قراءتى النشيد مكتوباً. أكمل مساعدتى الرجل محتاجاً. أحسن ما أقرأ النشيد مكتوباً - أكمل ما أساعد الرجل محتاجاً.
(ب) من الأساليب الصحيحة محمد والفرس يباريها، أو: محمد وهند تسابقه ... ونحو هذا من كل أسلوب يشتمل على مبتدأ، بعده معطوف بواو العطف، ثم يجىء بعد ذلك المعطوف شئ ينسب حصوله للمعطوف، أو المعطوف عليه، ويقع أثره المعنوى على الآخر الذى لم ينسب له الحصول، ففى المثال الأول نرى المبتدأ هو: "محمد"، وبعده المعطوف بالواو هو: "الفرس"، وبعده الفعل "يبارى" الذى ينسب حصوله للمبتدأ "محمد"، ولكن يقع أثره على الفرس، فكأنك تقول: محمد يبارى الفرس... وفى المثال الثانى: المبتدأ هو "محمد" أيضاً، وبعده المعطوف بواو العطف؛ وهو: "هند" والفعل الذى بعده هو: "تسابق" وينسب حصوله للمعطوف "هند"، ولكن يقع أثره المعنوى على المتبدأ؛ فكأنك تقول: هند تسابق محمداً... فأين خبر المبتدأ في المثالين السابقين وأشباههما؟
خير الآراء فى ذلك أن الخبر محذوف، والتقدير والفرس يباريها - مسرعان... محمد وهند تسابقه متناسقان... ويجوز أن تكون الواو واو الحال والجملة بعدها حال أغنت عن الخبر...
والأول أحسن؛ لاعتبارين؛
"أولهما": مطابقته لقاعدة عامة؛ هى: أن الأصل فى المبتدأ أن يكون له خبر أصيل، لا شئ آخر - كالحال - يسدّ مسدّه، وأن هذا الخبر الأصيل يصح حذفه لدليل.
"ثانيهما": أنه يصلح لكل التراكيب التى تتصل بموضوعنا. ومن هذه التراكيب ما يكون فيه المبتدأ غير مستوف للشروط التى تجعله يستغنى بالحال عن الخبر كالمثالين المعروضين هنا، وأشباههما...
النصوص الواردة في ( كتاب النحو الوافي / عباس حسن ) ضمن الموضوع ( باب الابتداء. المبتدأ والخبر ) ضمن العنوان ( المسألة 40: تعداد الخبر، وأنواعه، وحكم كل نوع. )


يكثر أن يكون للمبتدا الواحد خبران أو أكثر؛ مثل: التنبى شاعرٌ، حكيمٌ، فكلمة "المتنبى" مبتدأ، و "شاعرٌ" خبر، و "حكيمٌ" خبر ثان. وكذلك: "شوقىٌّ" شاعر، ناثر، حكيم؛ فكلمة "شوقىّ" مبتدأ و "شاعر" خبر، و "ناثر" خبر ثان، و "حكيم" خبر ثالث. وهكذا يتعدد الخبر.
غير أن هذا التعدد ثلاثة أنواع:
أولهما: أن يتعدد الخبر لفظاً ومعنى، بحيث يكون كل واحد مخالفاً للآخر فى هذين الأمرين؛ نحو: بلدنا زراعىّ، صناعىّ - صحيفتنا علمية، أدبية، سياسية... فكلمة "بلد" مبتدأ، بعده خبران، مختلفان، لفظاً ومعنى، وكل معنى مقصود لذاته. وكلمة "صحيفة" مبتدأ، وبعدها ثلاثة أخبار؛ كل واحد منها على ما وضفنا. نحو قوله تعالى: {وهو الغفوُ، الودودُ، ذو العرش، المجيدُ، فعالٌ لما يريد}.
وحكم هذا النوع أنه يجوز فيه عطف الخبرالثاني وما بعده على الخبر الأول، فيصح فى الأمثلة السابقة أن نقول: بلدُنا زراعىٌّ وصناعىٌّ - صحيفتنا عمليةٌ، وأدبيةٌ، وسياسيةٌ... - معهدنا علمىٌّ، وأدبىٌّ، ورياضىٌّ، وثقافىٌّ... بإثبات حرف العطف أو حذفه فى كل الأمثلة؛ فعند إثباته يعرب ما بعده معطوفاً على الخبر الأول دائماً. ومع أنّ ما بعد الخبر الأول هو خبر فى المعنى والتقدير فإنا لا نسميه عند الإعراب خبراً. أما عند حذف العطف فيسمى اللفظ المتعدد: خبراً، ويعرب خبراً.
ثانيهما: أن يتعدد الخبر فى اللفظ فقط وتشترك الألفاظ المتعددة فى تأدية معنى واحد، هو المعنى المقصود، وذلك بأن تكون الألفاظ مختلفة؛ لكل منها معنى خاص يخالف معنى الآخر -. ولكنه معنى غير مقصود لذاته؛ وإنما المعنى المقصود لا يتحقق إلا بأن تنضم هذه المعانى المتخالفة، بعضها إلى بعض، لتؤدى وهى مجتمعة معنى جديداً لا ينشأ إلا من مجموعها، كأن ترى رجلاً ليس بالقصير ولا الطويل. فتقول: (الرجل طويل قصير) تريد أنه "متوسط" فكل من كلمتى: "طويل" و "قصير" لها معنى خاص يخالف الآخر، ولكنه ليس مقصوداً لذاته؛ وإنما المقصود منه أن ينضم إلى المعنى الآخر لينشأ عن انضمامهما معنى جديد، هو: "متوسط" وهو المعنى المراد، الذى لا يفهم من إحدى الكلمتين منفردة؛ وإنما يفهم منهما معاً؛ برغم أن كل واحدة منهما تسمى: خبراً، وتعرب خبراً، ولها معنى خاص، ولكنه غير مقصود، كما قلنا. ومثل: الطفل سمين نحيف، أى: معتدل. ومثل: الفاكهة حلوةٌ مرةٌ، أى: متغيرة الطعم، أو متوسطة، بين الحلاوة والمرارة، وهكذا...
ولهذا النوع ضابط يميزه؛ هو: أن المعنى المراد يتحقق ويصلح حين نجعل الألفاظ المتخالفة كتلة واحدة هى الخبر، ويفسد إذا جعلنا بعضها هو الخبر دون بعض.
على أننا عند الإعراب لا بد أن نعرب كل واحد خبراً، ونسميه خبراً، - كما قلنا - ونعلم أنه يشتمل على ضمير مستتر يعود على المبتدأ، وهو غير الضمير المستتر الذى يحويه المعنى الجديد الناشئ من المعانى الفردية غير المقصودة.
وحكم هذا النوع أنه لا يجوز فيه العطف؛ لأن الخبرين أو الأخبار شئ واحد من جهة المعنى، والعطف يشعر بغير ذلك. كما لا يجوز أن يَفصِل فيه بين الخبرين أو الأخبار فاصل أجنبى، ولا أن يتأخر المبتدأ عن تلك الأخبار أو يتوسط فيها.
ثالثها: أن يتعدد الخبر فى لفظه ومعناه ولكن تعدده فى هذه الحالة يكون تابعاً لتعدد المبتدأ فى نفسه حقيقة أو حكماً. ويوصف المبتدأ بأنه متعدد فى نفسه حقيقة حين يكون ذا فردين أو أفرادن أى: حين يكون مثنى أو جمعاً؛ نحو: الصديقان مهندس، وطبيب. ونحو: السباقون غلام، وشاب، وكهل. ففى المثال الأول تعددت أفراد الخبر فكانت فردين، يستقل كل منهما عن الآخر؛ تبعاً لتعدد أفراد المبتدأ المثنى؛ إذ يشمل فردين. وفى المثال الثانى تعددت أفراد الخبر فكانت ثلاثة أفراد - على الأقل - تبعاً للأفراد المقصودة من المبتدأ الجمع. فالمبتدأ المثنى فى المثال السابق فى قوة مبتدأين لكل منهما خبر، والمبتدأ الجمع فى قوة ثلاث مبتدءات لكل منها خبر... وهكذا.
ويوصف المبتدأ بأنه متعدد حكماً حين يكون منفرداً (أى: شيئاً واحداً) ولكنه ذو أجزاء وأقسام؛ نحو: جسم الإنسان رأس، وجذع، وأطراف. ونحو: البيت غرفة للضيوف، وغرفة للأكل، وغرفة للقراءة، وغرف للنوم. ونحو: حديقة الحيوان جزء للوحوش، وجزء للطيور، وجزء للقردة... و... و...
والفرق بين هذا النوع وسابقه أن المبتدأ فى النوع السابق لا بد أن يكون ذا فردين أو أفراد، وكل فرد له كيان مستقل كامل، يتركب من أجزاء متعددة. أما فى النوع فالمبتدأ فرد واحد، لكن له أجزاء، ومن هذه الأجزاء مجتمعة يتكون الفرد الواحد.
وحكم هذا النوع أنه يجب فيه عطف الخبر الثانى والثالث وما بعدهما، على الأول؛ بشرط أن يكون حرف العطف الواو، ومتى عطف الخبر زال عنه اسم الخبر، وسمى عند الإعراب معطوفاً.
هذا وتعدد الخبر ليس مقصوراً على نوع الخبر المفرد؛ بل يكون فيه (نحو: المجلات طبيةٌ، هندسيةٌ، زراعيةٌ، تجاريةٌ...) ويكون فى الجملة؛ (نحو: العصفور يغردُ ، يتحركُ؛ يطيرُ، يتلفتُ - الصيف نهاره طويل، ليله قصير). وفى شبه الجملة؛ (نحو: الطائر أمامكَ؛ قُرْبك) وقد يكون مختلطاً؛ (نحو: هو أسد يزأر). فكلمة: "أسد" خبر. وكذلك جملة: "يزأر"، (ونحو: الأسد يَكْشِر عن أنيابه، غاضب، عابس). فجملة؛ (يكشر...) خبر، وكذلك كلمة: غاضب، وكلمة: عابس.
نستخلص من كل أن الأخبار المتعددة:
- ا - وقد تكون واجبة العطف.
- ب - وقد تكون ممتنعة العطف.
- حـ - وقد يجوز فيها العطف وعدمه.
زيادة وتفصيل:
(ا) من الأخبار المتعددة ما لا يصلح أن يكون نعتاً للخبر الأول؛ نحو: المجلات طبية، هندسية، زراعية؛ لأن المعنى يفسد مع النعت، إذ يؤدى إلى أن الطية صفتها هندسية، زراعية؛ وهو غير المقصود. ومثل: الأسد يَكْشر عن نابه، غاضب؛ إذ لا يوجد فى الكلام ما يصلح أن يكون منعوتاً. وكثير من الأخبار المتعددة يصلح أن يكون نعتاً للخبر الأول؛ مثل: هو أسد يزأر؛ فجملة: "يزأر" تصلح أن تكون فى محل رفع خبراً ثانياً، أو نعتاً للخبر الأول. ومثلها: الحُطَيْشة شاعرٌ مُخَضْرَم، هَجّاء. فيجوز فى كل من "مخضرم" و "هجاء" أن تكون خبراً، وأن تكون نعتاً لكلمة: "شاعر".
ونحو: "وَلاَّدة [الأندلسية] أميرة شاعرة، كاتبة، موسيقية؛ فيجوز فى كل واحدة من الكلمات الثلاث الأخيرة أن تكون خبراً بعد الخبر الأول، وأن تكون نعتاً للخبر الأول.
ومن الألفاظ ما يجب أن يكون نعتاً ولا يصلح خبراً؛ وذلك حين يمنع مانع معنوى أو لغوىّ، نحو: حامد رجل صالح، أو علىٌّ رجل يفعل الخير؛ لأن الخبر لا بد أن يتمم الفائدة الأساسية - كما عرفنا - ولم يتممها هنا لعدم إفادة الإخبار بالأول إلا مع النعت؛ لأن رجولته مستفادة من اسمه، لا من الخبر وهذا من نوع الخبر الذى يتمم الفائدة بتابعه... ولذلك كان الأحسن فى قوله تعالى: "كونوا قردة خاسئين" أن تكون كلمة: "خاسئين" خبراً ثانياً، لا نعتاً؛ لان جمع المذكر السالم لا يكون نعتاً لغير العاقل إلا بتأول لا داعى له هنا...
ومثل قول النحاة: الفاعل، اسم، مرفوع، متأخر عن فعله، دال على من فعل ذلك الفعل، أو قام به ... فيجب أن يكون الخبر هو كلمة: "اسم" فقط، وما بعده صفات له، وليست أخباراً؛ لأن الخبر يجب أن يتم به المعنى الأساسى مع المبتدأ، وهنا لا يتم بواحد مما جاء بعد الخبر الأول، إذ الفاعل لا يتم معناه ولا تتضح حقيقته بأنه مرفوع فقط، أو متأخر فقط... أو... فقط. وإنما يتم معناه وتتضح حقيقته بأنه اسم موصوف بصفات معينة؛ مجتمعة هى: الرفع، مع التأخير، مع الدلالة... فكلمة: "اسم" هى التى تعرب وحدها خبراً؛ لأنها مع تلك القيود التى نسميها نعوتاً - تكمل المعنى مع المبتدأ، وتتمم الفائدة. ومثل هذا يقال فى تعريف المبتدأ، وتعريف الخبر، والمفعول، وكل تعريف من التعريفات العلمية المشتملة على ألفاظ وقيود تصلح أن تكون أخباراً أو نعوتاً لولا المانع السابق.
(ب) قد يتعدد المبتدأ. وأكثر ما يكون ذلك فى صورتين: يحسَن عدم القياس عليهما فى الأساليب الأدبية والعلمية التى تقتضى وضوحاً ودقة؛ لأنهما صورتان فيهما تكلف ظاهر، وثقل جلىّ. وقيل إنهما موضوعتان فلا يصح القياس عليهما.
الأولى: صالح، محمودن هند، مكرمته من أجله، حيث تعددت المبتدءات متوالية، مع خلو كل منها من إضافته لضمير ما قبله. ثم جاءت الروابط كلها متوالية بعد خبر المبتدأ الأخير. ولإرجاع كل ضمير إلى المبتدأ الذى يناسبه نتبع ما يأتى:
1- أن يكون أول خبر لآخر مبتدأ، ويكون الضمير البارز فى هذا الخبر راجعاً إلى أقرب مبتدأ قبل ذلك المبتدأ الذى أخبر عنه بأول خبر.
2- ثم يكون الضمير البارز الثانى للمبتدأ الذى قبل ذلك. وهكذا... فترتب الضمائر مع المبتدءات ترتيباً عكسيّاً. ففى المثال السابق نعرب كلمة "مكرمته" خبراً عن "هند"، والضمير الذى فى آخر: "مكرمته" وهو الهاء يعود إلى: "محمو"، والضمير الذى فى آخر: "مكرمته" وهو الهاء يعود إلى: "محمود"، والضمير الذى فى آخر: "أجله"، وهو: الهاء أيضاً يعود إلى: "صالح"، ويكون المراد: محمود هند مكرمته من أجل صالح، أو؛ هند مكرمة محمود من أجل صالح. وذلك بوضع الاسم الظاهر مكان الضمير العائد إليه.
الثانية: فى مثل محمد، عمه، خاله، أخوه قائم، حيث تعددت المبتدءات وكان الأول منها مجرداً من إضافته للضمير. أما كل مبتدأ آخر فمضاف إلى ضمير المبتدأ الى قبله. فمعنى الجملة السابقة، أخو خال عم محمد - قائم - فنضع مكان كل ضمير الاسم الظاهر الذى يفسر ذلك الضمير العائد عليه.
وفى الأمثلة السابقة للصورتين ما ينهض دليلا على أن استعمال هذه الأساليب معيب، والفرار منها مطلوب.
النصوص الواردة في ( كتاب النحو الوافي / عباس حسن ) ضمن الموضوع ( باب الابتداء. المبتدأ والخبر ) ضمن العنوان ( المسألة 41: مواضع اقترن الخبر بالفاء )


الخبر مرتبط بالمبتدأ ارتباطاً معنويًّا قويًّا. ويزيده قوة بعض الروابط اللفظية؛ كالضمير العائد عليه من الخبر، وكغيره مما عرفناه، ولهذا كان الغالب عليه أن يخلو من الفاء التى تستخدَم للربط فى بعض الأساليب الأخرى. فمن أمثلة الخبر الحالية من الفاء: العلمُ وسيلةُ الغنى - النظافةُ وقايةٌ من المرض - التجارةُ بابٌ للثروة.
ومن الألفاظ التى ليست خبراً ولكنها تحتاج - أحيانا - إلى الفاء الرابطة بينها وبين ما سبقها: جواب اسم الشرط المبهم الدال على العموم؛ (لكونه لا يختص بفرد معين؛ وإنما هو شائع)؛ مثل: منْ يعمل خيراً فجزاؤُه خيرٌ. فكلمة "مَنْ" اسم شرط، يدل على العموم، وبعده فعل الشرط مستقبل الزمن؛ وهو: (يعمل)، ثم يليه جملة اسمية هى جواب الشرط، أى: نتيجته المترتبة عليه، التى يتوقف حصولها فى المستقبل أو عدم حصولها على وقوعه أو عدم وقوعه، وهى: "جزاؤه خير". وقد اقترنت هذه الجملة الاسمية بالفاء؛ فربطت بينها وبين جملة الشرط. ودل هذا الارتباط على اتصال بين الجملتين، وأن الثانية منهما نتيجة للأولى. ولولا الفاء الرابطة لكان الكلام جُمَلا مفككة، لا يظهر بينها اتصال. ومثل هذا كل أسماء الشرط الأخرى الدالة على الإبهام والعموم، والتى لها جملة شرطية، تليها جملة جواب مقرون بالفاء...
والخبر - مفرداً أو غير مفرد - قد يقترن بالفاء وجوباً فى صورة واحدة، وجوازاً فى غيرها، إذا كان شبيها بهذا الجواب الشرطى، بأن يكون نتيجة لكلام قبله، مستقبل الزمن، وفى صدر هذا الكلام مبتدأ يدل على العموم والإبهام؛ نحو: الذى يصادقنى فمحترم: "فالذى" اسم موصول مبتدأ، وهو يدل على الإبهام والعموم، وبعده "يصادقنى" كلام مستقبل المعنى، له نتيجة مترتبة على حصوله وتحققه، هى الخبر: (محترم) وقد دخلت الفاء على هذا الخبر؛ لشبهه بجواب الشرط فى الأمور الثلاثة السالفة التى هى: (وجود مبتدأ دال على الإبهام والعموم، كما يدل اسم الشرط المبتدأ على الإبهام والعموم) و (وجود كلام بعد المبتدأ مستقبل المعنى؛ كوجود جملة الشرط بعد أداة الشرط) و (ترتّب الخبر على الكلام السابق عليه؛ كترتب جواب الشرط على جملة الشرط - وهذا مهم).
ومن الأمثلة: رجلٌ يكرمنى فمحبوب - من يزورنى فمسرور... وهكذا كل خبر تحققت فيه الأمور الثلاثة؛ سواء أكان خبراً مفرداً، أم جملة، أم شبه جملة. فالقاعدة العامة فى اقتران الخبر بالفاء هى: مشابهته لجواب الشرط فى فى تلك الأمور الثلاثة، مع خلو الكلام من أداة شرط بعد المبتدأ، لكيلا يلتبس الخبر بجواب الشرط.
وقد تتبع النحاة مواضع المشابهة فوجدوها تتركز فى موضعين لا تكاد تخرج عنهما، مع خلو كل موضع من أداة شرط بعد المبتدأ.
الأول: كل اسم موصول عامّ وقعت صلته جملة فعلية مستقبلة المعنى، أو وقعت ظرفاً، أو جارًّا مع مجروره بشرط أن يكون شبه الجلمة بنوعيه متعلقاً بمضارع مستقبل الزمن.
الثانى؛ كل نكرة عامة، وصفت بجملة فعلية، مستقبلة المعنى، أو بظرف، أو بجار مع مجروره على الوجه السالف الذى يقضى بتعليق شبه الجملة بمضارع مستقبل الزمن.
وإذا اقترن الخبر بالفاء وجب تأخيره عن المبتدأ؛ كالأمثلة التى أوضحناها، فإن تقدم وجب حذف الفاء.
زيادة وتفصيل:
لم يكتف النحاة بالتركيز الذى أشرنا إليه وإنما عرضوا للتفصيل، وعدّ المواضع المختلفة التى تقع فيها المشابهة - بشرط استيفاء كل منها الشروط الثلاثة السالفة، مبالغة منهم فى الإبانة والإيضاح. وإليك بيانها بعد التنبيه إلى أن كثيراً منها مع صحته لا تستسيغه أساليبنا الحديثة العالية. فخير لنا ألا نستعمله قدر الاستطاعة، وأن نعرف هذه المواضع لنفهم بها كلام السابقين.
1- خبر المبتدأ الواقع بعد "أمَّا" الشرطية. نحو: أما الوالد فرحيم. وهذا الموضع يجب فيه اقتران الخبر بالفاء دون باقى المواضع؛ فيجوز فيها الاقتران وعدمه، والاقتران أكثر.
2- أن يكون المبتدأ اسم موصول صلته جملة فعلية زمنها مستقبل، تصلح أن تكون جملة للشرط: نحو: الذى يستريض فنشيط.
3- أن يكون المبتدأ اسم موصول صلته ظرف؛ نحو: الذى عندك فأديب. ولا بد أن يكون شبه الجلمة فى هذه الصورة وفما يليها متعلقاً بمضارع مستقبل الزمن كما سلف.
4- أن يكون المبتدأ اسم موصول صلته جار مع مجروره، نحو الذى فى الجامعة فرجل.
5- أن يكون المبتدأ نكرة عامة بعدها جملة فعلية زمنها مستقبل، صفة لها؛ نحو: رجل يقول الحق فشجاع.
6- أن يكون المبتدأ نكرة عامة، بعدها ظرف، صفة لها؛ نحو: طالب مع الأستاذ فمستفيد.
7- أن يكون المبتدأ نكرة عامة، بعدها جار ومجرور، صفة لها؛ نحو: طالبٌ فى المعمل فمنتفع.
8- أن يكون المبتدأ مضافاً إلى موصول صلته جملة فعلية مستقبلة الزمن، تصلح أن تكون جملة للشرط؛ نحو: كتاب الذى يتعلم فمصون.
9- أن يكون المبتدأ مضافاً إلى موصول صلته ظرف؛ نحو قلم الذى أمامك فجيد.
10- أن يكون المبتدأ مضافاً إلى موصول صلته جار مع مجروره؛ نحو: مرشدة التى فى البيت فخبيرة. 11- أن يكون المبتدأ لفظ "كل" (أو ما بمعناها؛ مثل جميع) مضافاً إلى نكرة موصوفة بجملة فعلية بعدها، نحو: كل رجل يهمل فصغير.
12- أن يكون المبتدأ لفظ "كل" (أو ما بمعناها)، مضافاً إلى نكرة موصوفة بظرف، نحو: كل وطنى أمام الوطن فمخلص. وقول الشاعر:
*كُلُّ سَعْى سوى الذى يورث الفوْ * زَ فعقباه حسْرةٌ وخَسَارُ*
13- أن يكون المبتدأ لفظ "كل" (أو ما بمعناها) مضافاً إلى نكرة موصوفة بجار ومجرور؛ نحو: كل فتاة فى العمل فنافعة.
14- أن يكون المبتدأ موصوفاً باسم موصول صلته جملة فعلية مستقبلة الزمن تصلح للشرط، نحو: الزميل الذى يعاونك فرياضى.
15- أن يكون المبتدأ موصوفاً باسم موصول صلته ظرف: نحو: الزائرة التى معك فمثاليّة.
16- أن يكون المبتدأ موصوفاً باسم موصول صلته جار مع مجروره؛ نحو: الرائد الذى فى الرحلة فأمين.
17- أن يكون المبتدأ مضافاً إلى اسم موصوف صلته جملة فعلية؛ نحو: خادم الرجل الذى يزرع فنافع.
18- أن يكون المبتدأ مضافاً إلى اسم موصوف بموصول صلته ظرف؛ نحو: كاتب الرسالة التى معك فقدير.
19- أن يكون المبتدأ مضافاً إلى اسم موصوف بموصول صلته جار مع مجروره؛ نحو: مؤلف الكتب التى فى الحقيبة فعظيم.
وفى جميع الأمثلة السابقة يجوز أن يكون الخبر مفرداً، أو جملة، أو شبه جملة. ولا بد من خلو الجملة بعد المبتدأ من أداة شرط - كما سبق.
تلك هى أشهر الصور التى يقترن فيها الخبر بالفاء - وجوباً فى واحدة، وجوازاً فى الباقى - لغرض هام، هو: النص على مراد المتكلم من ترتب الخبر على الكلام الذى قبله، وإبانة أن الخبر نتيجة مترتبة على ما سبقه.
ولو فقد شرط من الثلاثة التى بيناها لامتنع دخول الفاء على الخبر؛ فمثال فقد العموم: سعيك الذى تبذله فى الخير محمود. ومثال فَقْد الاستقبال: الذى زارنى أمس مشكور. ومثال الجملة الفعلية الواقعة صلة أو صفة وهى غير صالحة لأن تقع شرطية لاشتمالها على ما، أو: لن، أو: قد، أو... أو: إلخ. الذى لن يزورنى مسئ... ومثل هذا يقال فى الصفة أو الصلة التى لم تستوف الشروط.
وقد تدخل الفاء جوازاً - ولكن بقلة - فى الخبر الذى مبتدؤه كلمة "كل" إما مضافة لغير موصوف أصلا؛ نحو: كل نعمة فمن الله، وقول الشاعر:
*وكلُّ الحادثات وإن تناهتْ * فمقرون بها الفرج القريبُ*
وإمّ مضافة لموصوف لكن غير ما سبق نحو: كل أمر مفرح أو مؤلم فنتيجة لعلم صاحبه.
وإذا كان المبتدأ "أل" الموصولة وصلتها صفة صريحة مستقبلة الزمن - جاز الإتيان بالفاء فى الخبر نحو: الصانع والصانعة فنافعان. المخترع والمخترعة فمفيدان. ومنه قوله تعالى: {والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما}... وفريق من النحاة منع دخول الفاء فيما سبق، وأوّلَ الآية. وهذا رأى لا يصح الأخذ به مع وجود آية كريمة تعارضه، كما لا يصح تأويل الآية لتوافقه. فالصحيح دخولها على الخبر ولو كان أمراً أو نهيًّا.
بقى أن نعرف أن المبتدأ الذى يشبه اسم الشرط فيما سبق إذا دخل عليه ناسخ - غير إنّ، وأنّ، ولكنّ - فإن الناسخ يمنع دخول الفاء على خبره. أما إنّ، وأنّ، ولكنّ، فلا تمنع؛ فيجوز معها دخول الفاء: مثل قوله تعالى: {إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات ثم لم يتوبوا فلهم عذاب جهنم} وقوله تعالى: {واعلموا أنّ ما غنمتم من شىء فإنّ لله خُمسُه} وقول الشاعر:
*فوالله ما فارقتكم قالياً لكم * ولكنّ ما يُقْضَى فَسَوْف يكونُ*
وإذا عطفت على المبتدأ الذى خبره من الأنواع السابقة المقرونة بالفاء، أو على ما يتصل به من صلة، أو صفة، ونحوها - وجب تأخير المعطوف عن الخبر؛ إذ لا يجوز الفصل بينه وبين مبتدئه بالمعطوف، ففى مثل: الذى عندك فمؤدب، لا يصح أن يقال: الذى عندك والخادم فمؤدب، أو فمؤدبان، وهكذا...
النصوص الواردة في ( كتاب النحو الوافي / عباس حسن ) ضمن الموضوع ( باب النواسخ - "كان" وأخواتها ) ضمن العنوان ( المسألة 42: معنى الناسخ، ونوعه. )


معنى الناسخ: الجملة الاسمية فى مثل "الرياحين مُتْعة" - تتكون من اسمين مرفوعين، يسمى أولهما: المبتدأ، وله الصدارة فى جملته - غالباً -. ويسمى الثانى: خبراً كما هو معروف. ولكن قد يدخل عليهما ألفاظ معينة تغير اسمهما، وحركة إعرابهما، ومكان المبتدأ من الصدارة فى جملته، ومن هذه الألفاظ: كانَ، إنَّ... ظنَّ... مثل: كان العامل أُميناً، وقول الشاعر:
*وإذا كانت النفوسً كباراً * وتَعِبتْ فى مرادها الأجسامُ*
فيصير المبتدأ اسم "كان" مرفوعاً وليس له الصدارة، ويصير خبره خبر كان منصوباً. ومثل؛ إنّ العاملَ أمينٌ؛ فيصير المبتدأ اسم "إن" منصوباً، وليس له الصدارة، ويصير خبره خبر "إن" مرفوعاً. ونقول: ظننت العامل أميناً فيصير المبتدأ والخبر مفعولين منصوبين للفعل: "ظننت" وليس للمبتدأ الصدارة. وتسمى الكلمات التى تدخل على المبتدأ والخبر فتغير اسمهما وحركة إعرابهما ومكان المبتدأ: "النواسخ"، أو: نواسخ الابتداء؛ لأنها تحدث نسخاً، أى: تغييراً على الوجه الذى شرحناه ولا مانع من دخولها على المبتدأ النكرة... فيصير اسماً لها؛ إذ لا يشترط فى اسمها أن يكون معرفة فى الأصل.
ومما سبق يتبين أن النواسخ بحسب التغيير الذى تحدثه ثلاثة أنواع: نوع يرفع اسمه وينصب خبره - فلا يرفع فاعلا، ولا ينصب مفعولا - مثل: "كان وأخواتها"، ونوع ينصب اسمه ويرفع خبره؛ مثل: "إن وأخواتها"، ونوع ينصب الاثنين ولا يستغنى عن الفاعل؛ مثل: "ظن وأخواتها". ولكل نوع أحواله وأحكامه المفصلة فى بابه الخاص. وكلامنا الآن على: "كان" وأخواتها من الأفعال الناسخة التي تعمل عملها، وتسمى أيضاً: الأفعال الناقصة.
وفيما يلي بيان أشهرها، وشروطه عمله، ومعنى كل فعل:
إنها ثلاثةَ عَشَرَ فعلا؛ كان - ظل - بات - أصبح - أضحْى - أمسى - صار - ليس - زال - برح - فتئ - انفك - دام. وكل هذه الأفعال تشترك فى أمور عامة، أهمها:
أنها لا تعمل إلا بشرط أن يتأخر اسمها عنها، وأن يكون خبرها غير إنشائي؛ فلا يصح: كان الضعيف عاونْهُ. وأن يكون الاسم والخبر مذكورين معاً، ولا يَصح - مطلقاً - حذفهما معا، ولا حَذف أحدهما. إلا "ليس"، فيجوز حذف خبرها، وإلا "كان" فيجوز فى أسلوبها أنواع من الحذف. وسيجئ البيان عند الكلام عليهما.
وألا يتقدم الخبر عليها إذا كان اسماً متضمناً معنى الاستفهام؛ وهى مسبوقة بأحد حرفى النفى: "ما" أو: "إن"؛ فلا يقال: أين ما يكون الصديق؟ ولا أين إنْ يكونُ الصديق؟ ولا أين ما زال العمل؟ لأنّ "ما" و "إنْ" النافيتين لهما الصدارة فى كل جملة يدخلان عليها؛ فلا يصح أن يسبقهما شىء من تلك الجملة، وإلا كان الأسلوب فاسداً.
وأن صيغتها حين تكون بلفظ الماضى، وخبرها جملة فعلية مضارعية - لا بد أن يماثلها زمن هذا المضارع؛ فينقلب ماضياً - عند عدم وجود مانع -؛ ففى مثل: أصبح العصفور يغرد - يكون زمن المضارع "يغرد" ماضياً، مع أن الفعل مضارع، ولكنه - هو وكل الأفعال المضارعة - يتابع زمن الفعل الماضى الناسخ، بشرط عدم المانع الذى يعينه لغيره - كما أشرنا -.
وأن أخبارها لا تكون جملة فعلية ماضوية، ما عدا "كان" فإنها تمتاز بصحة الإخبار عنها بالجملة الماضوية.
أما فى غير الأمور المشتركة السالفة فلكل فعل معناه الخاص مع معموليه وشروطه الخاصة التى سنعرضها فيما يلى:
كان: نفهم معناها من مثل: كان الطفل جارياً؛ فهذه الجملة يراد منها إفادة السامع أن الطفل موصوف بشئ؛ هو: "الجرى"، وان الجرى فى زمن ماض؛ بدليل الفعل: "كان".
ولو قلنا: يكون الطفل جارياً - لكان المراد إفادة السامع أن الطفل موصوف بشئ؛ هو: "الجرى"، وأن الجرى فى زمن حالى أو مستقبل، بدليل الفعل المضارع: "يكون".