هنا عشت و من هذا الطريق سلكت و لأنها الحياة رحلت

الثلاثاء، 9 مارس، 2010

القعقاع بن عمرو

القعقاع بن عمرو
عبد الله الطنطاوي
مؤثرات: صوت قوي: لَصَوتُ القعقاع في الجيش، خيرٌ من ألف رجل..
فوزي: من؟ القعقاع؟ البطل الذي لا يُشقّ له غبار؟
فوزية: أهلاً بك يا سيدي بين أهلك وأحفادك.
القعقاع: أحفادنا هم الذين يسيرون على خطانا، جهاداً في سبيل الله.
فوزي: لقد أتعبتم من جاء بعدكم يا أجدادنا العظام، فمن يستطيع اللحاق بكم؟
القعقاع: عندما قدمت مع وفد تميم، قبيلتي، على النبي صلى الله عليه وسلم، في السنة التاسعة من الهجرة، بعد غزوة تبوك، وأسلمت مع قبيلتي، سألني رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما أعددتَ للجهاد؟
قلت: طاعة الله ورسوله والخيل.
فقال لي الرسول القائد: تلك الغاية.
فوزية: مصداقاً لقول الله تعالى: وأعدّوا لهم ما استطعتم من قوة، ومن رباط الخيل.
فوزي (كالمتابع): ترهبون به عدوّ الله وعدوّكم.
القعقاع (متابعاً): وآخرين من دونهم لا تعلمونهم، الله يعلمهم.
فوزي: ولعلّ الذين لا نعلمهم، أخطر من الذين نعلمهم.
فوزية: سيدي المجاهد العظيم، نريد معرفة شيء عن سيرتكم الجهادية، فنحن اليوم نرابط على الثغور.
فوزي (مقاطعاً): بل نحن الآن في لهب المعركة، العدو الصهيوني يحتل أرضنا، وينتهك مقدساتنا و..
القعقاع (مقاطعاً): حسبك.. حسبك.. من هذا العدو الصهيوني الذي احتلّ أرضكم؟
فووزي: يزعمون أنهم من بني إسرائيل.
القعقاع: اليهود؟!
فوزية: نعم يا سيدي.. اليهود.
القعقاع: هؤلاء الذين ضربت عليهم الذلة والمسكنة، وباؤوا بغضب من الله؟
فوزي: أجل يا سيدي.. إنهم هم.
القعقاع: إذن.. أنتم أذل منهم.. أنتم أذلّ من وتد.. الذي يذلّ لليهود، يكون بلا كرامة.
فوزية: آه لو عرفت، أيها المجاهد العظيم، حجم المؤامرة التي حيكت ضد فلسطين.
فوزي (متابعاً): والتي ما تزال تحاك، لعرفت ما نحن فيه من قهر.
القعقاع: على أي حال، يكفي أن يحتل أولئك المناكيد أرض الإسراء والمعراج، حتى تكونوا أذلّ خلق الله، وانتظروا حساب التاريخ، وانتظروا حساب رب العباد على تفريطكم بتراب فلسطين.
فوزية: ولهذا نحن فرحون، في خجل منك، فرحون بلقائك يا سيدي القائد العظيم الذي لم ينهزم في معركة قط، لنستمدّ من حديثك ما نتزود به ليومنا الذي نقاتل فيه، ولغدنا الذي نريد أن نبنيه.
القعقاع: كما تحبون.. ماذا تريدون مني أن أحدثكم؟
فوزي: حدثنا يا سيدي المجاهد، عن القعقاع بن عمرو التميمي، عن شجاعته الفائقة، عن الخوارق التي حققها في معارك الفتح، والتي يعزوها بعض القادة العسكريين في زماننا، إلى عقيدتك الراسخة أولاً، وإلى شجاعتك الشخصية ثانياً، وإلى ما كنت تتمتع به من عقلية راجحة ثالثاً.
فوزية: أجل يا سيدي، عن خوارقك الحربية حدثنا، وإن كنا نحسب أن الحديث عن كفاءتك الإدارية الممتازة مهم جداً، وأن الحديث عن كرمك وشهامتك وغيرتك وصدقك مهم أيضاً، بعد أن فشا البخل فينا، وندر الوفاء، وقلّت التضحية، فلم نعد نرى في أكثر القادة من يعيش كما كنت تعيش عيش الكفاف، وعندما مت لم تخلّف عقاراً ولا مالاً، فأنت لم تكن تقاتل من أجل الإثراء والغنائم، بل كنت تقاتل في سبيل الله.
فوزي: كأخيك في الجهاد، خالد بن الوليد.
القعقاع: رضي الله عنه وأرضاه.. وأين أنا من سيف الله خالد.
فوزي: هيه يا سيدي المجاهد، فكلنا آذان مصغية إليك.
القعقاع: شاركت في حروب الردّة، وقاتلت تحت لواء خالد في العراق والشام، وكنت الجندي الذي يرضى عنه قائده، ويرضى عنه الله ورسوله.
فوزية: نريد أمثلة تشدّ عزائمنا، وتقوّي معنوياتنا يا سيدي المجاهد.
القعقاع: بعد أن جاء خالد إلى العراق، ورأى جموع الفرس، واحتاج إلى الإمدادات، طلب من الخليفة أبي بكر أن يمدّه بالرجال، فأمدّه بالقعقاع.
فوزي: الله أكبر.. بالقعقاع وحده؟
القعقاع: أجل يا بني.. أمدّه بي، فقيل لأبي بكر: أتمدُّ رجلاً قد انفضّ عنه جنوده برجل؟
فوزية: فأجابهم أبو بكر رضي الله عنه: لا يُهزم جيش فيه مثل القعقاع.
فوزي: هذه شهادة عظيمة من خليفة رسول الله لك يا سيدي.
القعقاع: شهادة وثقة أعتزّ بهما، وأرجو من الله أن يأجره عليهما.
فوزي: والتحقت بخالد.
القعقاع: التحقت بخالد، وشهدت معه معركة (كاظمة) وهي أول معركة كبيرة، قاتلنا فيها جيش (هرمز) وانتصرنا على الفرس انتصاراً باهراً بفضل الله.
فوزي: وأظنك، يا سيدي، أنقذت سيف الله خالد بن الوليد، من خيانة هرمز وغدره؟
القعقاع: نعم.. فعندما طلب هرمز المبارزة، وخرج إليه خالد، كان هرمز قد اتفق مع حاميته للغدر بخالد، وانتبهت لغدرهم، فقد كانت أعيننا مشدودة إلى المتبارزين، وعندما احتضن خالد هرمز، شدّت حامية هرمز على خالد، يريدون قتله واستخلاص هرمز من بين يديه، ولكنني كنت ورجالي أسرع منهم، فقتلنا منهم مقتلة عظيمة، وهزمناهم هزيمة منكرة.
فوزي: الله أكبر.. الله أكبر.. هكذا يكون الرجال، وإلا فلا.
القعقاع: قاتلت تحت راية خالد، حتى دخلت قوات المسلمين (الحيرة) فلما استسلمت الحيرة، أرسلني خالد مع بعض القادة، للتغلغل في أرض العراق حتى دجلة، وقد نجحت في مهمتي نجاحاً عظيماً بفضل الله تعالى.
وعندما أراد خالد الانحدار شمالاً لفتح الأنبار وعين التمر ودومة الجندل، استخلفني على الحيرة، لأحمي ظهره، ولأحافظ على الحيرة، قاعدة متقدمة للمسلمين، وفي أثناء ذلك، صددت هجوماً مقابلاً شنّه الفرس وحلفاؤهم على المناطق المجاورة للأنبار.
فوزي: الله أكبر.. الله أكبر.
القعقاع: وما كاد خالد يصل إلى الحيرة، عائداً من دومة الجندل، حتى وجدني متهيئاً للحركة على رأس رجالي، لضرب تحشدات الفرس في موضع (حصيد) على حدود الجزيرة، حيث أوقعت خسائر فادحة في الفرس، وقتلت بنفسي قائد الفرس.
فوزي: الله أكبر.. الله أكبر.
فوزية: زدنا زادك الله إكراماً وكرامة يا جدنا القعقاع.
القعقاع: الخلاصة، يا أبنائي، أني قاتلت تحت لواء خالد في كل المعارك التي خاضها في العراق، وعندما جاءه أمر الخليفة أبي بكر بالتحرك إلى الشام، لنجدة جيوش المسلمين هناك، أخذ خالد معه نصف جيش العراق، وكنت واحداً من الذين اختارهم خالد، لأعاونه في مهمته الشاقة، في فتح بلاد الشام.
فوزية: وفي الطريق إلى الشام، قاتلت في كل المعارك التي خاضها خالد.
القعقاع: والحمد لله.
فوزية: ودورك في فتوح الشام يا سيدي؟
القعقاع: تولّى خالد القيادة العامة، واختار مئة فارس من المهاجرين والأنصار كفدائيين للتأثير عللا معنويات العدو، وكنت واحداً من هؤلاء المئة، وكان لنا تأثيرنا في بداية معارك اليرموك، ثم كلفني خالد بقيادة كردوس من كراديس العراق، فكنت أهاجم الروم على رأس كردوسي هجوماً يرضى عنه الله ورسوله والمؤمنون.
فوزي: إذن، كنت يا سيدي المجاهد واحداً من مغاوير معركة اليرموك، الذين حققوا انتصاراً ساحقاً على الروم وجموعهم الغفيرة.
القعقاع: كانوا أكثر من مئتي ألف مقاتل، وكنا لا نزيد عن ستة وثلاثين ألف مقاتل إلا قليلاً، حتى إن بعض المسلمين نظر إلى حشود الروم فقال: ما أكثر الروم وأقل المسلمين، فزجره خالد وقال له: بل قل: ما أقل الروم وأكثر المسلمين إنما تكثر الجنود بالنصر، وتقل بالخذلان، لا بعدد الرجال، والله لوددت أن فرسي الأشقر براء من تَوَجِّيه (أي من مرضه) وأن الروم أضعفوا ضعفهم.
فوزي: الله أكبر.. ما هذا يا سيف الله!
القعقاع: ولما انتهت معركة اليرموك الحاسمة، علم المسلمون أن قوات جديدة من الروم قد عززت حامية دمشق، فسار أبو عبيدة بن الجراح وخالد إلى دمشق، وحاصرناها سبعين يوماً دون جدوى، لذلك قرر خالد أن يقوم بمغامرة جريئة لاحتلال المدينة، فأعدّ حبالاً على هيئة سلالم، فلما حلّ الظلام، نهض خالد ونهضت معه، فقال لرجاله: إذا سمعتم تكبيرنا على السور، فارقَوا إلينا. ثم تقدم نحو سور المدينة، وألقى سلالم الحبال، فصعدت أنا وصعد معي مذعور بن عديّ إلى أعلى السور، وأثبتنا سائر الحبال في شرف السور، وكان هذا المكان الذي اقتحمناه أحصن مكان في سور دمشق، حتى إذا صعد خالد وعدد من رجاله الأبطال، كبّر خالد، وكبّرنا معه، وكنت على رأس الذين هاجموا حماة الأبواب، فقتلناهم، وفتحنا أبواب دمشق، ليتدفق منه المقاتلون.
الشقيقان: الله أكبر.. الله أكبر..
فوزي: ما هذا؟ كدت أختنق وأنا أحبس أنفاسي، إعجاباً بهذه البطولات الخارقة.
فوزية: وبعدها يا سيدي المجاهد؟
القعقاع: وبعدها كان الفراق بيني وبين سيدي وأخي وقائدي خالد.
فوزية: كيف؟
القعقاع: جاءت أوامر أمير المؤمنين عمر، إلى القائد أبي عبيدة بن الجراح تقول: "اصرف جند العراق إلى العراق، وأمرهم بالحثّ إلى سعد بن أبي وقاص" فأمّر أبو عبيدة هاشم بن عتبة على جند العراق، وجعلني على مقدمته، فعجّلت بالمسير، حتى وصلت إلى العراق في صبيحة اليوم الثاني من أيام القادسية، وهو يوم (أغواث).
قسّمت رجالي، وكانوا ألف مقاتل، إلى مئة قسم، كل قسم مؤلّف من عشرة رجال، فكلما بلغت جماعة منهم مدى البصر، انطلقت جماعة أخرى في آثارهم، وتقدّمت مع المجموعة الأولى، فأتيت الناس، وسلّمت عليهم، وبشّرتهم بالإمدادات الجديدة من الشام، ثم برزت من بين الصفوف وصرخت: هل من مبارز؟
فوزي: فخافك الفرس؟
القعقاع: لا.. بل برز إليّ ذو الحاجب، وعرّفني بنفسه قائلاً: أنا بهمن جاذويه، فهتفت: يا لثارات أبي عبيد وسُليط، يا لثارات الجسر، وتجالدنا، ثم لم ألبث أن أقتله وأنا أهتف: الله أكبر.. الله أكبر.
الشقيقان: الله أكبر.. الله أكبر.
القعقاع: وطلبت المبارزة مرة ثانية، فخرج إليّ أحد قادة الفرس، فقتلته.
الشقيقان: الله أكبر.. الله أكبر..
القعقاع: وحملت في هذا اليوم ثلاثين حملة على ثلاثين علجاً من علوجهم، وقتلتهم جميعاً بفضل الله تعالى.
الشقيقان: الله أكبر.. الله أكبر..
القعقاع: وبقيت طوال الليل، أسرّب رجالي إلى المكان الذي فارقتهم فيه، وقلت لهم: إذا طلعت عليكم الشمس فأقبلوا مئة مئة، كلما توارى عنكم مئة فليتبعها مئة، فإن جاء هاشم فذاك، وإلا جددتم للناس رجاء وجدّاً، وقد نفّذت هذا دون علم رجال القادسية الآخرين، لأرفع معنويات المقاتلين، بأن الإمدادات تتوالى عليهم.
فوزية: بارك الله فيك من قائد محنّك.
القعقاع: فلما طلعت الشمس، طلعت نواصي خيولنا، فكبّرت وكبّر المسلمون، وقالوا: جاء المدد، فلما وصل آخر رجالي، جاءت قوات هاشم.
فوزية: هل استخدم الفرس الفيلة؟
القعقاع: طبعاً، وكانت تفتك بجنودنا فتكاً، ورآها سعد تكبّد المسلمين خسائر كبيرة، فأرسل إليّ وإلى أخي عاصم يقول: اكفياني الفيل الأبيض، وكان هذا الفيل كأنه قائد سائر الفيلة، فأخذت أنا وأخي عاصم رمحين أصمين لينين، وحملنا على الفيل الأبيض، ووضعنا رمحينا معاً في عينيه، فتراجع الحيوان من الألم، وطرح سائسه، ودلّى مشفره، فضربته بسيفي فقطعت مشفره.
الشقيقان: الله أكبر.. الله أكبر..
القعقاع: وجاء الليل، وزاحفت الفرس من غير أن أستأذن سعداً، فلما رأى سعد زحفي قال: اللهم اغفرها له وانصره، فقد أذنت له وإن لم يستأذني، وفعل الناس ما فعلت، فاشتدّ القتال، وما كاد الليل ينتصف حتى هزمنا الفرس هزيمة أبدية، وسمع سعد صوتي وأنا أرتجز، فعرف أننا انتصرنا، وفي الصباح سرت في الناس وأنا أقول: إن الدائرة بعد ساعة لمن بدأ القوم، فاصبروا ساعة واحملوا، فإن النصر مع الصبر.. واستبسل المسلمون، وقتلنا قائد الفرس رستم، وهزمناهم شر هزيمة.
الشقيقان: الله أكبر.. الله أكبر..
القعقاع: وطاردت الفرس بأمر من سعد، وأوقعت فيهم خسائر كبيرة، ثم قرر سعد أن يعبر النهر على ظهور الخيل لفتح المدائن، عاصمة كسرى، فندب الناس إلى العبور، فانتدب له أخي عاصم بن عمرو، فعبر على رأس كتيبة أطلق عليها اسم كتيبة الأهوال، ثم تبعته أنا على رأس الكتيبة الخرساء، وفيما كنت أطارد الفرس، وجدت فارسياً يحمي انسحاب الفرس، فقتلته، فإذا مع المقتول أحد عشر سيفاً، ودروع بينها سيوف ودروع كسرى وهرمز وهرقل وخاقان والنعمان وغيرهم من الملوك والأمراء والقادة، فغنمتها كلها.
فوزية: وهي التي كنت تتقلدها في أوقات الزينة؟
القعقاع: أجل.. كنت أتقلّد سيف هرقل ملك الروم، وألبس درع بهرام، ملك الفرس؟.
فوزية: وعندما مت، كنت فقيراً، لم تخلّف مالاً ولا عقاراً.
القعقاع: الحديث يطول يا أبنائي ويا أحبائي، فقد قاتلت الفرس في جلولاء وانتصرت عليهم، وطاردتهم إلى خانقين، ودخلت حلوان وقصر شيرين، وشاركت في معركة فتح الفتوح، في معركة نهاوند الحاسمة، وقتلت قائد الفرس الفيرزان.
الشقيقان: ما شاء الله.. ما شاء الله.
القعقاع: عن ماذا أحدثكم يا أحفادي؟ فالحديث ذو شجون.
فوزية: اسمع يا سيدي المجاهد ما قاله عنك أحد الباحثين العسكريين في زمننا هذا، قال: هناك قادة صمدوا للمرتدين كما صمد القعقاع، وهناك قادة لم يخسروا معركة في حياتهم كلها، كما لم يخسر القعقاع معركة واحدة في حياته، وهناك أبطال يذكرون حين يذكر القعقاع، ولكنني لا أعرف قائداً غير القعقاع، قاتل في كل معارك الفتح الإسلامي الثلاثة الحاسمة: القادسية، واليرموك، ونهاوند، وأبلى فيها كلها بلاءه.
فوزي: وقال ذلك الباحث القائد العسكري:
لقد ضرب القعقاع رقماً قياسياً في عدد المعارك التي خاضها في العراق وبلاد الشام وفارس، وكانت له في كل معركة خاضها، قصة مشرّفة خالدة، وقد حاولت أن أحصي عددها، فوجدتها إحدى عشرة معركة كبيرة، سبع منها في العراق، وثلاث في سوريا، وواحدة في إيران.
القعقاع: لقد قلت يوماً:
يدعون قعقاعاً لكل كريهة    فيجيب قعقاع دعاء الهاتف