هنا عشت و من هذا الطريق سلكت و لأنها الحياة رحلت

السبت، 13 مارس، 2010

المفصل في تاريخ العرب14

وقد كان الحميريون يسيطرون على القسم الجنوبي الغربي من العربية الجنوبية في أيام مؤلف كتاب "الطواف حول البحر الأريتري"، ولا سيما في مدينة "ظفار" وحصنها الشهير المعروف ب "ريدان"، الذي يرمز إلى ملك حمير والذي يحمي العاصمة من غارات الأعداء. وهو بيت الملوك وقصرهم أيضاً. وقد كانت منازل حمير في الأصل إلى الشرق من هذه المنازل التي ذكرها مؤلف الكتاب. كانت تؤلف جزءاً كل من أرض حكومة قتبان وتتصل بحكومة حضرموت.
وتقع في جنوب "ميفعه". وتؤلف أرض "يافع" المسكن القديم للحميريين، وذلك قبل نزوحهم عنها قبل سنة "100" قبل الميلاد إلى مواطنهم الجديدة. حيث حلّوا في أرض "دهس" "داهس" وفي ارض "رعين" حيث كانت "رعين" " فأسسوا على أشلائها حكومة "ذو ريدان".
وحدود أرض حمير في مواطنها القديمة: "ارض" "رشأى" "رشاى" و "حبان" "حبن" في الشمال وأرض حضرموت في الشرق، وأرض "ذيب" "ذياب" في الغرب. وقد كانت في الأصل جزءاً من حكومة قتبان.
و يظهر من الكتب العربية إن الحميريين كانوا يقطنون حول "لحج" في منطقة "ظفار" و "رداع" وفي "سرو حمير" و "نجد حمير".
وقد عرفت الأرض التي أقام بها الحميريون ب "ذي ريدان" "ذ ريدن"، نسبة إلى "ريدن" "ريدان"، قصر ملوك حمير بعاصمتهم "ظفار". وهو عند حمير بمثابة قصر "سلحن" "سلحان" "سلحين"، وقصر "غمدن" "غمدان" عند السبئيين.
وقد اخذ حصن "ريدان" اسمه من حصن اقدم عهداً منه كان في قتبان، بني عند ملتقى اودية في جنوب العاصمة "تمنع"- عرف ب "ذي ريدان" "ذ ريدان"، وقد بني على جبل يسمى ب "ذي ريدان" يؤدي إلى "حدنم" "حدن". ولما كان الحميريون يقيمون في هذه الأرض المعروفة ب "ذي ريدان" وذلك حينما كانوا اتباعاً لمملكة قتبان، لذلك أطلقوا على الحصن الذي بنوه ب "ظفار" اسم حصن "ذي ريدان"، تيمناً باسم قصرهم القديم، وأطلقوا "ذي ريدان" على وطنهم الجديد الذي أقاموا فيه بعد ارتحالهم عن قتبان، ليذكرهم. اسم وطنهم القديم.
وقد عشر على كتابة في خرائب حصن "ريدان" القديم، الذي كان قد بناه الريدانيون أيام أقامتهم بقتبان، قدّر الخبراء زمان كتابتها بحوالي السنة "400" قبل الميلاد.
ويقع حصن "حدي" عند حافة الجبل الذي تقع عليه خرائب "ريدان" وهو اسم يذكرنا باسم "حدنم" المذكور.
وقد كان الحميريون أتباعاً لمملكة قتبان قبل انتقالهم إلى وطنهم الجديد، فأرضهم كانت خاضعة لحكومة قتبان تؤدي الجزية لها وتعترف بسيادة ملوك قتبان عليها، ولذلك أطلق السبئيون عليهم "ولد عم" أي ولد الإلهَ "عم" و "أمة عم" "ملّة عم" وهو إلهَ قتبان. وتعني تلك الجملة "جماعة عم"، أي قتبان ومن يخضع لها من قبائل، ف "عم" هو رمز قتبان. وهو تعبر يؤدي معني التبعية والجنسية بالمعنى الحديث. ولما كان الحميريون إتباعاً لقتبا في ذلك العهد، وان لم يكونوا يتعبدون للإلَه "عم" إلَه قتبان، ادخلوا في جملة "ولد عم" للتعبير عن المعنى المذكور.
وقد عثر الباحثون على كتابات مؤرخة، سنة 1094 أرخت بالتقويم العربي الجنوبي الذي يرجع عهده إلى السنة "115" أو "109" قبل الميلاد. عثر عليا قي ارضين حميرية. وقد تبين كل من تحويل تلك السنين إلى سنين ميلادية، إنها تعود إلى السنة "400" للميلاد فما بعد.
ويرى بعض الباحثون إن السنة المقابلة لسنة "115" أو "09 ا" قبل الميلاد، وهي السنة الأولى من سني التقويم العربي الجنوبي، هي سنة نشوء حكومة حمير وظهورها إلى الوجود بصورة فعلية. ولهذا صار الحميريون يؤرخون بها لما لها مهن أهمية في الناحية السياسية عندهم.
وقد كان الحميريون يغزون أرض حضرموت ويتحرشون بطرق تجارتها ولاسيما طريق "شبوة"- "قنا" "قانه"، المؤدي إلى المدن الجنوبية والساحل لذلك اضطرت حضرموت إلى إقامة سور يسد الوادي "وادي لبنا" "لبنه"، أقيم من حجارة قوية بحيث سدّ الوادي، فليس للمارة سبيل سوى الباب الذي يحرسه حراس أشداء. ويظهر إن إقامة ذلك السور كان قبل السنة "400" قبل الميلاد.
وقد اكتسح الحميريون أملاك غيرهم من جيرانهم فاستولوا على أرض "رعين". وقد كانت "رعين" مملكة صغيرة حكمها ملوك كما تبين ذلك من الكتابات. وقد كانت هذه المملكة تحكم أرض "عرش" وقد استولى عليها الحميريون أيضاً كما استولوا على كل الأرضين التي، كانت خاضعة لحكم ملوك "رعين" "رعين". فأضافوها إلى حكومة "ريدن" "ريدان" "ذي ريدان". وقد حدث ذلك في القرن الثاني قبل الميلاد.
وقد كانت مملكة "رعين" كما يتبين كل من الكتابة الموسومة ب Glaser 1693 في حلف مع سبأ ضد ملكة "قتبان"، ويظهر إنها كانت مع سبأ لتدافع بذلك عن نفسها إذ كانت جارة لقتبان، ولقتبان مصالح خطيرة في أرض "رعين".
ويتبين من النص الموسوم ب Glaser 1693 الذي يعود عهده إلى أيام الملك "يدع أب يجل"، والذي يرجع بعض علماء العربيات الجنوبية عهده إلى حوالي السنة "200" قبل الميلاد- أن "رعين"، كانت مملكة إذ ذاك، وفي أرض "رعين" أقام الحميريون دولتهم حيث اتخذوا "ظفار" عاصمة لهم. وكانوا قد زحفوا على هذه الأرض وعى "دهس" "داهس" والمعافر واستقروا بها، حيث تغلبوا على سكانها الأصليين، وأقاموا حكومة حمير، التي أخذت تنافس سبأ وتتوسع في أرض القتبانيين وغيرهم، متوخية انتزاع السلطة من السبئيين.
وقد كان "شطر ذي ريدان" الذي تحدثت عنه في أثناء كلامي على "الشرح يحضب" من أقيال حمير ومن ساداتهم البارزين في ذلك الوقت. وقد رأينا انه كان نشطاً محارباً يتصل بالحبش وبملك "نجران"، وبملك حضرموت، وبكل من يجد فيه عداوةً ونصباً ل "الشرح يحضب" ليمكنوه من التغلب عليه، ومن انتزاع الحكم منه. ولكنه لم يتمكن مع كل ذلك من التغلب على "الشرح"، بل اضطر في الأخير إلى التصالح معه، والى الاعتراف بسيادته، حتى أنه صار قائداً من قواد جيشه في حربه التي أثارها "الشرح" على حضرموت. كما عوقبت "نجران" عقاباً شديداً نتيجة لاندفاعها مع "شمر" وتأييدها له، وإعلانها الحرب على "ملك سبأ وذي ريدان".
ويظهر من وصف "بلينيوس" Pliny، أن القسم الجنوبي من ساحل البحر الأحمر كان تابعاً لملك حمير، صاحب "ظمار". ويظهر من الكتابة CIH 41 أن مملكة حمير كانت تضم رعين و "ذمار" "ذمر" والأرض التي تقع في الشمال المسماة ب "قاع جهران" في الوقت الحاضر. فيظهر من ذلك أن الحميريين كانوا قد تمكنوا من الاستيلاء على الهضبة وعلى المناطق الجنوبية من اليمن الممتدة على البحر الأحمر. ونحن لا نملك في الوقت الحاضر أي نصوص تشير إلى الوقت الذي استولت حمير فيه على هذه الأرضين. ويظن البعض أن ذلك قد كان في أيام حملة الرومان على اليمن، فاستغل الحميريون هذه الفرصة، فرصة ضعف حكومة السبئيين، فاستولوا على تلك الأرضين.
وقد يرجع زمان استيلاء حمير على ميناء "قنا" الشهير، وهو أهم ميناء في حضرموت إلى هذا العهد، أو إلى عهد يقع بعد ذلك بقليل.
ولم تكن علاقات حمير بسبأ علاقات طيبة في الغالب. بل يظهر أنها كانت نزاع وخصومة في أكثر الأوقات. وتجد في كتابات السبئيين إشارات إلى حمير والى نزاع سبأ معهم. وقد دعوهم ب "حمير" "حمر" "حمرم" وب "ذي ريدان" "ذ ريدن" و "ببني ذي ريدان"، ودعوا ملوكهم: "ذمر على ذي ريدان" و "شمر ذي ريدان" وب "كرب ايل ذي ريدان".
وقد استطاع الحميريون من الاستيلاء على "مأرب". استولوا عليها جملة مرات. لقد تمكن أحد ملوكهم من احتلالها ودخولها، ويظهر إن ذلك كان بعد حملة الرومان على اليمن، فعدل في لقبه الملكي الرسمي وهو "ذو ريدان"، وجعله مثل لقب الملوك السبئيين الشرعيين. وهو "ملك سبأ وذي ريدان"، الذي يشير إلى استيلاء سبأ فيما مضى على حمير وضم أرضهم إلى أرض سبأ. والظاهر إن "اقول" أقيال سبأ: ثاروا على الحميريين فأخرجوهم من "مأرب"، وأعادوا العرش إلى العائلة السبئية المالكة، فحكموها بصفتهم ملوك سبأ وذو ريدان، وان لم تعن لهم سيطرة فعلية على أرض حمير، واحتفظ ملوك حمير باللقب الجديد الذي لقبوا أنفسهم به، وهو "ملك سبأ وذو ريدان"، مع انهم كانوا قد أخرجوا من أرض سبأ، وان لم يكن قد بقي لهم أي نفوذ فيها. وهكذا صرنا نجد حاكمين: أحدهما سبئي وآخر حميري، يلقب كل واحد منهما نفسه بلقب "ملك سبأ وذو ريدان".
وقد جعل "فون وزمن" استيلاء حمير على مأرب في حوالي السنة "110" بعد الميلاد. وعاد فذكر إن الحميريين استلوا على "مأرب" مرة أخرى، وذلك في حوالي السنة "200" أو "210" للميلاد. واستند في حكمه هذا على الكتابة الموسومة ب Jamme 653.
ومن ملوك حمير الملك "يسرم يهصدق" "ياسر يهصدق"، الملقب ب "ملك سبأ وذو ريدان" في الكتابة الموسومة 41 CIH. ويرى "فون وزمن" انه حكم بعد الميلاد. حكم في النصف الثاني من القرن الأول بعد الميلاد، فيما بين السنة "70" و "80" بعد الميلاد.
وقد وضع "فون وزمن" اسم "الشرح" بعد اسم "ياسر يهصدق"، وجعل أيامه في حوالي السنة "90" بعد الميلاد. وقد ذكر انه كل من حمير والى أيامه تعود الكتابة المرقمة ب CIH 140. ويرى هذه الكتابة هي أقدم كتابة ورد فيها خبر حرب وقعت بين حمير وسبأ.
ثم ذكر "فون وزمن" اسم "ذمر على يهبأر" بعد اسم "الشرح" وقد جعل حكمه في حوالي السنة "100" بعد الميلاد. والى زمانه تعود الكتابة الموسومة ب CIH 365. وكان يعاصره الملك "شهر هلال يهقبض" ملك قتبان. ويرى "فون وزمن" إن "ذمر على يهبار" "ذمر على يهبأر" حارب شخصاً من "بني حزفر" "بن حزفرم". و "بنو حزفر" هم من عشيرة "ذ خلل" "ذو خليل"، وهم عشيرة قديمة يرجع اليها نسب مكربو سبأ وأكثر ملوك السبئيين. ويرى احتمال كون هذه الحرب قد وقعت مع أحد أفراد العائلة السبئية المالكة. وقد تمكن "ذمر على" من الاستيلاء على حصن "ذت مخطرن" "ذات مخطران"، ومن دخول "مأرب". وقد قام هو وابنه "ثارن" "ثأران" بترميم سد مأرب وببناء المواضع التي تخربت منه. وذلك لأنه كان قد خرب، وذكر إن تخرب السد هذا، هو تخرب لم يصل خبره إلينا. وقد قدم الملكان قرابين وهما بمأرب إلى "عثتر" "عثتار" و "سحر" بمعبد "نفقان" "نفقن".
وقد بلغ الحميريون على رأي "فون وزمن" أوج أيام عزهم في هذا العهد. فقد حكموا السبئيين ومعهم "ذ عذبهن" "ذو عذبهان"، الذين نعتوا أنفسهم ب "ادم"، اي الأتباع .
ثم وضع "فون وزمن" اسم "ثارن يعب" "ثأران يعب"، بعد اسم "ذمر على". و إلى زمانه تعود الكتابتين CIH 457 و CIH 569.
ثم وضع "فون وزمن" اسم "شمر يهرعش الأول" من بعده، وقد كان معاصرا ل "أنمار يهأمن" ول "كرب ايل وتر يهنعم" من "بني بتع" من قبيلة "سمعى". وقد كان حكمه في حوالي السنة "140" بعد الميلاد .
وذكر "فون وزمن" أن السبئيين تمكنوا من الاستيلاء على حمير، فصارت تابعة لهم، وكان ذلك في أيام "ملك سبأ وذي ريدان" "شعرم أوتر" "شعر أوتر"، و بقيت حمير خاضعة لهم إلى أن ثارت عليهم بزعامة "لعزز يهنف يهصدق" "العز يهنف يهصدق" "لعز يهنف يهصدق" "لعز نوفن يهصدق" حيث ولي عليهم وحكم بلقب "ملك سبأ وذي ريدان".
وقد جعل "فون وزمن" زمان حكم "لعزز يهنف يهصدق"، فيما بين السنة "190" و "200" بعد الميلاد. وجعل أيام حكمه في أيام استيلاء "جدرت" "جدرة" الحبشي على "ظفار" .
وقد جاء اسم الملك "لعزز يهنف يصدق" في الكتابة الموسومة ب Jamme 631 وقد لُقّب فيها بلقب "ملك سبأ وذو ريدان". كما بعد أسطر من ورود اسمم الملك السبئي "شعر أوتر" "ملك سبأ وذو ريدان". كما جاء اسم الملك "لحيثت يرخم" الذي لقب أيضا بلقب "ملك سبأ وذو ريدان". وقد سجل هذه الكتابة أحد القادة السبئيين. ويظهر إن السبئيين والحميريين كانوا قد كونوا جبهة واحدة لمحاربة الحبش الذين هاجموا اليمن في عهد "جدرت" "جدرة".
وقد وقعت اضطرابات في هذا العهد، دامت حوالي قرن ونصف قرن. لم تنعم اليمن في خلال هذه المدة بالراحة والاستقرار. فنجد في الكتابات التي وصلت إلينا عن هذا العهد ذكر فتن وحروب وأوبئة وغزوات وغارات. وتجد ملوكاً و إقطاعيين يحاربون بعضهم بعضاً. ويعزو "ريكمنس" سبب ذلك إلى إدخال الخيل في الحروب وحلولهما محل الجمل. مما ساعد على حركة القتال، وفي نقل الحروب بصورة أسرع إلى جبهات كان الجمل يقطنها ببطء. كما يررى "دوستل" W. Dostal أن لتحسين السروج التي كان يستعملها المحاربون الفرسان دخل في هذه الحروب والاضطرابات.
اشد أدى استعمال الخيل في الحروب وتحسين سروجها على رأي الباحثين المذكورين إلى إحداث تطور خطير في أسلوب القتال. كما أدى إلى ظهور قوة محاربة لها نفوذ في الأحداث وفي سياسة جزيرة العرب هي قوة الأعراب. فقد أدى استخدام البدو للخيل إلى إمعانهم في الغزو والى إغارتهم على الحظر طمعا في أموالهم وفي ما عندهم من أمتعة ومال. كما أدى إلى الإكثار كل ن غزوهم بعضهم بعضا، والى التدخل في شؤون الحكومات. و صار لهم نفوذهم في الأمور السياسية والعسكرية في العربية الجنوبية، واضطرت حكومات هذه الأرضين على أن تحسب لهم حساباً، كما استخدموا الأعراب في قتالهم مع الحكومات الأخرى المنافسة لها، وفي محاربة الأقيال و الأذواء.
ثم جعل "فون وزمن" اسم "ياسر يهنعم الأول" من بعده، وقد حكم معه ابنه "شمر يهرعش"، الذي لقبه بالثاني، تمييزاً له عن "شمر" المتقدم. و في عهدهما احتل الحميريون "مأرب"، و صارت "سبأ" تابعة لهم. وكان ذلك في حوالي السنة "200" للميلاد. وكان يعاصرهما "عذبة" نجاشي الحبشة في هذا الوقت.
ويرى "فون وزمن" أن الكتابات العربية الجنوبية انقطعت فجأة بعد هذه الكتابة المتقدمة عن ذكر ملوك "همدان"، فلم تعد تذكر شيئاً عنهم، ويعزو سبب ذلك إلى الأوبئة التي اجتاحت البلاد والى تألق نجم الأسرة الحميرية الحاكمة التي تمكنت على ما يظهر من الاستيلاء على عاصمة سبأ "مأرب" وعلى نجاد سبأ والى انفراد سادة "مضحى" "مضحيم" "مضحم"، وقد تكون استولت على ردمان كذلك.
وفي هذه الظروف حكم "ياسر يهنعم" الذي لقبه "فون وزمن" بالأول مع ابنه "شمر يهرعش" الذي لقبه ب "الثاني" الذي اشترك معه بالحكم ثم انفرد به وحده فحكم في "ظفار" وفي "مأرب".
ثم نصب "فون وزمن" شخصاً دعاه "كرب ايل ذو ريدان" بعد "شمر يهرعش الثاني" وجعله معاصراً للنجاشي "زوسكالس" Zoskales، وجعل حكمه في حوالي السنة "210" بعد الميلاد. وهو شخص لا نعرف اسمه الملكي الكامل. ويرى "فون وزمن"، انه هو المقصود في الكتابات Jamme 578,586,589، وهي كتابات دوّنها خصومه. ويظهر من إحدى الكتابات إن جيوش خصميه "الشرح" و "يأزل" بلغت "سرعن" في "ردما ن" و "قرننهن" "القرنين" و "عروشتن" "العرائش" في نجاد قبيلة "حرمتم" "حرمت" "حرمة"، في أرض "مراد" بين "مأرب" و "قتبان"، و إنها استولت على الحصن الجبلى المنيع "عر اساى" "عر الاسى" "عر أسأي" شرق "ذمار".
وقد نشبت حرب أخرى بينه وبين خصميه، اضطرته إلى الاعتراف بسيادة "الشرح" و "أخيه" عليه، غير انه عاد فثار على خصميه، فخسر في هذه المرة أيضاً. خسر مدينة "هكر" التي اشتهرت بقصرها الملكي على قمة التل، وخسر "رداع" و "ظفار" فاضطر إلى الفرار.
ثم جعل "فون وزمن" "ثارن يعب يهنعم" من بعده، وقد كان حكمه في حوالي السنة "230" حتى السنة "240" للميلاد.
ثم ذكر "فون وزمن" اسم "ذمر على وتر يهبأر" من بعده، وقد كان حكمه في حوالي السنة "250" للميلاد. ثم انتقل منه إلى "عمدان بين يهقبض" الذي جعل حكمه في حوالي السنة "260" حتى السنة "270" للميلاد.
وجعل "فون وزمن" الملك "ياسر يهنعم" من بعد "عمدان بين يهقبض" وقد نعته بالثاني، وجعل حكمه مع ابنه "شمر يهرعش" الذي لقبه بالثالث، والذي انفرد وحده بالحكم بعد وفاة والده فحكم حتى السنة "300" للميلاد. وقد كان يعاصره الملك "شرح ال" و "رب شمس".
وجعل "فون وزمن" حكم الملك "ياسر يهنعم الثالث" و "ثارن ايفع" "ثأرن أيفع" بعد حكم "شمر يهرعش الثالث". وقد كان حكم "ياسر يهنعم" الثالث منفرداً في بادئ الأمر ثم أشرك ابنه "ذرأ أمر أيمن" معه في الحكم، وذلك في الشطر الثاني من أيام حكمه. وقد عاصرا "عزانا" ملك الحبش الذي غزا اليمن. ثم جعل "ذمر على يهبر"، من بعد الاثنين المذكورين، وهو ابن "ثارن يكرب" "ثأرن يكرب".
وذكر "فون وزمن" إن "ذمر على يهبر" حكم مع ابنه "ثارن يهنعم" "ثأران يهنعم" في الشطر الثاني من أيام حكمه، وذللك فيما بين السنة "340" والسنة "360" للميلاد. وجعل في حوالي هذا العهد خراب سد مأرب للمرة الثانية.
وفي هذا العهد دخل ملك حمير في النصرانية بتأثير "ثيوفيلوس" عليه. وبنيت كنائس في "ظفار" وفي "عدن". فما أشرك الملك "ثأران يهنعم" "ثارن يهنعم" ابنه "ملك كرب يهامن" "ملكيكرب يهأمن" معه في الحكم.
وذكر أنه في حوالي السنة "378" للميلاد ترك معبد "اوم" "أوام"، وأهمل، بسبب انصراف أكثر الناس عن التعبد فيه وتركهم عبادة آلهة سبأ القديمة.
وذكر "فون وزمن" أن الملك "ملكيكرب يهنعم" "ملكيكرب يهأمن" حكم منذ السنة "385" للميلاد مع ولديه: "اب كرب اسعد" "أبو كرب أسعد" و "ذرأ أمر أيمن". ثم ذكر بعدهم اسم "أبو كرب أسعد" مع ابنه "حسن يهأمن" "حسّان يهأمن". وقد ذكر أن "أبا كرب أسعد" هو الذي حكم بعد والده "ملكيكرب يهنعم" "ملكيكرب يهأمن"، ثم حكم مع ابنه "حسان يهأمن" حكماً مشتركاً، مستعملين لقباً جديداً هو: "ملك سبأ وذو ريدان وحضرموت ويمنت وأعربهمو طودم و تهمتم". وذلك في حوالي السنة "400" للميلاد.
ويعرف "أبو كرب أسعد" "ابو كرب اسعد" ب "أسعد تبع" عند أهل الأخبار. و يذكرون أنه اعتنق اليهودية أثناء نزوله بيثرب في طريقه إلى اليمن.
وقد ذهب "فون وزمن" إلى أن الذين حكموا حمير كانوا من أسرة ملكية واحدة. ولكنهم يرجعون إلى فرعين. وذهب "ريكمنس" إلى أن ملوك حمير كانوا أسرتين: أسره "ياسر يهنعم" وأسرة "ياسر يهصدق"، وقد حكم أعضاء الأسرتين متفرقتين ولكن في وقت واحد.
و ظفار، هي عاصمة حمير. وقد اشتهرت بجزعها، ولا تزال تشتهر به. وقد تفنن الحميريون في تجميله بحفر محور ونقوش لحيوانات ونباتات وأزهار عليه، وفي صقله، ويستعمل عقداً يوضع حول العنق وخاتماً لتزيين الأصابع. و اشتهرت بأنها موطن لغة حمير فقيل: من دخل ظفار حمر، لأن لغة أهلها الحميرية.
وقد زالت معالم قصر ريدان بظفار، و موضعه اليوم ربوة مربعة الشكل تعرف ب "ريدان"، بقي منه "سرعبان" " أي طوفيين بشكل هندسي، من الحجر المنحوت. وقد زار "كلاسر" مدينة ظفار والخرائب الواقعة على الربوة المتاخمة لآثار ظفار من الجنوب. وقد سمى ذلك الخرائب القائمة على الربوة ب "حصن زيدان". وقد شك، في كونه "حصن ريدان" القديم. ولكن بعض الباحثين لا يؤيدون رأيه هذا. وأظن إن كلمة "زيدان" هي تحريف للاسم القديم "ريدان".
وقد اشتهرت حمير عند أهل الحجاز بمصانعها، فقيل: مصانع حمير. وفي: كلام النبي لوفد كندة: "إن الله أعطاني ملك كندة و مصانع حمير، وخزائن كسرى وبني الأصفر، وحبس عنيّ شر بني قحطان، و أذل الجبابرة من بني ساسان، وأهلك بني قنطور بن كنعان".
ترتيب ملوك حمير
هذا وقد رتب "فون وزمن" بعض ملوك حمير ترتيباً زمنياً على هذا النحو: 1 - ياسر يهصدق. وقد حكم بحسب رأيه في حوالي سنة "75" ب. م.
2 - ذمر على يهبر. وقد كان حكمه في حوالي سنة "100 ب. م.".
3 - ثأران يعب. وقد كان حكمه في حوالي سنة "125 ب. م.". ثم وضع فراغاً بعده، يدل على حكم ملك من بعده لا يعرف زمانه، ووضع بعده حكم الملك "شمر يهرعش" الأول، وقد كان حكم ذلك الملك الذي لم يعرف اسمه و لا خبره ولا أسرته في حوالي سنة "150 ب. م.".
4 - ثم وضع بعد اسم "شمر يهرعش الأول" فراغاً ذكر إن حمير صارت فيه تابعة للسبئيين، وذلك في عهد "ملك سبأ وذو ريدان شعرم اوتر" "شعر أوتر". ثم وضع بعده اسم الملك "لعزز يهنف يهصدق" "لعزز يهأنف يهصق".
5 - ثم ذكر بعد "لعزز يهنف يهصدق" اسم الملك "ياسر يهنعم"، وقد نعته ب "الأول"، ليميزه عن ملكين آخرين عرفا بهذا الاسم.
6 - ثم وضع بعده اسم ابن له دعاه ب "شمر يهرعش الثاني".
7 - ثم وضع بعده اسم ملك بقي من اسمه الأول فقط، وهو "كرب ال" "كرب ايل"، وقد نعته ب "كرب ايل ذو ريدان".
8 - ثم وضع اسم الملك "ذمر على وتر يهبر" "ذمر على وتر يهبأر" من بعده.
9 - ثم اسم "ثارن يعب يهنعم" ثم ترك فراغاً، ذكر بعده اسم.
10- الملك "عمدان بين يهقبض".
11- ثم الملك "ياسر يهنعم الثاني".
12- ثم "شمر يهرعش الثالث".
13- ثم اسم الملك "ياسر يهنعم الثالث".
14- ثم "ثارن ايفع" "ثأران أيفع".
15- ثم "ذرارمر ايمن" "ذرأ أمر أيمن". وهو ابن "ياسر يهنعم الثالث".
16- ثم ذكر اسم ملك لم يتأكد من لقبه هو "ثأران ى..." "ثأران ي...".
17- وذكر بعل ه الم "ذمر على يهبر" "ذمر على يهبأر".
18- ثم ابنه "ثارن يهنعم" "ثأران يهنعم".
19- ثم ذكر اسم ابنه الملك "ملكيكرب يهأمن" "ملك ضرب يهأمن".
20- ثم ذكر اسم ابنه "ابكرب اسعد" "أبو كرب أسعد" و "ذرا امر ايمن" "ذرأ أمر أيمن".
21- ثم "أبو كرب أسعد" ومعه ابنه "حسن يهأمن" "حسان يهأمن" 22- ثم اسم "شرحب ال يعفر" "شرحبيل يعفر"، "شرحب ايل يعفر".
الفصل الحادي و الثلاثون
سبأ و ذو ريدان و حضرموت و يمنت
وفي حوالى السنة "300 ب. م."، أو بعد ذلك بقليل، لحقت اللقب الرسمي لملوك "سبأ وذي ريدان" إضافة جديدة، هي "حضرموت ويمنت"، فصار "ملك سبأ وذي ريدان وحضرموت وينت"، و صرنا نقرأ أسماء الملوك، ونقرأ بعدها هذا اللقب الجديد.
وفي الإضافة الجديدة دلالة على إن مملكة "سبأ وذي ريدان" عدّت حضرموت منذ هذا العهد أرضاً تابعة لها وخاضعة لحكمها، ليس لها منذ هذا الضم في استقلال ولا ملوك، و إنها عدّت أرض "يمنت" خاضعة لها وجزءاً من ممتلكاتها كذلك. و معنى هذا إن رقعة أرض "سبأ وذي ريدان" قد توسعت كثيراً بهذا الضم.
وكلمة "منت"، لم ترد قبل هذا العهد لا في المسند ولا في كتب "الكلاسيكيين" ولهذا فهي بالنسبة إلينا لفظة جديدة، وقفنا عليها في الكتابات التي دوّنت بعد الميلاد. وقد يأتي زمان يعثر فيه العلماء على كتابات تحمل هذه الكلمة، وترجع بها إلى ما قبل الميلاد.
ويمنت - في رأي "كلاسر" - كلمة عامة تشمل الأرضين في القسم الجنوبي الغربي من جزيرة العرب، من باب المندب حتى حضرموت. وكانت تتألف من مخاليف عديدة، يحكمها إقبال و أذواء مستقلون بشؤوتهم، ولكنهم يعترفون بسيادة "ظفار" أو "ميفعة" عليهم. ومن أشهر مدن "يمنت" الساحلية في رأي "كلاسر" - Ocelis عند باب المندب، و "عدن" Arabia Emporium و "قانه" "قنا" Cane في حضرموت.
وتعني "يمنت" في العربيات الجنوبية الجنوب، وقد رأى "فون وزمن" أنها تعني القسم الجنوبي من أرض حضرموت، وهي الأرض التي كانت عاصمتها "ميفعت" "ميفعة" في ذلك الزمان.
ومن "يمنت" ولدت كلمة اليمن التي توسع مدلولها في العصور الإسلامية حتى شملت أرضين واسعة، لم تكن تعدّ من اليمن قبل الإسلام، تجدها مذكورة في مؤلفات علماء الجغرافيا والبلدان والموارد الأخرى.
واليمن عند أهل الأخبار أرض واسعة يحدّها من الغرب بحر القلزم، أي البحر الأحمر، ومن الجنوب بحر الهند، أي البحر العربي في اصطلاحنا ومن الشرق البحر العربي، وتتصل حدود اليمن الشمالية إلى حدود مكة حيث الموضع المعروف ب "طلحة الملك".
وقد أورد أهل الأخبار على مألوف عادتهم تفاسير لسبب تسمية اليمن يمناً، فذكروا إن اليمن إنما سميت يمناً نسبة إلى يمن بن قحطان، وقيل إن قحطان نفسه كان يسمى بيمن. و قيل إنما سميت بيمن بن قيدار، و قيل سميت لأنها يمين الكعبة، و قيل سميت بذلك لتيامنهم إليها، و قيل لما تكاثر الناس بمكة و تفرقوا عنها، التأمت بنو يمن إلى اليمن، و هو أيمن الأرض.
وأول ملك نعرفه حمل اللقب الجديد، لقب "ملك سبأ وذي ريدان وحضرموت ويمنت"، هو الملك "شمر يهرعش" المعروف ب "شمر يرعش" عند الإسلاميين. أما أبوه، فهو و "يسر يهنعم" "ياسر يهنعم"، المعروف والمشهور أيضاُ مثل ابنه بين أهل الأخبار.
وقبل أن أدخل في موضوع "شمر يهرعش" وفي أبيه، أودّ إن أبين أن الباحثين في هذا اليوم ليسوا على اتفاق في عدد من تسمى ب "ياسر يهنعم" وفي أيام حكمهم، و كذلك في عدد من تسمى ب "شمر يهرعش" وفي أيام حكمهم فبينما كان قدماؤهم يذهبون إلى وجود "ياسر يهنعم" واحد ووجود "شمر يهرعش" واحد، ذهب بعض المحدثين إلى وجود شخصين اسم كل واحد منهما "ياسر يهنعم"، وشخصين اسم كل وأحد منهما "شمر يهرعش" واسم والد كل واحد منهما "ياسر يهنعم".
وقد ذهب "فون وزمن" إلى وجود ثلاثة ملوك كان اسم كل واحد منهم "ياسر يهنعم"، وثلاثة ملوك كان اسم كل واحد منهم "شمر يهرعش". واسم والد كل واحد منهم "ياسر يهنعم". أما "ياسر يهنعم الأول"، فجعل زمان حكمه في حوالي السنة "200" "للميلاد. وقد حكم معه ابنه المسمى ب "شمر يهرعش"، وقد لقبه الثاني ليميزه عن ملك آخر حكم قبله وتسمى بهذا الاسم أيضاً، وهو "شمر يهرعش"، الذي دعاه بالأول، وقد حكم في حوالي السنة "140" للميلاد. ولم يعرف اسم والده.
وجعل "فون وزمن" حكم "ياسر يهنعم الثاني" في حوالي السنة "270" للميلاد، وقد حكم ابنه "شمر يهرعش الثالث" معه، ثم حكم "شمر يهرعش الثالث" وحده. ثم نصب ملكاً آخر من بعده، جعل حكمه في حوالي السنة "330" للميلاد سماه "ياسر يهنعم الثالث" حكم مع ابنه "ثارن يهنعم" "ثأران يهنعم".
ويعرف "ياسر يهنعم" عند أهل الأخبار ب "ياسر أنعم" و ب "ناشر النعم" و ب "ياسر ينعم" و ب "ناشر ينعم" و ب "ناشر أنعم"، وزعموا انه إنما عرف بذلك لإنعامه عليهم، ووالده في نظرهم "عمرو بن يعفر بن حمير بن المنتاب بن عمرو بن زيد بن يعفر بن سكسك بن وائل بن حمير بن سبأ"، أو "يعفر بن عمرو بن حمير بن السياب بن عمرو بن زيد بن يعفر بن سكسك بن وائل بن حمير بن سبأ"، أو "عمرو ذي الأذعار"، أو "عمرو بن يعفر بن شرحبيل بن عمرو ذي الأذعار". وزعموا أنه سار إلى وادي الرمل بأقصى الغرب، فلم يجد وراءه مذهباً، فنصب صنماً من نحاس، وزبر عليه بالمسند: "هذا الصنم لناشر أنعم، ليس وراءه مذهب، فلا يتكلف أحد ذلك فيعطب".
وقد حكم "ياسر أنعم" أو "ناشر النعم" أو "ناشر ينعم" بعد "بلقيس بنت ايليشرح" معاصرة "سليمان" "1021 - 981 ق. م."، على رواية من روايات أهل الأخبار، أو بعد ثلاثين سنة أو أربعين من حكم "سليمان" لحمير، حيث أخذه منه وأعاده إلى حمير. فملكهم هو، وكان ملكه خمساً وثلاثين سنة. و هكذا رجع أهل الأخبار زمان "ياسر أنعم" إلى ما قبل الميلاد، وصيّروه معاصراً لسليمان، و هو من رجال أواخر القرن الثالث للميلاد.
أما سبب اشتهاره بين أهل الأخبار ب "ناشر النعم"، أي "محي النعم" فلأنه كما يقولون "أحيا ملك حمير"، أو "لإنعامه عليهم بما قوى من ملكهم و جمع من أمرهم"، أو "لإنعامه على الناس بالقيام بأمر الملك ورده ذلك بعد زواله". و"فضله العميم هذا على حمير، نعتوه بالنعت المذكور.
ونسب الأخباريون إلى "ناشر النعم" الغزوات و الفتوح. زعموا انه جمع حمير و قبائل قحطان، وخرج بالجيوش إلى المغرب حتى بلغ البحر المحيط، فأمر ابنه "شمر يرعش" إن يركب البحر، فركب في عشرة آلاف مركب، وسار يريد وادي الرمل، ونزل "ناشر النعم" على صنم "ذي القرنين" فأخرج عساكره إلى الإفرنج و "السكس" وأرض "الصقالبة"، فغنموا، وسبوا، ورجعوا إليه بسبي عظيم. ولما رجع "شمر" من المحيط إلى أبيه، أمر بمنارة فبنيت إلى جانب منارة ذي القرنين، ثم أمر فكتب في صدر التمثال الذي عليها من النحاس بالمسند: هذا الصنم لياسر أنعم الحميري، و ليس وراءه مذهب، فلا يتكلفن ذلك فيعطب. ونسبوا إليه فتح الحبشة، و إرسال العساكر إلى أرض "الروم بني الأصفر"، وملكهم يومئذ "باهان بن سحور بن مدين بن روم بن سامك بن رومي بن عيص بن سامك بن رومي بن عيص، وهو الأصفر بن يعقوب" وذكروا انه غلب على أرض على الترك، وسار إلى التبت والصين وأرض الهند. فلما بلغ "نهاوند" و "دينور"، مات بها فدفنه ابنه "شمر" في ديار الغربة، وولي الملك بعده.
و رأيت قرائح أهل الأخبار إلا أن تضيف إلى "ناشر النعمِ" شعراً، فيه فخر وفيه حماسة، زعمت أنه قاله. وأضافت إلى ابنه شعراً، زعمت أنه قاله في رثاء أبيه. ولم تنس هذه القرائح أن تأتي بنماذج من كلامه العربي العذب، لترينا أنه كسائر ملوك اليمن يتكلم بلسان عربي مبين.
أما نحن، فلا نعلم شيئاً من أمر هذه الفتوح و الغزوات، ولا من أمر هذا المنظوم أو المنثور. و إنما الذي نعرفه أنه كان يسمى "ياسر يهنعم"، لا "ناشر النعم" كما جعله الأخباريون، وأنه عاش في القرن الثالث للميلاد، وبينه وبين سليمان مئات من السنين، وأنه لا يمكن أن يكون قد خلف "بلقيس" معاصرة "سليمان" على حد زعم أهل الأخبار، ولا أن يكون قد انتزع الملك من "سليمان". ولا أن يكون صاحب فضل ونعمة على حمير، لأنه أنقذهم من حكم "سليمان". وكل ما في الأمر أن الاسم كان بالنسبة إلى أهل الأخبار غريباً، فصّيروه "ناشر النعم"، وابتكروا له قصصاً في تفسير معنى ذلك الاسم.
واذا كان حكم "ياسر يهنعم" في النصف الثاني من القرن الثالث للميلاد، فإنه يكون من المعاصرين لمملكة "تدمر"، وربما كان قد عاصر المملكة الشهيرة "الزباء"، و أدرك أيام سادات الحيرة اول مؤسسي أسرة لخم. وقد قدّر بعض الباحثين في العربيات الجنوبية زمان حكم "ياسر يهنعم" بأوائل النصف الأول من القرن الثالث للميلاد، أي في حوالي سنة "201" أو "207" للميلاد فما بعدها.
ولا نعرف اسم والد "ياسر يهنعم" إذ لم يرد ذكره في النصوص. أما أهل الأخبار فقد عينوه وثبتوه على نحو ما ذكرت، وصيره "حمزة" "شراحيل"، - وهو على زعمه - عم "بلقيس" التي حكمت اليمن قبل عمها "ناشر النعم". وقد ذهب "فلبي" مستنداً إلى دراسة بعض الفصول إلى احتمال كون "العذ نوفان يهصدق" الذي وضع اسمه قبل اسم. "ياسر يهنعم" والداً له.
و قد ورد اسم "ياسر يهنعم" في جملة نصوص، منها نص رقّمه العلماء ب CIH 46، عثر عليه في موضع "يكرن" "يكاران"، "يكر" "يكار" أرخ بشهر "ذو المحجة" "ذو محجة" "بورخن ذ محجتن" "ذو الحجة" من سنة "385" من التأريخ الحميري الموافقة لسنة "270 م" من سني "مبحض بن ابحض" "مبحض بن أبحض". وقد جاء فيه اسم الإله "عثتر ذو جوفت" بعل "علم" و "بشر" " أي إله وسيد موضعيْ "علم" و "بشر"، واسم قبيلتي "مهأنف" و "شهر".
وقد تبين من الكتابات إن "ياسر يهنعم" كان قد حكم وحده في بادئ الأمر، لم يشاركه أحد في اللقب ولا في الحكم، ثم بدا له ما حمله على اشراك ابنه "شمر يهرعش" معه، بدليل ذكر اسمه من بعده، وبعده: "ملك سبأ وذي ريدان"، فصرنا نقرأ الكتابات المتأخرة المدونة في هذا العهد وبها اسم الملكين.
وورد اسم "ياسر يهنعم" وابنه "شمر يهرعش" في نص آخر مؤرخ كذلك، أرخ في شهر "مذران" "مذرن" سنة "316" من سني تقويم "نبط ال" "نبط ايل" دوّنه "فرعن يزل بن ذرنح" "فرعان يأزل بن ذرنح"، و "يعجف" رئيس قبيلتي "قشم" "قشمم" و "مضحيم" "مضحى"، وذلك عند بنائهما "ماجلهمو" "مأجل" صهريجين بخزنان فيهما المياه لإسقاء أرضين لهما مغروسة بالكروم، وكان ذلك في ايام سيديهما "ياسر يهنعم" وابنه "شمر يهرعش" ملكي "سبأ وذي ريدان". ولهذه المناسبة تيمنا يذكر اسمي الملكين.
وقد قدّر "فلبي" مبدأ تقوم "نبط ايل" بسنة "40 ق. م."، فإذا أخذنا بهذا التقدير، يكون هذا النص قد دوّن حواقي حوالي سنة "276 ب. م.".
وأودّ إن ألفت نظر القارئ إلى إن أحد النصين قد أرخ ب "سني نبط" "نبط ال" "نبط ايل"، وأن النص الآخر قد أرخ بسني "مبحض بن أبحض"، كما عثر على نصين آخرين أرخا بسني "مبحض بن أبحض".
وقد ذهب العلماء الى إن الناس كانوا يؤرخون في ذلك الزمان وفق تقويمين، أي تأريخين مبدأ أحدهما تقويم "نبط" "نبط ايل"، ومبدأ ثانيهما تقويم "مبحض بن أبحض". والفرق بين التقويمين خمسون سنة، أو خمس وسبعون سنة. وقد بقي الناس يؤرخون بهذين التقويمين أمداً، ثم مالوا إلى التوريخ بتقويم واحد، إلى أن أهمل أحدهما إهمالاً تاماً. ويرى "بيستن" أن التقويم الذي أهمل وترك، هو تقويم "نبط" "نبط ايل"، وأن الذي بقي مستعملاً هو تقويم "مبحض بن أبحض".
ويرى "بيستن" أن الكتابات السبئية المتأخرة، قد أرخت وفق تقويم مبحض بن أبحض"، وإن لم تشر إلى الاسم، إذ أسقطته من الكتابات.
أما مبدأ هذا التقويم، فيقع فيما بين سنة "118" و "110 ق، م،". غير أن الناس لم يؤرخوا به عملياً وفي الكتابات إلاّ في القرن الثالث بعد الميلاد. أما، فيما قبل القرن الثالث للميلاد، فقد كانوا يؤرخون على عادتهم بتقاويم محلية مختلفة.
ويرى "ريكمنس" أن التواريخ التي أرخت بها النصوص المؤرخة في عهد "ياسر يهنعم" وفي عهد ابنه "شمر يهرعش" تختلف عن التقويم السبئي المألوف الذي يبدأ-على رأيه- بسنة "109 ق. م." وهي لذلك لا يمكن أن تثبت وفق هذا التقويم.
وقد حارب "ياسر يهنعم" الهمدانيين الذين تعانوا مع قبائل "ذي ريدان"، لمهاجمة "مأرب"، غير أنه باغت الهمدانيين في غرب "صنعاء" وتغلب عليهم.
وفي النص الموسوم ب CIH 353 خبر ثورة للحميريين على "ياسر يهنعم" وابنه "شمر يرعش" في "ضهر". وقد حاصر "ياسر" الحميريين. ويرى "فون وزمن" إن هذه الثورة حدثت في حوالي سنة "300 ب. م.". وقد عثر على كتابات في كل منطقة "ضهر"، وهي لا تبعد كثيراً عن "صنعاء". وفي هذه المنطقة خرائب "دورم"، كما عثر على كتابات في "ثقبان" بين "ضهر" و "صنعاء" .
أما الذي حارب "شمر يهرعش بن ياسر يهنعم"، كل من الحميريين، وذلك كما جاء في النص المتقدم، أي النص الموسوم ب CIH 353 ف "يرم ايمن" وأخيه "برج" "بارج". فيكون حكمها أذن في أيام "شمر يهرعش"، أي في القرن الثالث للميلاد. وهذا مما يشير إلى إن العلاقات بين الطرفين أي بين "سبأ" و "حمير"، كانت قد تعرضت لهزة عنيفة خطيرة حتى تحولت إلى حرب، أشير إليها في هذا النص.
ومن النصوص التي تعود إلى الدور الثاني من أدوار حكم "ياسر يهنعم" النص: Jamme 646، وصاحبه شخص اسمه "شرح سمد بن يثار" "شر حسمد بن يثأر" وآخر اسمه "الفنم" "الفن" "الفنان". وكانا من كبار الضباط في حكومة "ياسر يهنعم" وابنه "شمر يهرعش"، ومن درجة "مقتوى" وقد دوّنا نصهما حمداً وشكراً للإلَه "المقه" "بعل أوام"، لأنه مكنهما من الشخص الذي أراد إحراج "ذ حرجهو" مكانتهما وزعزعتها عند سيدهما "شمر يهرعش"، ولكن "المقه" منَّ عليهما وشملهما بفضله ولطفه، فنصرهما عليه وأبطل خطته في إحراج مكانتهما "بحر جنهو"، عند سيدهما. وتعبيراً عن حمدهما وشكرهما له، وتقدما إلى الألَه "المقه" بصنم "صلمن" وضعاه في معبد "اوام", ولكي يمنَّ عليهما ويبعد عنهما أذى الأعداء وحسد الحاسدين.
وورد اسم "ياسر يهنعم" واسم ابنه "شمر يهرعش في نص Jamme 647 وهو نص دوّنه ضابطان كبيران "مقتوى" من ضباط الملكين، لمناسبة ولادة مولود لهما "هو ولدم"، وقد شكرا فيه الإلَه "المقه" "بعل اوام" على هذه النعمة، وتوسلا إليه بأن يمنَّ عليهما بأولاد آخرين، وبأن يرفع من مكانتهما عند سيديهما الملكين، وبأن ينصر جيشهما ويرفع مكانه قصر "سلحن" "سلحين" "سلحان" مقر الملوك مأرب ومن منزلة قصر "ريدان"، وتوسلا إليه بأن يبارك في كل ما قام به الملكان من أعمال، وبأن يبارك في كل مشروع وضعوه في خلال السنين السبع في أي مكان كان في مأرب أو في صنعاء أو في نشق أو نشان "نشن"، وفي كل مكان يجتمعون به في أرض البدع الخمس "بارضت خمس بدعتن"، أو في مواضع السقي "وسقين"، ولكي يحفظهما من كل بأس وأذى، وبأن يبعد عنهما حسد الحاسدين.
وورد اسمها في النص: Jamme 648، وهو مثل النص المتقدم حمد وشرك للإلَه "المقه" "بعل أوام"، لأنه حفظ صاحب النص وعافاه وأعطاه الصحة وبارك في حياته وفي حياة ابنه، ولكي يرفع من مكانته ومكانة ابنه، ويجعل لهما الحظوة عند الملكين، ويرضيهما عنهما. ولكي يبعد عنهما أذى كل مؤذٍ، وحسد كل شانئ حقود.
ول "شمر يهرعش" قصص ومقام لدى الأخباريين. له عندهم ذكر فاق ذكر والده بكثير. هو عندهم " تبع الأكبر الذي ذكره الله سبحانه في القرآن، لأنه لم يقم للعرب قائم قط أحفظ لهم منه ...فكان جميع العرب، بنو قحطان وبنو عدنان، شاكرين لأيامه. وكان أعقل من رأوه من الملوك وأعلاهم همّة وأبعدهم غوراً وأشدهم مكراً لم حارب، فضربت به العرب الأمثال..." إلى غير ذلك مما رتبه "وهب ب منبه" عنه. وكان على زعمهم معاصراً ل "قباذ ابن شهريار" الفارسي. ولما بلغه أن الصغد والكرد وأهل نهاوند ودينور هدموا قبر "ناشر النعم" وفرقوا رخامه وزجاجه وما كان فيه من جزع وغيره، غضب غضباً شديداَ ونذر لله نذراً "ليرفعن ذلك القبر بجماجم الرجال حتى يعود جبلاً منيفاً شامخاً كما كان". ثم سار بجيوشه وبأهل جزيرة العرب، فسار إلى أرمينية، فبلغ ذلك قباذ، فأمر الترك بالمسير إلى أرمينية، فسارت الترك تريد أرمينية فقاتلهم قتالاً شديداً، ثم هزمهم فقتلهم قتلاً ذريعاً، ثم سار نحو المشرق فتغلب على قباذ، واستولى على الفرس، وأعاد بناء قبر أبيه. ثم هدّم المدائن بدِينَوَرَ و "سنجار" بين نهاوند ودينور "فجميع الأرض التي خربها شمر يهرعش، سماها بنو فارس شمركند، أي شمر خرّب باللسان الفارسي، فأعربته العرب بلسانها، فقالوا "سمر قند"، وهو اسمها اليوم"، ثم بسط سلطانه على الهند، وعيّن أحد أبناء ملوك الهند ملكاً على الصين، ثم عاد فسار إلى مصر، ومنها إلى الحبشة، فاستولى عليها، وهرب الأحباش إلى غربي الأرض، إلى البحر المحيط، فتبعهم "مشر" حتى بلغ البحر، ثم رجع قافلاً المشرق، فمرّ بمدينة "شدّاد بن عاد" على البحر، فأقام بها خمسة أحوال. ثم ذهب لزيارة قبر والده، ثم رجع إلى بلاده إلى "قصر غمدان"، فأقام فيه إلى إن توفي، وعمره ألف سنة وستون عاماً، بعد أن ملك الأرض كلها. وزعم بعض أهل الأخبار انه هو الذي بنى الحيرة بالعراق.
وزعم "حمزة" إن والد "شمر" هو "إفريقيس"، وذكره على هذا النحو: "يرعش أبو كرب بن إفريقيس بن أبرهة بن الرايش، وانما سمى برعش لارتعاش كان به". وذكر إن رواة أخبار اليمن تفرط قي وصف آثاره، تم ذكر بعض ما ذكروه عنه، وذكر إن بعض، الرواة يزعمون انه كان في زمان "كشتاسب"، وان بعضاً آخر يزعم انه كان قبله، وان "رستم بن دستان" قتله، وجعل ملكه سبعاً وثلاثين سنه.
وقال الأخباريون إن "شمر يرعش" هو أول ملك أمر بصنعة الدروع المفاضة التي منها سواعدها وأكّفها وهي الأبدان، وقد فرض على فارس ألف درع يؤدونها كل عام، وكان عامله عليهم "بلاس بن قباذ"، وجعل على الروم ألف درع، يؤدونها كل عام، وكان عامله على الروم "ماهان بن هرقل". وجعل على أهل بابل وعمان والبحرين ألف درع، وعاف أهل اليمن ألف درع. وجعلوا أهل "التبت" من بقايا قوم "شمر يرعش". وذكروا عنه قصصاً أخرى من هذا القبيل. ولم ينسوا بالطبع حكمه وشعره، فذكروهما.
أما علمنا عنه، فيختلف عن علم أهل الأخبار عنه. وقد حصلنا على علمنا عنه من كتابات المسند من أيامه. وهي كلها خرس صامتة، ليس فيها شيء من أخبار تلك الفتوحات المزعومة والحروب الواسعة التي أشعلها "شمر" على زعمهم في جميع أنحاء الأرض، وليس فيها كذلك شيء، عن نقل حمير إلى "التبت" وإسكانه لهم في تلك الأرضين البعيدة، وليس فيها شيء ما عن قبر والده بدينور، ولاعن تهديمه لمدينة "سمر قند".
ونستطيع تقسيم كتابات المسند من أيام "شمر يهرعش" إلى قسمين: كتابات من أوائل أيام حكمه، أي الأيام التي حكم فيها بلقب "ملك سبأ وذي ريدان"، ولم يكن قد استولى بعد على حي حضرموت ويمنت، وكتابات من العهد الثاني من أيام حكمه، أي العهد الذي لقب فيه نفسه بلقب "ملك سبأ وذي ريدان ويمنت" حتى وفاته وانتقال الحكم إلى خليفته في الحكم.
ومن كتابات الدور الأول، الكتابة التي وسمها العلماء ب Glaser 542، وقد سقطت اسطر منها. وهي على جانب كبير من الأهمية بالنسبة إلى من يريد الوقوف على تأريخ التشريع عند الجاهلين. ترينا قانوناً سنهّ الملك لشعب سبأ، أهل "مأرب" وما والاها، في تنظيم البيوع بالمواشي والرقيق. فحدد المدة التي يعد فيها البيع تماماً، وهي امد شهر، والمدة التي يجوز فيها رد المبيع إلى البائع، وهي بين عشرة أيام وعشرين يوماً. كما بين حكم الحيوان الهالك في أثناء المدة التي يحق للمشتري فيها رد ما اشتراه إلى البائع، فحددها بسبعة أيام. فإن مضت هذه الأيام، وهلك الحيوان في حوزة المشتري وجب عليه دفع الثمن كاملاً إلى البائع، ولا يحق له الاعتراض، عليه والاحتجاج بأن الحيوان قد هلك في أثناء مدة أجاز له القانون فيها فسخ عقد الشراء.
ويعد النص الموسوم CIH 407 من النصوص المهمة من الأيام الأولى من أيام حكم "شمر يهرعش". وهو يتحدث عن حرب قام بها جيش "شمر" في شمال غربي اليمن، امتدت رقعتها حتى بلغت اليم. شملت أرض "عسير" و"صبية" "صبا". بين وادي "بيش" ووادي "سهام". وهي أرض تهامة. قام بها ضد قبائل "سهرت" "سهرة" و "حكم" عك وغيرها. وصاحبه رجل اسمه "أبو كرب"، وهو في درجة "مقتوي" أي قائد في جيش شمر، وقد أبلى في هذه الحرب بلاءً حسناً، فقتل ثلاثين من الأعداء، وقتل أسيرين، وغنم فيها كثيراً. فقدم من أجل ذلك إلى الإله "المقه ثهون بعل أوم" تمثالين من الذهب، وتمثالاً من الفضة، لأنه مَنّ عليه فأنقده من مرض أصابه في مدينة "مأرب" مدة ثمانية أشهر، ولأنه مَنَّ عليه في الحرب التي اشتعلت في "وادي ضمد"، وامتدت حتى موضع ال "عكوتين" "عكوتنهن" وساحل البحر. وقد انتصرت فيها جيوش "شمر" على جميع من قبائل تهامة عسير. ومن القبائل التي ورد اسمها في هذا النص: "ذسهرتم"، أي "ذو سهرت" "ذ سهرتن" "ذو سهرت" "ذو سهرة" "سهرة" "ساهرة" و "دوأت" و "صحرم" "صحار" "صحر" و "حرت" "حرة" و "عكم".
فيتبين من هذا النص أن الملك "شمر يهرعش" سير حملة عسكرية إلى جملة قبائل من قبائل عسير وتهامة حتى ساحل البحر، فانتصرت الحملة عليها، وتعقبت القبائل في البحر، وجرت معارك في وسطه، ونزلت بالمنهزمين، وهم على أمواج البحر، خسائر فادحة. وقد استدل بعض الباحثين من إشارة "أبي كرب" إلى الخسائر التي منى بها المنهزمون وهم في البحر، إلى أن أولئك المنهزمين كانوا من الحبش الذين كانوا يحكمون ساحل تهامة، وأن المعركة قد وقعت في البحر الأحر.
ويقع موضع "عكوتن" "العكوتان" شمال "وادي ضمد". وأما "صحار" "صحرم"، فيقيمون اليوم حوالي "صعده". وأما "سهرتم" "سهرة"، فقبيلة تقع منازلها في تهامة، وربما كانت منازلها من "وادي بيش" في الشمال إلى "وادي سردد" "وادي سردود" في الجنوب. وقد كانت هذه القبيلة على صلات قوية بالحبش في أيام "الشرح يحضب". وقد أدت فتوحات "شمر يهرعش" في هذه الأرضين التي بلغت سواحل البحر الأحمر إلى دخوله في نزاع مع الحبش الذين كانوا يحتلون مواضع من الساحل، ويؤيدون بعض القبائل لوجود أحلاف عقدوها معها.
و "عكم" "عك" من الأسماء المعروفة التي ترد في كتب أهل الأخبار. أما هنا، فانه اسم قبيلة.
والى هذا العهد أيضاً تعود الكتابة: Jamme 649. وهي من الكتابات التي تتحدث عن حروب وقعت في أيام "شمر يهرعش". وقد دوّنها رجل اسمه "وفيم احر" "وفي أحبر" "وافي احبار"، وهو من "حبب" "حبيب" و "هينن" "هينان" و "ثارن" "ثأران" "ثئرآن"، وهم من "عمد" و "سارين" "سأريان" و "حولم". أقيال "اقول" عشائر "صروح" "صرواح" و "خولان حضلم" "خولان حضل" و "هينان". وكان "وفيم احبر" ضابطاً كبيراً "مقتوى" عند "شمر يهرعش" "ملك سبأ وذو ريدان"، دوّنها لمناسبة تقديمه صنماً "صلم" إلى الإله "المقه" "بعل أوّام" لأنه نجاه وحفظه وأعانه في كل المعارك والمناوشات والغزوات "سبات" "سبأت"، التي خاضها لمعاونة "شوعن" سيده الملك، وذلك في "سهرتن ليت" "سهرتان ليت"، و "خيون" "خيوان" و "ضدحن" "ضدحان"، و "تنعم" و "نبعت" "نبعة"، ولأنه ساعده وقوّاه ومكّنه من قبل خمسة محاربين في خلال هذه المعارك، أطار رؤوسهم بسيفه، ولأنه مكّنه من أخذ أسير، ومن الحصول على غنائم كثيرة، ولأنه أنعم علما قبيلته بغنائم كثيرة حصلت عليها من هذه المعارك، وبأسرى جاءت بهم إلى مواطنها. ولأنه عاد معها سالماَ غانماً معافى.
وأرض "سهرتن ليت"، هي جزء من أرض "سهرتن"، وتقع غرب "دوت" "دوات" "دوأة". ويسقيها "وادي ليت" "وادي ليّة". وأما "خيون" "خيوان"، فموضع يقع على وادي "خبش"، في المنطقة المهمة من "حاشد". وهو مدينة تقع في جنوب شرقي "جيزان"، وعلى مسافة "90" كيلومتراً تقريباً جنوب شرقي صعدة، وحوالي "105" كيلومترات شمال "صنعاء".
وأما موضع "ضدحن" "ضدحان"، فانه وادي "ضدح" "الضدح" الذي يوازي "وادي أملح"، ويقع إلى الجنوب منه. وعلى مسافة "35" كيلومتراً إلى جنوب شرقي "الاخدود". وأما موضع "نبعت" "نبعة"، فانه "نبعه"، وهو تلال تقع بين وادي "حبونت" "حبونة" ووادي "ثار" "ثأر". وقد يكون موضع "نبعة" المكان الذي يسمى اليوم "مجونة" الذي يقع على مسافة "25" كيلومتراً شمال شرقي "بئر سلوى" وعلى مسافة "63" كيلومتراً من شمال غربي "الأخدود". واذا كان هذا الرأي الأخير صحيحاً، صار موضع "تنعم"، فيما بين "صندحان" و "نبعت" "نبعة". وتحدث النص عن معارك أخرى، وقعت بعد المعارك المقدمة، وقد اشترك فيها مدوّن النص. اذ يذكر "وفيم أحبر"، انه قاتل وأعان سيده "شمر يهرعش وذلك في وادي "ضمدم" "ضمد"، وانه ذهب مع سرية لاستطلاع الأخبار عن قبيلة "حرت" "حرة"، وقد قتل خمسة محاربين من محاربي العدو، قطع رؤوسهم، وقد كان ذلك أمام سريته، مما ترك أثراً مهماً فيهم. ثم يذكر انه أصيب في هذه المعارك بخمسة جروح، أصابت وركيه وقدميه وفرسه "ندف". وقد خشي من إن يؤدي الجرح الذي أصاب قدميه إلى قطهما، وخشي على فرسه كذلك من إن تنفق من الجرح الذي أصابها، غير إن الإلَه "المقه" لطف به، فشاه وعافاه، وشفى فرسه وأعاده مع قبيلته التي حاربت معه، إلى موطنه، غانماً محلاً مع عشيرته بالغنائم وبالأموال التي استلبوها من أعدائهم، وبعدد من الأسرى.
وقد قائل "وفيم أحبر"، مرة أخرى في وادي "حرب" "حريب"، على مقربة من "قريتهن" "قريتهان" "القريتان"، ثم جاء إليه أمر سيده الملك "شمر يهرعش"، بأن يتجه على رأس قوة تتألف من "170" محارباً من المشاة من عشيرتيه "صرواح" و "خولان"، ومن ستة فرسان وذلك لمهاجمة عشائر "عكم" "عك" و "سهرت" "سهرة" ولا نزال ضربة قاصمة بها، فاتجه نحوها، والتقى بها عند "عقبت ذر جزجن" "عقبة ذر جزجان"، وألحق بمها خسائر، حاربها من وقت شروق الشمس، وطول النهار وحين اشتدت حرارة الشمس إلى وقت الغروب، وكل الليل حتى طلع "كوكبن ذ صبحن"، كوكب الصبح، فاضطرت إلى الهروب، وعندئذ أدار وجهه نحو فلولها، فقتل منها، وقد ذبح محارباً واحداً أمام المحاربين، وأخذ أسيرين. وكان عدد من قتل من الأعداء عند المعركة "كقبت ذر جزجن" "عقبة ذر جزجان" مائة وعشرة محاربين، وعدد من وقع في الأسر من المحاربين "46" أسيراً محارباً، وعدد من سبي "2400" سبي، وغنم من الإبل "316" بعيراً، عدا عن الماشية الأخرى التي نهبت وأخذت.
والى هذا العهد أيضاً يعود النص: Jamme 650. وصاحبه شخص اسمه "بهل اسعد" "باهل أسعد" من عشيرة "جرت" "جرة" ومن عشيرة "بدش" أقيال "اقول" عشيرة "ذمرى هوتن" "ذمرى هوتان"، التي تكوّن ربع قبيلة "سمهرم" "سمهر". وكان ضابطاً كبيراً بدرجة "مقتوي" عنه الملك "شمر يهرعش" "ملك سبأ وذي ريدان". وقد سجله لمناسبة إهدائه معبد "أوام" " وهو معبد الإلهَ "المقه" "بعل اوام"، صنماً، من العُشْر "ابن عشر يعشرن" الذي يعشر من كل زرع ليكون نصيب الإلهَ "المقه ثهوان". أخذه من حاصل زرع الصيف "قيظن" ومن ثمار الجنينات أو الجني "جنين"، وجعله قربة له، لكي يمنَّ عليه بالنعم، ويبارك فيه وفي أمواله وفي سيده الملك، ولأنه أسعده وحفظه في تهل المناوشات والحروب والغزوات "بكل سبات وحريب سباو" التي خاضها، ولأنه عاون "شوعن" سيده الملك، في المعارك وفي القتال وفي المناوشات التي وقعت بين قوات الملك التي اشترك هو فيها وبين قبيلة "سهرتن" "سهرتان"، والتي انتهت بانتصار "سبأ وذو ريدان"، وعاد الجيش منها محملاً بالغنائم وبالأسلاب وبالماشية التي انتزعت من الأعداء وبالأسرى. وليمنّ عليه في المستقبل فيعطيه ذرية طيبة "هنام" "هنأم" هنيئة من أولاد ذكور، وليرعاه ويحفظه ويقيه في المعارك التي سيخوضها من أجل سيده الملك.
فيظهر من هذا النص إن "بهل أسعد"، كان يتحدث عن المعارك والمناوشات التي وقعت في أرض "سهرتن" "سهرتان" "سهرة"، بين الملك "شمر يهرعش" وبين رجال قبيلة "سهرتن" العاصية التي مهر اسمها مراراً فيما سبق في عداد القبائل الثائرة المحاربة لحكومة سبأ، والتي كانت قد منيت بخسائر كبيرة ومع ذلك فإنها لم تترك عداءها لملوك مأرب.
وفي النص: Jamme 651 أخبار مهمة سجلها لنا رجل اسمه "عبدعم" من "مذرحم" "مذرح"، ومن "ثفين" "ثفيان"، وكان من كبار ضباط "مقتوي" جيش الملك "شمر يهرعش". وقد ذكر انه أهدى معبد "أوام" صنماً "صلمن"، وهو معبد الإله "المقه" لأنه منَّ عليه وشمله بلطفه وفضله، اذ أعانه وأعان من كان معه من رجال عشيرته "شعبهو" ومن أتباعه ومحاربيه الذين كانوا معه ومن انضم إليه من أهل البيوتات ومن سواد الناس "محقر" "حقراء"، من ابناء البيتين المتصاهرين: "همدان" و "بتع" اذ أمره سيده الملك، بأن يذهب بهم، إلى "مأرب" "مريب"، ليحميها ويقيها من الأمطار التي ستتساقط في اليوم التاسع من يوم موسم سقوط المطر المعهود "وذنم ذنم بيوم تسعم عهدتن"، وفي أوائل أيام الشهر، وفي أيام الموسم الثاني من سقوط المطر، وقد آمره الملك بأن يقوم بهذا الواجب، حتى شهر "أبهى".
وقد حمد صاحب النص إلهه "المقه" لأنه وحّد بن البيتين: بيت "همدان" وبيت "بتع"، ولأنه أعانه في القيام بعمله الذي كلف به، فكافح وهو على رأس جيش "خمس" "خميس" سبأ ومن كان معه لبناء سور وحصون "مأرب" وفي إقامة حواجز وموانع وسدود لتحويل بين السيول وبين اكتساحها المدينة، وفي إنشاء مباني وأحواض "مضرفن" في جهة "طمحنين" "طمحنيان"، حتى تمكنّ من إنجاز كل ما كلف به، دون إن يخسر جندياً واحداً من الجنود الشجعان الذين كانوا من جنود "كبر رحلم" كبير "رحلم" "رحال"، فأرضى بذلك سيده الملك وشرح صدره.
وتوسل بعد ذلك إلى الإله "المقه" لكي يقيه من كل "باس" "بأس"، أي من كل أذى وشر، ولكي يرفع من منزلته وينال الرضى والحظوة عند سيده الملك. ويمنحه غلة وافرة وأثماراً كثيرة من أثمار الصيف والخريف في كل مزارعه وتوسل إليه أيضاً بأن يبعج عنه كل نكايات "نكين" الأعداء.
ويشير هذا النص إلى سقوط أمطار غزيرة في ذلك الموسم، هددت مدينة "مأرب"، فأمر الملك الشخص المذكور بأن يقوم على رأس قوة من جيش سبأ ومن كبار "همدان" و "آل بتع"، بتقوية سور مأرب وتحصينه وحمايته من مداهمة السيول له، وبإنشاء سدود وموانع لمنع الأمواج العاتية من اكتساح مأرب والأماكن الأخرى. وذلك بمن جمعهم من الناس من سوادهم ومن ساداتهم، للقيام بهذه الأعمال. ولمنع المسخرين الذين سخروا من الفرار، وقد وضع الملك جيشاً تحت تصرف هذا القائد، في جملته مفرزة من جنود الكبير "كبر رحلم" "كبير رحلم" "رحال".
وسجل شقيقان كانا من "حظرم عمرت" "حظرم عمرة"، ومن ضباط "مقتوي" الملك "شمر يهرعش" حمدهما فشكرهما في كتابتهما التي وسمها الباحثون ب Jamme 652، للإله "المقه" لأنه منَّ على سيدهما باًلعافية وبالبركة وأوفى له ما أراد، ولأنه رفع حظوتهما عنده وزاد في رضاه عنهما. وليرعاهما ويحفظهما في أيام الحروب وفي أيام السلم، ويقيهما أذى الأشرار وحسد الحساد، ولكي يعاونهما ويشد الإله أزرهما في إرضاء سيدهما، ويبارك في قصره، أي قصر الملك: "سلحن" "سلحين" "سلحان".
ويحدثنا النص: Jamme 653 بحمد "سباكهلن"، أي "سبأكهلان" لربهم "المقه" وشكرهم له، لأفضله وإنعامه عليهم، بأن استجاب لدعائهم، فأمطرهم بوابل من رحمته، وأنزل الغيث عليهم وذلك مع برق "برق خرف" الخريف، أي موسم أمطار الخريف، الذي تساقط عليهم سنة "تبعكرب بن ودال" "تبعكرب بن ودايل" من "حزفرم" "آل حزفر" الثالث. وقد استبشروا به وشروا. وسألوا ربهم "المقه" وذلك في اليوم الرابع من ذي "فقهى"، شهر ذي "مليت" الذي هو من أشهر الخريف "ذ منذ خرفن"، بأن ينزل عليهم غيثاً يسقي أوديتهم ويكفي زرعهم، غيثاً يرضيهم ويسرهم ويثلج صدورهم، وبأن يغال أهل "سبأكهلان" رضى سيدهم "شمر يهرعش" ويرفع من حظوتهم "حظى"عنده.
وقد كتب النص المذكور بمدينة "مأرب" " قبل ثلاث سنوات من الكتابة المرقمة CIH 314+954، التي يخلد فيها "الشرح يحضب الثاني" وأخوه "يأزل بين" "يازل بين" "يزل بين" انتصارهما على السبئيين وطردهما "شمر يهرعش" من مأرب.
وذكر جماعة من "عقبم" "عقب" "عاقب" "عقاب"، بأنهم أهدوا معبد "أوام" صنماً "صلمن"، وذلك حمداً للرب "المقه" وشكراً له لأنه رزقهم ولداً ذكراً، ولكي يرزقهم أولاداً ذكوراً، ولكي يبارك فيهم وفي أموالهم ويرضي سيدهم "شمر يهرعش" عنهم ويرفع من منزلتهم وحظوتهم عنده، ولكي يبارك في زرعهم ويعطيهم غلة وافرة وحصاداً جيداً.
ويذكر "شرح ودم" "شرحودم" "شرح ودّ"، و "رشدم" "رشيدم" "راشد" "رشيد"، وهو بدرجة "وزع" "وازع"، أي سيد قبيلة "ماذن" "مأذن"، انهما قدّما صنماً إلى الإلهَ "المقه ثهوان"، لأنه أوحى إلى قلبهما بأنه سيمنحه ولداً "رشدم" ولذا يسميه "ودّاً" وذلك من زوجته "اثتهر" "حلحلك". وانه سيعطيه مولوداً غلاماً "غلمم"، عليه إن يسميه "مرس عم" "مرسعم"، وانه سيرزق عبده "شرح ودم" و لداً ذكوراً، وانه سيمنحهما غلة وافرة وحصاداً جيداً، وانه سيرفع من مكانتهماَ عند سيدهما الملك، وسيبارك في زرعهما وفي زرع قبيلتهما، وذلك في موسمي الصيف والخريف.
وفي النصف الثاني من سني حكمه، تلقب "شمر يهرعش الثالث"، أي "شمر يهرعش" الذي نبحث فيه الآن بلقب "ملك سبأ وذي ريدان وحضرموت ويمنت". وتدل هذه الإضافة الجديدة إلى اللقب، على استيلاء "شمر يهرعش" على حضرموت، أو على جزء كبير منها، أما "يمنت" فيرى "فون وزمن" إن المراد بها الأرضون التي تكوّن القسم الجنوبي من مملكة "حضرموت". ويستدل على رأيه هذا بوجود عاصمتين لحضرموت، هما: "شبوة" و "ميفعة"، مما يدل على انقسام الملكة إلى قسمين: قسم شمالي يدعى حضرموت، وقسم جنوبي يعرف ب "يمنت" "يمنات" اليمن.
ويقع النصف الثاني من حكم "شمر يهرعش" في رأي "فون وزمن"، ما بين "285 ب. م." أو "291 ب. م." أو "310 ب. م." أو "316 ب.م." وبمعنى هذا في رأيه أن "شمر" كان يعاصر "امرأ القيس بن عمرو" المذكور في نص النمارة المتوفي سنة "328 م" والذي حارب وأخضع قبائل عديدة، منها مذحج ومعد وأسد "اسدين" ونزار "نزرو"، ووصل إلى "نجران" عاصمة "شمر"6. وقد يعني ذلك أن حروباً نشبت بين الملكين.
ولم يشر نص "النمارة" إلى بقية اسم "شمر"، لنعرف من كان ذلك الملك الذي كان يحكم ذلك الزمان، والذي كانت مدينة "نجران" مدينته اذ ذاك. ويظهر من هذا النص أن قتالاً نشب بين قوات "امرئ القيس" و "شمر" صاحب نجران، وأن النص كان لامرئ القيس.
وإذا كان ما ذهب إليه "فون وزمن" صحيحاً من معاصرة "امرئ القيس" ل "شمر يهرعش"، فإن هذا يعني أن جزيرة العرب كانت في ذلك الزمن أي في أوائل القرن الرابع للميلاد، ميداناً للتسابق بين رجلين قويين: "شمر يهرعش" وهو من العربية الجنوبية، و "امرئ القيس" وهو من الشمال، وأن العرب كانوا قد انقسموا إلى حزبين: عرب شماليين وعرب جنوبيين، وأن "امرأ القيس" كان قد توغل في جزيرة العرب حتى بلغ "نجران" وأعالي العربية الجنوبية، وأخضع القبائل المذكورة لحكمه. وهي قبائل يرجع النسابون نسب أكثرها إلى "عدنان"، وفي جملتها "الاسدين" أي "أسد" و "نزار" "نزرو". هذا، وأن وصول "امرئ القيس" إلى نجران، وإخضاعه للأعراب وقبائل عدنانية يقيم بعضها على سدود العربية الجنوبية الشمالية، جعله أمام "شمر يهرعش"، ووضع مثل هذا لا بد من أن يثير نزاعاً وخصومةً بين الرجلين.
ولا يستبعد اصطدام "امرئ القيس" ب "شمر يهرعش"، أو بأي ملك آخر ملك "نجران" " ما دام ذلك الملك قد حكم قبائل "معي" النازلة في الحجاز وفي نجد والتي تتصل منازلها بحدود نجران. وقد خضغت "معد" لحكم ملوك الحيرة، كالذي يظهر من نص كتاب "شمعون" الذي هو من "بيت أرشام" Simeon of Beth Arsham، حيث ذكر "طيايا حنبا "حنفا" ومعدايا" في معسكر "المنذر" الثالث ملك الحيرة. و "طيايا" هم الأعراب الشماليون و "معدايا" هم "معد". وكما يفهم أيضاً من نص "مريغان".
ويرى بعض الباحثين إن "مرالقس بن عمرم ملك خصصتن" الذي ورد اسمه في النص: Ryckmans 535 الذي سبق إن تحدثت عنه في إثناء كلامي على "الشرح يحضب"، وأخيه "يازل بين"، هو "امرؤ القبس" البدء، ملك الحيرة. ويرى أيضاً إن "شمر ذي ريدان" المذكور في النص أيضاً، هو "شمر يهرعش". وبناء على ذلك يكون "مالك" ملك "كدت" كندة من المعاصرين لامرئ القيس ولشمر يهرعش أيضاً.
أننا لا نملك أي نص يشير إشارة صريحة إلى حدوث قتال بين "شمر يهرعش" و "امرئ القيس". غير إن لدينا نصاً هو النص المعروف ب Jamme 658، يرى بعض الباحثين إن فيه تلميحاً إلى إن الحرب المذكورة فيه، هي حرب نشبت بين قوات الرجلين، وان القائد المذكور فيه، أعني القائد "نشدال" "نشي ايل"، هو قائد عربي شمالي "ويحتمل على رأيهم إن يكون قائداً من قواد جيش "امرئ القيس". ويظهر من النص إن قوات "شمر يهرعش" كانت قد تجمعت في مدينة "صعدتم". أي مدينة "صعدة" في "خولان" العالية، أي الشمالية "خولان اجددن"، ثم تقدمت منها نحو الشمال الغربي إلى حدود "خولان" القديمة في "وادي دفاء"، حيت حاربت القبائل المجاورة قبائل "شنحن" "شنحان" الساكنة في الغرب، ثم نزلت من مساكنها إلى ارض "سهرتن" "سهرتان" ثم اجتازت هذه الأرض إلى وادي "بيش"، وهي الحدود القديمة للعربية الجنوبية " ثم تقدمت منها نحو الشمال إلى "وادي عتود" الذي يقع في الأرض المسماة ب Kinaidokoltitai عند الكلاسيكيين. وفي هذه الأرض اصطدمت قوات "شمر" بقوات "نشد ايل" القائد المذكور.
ويظهر من نص عثر عليه منذ عهد غير بعيد أن قائداً من قواد "شمر" كان قد قاد أعراباً غزا بهم ملك "أسد"، وأرض "تنخ" "تنوخ" التي تخص "الفرس" "فرس"، أي "فارساً". وذلك.ِ أن أرض "تنخ" "تنوخ"، كانت تحت حكم مملكتين، يقال لإحداهما "قطو"، وللأخرى "كَوك" أو "كوكب"، وقد أنزل أعراب "شمر" بهما خسائر فادحة. ثم عاد ذلك القائد بعد نجاحه في غزوه هذا صحيحاً معافي إلى نجران، حيث قدم إلى الآلهة، شكره، وسجل ذلك في النص المذكور.
وقصد القائد بأرض "تنخ" أرض الأحساء في الزمن الحاضر، وكانت منزل قبائل "تنوخ" في ذلك الزمن. وقصد ب "قطو" "قظوف" "القطيف"، Qtw'f وفي إشارة القائد إلى مهاجمة تلك الأرضين، أي أرض تنوخ، التي كانت تحت سيادة "فرس"، أي الفرس الساسانيين، تأييد لروايات الأخباريين التي تذكر أن "شمر يهرعش" "شمر يرعش" غزا أرض الفرش.
هذا ولا بد من أن يكون "شمر" قد كان على اتفاق تام مع أعراب نجد، ولا سيما سادة "كدتم" "كدت"، أي كندة في ذلك الزمن، إذ كان من العسير عليه غزو الأحساء وساحل الخليج، لو لم يكن على صلات بهم حسنة. وقد كان هؤلاء الأعراب ينزلون فيما يسمى الأفلاج والخروج في الزمن الحاضر. وتعد الأفلاج من مواطن "كدت" كندة منذ زمن "شعرم أوتر" "شعر أوتر" في حوالي السنة "180 م"، وقد عبر عنهم ب "ذال ثور" أي "ذي آل ثور" في النص Jamme 635 و كذلك في زمن "الشرح يحضب لثاني" في أثناء حكمه مع "يأزل"، أي في حوالي السنة "210 ب. م.". وربما قبل ذلك أيضًاً حيث نجد في تاريخ "بلينيوس" ما يشي إليهم، إذ ورد في تأريخه: Dae Aiathuri of Aunuscabales، ويكمن تفسيرها ب "ذي آل ثور في عين الجبل". و "آل ثور" هم كندة، وقد عرفوا بهذا النسب عند أهل الأخبار.
والنص المذكور، هو نص وسمه العلماء ب "شرف الدين 42". وقد ورد فيه أن الملك "شمر يهرعش" أمر قواته بغزو أرض "ملك" "مالك" ملك "أسد" "ملك اسد". فتقدمت نحوها، واتجهت منها نحو أرض "قطوف"، أي القطيف، حتى بلغت موضع "كوكبن" "كوكبان" "كوكب" ثم "ملك فارس وأرض تنخ" "ملك الفرس" أي "الأرض التابعة للفرس" وأرضى تنوخ. وقد دوّن النص قائدان من قواد "شمر يهرعش"، كانا من "ريمن ذ حزفرم"، أي من "ريمان ذوي حزفر"، ومن "عنن" "عنان". وذلك بعد عودتهما سالمن غانمين من ذلك الغزو.
وقد كانت "مذحج" تنزل في الأفلاج او حولها وفي المنطقة المسماة ب "جبل طويق" في الزمن الحاضر. والظاهر إن غزو "امرئ القيس" لنجد قد اضطر اكثر قبائل "مذحج" إلى الهمجرة نحو الجنوب. وكانت حسنة الصلات ب "كدت" اي كندة، التي اضطرت أيضاً إلى الهجرة إلى الجنوب. ولهذا انضمتا إلى جيوش "شمر يهرعش"، والى جيوش من جاء بعده من الملوك. وقد أشر إليهما في الكتابات ب "كدت ومذحجم". وقد أدت هجرة كندة ومذحج وبقية أعراب نجد إلى الجنوب نتيجة لغزو العرب الشماليين لهم إلى استيطان قسم كبير منهم في العربية الجنوبية، ودخولهم في جيوش ملوك حمير، وذلك لتهديد أعدائهم بهم، اذ كانوا أعراباً أشداء، يحبون الغزو والقتال، حتى صاروا قوة رادعة مخيفة، ولهذا السبب أدخل اسمهم في لقب الملوك كما سترى فيما بعد.
ومن جملة القواد الذين تولوا قيادة الأعراب، أو الكتائب الخاصة التي ألفها التبابعة مهنهم، قائد اسمه "وهب اوم" "وهب أوام"، وكان من قادة "شمر يهرعش"، وقائد اسمه "سعد تالب يتلف" "سعد تألب يتلف"، وكان في أيام "ياسر يهنعم الثالث" وابنه "ذرأ أمر" وذلك على رأي "فون وزمن".
أننا لا نعرف حتى الآن كيف استولى "شمر يهرعش" على حضرموت، وكيف ضمها إلى سبأ، اذ لم نتمكن من الظفر بكتابة فيها حديث عن كيفية قضاء "شمر" على استقلال تلك المملكة. وعلمنا بضم حضرموت إلى سبأ، مقتبس من اللقب الجديد الذي لقب "شمر" به نفسه على نحو ما ذكرت.
وقد رأى بعض الباحثين إن سقوط "شبوة" وتدميرهما في قبضة قوات "شمر" كان في القرن الرابع للميلاد وقبل استيلاء الحبش على العربية الجنوبية بزمن قصر.
ذهب "ريكمنس" إلى إن الحبش احتلوا العربية الجنوبية حوالي السنة "335" بعد الميلاد، ودام احتلالهم هذا لها إلى حوالي السنة "370 م"، ولم يذكر من حكم بعد "شمر يهرعش"، غير انه وضع "ملكيكرب يهأمن" في نهاية احتلال الحبش لليمن، أي بعد سنة "370 م"، ووضع لفظة "حسن" في قوس قبل "ملكيكرب يهأمن" ثم ذكر بعد "أب كرب أسعد" "ذرأ أمر أيمن".
وفي النص Jamme 656 خبر حرب وقعت بين "شمر يهرعش" وحضرموت. وقد لقب "شمر يهرعش" فيه بلقبه الجديد: "ملك سبأ وذي ريدان وحضرموت ويمنت" وذكر أن حضرموت كانت اذ ذاك تحت حكم ملكين اسم أحدهما: "شرح ال" "شرح ايل" "شرحئيل"، واسم الآخر "رب شمس" "ربشمس" "رب شمسم". وزعم أن الملكين المذكورين هما اللذان أعلنا "هشتا" الحرب على الملك "شمر يهرعش"، غير أن النص لم يتحدث، كعادة النصوص إلى الأسباب التي حملت الملكين على إعلان تلك الحرب. وقد ذكر أن عاقبتها كانت سيئة بالنسبة لحضرموت، إذ خسرت فيها، وان الحرب كانت قد وقعت في "سررن" "سرران"، وأن أصحاب النص وكانوا من "سبا كهلن" "لسبأكهلان"،عادوا مع عشيرتهم من تلك الحرب سالمين غانمين. وقد قدموا عُشر حاصل غلتهم من زرع أرضهم ب "رحبتن" "رحابتان" "رحبتان"، للإلَه "المقه" ليبارك فيهم ويديم نعمه عليهم ويزيد مكانتهم عند سيدهم "شمر يهرعش، ملك سبأ وذي ريدان وحضرموت ويمنت" ولكي يعطيهم غلة وافرة وحصاداً طيباً هنيئاً.
وقد شهد أصحاًب هذا النص المعركة أو المعارك التي جرت في وادي "سررن" السر، وهو وادٍ يقع على مسافة سبعة كيلومترات من مدينة شبام، ويعرف ب "وادي سر" "وادي السر". ولم يتحدثوا عن معارك أخرى. مما يدل على أنهم لم يشتركوا في غير هذه المعركة، وأنهم عادوا بعدها قبيلتهم التي ساهما في القتال إلى مواطنهم.
وفي النص: Jamme 662 خبر مهم له علاقة وصلة بالنص السابق وبالعلاقات فيما بين سبأ وحضرموت في هذا العهد. خبر يفيد أن "شبوت" "شبوة" كانت في أيدي السبئيين في هذا العهد، وأن الملك "شمر يهرعش" "ملك سبأ وذي ريدان وحضرموت ويمنت"، كان قد عين "يعمر اشوع" "يعمر أشوع"، وهو سيد "وزع" من سادات "سبأ"، على مدينة "شوة"، عينه عليها لحمايتها وللمحافظة على الأمن فيها، وقد ذهب إليها ومعه قوم من "سبأ". وقد سر "يعمر أشوع" بالطبع بهذا التعيين وشكر ربه "المقه" على هذا التوفيق العظيم الذي حصل عليه بفضله.
فيظهر من هذا النص إن "شبوة" وهي عاصمة حضرموت، كانت في أيدي "شمر يهرعش"، قبل اختيار "يعمر أشوع" ليكون حاكماً عليها، ومعنى هذا إن جزءاً من حضرموت كانت قد أصبح في جملة أملاك سبأ، وهذا ما حمل "شمر يهرعش" على إلحاق جملة "وحضرموت ويمنت" إلى لقبه السابق، وهو "ملك سبأ وذو ريدان". غير إن السبئيين لم يكونوا قد استولوا على كل مملكة حضرموت، بدليل ما ورد في النص السابق من وجود ملكين كانا يحكمان حضرموت وهما: "شرح ايل" و "ربشمس" "رب شمس". ويظهر إن "شرح ايل" هذأ هو الملك "شرح ايل" "شرحئيل" المذكور في النص CIH 948. أما الملك "ربشمس"، هذا فهو ملك آخر لا صلة له ب "ربشمس" الذي هو ابن الملك "يدع ايل بين" ملك حضرموت ووالد ملك آخر اسمه "يدع ايل بين" كذلك.
ويتبين من النص: CIH 948-وهو نص فيه أمور غامضة غير مفهومة، وعبارات غير واضحة، أمر الملك "شمر يهرعش" نفسه بتدوينه-إن الملك المذكور حارب الملك "شرح ال" "شرحئيل" "شراحيل" "شرح ايل" ملك حضرموت، وانه انتصر عليه انتصاراً كاسحاً. ويظهر إن الملك "شمر يهرعش" اضطر إلى قيادة حكمة جديدة على حضرموت، لأن الحظارمة انتهزوا فرصة عودة الملك "شمر يهرعش" إلى سبأ، وعودة معظم جيشه معه، سوى الحاميات التي. تركها في بعض المدن والمواضع مثل "شبوة" التي مرّ ذكرها، فثاروا على السبئيين، ثاروا بقيادة الملك "شرح ايل الذي مرّ ذكره، مما حمل الملك "شمر يهرعش" على الإسراع بالاتجاه نحو حضرموت للقضاء على الثورة. ويظهر من هذا النص ومن النصوص الأخرى إن الحظارمة وإن اندحروا وأصيبوا بهزائم في هذه المعارك الا انهم لم يتركوا النضال في سبيل الاستقلال وفي سبيل التخلص من حكم سبأ، وان ما تذكره النصوص السبئية من أخبار الهزائم الفادحة والانتصارات الباهرة هي من قبيل المبالغات في غالب الأحيان.
ويلاحظ أن النص المذكور، قد أغفل اسم الملك الثاني "ربشمس" "رب شمس" الذي كان يشارك "شرح ايل" في حكم حضرموت. ولا ندري بالطبع سر إغفال اسمه. كما يلاحظ أيضاً أنه سمي الملك ب "شمر يهرعش"، بدلا من "شمر يهرعش" كما يرد في كل النصوص الباقية. ويلاحظ أن الأخباريين لا يسمون هذا الملك الا ب "شمر يرعش".
وبعد أن عاد الملك "شمر يهرعش" من حملته على وادي حضرموت، عاد فقاد حملة أخرى على أرض "ارض خولان الددن" "أرض خولن الددن"، "خولان الدودان". وقد كلف الملك أحد قواده بأن يعسكر في مدينة "صعدة" "بهجرن صعدتم"، ويضع بها حامية. ثم يقوم بقطع الطريق على بعض فلول "خولان الدودان"، وقد نفذ القائد ما طلب منه، فتعقب تلك الفلول. ولما أنهى الملك الحرب التي قام بها في أرض "خولان الدودان" حارب جيشه فلول "سنحن" "سنحان" في وادي "دفا". وقد منّ الإلَه "المقه" عليه، فأعطاه غنائم وأسرى وسبايا واموالاً طائلة، أرضته وشرحت صدره.
وعاد الملك "شمر يهرعش" فأصدر أمره بوجوب الزحف على "سهرتن" "سهرتان" و "حرتن" "حرتان"، أي أرض قبيلة "حرت" "حرة". وهي أرض ورد اسمها قبلاً، حيث بلغ للملك إن زحف عليها، وذلك قبل استيلائه على حضرموت. ولما انتهت القوات من مقاتلة "سهرتن" و "حرتن"، اتجهت نحو الشمال لمحاربة فلول "نشدال" "نشد ايل" في وادي "عتود"،الذي يصب في البحر الأحمر، والذي يقع على مسافة "85" كيلومتراً إلى الشمال الغربي من "جيزان". وتقع مدينة "جيزان" حوالي ثمانية كيلومترات إلى الشمال الشرقي من مصبه في البحر.
ويتحدث نص Jamme 660، عن غارة قام بها رحل اسمه "حرثن بن كعبم" "الحارث بن كعب"، ورجل آخر اسمه "سددم بن عمرم" "سداد بن عمرو "سدد بن عمر"، وكانا "جرينهن"، وقد تعني اللفظة منزلة من المنازل الاجتماعية، ومعها محاربان من محاربيهم هما: "نخعن" "النخع" "نخعان" و "جرم"، على "ذخزفن" بمدينة مأرب "هجرن مرب"، فحققوا ما أرادوا ثم خرجوا من "مأرب" ومعهم "يعمر" سيد "وزع" سبأ. فأمر الملك "شمر يهرعش" أحد رجاله واسمه "وهب اوم" "وهب اوام"، بأن يقتفي آثار الجناة ويقبض عليهم. فخرج إليهم وتعقبهم وقبض عليهم، وجاء بهم إلى الملك حيث عرضهم عليه في قصره "سلحن" "سلحين" "سلحان" بمدينة مأرب.
وكان "وهب اوم"، الذي تعقب الجناة وقبض عليهم، من كبار الموظفين قي حكومة "شمر يهرعش"، وكان بدرجة "كبر" أي "كبير" وهي درجة رفيعة في الحكومة تعني إن صاحبها موظف من أكبر الموظفين في الدولة، وان الملك عينّه ممثلا عنه لإدارة المقاطعات. وقد وضعت تحت تصرف هذا الكبير إدارة ثماني مقاطعات وقبائل هي: "حضرموت" و "كدت" "كندة" و "مذحجم" "مذحج" و "بهلم" "باهل" و "حدان" "حدأن" و "رضوم" "رضو" و "اظلم" "أظلم" و "امرم" "أمرم". والأسماء الأولى هي أسماء قبائل معروفة. معروفة عند أهل الأخبار كذلك. ولا يزال بعضها معروفاً حتى اليوم.
وشخص تناط به إدارة هذه القبائل والأرضين، لا بد وان يكون من الموظفين الأكفاء في عهد "شمر يهرعش". ويظهر من تسلسل أسماء المواضع والقبائل إنها كانت متجاورة يتاخم بعضها بعضاً. اذ لا يعقل إدارة شخص في ذلك الوقت مقاطعات مترقة وقبائل متباعدة من الوجهة الإدارية.
ويشير هذا النص إلى نوع من التنظيم الإداري الذي كان في حكومة سبأ في أيام هذا الملك.
ويعد النص: Jamme 657 من النصوص التي تعود إلى هذا العهد أيضاً. وهو نص دوّنه شخص من "مرحبم" أي "مرحب"، لمناسبة تقديمه ثلاثة أصنام إلى ربه "المقه ثهوان"، لأنه أجاب طلبة ومنَّ عليه بتحقيقه كل ما سأله من رجاء وتوسلات. ولكي يحقق كل ما سيطلبه من مطالب من إعطائه أثماراً كثيرةً من كل مزارعه، ومن حمايته وحفظه من كل سوء، ومن رجائه في أن يحظى بمكانة محمودة عند ملكه.
والنص: Jamme 661، هو كذلك من النصوص التي تعود إلى هذا العهد. وقد كتبه جماعة لمناسبة شفائهم من مرض خطير كاد أن يقضي عليهم، أصيبوا "مرضو" به في مدينة "ثت" "ثات"، فلما شفوا منه، حمدوا ربهم "المقه ثهوان" "بعل أوام"، لأنه من عليهم إذ شفاهم وحفظهم، وتوسلوا إليه أيضا، بأن يعطيهم القوة واسعة، وبأن يمنحهم غلة وافرة ويبارك في زرعهم، ويبعد عنها أعداءهم وشانئهم بحق "المقه ثهوان".
وقد استنتج "جامه" من النص: CIH 353، أنه قد كان للملك "شهر يهرعش" شقيق اسمه "ملكم" "ملك" "مالك"، وقد سقط لقبه من هذا النص، وقد استنتج منه أيضاً أنه كان قد حكم مع أخيه "شمر" وشاركه في في الحكم. ولم يرد اسم "ملكم" هذا في نص آخر، لذلك لم يدخل أكثر الباحثين في العربيات الجنوبية اسمه في عداد ملوك سبأ وذي ريدان.
وقد وضع "فلبي" اسم "يرم يهرحب" بعد "شمر يهرعش" وقال: إن من المحتمل أن يكون أحد أبناء "شمر"، وقد جعل حكمه في حوالي السنة "310 ب. م.".
أما "فون وزمن"، فجعل من بعده ولداً له سماه "ياسر يهنعم"، ولقبه بالثالث، ليميزه عن "ياسر يهنعم" والد "شمر يهرعش"، وعن "ياسر يهنعم" الأول الذي عاش قبله.
وأما "ريكمنس"، فذهب إلى إن "ياسر يهنعم" هذا لم يكن ابناً لي "شمر يهرعش"، بل كان أباه، وقد حكم مع ابنه في بادئ الأمر حكماً مشتركاً، ثم انفرد ابنه بالحكم وأخذة لنفسه إلى إن مات، فعاد الحكم إلى أبيه "ياسر يهنعم" فأشرك "ياسر" هذا ابنه "ثارن ايفع" "ثأران أيفع" في الحكم، ثم أشرك ابنه الآخر "ذرأ أمر أيمن" معه في الحكم أيضاً. ويعارض "فون وزمن" هذا الرأي، اذ يراه تفسيراً غريباً لا مثيل له في الحكم، ويقتضي أن يكون عمر "ياسر" أذن عمراً طويلاً جداَ.
وقد جعل "فون وزمن" حكم "ياسر يهنعم" الثالث وابنه "ثارن أيفع" فيما بين السنة "310" و "325" للميلاد. تم ذكر اسم "ثارن يركب" "ثأران يركب" من بعدهما. وقد جعل زمانه فيما بين السنة "320" و "330" للميلاد. ثم وضع "فون وزمن" أيام حكم "ياسر يهنعم الثالث" وابنه "ذرأ أمر أيمن" في النصف الأول من القرن الرابع للميلاد، في حوالي السنة "330" بعد الميلاد و "336" بعد الميلاد. واذا كان هذا الافتراض صحيحاً أو قريباً من الصحيح، فانه يكون قد عاصر أو أدرك أيام "قسطنطين الكبير" "313 - 337 ب.م".
ويظهر من ذلك إن "فون وزمن" عاد فأعاد الحكم إلى "ياسر يهنعم" الثالث الا انه قرن حكمه هذا مع حكم ابن آخر له هو "ذرأ أمر أيمن".
وأما "جامه"، فقد ذهب مذهب "ريكمنس" في أن "ياسر يهنعم" الذي وضع هو أيضاً اسمه بعد اسم "شمر يهرعش" هو والد "شمر يهرعش" وقد حكم بعد ابنه "شمر" بسبب حادث لا نعرف سببه، حكم مع ابن له حكماً مشتركاً، تم حكم مع ابن آخر له، حكم مع "ذرأ أمر أيمن" من حوالي السنة "305" وحتى السنة "320" للميلاد تقريباً، ثم حكم مع ابنه الآخر "ثارإن يفع" "ثأران أيفع" من حوالي السنة "320" وحتى السنة "325" للميلاد تقريباً.
ويرى "جامه" أن تولي الأب الحكم بعد الابن ليس بحادث مستغرب، فهنالك أمثلة لعودة الآباء إلى الحكم بعد حدوث شيء لأبنائهم، وعودة "ياسر يهنعم" إلى احكم بعد "شمر" هو مثل من تلك الأمثلة. ثم إن اسم "ياسر يهنعم" هو نفس السم والد "شمر"، لذلك يرى "جامه" أنه هو والد "شمر" نفسه وأنه حكم مع أولاده مراراً.
وعندي أن في رأي "جامه" هذا، تكلف وتصنع، واتفاق اسمن لا يدل حتماً على إن الاسمين لمسمى واحد، وإن كان الزمن متقارباً. ثم من يثبت لنا أن "ياسر يهنعم" الذي يرد اسمه في النص: Jamme 664 و Jamme 665 هو "ياسر يهنعم" الأول والد "شمر يهرعش". لا سيما وان لقب "ياسر يهنعم" في النصين يختلف عن لقب "ياسر" والد شمر. وفي افتراض أخذ "ياسر" لقبه الجديد من اللقب الذي أحدثه ابنه في أيامه، تكلف بيّن واضح لا يؤيده أيضاً دليل، ثم إن تصور اشتراكه في الحكم مع أربعة أولاد، هو تصر غريب أيضاً. ولذلك أرى أن "ياسر يهنعم" هذا هو شخص آخر، وليس بوالد "شمر". وأما أنه ابن "شمر يهرعش"، فلا اعتقد انه رأي صحيح. أيضاً. فلو كان ابن "شمر" لذكر اسم والده في النصين، كما هي العادة في النصوص. وقد كان من فخر الملوك ذكر أسماء آبائهم في النصوص، إلا اذا لم يكونوا ملوكاً، فإنهم كانوا يغفلون أسماءهم، أو يذكرونها دون لقب. وقد كان "شمر يهرعش" ملك، وصاحب لقب جديد، فقد كان من فخر "ياسر يهنعم" ذكر اسم والده بع لقبه لو كان ابن شمر حقاً.
وقد ورد اسم "ذرأ أمر أيمن" مع اسهم والده "ياسر يهنعم" في النص: Jamme 665، وهو نص مهم جداً، فيه أخبار حروب وأنباء عن الأعراب، أي أهل الوبر في العربية الجنوبية، وعن الأدوار التي كانوا يقومون بها من النواحي السياسية والحربية والاجتماعية. كما إن فيه أخبارا عن التنظيمات الإدارية اذ ذاك. وصاحب النص موظف كبير من موظفي الدولة اسمه: "سعد تالب يتلف بن جدنم"، أو من "آل جدنم"، أي "جدن". وكان بدرجة "كبر"، أي "كبير" على أعراب ملك سبأ "كبر اعرب ملك سبأ" وعلى "كدة" أي كندة وعلى "مذحجم"، أي "مذحج"، وعلى "حرمم" "حرم" "حرام"، وعلى "بهل"، أي "باهلم" "باهلة" وعلى "زيد ال" "زيد ايل"، وعلى كل أعراب سبأ "وكل اعرب سبا"، وأعراب حمير وأعراب حضرموت وأعراب "ينت"، أي اليمن. وقد دوّنه لمناسبة تخليده ذكرى حروب قام بها في أرض حضرموت وفي مواضع أخرى، كلفه القيام بها سيده الملك "ياسر يهنعم" وابنه "ذرأ أمر اًيمن".
وقد أمر ذلك الكبير بالذهاب إلى حضرموت، فذهب إليها ومعه محاربون من أعراب ملك سبأ ومن كندة "كدة"، وانضم إليه سادات "ابعل" "نشقم" "نشق" و "نشن" "نشان". ولما وصل مدينة "عبرن" "عبران" اصطدم بمحاربيها، وجرت معارك بين الطرفين. وتقع "عبرن" غرب "وادي العبر" ويقال لها "حصن العبر"، وهي مدينة ذات آبار. وقد اشترك في المعركة محاربون ركباناً "ركبم" وفرساناً "افرسم" ومشاة. ويقصد ب "ركبم" المحاربون الذين كانوا يركبون الجمال ويقاتلون عليها، وب "افرسم" المحاربون الفرسان، أي الذين يحاربون وهم على ظهور الجياد. وقد ذكر إن عدد المحاربين الراكبين كان "750" محارباً راكباً، وان عدد الفرسان كان سبعين فارساً. وقد اصطدمت إحدى المفارز التي كانت مقدمة للجيش "مقدمتن"، بمفرزة أرسلها ملك حضرموت لمباغتة محاربي "نشق" و "نشان" و "مأرب"، وأخذهم على غرة لإيقاعهم في الأمر.
فوقعت معركة عند موضع "ارك". وقد تمكن قائد الحملة "سعد تألب يتلف" من التغلب على الحضارمة ومن تخليص مقدمته وإنقاذ من كان قد وقع أسراً في أيدي المستوطنين الحضر من أهل المدر الساكنين في مستوطنات "احضرن"، ثم اتجه بجيشه نحو "دهر" و "رخيت"، فجرت معركة تغلب فيها على أهل الموضعين وحصل منهم على غنائم وأسرى، وأموال، واقتاد جمالاً وثيراناً وبقراً وغنماً كثيراً، أخذها معه، ثم اتجه نحو الأرضين المخفضة "سفل" حتى بلغ "عيون خرصم" "أعين خرصم" "أعين خرص"، حيث تحارب مع من كان هناك من العصاة والمنشقين والأعداء.
ودخل السبئيون بعد هذه المعركة معركة أخرى دخلوها مع قطعات "مصر" حضرموت. المتقدمة "قدمهو". وكانت تتألف من "3500" جندي راكب "اسدم ركبم" ومن "125" فارساً "افرسم"، وكان يقودها قائدان: "اسود يهمو": أحدهما: "ربعت بن ولم" "ربيعت بن والم" "ربيعة بن وائل"، وهو من آل "هلم" ومن ا ل "الين" "ألين"، وثانيهما: "افصى بن جمن" "أفصى بن جمان"، ثم قائد الركبان "نحل ركبن" وأقيال "أقول" وكبراء "اكبرت" حضرموت وأسباطهم. وقد أصيبت قوات حضرموت بخسائر، قتل منهم "850" محارباً بحد السيف، وأسر "اقصى"، وكان قائداً بدرجة "نحل" وأسر "جشم"، وهو "نحل افرسم"، أي قائد الفرسان، وأسر معهما "470" محارباً، وعدد من أقيال وكبراء حضرموت. وأسر "45" فارساً من فرسان حضرموت، وغنم ثلاثين فرساً وأخذ 1200 جمل ركوب مع رحالها "برحلهن". وهكذا انتهت هذه المعركة بانتصار السبئيين على حضرموت.
وأمر الملك قائده بأن يقاتل "بساعم" "بسأعم"، وأن يذهب لمساعدة قبيلة "جدنم" "جدن". فذهب ومعه "35" فارساً وقطعات من جيشه على "بسأعم"، والتحم به، وتمكن من إنقاذ كل الروايا "كل روتهمو" المحملة على الدواب، وكل الأمتعة المحملة على حيوانات الركوب، كما استولوا على ابل من ابل "بسأعم". وعاد القائد مع جنده بعد ذلك سالماً غانماً بفضل الإله "المقه" ونعمه عليه.
ويظهر إن عهد "ياسر يهنعم الثالث" وعهد ابنه "ذرأ أمر أيمن" كانا من العهود السيئة لحكومة "سبأ وذي ريدان وحضرموت ويمنت"، ففيهما انفصلت "حضرموت" عن تلك الحكومة، واستقلت ارض "سهرت" "سهرتن" "سهرة" "السهرة" واستعاد الحبش سلطانهم في السواحل الغربية للعربية الجنوبية. وانتهز "الأقيال" وسادات القبائل هذه الفرصة، فكوّنوا حكومات إقطاعية، يحارب بعضها بعضاً، وعمّت الفوضى تلك البلاد.
وأما النص: Jamme 664 الذي دوّن فيه اسم "ياسر يهنعم" و "ثارن ايفع" "ثأران ايفع" "ملك سبأ وذي ريدان وحضرموت ويمنت"، أي "ملوك سبأ وذي ريدان وحضرموت ويمنت"، ويقصد ب "ملوك" "ملكا"، أي ملكين أثين، فصاحبه رجل اسمه "ال امر ينهب" "ايل أمر ينهب"، وهو من "سحر" "سحار"، وكان قد أهدى معبد "المقه ثهوان" "بعل أوام" صنماً، لأنه أوحى إليه بأنه سيهبه ولداً ذكراً. وقد وهبه ولداً سماه "برلم" "برل" "بارل". ولأنه أوحى إليه بأنه سيهبه أولاداً ذكوراً في المستقبل وانه سيرفع من منزلته ومكانته عند سيديه: "ياسر يهنعم وثارن ايفع املك سبأ وذي ريدان وحضرموت ويمنت"، أي "ياسر يهنعم وثارن أيفع ملكا سبأ وذي ريدان وحضرموت ويمنت"، ولأنه أوحى إليه بأنه سيعطيه غلة وافرة وأثماراً كثيرة من أرضه الزراعية "ارضهمو" بمأرب وبنشق وبنشان.
ويلاحظ إن هذا النص لم يشر إلى إن "ثأران أيفع" كان ابناً ل "ياسر يهنعم"، اذ لم يورد لفظة "وبنهو" التي تعني "وابنه" بل ذكر "الواو" وحده، أي حرف العطف. ومعنى هذا إن "ثاران أيفع" لم يكن من أبناء "ياسر يهنعم"، بل كان غريباً عنه. ثم يلاحظ إن النص ذكر لفظة "املك" أي "ملوك" بعد اسم "ثأران أيفع"، والواجب إن يكتب "ملكي"، أي "ملكا"، في حالة التثنية لا الجمع، فلعل ذلك من خطأ الكاتب أو الناسخ للنص.
وقد وضع "جامه" اسم "كرب ال وتر يهنعم" "كرب ايل وتر يهنعم" "كربئيل وتر يهنعم" بعد اسم "ثأران أيفع"، وجعل حكمه من سنة "325" حتى السنة "335" "ميلادا. ثم نصب "ثأران يركب" ملكاً من بعده، وقد جعل حكمه من سنة "330" حتى السنة "335" للميلاد. ثم ذكر اسم "ذمر على يهبر" من بعده، وأعطاه لقب "الثاني" ليميزه بذلك عن "ذمر على يهبر" الذي حكم قبله بأمد. وذكر أنه حكم من سنة "335" حتى السنة "340" للميلاد، ثم وضع اسم "ثأران يهنعم" من بعده ثم اسم "ملكيكرب يهأمن" "ملكي كرب يهأمن" ثم اسمي ملكين هما: "ابكرب اسعد" و "ذرأ أمر أيمن".
وأما "فون وزمن"، فوضع اسم "ذمر على يهبر" "ذمر على يهبأر" بعد اسم "ثارن يركب"، ثم عاد فذكر اسم "ذمر على يهبر" مع ابنه "ثارن يهنعم"، بمعنى أنهما حكما معاً فيما بين السنة "340" والسنة "350" للميلاد. ثم ذكر أن "ثأرن يهنعم" حكم مع ابنه "ملكيكرب يهأمن" حكماً مزدوجاً، ثم حكم "ملكيكرب يهأمن" مع ابنيه "أبو كرب أسعد" و "ذرأ أمر أيمن". ثم أشار إلى انفراد "أبو كرب أسعد" مع ابنه "حسن يهامن" "حسان يهأمن" باحكم في حوالي السنة "400" للميلاد.
وقد ورد اسم الملك "كرب ال وتر يهنعم" "كرب ايل وتر يهنعم" في النص: Jamme 666. وصاحبه رجل اسمه: "ابكرب ابهر" "أبو كرب أبهر"، ورجل آخر اسمه: "عبد عثتر اشوع" "عبد عثتر أشوع"، و "وهب أوم أسعد"، وكانوا أقيالاً "اقول" على عشيرة "عضدن" "عضدان"، وكانوا هم منها. وقد تقدموا إلى الإله "المقه". بصنم هو عبارة عن تمثال فرس وعليه راكبه " "ركبهو"، وذلك حمداً له وشكراً لأنه مَنَّ عليهم وحماهم من مالك الأرض "بن محر"، ولأنه أسعدهم، ولكي يبعد عنهم كل أذى وسوء وكل عدو حاسد، ويعطيهم القوة والحظوة والمكانة عند سيدهم "كرب ال يهنعم" "ملل سبأ وذي ريدان وحضرموت ويمنت"، ويمنحهم حصاداً طيباً وغلة وافرة.
ويلاحظ إن هذا النص سمى الملك "كرب ال يهنعم" "كرب ايل يهنعم" ولم يذكر لفظة "وتر" بين "كرب ايل" و "يهنعم". وقد وضع "جامه" لفظة "وتر" بين الاسمين من عنده لاعتقاده بأن هذا الملك هو الملك "كرب ايل وتر يهنعم" الذي يرد اسمه في نص آخر وسم ب Jamme 667.
وأما النص: Jamme 667، فصاحبه رجل اسمه "رببم" "ربيب"، وهو من: "خلفن انمرم" "خلفان أنمر" "خلفان أنمار" ومن "حيم" "حيوم". وقد ذكر فيه انه قدّم صنماً إلى الإله "المقه ثهوان" "بعل اوّام"، لأنه من عليه، بأن حفظه ونجاه من الثورة "بن حبل" والاضطرابات "وقسدت" "ق س دت" التي وقعت بمدينة "ظفار"، وذلك قبل هذا اليوم "بقدمى ذن يومن" ولكي يديم نعمه ومننه عليه وينيله رض وحظوة "حظى ورضو" سيده الملك "كرب ال وتر يهنعم، ملك سبا وذ ريدن وحضرموت ويمنت"، أي "كرب ايل وتر يهنعم.، ملك سبأ وذي ريدان وحضرموت ويمنت".
وقد ورد اسم الملك "ذمر على يهبر" في النص Jamme 668، وورد معه اسم ابنه "ثأران يهنعم". وأصحابه جماعة من "سباكهلن"، أي "سبأ كهلان". وقد حمدوا فيه الإله "المقه" لأنه نجى وحمى وحفظ أصحاب النص، ولأنه منَّ عليهم فمكّنهم من الحصول على غنائم في المعارك التي خاضوها ومن اخذ سبي من أعدائهم، مما أثلج نفوسهم وشرح صدورهم وأفرحهم، ولكي يبارك فيهم ويرضى عنهم سيدهم الملك "ذمر على يهبر" وابنه "ثارن يهنعم" وهما "ملكا سبأ وذي ريدان وحضرموت ويمنت"، ولكي ينعم عليهم "وليهعنهمو"، ويمتعهم في الحياة "متعنهمو" ويبعد عنهم كل أذى وسوء.
وورد اسم "ثارن يهنعم" "ثأران يهنعم"، وبعده اسم ابنه "ملك كرب" يهامن" "ملككرب يهأمن" "ملككرب يهأمن" "ملكي كرب يهأمن"، في النص: Jamme 669، وهو نص دوّنه جماعة من عشيرتي: "عبلم" "عبل" "عبال" و "قترن اتون" "قتران أتوان"، حمدوا فيه الإله "المقه" لأنه أنعم عليهم، فوهبهم مولوداً ذكراً، ولأنه أوحى إليهم بأنه سيهبهم أولاداً ذكوراَ، وانه سينجيهم من الضر والسوء، ولأنه أمات "وميت" "يحمد" الذي دخل أرضهم وقاتل أولادهم، وآذاهم، ولأنه حفظ أخاهم وشفاه، مما أصيب به من مرض جعله صامتاً هادئاً، وتعبيراً عن شكرهم وحمدهم هذا، أهدوا معبده صنماً "صلمن"، وكتابة "مسدم" "مسندم"، وكانت زنتهما "عصيم" "عصى"، وقدموا ثورين "ثنى ثورن" إلى "كلونم" "كلوان".
ويلاحظ إن هذا النص لم يذكر مع اسم "ملككرب" "ملك كرب" "ملكيكرب" لقبه وهو "يهأمن" من بعده، بل أهمله.
كما ورد اسمه وبعده اسم ابنه في النص: Jamme 670. وقد دوّنه "شرحعثت اشوع" "شرحعثت أشوع"، وابنه "مرثدم" "مرثد"، وهما من "سخيمم" سادات "بيت ريمان" "ابعل بيتن ريمن"، وأقيال عشيرة "يرسم" من قبيلة "سمعي" التي تكوّن ثلث "حجرم" "حجر". وقد كتباه لحمد الإله "المقه" وشكره، لأنه من على عبده "شرحعثت أشوع" فعافاه مما ألم به من مرض شديد "ضللم" كاد إن يقضي عليه، حلّ به بمدينة "ظفار". ولأنه أعاد إليه ابنه "كسدم"، فساعده. ولكي يبارك فيه وفي انبه "مرثد"، ويبعد عنهما كل مرض، ويرفع من مكانتهما لدى الملكين: "ثأران يهنعم وابنه ملك كرب يهأمن، ملكا سبأ وذي ريدان وحضرموت ويمنت".
وكتب جماعة من "سخيم" سادات "بيت ريمان" "ابعل بيتن ريمن" وأقيال "اقولن" "يرسم" من عشيرة "سمعن"، التي تكوّن ثلث عدد "حجرم ذ خولن جددتن" "حجر خولان جددتان"، نصاً وسم ب Jamme 671 وذلك ليكون معبراً عن حصدهم وشكرهم لإلَه "المقه"، الذي منَّ عليهم بنعمه وساعدهم بالقيام بالعمل الذي كلفهم به سيداهم: "ثأران يهنعم" و "ملككرب يامن" "ملك كرب يأمن" "ملكيكرب يأمن"، "ملكا سبأ وذي ريدان وحضرموت ويمنت"، وهو أن في قدموا ويقودوا "لقتد من" جيش الأعراب "خمس بعرب"، ويتجهوا إلى السد "عرمن" الذي تهدم "بكن ثبرت عرمن بحببض"، عند موضع "حببض" "حبابض" وموضع "رحبتن" "رحبتان" "الرحبة" "الرحابة"، فتداعت جدرانه ومبانيه وأحواضه وسدوده الفرعية ومضارفه "مضرفن"، الواقعة فيم بين "حبابض" و "رحبتن" "الرحبة" وخرب منه ما مقداره سبعون "شوحطم" "شوحطا". وقد حمدوا الإلَه "المقه" وسبّحوه لأنه أجاب دعوتهم، فحبس الأمطار والأمواج والسيول عنهم حتى تمّ العمل وأقاما الأسس والجدران والسد. ولأنه وفقهم في خدمة سيديهم "ثأران يهنعم"، و "ملككرب يامن" "ملك كرب يأمن" "ملكيكرب يأمن".
ويظهر من هذا النص أن خراباً كان قد حل بسد "حبابض"، فتهدم قسم منه فأضر ذلك بالمزارع التي كانت ترتوي منه. وأن الملك أمر باصلاحه وبإعادة بنائه، وقد تم هذا العمل في عهده.
وأما الذي حكم بعد "ذرأ أمر أيمن" الذي هو ابن "ياسر يهنعم الثالث"، فهو "ذكر على يهبأر". وكان قد حكم على رأي "فون وزمن" في حوالي السنة "340 ب. م.". وقد استنتج "فون وزمن" رأيه هذا من كتابة ورد فيها اسم القائد "سعد تألب يتلف"، وهو في خدمة "ذمر على يهبأر". ولما كان هذا القائد قد خدم في عهد "ياسر" وابنه، رأى إن "ذمر على يهبأر" يجب إن يكون هو الملك الذي تولى احكم بعد "ذرأ أمر أيمن". وقد نعته ب "ذمر على يهبأر الثاني" تمييزاً له عن ملك سابق حكم بهذا الاسم.
وقد تكن القائد المذكور من الوصول إلى موضع "صوران" "صورأران" الواقع غربي الطريق المؤدية إلى روضة "سررن" "سرران" بوادي حضرموت. واشترك في معركة نشبت في "سرران" على مقربة موضع "مريمت" "مريمات". وهو موضع تقع آثاره وخرائبه اليوم بين "سيوون" و "تريم"، في المكان الذي سماه "بطلميوس" Marimatha.
ولا نعلم من أمر "ذمر على يهبأر" شيئاً يذكر. أما الذي جاء بعده في الحكم، فهو "ثارن يهنعم"، ثأران يهنعم"، وهو ابنه. وقد حكم جمع أبيه حكماً مشتركاً بعد السنة "340 م" على رأي "فون وزمن". وقد عثر على عدد من الكتابات من أيامه. وفي عهده تصدع السد، سدّ مأرب، للمرة الثالثة على ما جاء في المسند.
ولعل النصوص الموسومة ب Jamme 669 وjamme 670 و Jamme 671 هي آخر النصوص التي تقرأ فيها اسم الإله "المقه"، إلهَ سبأ الكبير ورمز السبئيين. وقد عثر عليها المنقبون في معبده بمدينة مأرب، المعبد المعروف ب "أوم" "أوام"، وهي مكتوبة في عهد الملك "ثارن يهنعم" وابنه "ملككرب يهأمن" "ملكيكرب يهأمن". وإذا كان هذا الانقطاع صحيحاً، أي أن المنقبين لن يعثروا على كتابات أخرى تحمل اسم ذلك الإلَه وتمجده، فإنه يمكن تفسيره عندئذ بإعراض ملوك سبأ منذ عهد هذين الملكين، أي منذ أواخر القرن الرابع بعد الميلاد، عن عبادة "المقه" وبقية آلهة سبأ، ودخولهم في التوحيد.
ولو افترضنا احتمال عثور الباحثين على كتابات مفقودة فيها اسم "المقه"، فإن عهدها لن يكون طويلاً، ذلك لأننا سوف نرى بعد قليل أن الملك "ملك كرب يهأمن" "ملكيكرب يهأمن" وهو ابن الملك "ثأرن يهنعم" "ثاران يهنعم"، يتجاهل بعد توليه الحكم اسم "المقه"، ولا يتقرب إليه على سنة الملوك الماضين، بل يتقرب إلَه جديد هو الإلَه "ذ سموى"، أي الإلَه "رب السماء"، وهو تحول يدل على حدوث تغير عند هذا الملك بالنسبة إلى ديانة آبائه وقومه، ويدل على دخوله في ديانة جديدة، هي ديانة "رب السماء"، أو "رب السماوات"، وهي ديانة تعبر عن عقيدة التوحيد، وعن اعتقاد الملك بوجود إلَه واحد هو "رب السماء".
وقد عثر على الكتابات المذكورة ب "منكث" خارج خرائب "ظفار". ويرى بعض الباحثين احتمال حدوث هذا التحول في عهد الملك "ثارن يهنعم"، ويرون إن هذا التحول يتناسب كل التناسب مع الرواية المعزوّة إلى "فيلوستورجيوس" Philostorgios عن كيفية تنصير الحميريين، اذ زعم إن "ثيوفيلوس" Theophilos كان قد تمكن من اقناع ملك حمير بالدخول في النصرانية، فدان بها، وأمر ببناء كنائس في "ظفار" وفي "عدن". وكان القيصر "قسطنطين الثاني" "350 -361 م" هو الذي أرسله إلى العربية الجنوبية ليدعو إلى النصرانية بين أهلها. ويؤيدون رأيهم هذا بالكتابة المذكورة التي يرجع عهدها إلى سنة "378 م" أو "384 م" فعي غير بعيدة عن أيام "ثارن يهنعم"" ويحتمل لذلك إن يكون هو الملك الحميري، الذي بدّل دينه الوثني، ودخل في ديانة التوحيد.
ويتحدث النص: Jamme 671 من بين النصوص المذكورة عن تصدع أصاب وسط سد مأرب الكبير وعن سقوطه، وعن قيمام الملك "ثأرن يهنعم" "ثأران يهنعم" بإصلاحه وأعادته إلى ما كان عليه. ويكون هذا الخبر، هو ثاني خبر يصل إلينا مدوناً في كتابات المسند عن تصدع السد إلى هذا العهد.
أما الكتابة التي ورد فيها اسم الإله "ذ سموى" "رب السماء"، فتعود إلى الملك ".ملككرب يهأمن" "ملك كرب يهأمن" "ملكيكرب يهأمن"، وهو ابن الملك "ثارن يهنعم". وقد عثر عليها في "منكث" خارج خرائب "ظفار". وقد ورد فيها مع اسمه اسم ولدين من أولاده، هما: "ابكرب اسعد" "أبو كرب أسعد"، و "ذرأ أمر أيمن" "ورأ أمر ايمن"، وكانا يشاركانه في الحكم لورود لقب الملوكية الكامل بعد اسميهما. وقد تقربوا بها إلى الإلهَ "ذ سموى"، أي "إلهَ السماء"، وذلك في سنة "493" من التأريخ الحميري، المقابلة لسنة "378" أو "384" للميلاد.
وقد أغفل "فلبي" الإشارة إلى "ياسر يهنعم الثالث" ثم من جاء بعده إلى "ملك كرب يهأمن"، فلم يذكرهم في قائمته لملوك "سبأ وذي ريدان وحضرموت ويمنت". وقد قلت إنه في جعل "يرم يهرحب" بعد "شمر يهرعش"، ومن المحتمل-في نظره-أن يكون أحد أولاد "شمر"، ثم ذكر إن الأحباش استولوا على العربية الجنوبية بعده، وذلك في حوالي السنة "340 ب. م."، وقد دام حكمهم حتى سنة "375 م"، حيث ثار عليهم "ملكيكرب يهأمن"، ويحتمل في نظره أن يكون أحد حفدة "يرم يهرحب"، فطرد الأحباش من العربية الجنوبية، وأقام نفسه ملكاً.
وقد ورد اسم "ملك كرب يهأمن" محرفاً في كتب أهل الأخبار، فدعاه "حمزة" ب "كلي كرب بن تبع"، وقد جعل حكمه خمساً وثلاثين سنة. وسمّاه "الطبري" "ملكي كرب تبع بن زيد بن عمرو بن تبع"، وسماه "المسعودي" "كليكرب بن تبع"، ودعاه "القلقشندي" "كليكرب بن تبع الأقرن"، الذي حكم على زعمه بعد "شمر يرعش" "شمر مرعش"، ثلاثاً وخمسين سنة، وقبل ثلاثاً وستين سنة، واسمه زيد. وهو على زعمه ابن "شمر". وذكر إن الأقرن إنما عرف بالأقرن لشامة كانت في قرنه.
وانتقل الملك بعد وفاة "ملكَ كرب يهأمن" إلى ابنه "أب كرب أسعد" "أبي كرب أسعد"، ويرى المستشرقون أنه "أسعد كامل تبع" الذي يزعم الأخباريون انه أول من تهوّد من التبابعة ونشر اليودية بين اليمانيين.
وقد جعل "الطبري" حكم "أبو كرب أسعد" بعد حكم "شمر يهرعش"، اذ قال: "ثم كان بعد شمر يرعش بن ياسر ينعم تبع الأصغر، وهو تبان اسعد أبو كرب بن ملكيكرب بن زيد بن تبع الأول بن عمرو ذي الأذعار، وهو الذي قد قدم المدينة، وساق الحبرين من يهود إلى اليمن، وعمر البيت الحرام وكساه" وتهود وطلب من قومه الدخول في اليهودية. "وقال الكلبي: تبع هو أبو كرب أسعد بن ملكيكرب، وإنما سمي تبعاً لأنه تبع من قبله. وقال سعيد بن جبير: هو الذي كسا البيت الحبرات". وذكر أنه قال شعراً أودعه. عند أهل يثب، "فكانوا يتوارثونه كابراً عن كابر إلى إن هاجر الني صلى الله عليه وسلم فأدّوه إليه. ويقال كان الكتاب والشعر عند أبي أيوب خالد بن زيد". وورد في مسند الإمام "أبي حنيفة": "أول من ضرب الدينار تبع، وهو أسعد بن كرب".
وقد تحدث "الهمداني" عن "أبي كرب اسعد"، فقال: " فأولد ملكيكرب بن تبع الأكبر: أسعد تبع بن ملكيكرب. وهو أسعد الكامل، وتبع الأوسط" "وكانت امه من فايش بن شهاب بن مالك بن معاوية بن دومان بن يكيل بن جشم بن جبران بن نوف بن همدان، ومولده نجمر من ديار فايش بن شهاب". و "خمر" موضع بظواهر همدان. "ونشأ بجبل هَنْومَ من أرض همدان... فأولد أسعد تبع بن ملكيكرب: كرباً وهو الفدى، وبه كان يكنى... ومعدى كرب وحسان وعمراً... وجبلاً... فهؤلاء... خمسة أنفر بنو أسعد بن ملكيكرب وقال اللبخي وغيره: خطيب بن أسعد. والخطيبون بأكانط ومدر من ولده" فيكون ولد "أسعد" ستة نفر على هذه الرواية.
وذكر "الهمداني" إن والد "أسعد" هو "ملكيكرب بن تبع الأكبر. وهو الرائد بن تبع الأقرن بن شمر يرعش بن إفريقس ذي المنار بن الحارث الرائش بن إلى شدد". وعرف "تبع الأقرن" بالأقرن، لشمامة كانت في قرنهْ.
وقد اورد "الهمداني" في كتابه "الإكليل" أشعاراً كثيرة نسبها إلى "أسعد بن ملكيكرب"، بعضها قصائد، ذكر انه نظمها في مناسبات مختلفة. وقد تطرق في بعض منها إلى أنساب الناس والى أمور ذكر انه تنبأ بها قبل وقوعها بمئات من السنين، ومنها ظهور الرسول ومبعثه في قريش. وذكر "الهمداني" إن شعر "أسعد" وفصاحته من شعر وفصاحة "همدان". ونسب له شعراً في مدحهم.
ويلاحظ أن أهل الأخبار قد صيّروا اسم "اب كرب اسعد" "أبكرب أسعد" "أبو كرب أسعد" على هذا النحو: "أسعد تبع" و "أسعد تبع بن ملكيكرب" و "أسعد الكامل"، فأسقطوا "اب كرب" "أبكرب" منه، وأخذوا الجزء الأخير منه وهو "اسعد". ويظهر إن فتوحاته كانت قد تركت أثراً في ذاكرة أهل اليمن، وقد بقي ذلك الأثر إلى الإسلام، ولكن الزمن والعصبية لعبا دوراً خطيراً في تكييفه حتى طغى عليه الطابع الأسطوري، فوصل إلينا على نحو ما نجده في كتب أهل الأخبار والتواريخ.
ولمد تولى هذا الملك - على رأي المستشرقين-الحكم منفرداً من سنة "400" بعد، الميلاد حتى حوالي سنة "415" أو "420 ب. م." على رأي، أو من سنة "385" حتى سنة "420 ب. م." على رأي آخر، أو من سنة "378" حتى سنة "415 ب. م." على رأي "فلبي". والذي أراه إن حكمه امتد إلى ما بعد السنة "430" للميلاد، كما سأشرح ذلك في موضعه. وقد أضاف إلى لقب "ملك سبأ وذي ريدان وحضرموت ويمنت" الذي ورثه من أبيه إضافة جديدة في آخره، هي: "واعربهمو طودم وتهمتم"، أي "وأعرابها في الجبال وفي التهائم"، فصار بذلك أًول ملك سيحمل هذا اللقب.
ولا بد إن تكون للإضافة التي ألحفت بآخر اللقب معنى سياسي مهم، اذ لا يعقل إن يكون هذا الملك قد ألحقها باللقب اعتباطاً من غير قصد. والظاهر إن الذي حمله على إلحاقها به، هو ظهور أهمية الأعراب، ولا سيما أعراب الهضاب وأعراب جنوب نجد من قبائل "معد" وقبائل تهامة او التهائم، أي المنخفضات الساحلية ، بالنسبة إلى زمانه اذ صاروا يؤثرون في سياسة العربية الجنوبية تأثيراً واضحاً، وصار في استطاعتهم احداث تغيير كبير في الوضع السياسي، فانتبه لقوتهم هذه وأعارها أهمية كبيرة، فأضاف اسمهم إلى اللقب، دلالة على سيطرته عليهم وخضوعهم له، كما فعل الملوك الماضون بإضافة أسماء جديدة إلى ألقابهم الملكية كلما اخضعوا أرضاً من الأرضين.
ومعنى ذلك إن حكم "أبو كرب اسعد" كان قد شمل التهائم بأعرابها وقراها وكذلك قبائل معدّ التي تمتد منازلها من أرض نجران إلى مكة ونجد.
وعلى مقربة من مدينة "غيمان" قبر ينسب إلى هذا الملك، وقد فتح من عهد غير بعيد. وذكر أن "غيمان" كانت مقراً للتبابعة مدة ما، وان "أب كرب أسعد" أقام بها زمناً. ويظن إن الرأس المصنوع من البرنز الذي يمثل رأس امرأة والمحفوظ في المتحف البريطاني، والرأس الجميل الذي يمثل مهارة فائقة في الصنعة ويمثل رأس رجل، كلاهما قد أخذ من ذلك القبر.
ويقع قبر "أسعد أبو كرب" أسفل التل الذي أقيم عليه قصر "غيمان" "حصن غيمان". وقد دل البحث في موضعه على انه يعود إلى عهود متعددة، وان جملة ترميمات وإصلاحات أدخلت على هذا القصر.
وقد ذكر "الهمداني" إن "ابيكوب أسعد" خَان قد أقام في مدينة "بينون"، أوقام أيضاً في مدينة "ظفار" أقام في قصر "ريدان" ب "ظفار" وفي قصر "هكر" بمدينة "بينون"، كما أقام في قصر "غيمان" وفي قصر "غمدان" بصنعاء وهي كلها من قصور اليمن وحصونها الشهيرة المذكورة في تأريخ اليمنْ.
وقد أخذ جماعة من المستشرقين برواية أهل الأخبار في تهود "أب كرب أسعد" "أبكرب أسعد"، فجعلوه على رأس أسرة متهودة حكمت منذ هذا العهد. وجعله "فلبي" رأس الأسرة الثامنة من الأسرة التي حكمت السبئيين بحسب ترتيبه لقائمة الأسر الحاكمة.
ويدل عثور "فلبي" على كتابة دوّن فيها اسم "أب كرب أسعد" واسم ابنه "حسان يهأمن" في وادي "مأسل الجمح" "ماسل جمح"، في موضع مهم على طريق بين "مكة" والرياض، ولا يزال يعرف اسم جمح على أن هذا الموضع كان من جملة الأرضين الخاضعة لحكم ذلك الملك، وان نفوذه كان قد جاوز اليمن حتى بلغ نجداً. وبلغ هذه الأرض المهمة التي تجتازها القوافل والتجارات حتى اليوم، وكانت تعدّ من منازل قبائل "معد" في ذلك الحين، وهي قبائل متحالفة يجمع شملها هذا الاسم.
والكتابة التي أقصدها، هي الكتابة التي وسمت ب Philby، وقد دوّنت عند إقامة حصن في وادي "ماسل الجمح"، وورد فيها اسم موضع آخر هو "مودم ضمو". ويرى "فلبي" انه المكان المسمى "دودمي" "دوادمي" في الزمن الحاضر. وقد وردت فيها أعلام أخرى، منها: "كدت" "كدة"، و "سود"، و "وله" "وده".
وقد ذكر "الهمداني" إن "مأسل الجمح" كان من مواضع "نُميَر". واسم "نمير"، قريب من اسم قبيلة Nomeritae التي ذكرها "بلينيوس" اذ قال:Nomeritae Mesala Oppido، ولذلك ذهب بعض الباحثين إلى إن "مأسل الجمح" كان من مواضع "نمير"، وذلك في أيام "بلينيوس"، أي في أواخر القرن الأول قبل الميلاد فما بعده.
ويظهر إن الملك "أب كرب أسعد" أقام هذا الحصن في "وادي مأسل" ليكون معقلاً تقيم فيه قوات سبئية لحماية الطريق من هجوم القبائل وتعرضها للقوافل التي تسلك هذا الوادي محملة بالبضائع والتجارات بين اليمن ونجد، وهو طريق مهم من الطرق التي تصل أرضى اليمن بنجد وبشرق الجزيرة.
وقد افتتح نص: Philby بجملة: "ابكرب اسعد وبنهو حسن يهأمن ملكي سبا وذ ريدان وحضرموت ويمنت واعربهمو طودم وتهمتم بن حسن ملك كرب يهامن ملك سبا وذ ريدان وحضرموت ويمنت"، أي "أبو كرب اسعد. وابنه حسان يهأمن، ملكا سبأ وذي ريدان وحضرموت ويمنت وأعرابها في الأطوأد والتهائم، أبنا حسان ملكيكرب يهأمن ملك سبأ وذي ريدان وحضرموت ويمنت". فيفهم منها إذن أن اسم والد "أبي كرب اسعد" هو "حسان ملكيكرب يهأمن"، لا "ملكيكرب يهأمن". فهل نحن أمام ملك واحد، عرف ب "ملكيكرب يهأمن" وب "حسان ملكيكرب يهأمن"، ام أمام ملك آخر غير الملك "ملكيكرب يهأمن"? ويتبين من هذا النص إن الملكين كانا قد غزوَا "كسباو" ارض "مودم ضمو". غزواها بجمع من أهل حضرموت وسبأ وبني مأرب أي أهل مأرب وبأصاغر الناس "صغرم". وكان في جيشهما "المقتوين" "مقتوتهمو"، أي القادة: قادة الجيش. وأشير في النص إلى أعراب كندة "باعربهمو كدت" والى "سود" و "وله" "واله".
ولدينا كتابة وسمت ب Ryckmans 534، ورد فيها اسم الملك "أبو كرب اسعد" وأشير فيها إلى ستة أولاد من أولاده. وهي كتابة مورخة، ويقابل تأريخها الحميري "543" السنة "428 م" أو "4344 م"، كما عثر على كتابة أخرى وسمت ب Ryckmans 534 يرى من حرسها إنها يجب إن تكون قد كتبت بعد السنة "433" أو "439 م". ومعنى هذا إن حكم "أبي كرب اسعد"، قد جاوز السنة "328 ب. م." أو السنة "430 ب. م.، أي إن تقدير الذين جعلوا نهاية حكم "أبي كرب اسعد" في سنة "415ب. م." أو "420 ب. م."، هو تقدير خاطى. والظاهر انهم قد وقعوا في هذا الخطأ، لأن الكتابتين المذكورتين لم تكونا قد نشرتا في ذلك العهد.
وقد أشير في الكابة Rossi 24 إلى ستة أو سبعة أبناء للملك "أبو كرب اسعد". وتشير الكتابة الموسومة ب Ryckmans 409 إلى حملة قام بها الملك "أبو كرب أسعد" وابنه الأول "حسان يهأمن" على "وادي مأسل" في أرض "معد". وقد ساهم بها معه جمع من "كندة". ونجد قبيلة "كندة" ذكر في الكتابات التي يعود عهدها إلى ما بعد الميلاد.
وذهب "كروهمن" إلى إن ورود اسم "أبو كرب اسعد" في النص: Jamme 856- وهو من النصوص السبئية المتأخرة - يجعل أيامه في السنين الثمانين فما بعد من القرن الخامس للميلاد. وقد قدّر أيام حكمه بحوالي السنة "400" بعد الميلاد.
ويظهر إن حكم الملك "ابي كرب اسعد"، كان حكماً طويلاً، وان عمره كان عصراً طويلاً أيضاً وذلك لأنه كان ملكاً إلى ما بعد السنة "430" بعد الميلاد، واذ قد ذكر ملكاً مع والده في النص المؤرخ بسنة "378 ب. م." أو "384 ب. م."، فيكون مجموع حكمه قد بلغ زهاء خمسين سنة أو اكثر من ذلك بقليل. ولو فرضنا انه كان في حوالي العشرين من عمره يوم ذكر مع أبيه في النص، فيكون عمره أذن يوم وفاته حوالي السبعين، أو بعد ذلك بسنين.
لقد استطاع "ابو كرب اسعد" توسيع ملكه، حتى بلغ البحر الأحمر والمحيط الهندي والأقسام الجنوبية من نجد، وربما كان قد استولى على جزء كبير من الحجاز. وفي روايات أهل الأخبار عن فتوحاته وعن غزواته أساس من الصحة، وان دخل فيها عنصر المبالغة والقصص. ولا بد إن يكون هذا الملك ذا شخصية قوية وكفاية مكنته من القيام بتلك الفتوحات والتغلب على القبائل، حتى تركت أعماله أثراً بقي يتنقل بين الأجيال، ويتطور بمروره على الأفواه حتى وصل إلينا على الشكل الذي نقرأه في كتب أهل الأخبار.
وقد ذكر "الطبري" إن "اسعد ابو كرب بن ملكيكرب"، ونعته ب "تبع" كان قد قدم بجيوشه الأنبار، وأسكن من قومه الأنبار والحيرة، ثم رجع إلى اليمن. وذكر غيره انه "تبان اسعد أبو كرب بن قيس بن زيد الأقرن بن عمرو ذي الأذعار، وهو تبع الآخر، ويقال له الرائد، وكان على عهد يستأسف أحد ملوك الفرس الكيانية وحافده اردشير، وملك اليمن والحجاز والعراق والشام، وغزا بلاد الترك والتبت والصين، ويقال إنه ترك ببلاد التبت قوماً من حمير... وغزا القسطنطينية ومر في طريقه بالعراق فتحير قومه فبنى هناك مدينة سماها الحيرة... ويقال انه أول من كسا الكعبة المُلأ ونجعل لبابها مفتاحاً وأوصى ولاتها من جرهم بتطهيرها ودام ملكه ثلثمائة وعشرين عاماً".
وهذه الفتوحات التي نسبوها إلى "تبان أسعد"، هي مثل الفتوحات التي نسبوها ل "شمر يرعش"، وهي في الواقع تكرار لها. والظاهر إنها خلط بين فتوحات الملكين التي وضعها لهما أهل الأخبار.
ونصب بعض أهل الأخبار من بعده "ربيعة بن نصر بن الحارث بن نمارة ابن لخم" ملكاً على اليمن، ثم ذكروا انه رأى "رؤيا هالته فسار بأهله إلى العراق وأقام بالحيرة، وحكم عليها، ومن عقبه كان النعمان بن المنذر ملك الحيرة". وهناك طريق بري يربط المناطق المرتفعة الزراعية بالمناطق الشمالية، وهي مناطق مأهولة ومن اكثر أرض اليمن كثافة سكان، يسمى ب "درب أسعد كامل" أو "طريق اسعد كامل"، نسبة إلى هذا الملك، وهو يصل الي شمال "الطائف" ويتصل بطريق الحجاز. ويمتد من "خيوان" وأعالي "خولان" في اتجاه "بيشة" و "ريع المنهوت"، ثم في الممر الضيق المؤدي إلى "الطائف". ويستعمل تجار "عمران" هذا الدرب.
ويظهر هذا الدرب تحولا خطيراً في الطرق البرية القديمة التي كانت تسير في محاذاة حافة الصحراء الشرقية المتصلة بالجوف، اذ يشير إلى تحول هذه الطرق من الأرض السهلة إلى الهضاب التي يعيش عليها المزارعون الذين يعيشون على الزراعة التي تعتمد على المطر. وقد شمل هذا التحول فيما شمله طريق البخور واللبان القديم.
وجعل "فلبي" الحكم ل "ورو أمر أيمن" بعد وفاة "أبي كرب أسعد". وهو شقيقه. قد حكم على رأي "فلبي" من سنة "415 م" حتى سنة "425 م"، ولما توفي انتقل الحكم إلى "شرحبيل يعفر" "شرحب ايل يعفر"، وهو ابن "ابي كرب اسعد". وقد حكم على تقدير "فلبي" أيضاً من سنة "415 ب.م." حتى سنة "455 ب. م."، وحكم على تقدير "هومل" من سنة "420 م" حتى سنة "455 م". ولكن "فلبي" في كتابه "النجاد العربية" عاد فجارى "هومل" فيما ذهب إليه في تقدير مدة حكم "شرحبيل يعفر"، فجعلها منذ سنة "420 ب. م." حتى سنة "455 ب. م.".
وأما "جامه"، فوضع: "ابكرب اسعد" واسم شقيقه "ذرا امهر ايمن" "ذرأ أمر أيمن" بعد اسم "ملككرب يهأمن". وقد حكم "أبكرب أسعد" مع والده في حوالي السنة "365" وحتى السنة "375" للميلاد. وأما "ذرأ أمر أيمن"، فجعله مشاركاً لوالده في الحكم وذلك في حوالي السنة "375" وحتى السنة "385" للميلادْ.
ولكن "جامه" عاد فوضع بعد القائمة المتأخرة لحكام سبأ، والتي انتهت في القائمة "E"، باسمي "ذرأ أمر ايمن" و "أبكرب اسعد"، قائمة أخرى دعاها ب "F"،وقد خصصها بمن حكم في النصف الأول من القرن الخامس للميلاد، ابتدأها باسم "حسن ملككرب يهأمن" "حسان ملكيكرب يهأمن"، وجعل حكمه من حوالي السنة "415" حتى حوالي السنة "425" للميلاد، ثم وضع اسم "ابكرب أسعد" من بعده، وجعل حكمه في حوالي السنة "425" وحتى السنة "430" للميلاد. ثم ذكر اسم "حسان يهأمن" "حسن يهامن" من بعده، وقد شارك "ابكرب أسعد" في احكم من سنة "425" حتى سنة "435" للميلاد، ثم دوّن اسم "شرحبيل يعفر" من بعد "أبكرب اسعد" وقد جعله شريكاً في الحكم ل "أبكرب اسعد" من حوالي السنة "450" حتى السنة "440" للميلاد.
وقد أغفل "فلبي" وغيره اسم "حسان يهأمن"، وهو ابن "أب كرب اسعد"، فلم يذكره بعد اسم أبيه، مع انه ذكر معه في النص Philby، ونعت مثله ب "ملك سبأ وذي ريدان وحضرموت ويمنت وأعرابهاً في الجبال والتهائم".
وقد عرف أهل الأخبار اسم "حسان"، وذكروا انه حكم من بعد أبيه "أسعد أبو كرب"، وذكروا اسمه على هذا النحو: "حسان بن تبع اسعد ابي كرب"، ولم يذكروا لقبه. وقد زعموا انه أغار على طسم وجديس باليمامة وإنه حارب "جذيمة" ملك الحيرة، وكان "جذيمة" قد خرج يريد طسماً وجديس في منازلهم من "جوّ" وما حولهم، فوجد "حسان" قد أغار على طسم وجديس باليمامة، فانكفأ راجعاً بمن معه، فأتت خيول "تبع" على سرية لجذيمة فاجتاحتها. فهو من معاصري "جذيمة" على رأي أهل الأخبار.
و "حسان" هذا هو الذي أفنى "جديساً" على رواية أهل الأخبار، وهو الذي فقأ عيني "اليمامة" في شعره، وان "النمر بن تولب العكلي"، أشار في شعره إلى قصتها أيضاً.
وذكر "الطبري" إن "حسان بن تبع" الذي أوقع بجديس، "هو ذو معاهر، وهو تبع بن تبع تبان اسعد ابي كرب بن ملكيكرب بن تبع بن أقرن وهو ابو تبع الذي يزعم أهل اليمن انه قدم مكة، وكسا الكعبة، وان الشعب من المطابخ إنما سُمي هذا الاسم لنصبه المطابخ في ذلك الموضع وإطعامه الناس، وان أجياداً إنما سمي اجياداً، لأن خيله كانت هنالك، وانه قدم يثرب فنزل منزلاً يقال له منزل الملك اليوم، وقتل من اليهود مقتلة عظيمة بسبب شكاية من شكاهم إليه من الأوس والخزرج بسوء الجوار، وانه وجّه ابنه حسان إلى المسند وشمراً ذا الجناح إلى خراسان، وأمرهما إن يستبقا إلى الصين، فمر بسمرقند فأقام عليها حتى افتتحها، وقتل مقاتلتها، وسبى وحوى ما فيها ونفذ إلى الصين فوافى حسان بها، فمن أهل اليمن من يزعم انهما ماتا هنالك، ومنهم من يزعم انهما انصرفا إلى تبع بالأموال".
وقد زعم "الطبري" أيضاً إن "حسان بن تبان اسعد ابو كرب بن ملكيكرب ابن زيد بن عمرو ذي الأذعار" سار بقومه من أهل اليمن يريد إن يطأ بهم ارض العرب وارض العجم، كما كانت التبابعة قبله تفعل، فلما كان بالعراق قتله أخوه "عمرو بن تبان اسعد أبو كرب" ورجع "عمرو" بمن معه من جنده إلى اليمن. وأصيب بمرض نفسي، وقتل خلقاً من قومه لندمه على قتله أخاه، ثم لم يلبث أن هلك.
وقد زعم إن "عمراً" هذا عرف ب "موثبان"، وانه قتل أخاه بموضع "رحبة طوق بن مالك"، التي عرفت ب "فرضة نعم".
وقد زعم الأخباريون، إن الأمر قد مرج في حمير بعد وفاة "عمرو" وتفرّقوا، فوثب عليهم رجل من حمير لم يكن من بيوت المملكة منهم، يقال له: "لخنيعة ينوفه ذو شناتر"، فملكهم، فقتل خيارهم، وعبث ببيوت أهل المملكة منهم، حتى قتله "ذو نواس" في قصة من القصص المألوف وروده من أهل الأخبار.
وذكر "القلقشندي"، إن الذي حكم بعد "ربيعة بن نصر" الذي حكم اليمن على زعمه بعد "تبان أسعد"، هو "حسان ذو معاهر"، وهو "ابن تبان اسعد أبي كرب"، ثم مَلَّكَ أخاه "عمرو بن تبان اسعد أبي كرب" من بعده، ونعته ب "الموثبان"، وذكر أنه حكم ثلاثاً وستين سنة، ومات عن أولاد صغار وأكبرهم قد استهوته الجن، فوثب على الملك "عبد كلال ابن مثوب"، فملك أربعاً وتسعين سنة، وهو تبع الأصغر.
قد ترك لنا "شرحبيل يعفر" "شرحب ايل يعفر" نصاً مهماَ وسمه علماء العربيات الجنوبية ب Glaser 554، وهو وثيقة تتعلق بتصدع سدّ مأرب الشهير في أيامه وإعادة بنائه، فقص علينا فيه الحادث، وتحدث عن مقدار ما افقه على الفعلة والعمال لإعادة البناء. ويتألف هذا النصر من مئة سطر. جاء فيه: أن "شرحبيل يعفر ملك سبأ وذي ريدان و حضرموت و يمنات وأعرابها في النجاد والنهائم ابن أبي كرب اسعد ملك سبأ وذي ريدان وحضرموت ويمنت و أعرابها في النجاد والتهائم"، قام بتجديد بناء سد مأرب وترميمه على مقربة من موضع "رحب" "رحاب". وعند "عبرن" "عبران"، وقام بإصلاح أقسام منه حتى موضع "طمحن" "طمحان" "الطمح"، كما قام بحفر مسايل المياه وبناء القواعد والجدران بالحجارة، وقوّى فروعه، و بنى أقساماً جديدة، وأوصلها بعضها ببعض بين "غيلن" "غيلان" "الغيل" و "مفلل" "م ف ل ل" "مفلول"،وجدد سد "يسرن" "يسران"، وقام بإعاشة العمال ومن اشتغل ببنائه، وتمت هذه الأعمال في شهر "ذي داون" "ذي دأون" من سنة "564" "565" من التأريخ الحميري، أي سنة "449" "450" "456" للميلاد. ويشير هذا العمل بالطبع إلى حدوث تصدع في السدّ اضطر الملك إلى تجديد بناء أقسام منه، وترميم ما أمكن ترميمه من أقسام أخرى، وإضافة أقسام جديدة إليه.
ويظهر من هذا النص ايضاً إن السد قد تهدم بعد مدة قصيرة، وذلك في شهر "ذو ثبتن" "ذو الثبت" من سنة "565" من التقويم الحمبري، أي سنة "450" أو "451"، "455" "456" للميلاد، فأثر ذلك تأثيراً سيئاً جداً فيمن كان ساكناً في جواره، حتى اضطر من كان ساكناً "رحبن" "الرحبة" إلى الفرار إلى الجبال خوف الموت، فأسرع الملك إلى الاستعانة بحمير وبقبائل حضرموت لإعادة بناء السد، فتجمع لديه زهاء عشرين آلف رجل اشتغلوا بقطع الحجارة من الجبال وحفر الأسس وتنظيف الأودية و إنشاء خزانات لخزن المياه وعمل أبواب ومنافذ لمرور الماء والسيطرة عليه، حتى تمَّ ذلك في شهر "ذو دأو" من سنة "565" من تأريخ حمير. وذكر ما أنفقه على العمال وما قدمه لهم من طعام وما م ذبحه من بقر و أغنام، و ما صرفه من دبس "دبسم"و خمر و غير ذلك مما ذكره و فصله. و قد استخدم الملك عشرين الف رجل لإصلاح السد.
لقد قلّ شأن مأرب في هذا العهد، وأخذ الناس يرحلوان عنها إلى مواضع أخرى مثل "صنعاء" التي تألق نجمها حتى صارت مقراً للحكام الذين أقاموا في قصر،"غندن" "غندان"، أي "غمدان"، وفدا يكون لتصدع السد مراراً، دخل في هذا التحول، حيث أجبر المزارعين على ترك أرضهم التي أصابها التلف والجفاف والارتحال إلى ارضين أخرى، فتركوها إلى الهضاب والجبال. وقد يكون لتحول السياسي الذي أصاب هذا العهد دخل أيضاً فيه.
وفي تصدع السد بعد مدة ليست طويلة من ترميمه و إصلاحه وتجديده، وبعد إنفاق أموال طائلة عليه واشتغال آلاف من العمال في بنائه، شيء يثير السؤال عن سبب سقوطه أو سقوط جزء منه بهذه السرعة، فهل تهدّم من سقوط أمطار غزيرة جداً في هذا العام لم يكن في طاقة السد احتمالها فسقط? أو إن بناء السد لم يكن قد كمل تماماً، فسقطت أمطار غزيرة سببت انهيار الأماكن الضعيفة من المواضع التي لم تكن قد تمت، فانهار لذلك ? أو انه انهار بفعل كوارث طبيعية مثل زلزال أو بركان? إلى هذا الرأي الأخير يميل "فلبي" في كتابه به " سناد الإسلام ".
إن مما يؤسف عليه حقاً إن هذا النص لم يذكر أسماء القبائل التي هربت من "رحبتن" "رحبت" "الرحبة" خوفاً من الهلاك. وعلى الجملة، فالمستفاد منه بكل صراحة إن القبائل التي كانت تقطن هذه المنطقة تفوقت وتشتتت لتهدم السد. و فيه دليل على وجود أصل تأريخي للروايات العديدة التي يرويها الأخباريون عن تهدم سد مأرب وتفرق سبأْ. ولكننا لا نستطيع بالطبع أن نقول إن هذا ا الحادث الذي وقع في أيام "شرحبيل" هو الحادث المقصود في روايات الأخباربين، وهي روايات تغلب عنصر الخيال والابتداع والمبالغات فيها على عنصر الحقيقة و التأريخ.
وفي النص كما نرى ونقرأ جملة مهمة تشير إلى انتشار عقيدة التوحيد في ذلك الزمن بين اليمانين، و إلى الابتعاد عن آلهة اليمن القديمة. وتشير إلى ظهور "إلَه السماء والأرض" أو "إله السماوات والأرض"، فهو إلَه واحد، يرعى ملكوت السماء والأرض. وفي هذه العقيدة اعتقاد بوجود إله واحد. فقد ورد في النص: "بنصر وردا الهن بعل سمين وأرضن"، أي "بنصر وبعون الإلَه رب السماوات والأرض"، وهي عقيدة ظهرت عند أهل اليمن بعد الميلاد بتأثير اليهودية والنصرانية ولا شك.
و في جملة "الهن ذلهو سمين وأرض" الواردة في النص: Ryckmans 507 ومعناها: "الإله الذي له السماوات والأرض"، تعبير عن التوحيد أيضاً وهي من نصر يرجع إلى هذا الملك أيضاً. فنحن إذن في عصر آخذت عقيدة التوحيد تنتشر فيه.
وقد انتقل احكم بعد "شرحبيل يعفر" "شرحب ايل يعفر" إلى "عبد كلال" "عبد كللم" "عبد كلالم" على رأي "هومل". وجاراه "فلبي" في رأيه هذا، وجعل حكمه منذ سنة "455 م" حتى سنة "460 م". و لم يشرح "هومل" الأسباب التي دفعته إلى اعتبار "عبد كلال" ملكاً.
أما "فلبي"، فرأى انه كَان كاهناً، وسيد قبيلة ثار على ملكه، طمعاً في الملك أو إخماداً للثورة التي أجج الملك نيراتها على آلهة قومه، فغلبه، وربما كان ذلك بفضل مساعدة مملكة "اكسوم" له، و لكنه لم ينعم بالملك طويلاً، فلم يزد مدة حكمه على خمس سنين.
وقد ورد اسم "عبد كلال" في النص الموسوم ب Glaser 7. وذكر معه اسم "هنام" "هنم" "هانئ" و "هعلل"، وهما ابناه. ووردت بعد أسمائهم عبارة: "الهت قولم" " أي "سادة أقيال"، وهي جملة تدل على انه هو وابناه كانوا أقيالاً، فان كانت كلمة "قولم" اسم علم، صار معناها "آلهة قولم"، أي "سادة قول"، على اعتبار إن "قول" اسم قبيلة، ولا يفهم من التفسيرين على كل حال إن "عبد كلال" كان ملكاً. وقد دوّن هذا النص عند بنائهم بيت "يرت": "براو وهشقرن بتهمو يرت".وذكرت بعد هذه الكلمات جملة: "بردا رحمنن"، أي: "بعون الرحمن" وذلك في سنة "573" من التأريخ الحميري، المقابلة لسنة "458" الميلادية. وليست في هذا النص إشارة لا إلى ثورة ولا إلى ملك، ولا إلى تعلق بآلهة قديمة ودفاع عنها بل الأمر على العكس، فجملة "بردا رحمنن" تدل على انه كان مثل "شرحبيل يعفر" موحداً أيضاً، يدين بإله واحد، هو "الرحمن" الذي ظهرت عبادته متأخرة كذلك، وانه لم يكن على دين اجداده في عبادة "المقه" وبقية الأصنام.
وذكر الأخباريون إن من ملوك حمير ملكاً اسمه "عبد كلال"، وكان مؤمناً يدين بدين المسيح، فآمن بالني قبل مبعثه. ومن ولده "الحارث بن عبد كلال" وهو أحد الملوك الذين وفدوا على رسول الله من ملوك حمير، فأفرشهم رداءه، وهم: "الأبيض بن حمال"، و "الحارث بن عبد كلال"، و "أبرهة بن شرحبيل بن أبرهة بن الصباح"، و "وائل بن حجر الحضرمي". يضاف إليهم "جرير بن عبد الله البَجَليّ"، و "عبد الجد الحكمي" في رواية أخرى. ودوّن اسمه في نسخة "كتاب التيجان" المطبوعة على هذه الصورة "عبد كاليل بن ينوف"، وجعل ملكه أربعاً وستين سنة، وذكر أنه حكم بعد "عمرو بن تبان"، وأنه كان مؤمناً على دين عيسى، ولكنه ستر إيمانه.
وجعله بعض المؤرخين "عبد كلال بن مثوب"، وذكروا انه وثب على ملك التبابعة بعد وفاة "عمرو بن تبان اسعد" عن أولاد صغار، وأكبرهم استهوته الجن، فملك أربعاً وتسعين سنة، وهو تبع الأصغر، وله مغاز وآثار بعيدة فلما توفي ملك أخوه "مرثد"، وقد ملك سبعة وثلاثين عاماً.
من روايات الأخباريين هذه ومن تشابه الاسمين، استنتج "فون كريمر" و "هومل" وغيرهما أن "عبد كلال" المذكور في النص هو "عبد كلال" المذكور عند الأخباريين، وأنه كان لذلك ملكاً.
و "عبد كلال"، هو رجل ثائر لم يكن من أبناء الملوك، وإنما اغتصب العرش اغتصاباً على رأي أهل الأخبار، وقد زعم بعضهم إن الذي حكم بعده أخوه لأمه واسمه "مرثد"، وقد حكم سبعاً وثلاثين سنة. ثم ملك من بعده ابنه "وليعة بن سرثد"، ثم ملك من بعده "ابرهة بن الصباح بن لهيعة بن شيبة بن مرثد بن ينف بن معد يكرب بن عبد الله بن عمرو بن ذي أصبح، الحارث بن مالك"، وقبل إنما ملك تهامة فقط.
وذكر "الهمداني"، أن "عبد كلال" ونعته ب "الأكبر ذي الحدث"، كان قائد "حسان بن تبع". وكان على مقدمته إلى اليمامة يوم قتل جديساً، وقريش تقول: إن "حسان بن عبد كلال هذا حاربهم وأسروه" تم ذكر إن "حسان بن عبد كلال بن ذي حدث الحميري"، أقبل من اليمن "في حمير وقبائل من اليمن عظيمة، يريد أن ينقل أحجار الكعبة من مكة إلى اليمن، ليجعل حمير الناس البيت عنده والى بلاده، فأقبل حتى نزل نخلة، فأغار على سرح الناس ومنع الطريق، وهاب أن يدخل مكة، فلما رأت كنانة وقريش وقبائل خندف ومن كان معهم من أفناء مضر ذلك، خرجوا إليه ورئيس القوم يومئذ "فهر بن مالك"، فاقتتلوا قتالاً شديداً، فهزمت حمير وأسر حسان بن عبد كّلال ملك حمير، أسره الحارث بن فهر، وقتل في المعركة فيمن قتل: قيس بن غالب بن فهر. وكان حسان عندهم بمكة أسيراً ثلاث سنين، حتى افتدي منهم، فخرج به، فات بين مكة واليمن".
وقد علِّق "الهمداني" بعد ذلك على هذا الخبر، فقال: "ما سمعت العلماء ولا أحد من عُرّاف حمير، يثبت هذه الحرب التي كانت بيت حمير وقريش، وإنما كانت خزاعة الغالبة، يثبت عصر فهر على مكة، ولم يكن همَّ بحمل حجارة البيت سوى تبع بمشورة هذيل بن مدركة". فهو مثل سائر أهل اليمن المتعصبين لقحطان لا يؤيد خبر تلك الحرب، التي تجعل النصر لأهل مكة. ويضع تبعة ما يذكره أهل الأخبار من نقل حجارة الكعبة إلى اليمن على عاتق "هذيل بن مدركة"، من سادات مكة.
وشاهدت اليمن في سنة "460" للميلاد أو قبل ذلك بقليل ملكاً جديداً اسمه "شرحبيل يكف" "شرحب ال يكف" "شرحب ايل يكوف"، كانت نهاية حكمه في سنة "470" للميلاد على تقدير "هومل" و "فلبي". وهو ملك لا نعرف اسم أبيه، ولا نعرف علاقته بالملك السابق. ويرى "فلبي" انه على الرغم من هذا اللقب الطويل: "ملك سبأ وذو ريدان وحضرموت ويمنت وأعرابها في الأطواد وفي تهامة"، الذي يشير إلى تملّك صاحبه العربية الجنوبية الغربية، فقد طل الأحباش في بقعتهم الضيقة التي ارتكزوا عليها يحاربون حكومة "حمير" وهم البقية الباقية من عقد الإحتلال السابق.
وقد جاء اسم "شرحب ايل يكف" "شرحبيل يكف" في كتابة مؤرخة بسنة "575" من التقويم الحميري، المقابة لسنة "460" للميلاد. وقد وردت في الكتابة جملة: "رحمنن وبنهو كرشتش غلبن"، أي "الرحمن وابنه المسيح الغالب"، وقد استعمل لفظة "كرشتش" في مقابل لفظة Christus، مما يدل على إن صاحبها نصراني. وقد استعمل المصطلح اليوناني، ويظهر إن نصارى اليمن كانوا قد أخذوه من المبشرين، وعرّبوه على الصورة المذكورة. وقد ذكر بعد تلك الجملة اسم الملك ونعته الذي هو: "ملك سبأ وذي ريدان وحضرموت ويمنت وأعرابها في النجاد وفي التهائم".
وقد بقي من تأريخ النص اسم الشهر وهو "ذ حجت"، أي "ذو الحجة" "ذو حجة" والعدد الأول من اسم السنة وهو خمسة. ويرى "فلبي" احتمال كون السنة "585" أو "575""من التاريخ، الحميري، أي سنة "470" أو "460" للميلاد.
وورد اسمه في كتابة أخرى ناقصة وقد سقطت منها حروف وكلمات. وقد ذهب "جامه" إلى أن "شرحبيل يكف" "شرحب ايل يكوف"، كان قد حكم حكما منفرداً، وذلك من سنة "570" حتى سنة "580" من التقويم الحميري، ثم اشرك معه أولاده الثلاثة في أحكم، وذلك من سنة "580" حتى سنة "585" من التقويم المذكور، ثم حكم مع ولدين من ولده، وذلك من سنة "585" حتى سنة "590" من التقويم الحمري، ثم حكم ابنان من أبنائه وذلك من سنة "590" حتى سنة "595" من التقويم المذكور، ثم حكم من بعدهما "معد يكرب ينعم" حكماً منفرداً وذلك من سنة "595" حتى سنة "600"من ذلك التقويم، ثم خلفه "عبد كلال" الذي حكم من سنة "600" حتى سنة "602" من التقويم الحميري.
ووصل إلينا نص أرخ بسنة "582" من التأريخ الحميري، أي سنة "467" للميلاد، وفيه كلمات مطوسة، منها كلمة أو كلمات سقطت بعد كلمة "شرحب ايل" "شرحبيل"، وبعدها "معد كرب ينعم" "معد يكرب ينعم". ويستدل بتأريخ هذا النص على إن المراد ب "شرحبيل" "شرحب ايل" الملك "شرحبيل يكف" "شرحب ايل يكف" الذي نتحدث عنه. ولم يرد في هذا النص اسم ابن آخر من أبنائه غير هذا الابن، وهو "معد كرب ينعم" "معد يكرب ينعم".
وقد وجد مدوناً في إحدى الكتابات أسماء ثلاثة أولاد من أولاد "شرحبيل يكف"، هم: "نوفم" "نوف" "نوّاف" "نائف"، و "لحيعت ينف" "لحيعث ينوف"، و "معد يكرب ينعم" وقد نعتوا جميعاً بالنعت الملكي المعروف مما يدل على أنهم كانوا قد اشتركوا جميعاً في الحكم.
وقد ورد اسم "شرحبيل يكف" في عدد من كتابات أخرى. وقد ذكر معه في بعضها اسم ولدين من أولاده هما: "لحيعت ينف" و "معد يكرب ينعم" "معد يكرب ينعم"، وقد لقبا بلقب "ملك سبأ وذي ريدان وحضرموت ويمنت وأعرابها في الجبال وفي تهامة"، مما يدل على أنهما حكما حكماً مشتركاً وتهانا ملكين.
وحكم بعد "شرحبيل يكف"-في رأي "هومل"-ولداه "معد يكرب يهنعم" و "لحيعثت ينف" "لحيعث ينف" "لحيعث ينوف"، وذلك من حوالي سنة "470 م" حتى سنة "495 م". أما "فلبي"، فقد وضع في قائمته التي رتبها في كتابه "سناد الإسلام لملوك سبأ، اسم "نوف" بعد اسم "شرحبيل يكف"، وقدّر مدة حكمه منذ سنة "470 م" حتى سنة "480" "490 م" ووضع اسم "لحيعثت ينف" بعده، وجعل مدة حكمه منذ سنة "480 ب. م." حتى سنة "550 ب. م.".
و "لحيعثت ينف" هو "لخيعة بن ينوف ذو شناتر" المذكور عند أهل الأخبار. وقد زعم بعضهم انه حكم سبعاً وعشرين سنة.
وقد ورد اسم "معد يكرب يهنعم" "معد يكرب ينعم" واسم شقيقه "لحيعثت ينف" "لحيعت" في النص: Ryckmans 264 وفي النص CIH 620 وورد اسم "لحيعثت" وورد معه اسم "نوف"، وهو شقيقه في النص: Ryckmans 203.
وقد ذكر "فلبي" انه في حوالي سنة "495 م" شبتّ ثورة قام بها "مرثد الن" "مرثد علن?"، غير إنها أحبطت، ووضع بعل اسم "لحيعثت ينف" اسم "معد يكرب ينعم"، وقدّر مدة حكمه بعشرسنين، منذ سنة "490 م" حتى سنة "500م"، أي انه شارك، على رأيه، أخاه في احكم. أما الذي حكم بعد الأخوين "معد يكرب يهنعم" و "لحيعثت ينف"-في رأي "هومل" - فهو "مرثد الن" وقال انه قد حكم من حوالي سنة "495 م" حتى سنة "495 م".
أما "جامه"، فقد وضع اسم "عبد كللم" "عبد كلالم"، أي "عبد كلال" بعل اسم "معد يكرب ينعم"، وقد جعل حكم "معد يكرب" فيما بين السنة "595" والسنة "600" من التقويم الحميري، أي بين سنة "480" أو "486" للميلاد والسنة "485" أو "491" للميلاد. وجعل حكم "عبد كلال" فيما بين السنة "600" والسنة "603" من التقويم الحميري، أي سنة "485" أو "491" للميلاد، والسنة "487" أو "493" ل!ميلاد. ثم جعل فراغاً لا يدري من حكم فيه، جعله يمتد من السنة "602" حتى السنة "610" من التقويم الحميري، أي ثماني سنين، ثم ذكر بعده اسم الملك "مرثد الن ينف" "مرثد علن" "مرثد علان"، وجعل حكمه من سنة "610" حتى السنة "620" من التقويم الحميري، أي من سنة "495" أو "501" حتى السنة "505" أو "511" للميلاد.
ووصل إلينا نص وسم ب CIH 596، وهو ناقص ويا للأسف، ورد فيه اسم الملك "مرثد الن ينف" "مرثد الن ينوف" وقد لقب فيه باللقب المألوف: "ملك سبأ وذي ريدان وحضرموت ويمنت وأعرابها في الجبال وفي التهائم"، يظهر انه الملك "مرثد الن" الذي عناه "هومل". وقد أصيبت اسطر النص بأضرار، أتلفت كلمات منه وأفسدت علينا المعنى. وقد وردت في السطر السابع منه كلمة "ومهرجتم"، مما يفهم إن حرباً وقعت في البلاد في تلك الأيام. ف "الهرج" في العربيات الجنوبية بمعنى الحرب، وان فتنة حدثت، لا ندري سببها. ومهما يكن من شيء، فهي لم تكن بعيدة عهد عن أيام حكم "ذي نواس" ذلك العهد الذي انتهى بدخول الحبشة ارض اليمن.
ووضع "هومل" بعد اسم "مرثد الن" اسم "ذي نواس"، وقد حكم-على تقديره-من سنة "515 م" حتى سنة "525 م"، وبه ختمت-في رأيه-سلسلة ملوك الحميريين.
وقد عثر على كتابة وسمت ب Philby 228 ورد فيها اسم ملك من ملوك "سبأ وذي ريدان وحضرموت ويمنت وأعرابها في الجبال وفي تهامة"، هو "معد يكرب يعفر". وأرخت هذه الكتابة بشهر "ذي القيض" "ذ قيضم" من سنة "631" من التأريخ الحميري الموافقة لسنة "516 م". ومعنى هذا أن هذا الملك قد حكم قبل حكم "ذي نواس" بمدة قليلة. ونحن لا نعلم في الزمن الحاضر شيئاً من صلة هذا الملك ب "ذي نواس".
وقد عبث الدهر ببعض كلمات هذا النص وحروفه، فأضاع علينا معاني مفيدة. وردت فيه أسماء اعلام، هي: "سبأ"، و "حميرم" "حمير"، و"رحبتن" أي "رحبة" "الرحابة". وقد ورد اسم "رحبتن" في عدد من النصوص على انه اسم موضع. أما هنا، فهو اسم قبيلة، لورود كلمة "أشعبهمو" قبل "سبا وحميرم ورحبتن". ووردت كلمة "واعربهمو"، وبعدها جملة "كدت ومذحجم... وبني ثعلبت ومذر وسبع". وفي النص حروف طامسة حرمتنا معرفة بعض الأعلام.
وإما "كدت"، فقد قلت إن رأي علماء العربيات الجنوبية إنها "كندة". ويظهر من ورود اسمها في النصوص التي ترجع إلى ما بعد الميلاد، أنها اخذت تؤثر تأثيراً واضحاً في سياسة العربية الجنوبية بعد الميلاد، ولا سيما بعد توسع سلطان القبائل وتدخل الأعراب في الشؤون السياسية لعدم الاستقرار ولتدخل الحبش في شؤون العربية الجنوبية، وتقاتل الملوك والاقيال بعضهم مع بعض.
ويتبين من ورود كلمة "اعربهمو" قبل كلمة "كدت" في النص، أن قبيلة كندة كانت من القبائل الأعرابية أي البدوية، ولم تكن من القبائل المستقرة، النازلة في منازل ثابتة. ولهذا استعان بها حكام اليمن في تأديب القبائل اليمانية أو قبائل معد وقبائل نجد التي كانت تغزو اليمن، كما كانت نفسها تهاجم حكام اليمن وتغزو أرضهم، فصار لهم من ثم شأن يذكر في سياسة اليمن في هذا الوقت.
و "مذحجم" لقبيلة "مذحج"، وهي من القبائل المعروفة، وينسبها أهل الأنساب إلى مذحج بن مالك بن أدد. ويذكرون إن مذحج اكمة ولدت عليها أمهم فسموا مذحجاً وقد ورد اسم هذه القبيلة في النص: Ryckmans 508 المدوّن في أيام الملك "يوسف أسأر" الذي سأتحدث عنه، ورد في نص قتباني، هو النص الذي وسم ب REP. EPIG. 4688. وقد ذكر بعده اسم قبيلة "رغض"، ويظن البعض أن في قراءة الحرف الأول شيئاً من التحريف، وأن الحرف الأول هو حرف "ب" لا "راء"، فيكون اسم القبيلة "بغض" لا "رغض"، وهو اسم القبيلة "بغيض". وبغيض من القبائل العربية المعروفة.
وأما "ثعلبة"، فهي قبيلة "ثعلبان" التي ورد اسمها في السطر الثالث عشر من نص "سميفع أشوع" المحفوظ في متحف "استانبول"، وفي نص: Philby 123 حيت ورد: "الهت ثعلبن"، " "آلهة ثعلبان"، أي: سادة قبيلة "ثعلبان".
وذكر اسم "دوس ثعلبان" في قصة تعذيب "ذي نواس" لنصارى "نجران".
ويرى علماء العربيات الجنوبية وجود صلة بين قبيلة "ثعلبان" و "دوس ثعلبان". وورد اسم "دوس ثعلبان" في أثناء كلام الطبري على "ذي نواس".
ويعرف "ذو ثعلبان" المتقدم ذكره ب "ذي ثعلبان الأصغر"، وقد قال عنه "نشوان بن سعد الحميري" إنه من نسل "ذي ثعلبان الأكبر"، وهو ملك من ملوك حمير، وأحد المثامنة منهم. واسمه "نوف بن شرحبيل بن الحارث"، وزعم إن "ذا ثعلبان الأصغر" هو الذي أدخل الحبشة إلى اليمن غضباً لما فعل ذو نواس بأهل الأخدود من نصار نجران.
وإما "مذر" و "سبع"، فقبيلين. وأظن إن في قراءة اسم القبيلة الأولى بعض التحريف. وان الحرف الذي قرأ ب "ذ" يجب إن يقرأ "ضاداً" "ض"، وتكون القراءة عندئذ "مضر"، وهو الاسم الشهير المعروف عند النسابين. وقد رجعت إلى الصورة "الفوتوغرافية" المنشورة في مجلة Le Museon، فوجدت إن الحرف المذكور هو أقرب إلى حرف "الضاد" من حرف "الذال". والذين يقرأون المسند يعرفون إن من السهل الوقوع في الخطأ في قراءة الحرفين اذا كانا قد كتبا على أحجار قديمة وقد عبث الدهر بتلك الأحجار لأن بين الحرفين شيئاً من التشابه. ويظهر لدي إن رسم الحرف أقرب إلى الضاد من الذال، لوجود أثر لخط في أعلى وفي أسفل الحرف.
ويفهم من هذا النص إن حرباً أو فتنة كبيرة كانت قد حدثت في أيام هذا الملك، أسهمت فيها القبائل المذكورة، وهي: سبأ وحمير ورحبة وكدت "كندة" ومضر وثعلبة، وذلك قبل احتلال الحبش لليمن بقليل أو في أيام "معد يكرب يعفر"، وفي سنة "516 م". وقد مهدت هذه الفتنة الطريق للأحباش أن يدخلوا إلى العربية ويحتلوها بسهولة، وذلك بسبب الخصومات التي كانت بين القبائل وظهور الروح القبلية التي لا تعرف التعاون الا، في سبيل مصلحة القبيلة حسب.
وتولى الملك بعد "معد يكرب يعفر" الملك ذو نواس، وهو زرعة ذي نواس بن تبان اسعد ابي كرب بن ملكيكرب بن زيد بن عمرو في رأي الأخبارين، وهو يوسف ذو نواس بعد تهوّده في رأيهم أيضاً. ولقد زعم بعض أهل الأخبار انهه كان من أبناء الملوك، وزعم بعض آخر انه لم يكن من ورثه الملك، ولا من أبناء من حازه قبله، وإنما أخذه أخذاً. قيل: كانت له ذؤابتان تنوسان على عاتقه بها سمي ذا نواس.
ولا يعرف أهل الأخبار اسم الملك "معد يكرب يعفر"، بل ذكروا اسم ملك آخر قالوا انه حكم قبل "ذي نواس" زعموا إن اسمه "لخيعة ينوف ذو شناتر"، وقالوا انه لم يكن من بيوت المملكة، بل كان من حمير، وثب على الملك، فملك حمير، وقتل خيارهم، وعبث ببيوت أهل المملكة منهم. وكان أمرءاً فاسقاً، اذا سمع بالغلام من أبناء تلك الملوك زرعة ذو نواس بعث إليه، ليفعل به كما كان يفعل بأبناء الملوك قبله، فلما خلا به، وثب عليه ذو نواس بالسكين فطعنه به حتى قتله، ثم احتز رأسه، فخرجت حمير والأحراس في أثر ذي نواس حتى أدركوه، فقالوا له: ما ينبغي لنا إن يملكنا الا انت اذ أرحتنا من هذا الخبيث فملّكوه، واستجمعت كليه قبائل حمير وقبائل اليمن، فكان آخر ملوك حمير.
أما "ابن قتيبة"، فقد زعم إن "ذا شناتر" رجل لم يكن من أهل بيت الملك ولكنه من أبناء المقاول، أي من طبقة الأقيال "اقول". وقد اتفق مع غيره من أهل الأخبار في قصة غلظه وفحشه، وفعله القبيح بأبناء الملوك، وفي ارساله إلى ذي نواس يستدعيه إليه ليفعل به ما كان يفعل بغيره، وفي قتله إياه.
وتهوّ د ذو نواس وتهوّدت معه حمير، وتسمى "يوسف".هذا ما عليه أكثر أهل الأخبار وقد ذكر "ابن كثر" في تفسيره، انه كان مشركاً.
وبهذه القصة والطربقة صيّر أهل الأخبار ابتداء ملك "ذي نواس".
وذكر "ابن هشام" إن ذا نواس كان آخر ملوك حمير، وذكر آخرون إن ذا جدن، وهو ابن ذو نواس قد خلف أباه على حمير. وفي رواية أخرى إن ملك حمير لما انقرض وتفرق قي الأذواء من ولد زيد الجمهور، قام ذو يزن بالملك، واسمه علي بن زيد بن الحرث بن زيد الجمهور، أو علي بن الحرث بن زيدبن الغوث بن سعد بن عوف بن عدي بن مالك بن زيد الجمهور، فسار عليه الحبشة وعليهم أرياط، ولقيهم فيمن معه، فانهزم واعترض البحر فأقحم فرسه وغرق، فهلك بعد ذي نواس وولى ابنه مرثد بن ذي يزن مكانه، وهو الذي استجاشه امرؤ القيس على بني أسد.
وكان من عقب ذي يزن أيضاً، علقمة ذو قيفال بن شراحبيل بن ذي يزن ملك مدينة "الهون"، فقتله أهلها من همدان.
ولم يصل الينا شيء من هذا القصص الذي رواه الأخباريون عن ذي نواس مكتوباً بالمسند. ولم يرد اسمه في أي نص من نصوصه حتى الآن.
وزعم المؤرخ "ابن العبري" Barhebeaeus، أن "ذا نواس" واسمه "يوسف"، وكان من أهل الحيرة في الأصل، وكانت امه يهودية من أهل "نصيبين" Nisibis، وقعت في الأسر، فتزوجها والد "يوسف" فأولده منها. ومعنى هذا أنه لم يكن يمانياً، بل يهودياً وفد على اليمن من الحيرة. وقد لاحط بعض المستشرقين إن اسم "يوسف ذو نواس"، ليس على شكل وطراز اسماء وألقاب ملوك اليمن، وهذا ما دعاهم إلى التفكر قي احتمال وجود شيء من الصحة في روإية "ابن العبري"، لا سيما وأن يهود اليمن ويثرب وخيبر كانوا من المؤيدين للساسانيين ومن المناصرين لهم.
وقد اختلف الأخباريون في مدة حكمه، فقال بعضهم: انه ملك ثماني وثلاثين سنة. وذكر المسعودي وآخرون أنه حكم مئتي مشة وستين سنة. وذكر حمزة أنه ملك عشرين سنة. وهكذا هم فيه وفي غيره مختلفون.
واذا ما استثنينا الأخبار التي رويت عن تعذيب "ذي نواس" لنصارى نجران، فإننا لا نعرف شيئاً آخر مهماً عن اعمال هذا الملك، الذي كان متحاملاً جداً على النصارى والنصرانية حتى انه راسل ملك الحيرة لكي يؤثر عليه فيحمله على أن يفعل بنصارى مملكته ما يفعله هو بهم. ولعله كان يريد بذلك أن يكوّن حلفاً سياسياً مع ملوك الحيرة ومن ورائهم الفرس لمقاومة الحبش الذين كانوا قد وطئوا سواحل اليمن وأقاموا لهم قواعد فيها وعقدوا معاهدات مع الأمراء المنافسين ملوك حمير، وصاروا يحرضونهم على أولئك الملوك، ليتمكنرا بذلك من السيطرة على كل من اليمن والتوسع من ثم نحو الحجاز، للاتصال بحلفهائهم الروم. والسيطرة بذلك على أهم جزء من جزيرة العرب، والهيمنة على البحر الأحمر والمحيط الهندي، وانزال ضربة عنيقة بسياسة خصوم الروم، وهم الساسانيون.
وقي حوالي السنة "525 م" كانت نهاية حكم "ذي نواس"، إذ احتل الأحباش اليمن كما سنرى ذلك فيما بعد.
وفي موضع "سلع"، ويسمى "نخلة الحمراء" وهو خربة عادية، موضع زعم أنه قبر "ذي نواس"، المتوفى في حوالي "سنة 525 م". وقد فتح الموضع واستخرجت سنه آثار فنية ذات قيمة، من بينها تمثالان لزنجبين من البرنز.
ويظن بأن ما جاء بنص"حصن غراب" الموسوم بين المستشرقين ب REP. EPIG. 2633 من إن الأحباش فتحوا أرض حمير سنة "640" من التقويم الحمري الموافقة لسنة "525" للميلاد، وقتلوا ملكها وأقياله الحميريين والأرحبيين، يشير إلى الملك "ذي نواس"، وان لم يرد بالنص على اسمه.
وقد عثر على نصين مهمين هما: Rykcmans 507 والنص Rykcmans 508، وقد أشير فيهما إلى حروب وقعت بين الأحباش وبين ملك سمي فيهما ب "يسف اسار" "يوسف أسأر"، ولم يلقب النصان "يوسف" باللقب الطويل المألوف بل نعتاه ب "ملكن يسف أسأر"، أي "الملك يوسف أسأر" فقط. و "يسف اسار"، هذا هو الملك "ذو نواس". وقد كتب النصان في سنة واحدة هي سنة "633" من التقويم الحميري، الموافقة لسنة "518" للميلاد. الا إنهما كتبا في شهرين مختلفين. فكتب أحدهما في شهر "ذ مذرن" "ذ مذران" "ذو مذران" وكتب الثاني في شهر "ذ قيضن" "ذو قيضن" "ذو القيض". ويستنتج من عدم تلقيب "يوسف" باللقب الملكي الطويل المألوف، إن ملكه لم يكن متسعاً وان سلطانه لم يكن عاماً شاملاً كل اليمن، بل كان قاصراً على مواضع منها. فقد كان الأحباش يحتلون جزءاً منها بما في ذلك عاصمة حمير مدينة "ظفار" وكان الأقيال ينازعونه السلطة وقد كوّنوا لهم اقطاعيات مستقلة، نازعت الملك على الحكم والسلطان. وكانت الفتن مستعرة وهذا مما مكّن الحبش من انتهاز الفرص، فأخذوا يتوسعون بالتدريج حتى قضوا على استقلال البلاد واستولوا عليها وتلقب حكام الحبش باللقب الملكي اليماني الطويل المألوف دلالة على سيطرتهم على اليمن.
وقد سقطت من النص Rykcmans 507 كلمات من صدره، فأثر سقوطها هذا بعض التأثير على فهم المعنى فهماً واضحاً. وقد وردت في الفقرة الأولى منه كلمات مثل: "اشعبه" أي "قبائله"، و "اقولهمو ومراسهمو"، أي "أقيالهم ورؤساوهم". وجاءت جملة: "وبنيهمو شرحب ال يكمل" أي "وبنيهم: شرحبيل يكمل"، أي "وابنهم: شرحبيل يكمل". ثم دوّنت بعد هذا الاسم أسماء: "هعن اسانن"، و "لحيعت يرخم" و "ومرثد ال يملد" "مرتد ايل يملد"، وقد سقطت كلمات بعد لفظة "بني" أي أبناء، وهم من مؤيدي "الملك يوسف أسأر" ومن مساعديه. وقد أشير بعد ذلك إلى قتال وقع بينها أي جماعة الملك الحبش "احبشن" بموضع "ظمو" وفي مواضع أخرى.
وتناول النص الثاني خبر حروب وقعت بين الملك "يوسف اسأر" وبين الحبش ومن كان يؤيدهم من أقيال اليمن. وهو نص سجله القيل "قولن" "شرح ايل يقبل بن شرح ايل يكمل" من بني "يزأن" "يزن و "جدن" "جدنم" و "حبم" و "حب" و "نسان" "نان" و "جبا" و "جبأ". ويتبن من هذا النص إن الملك "يوسف أسأر" هاجم "ظفر" "ظفار" مقر الأحباش، واستولى على "قلسن"، أي كنيسة "ظفار". ثم سار بعد ذلك على "اشعرن"، أي "الأشعر" "الأشاعر". قبيلة من قبائل اليمن. ثم سار الجيش إلى "مخون" "مخا"، وحارب وقاتل، فقتل كل سكانها "حورهو"، واستولى على كنيستها، وحارب كل مصانع أي معاقل " شمر" ودكها دكاً، وحارب سهول "شمر" كذلك. ثم هاجم الملك هجوماً ماحقاً قبيلة "الأشعر" "اشعرن". ثم أحصى عدد من قتل في هذا الهجوم وعدد ما وقع في أيدي جيشه من غنائم، فكان عدد من قتل: ثلاثة عشر ألف قتيل، وعدد من أحذ أسيراً تسعة آلاف وخمسمائة اسير، واستولى على "280" ألف رأس من الابل والبقر والمعز "عنزم" "عنز". واحذت غنائم عديدة اخرى واتجه الملك مع جيوشه بعد ذلك إلى "نجرن" "نجران". وفي صعيد هذه المجدينة كان قد تجمع "أقرام" "قرم" "بني "أزأن" وقبائل همدان وأهل مدنهم واعرابهم واعر اب "كدت" "كندة" و "مرجم" "مراد" و "مذحج"، فانزلت جيوش الملك حسائر بالأحباش الذين كانوا قد تحصنوا بالمصانع والحصون وبمن ساعدهم من القبائل. وبمن كان قد تجمع في "نجران" لمساعدتهم. وكان مع الملك وفي جيشه "اقولن" الأقيال: "احيعت يرخم" و "سميفع أشوع" و "شرحب ال اسعد" "شرحبيل أسعد". اقيال وسادات "يزان" يزأن" "يزن" ومعهم قبائلهم: قبل "ازانن" "أزأن".
وقد جاءت في هذأ النص جملة: "سسلت مدبن". وقد قصد بها "حصن المندب"، أي ما يسمئ بموضع "باب المندب". في الوقت الحاضر.
نرى من خلال قراءتنا لهذين النصين إن الوضع في اليمن كان قلقاً جداً، وأن الأمور كانت مضطربة، وان الفتن كانت تعم البلاد، وان الأحباش كانوا يمتلكون قسماً كبيراً من ارض اليمن. وكان مقرهم مدينة "ظفار". وكان لهم أعوان وأحلاف من الاقيال والقبائل. وقد استعان بهم الحبش في نزاعهم مع "يوسف أسأر" حتى تمكنوا في الأخير من الاستيلاء على كل اليمن ومن انتزاع السلطة من أيدي حكام اليمن الشرعيين، ومن القضاء على الملك سنة "525" بعد الميلاد.
و "بنو يزان" "بنو يزأن"، هم "ذو يزن" عند أهل الأخبار، وكانوا من العشائر البارزة التي ورد اسمها في نصوص عديدة، واليهم ينسب "سيف بن ذي يزن". وذكر "ابن دريد" إن "يزن" موضع، ويقال "ذو أزن" و "ذو يزن"، وهو أول من اتخذ أسنة الحديد، فنسبت إليه، يقال للأسنة "يزني" و "أزني" و "يزأزني"، وإنما كانت أسنة العرب قرون البقر.
والأقيال المذكورون في النصين وهم: "شرحبيل يكمل" و "لحيعت يرخم" و "شرحئيل يقلل" "شرح ال يقيل" و "السميفع أشوع" و "شرحبيل أسعد ? كانوا من أقيال "يزان" "يزن". وقدّ لعبوا دوراً هاماً في الميدان السياسي والعسكري لهذا العهد.
وقد ورد ذكر القيل "شرحب ال يكمل" "شرحبيل يكمل". قي النص: Rykcmans 512. ومدوّنه رجل اسمه "حجي ايهر" "حجي أيهر". وذكر اسم قيل آخر اسمه: "شرح ال ذ يزان" "شرحئيل ذي يزأن" "شرحئيل ذي. يزن".
وورد اسم قيل آخر من أقيال "ذي يزن" عرف ب "شرحثيل ذي يزن" "شرح ال ذ يزان"، لعله القيل المتقدم. وقد جاء اسمه في نص عرف ب Rykcmans 515، دوّنه شخص اسمه "معويت بن ولعت" "معاوية بن والعة" و "نعمت بن ملكم" "نعمت بن مالك" "نعمة بن مالك". وقد ختم النص، بعارة مهمة هي: "رب هود برحمنن"، أي: "بالرحمن: رب يهود". ويدل هذا النص على إن صاحبيه كانا من اليهود، أو من العرب المتهودة.
وأما "جدنم" فهم "جدن". وهم أيضاً من العشائر اليمانية المعروفة. وقد ورد اسمها في عدد من الكتابات. وقد ذكر "ابن دريد" إن من رجال "جدن" "ذو قيفان بن عَلَسْ جدن"، الذي ذكره "عمرو بن معدى كرب" في شعره: وسيف لابن ذي قيفان عندي=تخيره الفتى من قوم عاد وقد أشير في النص: Rykcmans 51 إلى قيل من اقيال هذه القبيلة دعي ب "لحيعت ذ جدنم" "لحيعت ذي جدن". وقد دوّنه رجل اسمه "تمم يزد" "تميم يزيد". وقد نعت نفسه ب "مقتوت لحيعت ذ جدنم"، أي ضابط وقائد "لحيعت ذي جدن". ومعنى هذا انه قد كان لهذا القيل جيش. وكان "تميم" من قادة ذلك الجيش.
وقد يكون "تميم" هذا هو "تميم" "تمم" مدوّن النص الموسوم Rykcmans 513 وقد جاء فيه: "تمم مقتو لحيعت يرخم ذ جدنم وترحم على ابني ملكم ذ جدنم. رحمن وامنن". ومعناه: "تميم ضابط لحيعت يرخم ذو جدن. وترحم على ابن مالك ذو جدن. الرحمن والأمن "الأمان آمين". واذا كان تميم هو "تميم" المتقدم ذكره، فيكون "لحيعت ذو جدن" المذكور هو "لحيعت يرخم" المذكور في هذا النص اذن.
ملوك سبا وذو ريدان وحضرموت ويمنت
وقد رتّب "فون وزمن" ملوك سبأ وذي ريدان وحضرموت ويمنت على النحو الآتي: 1 - شمر يهرعش الثالث.
2 - ياسر يهنعم الثالث مع "تارن ايفع".
3 - ثارن يكرب.
4 - ياسر يهنعم الثالث مع ابنه "ذرأ امر ايمن".
5 - ذمر على يهبر "ذمر على يهبأر".
6 - ذمر على يهبر مع ابنه ثارن يهنعم.
7 - ثارن يهنعم مع ابنه ملكيكرب يهامن.
8 - ملكيكرب يهامن مع ابنيه أبو كرب اسعد وذرأ أمر أيمن.
9 - أبو كرب اسعد مع ابنه حسان يهأمن.
10- شرحبيل يعفر.
الفصل الثاني والثلاثون
إمارات عربية شمالية
لقد استغلت القبائل العربية الضعف الذي مر على الحكومة السلوقية، فأخذت تزحف نحو الشمال وتهدد المدن القريبة من البوادي وتحاول الاستيلاء عليها. وقد استولت فعلاً على بعضها وكوّنت حكومات يمكن إن نطلق عليها مصطلح "مشيخة" أو إمارة بحسب مصطلحاتنا السياسية في الزمن الحاضر. وهي حكومات توقفت حياتها على كفاية من كوّنها وأقام اسسها، وعلى كفاية من خلف المؤسسين لها من أشخاص. ولذلك كان عصرها قصيراً في الغالب، وكان حجمها يتوسع أو يتقلص بسرعة، لأن قوة الحكومات بقوة الحكام، فإذا كان الحاكم ذا شخصية قوية وارادة وحزم وذكاء، أغار على جيرانه وهاجم حدود الدول الكبرى، وأصابها بأضرار تضطرها إلى الاعتراف به رئيساً على قبيلته وعلى الأعراب الخاضعين لسلطان، ويبقى على مكانته هذه مادام قوياً، فإذا خارت قواه، أو ظهر منافس له أقوى منه، ولا سيما إذا كان منافسه قد جاء حديثاً من البادية بدم نشيط، ومعه قوم أقوياء أصحاب عدد، زعزع عن محله المرموق، وصار الأمر لغيره، وهكذا.
ويجب ألا ينصرف الذهن إلى إن هذه القبائل كانت قد جاءت إلى بادية الشام في هذا الزمن أو قبله بقليل، فقد سبق أن تحدثت عن وجود الأعراب في هذه البادية قبل هذأ العهد بزمان. وقد رأينا كيف حارب الآشوريون الأعراب، ولم يكن أولئك الأعراب الذين كانوا قد كوّنوا "إمارات" لهم في البادية من أبناء الساعة بالطبع، بل لا بد إن يكونوا قد هبطوا بها قبل حروبهم مع الآشوريين بزمان لا يعرف مقداره إلا الله، ولا بد أن يكون اتصال عرب جزيرة العرب بهذه البادية اتصالاً قديماً، فالبادية والهلال الخصيب امتداد لأرض جزيرة العرب والهجرة بين هذه المواضع قديمة قدم ظهور هذه المواضع إلى الوجود.
لم يكن أمام، أعراب جزيرة العرب من مخرج. حينما تجف أرضهم ويقضي الجفاف على البساط الأخضر الذي يقرشه الغيث في بعض السنين على سطح الأرض مدة غير طويلة، إلاّ الهجرة إلى أماكن يجدون فيها الخضرة والماء، ليحافظوا فهما على حياتهم وحياة ماشيتهم، وإلا تعرضوا للهلاك. والخضرة والخصب لا يكونان إلا حيث يكون الجو الطيب والماء الغزير، وهما متوافران في الهلال الخصيب وفي أطراف جزيرة العرب في الجنوب، حيث تسعف أبخرة البحر العربي والمحيط تلك الأرضين فتغذيها بالرطوبة وبالأمطار، لذلك كانت الهجرات إلى مثل هذه الأرضين دائمة مستمرة.
ويجد أعراب نجد في البادية وفي الهلال الخصيب ملاذهم الوحيد في الخلاص من خطر الفناء جوعاَ، فيتجهون بحكم غريزة المحافظة على الحياة نحوها،غير مبالين بما سيلاقون من صعوباًت، وأية صعوبات تواجه الإنسان أعظم من تحمل الموت جوعاً وببطء.
كانت كل قبيلة من هذه القبائل تضرب خيامها في المواضع، التي ترى فيها العشب والماء والمغنم في البادية أو عند الحضر. فإذا وجدت للحضر حكومة قوية احترمتهم، وان وجدت فيهم ضعفاً، هزئت بهم، واستولت على ما عندهم، وأخذت ترعى في أرضهم، ثم هي لا تقبل بكل ذلك، بل كانت تفرض عليهم "إتاوة" يؤدونها لهم، مقابل حمايتهم من اعتداء الأعراب الآخرين علهم، وبذلك تمكن سادات القبائل من فرض سلطانهم على بعض المدن كحمص والرُّها والحضر، وغيرها من المدن التي حكمتها أُسر عربية، في رأي بعض، الباحثين.
وقد وقف الأعراب وقفة تربّص وتأهّب من الحكومات القوية المهيمنة على الهلال الخصيب، كانوا يراقبون ويدرسون بذكائهم وبخبرتهم السياسية أوضاعها، فإذا أحسوا فيها ضعفاً بادروا إلى استغلاله قبل فوات الأوان. وللأعراب في هذا الباب حماسة غريبة ذات قدرة كبيرة في أدراك مواطن الضعف عند الحضر وعند الحكومات. فإذا تيقنوا بقوة شم حاستهم من وجود ضعف عند الحضر أو عند حكومة ما، ووجدوا إن في إمكانهم استغلاله في صالحهم جاءوا إلى من وجدوا فيه ضعفاً بشرط تتناسب مع ضعف مركزه، وبطلبات يملونها عليه، قد تكون طلب زيادة "الإتاوات" أي الجُعالات السنوية التي تدفع لهم، وقد تكون السماح لهم بالزحف نحو ارض الحضر والتوسع في الأرضين الخصبة ذات الكلأ والماء، وقد تكون طلباً بالاعتراف بسيادتهم على ما استولوا عليه وعلى أعراب البادية، وما إلى ذلك من شروط، قد تزيد فيها إن وجدت من تتفاوض معهم تساهلاً وقد تتساهل إن وجدت منهم شدة وعجرفة وقوة، مع اللجوء إلى الحيل السياسية وذلك بالاتصال سراً مع الجانب الثاني المعادي للانضمام إليه، وتأييده بحصولهم على شروط أحسن، وعلى ربح أعلى واكثر مما يعطيهم أصحابهم الذين هم على اتفاق معهم. وسنجد فيما بعد أمثلة على أمثال هذه المفاوضات السياسية السرية تجري مع الفرس، وأحياناً مع الرومان أو الروم.
وقد علّمت الطبيعة حكومات العراق وبلاد الشام دروساً في كيفية التعامل والتفاهم مع الأعراب. علّمتهم إن القوة ضرورية معهم، وان الصرامة لازمة تجاههم، لكبح جماحهم والحد من غلواء غزوهم للحدود وللحواضر، وان التساهل معهم معناه في نظر الأعراب وجود ضعف في تلك الحكومات، وان معنى ذلك طلب المزيد. ولذلك أقاموا مراكز محصنة على حواشي الصحارى، أقاموا فيها حاميات قوية ذات بأس ولها علم بالبادية وبمعاركها ودروبها، ومعها ما تحتاج إليه من "الميرة" والماء. وبنوا فيها "أهراء" أي مخازن نخزن فيها الأطعمة لتوزيعها على الأعراب عند الحاجة للسيطرة عليهم بهذا الأسلوب كما خزنوا فيها كميات من المياه في "صهاريج" تحت الأرض، وحفروا بها الآبار للشرب، ولتموين الأعراب بها أيضاً عند انحباس المطر وحلول مواسم الجفاف، وضعوا كل ذلك في حصون محصنة، ليس في استطاعة الأعراب الدنو منها أو اقتحامها، لأن عليها أبراجاً وفي أسوارها الحصينة العالية منافذ يرمي منها الرماة سهاماً تخرج منها بسرعة كأنها شياطين، تخيف ابن البادية، فتجعله يتحرج من الدنو من تلك الحصون.
ونجد اليوم في العراق وفي بلاد الشام آثار بعض تلك الحصون التي أقامها حكام العراق وحكام بلاد الشام لصد غارات الأعراب عن أرض الحضر، ولتوجيههم الوجهة التي يريدونها، حصون منعزلة نائية كأنها جزر صغيرة برزت في محيط من الرمال والأتربة، بعيدة عن مواطن الحضارة، عند أصحابها على إقامتها في هذه المواضع. لتكون خطوط دفاع أمامية تحول بين أبناء البادية وابن الدنو من مواطن الحضر، وتشغل الأعراب بالقتال حتى تأتي النجدات العسكرية فتصطدم بهم إن تمكنوا من اختراق تلك الخطوط.
وقد علمّت الطبيعة حكام العراق وحكام بلاد الشام إن القوة وحدها لا تكفي في ضبط الأعراب وتوجيههم الوجهة التي يريدونها، علّمتهم إن جيوشهم النظامية لا تستطيع أبداً أن تتعقب فلول الأعراب التي تتراجع بسرعة لا تبلغها عادة الجيوش النظامية في الوصول إلى البادية حصن الأعراب الحصين. وعلّمتهم أيضاً إن جيوشهم متى توغلت في البادية فان احتمالات اندحارها واندثارها تزيد عندئذ علما احتمالات الانتصار. فالأعرابي هو ابن البادية، وهو أخبر بها من الحضر، وهو يعرف مواضع. "الإكسير" فيها "إكسير الحياة" وهو الماء. لقد خبر آبارها، وخزن الماء في مواضع احتفرها وجعلها سرية فلا يقف عليها إلا خزّانها، لهذا فان من الحماقة محاربة الأعراب في ديارهم، وان من الخير مداهنتهم واسترضاؤهم وذلك بالاتفاق مع سادات القبائل الأقوياء أصحاب الشخصيات والمواهب، على دفع هبهات مالية سنوية لهم ترضيهم في مقابل ضبط الحدود وحمايتها من خطر مهاجمة الأعراب لها وغاراتهم عليها، مهما كان أصل أولئك لأعراب، وفي مقابل الاشتراك مع أولئك الحكام المتحالفين معهم في حروبهم لأعدائهم، إما بتقديم الخدمات الضرورية اللازمة لهم في الحروب، مثل تقديم الجمال لهم لحمل الجنود والأثقال والماء وكل ما يحتاج إليه الجيش في عبوره إلى البوادي.
وتقرن الجعالات السنوية بهدايا وألظاف يقدمها الحكام إلى سادات الأعراب، وبألقاب مشرفة تبتهج النفوس الضعيفة لاستوائهم إلى جانبهم، وبدعوات توجه إليهم في المناسبات لزيارة أولئك الحكام والنزول في ضيافتهم، فتخلع عليهم الخلع التي تستهويهم و تجعلهم إلى جانب أولئك الحكام.
ولأجل الوقوف على، حركات الأعراب وسكناتهم، و لمراقبة أعمال سادات القبائل وضعت الحكومات مندوبين عنها في مضارب أولئك السادات، يتنسمون الأخبار ويبعثون بها إلى الحكام. وقد كانوا في الوقت نفسه بمنزلة المستشارين لهم. وقد يقرنون ذلك بوضع حاميات قوية معهم للدفاع عن أولئك السادات إن جلبهم خطر أو للضغط عليهم ولردعهم في حالة تفكيرهم بنقض حلفهم مع تلك الحكومات. وقد عرف هؤلاء المستشارون أو "المندوبون الساميون" في عرفنا السياسي في الزمن الحاضر ب "قيبو" في اللغة الآشورية، وكانوا يرسلونهم إلى مضارب سادات القبائل لتوجيههم الوجهة التي يريدها ملوك آشور، وللتجسس عليهم وإرسال أخبارهم إلى أولئك الملوك حتى يكونوا على بينّة من أمرهم، و يتخذوا ما يرون من قرارات تجاههم.
ولم يكن من العسير على حكام العراق وحكام بلاد الشام، استبدال سيد قبيلة بسيد قبيلة آخر، إذا ما وجدوا في سيد القبيلة المحالف لهم صداً عنهم أو ميلاً إلى عدوّهم، أو نزعة إلى الاستئثار بالحكم لنفسه والاستقلال.
فالبادية أرض مكشوفة، وأبوابها مفتوحة لا تمنع أحداً من دخولها، فإذا جاء سيد قبيلة طامعاً في مر كز وأرض وكلأ وماء، ووجد في عدده وعدّته قوةً، نافس من نزل قبله، وطمع في ملكه وتقرب إلى الحكام ليحلوه محله، وليأخذ مكانه. وإذا وجد أولئك الحكام في القادم شخصيةً قويةً وأنه أقوى من السابق، لأنه ظهر عليه بعدد من معه وبقوة شخصيته، وأن السيد القديم لم يظل ذا نفع كبير لهم، فلا يهمهم عندئذ إزاحته عن مكانه، و إحلال الجديد محله. وكل ما يطلبه الحكام هو ضمان مصالحهم، ومن يتعهد بحماية مصالحهم صار حليفهم وصديقهم كائناً من كان. وهكذا البشر في كل مكان وزمان من أية أمة كانوا. لقد سيطرت القبائل العربية على شواطئ الفرات وهيمنت عليها في أيام السلوقيين. ونجد ساداتها و قد نصبوا أنفسهم عمالاً "فيلاركا" على تلك الشواطئ منذ منتصف القرن الثاني قبل الميلاد وبعده وتدل أسماء أولئك العمال على أن أصحابها كانوا من أصل عربي، وأن الأسر التي كونوها هي أسر عربية. وكلما كانت أسماء الملوك الأولين لهذه الأسر أسماء عربية، كانت أكثر دلالة على أصل أصحابها العربي. فقد جرت العادة أن الملوك المتأخرين يتأثرون بتيارات زمانهم الاجتماعية وبرسومه وعاداته، فيتخذون ألقاباً وأسماء يونانية أو سريانية أو فارسية، تظهرهم وكأنهم من أصل يوناني أو سرياني أو فارسي، على حين هم من أصل عربي، ولهذا كانت لأسماء مؤسس، الأسر أهمية كبيرة في إثبات اصل الأسرة.
وقد استغل الأعراب أهمية الطرق البرية التي تمر بالبوادي، وهي شرايين التجارة العالية بالنسبة لذلك الوقت، فتحكموا في مسالكها، واستغلوا أهمية الماء بالنسبة للقوافل والجيوش، فلم يكن في وسع جيش قطع البادية من غير ماء، وأخذوا يعاملون المعسكرين: المعسكر الشرقي والمعسكر الغربي وهو المعسكر الروماني وفقاً لحاجتهما إلى هذه الطرق و الماء ويفرضون على المعسكرين شروطاً تتناسب مع مواقفهم العسكرية و مع الأحوال السائدة بالنسبة لتك الأيام، وصاروا يجبرون كل معسكر من المعسكرين على تقديم أحسن الترضيات لهم لتقديم خدماتهم له، والانضمام إليه ضد المعسكر الشحيح البخيل.
ومن هذه الإمارات: إمارة الحضر، وإمارة "الرُّها" Edessa، وإمارة "الرستن - حمص" Arethusa-Emesa و إمارة "سنجار" Singara، وحكومة تدمر، ثم حكومة الغساسنة في بلاد الشام، وحكومة المناذرة في العراق.
ويلاحظ إن بعض هذه الحكومات، تكونت في مدن كانت قديمة عامرة، سكانها من غير العرب، ومع ذلك صارت مقراً لأسر حاكمة عربية، باًستيلاء تلك الأسر عليها وباخضاعها لحكمها واتخاذها مقاماً لهم، فصار الحكم عليها في أيدي تلك الأسر. أما المحكومون فهم السكان الأصليون، وغالبهم من غير العرب ولسانهم هو لسان بني إرم في الغالب.
وهناك إمارات تكونت على أطراف الحضارة، وفيَ مواضع، الماء والكلا في البادية، أو في مواضع غير بعيدة عن حدود الحاضرة من العراق وبلاد الشام، وخاصة في العُقدَ التي تتصل بها طرق القوافل، ويعود الفضل في تكوّنها وظهورها إلى هذه الأمور المذكورة، ولا سيما موضعها من خطوط سير القواقل، حيث يتقاض سادات تلك المواضع "إتاوات" عن التجارة التي تمر بها، وعن التجارة التي تحمل إليها لبيعها في أسواقها، فيتجمع لهم دخل لا بأس به من هذه الجباية التي قد ترتفع أحياناً حتى تصل إلى درجات التعسف بالتجار. ويكون سادات هذه المواضع أصحاب حظ عظيم، إذ كانت مواضعهم عصباً ضرورياً رئيسياً في تجارة البادية، حيث لا تجد القوافل الكبيرة المحملة بالتجارة النفيسة بداً من المرور منها، فان دخلهم يكون حينئذ كبيراً، يحملهم على التوسع والطموح وعلى السيطرة على الآخرين بقدر أللأمكان.
وكما كانت القوافل التجارية والطرق البرية رحمة للمسوطنات الصحراوية التي نشأت وتكونت عند عقد العصب الحساس لهذه الطرق، كذلك صارت تلك الطرق نقمة على تلك المستوطنات. إذ طالما قضت عليها وحكمت عليها بالموت، فقد يجد التجار وأصحاب القوافل طرقاً أسهل وأقصر في قطهم للبادية، أو معاملة أطيب من سيد قبيلة منافس، أو حماية عسكرية أقوى، فيتحولون عن تلك الطرق المسلوكة إلى طرق أخرى فتموت بذلك المستوطنات المقامة عليها، ويضطر أهلها إلى تركها إلى مواطن جديدة. وقد كان لاستخدام الطرق المائية من طرق نهرية وبحرية، أثر كبير في إماتة الطرق البرية أو في منافستها، كذلك كان للطرق البرية ولا سيما الطرق العسكرية المهمة التي أقامها الرومان والروم في بلاد الشام، أو الفرس في العراق أثر كبير في القضاء على المستوطنات التي نشأت في البوادي، إذ فضّل التجار السير في هذه الطرق المأمونة التي لا يتحكم فيها سادات القبائل في مقدراتهم، ولا يدفعون ضرائب مرور عن الأرضين على تلك الطرق الموحشة المقفرة المملوءة بالمخاطر والتي يتحكم فيها أبناء البادية في مقدرات التجار، فيفرضون عليهم ضرائب مرور من أرضهم كما يشاءون من غير تقدير لما سيجر ذلك عليهم وعلى التجار من أضرار. وبذلك أعان أبناء البادية بأنفسهم على إماتة مستوطناتهم في بعض الأحيان.
ويظهر من "جغرافية" "سترابو" أن أرض الجزيرة ومنطقة الفرات والبادية المتصلة لبلاد الشام، كانت في حكم سادات قبائل، يحكمون وكأنهم "عمال" "فيلارك" Phylarchus. وكان بعض هؤلاء يحكمون أرضين صقيرة، وحكهم حكم "مشايخ القبائل" في عرف هذا اليوم: يشتغل أتباعهم بالرعي، وبعضهم يشتغلون بالزراعة، وآخرون بالتجارة و كان قسم منهم أعراباً يتنقلون في البادية ومنهم أشباه أعراب، ولا سيما أولئك القاطنين على ساحل العقبة، أي خليج "أيلة" وقد استغل هؤلاء الأعراب طبيعة أرضهم، فكانوا يجبون "العشر" من التجار، أو يشتغلون هم أنفسهم بالاتجار أو يقومون بنقل التجارة لحساب غيرهم من التجار.
وقد كان الأعراب هم الوحيدين الذين في استطاعتهم حماية الطرق البرية الممتدة بين العالم المتحضر القديم: العراق وبلاد الشام، فهم وحدهم سادة البوادي، وفي أيديهم "إكسير الحياة" الماء. لهم آبار أو عيون، و "صهاريج" سرية يخزنون فيها الماء. ولهم مخازن احتياطية مملوءة بهذه المادة الثمينة الضرورية للحياة، يملأونها من أماكن قد تكون بعيدة عنهم، ثم يحملونها معهم حيث ذهبوا، والى منازلهم. وهي قِرَبٌ كبيرة يصنعونها من الجلد، تمونهم بالماء، و تمون القوافل المارة بهم بما يحتاجون إليه وبما يكفيهم للتنقل من منزل إلى منزل آخر. وقد أطلق اليونان على أكثر هؤلاء اسم Scentitae=Skenitai، بمعنى الساكنين في الخيام. لأن "السكينه" Skenai=Skynai معناها الخيمة والبيت، وهي تقابل لفظة "سكوت" "سكوث" Sukkot في العبرانية، التي تعني الخيمة والبيت أيضاً.
وال "سكينيته" Skenitai، هم كما قلت أهل، الخيام، الخيام المصنوعة خاصة من شعر المعز، و هم أعراب يقطنون البادية وطرفي العراق و الشام، تمتد منازلهم في بلاد الشام حتى تبلغ الخط الممتد بين Europus و Thapascus في الشمال على رأي "بلينيوس"، و تمتد في الغرب حتى تبلغ حدود Apaea، على رأي "سترابون". أما حدود مجالات هؤلاء الأعراب من الشرق، فتمتد من أعالي الفرات حتى تبلغ ملتقاه بدجلة في الجنوب على رأي "سترابون" كذلك. ويفصلهم النهر عن منازل قبيلة "أتالي" Athali في كورة Characene.
وذكر "سترابو" أن سادات "سكان الخيام" كانوا يجبون الضرائب من التجار في أثناء مرورهم بمناطق نفوذهم، وكان بعضهم يشتط عليهم فيتقاضى منهم ضرائب عالية، ولا سيما أولئك الذين ينزلون على ضفتي النهر، فتجنب التجار المرور بمناطقهم، ومنهم من كان يتساهل فيعاملهم بلطف ورعاية. وذكر أيضاً أن الرومان وسادات الأعراب كانوا يسيطرون على الجانب الغربي للفرات حتى إقليم بابل، وأن فريقاً من سادات القبائل كانوا يشايعون الرومان، وفريقاً آخر كان يشايع الفرس، وأن الذين كانوا يسكنون على مقربة من النهر كانوا أقل ميلاً وتودداً إلى الرومان من الذين كانوا يقيمون على مقربة من العربية السعيدة.
وبلغت منازل ال "السكينيته" سكان الخيام حدود مملكة "حدياب" Adiabene و الجبال في العراق على رأي "سترابو". ويذكر "سترابو" أن من هؤلاء رعاةً، وأن منهم متلصصين يغزون وينهبون، ويتنقلون من سكان إلى مكان حيث يكون المرعى، أو تتوافر الغنائم والأموال، وأن طريق بابل و "سلوقية" إلى الشام الذي يسلكه التجار يمر في أرض جماعة من هؤلاء الأعراب يعرفون ب Malli في أيامه. لهم البادية يتحكمون فيها كيفما يشاؤون.
ولا نجد في كتاب "سترابو" شيئاً يتعلق بأصل "السكينيته"، سكان الخيام، و بالزمن الذي ظهرت فيه منه التسمية. وقد ذكر إن من مواطنهم مدينة اسمها Skenai، وهي معروفه عندهم، تقوم على "قناة" على سدود أرض "بابل"، وعلى بعد ثمانية عشر "شوينوى" Schoinoi من مدينة "سلوقية"، كما ذكر انهم يسممون الآن بأسم اخر، هو: "ملوى" Malioi "مالي" Malli.
وقد ذهب الباحثون مذاهب عدة في تعيين موضع مدينة skenai، إن جاز التعبير عنها بلفظة "مدينة"، فذهب بعضهم إلى إنها "عُكْبرا"، وذهب بعض آخر إلى إنها "الحرة"، فالحرة بمعنى المخيم والمعسكر، وهو معنى قريب من معنى لفظة Skenai. وذهب آخرون إلى إنها "مسكين" أو "مسجين"، وهو موضع يقع شمال بغداد، أو "بيت مشكنة". ولكل رأي ودليل في أختياره لذلك المكان.
ويظهر من وصف "سترابو" لأحوإل "سكان الخيام"، أي الأعراب، انهم كانوا كثرة، وقبائل تنتقل جمع الماء والكلأ. أما ال Mailoi، فانهم كان منهم أشباه مستقرين، وآخرون مستقرون، تكاد منازلهم تكون ثابتة، ولهم نظام يمكن أن نسميه نظام حكومة، ويدير شؤونهم سادات منهم، يشرفون على أعرابهم ويرعون طرق القوافل التي تمر بأرضهم، لأنها تأتي لهم بفوائد كبيرة.
ومن الإمارات التي يرجع كثير من الباحثين أصول حكامها إلى أصول عربية: الحضر Hatra، و "إمارة حمص" Emesa و "إمارة الرُّها". Edessa، وتدمر، وإمارات أخرى. وهي إمارات لا يمكن أن نقول إن ثقافتها كانت ثقافة عربية، وان غالب سكانها كانوا من العرب، ولكننا نستطيع أن نقول إن العرب كانوا يتحكمون فيها، وان هنالك أدلة تزداد يوما بعد يوم، تزيد في الاعتقاد بأن العنصر العربي كان قوياً فيها، وان سكانها كانوا عرباً، ولكنهم تأثروا بالمحيط الذي عاشوا فيه، فتثقفوا على عادة تلك الأيام بثقافة بني إرم، واتخذوا من لسان بني إرم لساناً لهم في الكتابة، ومن قلم بني إرم قلماً لهم يكتبون به ويعبرون عن إحساسهم وشعورهم وعلمهم به.
أما "الحضر"، فهي اليوم آثار شاخصة في البرية بوادي الثرثار جنوب غربي الموصل، على بعد "145" كيلومتراً منها. ولعلماء الآثار آراء في أصل التسمية، فمنهم من ذهب إلى إنها من أصل إرمي، ومنهم من ذهب إلى إنها من أصل عبراني إرمي، ومنهم من رجح إنها من أصل عربي، بمعنى "الحرة" أي "العسكر"، وقد عرفت ب "اترا" Atra و Atrai في اليونانية، و ب "هترا" Hatra في اللاتينية. وهي "حطرا" في الكتابات التي عليها في الحضر.
ويرى "هرتسفلد" E. Herzfeld إن القبائل العربية هي التي أسست هذه المدينة، أسستها في القرن الأول قبل الميلاد حصنًا منيعاً أقام ساداتها فيه مستفيدين من الخلاف الذي كان بين الفرث واليونان، حيث استغلوه بذكاء وحنكة، فحصلوا على أموال من الجانبين، لما لموضعهم من الشأن العسكري والسياسي والاقتصادي. وكانوا كلما ازداد مالهم وبرزت أهميتهم، ازدادت المدينة توسعاً وبهاءً وعمراناً، حتى صارت مدينة كبيرة ذات شأن، سكنتها جاليات أجنبية أيضاً، أنجزت، وتولت الوساطة في البيع والشراء، ونقل تجارة آسية إلى تجار أوروبة، وتجارة أوروبة وحاصلاتها إلى تجار آسية.
وقد قوّت الكتابات الإرمية التي عثر عليها في "الحضر" سنة "1951 م" رأي "هرتسفلد"، القائل بأن الذين أسسوا هذه المدينة هم قبائل عربية، وذلك لورود أسماء عربية فبها مع أسماء إيرانية و إرمية. وقد وجد أن نسبة الأسماء العربية تزيد على نسبة الأسماء العربية في كتابات مدينة "تدمر"، وهي مكتوبة بلغة "بني إرم" كذلك، وهذا مما يدل على وجود جالية عربية قوية في الحضر. ولكن ذلك لا يعني في الزمن الحاضر أن غالب السكان كانوا عرباً.
وقد نُعت رئيس معبد الحضر الكبير ب "سادن العرب"، على غرار تلقيب ملوك الحضر أنفسهم ب "ملوك العرب". واسم هذا السادن، هو "افرهط"، و قد قال عن نفسه: "رب ي تا دي عرب"، أي: "أفرهط سادن العرب"، وذكر مترجم النص أن المألوف في كتابات الحضر أنها لا تنسب الكاهن إلى عبدة الإلَه أي المتعبدين، ولكن تنسبهم إلى الآلهة، بأن يكتب "سادن الإلهَ..."، لا "سادن عبدة الإلهَ..."، كما هو في هذا النص، ويرى مترجمه أن "أفرهط" قد خالف المألوف، وخالف عادة القوم، تقليداً لما فعله الملك "سنطروق" ملك الحضر من تلقيب نفسه ب "ملك العرب" "ملك الأعراب".
وقد عثرت مديرية الآثار العامة في العراق على نص وسمته ب "79" من النصوص التي عليها في الحضر، جاء فيه اسم المدينة "الحضر"، لأول مرة، فلم يسبق ورود هذا الاسم في نصوص سابقة. وقد ورد على هذا الشكل: "حطرا"، على نحو ما ينطق به في لغة "بني إرم"، كما وردت فيه جملة: "و بالحظوظ العائدة إلى العرب"، وهي جملة ذات دلالة مهمة بالطبع، لأنها تشير إلى العرب ووجودهم في هذه المنطقة، كما ذكر فيه "عربايا" "عربواو"، و لأسم إقليم "عربايا" شأن كبير، لأنه نسبة إلى العرب، وفيه تقع مدينة الحضر.
أما أسماء ملوك الحضر، فهي أسماء غير عربية النِّجار، يظهر على بعضها أنها إيرانية، وعلى بعض آخر أنها إرمية. غير إن علينا إن نفكر في أن التسميات لا يمكن إن تكون أدلة يستدل بها على أصل الناس. فقد كانت العادة تقليد الأجانب وعاداتهم في اختيار أسماء، ولا سيما عند الحكام والملوك. فقد كانوا يختارون لهم في كثير من الأحيان أسماءً أو ألقاباً من الدول القوية التي تتحكم في شؤونهم و التي لها سلطان عليهم. فقد لقب جماعة من ملوك "اليطوربين" أفسهم ب "بطلميوس" ولقب نفر منهم أنفسهم ب "ليسنياس" Lysanias و ب "فيلبيون" Philippion، وهي من التسميات اليونانية، مع أن اليطوريين ليسوا يونانيين. كذلك نجد اللحيانيين يقلدون اليونان، فيلقبون أنفسهم ب "بطلميوس"، مع أنهم عرب، و هكذا قل عن أهل "الرها" و "تدمر" وأمثالهم فإنهم هم وملوكم قد قلدوا اليونان في أسمائهم وفي اتخاذ ألقاب يونانية لهم، وهم مع ذلك لبسوا من اليونان، ولهذا لا نستطيع أن نحكم على اصل الإنسان استناداً إلى الألقاب والأسماء. وينطبق هذا الرأي على ملوك الحضر أيضاً ت فإن "سنطروق" وهي تسمية إيرانية فرثية، لا يمكن أن تقوم دليلاً على إن أصله من الفرث.
و يلاحظ إن كثيراً من كتابات الحضر، لا يكتفى فيها بذكر اسم الشخص واسم أبيه، و إنما يذكر فيها اسم جده أيضاً، و اسم والد جده أحياناً. وقد عثر على كتابة ورد فيها اسم ستة أجداد. وتجد هذه الطريقة في الكتابات الصفوية كذلك، وقد استدل "اينو ليتمان" E. Littmann من طريقة تدوين الصفوبين لأنسابهم على هذه الصورة على انهم عرب، لأن العرب يعتنون بالنسب أكثر من عناية غيرهم به، فيذكرون أسماء الآباء والأجداد. ولذهاب بعض أهل الحضر هذا المذهب في تدوين أنسابهم، رأى بعض الباحثين إن أصحاب هذه الكتابات هم من أصل عربي.
وما زال تأريخ الحضر غامضاً ناقصاً، فيه فجوات واسعة، لم تملأ حتى الآن. ويرئ الذين عنوا بدراسة تأريخها إنها تعود إلى القرن الأول قبل الميلاد، وربما امتد تأريخها إلى ما قبل ذلك. وأما ازدهارها، فقد كان في أيام "الفرث" Parthians، وهم "الاشكانيون" و "ملوك الطوائف" في الكتب العربية. وقد عاركت "الرومان" و "الساسانيين" " وتعرضت للخراب والدمار في أيام "سابور" المعروف ب "سابور الجنود" في الكتب العربية، وذلك سنة "241" للميلاد. ولم تتمكن بعد هذا الحادث من استعادة نشاطها وقوتها، فذكر إن جيشاً رومانياً مرّ بها سنة "363" للميلاد، فوجدها خراباً.
ومن ملوك الحضر، الملك "سنطروق"، وقد ورد اسمه في طائفة من الكتابات. ويظهر انه كان مؤسس سلالة ملكية من السلالات التي حكمت هذه المدينة. وقد عرف أبوه باسم "نصرو مرى" "نصر". ولعله كان أول من ملك الحضر. ويظهر إن أباه لم يكن ملكاً، ولكن كان كاهناً. وقد ورد اسمه في نص رقم برقم "82" من نصوص الحضر، مؤرخ بسنة "388" من التقويم السلوقي، الموافق لسنة "77" للميلاد. ومعنى هذا إن الملك "سنطروق" كان يحكم في النصف الثاني من القرن الأول للميلاد. ولا يستبعد إن يكون قد حكم قبل هذا العهد. ويعد هذا النص من اقدم النصوص المؤرخة التي عليها في هذه المدينة.
وقد عثر على كتابات أخرى، ورد فيها: "سنطروق ملك بن نصرو مريا"، و لورود جملة "ملك العرب" بعد اسم الملك شأن كبير بالطبع، لأنها توضح علاقة هذا الملك بالعرب بكل جلاء.
وقد أمكن الحصول في هذا اليوم على أسماء عدد من حكام الحضر. منهم: "اورودس" "ورود"، وكان يلقب بلقب "مريا"، افي "السيد" و "الرئيس"و "نصرو" "نصر"، وقد لقب بلقب "مربا" كذلك. وهو ابن "نشرى هبه" "نشرى هاب" و والد الملك "سنطرق" "سنطروق" الموسوم ب "الأول". ثم "ولجس" "ولجش" "ولوجس"، وقد لقب ب "مريا" أي "الرئيس" في أحد النصوص وبلقب "ملكا ذي عرب"، أي "ملك العرب" "ملك الأعراب"، في نص آخر. مما يدل على أنه عاف لقب "مريا"، أي السيد أو الرئيس، الذي لقب به في أول عهده بالحكم، وهو لقب أسلافه، واستبدله بلقب "ملك". وهو أضخم من لقب "مريا" بالطيع.
وقد عثر على تمثال كتب على قاعدته جملة: "تمثال ولجش ملك العرب". وقد أقام ذلك التمثال وأمر بتسطير الكتابة "جرم اللات بن حي".
ثم الملك "سنطرق" "سنطروق" الأول، وهو ابن "نصرو" "نصر" "نصر ومريا"، وقد لقب ب "ملكا دي عرب"، أي "ملك الأعراب" وقد كان حكمه في النصف الثاني من القرن الأول بعد الميلاد "77 = 78 م".
ثم الملك "عبد سميا"، الملقب بلقب "ملكا ذي عرب" "ملكا دي عرب"، وهو والد الملك "سنطرق" "سنطروق" الثاني.
والملك "سنطرق" "سنطروق" الثاني، وهو ابن الملك "عبد سميا"، هو والد ملك آخر اسمه "عبد سميا" كذلك. وملك آخر اسمه "معنا" "معنى" أي "معن" في عربيتنا.
ولعل "تراجان" "98 - 117 م" الإمبراطور الروماني ذا المطامع الواسعة في الشرق الأدنى، كان قد فكر في الاستيلاء على الحضر في عهد "سنطرق" "سنطروق" أو أيام "عبد سميا" 0 إذ عثر على منار في طريق سنجار دوّن عليه اسمه، يشير إلى وصوله إلى هذه المواضع من العراق. ولكن الرومان لم يتمكنوا من الاستيلاء على الحضر، وبعد إن حاصروها مدة، تراجعوا عنها، لأنهم وجدوا صعوبة في فتحها، وعادوا إلى "أنطاكية".
وقد ورد في النص "139" اسم "نشرى هب"، وهو ابن "نوهرا"، وهو ابن "سنطرق" "سنطروق"، الملقب بلقب "ملكا" أي "الملك".
ويظن إن حكم "اثل ملكا"، أي الملك "اثل" "أثال" أو "اثال الملك" بتعبير اصح، والذي ورد اسمه في النصوص، دون إن يذكر اسم والده، كان يحكم الحضر في منتصف القرن الثاني للميلاد، أو في النصف الثاني منه، و هو ملك لا نعرف صلته بالملوك المتقدمين.
واما "برسميا"، فقد كان من معاصري "سبتيميوس سفيروس" Septimius Serverus الذي كان حكمه في حوالي السنة "193" إلى السنة "211" بعد الميلاد. وكان من خصومه المزعجين. فقد صبر بجنوده ودافع معهم عن أسوار مدينته حتى اكرهه على فك الحصار عن الحضر وعن التراجع عنها، بسبب العطش الذي اثّر في جيشه، على حين كان الماء كثيراً في المدينة مخزوناً عندهم. وبسبب ا لمقاومة العنيفة التي أظهرها الفرسان العرب، و إلقاء أهل الحضر، قنابل النفط على جيوش الرومان ومقاومتهم مقاومة عنيدة حملت الرومان على التراجع عن المدينة وفك الحصار عنها.
ولما ظهرت الدولة الساسانية كانت الحضر على صلات طيبة بالرومان. وكانت تلعب دوراً خطيراً في عالم التجارة لموقعها المهم بالنسبة لطرق القوافل لذلك الوقت، فتحرش بها الساسانيون وغزوها، ثم دمروها في الأخير، وكان سبب ذلك هو أن "اردشير" الأول، مؤسس الدولة الساسانية ومهدم كيان الدولة الأشكانية، دولة الفرث، لما انتصر على دولة الفرث، حارت الدويلات الصغيرة، وفي جملتها حكومة الحضر، في أمرها، وظنت أن النصر سيكون للفرث، فوقفت موقف الحذر من الساسانيين، ورأى ملك الحضر "الضيزن" أن من الأصلح له إن ينضم إلى الرومان الذين كانوا قد توجهوا نحو الشرق، واستولوا على "ميديا"، وان يهاجم الفرس. فهاجمهم وتغلب عليهم في معركة "شهر زور" كما تذكر الموارد العربية، وأسر بنتاً من بنات ملك الفرس. وكان ذلك في حوالي السنة "232" للميلاد تقريباً. فسار "سابور" الأول، وهو "سابور الجنود"، وهو ابن الملك "أردشير الأول"، إلى الحضر يريد الانتقام من "الضيزن"، فتحصن "الضيزن"، وأناخ "سابور" على حصنه أربع سنين، من غير أن يتمكن من فتحها، ثم إن ابنة للضيزن اممها "النضيرة" رأت "سابور" فوقعت في حبه، فراسلته و أرشدته إلى طريقة يمكن بها من إحداث ثغرة في سور المدينة فقتحها، واستولى عليها وقتل أباها، وأباد أهل المدينة، وأخذ "سابور" النضيرة فأعرس بها بعين التمر، ثم تذكر خيانتها "فأمر رجلا فركب فرساً جموحاً، ثم عصب غدائرها بذنبه، ثم استركضها فقطعها قطعاً".
وقد تعرض "الطبري" لمدينة الحضر، فقال: "وكان بحيال تكريت بين دجلة والفرات مدينة يقال لها: الحضر، وكان بها رجل من الجرامقة، يقال له: الساطرون، وهو الذي تقول فيه أبو دواد الإيادي: وأرى الموت قد تدلى من الحض ر على ربّ أهله الساطـرون 
والعرب تسميه الضيزن، و قيل: إن الضيزن من أهل باجرمى.
وزعم هشام بن الكلبي انه من العرب من قُضاعة، وانه الضيزن بن معاوية ابن العبيد بن الأجرام بن عمرو بن النخع بن سليح بن حُلوان بن عمران بن الحاف ابن قضاعة، وان أمه من تزيد بن حلوان اسمها جيهلة، وانه إنما كان يعرف بأمه. وزعم انه ملك ارض الجزيرة، وكان معه من بني عبيد بن الأجرام وقبائل قضاعة ما لا يحصى، وان ملكه كان قد بلغ الشام، وانه تطرّف من بعض السواد في غيبة كان غابها إلى ناحية خراسان سابور بن أردشير. فلما قدم من غيبته اخبر بما كان منه، فقال: ذلك من فعل الضيزن، عمرو بن إلة بن الجُدّى بن الدهاء بن جشم بن حلوان بن عمران بن الحاف بن قضاعة... فلما اخبر سابور بما كان منه، شخص إليه حتى أناخ على حصنه، وتحصن الضيزن في الحصن، فزعم ابن الكلبي انه أقام سابور على حصنه أربع سنين لا يقدر على هدمه ولا على الوصول إلى الضيزن. ثم ذكر قصة ابنة الضيزن مع سابور وخيانتها لأبيها وكيف كان مصيرها.
ويذكر "الطبري" في روايته التي يرفعها إلى "ابن الكلي"، إن سابور أباًد أفناء قضاعة الذين كانوا مع الضيزن، فلم يبق منهم باق، و أصيبت قبائل من بني حلوان، فانقرضوا ودرجوا. ثم ذكر في ذلك شعراً نسبه إلى "عمرو بن إلة"، وكان مع الضيزن.
وروى "ابن خلدون" إن الملك بالحضر كان لبني العبيد بن الأبرص بن عمرو ابن اشجع بن سليح، وكان آخرهم "الضيزن بن معاوية بن العبيد" المعروف بالساطرون. وذكر "البكري" إن "سابور ذا الأكتاف" لما أغار على الحيرة و هزم أهلها، سار معظمهم إلى الحضر، يقودهم "الضيزن بن معاوية التنوخي" فنزلوا به، وهو بناء بناه الساطرون الجرمقاني، فأقاموا به مع الزباء، فكانوا رب لها وولاة أمرها. فلما قتلها "عمرو بن عدي"، استولوا على الملك حتى غلبتهم غسان. وقد فرق البكري بين الضيزن و الساطرون.
وقد ورد في أثناء القصص المروي عن الضيزن والحضر شعرٌ نسبوا بعضه إلى "أبي دُواد الإيادي"، و بعضه إلى "الأعشى ميمون بن قيس"، وبعضاً آخر إلى "عمرو بن إلة" وبعضاً إلى "عدي بن زيد العبادي". ونجد في شعر الأعشى، خبر حصار "شاهبور الجنود" حولين للحضر، وذكر "عدي ابن زيد العبادي" في شعره أن صاحب الحضر شاد حصنه بالمرمر، وجلله كلساً، وللطير في ذراه وكور. ثم باد ملكه، فصار بابه مهجوراً، بعد أن كانت دجلة تجبى له والخابور. وهو من هذا الشعر الحزين الذي يغلب عليه طابع الموعظة واحتقار الدنيا وازدرائها، سر طابع أغلب الشعر المنسوب إلى الشاعر البائس.
و الساطرون، هو "سنطروق" في كتابات الحضر حرّف، فصار الساطرون عند أهل الأخبار. وهو لفظ إيراني الأصل انتقل من اللسان الإيراني إلى لغة بني إرم، فصار "سنطروق"، وصير "سنتروسس" في اللغة الإغريقية. وقد عرف بهذا الاسم أحد الملوك الفرث "الاشكانيين" "سنة 76 أو75 - حتى 70 أو 69 ق. م." .
وإذا أخذنا برواية "الطبري" من أن "الساطرون" كان من الجرامقة، فمعنى ذلك أنه كان من "بني إرم"، أي من الآراميين. و هم سكان "جرمقايا" "جرمقايه" الواقعة شرق دجلة جنوب "الزاب" الصغر، وقد عرفوا بالجرامقة نسبة إلى هذه الأرض. وإذا أخذنا بروايته ايضاً من أن الساطرون كان يعرف بالضيزن، وأن "الضيزن" هو من أهل "باجرمى"، فإن في الرواية الثانية تأييد للرواية الأولى من إن الساطرون كان من بني إرم، ولم يكن من العرب.
غير إن "ابن الكلبي" يقول انه من العرب وانه من قضاعة من جهة الأب، وانه من "تزيد" من جهة الأم، وانه ملك ارض الجزيرة، وان ملكه بلغ الشام، وكان معه من "بني عبيد بن الأجرام" و قبائل قضاعة. وانه انتهز فرصة غاب "سابور بن أردشير" إلى ناحية خراسان، وتطرف في بعض ناحية السواد، فلما قدم "سابور" من غيبته اخبر بما كان منه، فشخص إليه حتى أناخ على حصنه أربع سنين في رواية "ابن الكلبي"، وحولين كما جاء في شعر "الأعشى" .
وقد أنكر "نولدكه" رواية "ابن الكلبي" بشأن حصار "سابور" للحضر.
وقد كانت الحضر قد فتحت في عهد "أردشير" الأول، وذلك قبل وفاته في سنة "241" للميلاد. و كان ابتداء حكم "سابور" الأول سنة "241"، لذلك رأى "نولدكه" وغيره إن قصة "الضيزن" لا علاقة لها بهذا "السابور"، بل بملك آخر من ملوك الساسانيين. وان "الضيزن" المذكور كان رئيساً من رؤساء قبائل عربية متنفذة كانت تغير من "الجزيرة" و من الغرب على ارض السواد.
ورجحوا كون "سابور" أهل الأخبار هو "سابور" الثاني الذي حكم من سنة "309" حتى سنة "379" ل!ميلاد. وقد عرف هذا الملك بغزوه للعرب، وهو صاحب "الأنبار" و "خندق سابور" الذي حفره لحماية الأرض الخصبة المأهولة من هجمات الأعراب. وقد كان هذا الملك قد غزا "خراسان" وغزا ارض بكر وتغلب التي تقع بين الروم والفرس "المناظر"، وحيث كانت تنزل قضاعة.
وقد رأى بعض الباحثين إن تعبير "سابور الجنود" "شاهبور الجنود" الوارد في شعر "الأعشى" و "عمرو بن إلة" تعبيراً يشير إلى إن "سابور" المذكور لم يكن ملكاً، بك كان قائداً من قادة الجيش، وان هذا التعبير هو ترجمة لمصطلح "اصبهبذ" Spahbad الذي يعني "صاحب الجيش". وان المقصود به رجل اسمه "شابور" "سابور" وكان بدرجة "اصبهبذ" "اسبهبذ" على "الري"، وذلك في أيام "قباذ" الأول "488 - 531م". و أما "الضيزن"، فهو عامل من العمال العرب من سادات القبائل، قد لم يكون "طيزانيس" الذي كان في أيام "قباذ"، الذي يجوز أن يكون صاحب المدينة المسماة "طيزن آباد" و "مرج الضيازن" على الفرات.
ومن القبائل التي ورد اسمها في كتابات الحفر، قبيلة عرفت ب "بني تيمو" "بني تيم". و هي قبيلة قد تكون لها صلة بقبيلة ورد اسمها في كتابات عثر عليها في وادي حوران بالعراق، وفي كتابات عثر عليها في تدمر. ويظهر أنها كانت من القبائل المعروفة في الجزيرة وفي بادية الشام في القرن الأول قبل الميلاد فما بعده، ويدل اسمها على أنها من القبائل العربية المتنقلة التي انتشرت بطونها في منطقة واسعة في ذلك العهد.
هذا ما عرفه أهل الأخبار عن الحضر و عن أهل الحضر. فهم على رأيهم من عرب قضاعة نزلوا هذه المواضع في زمن لم يحددوه، وأقاموا هناك.
ولا أظن إن ما أورده "ابن الكلبي" عن الحضر قد جاء به من عنده، فلا بد أن يكون قد أخذه من موارد فارسية أو ارمية، وأغلب ظني انه اخذ ذلك عن أهل الحيرة، وقد كان لرجال الدين فيها من النصارى علم بالتواريخ، أخذوا علمهم هذا من موارد متعددة، وعنهم نقل ما أورده عن الحضر.
وأما مملكة "الرها" Edessa، وتعرف ب "أورفة" "أُرفه" أيضاً، فإن معارفنا عنها من ناحية صلتها بالعرب لا تزال ضئيلة، وهي من مدن الجزيرة العليا. وقد أزهرت قبل الميلاد، وظهرت مثل جملة مدن في هذه المنطقة، منها: "بتنى"، ونصيبين، و "سنكارا" Singara أي "سنجار".
وقد أدخل "بلينيوس" "الرها" Edessa و Carrhoe=Callirhoe في جملة مدن "العربية". ويقال للرها "أورهة" Orrhoe=Orhai في السريانية. وهي من "ديار مضر" المعروفة باسم Orrhoene=Osrhoene قديماً. وهي Orroei في تأريخ "بلينيوس". ومن جملة الأرضين الداخلة في العربية، ومن المدن التي جدد بناءها "سلوقيوس الأول" Seleuces. وعرفت أيضاً باسم "انطوخيه"، نسبة إلى "انطيوخس" Antiochus الرابع.
وقد تكوّنت في القرن الثاني قبل الميلاد مملكة في هذه المقاطعة، مقاطعة Osrhoene=Orrei. مملكة عَدَّ الكتبة اليونان والرومان ملوكلها من العرب، وعدّوا سكانها عرباً كذلك، و يعزو "روستوفتزيف" Rostovtzeff سبب تكوّنها إلى حالة الفوضى التي ظهرت في "ما بين النهرين" على أثر انحلال دولة السلوقيين و احتلال الفرث "الاشكانيين لها" . وذكر "بروكوبيوس" إن هذه المقاطعة إنما دعيت Osroes نسبة إلى ملك اسمه Osroes كان يحكم هذه الأرض في الأيام الغابرة، وكان حليفاً للفرس.
وقد وجدت أسماء ملوك "الرها" مرتبة ترتيباً زمنياً بحسب حكم الملوك في "حولية الرها" Edessene Chronicle المدونة حوالي سنة "540" بعد الميلاد، وفي حولية أخرى هي "حولية زقنين" على مقربة من "آمد" المدونة حوالي سنة "775" بعد الميلاد، كما وجدت أسماء بعضهم على نقود ضربت في أيامهم. ويظهر من دراسة هذه الأسماء إن بينها أسماء عربية نبطية، مثل: "معنو"، وهو "معن"، و "بكرو"، و هو "بكر"، و "عبدو"، و هو "عبد"، و "سحرو"، أو "سهرو"، أو "سهر"، أو "سحر"، و "أبجر"، و "مزعور"، أو "مذعور"، و "وائل". وقد استدل بعض الباحثين من تسمي ملوك "الرهاء" بأسماء عربية، ولا سيما الملوك الأولين منهم، ومن نص "بلينيوس" على إن كورة Osrhoene هي كورة عربية، ومن الوضع السياسي العام في الجزيرة Mesopotanmia القرن الثاني وما بعده قبل الميلاد، إذ كانت القبائل العربية قد توغلت في هذه المنطقة، استدل من كل ذلك على إن أهل الرها وحكامها كانوا من اصل عربي.
وقد نسب بعض أهل الأخبار بناء "الرها" إلى رجل سموّه "الرهاء بن البلندي بن مالك بن دعر" "ذعر"، أو إلى "الرهاء بن سبند بن مالك بن دعر بن حجر بن جزيلة بن لخم". وذكر "ياقوت" نقلاً عن "يحيى بن جرير النصراني" إن اسم "الرها" هو "أذاسا" في الرومية، وقد بنيت في السنة السادسة من موت الإسكندر، بناها الملك "سلوقس". وقد أخذ "يحيى ابن جرير" قوله هذا من كتب سريانية أو يونانية ولا شك. وقد انتزعها المسلمون في سنة "639 م" من ايدي الروم.
ومن آلهة "الرها"، الإلهان: Azizus=Azizos و Monimos، ويرى "موردتمن" Mordtmann أن اسمي هذين الإلهين ليسا إرمين ظ ولكنهما عربيان أصليان، وأن أحدهما وهو Azizus - هو عزيز، والآخر - وهو Monimos- هو عربي كذلك، وهم منعم. ودليله على ذلك ورود اسميهما في الكتابات اليونانية التي عثر عليها في "الكورة العربية" Provincia Arabia. وهما في رأيه من الهة عرب هذه المنطقة، وإن أضافهما بعض الكتاب إلى السريان الوثنيين. والإله "بعل" و "نبو".
وللرها شأن خطير في الأدب السرياني والأدب النصراني و تأريخ النسطورية، وقد أزهرت هذه المدينة خاصة في أواسط القرن الرابع و في القرن الخامس، للميلاد. وتنسب إلى ملكها "أبجر" Abgar رسالة قبل إنه بعثها إلى "المسيح" ومراسلات مع الحواريين الأولين.
ويراد ب "كاليرهو" Kallirrhoe=Callirhoe الموضع الذي يعرف اليوم باسم "بركة إبراهيم "نبع خليل الرحمان".
وذكر "بلينيوس" أن سكان "الجزيرة" Mesopotamia, Arabes,Qui Praetavi Vocantur عرباً، مقرهم Singara، أي سنجار. وهو موض قديم كان معروفاً في أيام الآشوريين. ويظن أن "تراجان" نزل به في أثناء سيره على الحضر س قطيسفون Ktesiphon.
أما Emesa=Homesa=Hemesa أي حمص، فيشبه تأريخها من أوجه عديدة تأريخ مدينة تدمر. فقد حكمتها أسرة عربية، و أزهر تأريخها في الزمن الذي أزهرت فيه حكومات المدن الأخرى التي ظهرت على اثر المضعف الذي حل بالسلوقيين. وتقع في السهل الذي يرويه نهر العاصي Orontes وعلى مسافة ميل منه. وعرفت ب Emesa أيضاً عند اليونان والرومان. وفي أيام "بومبيوس" كانت مدينة Arethusa المجاورة لحمص، وهي "الرستن"، مقر أسرة عربية حاكمة. وفيها ولد القيصر Elagabalus. وبلغت أوج ازدهارها في أيام "سبتيموس سفيروس" Septimius Severus وفي أيام Elagabalus اسكندر سفيروس Alexander Severus، و كانت أسقفية في عهد البيزنطيين.
وقد استدل بعض الباحثين من صُوَر أسماء ملوك حمص على أصلهم العربي. فالأسماء Sampsigeramus و Iamblichus=Jamblichus و Azizus و Soemus هي أسماء تحمل طابعاً عربياً خالصاً. وهي أسماء ترد في نصوص صفوية، و في نصوص عربية أخرى أيضاً، مما يحملنا على الذهاب إلى إن ملوك حمص هم عرب كذلك. فالاسم الأول و هو Sampsigeramus يمكن إن يقرأ "شمس جرم"، والاسم Jamblichus يمكن إن يكون "يملك" أو "جميل" أو ما شابه ذلك، والاسم Azizo هو "عزيزو"، أي "عزيز"، و أما الاسم Soemus، فيمكن إن يكون "سخيم" أو "سهيم" أو ما شاكل ذلك.
وقد كان حكام "حمص" المذكورين كهنة يخدمون هيكل "الشمس"، شأنهم في ذلك شأن سادات القبائل العربية الذين كانوا كهنة يخدمون آلهة القبيلة ويتحدثون باسمها بين أتباعهم.
وقد ذكر "اصطيفانوس البيزنطي" أن شيخاً عربياً اسمه "مانيكو" Maniko كوّن مشيخة في Chalcis أي "قنسرين" من بلاد الشام.
وكانت القبائل العربية قد استقرت في هذه المنطقة قبل أيام "اصطيفانوس" بمدة طويلة. وفي "الحيار"، وهي من أعمال قنسرين، اصطدم الغساسنة بالمناذرة في سنة "554" بعد الميلاد، فانتصر الغساسنة على خصومهم انتصاراً كبيراً. ولما استولى الفرس على "قنسرين" وانتزعوها من البيزنطيين، كان للقبائل العربية سلطان واسع في مناطق قنسرين وحلب ومنبج وبالس.
ويعد "اليطوريون" Ituraean من القبائل العربية اليدوية، وهي في التوراة من نسل "إسماعيل". وهم من نسل "يطور" ابن إسماعيل. وتقع أرضهم بين "اللجاة" Trachonitae والجليل، وتسمى "جدورا"، و تقع في جنوب غربي دمشق. وهي من المناطق التي امتزج فيها العرب ببني إرم.
وقد توسع اليطوريون فدخلوا لبنان، وسكنوا البقاع Massyas، واستولوا على "بعلبك" Heliopolis، وتوسعوا نحو الغرب حتى هددوا "جبيل" Bybols وبيروت Berytos. وذلك في أيام ملكهم المعروف ب "بطلميوس" Ptolmaios ابن Mennaios.
وقد استدل بعض العلماء من حشر التوراة اليطورين في "الإشماعيليين" ومن اسم Mennaios وهو اسم والد الملك "بطلميوس" الذي عاش في القرن الأول قبل الميلاد، ومن عثورهم على أسماء يطورية في كتابات لاتينية يونانية تشير إلى إنها أسماء عربية الأصل، استدلوا من هذا كله على انهم من العرب، وان كانوا قد تأثروا بثقافة بني إرم. فقد تأثر بهذه الثقافة اكثر العرب الشماليين.
ويعلق بعض العلماء أهمية كبيرة على أسماء الأشخاص في إثبات أصولهم. ووجهة نظرهم هذه في الأسماء، هي التي جعلتهم يذهبون إلى إن من ذكرناهم هم عرب في الأصل، فان الطابع الظاهر على أسمائهم هو طابع عربي. وترد تلك الأسماء في الكتابات الصفوية حكم و أصحابها هم عرب من غير شك، وان دوّنوا بقلم نبطي و بلغة نبطية. فالنبط أنفسهم هم عرب، كما أشرت إلى ذلك في مواضع من هذا الكتاب، وكما سأشير إلى ذلك في مواضع تأتي.
إن تدوين أهل الشرق الأدنى لأفكارهم ولما يجول في خاطرهم بلغة بني إرم وقلمهم، جعل من العسير على الباحثين الحكم في أصول الشعوب التي دوّنت بتلك اللغة والتي عاشت في الهلال الخصيب. ويدفعنا هذا التدوين إلى وجوب اتخاذ موقف حذر ومتأن في إبداء آراء قطعية في أصول من ذكرنا، فنظرية الحكم على أصول الناس استناداً إلى أسمائهم وان بدت إنها نظرية معقولة مقبولة، لكنها مع ذلك غير علمية. فأكثر أسماء المسلمين في هذا اليوم هي أسماء عربية خالصة، ما في ذلك شك، فهل يجوز لنا أن نستنبط من هذه الأسماء بأن حملتها هم من اصل عربي? ثم إن علينا أن نتذكر إن أسماء القبائل والأشخاص عند الشعوب السامية هي، متقاربة ومتشابهة، وهي واحدة في كثير من الأحيان، بل إن علينا إن نتذكر إن ثقافة تلك الشعوب و آراءها متقاربة، و يعني هذان إن من الواجب علينا ألا نتسرع فنحكم بأن ذلك مأخوذ من هذا الشعب أو من تلك الشعوب، وان ذلك الشعب أو هذا هو الأصل، فمسألة تشابه الأسماء و تقارنها في النطق، لا يمكن أن تكون في نظري ميزاناً توزن به أصول الناس. و هل يعقل إن يكون الأعاجم المسلمون عرباً، لأن أسماءهم عربية، أو إن زنوج الولايات المتحدة هم من أصل أوروبي لأن أسماءهم أوروبية? ويتصل الحديث عن هذه الإمارات بالحديث عن "تدمر" المدينة المعروفة ب "بالمرا" Palmyra عند الغربيين الذين ورثوا هذه التسمية من الإغريق و اللاتين. وهي "تدمر امورو" في كتابات "تغلات فلاصر الأول" "تغلث فلاسر" "تغلت فلاسر" في رأي بعض الباحثين. وسأتكلم عنها بعد حين.