هنا عشت و من هذا الطريق سلكت و لأنها الحياة رحلت

الأربعاء، 9 سبتمبر، 2009

نحو عربى جديد : منصوبات الأسماء



15
ما يسمى بمنصوبات الأسماء
بين عناصر الجملة والإعراب

من الجلى أن تسمية منصوبات الأسماء، تماما مثل تسمية مرفوعات الأسماء، تسمية إعرابية لمواقع نحوية، فهى تقوم على تخصيص الإعراب بالنصب لكلمات هى إما عناصر جملة أو أجزاء من عناصر جملة. وكما رأينا عند مناقشة مرفوعات الأسماء فإن خطأ التسميات الإعرابية يتمثل، قبل كل شيء، فى التمحور حول الإعراب. ذلك أن من الأجدر أن تسمى العناصر أو الوظائف النحوية بأسمائها النحوية باعتبارها عناصر بناء الجملة؛ مثلا: الفاعل (أو المسند إليه) وليس المرفوع، أو المفعول به وليس المنصوب، ويتمثل خطأ هذه التسميات، كذلك، فى أن هذه العناصر النحوية لا تتحقق بالإعراب فقط بل تتنوع أشكال تحقيقها فلا تكون معربة إلا فى الشكل الوحيد للكلمة المعربة التى تمثل فى الوقت نفسه عنصر جملة. وإذا كان الإعرابان المحلى والتقديرى لأشكال التحقيق الأخرى لعناصر الجملة يقاسان على رفع أو نصب أو جرّ الكلمة المعربة، فإن إلغاء هذين الإعرابين يُخرج الكلمات المبنية ومختلف التراكيب من حيث هى تراكيب (أىْ بصرف النظر عن إعراب أو بناء كلماتها المفردة) من دائرة الإعراب.
وعلى هذا فإن تسمية المرفوعات تنطبق على الكلمات المعربة المرفوعة وحدها فيما تنطبق تسمية المنصوبات على الكلمات المعربة المنصوبة وحدها. فالفاعل مرفوع إذا كان كلمة واحدة معربة والمفعول به منصوب إذا كان كلمة واحدة معربة.
غير أن تسمية المرفوع والمنصوب لا تكون صادقة حتى عندما نكون إزاء الكلمة الواحدة المعربة. ذلك أن رفع الفاعل ليس قاعدة مطلقة فهو منصوب إذا سبقه ناصب وهو مجرور إذا سبقه جارّ. كذلك فإن نصب المفعول به ليس قاعدة مطلقة لأنه قد يكون اسما ظاهرا معربا أو غير معرب وقد يكون ضميرا متصلا أو منفصلا أىْ كلمة مبنية وقد يكون غير ذلك (المصدر المؤول). كما أن المفعول به قد لا يُنصب بعد الفعل المتعدى، لأن مفهوم الفعل المتعدى يتسع لفعل من كلمة واحدة one-word verb (أىْ الفعل المتعدى المنفرد وحده دون إضافة) فيكون من شأنه نصب المفعول به المعرب، كما يتسع للفعل المركَّب أىْ للفعل المتعدد الكلمات multi-word verb أو phrasal verb (أىْ الفعل بإضافةٍ مثل حرف الجر) ومنه الفعل اللازم، ومنه الفعل المتعدى، غير أن هذا الأخير لا ينصب المفعول به المعرب بل يجّره، وليس الفعل المتعدى بالحرف قليل الشهرة فى النحو العربى، ومن شأنه أن يعطى المفعول به المجرور فى حالة كونه كلمة معربة، كما صار الفعل المتعدى بإضافة حرف الجر أو الظرف phrasal verb فى الإنجليزية علما واسعا إلى درجة تخصيص معاجم مستقلة لتراكيب هذا النوع من الأفعال.
وإذا كان النحو العربى التقليدى قد صنع من الإعراب برفعه ونصبه وجرّه (وجزمه) عقدة فقهية كلامية منطقية مستعصية ممعنا فى تعقيد ما يسمى بنظرية العوامل لتعليل أسباب أنواع الإعراب المختلفة بدلا من المقاربة الوصفية التى تكتفى بتسجيل أن الجماعة الناطقة بلغتنا اصطلحت (فيما يتعلق بالكلمات المعربة المفردة الداخلة فى الجمل) على رفع الفاعل، والجر بالحرف أو الإضافة، ونصب الباقى، مع استثناءات قليلة مثل استخدام علامات الرفع مع ما يسمى بالخبر المفرد، ومع ما يسمى بالمبتدأ الأول، ونصب أو جر الفاعل، وما أشبه. ومن صميم هذا الاصطلاح مراعاة المخالفة الإعرابية بين الفاعل والمفعول به، برفع أحدهما ونصب الآخر، وهى المخالفة الإعرابية الحقيقية الوحيدة فى الإعراب العربى للتمييز بين الفاعلية والمفعولية. أما مخالفة باقى المنصوبات فهى تأتى من ضرورة عدم رفع هذه المواقع النحوية حتى لا تُحدث التباسا من أىّ نوع مع الفاعل، وبالتالى فإنه نظرا لتخصيص الرفع للفاعل المعرب وتخصيص الجر لإضافة المعرب أيضا، لا يبقى من أنواع الإعراب الثلاثة لغير الفعل (الرفع والنصب والجر) سوى النصب الذى لا مناص من أن يشمل كل ما يسمى بمنصوبات الأسماء على تنوعها، حيث يكون التمييز بينها وبين المفعول به أو فيما بينها بالمعنى، وقد يحدث الالتباس فيما بينها على قلة، غير أن الإعراب لا يستطيع أن يقدم حلا لإزالة الالتباس هنا لأنه لا يستطيع أن يضيف (ولا حاجة به إلى أن يضيف) أىّ نوع آخر من الإعراب إلى أنواع الرفع والنصب والجر، فهو يواجه بهذه الأنواع الثلاثة وحدها ذلك العدد الكبير مما يسمى بالمنصوبات.
وإذا فكرنا فى المنصوبات فى حالة تطابق الموقع النحوى مع الكلمة المعربة، ودون دخول "عوامل" أخرى مثل "إن وأخواتها" أو فيما يسمى بخبر "كان وأخواتها" أو فى أحوال المفعول به والحال والمفعول المطلق والمفعول لأجله والاستثناء والتمييز وغير ذلك، فإن انطباق هذه التسمية الإعرابية عليها لا يمنع من إعطاء الأولوية للأحوال النحوية ذاتها وبالأخص من زاوية عناصر الجملة أو مكوناتها أو وظائفها.
وقد وقفنا مرارا عند مفهوم عنصر الجملة، وأطلنا بحث بعض هذه العناصر وهى:1: الفاعل (المسند إليه)، و2: الفعل، و3: المفعول به (المباشر)، و4: المفعول به (غير المباشر)، و5: متمم الفاعل، و6: متمم المفعول به (المباشر فى نموذج "ظن وأخواتها" ونموذج "أعلم وأرى وأخواتهما")، و7: الظرف.
كما أوضحنا أن الجملة تتكون من ركنين وحيدين هما المسند إليه (الفاعل) والمسند (الخبر)، وأن المسند إليه عنصر جملة، وأن المسند ليس عنصر جملة بل يمكن أن تتسع نماذج المسند لكل عناصر الجملة باستثناء عنصر المسند إليه، ونماذج المسند (بعد المسند إليه فى الجملة) هى:
1: الفعل اللازم وحده.
2: الفعل الناقص (كان وأخواتها) + متمم الفاعل (صفة أو اسم).
3: الفعل الناقص (كان وأخواتها) + الظرف.
4: الفعل المتعدى إلى واحد + المفعول به المباشر.
5: الفعل المتعدى إلى واحد (ظن وأخواتها) + المفعول به المباشر + متمم المفعول به المباشر (صفة أو اسم).
6: الفعل المتعدى إلى واحد (ظن وأخواتها) + المفعول به المباشر + الظرف.
7: الفعل المتعدى إلى مفعولين (أعطى وأخواتها) + المفعول به غير المباشر + المفعول به المباشر.
8: الفعل المتعدى إلى مفعولين (أفعال "أعلم وأرى وأخواتهما" ضمن أفعال "أعطى وأخواتها") + المفعول به غير المباشر + المفعول به المباشر+ متمم المفعول به المباشر (صفة أو اسم).
9: الفعل المتعدى إلى مفعولين (أفعال "أعطى وأخواتها") + المفعول به غير المباشر + المفعول به المباشر + الظرف.
فبالإضافة إلى الفعل الذى لا يخلو منه مسند (خبر)، ولا تخلو منه جملة بالتالى، هناك عنصر المفعول به المباشر، وعنصر المفعول به غير المباشر، وعنصر متمم الفاعل، وعنصر متمم المفعول به المباشر، وعنصر الظرف، وباختصار عناصر المفعول به بنوعيه، والمتمم بنوعيه، والظرف.
وبالطبع فإن المسند إليه (الفاعل) لا يدخل فيما يسمى بمنصوبات الأسماء (إلا فى حالة مجيئه بعد الحروف المسماة بالناسخة كما سبق ورأينا)، كما أن الفعل يظل بحكم طبيعته ذاتها خارج هذه المنصوبات، لأن الفعل من ناحية مبنىّ أومعرب، والمعرب منه مرفوع إذا لم يسبقه ناصب أو جازم، ولكنْ بالأخص لأن إعراب الفعل يختلف معناه تماما عن إعراب غير الفعل، ذلك أن إعراب الفعل لا علاقة له بالتمييز بين الوظائف النحوية.
ولا يبقى معنا من عناصر الجملة، فى مواجهة ما يسمى بمنصوبات الأسماء، سوى المفعول به بنوعيه، والمتمم بنوعيه، والظرف. وتغدو مهمتنا الآن أن نرى إلى أىّ مدى تستوعب مفاهيم عناصر الجملة الثلاثة هذه كل هذه المنصوبات كعناصر جملة أو كأجزاء من عناصر الجملة.
وتشمل قائمة ما يسمى بمنصوبات الأسماء ما يلى: خبر كان وأخواتها، واسم إن وأخواتها، واسم لا النافية للجنس، والمفعول به (ومفاعيل أساليب الاختصاص والتحذير والإغراء)، والمفعول المطلق، والمفعول لأجله، والمفعول معه، وظرفا الزمان والمكان، والحال، والتمييز، والمستثنى، والمنادى، والتابع للمنصوب: النعت والعطف والتوكيد والبدل.
والمفعول به والظرف (الزمان والمكان) مشتركان فى القائمة الطويلة لهذه المنصوبات والقائمة القصيرة لعناصر الجملة. كما مر بنا بحث المفعول به والظرف ومتمم الفاعل ومتمم المفعول به المباشر باعتبارها عناصر جملة، وبقيت أغلب "المنصوبات" دون أن نعرف إلى أىّ عناصر جملة يمكن إحالتها، ودون أن نعرف ما هى تلك "المنصوبات" التى لا تنتمى، بحكم طبيعتها، إلى هذه العناصر أصلا.
على أننا كنا قد فرغنا، فى فصول سابقة، من بحث بعض هذه المنصوبات من حيث ما يقابلها من عناصر جملة.

ما يسمى بخبر "كان وأخواتها"

فقد رأينا أن ما يسمى بخبر "كان وأخواتها" ليس سوى متمم الفاعل كما فى النموذج 2 من نماذج المسند (الخبر)، وسبق أن رأينا أن هذا المتمم قد يكون صفة (كان محمود جريئا) وقد يكون اسما (كان محمود رجلا)، ويمكن أن نضيف الجار والمجرور أو تراكيب أخرى بمعنى متمم الفاعل.
ومن أخوات كان التى ترفع المبتدأ الذى يصير اسم كان وتنصب الخبر الذى يصير خبر كان، وفقا لنحونا التقليدى، أفعال المقاربة وأفعال الرجاء وأفعال الشروع. غير أن "خبر هذه الأفعال يجب أن يكون جملة فعلية فعلها مضارع" ، ومعنى هذا أن النصب هنا "محلى" ولا ينبغى الالتفات إليه.
والأهم أن متمم الفاعل الذى يأتى مع هذه الأفعال صفة أو اسما قد يأتى بأشكال أخرى متعددة منها الفعل وما قد يأتى بعده، وإليك بعض الأمثلة:
كانت الصناعة تتقدم.
صار ركاب الطائرة فى أمان.
أوشكت الأزمة أن تنفرج.
عسى الطب أن يعالج الأمراض المستعصية.
جعلوا يتمتعون بسحر الطبيعة.
وليس هناك ما يمنع أن يتحقق متمم الفاعل بهذه الأشكال. على أن هناك مسألة دقيقة يطرحها الفعل "كان" الذى يدخل فى تكوين الأزمنة فى مثل: "كان فلاحو القرية يعيشون على الكفاف"، أو فى مثل: "عندئذ سيكون هؤلاء السذج قد أدركوا الخدعة"، ومعنى هذا أن المتمم هنا يحتفظ بصفة المتمم، مع كونه جزءا من المسند (الخبر) مع فعل الكينونة، ومع كونه أيضا جزءا من تكوين الأزمنة.

اسم "إن وأخواتها"

وإذا عدنا إلى ما يسمى اسم "إن وأخواتها"، وجدنا أننا إزاء المسند إليه (الفاعل). ففى جملة: "أعتقد أن العلاجَ يفيد فى هذه الحالة": "العلاجَ" هو المسند إليه الذى أسندنا إليه الفعل "يفيد" وصرَّفناه معه، وهو منصوب لأنه جاء بعد حرف أو أداة النصب "أنّ" ولأنه كلمة معربة. وينطبق هذا على كل ما يأتى بعد "إن وأخواتها"، فهو المسند إليه فى كل الأحوال، وينطبق نفس الشيء على اسم "لا النافية للجنس" وهى من أخوات إنَّ، فهو مسند إليه أيضا.

المفعول به (المباشر وغير المباشر)

أما المفعول به، المباشر للفعل المتعدى إلى مفعول به واحد، والمباشر وغير المباشر للفعل المتعدى إلى مفعولين، فهو عنصر جملة دون شك. على أن نحونا التقليدى يخطئ عندما يعتبر متمم المفعول به المباشر مفعولا به ثانيا مع مجموعة من الأفعال أو مفعولا به ثالثا مع مجموعة أخرى من الأفعال. ويظهر متمم المفعول به المباشر، مع المفعول به الواحد الذى قد يأخذ هذا المتمم (أفعال "ظن وأخواتها"، مثلا: ظننت الرجل عاقلا)، كما يظهر مع المفعولين اللذين يأخذ المفعول به المباشر منهما هذا المتمم (مثل: "يقينا" فى: "أعلمته الخبر يقينا" مع أفعال ما يسمى بـ "أعلم وأرى وأخواتهما" التى يزعم النحو العربى أنها تنصب ثلاثة مفاعيل وتمثل هذه الأفعال مجموعة متميزة ضمن أفعال "أعطى وأخواتها").
وإلى المفعول به تضاف مفاعيل أساليب الاختصاص والتحذير والإغراء.

الظرف والمتمم

وظرف الزمان والمكان وارد فى القائمتين، فهو لا يثير مشكلة من حيث استيعابه فى عناصر الجملة. غير أننا نجد أنفسنا أمام بحث ضرورى يهدف إلى التوصل إلى مفاهيم نحوية واضحة لباقى ما يسمى بمنصوبات الأسماء بدلا من وضع إعرابها فى الصدارة، فضلا عن أن التسمية غير صحيحة؛ فهذه "الأسماء" منها المعرب ومنها ما هو خارج الإعراب مثل الكلمات المبنية، والتراكيب المتعددة الألفاظ، وما تؤدى إليه بعض الأدوات والأفعال المتعددة الكلمات من ابتعاد عن النصب بالذات.
وتتمثل المشكلة فى أن أغلب هذه "المنصوبات" المزعومة، وهى قائمة طويلة كما نرى، إنما هى وحدات نحوية يرقى الكثير منها إلى مستوى عناصر الجملة على حين أن عناصر الجملة قليلة العدد وبعضها قاطع التحدد فلا تصلح لاستيعاب مثل هذه المعانى المتنوعة. فالفاعل أو المسند إليه مفهوم يقتصر تماما على ما أُسند إليه الفعل وصُرِّف معه (بما فى ذلك المضارع المثبت المحذوف فى حالة الكون العام)، كذلك فإن المفعول به مفهوم قاطع التحدد ويقتصر على مَنْ أو ما وقع عليه الفعل أو تأثر بالفعل دون أن يكون فاعله. أما الفعل فمن الجلى أنه عنصر مستقل تماما فهو يدل على معنى أو حدث يكون الزمن جزءا منه، ولا يمكن أن يختلط مع عناصر أخرى إلا فى حالة الاستعمال فى سياق التعريف، مثلا: "يعيشُ فعلٌ لازمٌ". فلا يبقى على درجة من "المرونة" من بين عناصر الجملة سوى المتمم (متمم الفاعل والمفعول به المباشر) والظرف. ولا شك فى أن من خيارات التعامل مع باقى ما يسمى بمنصوبات الأسماء أن نتركها على حالها معتبرين المفعول المطلق عنصر جملة مستقلا، والحال عنصر جملة مستقلا، والمفعول لأجله كذلك، وهكذا. غير أن هذا من شأنه أن يغرق مفهوم عنصر الجملة فى فيض من المسميات التى تخرج به عن تحدده ونجاعته باعتبار أنه يدور حول الفعل أىْ الحدث باعتباره عنصر الجملة المحورى، ومن حيث مَنْ أُسند إليه وصُرِّف معه لأنه "قام بالفعل أو قام به الفعل" (حتى إنْ كان المتأثر به مثل فاعل المبنى للمجهول أو فاعل فعل لازم، مثل: مات أو غرق) وهذا هو عنصر الفاعل المسند إليه، ومن حيث مَنْ أو ما وقع عليه الفعل (دون أن يكون فاعله) وهذا هو عنصر المفعول به بنوعيه (المفعول به المباشر للأفعال المتعدية إلى مفعول به واحد ومنها أفعال ظن وأخواتها، و"مستلمه" أىْ المفعول به غير المباشر مع المباشر فى حالة أفعال أعطى وأخواتها). وهناك المتمم للفاعل مع كان وأخواتها، وللمفعول به المباشر مع ظن وأخواتها (كحالة خاصة تتميز بالمتمم من المتعدى إلى مفعول به واحد) وأعلم وأرى وأخواتهما (كحالة خاصة تتميز بالمتمم من أفعال أعطى وأخواتها المتعدية إلى مفعولين). وهناك أخيرا الظرف (الذى يقتصر فى النحو العربى على ظرفىْ الزمان والمكان). ومن الجلى أن المتمم والظرف هما المفهومان اللذان قد يُبديان قدرا من المرونة، وبعبارة أخرى فإن من المحتمل أن توضح "حلحلة" عدد من هذه "المنصوبات" حقيقتها، التى تخفيها تسمياتها النحوية الحالية، باعتبارها تنتمى إلى أحد هذين العنصرين. ويدعو إلى هذا الافتراض أمران؛ أولهما هو أن شمول مفهوم عنصر الجملة لكل الوحدات النحوية التى تدخل فى بناء الجملة، مع استبعاد توسيع هذا المفهوم أو هذه العناصر، يفترض اندراج كل الوحدات النحوية ذات الأهمية تحت هذا العنصر أو ذاك من عناصر الجملة. والأمر الثانى هو النحو المقارن، فانطلاقا من وحدة النحو فى مختلف اللغات وهى وحدة ناشئة من تناظر الحياة البشرية واللغات البشرية التى تعبر عنها، يستطيع النحو العربى الجديد أن يستفيد من منجزات كل نحو آخر للغات أخرى (تماما كما استفاد النحو العربى القديم عند نشأته من كل نحو آخر للغات أخرى كان متاحا له)، وعلى وجه الخصوص فإن على النحو العربى أن يتخلى عن مفهومه للظرف الذى يقتصر على ظرفىْ الزمان والمكان، وعندئذ سيكون من السهل على النحو العربى أن يجعل مفهوم الظرف يمتد ليشمل الكثير مما يسمى بمنصوبات الأسماء كما تفعل لغات أخرى كالإنجليزية والفرنسية.

"منصوبات الأسماء" وعناصر الجملة

وجدنا منذ قليل أن الوحدات النحوية التالية: ما يسمى بخبر كان وأخواتها ومنها ما يسمى بخبر أفعال المقاربة والرجاء والشروع، واسم إن وأخواتها، واسم لا النافية للجنس، والمفعول به (ومفاعيل أساليب الاختصاص والتحذير والإغراء)، وظرفا الزمان والمكان، وهى الواردة فى قائمة ما يسمى بمنصوبات الأسماء، لا تخرج عن كونها عناصر جملة محددة هى، كما رأينا، عنصر الفاعل (مع "إن وأخواتها")، وعنصر متمم الفاعل (مع "كان وأخواتها")، وعنصر المفعول به، وعنصر متمم المفعول به المباشر (وهو ما يقدمه النحو العربى التقليدى بصورة خاطئة باعتباره المفعول الثانى مع "ظن وأخواتها" والمفعول الثالث مع "أعلم وأرى وأخواتهما")، وبالطبع ظرف الزمان وظرف المكان. وإذا تركنا التوابع (الواردة فى قائمة المنصوبات) جانبا، يبقى السؤال حول علاقة المفعول المطلق، والمفعول لأجله، والمفعول معه، والحال، والتمييز، والمستثنى، والمنادى، بعناصر الجملة، وبالأحرى بعنصرين بالذات، هما المتمم والظرف.

المنادى

من الجلى أنه لا معنى للبحث وراء المنادى عن عنصر جملة، وذلك لانقطاع المنادى (بأداة أو غير أداة) عن الارتباط النحوى الوظيفى بغيره من كلمات الجملة، فالمقصود بأسلوب النداء لا يعدو أن يكون تحديد المنادى أو تنبيهه. وبالمناسبة فإن المنادى ليس منصوبا بالضرورة. فالمضاف منه يُنصب، والعَلَم غير المضاف يُرفع، وهذا إذا كان المنادى كلمة معربة، وليس كلمة مبنية كما فى مثل: "يا مَنْ يعرف الواجب" أو كلمة لا تقبل حركة الإعراب فى مثل: "يا موسى".

التمييز

ومجال التمييز ضيِّق للغاية فيما يتعلق بأسماء الوزن والكيل والمساحة ولكنه يتعلق أيضا بالعدد (وكل هذا فيما يسمى بالمميَّز الملفوظ) ولكنه يشمل ما يسمى بالمميَّز الملحوظ.
والحقيقة أننا لسنا إزاء "منصوبات" بالضرورة. ذلك أن تمييز الوزن والكيل والمساحة قد يأتى أيضا مجرورا بالإضافة أو بـ "مِنْ"، مثلا: اشتريتُ قنطارا قطنا (بالنصب)، أو: قنطارَ قطنٍ (بالجر بالإضافة)، أو: قنطارا من قطن (بالجر بحرف الجر"مِنْ"). وتمييز العدد منصوب مع أعداد ومجرور مع أعداد أخرى، وإذا كان يقال لنا إن تمييز الملحوظ منصوب وفقا لأمثلة تُساق فليس هناك ما يمنع من استخدام أشكال أخرى بغرض تمييز الملحوظ.
ولنتأمل الأمثلة التالية من كتاب تحرير النحو العربى :
اشتريت قنطارا قطنا.
بعت أردبًّا قمحا.
باعنى التاجر مترا صوفا.
فى الفصل ثلاثون طالبا.
رأيت أحد عشر كوكبا.
ونحن هنا أمام مقادير تخص موازين أو مكاييل أو مساحات أو مقاييس طولية (أو ما يشبه المقادير) أو أعدادا وتبدو هذه المقادير أو الأعداد عناصر جملة: يبدو قنطارا أو أردبا أو مترا أو أحد عشر مفعولا به ويبدو ثلاثون مبتدأ (= مسندا إليه أو فاعلا). غير أن هذه المقادير والأعداد تبدو أيضا صفات لعناصر جملة بمعنى أنه يبدو أيضا أن المفعول به الحقيقى فى الجمل السابقة هو "القطن" و "القمح" و "الصوف" و "الكواكب الأحد عشر"، كما يبدو أن الفاعل الحقيقى هنا هو "الطلاب الثلاثون". وهنا تبدو المقادير والأعداد صفات كمية أو عددية للمفعول به أو الفاعل فهى تقدم فى الحقيقة فى كل الأحوال "عدد" قناطير القطن أو أرادبّ القمح أو أمتار الصوف أو "عدد" الطلاب أو الكواكب فى الأمثلة السابقة. والأعداد كأقسام كلام فى اللغات تكون أسماء أو ضمائر كما تكون صفات، وفى الإنجليزية؛ إذا قلنا مثلا: twenty years [عشرون كتابا] فهذا العدد إنما هو نعت عددى لهذه الأعوام، ولا شيء يمنع الأخذ بهذا فى النحو العربى. ويختلف الأمر بالطبع فى حالة استخدام حرف الجر "مِنْ" للتمييز حيث يكون مقدار المساحة أو الوزن أو الكيل أو العدد هو عنصر الجملة المنعوت وليس النعت. غير أن اللغة أوجدت هذه الصيغة الخاصة التى اعتبرت المقادير والأعداد كلمات مبهمة تحتاج إلى تفسير أو تمييز أو إبانة. ونجد أنفسنا أمام احتمالين: الأول، اعتبار المقادير والأعداد فى مثل هذه الجمل نعوتا تأتى قبل المنعوت، والثانى احترام هذه الصيغة الخاصة وبالتالى اعتبار المقادير والأعداد عناصر جملة واعتبار التفسير أو التمييز نوعا من الظرف يحدد الكمية أو العدد. ومن التمييز ما يشبه المقدار، مثل: "فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره" ، ومثل: "مِلْء الإناء عسلا" .
ويتنوع التمييز بعد المميََّز "الملحوظ"؛ ومنه التمييز بعد الفعل اللازم، مثل: "محمود حَسُنَ خُلُقًا" أو "اشتعل الرأس شيبا" ، وبعد المصدر، مثل: "تمَّ حشد الجيش فرقا على الحدود"، وبعد الصفة المشبهة، مثل: "علىّ جميل خُلُقًا"، وبعد ما يلحق بالصفة المشبهة، مثل: "حسين دمشقىّ بلدا"، وبعد اسم التفضيل، مثل: "العلم أهمُّ من المال ثروةً"، وبعد فعل التعجب، مثل: "ما أجمل الإسكندرية بحرًا"، وبعد أفعال المدح والذم، مثل: "حبذا الأخ علىٌّ متكلمًا"، وغير ذلك حسب أمثلة وتصنيفات الدكتور شوقى ضيف .
وينقلنا التمييز بعد الملحوظ أو النسبة إلى فكرة التحويل فيقال إن التمييز هنا محول عن أصله كفاعل، فى مثل: "اشتعل الرأس شيبا"، فالتقدير هو: اشتعل شيبُ الرأس، أو عن أصله المفعول به، فى مثل: "وفجرنا الأرض عيونا" ، فالتقدير هو: وفجرنا عيون الأرض، أو عن أصله المبتدأ، فى مثل: "أنا أكثر منك مالا" ، فالتقدير هو: مالى أكثر من مالك. ويمكن اعتبار التمييز بعد المميَّز الملحوظ فى أغلب هذه الأمثلة نوعا من الظرف لبيان نوع الاشتعال أو التفجير أو ما أشبه، غير أن التمييز بعد اسم التفضيل يأتى بجديد. ومن ناحية يمكن اعتبار "أكثر مالا" عبارة ظرفية كنوع من ظرف المقارنة adverbial of comparison، ومن ناحية أخرى يمكن التفكير فى هذه العبارة فى إطار مجرد الصفة والنعت. فالصفة، كما نعلم، ثلاث درجات: الدرجة الأولية أو القاعدية، وأفعل المقارنة أو التفضيل، والأفعل، مثلا: طيِّب، أطيب مِنْ، الأطيب. والدرجة الأولى من الوصف فى الآية "كثير المال" والكثير المضاف وهو صفة مع المال المضاف إليه عبارة لا تعدو أن تكون صفة، ولا يخرج بها عن هذا الاعتبار رفع درجة المقارنة إلى "أكثر مِنْ" أو "الأكثر".

المستثنى

من المعلوم أن إعراب المستثنى المعرب بـ "إلا" هو النصب أو الإتباع (الإعراب حسب الموقع). ولهذا ولأن هناك المستثنى المبنىّ أو المستثنى التركيب المتعدد الكلمات فإن إدخاله فى المنصوبات إنما كان على أساس المستثنى الكلمة المعربة فى حالة واحدة هى أن لا يكون هذا المستثنى المعرب خاضعا للإعراب حسب الموقع. وسأكتفى بمناقشة الاستثناء بـ "إلا" لأن ما ينطبق على "إلا" ينطبق على أدوات الاستثناء الأخرى من حيث جوهر معنى الاستثناء ومن حيث تنوع إعراب المستثنى (مثلا: النصب أو الجر بعد خلا وعدا وحاشا باعتبار هذه الأدوات أفعالا فى حالة النصب، وحروفَ جر فى حالة الجر، والجر بعد غير وسوى مع أخذ لفظتىْ غير وسوى حكم المستثنى بـ "إلا" فى النصب والإتباع والإعراب حسب الموقع فى الجملة).
نصب المستثنى بإلا:
أ: إذا كان الكلام تامًّا (المستثنى منه مذكور) مثبتا (غير منفيّ)، مثلا:
"فنجيناه وأهله أجمعين إلا عجوزا فى الغابرين" .
ب: إذا كان الكلام تاما (المستثنى منه مذكور) منفيا، مثلا:
* ما حضر القومُ إلا محمودًا
* لم أكافئ أحدا إلا المجدَّ
* ما سلّمتُ على أحد من الجنود إلا القائدَ.
ويجوز أيضا الإتباع (الإعراب حسب الموقع) فيكون المستثنى فى المثال الأول مرفوعا (محمودٌ) أيضا، ويكون المستثنى فى المثال الثالث مجرورا (القائدِ) أيضا .
الثانى: إعراب المستثنى حسب الموقع فى الجملة: إذا كان الكلام ناقصا (المستثنى منه غير مذكور) منفيًّا، وإليك هذه الأمثلة من كتاب القواعد الأساسية فى النحو والصرف :
1: "وما محمدٌ إلا رسولٌ" (رسولٌ: خبر = متمم المسند إليه أو الفاعل).
2: "ما على الرسول إلا البلاغُ" (البلاغُ: مبتدأ = المسند إليه أو الفاعل).
3: "ما رفع شأن الأمم إلا العلمُ والأخلاقُ" (العلمُ والأخلاقُ: فاعل).
4: "لا يُستذلُّ إلا ضعيفٌ" (ضعيفٌ: نائب فاعل = المسند إليه أو الفاعل).
5: "ما قلتُ إلا كلمةَ الحق" (كلمةَ: مفعول به).
6: "ما فتح العربُ بلدا إلا ناشرين للحضارة والعدالة" (ناشرين: حال = ؟).
7: "وما أرسلناك إلا رحمةً للعالمين" (رحمةً: مفعول لأجله = ؟).
8: "لا تعتمد إلا على ذى ثقة" (ذى ثقة: مجرور بحرف الجر = ؟).
ويورد تحرير النحو العربى أمثلة على الحالة التى تفيد فيها "إلا" القصر (أو: الحصر)، حيث "يُعرب" المستثنى "حسب موقعه من الإعراب" (وقد وضعتُ أمامها عناصر الجملة الأصلية حسب مصطلحاتى): "وما محمدٌ إلا رسولٌ" (رسولٌ: متمم الفاعل)، "ما كان إلا بشرا" (متمم الفاعل)، "ما كافأتُ إلا خالدا" (خالدا: مفعول به)، "ما فى الدار إلا رجلٌ" (رجلٌ: فاعل).
ومن الجلى أن ما "يُعرب" من المستثنى "حسب موقعه" عناصر جملة أو أجزاء من عناصر جملة، وهى ليست منصوبات بل تُرفع أو تُنصب أو تُجرّ حسب موقعها، أما المستثنى المعرب المنصوب بعد "إلا" فإن من الصعب ردّه إلى عناصر الجملة رغم أنه استثناء من المستثنى منه الذى هو دائما عنصر جملة، فى مثل: "الإنسان خُلق هلوعا ... إلا المصلين" (الإنسان: نائب فاعل = المسند إليه أو الفاعل), أو "فنجيناه وأهله أجمعين إلا عجوزا فى الغابرين" (أهله أجمعين: مفعول به)، "لأغوينهم أجمعين إلا عبادَك" (هم أجمعين: مفعول به).
ولعلنا نلاحظ من جديد أن التمحور حول الإعراب هو الذى جعل النحاة يركزون على المستثنى المنصوب بدلا من تناول أسلوب الاستثناء الذى لا يمثل المستثنى المنصوب بعد أدوات الاستثناء إلا شكلا من أشكاله، وإليك بعض الأمثلة على أشكال أخرى لتحقيق أسلوب الاستثناء:
* جاءوا باستثناء شخص أو شخصين.
* عادت الطائرات من المعركة سالمة إلا أنّ إحداها لم تعد.
* حضر الجمهور إلا مَنْ كان لا يحمل بطاقة دعوة.
* جاءوا جميعا ولكن أخاهم الصغير لم يأت.
* كلهم فضلاء باستثناءات قليلة.
* لا يستقبلون أحدا إلا إذا كان من شلتهم.
وهنا كلمات هى عناصر جملة (مثل: إحداها بعد إلا أنّ، ومثل: "مَنْ" بعد إلا، ومثل: "أخاهم" بعد ولكنَّ) وكلمات أخرى ليست عناصر جملة. غير أن الأهم ليس الإعراب وليس كون المستثنى عنصر جملة فى كثير من الأمثلة، بل الاستثناء ككل، أىْ إلا أو أدوات الاستثناء الأخرى وكل ما بعدها.
وهنا نجد أنفسنا مدفوعين، بحكم الحاجة من ناحية، وبمقتضيات النحو المقارن من ناحية أخرى، إلى الاتجاه نحو عنصرىْ الجملة المرشحين لاستيعاب هذه الأوضاع النحوية، أعنى المتمم والظرف. غير أن المتمم يقتضى فاعلا يتممه أو مفعولا به مباشرا يتممه أيضا ولسنا أمام حالة كهذه ما دمنا نريد استيعاب "إلا وما بعدها" ككل. وبحساب البواقى يكون لدينا الظرف. غير أننا لا نعبث حتى نعتمد على حساب البواقى بل نبحث عن حل حقيقى. وإذا أخذنا الظرف بمفهومه المقتصر على الزمان والمكان فى نحونا فإنه لن يسعفنا مطلقا، غير أن الظرف فى كل نحو متطور لا يقتصر على الزمان والمكان بل يتسع ليشمل كل ما يجيب على مجموعة من الأسئلة التى تحيط بالفعل غير سؤال الفاعل والمفعول به والمتمم ومتى (الزمان) وأين (المكان). ونجد الظرف يمتد، إلى جانب الزمان والمكان، إلى وظائف تحديد صفة أو ظرف آخر أو فعل أو عبارة بما يفيد الكيفية أو الطريقة، أو التوكيد، أو الكمية، أو النفى، أو الشك، أو السبب، أو الهدف، أو النتيجة، أو الأداة، أو الدرجة، أو المعية، والكثير غير ذلك فى النحوين الإنجليزى والفرنسى على سبيل المثال لا الحصر. ولكن تُرى هل يكون من بينها الاستثناء؟
والحقيقة أن الاستثناء نوع من الظرف، وهو ما نجده أيضا فى النحو الإنجليزى تحت اسم ظرف الاستثناء adverbial of exception، وقد يتحقق بواسطة عبارة استثناء مجرورة prepositional phrase of exception. وأكرر أن هذا الظرف لا يخص المستثنى بل يشمل "إلا وما بعدها" ككل، وهنا تتضح طبيعة الظرف فهو عنصر لا يقع عليه الفعل (وهذا هو المفعول به) ولا يتمم الفاعل مع الفعل الرابط ولا المفعول به (وهذا ما يقوم به المتمم) بل يقول لنا (عن غير طريق تصريف الفعل فى الأزمنة) متى حدث أو يحدث أو سيحدث ذلك الفعل، أو يقدم لنا بيانات أخرى هى بمثابة إجابات عن أسئلة أخرى عن مكان حدوث الفعل، أو كيفية حدوثه (مثلا: بقوة، بوضوح، باعتدال، بصورة كاملة أو جزئية)، أو سبب أو هدف أو غاية أو نتيجة حدوثه، أو درجة حدوثه، أو وسيلة أو أداة أو آلة حدوثه، أما هنا، فى مجال الاستثناء، فإن تحديد الظرف للفعل يتمثل فى الاستثناء عليه أىْ استبعاد المستثنى عن الحكم الذى يتضمنه الفعل.

المفعول المطلق والمفعول لأجله والمفعول معه
فى ضوء المفهوم الواسع للظرف، كما تقدم، نستطيع أن نتعامل بسهولة مع هذه المفاعيل.

المفعول لأجله
هناك مثلا ظروف السبب cause أو reason أو الدافع motive والغرض أو الهدف purpose والنتيجة result (بالإنجليزية) وهى كافية لاستيعاب وتوسيع مفهوم المفعول لأجله. والمفعول لأجله كلمة أو مجموعة كلمات وظيفتها بيان سبب وقوع الفعل (والمقصود سبب الفعل أو هدفه وربما نتيجته)، مثلا: "جئتُ رغبة فى رؤيتك" أو "لرؤيتك" أو "بهدف رؤيتك" أو "لكى أراك" أو "لأننى اشتقت إلى رؤيتك"، ولا بأس بالتعبير بأىّ طريقة عن معنى هذا الظرف، ونكرر أن الظرف يضيف تحديدا من نوع ما إلى النعت أو ظرف آخر أو الفعل، والمقصود هنا هو سؤال: لماذا أو من أجل ماذا أو لأىّ غاية أو بأىّ دافع إلخ.. جرى القيام بالفعل؟ ومن الجلى أن الأشكال المتنوعة التى يتحقق بها ظرف السبب والغاية هذا تستبعد أن يكون النصب سمة ضرورية والنحو العربى ذاته يتحدث عن النصب والجر باللام.

المفعول معه

وهناك المفعول معه الذى يمكن أن نسميه أيضا ظرف المعية بمعنى "برفقة" أو "بمصاحبة" أو "بمعية" أو "مع". فإذا قلنا "استيقظتُ وطلوعَ الفجر" يقال إن "طلوعَ" مفعول معه منصوب حيث يكون المقصود هو ما فُعل الفعل بمصاحبته وليس معنى العطف (لأن طلوع الشمس لا يستيقظ معى)، فلماذا هذا الاقتصار الذى يستبعد العطف؟ لماذا استبعاد المعطوف وحرف أو أداة العطف فى مثل: "أنجزت المهمة مع محمود (أو: أنا ومحمود)"؟ من الواضح أن السبب هو البحث الإعرابىُّ التوجه عن المرفوعات والمنصوبات وغيرها كلٌّ فى بابه وليس البحث النحوى عن الظرف الدالّ على الاشتراك. ونأخذ من النحو الإنجليزى أمثلة مترجمة على هذا النوع من الظرف المسمى adverbial of accompaniment (complément d’accompagnement فى النحو الفرنسى):
أنا سعيد بمجيئك معنا (with us).
ظل محسن يرقص مع عديد من أصدقائه (with several of his friends).
الكارى مع الأرز (with rice) طبقى المفضل.
ونترجم من الفرنسية مثلا أيضا:
هو يعمل معنا (avec nous).
وعبارات ظرف المعية هى مع وما بعده من الكلمات التى تحتها خط، ولا مبرر لحصر هذا الظرف فيما لا يدل على العطف، لأن العطف الدال على الاشتراك فى القيام بالفعل هو الأولى بهذا الظرف.

المفعول المطلق

وسمة المفعول المطلق هى استخدام المصدر من لفظ الفعل المذكور معه لتوكيده (مثل: "وكلَّم الله موسى تكليما" ) أو لبيان نوعه (مثل: "فأخذناهم أخذ عزيز مقتدر" ) أو لبيان عدده (مثل: "يفرح الصائم فرحتين").
وهناك حالات لا يُستخدم فيها المصدر من لفظ الفعل بل لفظ آخر للدلالة على هذه الأغراض ذاتها ويقال فى هذه الأحوال إن هذا اللفظ الآخر ينوب عن المصدر الحقيقى المعهود فى استعمال المفعول المطلق. وتكثر "التخريجات" الخاصة بهذا النائب أو ذاك عن المصدر، فهو فى أمثلة القواعد الأساسية كما يلى :
1: صفة المصدر، مثل: تتطور الحياة العصرية سريعا (أىْ تطورا سريعا) [أو: "فليضحكوا قليلا وليبكوا كثيرا" ].
2: مرادف المصدر، مثل: فرحت جَذَلا.
3: نوع المصدر، مثل: رجع الصف القهقرى (أىْ رجوعَ القهقرى).
4: عدد المصدر، مثل: "إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم" .
5: آلة المصدر، مثل: رميتُ العدوَّ قذيفةً.
6: ضمير المصدر، مثل: أقدِّر الفن تقديرا لا أقدِّره شيئا آخر.
7: الإشارة إلى المصدر، مثل: حسبى أنِّى أرعى الجميلَ هذه الرعاية.
8: لفظة "كل" أو "بعض" مضافة إلى المصدر، مثل: "فلا تميلوا كلَّ الميل" .
وتزداد هذه القائمة طولا بل تصل إلى الضعف لتصل إلى 16 "شيئا" يدل على المصدر منها 13 للنوع و 3 "للمؤكَّد" من النيابة فى تخريجات معجم الدقر حيث تُضاف هذه "الأشياء" للنوع:
1: هيئة المصدر، مثل: يموت الجاحد ميتة سوء.
2: وقت المصدر، مثل: "ليلة أرمدا" فى قول الأعشى: "ألم تغتمض عيناك ليلة أرمدا".
3: ما الاستفهامية، مثل: "ما تضرب الفاجر" (أىْ أىَّ ضرب تضربه) كما يقول الدقر.
4: ما الشرطية، مثل: "ما شئتَ فاجلسْ" (أىْ أىَّ جلوس شئته فاجلس)، كما يقول الدقر.
5: مرادف المصدر ، مثل: نهضت وقوفا.
وتضاف "أشياء أخرى" للمؤكَّد:
1: مرادف المصدر، مثل: فرحتُ جذلا، أو: ومقتُه حُبًّا.
2: مُلاقى المصدر فى الاشتقاق، مثل: "والله أنبتكم من الأرض نباتا"، أو: "وتبتَّلْ إليه تبتيلا"، والمصدر الحقيقى (على الترتيب): "إنباتا" و "تبتُّلا"، وليس "نباتا" و "تبتيلا".
3: اسم المصدر، مثل: أعطى عطاء، والمصدر الحقيقى: "إعطاءً".
ومن الجلى أن نقطة الانطلاق إلى فكرة المفعول المطلق هى وجود المصدر وبالأخص المصدر الحقيقى فى هذا الأسلوب، وربما كان من الممكن تسميته بالمصدر المفعول أو التوكيد إلخ.. بالمصدر. وهنا ابتعاد واضح عن التفكير فى الهدف النحوى وراء هذا الأسلوب، أىْ التوكيد وغيره، والهروب بالتالى إلى مفهوم صرفى أو معجمى. ويتضح من "النيابات" المذكورة عن المصدر أننا إزاء غرض نحوى يمكن تحقيقه بالمصدر وبأشكال أخرى، ومن هنا تأويل هذه الأشكال الأخرى بما يربطها بطريقة ما بالمصدر. وكان الأولى بالطبع بحث الأغراض النحوية أو البلاغية والمقارنة بين هذه الأغراض الأمر الذى كان من شأنه أن يوضح ما إذا كان هناك شيء جوهرى يجمع بينها وإلا كُنَّا أمام وظائف نحوية متعددة أو أشكال متنوعة لوظيفة نحوية.
وبقدر ما يتعلق الأمر بالاستخدام المباشر للمصدر الحقيقى بالذات، أو ربما لأشكال مصدرية أخرى، القول بأننا إزاء شكل خاص من ظرف توكيدىّ. غير أن "التخريجات" التى نجد أنفسنا أمامها تدعو إلى التفكير فى احتمالات أخرى للوظيفة النحوية أو أشكال تحقيقها. وينطوى "كلَّم تكليما" دون شك على ظرف توكيدى، ولكن هل نجد هذا الغرض نفسه فى الأشكال الأخرى؟
ويمكن أن نجد المعنى نفسه فى "أخذ عزيز مقتدر" فهذا أيضا توكيد أو نوع من التوكيد يقوم على بيان "درجة" أو "قوة" أو "شدة" التوكيد، وهذا مألوف فى الظرف المؤكِّد أيًّا كان أسلوبه (باستخدام المصدر أو بدونه). وإذا قلنا مثلا، كأحد أمثلة المفعول المطلق المبين للنوع كما يقال، وهو المصدر الموصوف أو المضاف فى هذا الاستعمال: "نبحث بحث الدائبين" فهذا يساوى "بحثا دائبا" أو "بدأب" أو "بطريقة/بصورة دءوبة"، وعندئذ نكون أمام ظرف الطريقة أو الكيفية adverbial of manner بالمعنى المباشر دون شك. أما إضافة "يفرح الصائم فرحتين" إلى هذا الغرض بادعاء بيان العدد فلا مبرر له لأن المقصود هنا ليس بيان العدد بوصفه كذلك بل التمييز المبين لنوع هذه الفرحة أو تلك فكأننا نتحدث عن الفرح مرتين "فرحة عند فطره، وفرحة عند دخوله الجنة"، فكأنه تمييز للعدد.
غير أن المشكلة تشتد مع "تخريجات" أو "نيابات" كثيرة أخرى. وعلى سبيل المثال فإن النيابة الأولى المذكورة أعلاه تتحدث عن صفة المصدر، والشاهد: تتطور الحياة العصرية سريعا (أىْ تطورا سريعا)، غير أن إضافة كلمة "سريعا" لتحديد معنى الجملة أو لتحديد فعل "تطوَّر" بالسرعة ليس فى الحقيقة سوى ما يسمى بالحال وهو نوع من ظرف الكيفية أو الطريقة أو الهيئة، وكأننا نقول إن هذا التطور صار يتقدم "بسرعة".
وتعطينا نيابة "مرادف المصدر" صيغة "فرحتُ جَذَلا" ويجرى تعليل هذا بأن الجذل مرادف للفرح، ولكنْ أليس الأولى أن نلتفت إلى احتمال أن يكون المقصود هو التوكيد باستخدام مرادف المصدر مادام معنى المفعول لأجله مستبعدا هنا؟ ويضيف معجم الدقر غرضا يعتبره مختلفا لمرادف المصدر من خلال هذا الشاهد "نهضت وقوفا"، وماذا إنْ قلتُ: "نهضتُ واقفا" باسم الفاعل بدلا من المصدر، وهو الاستعمال الأكثر شيوعا؟، ولكنه فى الحقيقة غرض التوكيد نفسه.
أما "عدد المصدر"، وشاهده "إنْ تستغفر لهم سبعين مرة"، فلا يقدم سوى العدد وتمييزه، والتعليل هو أن الآية تتضمن معنى "سبعين استغفارا" ولا غبار على هذا غير أن هذا قد يؤدى إلى اعتبار كثرة من تمييز العدد مفعولا مطلقا دون مبرر حقيقى.
أما آلة المصدر، مثل: "رميتُ العدوَّ قذيفةً"، فقد يكون أولى بما يسمى بظرف الآلة أو الوسيلة adverbial of instrument or means، ومن أمثلته فى الإنجليزية ما تحته خط فيما ترجمته: أذهب إلى عملى "بالسيارة"، أو "دخل اللص البيت بالباب الخلفى"، أو "تلقف الكرة بيده اليسرى". ومن السهل بالطبع أن نقوم مع هذه الأمثلة بتخريجات تضمها إلى المفعول المطلق بافتراض المصادر: "ذهاب"، و "دخول"، و "تلقُّف"، على الترتيب!
وقس على هذا؛ فلا ضرورة حقيقية لأن نناقش بالتفصيل كل هذه "النيابات" التى يأتى بعضها حتى مع وجود المصدر الحقيقى مباشرة لمجرد وجود ضمير يعود على المصدر أو اسم إشارة. والأمر المهم هو أن "غربلة" المفعول المطلق و"تخريجاته" يمكن أن تقود إلى أشكال ظرفية متنوعة تنتمى إليها هذه "الأشياء".
وقد يتراكب ظرف التوكيد مع ظرف الزمان مثلا فى قولنا: "عند/أثناء البحث بحثا عميقا يتوصل المرء إلى نتائج ذات قيمة"، أو مع غير ظرف الزمان فى مثل قولنا: "فى التأمل تأمُّلا عميقا نفاذ لا يتحقق بغيره إلى أسرار الكون".

الحال بين المتمم والظرف

وننتقل إلى الحال. وينطبق على الحال ما قيل عن باقى ما يسمى بالمنصوبات من حيث إن النصب لا يمثل سمة مطلقة لها. ذلك أن الأشكال المتنوعة لتحقيق الحال، ومنها التراكيب المتعددة الكلمات مثل الجملة وشبه الجملة، كما يقال، تستبعد الإعراب مع غير الكلمة المعربة. على أن بحث النصب أو الإعراب لم يعد قضيتنا الآن، بل ينبغى أن نركز على مسألة علاقة ما يسمى بالحال مع عناصر بناء الجملة.
ويتعلق الحال بصاحب الحال ويكون هذا فاعلا أو مفعولا به وقد يجتمعان فى جملة واحدة، ومن أمثلة كتاب القواعد الأساسية :
1: صاحب الحال هو الفاعل، مثل: "سأزحف ثائرا".
2: صاحب الحال هو المفعول به، مثل: "إنَّا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا" .
3: صاحب الحال كل من الفاعل والمفعول به، مثل: "صافح اللاعبُ منافسَه متحابَّيْن" [ويمكن أن يكون صاحبا الحال فاعليْن متفاعليْن، مثل: "تصافح اللاعبان المتنافسان متحابَّيْن"].
وهناك "أنواع" الحال، أىْ: أشكال تحقيق الحال، وهى مثل "أنواع" خبر المبتدأ وخبر "إن وأخواتها" وخبر "كان وأخواتها" وكلِّ "خبرٍ" آخر فى هذا النحو، والحال ما تحته خط:
1: حال مفردة، مثل: واجَهَ الصعابَ قويََّا.
2: حال جملة (اسمية وفعلية): اسمية، مثل: ننتصر على العدوّ ونحن يد واحدة، وفعلية، مثل: سرى الفدائىّ يتسلل نحو العدوّ.
3: حال شبه جملة (الظرف أو الجار والمجرور): ظرف، مثل: رأيتُ الطيور بين الشجر والزهر، وجار ومجرور، مثل: رأيت الطيور فى رحاب الطبيعة.
وقبل أن نلمّ بأمثلة أخرى، نعلِّق على هذه الأمثلة:
من الجلى قبل كل شيء أن تعريف الحال ينصبّ، هنا كما فى كل مكان آخر فى هذا النحو، على صاحب الحال باعتباره الفاعل أو المفعول، فلا يشمل صاحب الحال الفعل أو الجملة بكاملها. وهذا ما يُخرج الحال من المفهوم الشامل لظرف الطريقة أو الصورة أو الشكل الذى ينصبّ على الفعل باعتباره محور الجملة. وهناك، بعد ذلك، مشكلات أخرى. وإذا انتقلنا إلى أنواع الحال وجدنا أن ما يسمى بجملة الحال ليس جملة حيث يتكون من الرابط أىْ الواو و"الضمير" وما بعد كل منهما مجموعة اسمية أو فعلية لا تشكل جملة مستقلة، فالرابط الواو يجعلنا أمام جملة تابعة (غير مستقلة): ونحن يد واحدة، ومن الواضح أن واو الحال التى توصف بأنها تحمل معنى الظرفية مثل واو المعية تضعنا مع ما بعدها أمام فكرة الظرف كتفسير للحال. والرابط الضمير "الياء" هنا ليس ضميرا كما يقال بل هو بادئة من بوادئ تصريف المضارع (حروف "نأيتُ")، ولسنا على أىّ حال أمام جملة مستقلة إذ ينقصها المسند إليه: "يتسلل نحو العدوّ". والنوع الثالث حال شبه جملة، وهنا ندخل فى التباس لا مخرج منه: فالظرف "بين الشجر والزهر" خبر شبه جملة وفقا لهذا النحو (ومع الكينونة المحذوفة وفقا لنظرية متعلَّق الظرف والجار والمجرور) فلا ينبغى اعتباره حالا شبه جملة، وهنا يكون الالتباس بين الخبر والحال، وهو ظرف مكان بالذات كما يقول هذا النحو ذاته ومعنى هذا أن الحال ظرف أو ظرف أيضا، وهنا يكون الالتباس بين الظرف والحال. أما الجار والمجرور، مثل: "فى رحاب الطبيعة"، فهو هنا حال شبه جملة ولكنه أيضا خبر شبه جملة وفقا لهذا النحو (ومع المحذوف وفقا لنظرية متعلَّق الظرف والجار والمجرور)، كما أن من الضرورى دائما تحليل ما يمثله الجار والمجرور وهو هنا - فى الفضاء الفسيح لرحاب الطبيعة - ظرف مكان بالذات وليس شيئا آخر، فنحن إذن مرة أخرى أمام الالتباس بين الحال من ناحية والظرف والخبر من ناحية أخرى. غير أننا هنا مع فعل "رأيتُ"، فنحن إذن أمام التباس جديد بين الحال وما يسمى بالمفعول به الثانى مع "ظن وأخواتها"، أو بالأحرى، كما نجد هنا، مع الظرف الذى يأتى مع المفعول به المباشر فى نموذج "ظن وأخواتها" أو "أعلم وأرى وأخواتهما".
وفى أمثلة كتاب تحرير النحو العربى أيضا، نجد الظرف أو الجار والمجرور "حالا" بالمشكلات ذاتها.
وفى أمثلة الدكتور شوقى ضيف فى كتابه تجديد النحو نلقى المزيد من أسباب الالتباس بين الحال وأشياء أخرى. وهو يقدم الظرف والجار والمجرور باعتبارهما المزدوج السالف الذكر. ويتسع خرق الالتباس على الراقع عندما يُلحق الدكتور شوقى ضيف أفعال "كان وأخواتها" بالحال ، دون مبرر واضح سوى النصب، رغم الأهمية الكبرى لأفعال "كان وأخواتها" فى اللغات بوجه عام، وليس فى اللغة العربية وحدها، كأفعال تتميز بنموذج خاص جدا من الجمل. ويبدو أن أفعال "كان وأخواتها" أكثر مما تورده كتب النحو عادة ومنها على سبيل المثال، كما جاء فى معجم الدقر، ما وافق "صار" فى المعنى، ويورد هذه الأفعال العشرة: آض، رجع، عاد، استحال، قعد، حار، ارتد، تحول، غدا، راح .
وعلى هذا يمكن القول بأن الحال نوع من الظرف مع تخليص هذا الباب من كثير مما استقر فيه دون مبرر وما أضيف إليه دون مبرر أيضا. ولا شك فى أن الحل الحقيقى لمشكلة التباسات "الحال" سوف يتحقق فى سياق الغربلة النحوية المنطقية للظرف نظريا وتطبيقيا وتوسيع دائرته مع الاهتمام بصورة خاصة بظرف الطريقة ولكنْ أيضا بظرف الشرط وكل أنواع الظرف الأخرى التى تختفى الآن تحت أسماء الكثير مما يسمى بمنصوبات الأسماء. كذلك فإن متمم الفاعل قد يكون له نصيب مما يُنسب إلى الحال إذا جرى توسيع نطاق أفعال "كان وأخواتها" لتشمل عددا أوسع مما يُدْرَج تحتها الآن، على عكس اتجاه الدكتور شوقى ضيف إلى ضمّ أفعال "كان وأخواتها" إلى ما يسمى بالحال.
وبدلا من التمحور حول الإعراب والتحليل الإعرابى ينبغى أن يتجه النحو إلى البحث النحوى والمنطقى والتحليل النحوى والمنطقى. ولا أحد يعترض بطبيعة الحال على الحديث والكتابة بالإعراب، ولا أحد يعترض على تحليل كل نص عربى (مكتوب على نسق الإعراب) تحليلا لكل لفظة من حيث الإعراب والبناء مع كل تعليل منطقى سائغ من حيث الصلة بالمفاهيم النحوية المنطقية. غير أن التحليل النحوى المنطقى بالمعنى الحقيقى سيكون ثمرة رفع النحو العربى إلى مستوى طموحه وإلى مستوى طموح كل نحو متطور. ولن يكون هذا إلا بتطوير فهمنا لبناء الجملة من حيث عناصر ومكونات ووظائف هذا البناء بغضّ النظر عن الإعراب، باعتبار النحو علما يخص بناء الجملة فى كل لغة معربة أو غير معربة. وأعتقد أن البحث النحوى المقارن كفيل بأن يقنع جميع المهتمين بتطوير النحو العربى بحقيقة مفادها أن النحو واحد فى كل اللغات، وهى حقيقة وثيقة الارتباط بحقيقة اجتماعية لغوية أعمق هى وحدة الحياة البشرية ووحدة اللغات التى تعبر عنها.














16
محاولة مجمع اللغة العربية بالقاهرة
ووزارة المعارف المصرية
لإصلاح النحو العربى فى 1945

لن يفوتنى، ونحن نتجه إلى نهاية هذا الكتاب، أن أقف هنا - وقفة متأنية قدر الإمكان - عند أهم وأنضج محاولة لإصلاح وتيسير النحو العربى فى العصر الحديث؛ أعنى محاولة وزارة المعارف المصرية (وزارة التربية بعد حركة 1952) منذ 1938 ومجمع اللغة العربية فى دورته الحادية عشرة فى 1945 .
وكان كتاب "تحرير النحو العربى: قواعد النحو العربى مع التيسير الذى قرره مجمع اللغة العربية بالقاهرة"، الصادر عن دار المعارف فى 1958، أنضج ثمرة لتلك المحاولة، جنبا إلى جنب مع قرارات المجمع بهذا الشأن.
ونقرأ فى تقديم ذلك الكتاب ما يلى:
لقد اتصلت المحاولات، وألفت وزارة "المعارف" المصرية – التربية الآن – سنة 1938 لجنة من كبار الأساتذة فى الجامعة وفى وزارة "المعارف" لتبحث وسائل التيسير فى تعليم القواعد العربية، وأدت اللجنة عملها وقدمت تقريرها ونحت فيه وجهة جديدة ببعض الاصطلاحات النحوية، وفى ترتيب القواعد وتقسيم الأبواب – أعفت التلميذ مما كان يسمى بالإعراب التقديرى والمحلى، وكان تعليمه زيادة من غير فائدة فى ضبط لفظ أو تقويم لسان، وقللت الأبواب فجعلت المبتدأ والفاعل ونائب الفاعل بابا واحدا أسمته المسند إليه، كما سماه علماء البلاغة والمتقدمون من النحويين، وتوصلت بذلك إلى قدر من التيسير .
ويواصل التقديم موضحا الجديد فى هذه المحاولة:
وكان الإصلاح متجها من قبل إلى تلخيص القواعد، وتخليصها من التطويل أو الجدل، أو طريقة عرضها أو وسائل توضيحها، وفى هذه المحاولة اتجه الإصلاح إلى ذات القواعد، ولم ينكل عن تغيير فى ترتيبها على شرط ألا يمس ذلك التعديل شيئا من جوهر اللغة ولا أصلا من أصولها، أو يبدل حكما من أحكامها .
ويروى التقديم مسار الصعود المتردد المتعثر لتلك المحاولة:
وأُرسل هذا التقرير إلى الجهات التى تعنى بدراسة القواعد لترى فيه رأيها، وقد درسته جهات تعليمية وأخذت ببعض ما فيه، ودرسه مجمع اللغة العربية بمصر، وناقشه فى مؤتمره الذى عقد فى سنة 1945 وأقرّ ما أقرّ منه، وآن أن يتخذ طريقه إلى التعميم ويستفيد منه المتعلمون، ولكن تنفيذه كان يثير بعض التردد والخشية، فإن الرجوع عن المألوف أمر غير يسير، شديد على من تلقنه ودرسه ثم لقنه، أن يعدل عنه وقد صار جزءا من آرائه ومددا لتفكيره .
ويواصل:
وقد أحست اللجنة ذلك منذ تقدمت بما اقترحت. جاء فى تقريرها: "ومهما يكن ظننا حسنا بهذا الإصلاح الذى نقترحه فإننا نريد أن تتأنى الوزارة فى الأخذ به وأن تهيئ لذلك أسبابه. وأيسر هذه الأسباب أن يتعوده المعلِّمون، وألا يقبلوا على تعليمه إلا بعد أن يثقفوه ويسيغوه ويتمثلوه" .
ويضيف:
وقفت هذه الصعوبة فى سبيل تنفيذ هذا الإصلاح أكثر من عشر سنوات، إلى أن جاءت الثورة المصرية سنة 1952 .
ويلخص التقديم القصة اللاحقة لنجاح المحاولة، فيشير إلى عقد مؤتمر بالقاهرة خلال الفترة 1-12 يونيو سنة 1957 حضره الأساتذة مفتشو اللغة العربية بالمرحلة الإعدادية "تناقش فيه السادة المفتشون ومن اختير معهم من الأساتذة، وتداولوا درس هذه الاقتراحات وسبيل تنفيذها، واتخذ المؤتمر فى ذلك قراراته" . ثم أقيم مؤتمر جمع المدرسين الأوائل فى هذه المدارس وقرر ارتياحه للمنهج الجديد ورغبته فى إنجازه .
وعلى هذا يقدم الكتاب نفسه بقوله:
أُلِّف هذا الكتاب الذى نقدمه الآن ليكون مرجعا قريبا للمعلم، يجمع تلخيص قواعد النحو، ويشمل ما أقرّ من اقتراحات الإصلاح والتيسير.
وإنا لنرجو أن يكون عملا متصلا فى سبيل "تحرير النحو" وتجديده، ولذلك سميناه "تحرير النحو العربى" .
ونعلم جميعا أن هذه المحاولة التاريخية، التى كانت أهم وأنضج محاولة من نوعها، انتهت إلى الفشل الذريع. وهو فشل يرجع من ناحية إلى عيوبها ونقاط ضعفها التى تتلخص فى أنها لم تكن بالعمق والنضج الكافيين، ويرجع من ناحية أخرى إلى نفوذ القوى المعادية لكل تجديد للنحو العربى، فى مصر والعالم العربى، فى تلك الفترة (وليس فيها وحدها بالطبع).
على أن ذلك الفشل طوال نصف قرن لا يعنى الفشل إلى الأبد، ذلك أن إحياء وتطوير تلك المحاولة يظلان قضية من قضايا تطور اللغة العربية، كما يتدخل الآن عامل جديد يتمثل فى أن اللغة التى لا يتطور نحوها بالقدر الكافى للوفاء بمتطلبات ومقتضيات عصر علم وتقنية معالجة المعلومات آليا لن تكون قادرة على مجرد البقاء. ولا شك فى أن أىّ محاولة جديدة لتطوير النحو العربى سيكون عليها أن تستفيد من نقاط قوة تلك المحاولة البالغة الأهمية، وأن توجِّه النقد العميق الحاسم إلى نقاط ضعفها التى ساعدت على فشلها وضربها وإجبار المجمع ووزارة التربية والتعليم على إهمالها أو التخلى عنها أو التنصل منها.
وعلى هذا نعود الآن إلى تقرير لجنة وزارة المعارف المصرية، وإلى قرارات مجمع اللغة العربية بالقاهرة، ثم إلى كتاب تحرير النحو العربى، لنقف على الأفكار والتطبيقات الأساسية لمحاولة إصلاح وتيسير النحو العربى، وهذا الأخير هو الذى يهمنا هنا، ولهذا سنكتفى باستعراض ومناقشة ما يخص النحو وحده دون الصرف والبلاغة فهذان الأخيران لا يدخلان فى موضوع هذا الكتاب.
وكان حضرة صاحب المعالى بهى الدين بركات باشا، وزير المعارف المصرية، قد أصدر فى 1938 قرارا بتأليف "لجنة مهمتها البحث فى تيسير قواعد النحو والصرف والبلاغة" ... "وقد اتصلت اجتماعات اللجنة للنهوض بهذه المهمة" وانتهت إلى "طائفة من الاقتراحات" رفعتها إلى الوزارة "لا على أنها المثل الأعلى لما ينبغى الوصول إليه من تيسير النحو والبلاغة، بل على أنها خطوة معتدلة موفقة فى سبيل هذا التيسير قد تتاح بعدها خطوات أدنى إلى التوفيق وأقرب إلى الكمال". ثم عرضت الوزارة تقرير اللجنة على المجمع، و"عقدت لجنة تيسير القواعد المتفرعة من لجنة الأصول بالمجمع عدة اجتماعات للبحث فى هذا التقرير" ، وقدمت مقترحاتها إلى مؤتمر المجمع (الدورة الحادية عشرة المنعقدة فى الفترة من 23 من نوفمبر سنة 1944 إلى 28 من مايو سنة 1945)، فأقرها مؤتمر المجمع مع إدخال بعض التعديل .
وكانت لجنة وزارة المعارف تتألف من: الدكتور طه حسين عميد كلية الآداب، والأستاذ أحمد أمين الأستاذ بكلية الآداب، والأستاذ على الجارم مفتش أول اللغة العربية، والأستاذ محمد أبو بكر إبراهيم المفتش بالوزارة، والأستاذ إبراهيم مصطفى الأستاذ المساعد بكلية الآداب، والأستاذ عبد المجيد الشافعى الأستاذ بدار العلوم. وجدير بالذكر أيضا أن كتاب تحرير النحو العربى كان من تأليف الأساتذة: إبراهيم مصطفى، ومحمد أحمد برانق، ومحمد أحمد المرشدى، ويوسف خليفة نصر، والدكتور عبد الفتاح شلبى، ومحمد محمود رضوان، والدكتور محمود رشدى خاطر، ومحمد شفيق عطا .
وتوضح ديباجة تقرير اللجنة الوزارية الإطار العام الذى التزمت به والنهج العام الذى اتبعته:
وقد شرط علينا فى القرار الوزارى وشرطنا نحن على أنفسنا ألا ينتهى بنا حب التيسير إلى أن نمس من قريب أو بعيد أصلا من أصول اللغة أو شكلا من أشكالها، وإنما أخذنا أنفسنا بتيسير القواعد والأصول بحيث نقرِّبها من العقل الحديث (...) فلن يكون من نتائج التيسير أن يتغير وضع من أوضاع اللغة، أو يلغى أسلوب من أساليبها أو يهمل استعمال من استعمالاتها (...) بل حرصنا على أكثر من هذا فأخذنا أنفسنا بألا نعدل عن القديم لأنه قديم، وبألا نغير فيما اتفق عليه النحاة من القوعد والأصول إلا بمقدار، حين لا يكون من هذا التغيير بد، وقد اجتهدنا فى أن نتلمس من مذاهب النحاة القدماء ما عسى أن يكون أقرب إلى العقل الحديث وأيسر على الناشئين فنأخذ به ونضعه مكان المذهب المشهور الذى قد يجد المعلمون والمتعلمون فيه من الجهد والمشقة ما يمكن أن يتخفف منه دون أن ينشأ عن ذلك شر قليل أو كثير .
ويلاحظ التقرير "أن أهم ما يعسر النحو على المعلمين والمتعلمين ثلاثة أشياء": 1: "فلسفة حملت القدماء" على الإسراف "فى الافتراض والتعليل" 2: "إسراف فى القواعد" وبالتالى "فى الاصطلاحات" 3: "إمعان فى التعمق العلمى باعد بين النحو والأدب". ويؤكد التقرير أن اللجنة حاولت تخليص النحو من هذه العيوب الثلاثة .
وقد أصابت اللجنة عندما التزمت بألا تمس أصول اللغة وأشكالها وأساليبها بحال من الأحوال، غير أن عدم تغيير "ما اتفق عليه النحاة من القواعد والأصول إلا بمقدار" يوحى بأن اللجنة تنظر إلى أقوال النحاة وكأنها من أصول اللغة، وهذا ما يوحى به أيضا تحديدها لمهمتها على أنها "تيسير القواعد والأصول". وكان ينبغى أن تميز اللجنة بوضوح بين قواعد أو أصول اللغة وقواعد نحو النحاة، فلا أحد من حقه أن يمس اللغة إلا الجماعة الناطقة بها وبصورة جمعية، أما نحو النحاة اتفقوا أو لم يتفقوا فمجال مفتوح دوما للبحث والاجتهاد والتغيير والإلغاء. وإذا كانت اللجنة قد جعلت ذلك النحو مجالا مفتوحا بالفعل لكل هذا، وإلا لما استطاعت أن تقوم بهذه المحاولة التاريخية للإصلاح والتيسير، فإن من الجائز أن هذه التصورات "المعتدلة" عن "التيسير" وعدم تغيير ما اتفق عليه النحاة "إلا بمقدار" وما إلى ذلك أغلقت آفاقا ربما كانت رحبة أمام تلك المحاولة لتطوير النحو العربى بما أدى فى النهاية إلى المزيد من نقاط الضعف وإلى ضرب المحاولة من داخلها الأمر الذى ساعد خصومها على ضربها من خارجها.
وقبل أن نقف عند الجانب الأكثر أهمية بين اقتراحات اللجنة الوزارية وقرارات المجمع، ونقصد به الإصلاح النحوى للجملة، والذى ينطوى أيضا على أبرز نقاط ضعف تلك المحاولة فى مجال النحو كما فى مجال الإعراب، نشير بسرعة إلى بعض الجوانب الأخرى.
وينص القرار (3) من قرارات المجمع على أن "يبقى التقسيم للكلمة وهو أنها اسم أو فعل أو حرف" . والحقيقة أن هذا التقسيم يُعَدّ من نقاط ضعف النحو العربى والمعجم العربى، كما أشرنا غير مرة، ولهذا فإن من المؤسف أن تخلو هذه المحاولة الكبرى للإصلاح من أىّ إصلاح لهذه النقطة.
أما الإعراب المحلى والإعراب التقديرى فترى اللجنة الوزارية "وجوب الاستغناء" عنهما ، وينص القرار (4) على ذلك . وقد ناقشنا رأى اللجنة الوزارية وقرار المجمع بشأن هذه النقطة فى فصل سابق (الفصل 14 حول الإعرابين المحلى والتقديرى).
وترى اللجنة الوزارية اعتبار كل علامة من علامات الإعراب أصلية فى موضعها بلا تمييز بين علامات (حركات) أصلية وعلامات فرعية وبلا حديث عن نيابة علامة فرعية (حركات أو حروف) عن علامة (حركة) أصلية ، وينص قرار المجمع (5) على ذلك . ويؤيد كاتب هذه السطور هذا الرأى بلا تحفظ.
وينص القرار (6) على ما يلى:
يُقتصر على ألقاب الإعراب ولا يكلف الناشئ بيان حركة المبنى أو سكونه، سواء أكان له محل أم لم يكن، اكتفاء بأن المبنى يلزم آخره حركة واحدة، ولا يكلف الطالب عند تحليل جملة بها كلمة مبنية ذات محل إلا أن يقول إنها مبنية وإن محلها كذا ... .
والمقصود بالمحل هو بالطبع المحل من الإعراب (الرفع، النصب، الجر، الجزم). وهذا شكل من أشكال التورط فى الإعراب المحلى للمبنيات، ومن ناحية أخرى فإن التخفف من الصيغ المألوفة فى الإعراب أو الإقلاع عنها لا يعنى أن هناك ما يمكن أن نأخذه على بيان حركة آخر الكلمة المبنية فلا غبار على مثل هذا البيان.
والحقيقة أن تناول تقرير اللجنة الوزارية لهذه النقطة مضطرب بعض الشيء فهو يشير إلى الرفع والنصب والجر والجزم باعتبار أن النحاة جعلوها ألقابا لحركات الإعراب وإلى الضم والفتح والكسر والسكون باعتبار أن النحاة جعلوها ألقابا لحركات البناء. وعلى هذا يعرب النحاة المعرب مرفوعا أو منصوبا على حين يعربون المبنى مضموما أو مفتوحا. وترى اللجنة الوزارية أن "هذه التفرقة دعتهم إليها الدقة بل الإفراط فى الدقة والسخاء فى الاصطلاحين"، وعلى هذا "ترى اللجنة أن يكون لكل حركة لقب واحد فى الإعراب وفى البناء وأن يكتفى بألقاب البناء" . وهذا رأى غريب حقا. إذ كيف يمكن أن يكون الرفع ملائما للمبنى مع أن الرفع إعراب والإعراب يخص المعرَب وحده؟ وكيف يمكن أن يتفق هذا مع إلغاء الإعراب المحلى للمبنيات؟ وكيف يمكن الاكتفاء بألقاب الإعراب مثل الضم فيما يتعلق بالمعرب أيضا، على حين أن المعرب يرفع بالضمة وبغيرها؟ وكيف يمكن وصف الرفع والنصب والجر والجزم بأنها حركات الإعراب مع أنها أحوال أو أنواع الإعراب ولكل حالة أو نوع علاماته من حركات وغيرها؟!
وننتقل الآن إلى أعظم إنجازات لجنة وزارة المعارف المصرية ومجمع اللغة العربية بالقاهرة، ويتمثل هذا الإنجاز المتعدد الجوانب والبعيد المدى فى نتائجه النحوية والإعرابية فى الرأى أو الاقتراح أو القرار الخاص بالجملة و"أجزاء" الجملة.
إننا نجد أنفسنا إزاء أمرين من شأنهما معا إحداث انقلاب كبير إلى الأمام فى النحو العربى:
الأول: إحلال مفهوم الجملة العربية الواحدة محل مفهوم الجملتين الاسمية والفعلية.
الثانى: إحلال المسند إليه والمسند محل كل ما يسمى بمرفوعات الأسماء؛ حيث يحل المسند محل الخبر بكل أنواعه وكذلك محل فعل الجملة الفعلية. فيما يحل المسند إليه محل باقى تلك المرفوعات أىْ: محل كل من مبتدأ الجملة الاسمية وبالتالى محل اسم إن وأخواتها واسم كان وأخواتها وأسماء أفعال المقاربة والرجاء والشروع كما يحل محل فاعل الجملة الفعلية ومحل نائب الفاعل (أىْ فاعل الفعل المبنى للمجهول أو المفعول). ومعنى هذا أن قرار المجمع يلغى نهائيا قاعدة الفعل الذى يتقدم فاعله وقاعدة الفعل الذى يتأخر عن المبتدأ وجوبا؛ ومن الجلى أن هاتين القاعدتين تمثلان محور أو عمود النحو العربى التقليدى، أىْ نحو النحاة أو النحويين أو النحو الوضعى أو النحو العلمى إنْ شئت النسبة إلى علم النحو العربى.
وبدون تعليل أو تفسير أو تفصيل (وهذا عيب جوهرى فى هذه المحاولة من أولها إلى آخرها)، يجرى الحديث عن الجملة دون إشارة إلى الجملتين الاسمية والفعلية على الإطلاق، أىْ أنه لم يجر النص المباشر على إلغاء هذا الازدواج رغم الإلغاء العملى.
وفى رأى اللجنة الوزارية "تتألف الجملة من جزأين أساسيين ومن تكملة" وقد استعرضت اللجنة الوزارية تسميات أو أسماء متعددة للجزأين الأساسيين وهى: 1: المسند إليه والمسند 2: الموضوع والمحمول 3: الأساس والبناء 4: المحدَّث عنه والحديث. وفضلت هذه اللجنة تسمية الموضوع والمحمول كما اصطلح علماء المنطق . وينص القرار (6) من قرارات المجمع على ما يلى: "يسمى ركنا الجملة بالمسند إليه والمسند" ، كما ينص القرار (11) على أن "كل ما ذُكر فى الجملة غير المسند إليه والمسند فهو تكملة" .
هناك إذن جملة عربية واحدة مرنة فى الترتيب محل الجملتين الاسمية والفعلية المزعومتين فى النحو العربى التقليدى. ومحل الركنين الأساسيين للجملة الاسمية (المبتدأ والخبر) والركنين الأساسيين للجملة الفعلية (الفعل والفاعل) يحل المسند إليه والمسند.
على أنه لا جديد فى المسند إليه والمسند فى النحو العربى فهما موجودان منذ القديم. وإنما يتمثل الجديد فى هذه المحاولة فى إحلالهما محل كل ما يسمى بمرفوعات الأسماء بدلا من تهميشهما كما كان الحال فى النحو العربى التقليدى على مر القرون، كما يتمثل الجديد فى أن هذا الإحلال (بدلا من التهميش) قد ألغى (بصورة آلية مباشرة) التقسيم التقليدى للجملة إلى اسمية وفعلية، كما ألغى اعتبار الفعل اللاحق "للمبتدأ" جملة، إلى جانب الكثير من النتائج النحوية والإعرابية.
على أننا نلاحظ أن المسند إليه والمسند يجرى تقديمهما على أنهما ركنان أساسيان فليسا ركنين وحيدين كما كان ينبغى، وقد أشرنا غير مرة فى سياق هذا الكتاب إلى أن المسند إليه والمسند هما الركنان الوحيدان وليس فى الجملة كلمة واحدة خارج هذين الركنين. وتماما كما يميز النحو العربى التقليدى فى الجملتين الاسمية والفعلية بين ركنين أساسيين وفضلة، تميز هذه المحاولة الوزارية المجمعية فى الجملة العربية الواحدة بين ركنين أساسيين وتكملة. وبدلا من النظر إلى هذه الأخيرة ("التكملة") على أنها جزء لا يتجزأ من المسند، وعلى أنها ليست تكملة بحال من الأحوال إذ تقتضيها نماذج للجملة كعناصر أساسية لا تستغنى عنها كنماذج، كما يقتضيها ولا يستغنى عنها معنى الجملة.
ويكشف مفهوم التكملة (أو الفضلة) عن وجود اضطراب تعانى منه هذه المحاولة الوزارية المجمعية للإصلاح والتيسير فى مفهوم المسند (الخبر) الذى ينبغى أن يستوعب كافة عناصر ومكونات الجملة باستثناء المسند إليه، كما يتجلى الاضطراب الذى تعانى منه هذه المحاولة فى مفهوم المسند فى أشياء أخرى سنشير إليها الآن.
فالمسند، وفقا لتقرير اللجنة الوزارية، "يكون اسما فيُضم إلا إذا وقع مع كان أو إحدى أخواتها فيُفتح"، و"يكون ظرفا فيُفتح"، و"يكون فعلا أو مع حرف من حروف الإضافة أو جملة ويُكتفى فى إعرابه ببيان أنه محمول". ومعنى هذا أن المسند لا يختلف فى هذه المحاولة عن الخبر فى النحو العربى التقليدى إلا فى الفعل الذى يسبق المسند إليه أما الأنواع الأخرى للمسند أو الخبر فتوصف نفس الوصف. فهى كما نفهم من أحواله المذكورة ما يسمى بالخبرالمفرد (خبر المبتدأ، خبر إن وأخواتها، خبر كان وأخواتها) أو الخبر شبه الجملة من ظرف أو جار ومجرور أو الخبر الفعل (مع الكف عن اعتبار الفعل جملة مع فاعله المزعوم المتمثل فى الضمير المستتر أو ضمير الرفع البارز المتصل) أو الخبر الجملة التى تأتى بعد ما تسميه هذه المحاولة بالمسند إليه (وهو المبتدأ الأول فى النحو العربى التقليدى) قبل مسند إليه آخر فى جملة الخبر.
ويرجع التقدم فى مفهوم المسند فى هذه المحاولة إلى مرونة ترتيب ركنى الجملة بحيث يكون الفعل السابق للمسند إليه مسندا، وبحيث يُلْغَى الفاعل الضمير المستتر أو ضمير الرفع البارز المتصل بعد الفعل التالى "للمبتدأ"، وبالتالى لم يَعُدْ مثل هذا الفعل مع فاعله المزعوم جملة فعلية خبرا للمبتدأ بل صار فعلا ليس غير. وبالطبع فإن هذا الفعل السابق أو اللاحق للمسند إليه لا يكون وحده المسند إلا إنْ كان وحده مع المسند إليه وإلا فإنه يشكل المسند مع كل الكلمات أو العناصر الأخرى التى قد تأتى فى الجملة غير المسند إليه.
وإلى جانب مرونة ترتيب ركنىْ الجملة (المسند إليه والمسند) استند هذا التقدم فى مفهوم المسند إليه إلى رأى اللجنة الوزارية الداعى إلى إلغاء "الضمير المستتر جوازا أو وجوبا" ، وهو ما أيده القرار (9) من قرارات المجمع الذى قال: "أما الضمائر المستترة وجوبا أو جوازا فمصروف عنها النظر" . وعلى هذا ينص القرار (10) على ما يلى: "يُستغنى عن النص على العائد فى نحو "الذى اجتهد يكافأ" فيقال فى إعرابه: الذى اسم موصول مسند إليه واجتهد ماضى الغائب صلة؛ ويكافأ صيغة مضارع مبنى للمجهول للغائب مسند" . ولا يلاحظ القرار أن "الذى اجتهد" من اسم موصول وصلة هو المسند إليه. ولا مكان بالطبع للحديث عن الاستغناء عن "الضمير" العائد بعد إلغاء مفهوم الضمير المستتر و مفهوم ضمير الرفع البارز المتصل.
كما استند هذا التقدم إلى رأى اللجنة الوزارية فيما يتعلق بضمائر الرفع المتصلة البارزة (رغم اضطرابه)، وإلى قرار المجمع بهذا الشأن. وتدعو اللجنة المذكورة إلى "اعتبار إشارات العدد علامات لا ضمائر" على مذهب الإمام المازنى. ولكنها تعتبر أن "الضمير موضوع والفعل قبله محمول" فى "غير الدالّ على العدد مثل (قمتُ) أو (قمتَ) أو(قمتم)" ... و"إذا ذكر مع المتصل ضمير منفصل فهو تقوية له (قمت أنا) و (أنا قمت)" .
وهذا التمييز ضمن ما يسمى بضمائر الرفع البارزة المتصلة بين علامات أو إشارات تدل على العدد فلا تُعَدّ ضمائر، وضمائر لا تدل على العدد، لا أساس له فى الحقيقة. فهذه الضمائر المزعومة جميعا نهايات لتصريف الأفعال أىْ مثل النهايات endings فى الإنجليزية و terminaisons فى الفرنسية ولم يقل أحد بأن هذه النهايات ضمائر رغم علاقتها بالضمائر من حيث دلالتها على الشخص person والعدد والنوع أىْ من حيث دلالتها على الضمير الذى تم تصريف الفعل معه كما فى كل اللغات. أما ضمائر الرفع الوحيدة أو بالأحرى ضمائر المسند إليه فهى المنفصلة ولهذا فالمسند إليه فى (قمتُ أنا) أو (أنا قمتُ) هو "أنا" وهذا الأخير ليس تقوية أىْ ليس للتأكيد. أما مع الفعل المصرف بدون ضمير (منفصل بالطبع) مثل (قمتُ) أو (قمتَ) أو (قمتم) أو (قاموا) فالمسند إليه محذوف كجزء من ظاهرة الحذف المعروفة فى لغات عديدة (مثلا: الحذف شبه الكامل لضمائر المسند إليه فى تصريف الأفعال فى اللغة الإسپانية) وفيما يتعلق بعناصر جملة عديدة. والقرار (9) للمجمع أدقّ من تقرير اللجنة الوزارية إذ يعتبر أن ضمائر الرفع البارزة المتصلة "لا محل لاعتبارها ضمائر عند الإعراب وإنما هى فى الضمائر البارزة حروف دالة على نوع المسند إليه أو عدده" . والأدقّ اعتبار ما يسمى بضمائر الرفع البارزة المتصلة دون تردد نهايات لتصريف الأفعال كما سبق القول، وهو يعتبر "أنا" فى (أنا قمت) المسند إليه ، وهذا صحيح تماما، كما أنه تصحيح مباشر لما جاء فى تقرير اللجنة الوزارية بهذا الشأن.
ونجد أن مفهوم المسند لم يتغير فى هذه المحاولة إلا قليلا بالمقارنة مع نحونا التقليدى بأنواعه الثلاثة الشهيرة للخبر. وقد أثبتنا بالتفصيل أن المسند (الخبر) هو كل شيء فى الجملة ما عدا المسند إليه، وأن ما يسمى بالخبر المفرد أو الخبر شبه الجملة من ظرف أو جار ومجرور أو الخبر الجملة الاسمية الخالية من كل فعل ظاهر لا يمكن اعتباره خبرا إلا مع فعل الكينونة المحذوف فى المضارع المثبت فى مثل هذه الجمل مع أىّ عناصر كلمات أخرى قد تشتمل عليها الجملة غير المسند إليه.
وبطبيعة الحال فإن حذف المضارع المثبت لفعل الكينونة (فى حالة الكون العام) يرتبط بما يرفض تقرير اللجنة الوزارية تقديره تحت عنوان: "متعلَّق الظرف وحروف الإضافة" وهو يشير إلى حديث النحاة عن "متعلَّق عام كمتعلق (زيد عندك أو فى الدار) ويقدرونه (كائن أو استقر) وهو عندهم واجب الحذف، ويعربونه خبرا" ويضيف: "وترى اللجنة أن المتعلَّق العام لا يقدَّر، وأن المحمول فى مثل (زيد عندك أو فى الدار) هو الظرف". كما يشير التقرير إلى حديث النحاة عن "متعلَّق خاص – ولا يُفهم من الكلام إذا حُذف منه مثل (أنا واثق بك) والخبر هو المتعلَّق والظرف فضلة"، ويقول عنه: "أما النوع الثانى فهو كما قرر النحاة المتعلَّق هو المحمول والظرف تكملة" . وكان هذا الموقف من "المتعلَّق" على كل حال وثيق الصلة بحقيقة أن المحاولة لم توفَّق فى التوصل إلى مفهوم سليم عن المسند (الخبر)، ذلك أن التقرير لا يوضح الرأى المبدئى فى "المتعلَّق" بل يكتفى بأنه " يُقدَّر" ولا ينتبه إلى أهمية امتداد مفهوم المتعلَّق إلى ما يسمى بالخبر المفرد ("واثق")، ويتشبث بالتالى بمفهوم عفا عليه الزمن للمسند (الخبر). أما القرار (8) للمجمع فينص على ما يلى:
يجب إرشاد المبتدئين إلى أن المتعلَّق العام للظروف والجار والمجرور فى نحو:
"زيد فى الدار" و "زيد عندك" محذوف وإنْ كانوا لا يكلفون كل مرة تقديره عند الإعراب، بل يُقبل منهم تخفيفا عنهم أن يقولوا فى إعراب "زيد فى الدار" فى الدار جار ومجرور مسند .
ومن الواضح أن قرار المجمع مصيب فى التمسك بمفهوم المتعلَّق ("العام") وبفكرة أنه "محذوف" وإنْ كان يُعفى "المبتدئين" من "تقديره" … "كل مرة" … "تخفيفا عنهم" غير أنه يذهب إلى حد اعتبار الجار والمجرور "فى الدار" مسندا، بالإضافة إلى أنه لا يفكر فى امتداد المتعلَّق إلى ما يسمى بالخبر المفرد مثل ("واثق") فى تقرير اللجنة الوزارية. وهكذا تخضع مفاهيم نحوية حاسمة كالمسند إلى التخفيف والإسراف فى التخفيف بدلا من البحث عن الصحيح والسليم والصواب أولا وقبل كل شيء، كما ينبغى أن نلاحظ كثرة حديث مقترحات اللجنة الوزارية وقرارات المجمع عن الإعراب بدلا من الحديث عن التحليل النحوى وفى مواضع لا علاقة لها بالإعراب.
وفى مجال الإعراب نفسه تقول مقترحات اللجنة الوزارية: "فالموضوع مضموم دائما إلا أن يقع بعد أن أو إحدى أخواتها"، أما المحمول فيكون اسما مضموما إلا مع كان وأخواتها فيُفتح، ويكون ظرفا فيُفتح، و "يكون فعلا أو مع حرف من حروف الإضافة أو جملة ويُكتفى فى إعرابه ببيان أنه محمول" . وتضيف المقترحات: "كل ما يُذكر فى الجملة غير الموضوع والمحمول فهو تكملة، وحكم التكملة أنها مفتوحة أبدا، إلا إذا كانت مضافا إليها أو مسبوقة بحرف إضافة" . ومن الواضح أن اللجنة الوزارية تتفادى مصطلحات الرفع والنصب والجر بعد أن قالت بتوحيد ألقاب الإعراب والبناء والأخذ بألقاب البناء. ويأتى التصويب من المجمع. وينص القرار (11) على ما يلى:
كل ما ذكر فى الجملة غير المسند إليه والمسند فهو تكملة منصوب على اختلاف علامات النصب إلا إذا كان مضافا إليه أو مسبوقا بحرف جر أو تابعا من التوابع
ونحن هنا إزاء مجموعة من القواعد الإعرابية تتلخص فى أن:
1: المسند إليه: مرفوع إلا إنْ كان منصوبا بعد "إن وأخواتها".
2: المسند:
أ: مرفوع إذا كان اسما.
ب: منصوب إذا كان اسما مع كان وأخواتها.
ج: منصوب إذا كان ظرفا.
د: فعل أو مع حرف من حروف الإضافة أو جملة.
3: التكملة: منصوب إلا إذا كان مضافا إليه أو مسبوقا بحرف جر أو تابعا من التوابع.
ومن الواضح أن هذه المجموعة من القواعد الإعرابية مليئة بالثغرات والعيوب ونقاط الضعف.
ونبدأ بالمسند إليه.
وينبغى أن نقول إن المسند إليه مرفوع إنْ لم يسبقه ناصب أو جار. والمقصود أن المسند إليه قد يكون منصوبا بعد أدوات نصب "الأسماء" ("إن وأخواتها")، وقد يكون مفعولا به لفعل سابق على الإسناد إليه، وقد يكون مجرورا بعد حرف جر أو مضاف.
كما ينبغى أن نضيف أن هذا الرفع للمسند إليه إنما يكون إذا تحقق المسند إليه بكلمة واحدة أو بمجموعة كلمات تأخذ إحداها الرفع، وأن الرفع غير وارد إذا كان المسند إليه غير معرب (أىْ مبنيا) أو خارج مسألة الإعراب كالمصدر المؤول أو التراكيب المتعددة الكلمات من غير التى تأخذ إحدى كلماتها الرفع.
كما ينبغى أن نؤكد أن هذا ينطبق أيضا على ما يمكن أن نسميه بالشبيه بالمسند إليه (المبتدأ الأول فى النحو التقليدى) والذى قد يأتى:
1: مضافا إليه لمضاف لاحق هو المسند الحقيقى مثل المرأة فى: (المرأة يكثر أنصارها = يكثر أنصار المرأة).
2: مضافا إليه لمضاف مفعول به لاحق، مثل: النخل فى: (النخل نأكل ثمره = نأكل ثمر النخل).
3: مجرورا لحرف جر لاحق، مثل القمح فى (القمح يتغذى عليه الناس = يتغذى الناس على القمح).
4: مفعولا به لفعل لاحق، مثل المرأة فى (المرأة يناصرها الكثيرون = يناصر الكثيرون المرأة).
فهذا الشبيه بالمسند إليه يرفع وينصب ويجر مثل المسند إليه.
وإذا انتقلنا إلى المسند (الخبر) نجد أن غياب مفهوم سليم عنه فى هذه المحاولة للإصلاح والتيسير يجعله ويجعل إعرابه غامضا ملتبسا.
وكما هو واضح من استعراض إعراب المسند أعلاه نجد أن هذه المحاولة تقر بأنواع الخبر كما هى فى النحو العربى التقليدى. فالمسند فى هذه المحاولة هو:
1: ما يسمى بالخبر المفرد، وهو:
أ: خبر المبتدأ وخبر "إن وأخواتها: وهو مرفوع".
ب: خبر "كان وأخواتها": وهو منصوب.
2: ما يسمى بالخبر شبه الجملة، ويكون:
أ: ظرفا: وهو منصوب.
ب: جارا ومجرورا: ("مع حرف من حروف الإضافة").
3: الفعل: وهو ما يسمى بالخبر الجملة الفعلية فى النحو العربى التقليدى.
4: الخبر الجملة: وهو الخبر الجملة الاسمية فى النحو العربى التقليدى غيرأنه صار جملة بلا نعوت، وهى تختلف عن الخبر الفعل فى أن وجود مسندين إليهما حيث يكون إسناد الفعل الظاهر (أو "المحذوف") إلى المسند إليه الثانى.
وقد رأينا غير مرة أن المسند (الخبر) هو كل ما فى الجملة غير المسند إليه، وأن حده الأدنى هو الفعل، وأن الفعل ظاهر إلا فى حالة واحدة من فعل واحد هو فعل الكينونة المحذوف فى المضارع المثبت. وعلى هذا فإن المسند يكون (مع تفاصيل مهمة يمكن أن يراجعها القارئ فى الفصول الثلاثة المخصصة لمناقشة المسند أو الخبر فى هذا الكتاب):
1: الفعل من أفعال كان وأخواتها مع متمم الفاعل (صفة أو اسم) أو الظرف (ظرف المكان فى المحل الأول ولكنْ ظرف الزمان أيضا)، ويسقط هذا الفعل فى حالة الكون العام ليبقى ما يسمى بالخبر المفرد.
2: الفعل اللازم أو المستخدم لازما (وهو الحد الأدنى لعناصر الخبر).
3: خبر ما يسمى بالمبتدأ الثانى (وهو المسند إليه الحقيقى) فيما يسمى بالخبر الجملة الاسمية، وهذه ليست جملة مستقلة بمعنى الكلمة لأنها لا تعطى معنى مفيدا بدون ما يسمى بالمبتدأ الأول الذى ترتبط به بضمير.
4: الفعل المتعدى مع المفعول به. غير أن الفعل المتعدى يضيف نماذج متعددة لأنه يتعدى إلى مفعول به أو مفعولين ولأن المفعول به المباشر قد يكون وحده أو مع متمم للمفعول به أو مع ظرف.
ولهذا فإن من الخطأ التسليم بأنواع الخبر كما حددها النحو العربى التقليدى، فليس كل نوع مما يسمى بأنواع الخبر فى ذلك النحو خبرا بالمعنى الصحيح.
ذلك أن ما يسمى بالخبر المفرد هو متمم المسند إليه (متمم الفاعل) وهو (إنْ كان معربا) مرفوع مع فعل الكينونة المحذوف فى المضارع المثبت ومنصوب مع أفعال أخوات كان ومع كان الظاهرة فى غير حالة الحذف.
وكما يكون متمم المسند إليه اسما أو صفة، فيما يسمى بالخبر المفرد، فإنه يمكن أن يكون جارا ومجرورا مثل: "هند فى غاية الجمال" أو "كانت عزة فى غاية الذوق". وبالطبع فلا إعراب للمتمم الجار والمجرور معا. وإلى جانب المتمم مع أفعال كان وأخواتها بما فى ذلك حالة حذف الكينونة، هناك الظرف. وقد يكون ظرفا مباشرا مثل ظرف المكان (فلان فوق ظهر السفينة) أو (كان فلان فوق ظهر السفينة) أو ظرف الزمان (الحفل الليلة) أو (سيكون الحفل الليلة) وقد يكون جارا ومجرورا مثل ظرف المكان (فلان فى المكتبة) أو (كان فلان فى المكتبة) أو ظرف الزمان (الحفل فى آخر الشهر) أو (سيكون الحفل فى آخر الشهر)، وينبغى أن يكون واضحا أن الظرف لا يقتصر على ظرفى المكان والزمان وأن أشكال تحقيق ظرفى الزمان والمكان متنوعة ومنها الجار والمجرور الدالان على المكان أو الزمان. والظرف المعرب منصوب أما التراكيب الظرفية ومنها الجار والمجرور المؤلفان للظرف فخارج مسألة الإعراب.
أما الخبر الفعل المقتصر على الفعل اللازم أو المستخدم لازما فإعرابه إعراب الفعل؛ فلا علاقة له بما يسمى بإعراب الخبر وناهيك برفعه.
أما الجملة (غير المستقلة) التى تأتى بعد الشبيه بالمسند إليه (ما يسمى بالمبتدأ الأول) فلا ينبغى اعتبارها خبرا فالإسناد هنا لما يسمى بالمبتدأ الثانى فهو إذن المسند إليه الحقيقى أما المسند (الخبر) فى مثل هذه الجمل فهو المسند المرتبط بهذا المسند الحقيقى (المبتدأ الثانى) فى ارتباطه الوثيق بما يسمى بالمبتدأ الأول الذى يعود إليه الضمير المجرور.
ولأن المسند (الخبر) يكون دائما فعلا فقط أو فعلا مع عناصر أخرى فإن إعراب الفعل وحده كخبر أو كجزء من خبر إنما يختلف تماما عن إعراب غير الفعل. أما الخبر ككل (التراكيب الخبرية) فى حالة الفعل (الظاهر أو المحذوف) مع عناصر أخرى فهو خارج مسألة الإعراب.
أما ما بدا خبرا فليس كذلك فى أغلب الأحوال فهو المتمم "المفرد" أو المتمم "الجار والمجرور" أو الظرف "المفرد" أو الظرف "الجار والمجرور". وهو فى كل هذه الأحوال خبر مع المحذوف فى حالة الكون العام.
ومن المؤسف أن محاولة وزارة المعارف ومجمع اللغة العربية بالقاهرة لم تقم على إدراك واضح لحقيقة أن المسند (الخبر) فى كل أحواله خارج مسألة الإعراب، ويعنى هذا أن الخبر لا يكون مرفوعا ولا منصوبا ولا غير ذلك من أحوال الإعراب وإنْ كات كلماته وعناصره المعربة كالمتمم أو الظرف أو المجرور بعد حرف الجر أو المفعول به ترفع أو تنصب أو تجر كأجزاء من المسند وليس كمسند أو خبر.
وننتقل إلى التكملة. ويقصدون بها غير المسند إليه والمسند. والتكملة هى الفضلة وهى تقوم على فكرة التمييز بين العمدة، وهى المسند إليه والمسند كما يعرفهما النحو العربى التقليدى، والفضلة، أىْ غير المسند إليه والمسند، تشمل ما يسمى بمنصوبات الأسماء. ومن الجلى أن المجمع كان يستعير مفهوم التكملة من النحو الفرنسى كمقابل لمصطلح complément (تتمَّة أو تكملة زيادة على المسند إليه والمسند)، ومفهوم الفضلة (أىْ الزيادة على العمدة، والفضلة لغةً بقية الشيء) من النحو العربى التقليدى. وقد أشرنا غير مرة إلى أن ما يسمى بالتكملة جزء لا يتجزأ من المسند، باعتبار أن الجملة كلها هى المسند إليه والمسند، وأن المسند هو كل ما فى الجملة غير المسند إليه، فلا مكان إذن لفضلة أو تتمة أو تكملة أو زيادة، ولا للتمييز بين عمدة وفضلة فالجملة كلها هى العمدة إنْ جاز القول.
وكما يبدو من الصياغة السابقة وكما يبدو أيضا من "عرض" كتاب تحرير النحو العربى، تشمل التكملة ما يسمى بمنصوبات الأسماء، وكذلك الإضافة، وكذلك التوابع. وعلى هذا نجد أنفسنا إزاء مفهوم فضفاض لا يضيف شيئا إلى المفاهيم السابقة لما يسمى بمنصوبات الأسماء وغيرها سوى كلمة "تكملة" نفسها، وهذا ما جرّ على هذه المحاولة سخرية بعض نقادها.
ومن الواضح أن غياب مفهوم عنصر الجملة من جانب وغياب فكرة تعدد أشكال تحقيق عنصر الجملة كنهج شامل من جانب آخر يؤدى إلى التركيز على الكلمة المفردة كشكل لتحقيق الوظيفة النحوية (رغم الإشارات إلى شكل الجملة والمصدر المؤول والجار والمجرور). وبهذا تكون التوابع مثلا من التكملة رغم أنها قد تكون المسند إليه كما قد تكون عناصر من المسند (فى إطار مجموعة كلمات يتحقق من خلالها هذا العنصر أو ذاك من عناصر الجملة)، كما يظل الانتباه مشدودا إلى الإعراب دون الانتباه إلى أن هذا إنما يرتبط بشكل واحد من أشكال تحقيق عنصر الجملة (أىْ: الكلمة المعربة الواحدة). ومن المؤسف أن إصلاحات عديدة تنطوى عليها هذه المحاولة وكان من شأنها أن تطور النحو وتيسر فهم النحو للإعراب لم تصل إلى الغاية المرجوة نتيجة لغياب ثلاثة أشياء بالغة الأهمية:
1: مفهوم صحيح للمسند (الخبر).
2: مفهوم عناصر أو مكوِّنات الجملة.
3: مفهوم تنوع أشكال تحقيق كل عنصر من عناصر الجملة.
ورغم أن كتاب تحرير النحو العربى إنما هو تطبيق عملى لقرارات المجمع فى إطار هذه المحاولة للإصلاح والتيسير، فإن واقع كونه الثمرة الناضجة لتلك المحاولة يدفعنا إلى إلقاء نظرة متفحصة على ذلك الكتاب.
ويقع الكتاب فى حوالى مائتى صفحة، ونصفه الأول عرض عام لأقسام الكلام وللصرف ولجانب من الإعراب والنحو. أما الإعراب والنحو بالمعنى المباشر فنجدهما فى النصف الثانى.
ولا حاجة بنا إلى التعليق على أقسام الكلام لأن النحو العربى والمعجم العربى بحاجة إلى إصلاح فى هذا المجال كما أشرنا غير مرة، ولا يمس الكتاب هذا الإصلاح من قريب أو بعيد.
أما الصرف العربى فهو علم بالغ التطور غير أنه لا يستغنى عن أدوات العصر فى عرضه من جدولة ومعجمة وغير ذلك من صور التبسيط والتيسير ولا يستغنى عن الاستفادة بالحاسوب. كذلك فإن مثل هذا العرض الموجز للإسناد والاشتقاق يحتاج إلى التوزيع الملائم على المراحل التعليمية والعمرية. على أنه لا جدال فى أن علوم اللغة والمعاجم والصرف تلتقى عند مهام كبرى فى تطوير العلاقات بين الأبنية الصرفية والدلالات، وتدقيق بحث الأفعال من جميع جوانبها فى سبيل تطوير نحو يتمحور حول الأفعال انطلاقا من خصائصها البالغة التعقيد، وتدقيق بحث الصفات واستخداماتها وأماكنها، إلخ إلخ... غير أن مثل هذا العرض السريع ليس مجال بلورة برنامج تحقيق مثل هذه الغايات الكبرى، بالإضافة إلى أن مثل هذه المهمة الهائلة الضخامة ليست فى طاقة فرد بل تحققها الجهود المتضافرة للعديد من علماء النحو المتحررين من أوهامه.، وعلى كل حال فإن الموضوع المحدد لهذا الكتاب لا يمتد إلى هذه القضايا.
أما الاستعراض السريع فى هذا النصف الأول من الكتاب للإعراب ومواضعه وأنواعه وعلاماته مع الوقوف عند إعراب المضارع فلا بأس به. وكذلك لا بأس باعتبار علامات الإعراب كافة أصلية فى مواضعها فلا تكون الضمة مثلا أصلية للرفع وتنوب عنها الحروف فى مواضع بذاتها.
وفى صفحة 101 يبدأ عرض النحو والإعراب بالمعنى الحقيقى. وينقسم هذا النصف الثانى من الكتاب إلى أربعة أقسام:
1: الجملة: أجزاؤها وركناها الأساسيان وإعراب المسند إليه والمسند والمطابقة والترتيب بينهما والحذف فيهما ودخول "كان وأخواتها" و "إن وأخواتها" و "لا النافية للجنس" على الجملة. ويقع هذا القسم فى صفحات 101-124 (24 صفحة).
2: المكملات: وهى تكملة بيان الزمان والمكان، والتكملة بالمفعول، والتكملة لبيان الحال، والتكملة لبيان السبب، والتكملة لتوكيد الفعل أو بيان نوعه أو عدده، وكذلك الاستثناء والتمييز والإضافة. ويقع هذا القسم فى صفحات 125-164 (40 صفحة).
3: التوابع: من نعت وتوكيد وعطف وبدل. ويقع هذا القسم فى صفحات 165-178 (14 صفحة).
4: الأساليب: أسلوب المدح والذم، والتعجب، وأسلوب النداء، وأسلوب الاستغاثة، وأسلوب الندبة، وأسلوب الإغراء، وأسلوب التحذير، وأسلوب الاختصاص، وأسلوب لا سيما. ويقع هذا القسم فى صفحات 179-197 (19 صفحة).
ولا جدال فى أننا إزاء تطور لا يمكن إنكاره فمفهوم المسند إليه يحل محل ما يسمى بمرفوعات الأسماء باستثناء المسند (الخبر). وبانقسام الجملة إلى مسند ومسند إليه يسقط من تلقاء نفسه تقسيم الجملة إلى اسمية وفعلية، كما يسقط ما يسمى بالضمير المستتر ووضمير الرفع البارز المتصل. غير أن الكتاب يقرر أن من المهم فى تحليل كل جملة أن نتبين أمرين:
الأول: الكلمتان الأساسيتان فيها، وتفيد بهما الجملة معنى يمكن الاكتفاء به، وهما ركنا الجملة، أو الجزءان الأساسيان فيها.
الثانى: الكلمات المتممة للمعنى، وهى المكملات، وهى كلمات أخرى قد تكون فى الجملة وتكمل المعنى، لتدل على الزمان، أو المكان، أو الحالة، أو غير ذلك. وتسمى هذه الكلمات تكملة .
والركنان الأساسيان هما المسند إليه والمسند. فالمسند إليه: هو المحدَّث عنه، والمسند: هو المحدَّث به. ونلاحظ أن هذا الكتاب يجعل الجملة تشتمل على ركنيها الأساسيين أىْ المسند والمسند إليه، وقد تشتمل أيضا على "كلمات غيرهما" وهى المكملات. ويعنى هذا استنادا إلى ما قدمنا فى هذا البحث من نقد للنحو العربى، أن الكتاب سار على الطريق التقليدى للنحو العربى، فلم يدرك أن الجملة كلها مسند ومسند إليه، فما ليس من المسند إليه من كلمات الجملة ينتمى إلى المسند، والعكس بالعكس. أما الكلمات الأخرى المسماة بالمكملات فهى تنتمى بحكم طبيعتها إلى المسند، وهى جزء لا يتجزأ منه. وقد أشرنا غير مرة إلى تهافت فكرة المكملات والتكملة والفضلة التى تقوم على مغالطة مؤداها أن المسند إليه والمسند تفيد بهما الجملة معنى يمكن الاكتفاء به، وكيف يكون المعنى مفيدا بالاكتفاء بالفعل والفاعل فى جملة باعتبارهما المسند إليه والمسند (بهذا المفهوم التقليدى المبتسر للمسند) دون المفعول به باعتباره فضلة؟ والحقيقة أن المعنى هو محتوى المسند بكامله، المسند بالمعنى الذى يعرفه النحو الحديث كله فى لغات الثقافات المتطورة فى العالم اليوم، المسند الذى تمثل هذه الفضلة أو التكملة المزعومة جزءا لا يتجزأ منه.
كما نلاحظ أن النحو كان ما يزال يتمحور حول الإعراب، فالكتاب يتحدث عن "كلمتين" أساسيتين هما المسند والمسند إليه، أىْ أن التعريف النموذجى لكل من هذين الأخيرين يتمثل فى الكلمة الواحدة وهى الموضوع الحقيقى المباشر للإعراب وليس للمفهوم النحوى.
ونلاحظ أيضا أن الكتاب لا يصدر عن مفهوم صحيح للمسند بدليل أنه جعل هذا الأخير يتمثل فى الاسم المفرد، أو الجملة، أو الفعل، أو الجار والمجرور، أو الظرف. ولم يدرك واضعوه أن الحديث عن الواحد من هذه الأشياء (باستثناء الفعل) على أنه مسند يتجاهل حقيقة أن المسند إنما يكون فعلا فقط أو فعلا مع شيء آخر. ولهذا كان الكتاب مضطربا أشد الاضطراب فى تقدير المسند والمسند إليه. وهذه أمثلة:
ففى إعراب: "الرحمن * علَّم القرآن" يقول الكتاب إن المسند هو "علَّم القرآن" أىْ الفعل والمفعول، وهذا صحيح، أما فى إعراب: "لا يحب اللهُ الجهرَ بالسوء من القول" فهو يجعل الفعل "يحب" هو المسند مع أن المسند الحقيقى هو نقيض هذا الفعل أىْ نفيه "لا يحب" مع كل الكلمات الأخرى غير "الله" وهو المسند إليه. وفى إعراب: "الله نزّل أحسن الحديث" أصبح الفعل "نزّل" هو المسند، بدلا من الفعل والمفعول، كما تفضل الكتاب بالإعراب قبل ذلك بقليل، ولا تنتهى الأمثلة.
فإذا انتقلنا إلى أحكام المسند إليه والمسند وإعرابهما وجدنا "ميلا عمليا" لا يقوم على أساس من المنطق. فليس هناك شيء من قبيل أن المسند إليه مرفوع ما لم يتأثر بعامل لفظى سابق ناصب أو جار، كما أنه ليس هناك شيء من قبيل أن المسند ليس مرفوعا وأن ما يسمى بالمسند أو الخبر المفرد هو الوحيد المرفوع عشوائيا نتيجة حذف فعل الكينونة فى المضارع المثبت (مع المتكلم: أكون، نكون؛ مع المخاطب: تكون، تكونين، تكونان، تكونون، تَكُنَّ؛ مع الغائب: يكون، تكون، يكونان، تكونان، يكونون، يَكُنَّ – بالطبع مع كل الأحوال الإعرابية لهذه الصيغ الصرفية).
والمسند إليه اسم ظاهر، مثل: "المؤمنون"، أو ضمير، مثل: "نحن"، أو مصدر مفهوم من جملة تكون مبدوءة بـ "أنْ"، أو "ما"، أو "أنَّ"، مثل ما تحته خط فى: "وأنْ تصوموا خير لكم" ، و: "عزيز عليه ما عَنِتُّمْ" ، و: "قل أُوحِىَ إلىَّ أنه استمع نَفَرٌ من الجن" ، وقد تكون الجملة غير مبدوءة بأداة من هذه الأدوات وهذا قليل، مثل ما تحته خط فى: "ثم بدا من بعد ما رأوا الآيات ليسجننه حتى حين" ، و: "وتبيَّنَ لكم كيف فعلنا بهم" ، و: "ومن آياته يُريكم البرق خوفا وطمعا" ، وقول العرب: "تَسْمَع بالمُعِيدِىِّ خير من أن تراه".
وتبدو النزعة العملية (أىْ التى لا تستند مباشرة وصراحة على أسس وأصول نظرية) واضحة تماما فى إعراب المسند إليه؛ فهو:
1: يكون مرفوعا: ولا يقال إن هذا هو الأساس.
2: يكون منصوبا: بعد إنَّ أو إحدى أخواتها. وقبل أن ننتقل إلى "3" نلاحظ أن حكم النصب بإن مثل الحكم بالجر بحرف الجر أو بالإضافة ولذلك سيكون غريبا أنهم لا يطلقون الجر بكل حروف الجر أو بالإضافة للمسند إليه بدلا من قصر حديث الجر على بعض الحروف التى يسمونها زائدة. وهنا تأتى أهمية الفاعل (المسند إليه) المنصوب على المفعولية قبل إسناد الفعل إليه، مثلا: رأيتُ رجلا يكلِّم نفسه، فالرجل هنا مفعول للفعل "رأى" قبل أن يصير فاعلا أو مسندا إليه للفعل "يكلِّم". وهذه حالة أغفلها هذا الكتاب الذى صدر عن مفهوم للمسند إليه ينبغى أن يتسع لقبول أن يكون المفعول به فاعلا كما قبِل أن يكون المنصوب بأدوات النصب أو المجرور بأدوات الجر فاعلا أو مسندا إليه.
3: وفى الأحوال الثلاثة التالية يكون المسند إليه مجرورا:
أ: إدخال "مِنْ" على المسند إليه بعد النفى لتوكيد العموم، والاستشهاد بالآيات: "وما تسقط من ورقة إلا يعلمها" ، و "ما كان معه من إله" ، و "ما جاءنا من بشير ولا نذير" ، ومثل: "ما من رجل يعرف هذا".
والصواب فى رأينا هو أننا إزاء تراكيب اصطلاحية فى النفى فالتقدير: "ما من ورقة تسقط إلا يعلمها"، و "ما من إله كان معه"، و "ما من بشير ولا نذير جاءنا"، ولا تحتاج جملة: "ما من رجل يعرف هذا" إلى إعادة صياغة بقصد التقدير. ففى كل هذه الآيات أو الجمل المشابهة، نجد تراكيب مثل: ما من أحد، ما من شيء، ما من رجل، ما من امرأة، ما من ورقة، ما من إله، إلخ إلخ. وفى هذه التراكيب جميعا ليس ما قبل "مِنْ" هو المسند إليه بل التركيب الاصطلاحى بأكمله: "ما من أحد" وما أشبه.
ب: وتدخل "الباء" على المسند إليه بعد الفعل "كفى"، وبعد "إذا الفجائية" لإفادة التوكيد، مثل الآية: "وكفى بالله شهيدا"، ومثل جملة: "خرجت فإذا بالمطر يهطل".
ج: وتدخل "رُبَّ" على المسند إليه لإفادة التقليل، مثل: "رُبَّ أخ لك لم تلده أمك". وقد تحلّ "الواو" محل "رُبَّ"، مثل: وليل كموج البحر أرخى سدوله ..."
وتدل الأحوال الثلاثة المذكورة لجر المسند إليه على أن الكتاب ينطلق من نظرة ضيقة وتقليدية للغاية إلى المسند إليه المجرور كما جاء فى الكتب، فهؤلاء المؤلفون يقتصرون على ما يسمى بحروف الجر الزائدة وكان الأجدر بهم أن يطلقوا الجر مع كل حروفه أو أدواته كما أطلقوا النصب مع كل حروفه أو أدواته. فلماذا لا نجر المسند إليه بالحرف "إلى"؟ ألا يمكن أن نقول: "التفت زوار الياپان باهتمام إلى قطار يقطع مئات الكيلومترات فى الساعة" حيث القطار المجرور بحرف جر "أصلى" و "غير زائد" هو الفاعل أو المسند إليه لفعل "يقطع"؟!
وقد رأينا منذ قليل نظرتهم الخاطئة إلى المسند (الخبر) فعندهم أنه يكون اسما بدون فعل حتى مع كان الظاهر، وكذلك الظرف أو الجار والمجرور، كما يكون فعلا أو جملة.
وإعراب المسند أنه يكون مرفوعا إذا كان اسما معربا أو منصوبا إذا كان ظرفا، أو كان اسما معربا بعد فعل من الأفعال الناقصة "كان وأخواتها"، أو جارا ومجرورا، أو فعلا (فيتبع فيه إعراب الفعل).
وهنا نلقى جانبا من تركيز اهتمامهم، كما فعل النحو التقليدى دائما، على المسند والمسند إليه، أو المبتدأ والخبر. والحقيقة أن المسند (الخبر) يرتدى أهميته الكاملة عند التقسيم العام للجملة إلى ركنيها الوحيدين غير أنه لا يمثل بعد ذلك أداة للتحليل النحوى أو المنطقى كما أنه لا علاقة له من أىّ نوع بالإعراب أو التحليل الإعرابى. ولهذا يغدو من الواجب إهمال المسند (الخبر) عندما نكون بصدد التحليل النحوى أو الإعرابى التفصيلى، أىْ عندما لا نكون إزاء التقسيم النحوى المنطقى العام للجملة إلى المسند والمسند إليه، أو الموضوع والمحمول، أو ما شئت من أسماء لهذين القسمين للجملة. وبدلا من التخفف من هذا الاهتمام بالمسند أو التخلص منه فى هذه الحالة، نجد المسند ضيفا دائما. وبدلا من تسمية هذه المسندات المزعومة بأسمائها الصحيحة كعناصر جملة، صارت القدرة التحليلية النحوية الإعرابية تتمثل فى أن نرى المسند مثل الإله البحرى پروتيوس تحت كل حجر، فنعلن المسندات تحت هذه المسميات كافة من ظرف أو جار ومجرور أو اسم أو وصف أو فعل أو جملة.
فلنأخذ أفعال "كان وأخواتها": إن منصوب هذه الأفعال اسمه متمم الفاعل أو المسند إليه وهو اسم أو وصف أو جار ومجرور مثل ما تحته خط: "صار ابنى رجلا"، "كان المرحوم صديقا"، "كان وأد البنات من الآفات المتفشية". وإذا كان "منصوب" كان وأخواتها ظرفا فهو ظرف وليس متمما للمسند إليه، ويمكن أن يكون الظرف جارا ومجرورا، مثل: "كان الفلاح فى الغيط" أو "كان الموعد فى الغروب"، فالجار والمجرور ليسا شيئا مختلفا عن الظرف ما داما يدلان على المكان أو الزمان أو على أىّ ظرف آخر. ويصدق كل هذا على متمم المسند إليه والظرف فى حالة مجيئهما مع فعل الكينونة المحذوف فى المضارع المثبت. وينبغى أن يكون واضحا أن الجار والمجرور يكونان إما متمم المسند إليه أو متمم المفعول المباشر أو الظرف وفقا لمعناهما فى الجملة.
وفى هذه الأحوال لا يكون المسند، إذا أصررنا على البحث عنه، سوى فعل الكينونة الظاهر أو المحذوف بالإضافة إلى متمم الفاعل مهما كان شكل تحقيقه (الاسم أو الصفة أو الجار والمجرور) أو الظرف مهما كان شكل تحقيقه أيضا (الجار أو المجرور أو الأشكال الأخرى للظرف الذى لا يقتصر على المكان والزمان كما فى النحو التقليدى).
ومن الواضح أن علماء لجان المجمع ووزارة المعارف ثم التربية والتعليم ومؤلفى كتاب تحرير النحو العربى قد أهملوا حتى الفكرة القديمة الرائعة عن "متعلَّق" الجار والمجرور وعن كونه معهما الخبر وأنهما وحدهما ليسا الخبر، مع ملاحظة أن هذا "المتعلق" – كما سبق القول – لا ينبغى أن يكون للجار والمجرور والظرف فقط بل ينبغى أن يمتد إلى المفرد أيضا من اسم أو وصف فى إطار ما يسمى بالخبر المفرد، ومع ملاحظة أن "المتعلق" ليس اسما بل هو فعل وهو بالذات فعل الكينونة فى المضارع المثبت المحذوف نتيجة للاقتصاد اللغوى.
وهناك ملاحظات كثيرة متنوعة على هذا الكتاب تتعلق بأشكال أخرى لتحقيق المسند ولكن أيضا بقضايا أخرى مثل الإعراب المحلى والإعراب التقديرى وغياب فكرة عناصر أو مكونات الجملة وبالتالى غياب تطبيقها على ما يسمى بمنصوبات الأسماء وغير ذلك وسيجد القارئ الكريم المناقشة التفصيلية لهذه القضايا فى الفصول المعنية من الكتاب.
وعلى أمل أن تسنح لى فى المستقبل فرصة أوسع لمناقشة أكثر عمقا وتفصيلية لمحاولة المجمع ووزارة المعارف (ثم التربية) كما تجسدت فى قرارات المجمع وكتاب تحرير النحو العربى، سأختتم بالإشارة إلى بعض المعلقين على هذه المحاولة. وسأضرب صفحا عن مناقشات الأستاذ عبد الكريم العريص الذى يفسر محاولات تيسير الإعراب تفسيرا يقوم على مؤامرة متوهَّمة على اللغة العربية ونحوها، أبطالها المستشرقون وتلاميذهم وهم بالمناسبة عدد من أعظم رواد النهضة المصرية، ومنهم لطفى السيد وقاسم أمين وسلامة موسى. وقد اتخذ مجمع اللغة العربية بالقاهرة موقفا غريبا من قراراته السابقة يتمثل فى تجاهلها ويروى الدكتور شوقى ضيف فى كتابه تجديد النحو أن المجمع الذى كان قد أقر إلغاء الإعرابين المحلى والتقديرى فى سنة 1945: "عاد فى سنة 1979 فرأى الإبقاء على الإعرابين التقديرى والمحلى فى المفردات والجمل دون تعليل" . وسنكتفى هنا بإلمام سريع بملاحظات الأستاذ أمين الخولى، لأهميتها الخاصة، فى كتاب مناهج تجديد. وهو يعارض فكرة "ألاّ يمس التيسير والتبسيط أصلا من أصول اللغة ولا شكلا من أشكال الإعراب والتصريف" كما شرط القرار الوزارى على أعضاء اللجنة وكما شرطوا هم على أنفسهم .
وهذا النقد مفهوم تماما عندما يأتى من الأستاذ أمين الخولى لأن اجتهاده الشخصى فى مجال تيسير النحو وتبسيطه يمس بعض "أصول اللغة" وبعض "أشكال الإعراب والتصريف". ذلك أنه جعل محور تيسيره يدور حول تعديل للإعراب السائد ذاته انطلاقا من فكرة أن لهجاتنا العربية السائدة إنما هى امتداد للهجات سابقة ذات تقاليد إعرابية مختلفة يجوز الأخذ بها ما دامت تؤدى إلى التيسير: مثل صوغ جمع المذكر السالم مثل "حين" فى الرفع والنصب والجر جميعا، وما إلى ذلك. وهذا باب مشروع للاجتهاد، غير أنه ليس بابا واسعا كما يتصور الأستاذ أمين الخولى، كما أنه لا يُغنى عن الإعراب السائد الذى اتصل وجوده قرونا طويلة بحيث لا يمكن التعامل مع هذا التراث إلا بإتقان الإعراب السائد ذاته بغض النظر عن تأملاتنا وتعديلاتنا وتصحيحاتنا للقواعد الوضعية التى صاغها علماء النحو والإعراب. وهناك سؤال هام يطرحه هذا النوع من البحث الذى اجتذب الأستاذ أمين الخولى وغيره: إذا كان تعديلنا للإعراب يبدأ من اللهجات العربية الحالية وينتهى إلى مشروعية ما ورثته عن اللهجات العربية القديمة، وكلها حجة، واعتبارها أساسا كافيا ومشروعا لتعديل الإعراب الحالى، فلماذا لا نستغنى عن الإعراب كله مع أن إسقاط الإعراب قديم للغاية ومع أن الجماعة الناطقة باللغة العربية بدأت عملية إسقاط الإعراب وتبنِّى الأداة البديلة أىْ ترتيب الكلمات منذ فجر الإسلام وما قبل فجر الإسلام؟ وهو سؤال مشروع غير أن الجماعة اللغوية وحدها هى التى تختار من خلال ممارستها اللغوية، وبصورة تاريخية، الإجابات الحاسمة التى لا يملكها غيرها. ويمكن القول إن الجماعة اللغوية العربية قد اختارت إلى الآن فى ممارستها اللغوية العملية الازدواج اللغوى الراهن فى العالم العربى كله بين اللغة العربية المعربة (التى احتفظت بالإعراب) واللغة العربية غير المعربة (التى أسقطت الإعراب بالاعتماد على بديله المتمثل فى تقييد ترتيب عناصر الجملة).
ويعارض الأستاذ أمين الخولى ما رأته اللجنة من عدم التمييز بين علامات إعراب أصلية، وأخرى فرعية ، وهذا منطقى لأن هذا مجال اجتهاده.
ويعارض الأستاذ أمين الخولى موقف اللجنة إذ:
حاولت اللجنة ضبط الجملة بأصنافها تحت تقسيم واحد، ينتظم الفعلية والاسمية، والجمل الصغيرة والكبيرة، وهو صنيع إنْ ساغ فى المنطق، لأنه يبحث فى المعانى والمفاهيم، ولا شأن له بالألفاظ مطلقا .. أو قُبِل فى البلاغة لأنها تبحث عن حسن المعانى، وتعرض للألفاظ بهذا المقدار، فلعل هذا الصنيع – على ما يبدو – لا يسهل فى النحو، لأنه يتحدث عن الصحة، واستقامة المعنى الأول؛ وفى هذا يطيل الوقوف عند الألفاظ؛ ويلحظ فيها أدقّ الفروق، فيتحدث مكرها عن الفاعل ونائبه والمعنى فيه؛ والمبتدأ والأحكام اللفظية لكل منهما،لا مفر، على حين قد ينظمها كلها البلاغى، أو المنطقى، تحت اعتبارات جامعة، فيسميها مسندا ومسندا إليه .
ويأخذ على اللجنة ادعاءها أن تسميتها لطرفى الجملة المحدث عنه والحديث اصطلاح جديد لأنه اصطلاح قديم يعرفه من اتصل بأوائل كتب النحو . كما يأخذ عليها إيثارها تسميتهما - كالمناطقة – المحمول والموضوع، ويقول إن هذا بعيد عن عقل المتعلم وعن طبيعة الدرس اللغوى التى تلتزم بالألفاظ والظواهر الحسية لتدل بها على المعانى .
والحقيقة أن الأستاذ أمين الخولى غير موفق بوجه عام فى نقده الشامل لتقرير اللجنة. وربما كان هذا يرجع إلى استحواذ رأيه الضيق فى التيسير على كل تفكيره، وذلك رغم تمهيده الطويل الرائع المستنير لمناقشة التيسير برمتها. ولا شك مثلا فى أن "تسمية المسند والمسند إليه" لا تمنع على الإطلاق من مناقشة كل منهما تحت "الباب" الخاص به وفى كل المواضع الملائمة. غير أن هذا شأن الإنسان بما فيه المفكر العلامة الذى يرتفع إلى قامة أمين الخولى فالفكرة التى تستحوذ عليه تتغلب على كل رغبته فى الموضوعية والإنصاف، وهذا لا يعنى أنه لم ينصف اللجنة فى كثير من الملاحظات، فقد أنصفها فى أكثر من نقطة، غير أن أكبر إنصاف لقضية اللجنة يتمثل فى أنه مهد أروع تمهيد لمشروعية نقد النحو والإعراب دون أدنى حرج قائلا ما مؤداه أن ما قد يستنكره الناس من نقد اليوم قد يصير قاعدة الغد كما حدث – كما قال أيضا – فى التشريع والفقه ذاتهما فى واقعة الدكتور عبد الرازق السنهورى فى مجلة القضاء الشرعى قبل إلقائه محاضرته بعنوان "هذا النحو" فى سنة 1943(التى نقتبس منها الآن) بأكثر من عشرين سنة كما يروى .


الملحق 1
جملة عربية واحدة لا اسمية ولا فعلية

يميز النحو العربى بين نوعين من الجمل: الجملة الاسمية والجملة الفعلية. ولا تخرج جملة عربية عن هذا النوع أو ذاك من وجهة نظر هذا النحو.
للجملة الاسمية ركناها "الأساسيان" وهما: المبتدأ والخبر. وللجملة الفعلية بدورها ركناها "الأساسيان" وهما: الفعل والفاعل. وتتميز الجملة الاسمية من الجملة الفعلية بأن الأولى تبدأ باسم، على حين تبدأ الثانية بفعل.
وللوهلة الأولى، يبدو هذا التصنيف للجمل موضوعيا للغاية، ووصفيا للغاية، وغير قابل للجدل. فهذه جملة بدأت باسم، فما وجه الخطأ فى تسميتها، كما بدأت جملة اسمية، وفى أن نسمى ما بدأت به المبتدأ بحكم بداهة الابتداء به؟ فلا بأس إذن بالجملة الاسمية والمبتدأ والخبر. وتلك جملة بدأت بفعل، فما وجه الخطأ فى أن نسميها كما بدأت جملة فعلية، وفى أن نسمى فاعل الفعل فاعلا ؟ فلا بأس إذن بالجملة الفعلية والفعل والفاعل والمفعول به.
وما دمنا نسمع أو نقرأ جملة بدأت باسم وأخرى بدأت بفعل، فلا مجال لإنكار أن الجملة تبدأ من الناحية الوصفية باسم أو فعل. ولكننا نسمع ونقرأ جملة تبدأ بحرف، وجملا أخرى تبدأ بأشياء أخرى. وإذا تطور فهم النحو العربى لأقسام الكلام، بدلا من الاقتصار على الاسم والفعل والحرف، فسوف يغدو بوسعه أن يبين أن هذه الأشياء الأخرى إنما هى من أقسام الكلام كالاسم والفعل والحرف، وأن يبين أن الاسم فى النحو العربى مفهوم فضفاض ينطوى على أقسام كلام أخرى (الضمير، الصفة، الظرف)، بالإضافة إلى التقسيم الواجب للحرف نفسه إلى أقسام كلام متمايزة (حروف أو أدوات جر ونصب وعطف وتعجب)، فإلى أين ينتهى بنا تقسيم الجمل حسب أقسام الكلام التى تبدأ بها؟! وقد يبدو أن النحو العربى اختار البدء بالاسم والفعل دون غيرهما معيارا لتقسيم الجملة، ليس فقط لأن الاسم والفعل قسمان من أقسام الكلام، بل لأن الفعل إلى جانب كونه من أقسام الكلام مفهوم نحوى أساسى يمكن أن نسميه وفقا للاصطلاح الحديث عنصرا من عناصر الجملة، وهى1: الفاعل (أو المسند إليه)، 2: الفعل، 3: المفعول به، 4: متمم الفاعل أو المفعول به، 5: الظرف، ولأن الاسم إلى جانب كونه من أقسام الكلام هو "المبتدأ" فهو بالتالى عنصر أساسى من عناصر الجملة لأن مفهوم المسند إليه ينطبق عليه أيضا.
وإذا صح هذا على "الفعل" فهو فى المعجم قسم من أقسام الكلام، وهو فى النحو عنصر من عناصر الجملة، فإنه لا يصح على "الاسم" فهو فى المعجم قسم من أقسام الكلام (وإن كان مفهوما فضفاضا ينطوى بداخله على عدد من أقسام الكلام الأخرى)، غير أنه فى النحو ليس عنصرا من عناصر الجملة، فالاسم يصلح "مبتدأ" كما يصلح فاعلا أو مفعولا به أو متمما لأحدهما أو ظرفا، أىْ أنه يصلح لأن يكون شكلا من أشكال تحقيق مختلف عناصر الجملة (باستثناء الفعل) دون أن يكون أحد عناصر الجملة، ودون أن يكون فى حد ذاته وظيفة نحوية بعينها.
كما أن الجملة المسماة بالاسْمِيَّةِ لا تبدأ فقط "بالمبتدأ" فقد تبدأ أيضا "بالخبر" أىْ المسند. و"الخبر" ( المسند) ليس عنصرا من عناصر الجملة (إلا فى الحد الأدْنَى للخبر)، وحسب مفهوم بعينه "للخبر"، بل قد يشتمل "الخبر" على عدد من عناصر الجملة، وقد تبدأ الجملة المسماة بالاسْمِيَّةِ بعنصر منها كالمفعول به، أو متمم الفاعل أو المفعول به، أو الظرف، فلا ينحصر الأمر فى البدء بالمسند إليه (المبتدأ).
ومعنى هذا أن تسمية الجملة بما تبدأ به من أقسام الكلام ستضيف إلى الجملة الاسمية والجملة الفعلية أنواعا أخرى من الجملة، كجملة الحرف، وجملة الضمير، وجملة الظرف، وجملة الصفة، إلخ. إذا طورنا ووسعنا كما ينبغى مفهوم أقسام الكلام فى النحو العربى.
كما أن تسمية الجملة بما تبدأ به من عناصر الجملة ستضعنا أمام تسميات أخرى جديدة إلى جانب الجملة الفعلية، كالجملة الفاعلية (أو جملة المسند إليه)، والجملة المفعولية "أو جملة المفعول به"، وجملة متمم الفاعل أو المفعول به، والجملة الظرفية.
والحقيقة أن تسمية الجملة بما تبدأ به (من أقسام الكلام أو عناصر الجملة) لا تنطوى على مغزى نحوى حقيقى من أىّ نوع.
ذلك أن العلاقات النحوية بين كلمات أو عناصر أو مكونات الجملة لا تتغير بالبدء بهذه الكلمة أو تلك، بالاسم أو بالفعل، بالفاعل أو بالمفعول، الأمر الذى يستبعد أىّ مغزى نحوى سليم لهذا التصنيف المزدوج للجملة العربية على أساس ما تبدأ به من اسم أو فعل.
ومن البديهى أن الفاعل يبقى فاعلا بدأنا به أم لم نبدأ، كما أن المفعول به سيظل مفعولا به فى بداية الجملة كما فى وسطها أو فى آخرها. وهذا ينطبق على المرحلتين النحويتين المختلفتين من حيث الإعراب أو إسقاطه.
فالعلاقات أو الوظائف النحوية للكلمات لا تتغير بما تبدأ به الجملة، لا فى لغة تقوم على الإعراب ومرونة ترتيب عناصر الجملة (كاللغة العربية المضرية أو القريشية التى نتناول هنا نحوها)، ولا فى لغة تقوم على إسقاط الإعراب وتقييد ترتيب عناصر الجملة لمثل اللهجات العربية الراهنة واللغتين الإنجليزية والفرنسية بين لغات أوروپية أخرى عديدة).
إن لغة الإعراب ومرونة الترتيب (اعتمادا على الإعراب) تعنى بالبداهة حرية التقديم والتأخير لعناصر الجملة (مع أخذ الترتيب الإلزامى لبعض الكلمات فى الجملة فى الاعتبار، مثل: حرف الجر قبل المجرور) دون أن تتأثر العلاقات النحوية بين هذه العناصر، وهى علاقات تدل عليها إلى جانب المعنى مورفيمات وعلامات الإعراب فى أواخر الكلمات (أو فى أوائلها أو حتى بأحوالها الصفرية فى بعض اللغات المعربة).
أما لغة إسقاط الإعراب أو تقييد الترتيب فتعنى بالبداهة أيضا تثبيت الكلمات التى تمثل العناصر النحوية المحورية للجملة فى أماكن بذاتها فى الجملة، فى ترتيب بذاته، وكثيرا ما يقوم ترتيب هذا النظام لعناصر الجملة على أسبقية الفاعل للفعل وهذا للمفعول، إلا فى أحوال كالنفى أو الاستفهام أو لأغراض بلاغية، مع مرونة بعض العناصر، فى بعض أحوالها، من حيث مكانها فى الجملة.
والنتيجة أن تصنيف النحو العربى للجمل إلى جملة اسمية وجملة فعلية يضعنا أمام عالمين للجمل يقوم بينهما سور صينى عظيم.
وتنفرد الجملة الاسمية بركنين "أساسيين" ينفردان بلقبيهما الخاصين وهما المبتدأ والخبر اللذين لا ينبغى أن يختلطا وفقا لهذا النحو بالركنين "الأساسيين" اللذين تنفرد بهما الجملة الفعلية، واللذين ينفردان بدورهما بلقبيهما الخاصين وهما الفعل والفاعل.
ومن مبادئ هذا التصنيف أنه لا يجوز النظر إلى المبتدأ فى الجملة الاسمية على أنه فاعل الفعل الذى يليه رغم إسناده إليه وتصريفه معه، كما لا يجوز، وفقا له، النظر إلى الفاعل فى الجملة الفعلية على أنه مبتدأ تأخر عن خبره، ولا إلى فعل الجملة الفعلية على أنه خبر تقدم، وهكذا.
والجملة المسماة بالفعلية، فى أبسط أشكالها، أى فى الجملة الفعلية المقتصرة على الإسناد دون الدخول فى تركيب، مثل: ظهر الحق، جملة بلا تعقيدات (من فعل وفاعل)، غير أنه عندما يغدو "الفعل".. "خبرا" فى جملة اسمية (وهنا يسمون ذلك الفعل مع فاعل يفترضونه جملة فعلية خبرا فى محل رفع) تبدأ التعقيدات، أما الجملة المسماة بالاسمية، حتى فى أبسط صورها مثل: العلم نور، فهى المجال الطبيعى لتعقيدات لا أول لها ولا آخر.
فكيف أقيم هذا السور العظيم؟ وما منشأ هذا الازدواج ؟ وما كل هذا التعقيد دون مبرر حقيقى؟ وهل هناك وسيلة أو وسائل نحوية لهدم هذا السور، وإزالة هذا الازدواج، وتبسيط هذا التعقيد؟
ينبغى أن نلاحظ قبل كل شيء أن هذه المفاهيم والتصنيفات لأنواع الجمل، ولأركان كل نوع منها، إنما هى من ابتداع علم النحو، فهى تنتمى جميعا إلى النحو الوضعى أو العلمى، وهو نحو النحويين أو نحو النحاة، فلسنا إذن إزاء عناصر متنافرة فى اللغة العربية ذاتها، ولا فيما تنطوى عليه من منطق داخلى فى تكوين الجمل، وفى تحديد العلاقات النحوية بين كلماتها أو مكوناتها أو عناصرها، أىْ النحو الموضوعى أو الجمعى، الماثل دوما فى صميم كل لغة تنطق أو تكتب بها الجماعة اللغوية المعنية (العرب فى حالتنا).
وإنما نحن إزاء تناقضات مفاهيم نحو النحاة، فلا مناص إذن من محاولة قطع تلك المسافة بل الهوة القائمة دوما بين النحوين، الموضوعى والوضعى، الجمعى والعلمى، ذهابا وإيابا، إلى أن نهتدى إلى إدراك واضح لطبيعة وأبعاد ومثالب هذا الازدواج ولسبل إزالته.
وينبغى أن يكون واضحا أن ازدواج التصنيف، إلى جملة اسمية وجملة فعلية، للجملة العربية الواحدة، إنما يرتبط بصورة خاصة بقاعدتين نحويتين خاطئتين من وضع النحاة تكفى كل قاعدة منهما لخلق هذا الازدواج ويكفى اجتماعهما لتأبيده.
والقاعدة الأولى هى قاعدة تقدم الفعل على فاعله. وعلى هذا فإن المبتدأ أو المفعول به لفعل سابق أو المنصوب بأحد حروف إن وأخواتها أو المجرور الذى يليه فعل مسند إليه ومصرَّف معه، ومتطابق معه فى النوع والعدد، لا يكون مع كل هذا فاعله. وعندما يأتى بعد ما يسمى بالمبتدأ فعل فلابد من البحث له عن فاعل يتقدمه هذا الفعل، ولابد من العثور على هذا الفاعل إما فى صورة أو بالأحرى فى "شبح" ضمير مستتر تقديره كذا يعود على المبتدأ، وإما فى صورة ما يسمى بضمير الرفع البارز المتصل، تاركين على كل حال ذلك الفاعل الحقيقى الذى أسند إليه الفعل من الناحية العملية، والذى هو فاعله دون شك، والذى لا مناص من ربط الفعل به بضمير مزعوم، بارز أو مستتر، يعود عليه فى نهاية المطاف.
وبالإضافة إلى هذه القاعدة التى تنطلق من الجملة الفعلية، أو تقوم بحمايتها من أن تنقلب إلى جملة اسمية (نتيجة تأخير الفعل عن الفاعل، هناك القاعدة الأخرى التى تنطلق من الجملة الاسمية، أو تقوم بحمايتها من أن تنقلب إلى جملة فعلية (نتيجة تقديم الفعل على المبتدأ).
وتحت عناوين مثل: وجوب تأخير الخبر، وجوب تقديم الخبر، جواز تقديم الخبر وتأخيره، نجد موجبات حقيقية مقنعة لا أمل دون مراعاتها فى منع التباس المعانى. غير أننا نجد بين أسباب وجوب تأخير الخبر سببا غريبا للغاية. فالفعل الذى يلى المبتدأ واجب التأخير فلا يجوز تقديمه. فهذا الفعل المتأخر الذى يصنع مع فاعله المزعوم: الضمير المستتر أو ضمير الرفع البارز المتصل ما يسمونه جملة فعلية هى خبر المبتدأ لا يجوز تقديمه لأنه إن تقدم يغدو المبتدأ فاعلا. فوجوب التأخير يرجع إذن إلى خشية الالتباس بين المبتدأ والفاعل. وسبب وجوب تأخير الفعل هنا غريب حقا لأنه ليس مفروضا لإزالة التباس فى فهم معنى الجملة، أىْ فى اللغة ذاتها من حيث هى لغة، بل هو مفروض لإزالة الالتباس النحوى بين مفهومين نحويين من وضع النحاة أنفسهم وهما المبتدأ والفاعل. فالخوف من الالتباس ليس على اللغة أو المعنى، بل على علم النحو كما وضعه هؤلاء العلماء!
وهاتان القاعدتان "قاعدة تقدم الفعل على فاعله، وقاعدة تأخير الفعل الذى يلى المبتدأ وجوبا" تصنعان ازدواج تصنيف الجمل وتؤبدانه، كما أنهما تأتيان من هذا الازدواج وتتغذيان عليه. والحقيقة أنهما غريبتان على اللغة العربية وعلى منطقها الداخلى، ذلك أن اللغة ذاتها ظلت على مرونتها حيث تتقدم عناصر الجملة أو تتأخر ما شاء الناطقون أو الكاتبون بها ذلك، بشرط أمن اللبس أو التشويش أو الاضطراب فى المعانى وليس بأى شرط غريب على اللغة.
أما تقييد هذه المرونة فلا أساس له إلا فى تصورات ونظريات وأوهام ومزاعم علماء النحو الذين لا يقيدون مرونة اللغة، ولا يريدون أصلا تقييدها، وإنما يقيدون فى الحقيقة أدوات الاستيعاب النحوى النظرى لهذه المرونة فى اللغة عن طريق فرض مفاهيم نحوية متحجرة.
وبطبيعة الحال فإن هاتين القاعدتين تجدان مكانهما ضمن نسق كامل من المفاهيم النحوية التى تصنع وتؤبد تعقيدات نحوية لا حصر لها. والحقيقة أن إلغاء هاتين القاعدتين يكفى (مع إعادة النظر فى النسق بكامله) لإعادة الوحدة للمفهوم النحوى للجملة العربية بعيدا عن الجملتين الاسمية والفعلية. وبهذا وحده يمكن إزالة السور والازدواج والتعقيد فى آن معا. وأكتفى هنا بالإشارة بإيجاز إلى تصنيف آخر للجملة العربية إلى جملة اسمية وجملة فعلية، ليس على أساس الابتداء بالاسم فى الأولى والابتداء بالفعل فى الثانية، بل على أساس أن الجملة الفعلية هى تلك التى تشتمل على فعل مهما كان مكانه فيها، وأن الجملة الاسمية هى تلك التى لا تشتمل على أىّ فعل مطلقا. والرد الأساسى على هذا التصنيف هو أنه يقوم على فكرة أن هناك جملة عربية تشتمل على فعل وجملة عربية تخلو منه. والحقيقة أنه لا توجد جملة عربية تخلو من الفعل إلا فى إطار مفهوم "الحذف"، وعلى وجه الخصوص فى إطار حذف فعل الكينونة فى المضارع المثبت، مثل قولنا: "الكتاب مفيد"، غير أن هذه الصيغة الأكثر شيوعا للمضارع المثبت الذى نحذف فيه فعل الكينونة لا ينبغى أن تحجب حقيقة أن هذا الفعل ماثل هناك، ولا يمكنك أن تأتى بالماضى أو المستقبل "إثباتا أو نفيا" أو المضارع "نفيا" دون أن يظهر فعل الكينونة الذى يرجع حذفه فى المضارع المثبت إلى الاقتصاد اللغوى.
ويعنى كل هذا بطبيعة الحال ضرورة الاكتفاء بالمفهوم النحوى الأساسى بل المحورى المتمثل فى الجملة وإلغاء تصنيفها إلى اسمية وفعلية، وكذلك ضرورة أن يحل محل مفاهيم "الأركان الأربعة الحالية" المبتدأ والخبر فى الاسمية، والفعل والفاعل فى الفعلية "ركنان" "وحيدان" للجملة مهما كان ما تبدأ به.
وهذان الركنان اللذان استخدمهما علماء النحو القدماء أنفسهم لكنْ جنبا إلى جنب "أو بصورة ثانوية أو فرعية" مع التصنيف المزدوج إلى جملة اسمية وأخرى فعلية، بركنىْ كل منهما، وبكل ما يترتب على هذا التصنيف من مذاهب مضللة، واللذان أحياهما ثم أماتهما من جديد علماء محدثون نتيجة للحدود الضيقة لتصوراتهم عما يسمونه بتيسير النحو، وكذلك نتيجة لقوة أعداء كل تجديد أو تيسير للنحو فى مصر والعالم العربى.. هذان الركنان "الوحيدان" للجملة العربية الواحدة هما: المسند إليه والمسند، هذان المفهومان اللذان يحتاجان بدورهما إلى تطوير جذرى إذا نحن أردنا للغة العربية البقاء (حتى مجرد البقاء) فى عالم القرن الحادى والعشرين، عالم المعالجة الآلية للمعلومات، هذا العالم الذى يستحيل دخوله من دون التطوير الجذرى للنحو العربى الذى كان ابن زمانه رغم إنجازاته الباهرة التى لا تزال مصدر فخرنا إلى اليوم وإلى الغد.





















الملحق 2
هل الخبر مرفوع؟

1: مقدمة لابد منها: النحو بين التيسير والتطوير
تعمدتُ أن أضع هذا العنوان الذى يبدو "مثيراً" للغاية، ليس بقصد الإثارة أو الاستفزاز، بل ليكون بمثابة رمز يتجاوز الموضوع المباشر لهذا المقال الذى يدور بالفعل حول مسألة: هل يجوز الحديث أصلاً عن إعراب الخبر، وناهيك برفع ما يسمى بالخبر المفرد، وقياس رفع النوعين الآخرين مما يسمى بأنواع الخبر عليه، كما تعلّمنا من كتب النحو العربى؟
أما الرمز المقصود فهو - كما اتضح للتو - كما يلى:
تُبرِّر لنا حقيقة أن إصلاح النحو العربى لم يحقق خطوة واحدة كبرى إلى الأمام طوال القرن العشرين بالذات، رغم كثرة المحاولات الفردية والجماعية والمجمعية والوزارية، أن نسمح لأنفسنا بإعادة النظر حتى فى قواعد النحو التى قد تبدو لنا من البديهيات مثل رفع الخبر.
والمقصود أيضاً أن أحد عوامل الإخفاق الذى انتهت إليه كافة المحاولات الرامية إلى تيسير النحو العربى، أو تبسيطه، أو تسهيله، أو تجديده، أو تحديثه، أو تطويره، أو تحريره، يتمثل فى واقع أن أغلب تلك المحاولات انطلقت من فكرة خاطئة مؤداها أن النحو العربى علم نضج واحترق كما قيل فى القديم، أى بافتراض أنه علم صحيح وكامل غير أنه وعر وشائك ومعقد فليس المطلوب إذن سوى تيسير أو تعديل طرق عرضه وتبويبه.
وصحيح أن محاولة هنا أو هناك انطلقت من رفض وتحدِّى أسطورة النحو العربى الصحيح الكامل المكتمل المحترق نُضْجاً، واتجهت نحو إعادات نظر متفاوتة العمق والنضج. غير أن من الصحيح أيضاً أن مثل هذه المحاولات القليلة بل النادرة ظلت تتميز بأن حصيلتها مجرد أفكار وتصورات جزئية مبعثرة، إنْ كانت تنطوى على نظرات صائبة فهى تظل عاجزة عن تطوير نظرية أو نظريات نحوية متسقة، فكانت أضعف من أن تصمد أمام التيارات التى تحارب كل تجديد فى العلوم اللغوية وفى النحو العربى بالذات.
على أن التيار السائد فى محاولات إصلاح النحو العربى ظلّ يتزين بالألقاب الفخمة كالتيسير أو التجديد أو التحديث أو التحرير، دون أن يلاحظ أصحاب هذه المحاولات حقيقة أنهم ينتقلون من إخفاق إلى إخفاق، بل ربما تصوروا أن إخفاقاتهم نجاحات أو حتى فتوحات كبرى. غير أن المحصلة الحقيقية ظلت تتمثل فى تلك العقدة المستعصية التى ظل يمثلها النحو العربى، والتى ظلت تتحدى من يتعلم العربية أو يعلمها، ومن يقرأ بها أو يكتب، ومن يتكلم بها أو يسمع.
ومنذ القديم، ثم طوال القرن العشرين، وإلى يومنا هذا، ترتفع الشكوى، كما يتواصل التبجح (وكله أو أكثره جعجعة بلا طحن) ضد النحو والنحاة، إلى جانب المحاولات الجادة التى تخفق أو تتبدد.
وبطبيعة الحال فإن الخريطة التفصيلية لهذه المحاولات، بالتصنيفات الدقيقة المطلوبة لتقييم إنجازاتها المحددة وإخفاقاتها المدوية، ستظل ضرورية لكل نجاح فى المستقبل. غير أن هذا العمل، الذى يبدو وصفياً للغاية وموضوعياً للغاية، سيظل مستحيلاً ما لم يستند إلى "حل" حقيقى لمشكلة النحو العربى؛ انطلاقاً من حقيقة أن هذا النحو كان ابن زمانه ومكانه، وأنه بالتالى (بعيداً عن النضج حتى الاحتراق) علم مفتوح على التطور. ذلك أن بين كل علم وموضوعه مسافة يظل محكوماً على هذا العلم بأن يعمل، ويواصل العمل دوماً، على قطعها، أو بالأحرى: على تضييقها، ربما قبل أن تتسع من جديد، فى سياق غفلة يغفلها العلم ذاته، أو فى سياق جمود يؤدى إلى عرقلة المجتمع لتطور العلم.
والحقيقة أن النحو العربى، الذى نشأ فى سياق محاربة ظاهرة اللحن الإعرابى (الأمر الذى يتمثل مغزاه فى قدم ظاهرة الازدواج النحوى فى اللغة العربية)، بدأ منذ البداية مطبوعاً بطابع خصائص نشأته إلى حدّ الخلط التام بين النحو والإعراب إلى يومنا هذا، حتى فى أحدث المراجع المجمعية، الأمر الذى ألحق الأضرار بالنحو والإعراب على حد سواء.
فبدلاً من تطوير مفاهيم نحوية ناضجة كأساس لإعراب واضح وبسيط، سار الخلط بين النحو والإعراب مع منح مكان الصدارة للإعراب بالنحو العربى على درب وصل بنا إلى المزيد من التراجع والنكوص باسم التجديد إلى حدّ بحث مسائل النحو تحت عناوين إعرابية بحتة مثل: المرفوعات، المنصوبات، المجرورات، إلخ.. على حين تلتبس المفاهيم النحوية وتتعدد ألقاب المسمى الواحد منها ويضطرب تبويبها تماماً.
وصار تيسير النحو يتمثل عند أصحابه فى مزيد من دفع هذا الاتجاه المدمر للنحو والإعراب على السواء إلى نتائجه المنطقية، حيث تتصدر العناوين والمداخل والمناهج الإعرابية، وتتراجع وتتشوه وتضمر المفاهيم النحوية، فلا تكون الأساليب والوسائل العصرية كالجدولة والرسوم البيانية وما أشبه ذلك سوى ديكورات عصرية تزين تلاوة نفس التعاويذ الإعرابية الأزلية باسم التجديد.
والحقيقة أن التيسير وما إليه "شعار" خاطئ كما أنه مستحيل كنقطة بداية. إنه وَهْم من أوهام أسطورة النحو الكامل الصحيح لكنْ المعقد والذى ينبغى بالتالى تيسيره.
إن ما يحتاج إليه النحو العربى هو التطوير الجذرى. وليس من المطلوب أبداً أن يستوعب أصول هذا التطوير أو نتائجه وتصنيفاته الدقيقة سوى علماء النحو ومعلميه ودارسيه على أعلى المستويات. أما التيسير فيأتى بعد التطوير. ويتمثل دور التيسير فى توزيع حصيلة التطوير ونتائجه على مراحل تعليمية أو مستويات بما يتناسب مع كل مرحلة أو مستوى، وهنا مجال واسع للبراعات والمهارات والأساليب والوسائل التعليمية والتربوية العصرية.
وينبغى أن نلاحظ أن النحو البالغ التطور والنضج والتعقيد، وهو النحو المنشود، ضرورى ليس فقط فى سبيل التيسير، وليس فقط لأنه ينطوى فى حد ذاته على أشكال مباشرة من التيسير لا تحصى ولا تعد. إنه ضرورى كذلك للتعامل، من ناحية، مع رفع مقتضيات التطور اللاحق للنحو كعلم لغوى، وللتعامل، من ناحية أخرى، مع مقتضيات تطور الفكر والعلوم والتكنولوجيا فى عصر علم وتقنية معالجة المعلومات آلياً. وفى هذا العصر الذى تدفع مقتضياته وضغوطه بشدة نحو وصول تبلور النحو إلى غاية من التفكيك والترابط والتماسك والتطوير والكمال حتى تكون اللغة المعنية قابلة للاستخدام بكل دقة ويسر فى سياق هذه الثورة التقنية الهائلة، يمكن القول إن النحو الجديد صار شرطاً من شروط ما أصبح يسمى بدخول القرن الحادى والعشرين.
وحتى لا نواصل جلد الذات، ينبغى أن ندرك أن ما يمكن أن نسميه بالنحو الجديد صار يفرض ثوراته على اللغات الأكثر تطوراً فى الحضارة السائدة فى عالم اليوم. ولا شك فى أن العقود الأخيرة من القرن العشرين شهدت ثورة نحوية عميقة وهائلة فى اللغتين الإنجليزية، أولاً، والفرنسية، ثانياً، فى حدود تجربتى المباشرة، وفى غيرهما من اللغات الأوروبية كذلك، بحيث صار النحو غير النحو. وسوف تقنعك أبسط المقارنات للمفاهيم النحوية فى كتب النحو الإنجليزى أو الفرنسى، بين السبعينات القريبة والتسعينات الراهنة، بأن الثورة النحوية حقيقة واقعة وربما سنحت لنا هنا فرصة الإشارة الموجزة إلى بعض ملامحها.
على أنه ينبغى الاعتراف بأن مشكلة النحو العربى مزدوجة، بل مركبة، بل معقدة. وإذا اكتفينا بذكر العناوين فهناك الازدواج النحوى الذى يسود حياتنا اللغوية بين الإعراب فى قطاعات منها وإسقاط الإعراب فى قطاعات أخرى. وهناك تمحور النحو حول الإعراب، وبالتالى ضمور المفاهيم النحوية، وحتى تراجعها من خلال محاولات التيسير طوال القرن العشرين. وهناك غياب المناخ الملائم للبحث العلمى الحر فى مجال النحو العربى كمحصلة للقيود الأيديولوچية وللرقابة الذاتية النابعة منها، أو المرتبطة بها فى أعماق أرواح وصدور الباحثين. ويساعد كل هذا بطبيعة الحال على عرقلة وتشويه التفاعل الحر مع الثورة النحوية التى شهدتها وتشهدها لغات أخرى.
وينبغى أن نشير هنا، وإنْ بسرعة، إلى الفرق بين النحو والإعراب.
وإذا كان الصرف فى أى لغة هو نظام تكوين الكلمات وأبنيتها وزيادتها وتغييرها للتعبير عن اختلاف العدد والنوع أو التعبير عن اختلاف الأزمنة، فإن النحو هو نظام تكوين الجمل فى لغة من اللغات، وبعبارة أخرى فهو نظام تكوين العلاقات بين مكونات أو عناصر الجملة.
أما إعراب الكلمات، وترتيب الكلمات (مع إسقاط الإعراب)، فكل منهما أداة (تُغنى الواحدة منهما عن الأخرى) من أدوات النحو للتمييز بين عناصر الجملة: أداة يستخدمها النحو فى هذه اللغة أو تلك، فى هذه المرحلة أو تلك. فالنحو، أى نظام تكوين الجمل، قائم فى الحالين، أى فى وجود هذه الأداة أو تلك.
وهنا تمييز واجب بين ما هو موضوعى وما هو وضعى فى كل من النحو والإعراب.
فالنحو الموضوعى نظام أو نسق نحوى ماثل فى صميم تكوين اللغة كما تتكلم و/أو تكتب بها الجماعة اللغوية المعنية بصرف النظر عن وجود، أو مدى تطور ونضج، النحو الوضعى (أى: علم النحو) الذى يدرس ذلك النحو الموضوعى. وكما سبق القول، هناك مسافة ماثلة دوما بين النحو الموضوعى والنحو الوضعى يعمل هذا الأخير دوماً على قطع جزء منها لاستيعاب ظواهر قديمة أو جديدة ينطوى عليها النحو الموضوعى. وهذا الأخير، أى النحو الموضوعى، أو "نحو العقل الجمعى”، لدى جماعة لغوية بعينها هو المرجع والأساس والأصل. أما "نحو" العلم المعروف بهذا الاسم، نحو النحاة أو النحويين أو الدارسين أو العلماء، "نحو" الاجتهاد فى فهم النحو الموضوعى، فإنه قابل دوما لإعادة النظر.
والنحو الموضوعى الجمعى يتغير تاريخياً، ولا يملك أحد التلاعب بحقائقه. أما النحو الوضعى، نحو النحاة، فلا موجب لتقديسه، بل الأجدر بنا أن نعمل دوماً على تصحيحه وتطويره انطلاقاً من تطور النحو الجمعى من ناحية، ومن تطور مناهج دراسته من ناحية أخرى.
وينطبق الشيء ذاته على الإعراب (وكذلك على بديله).
فالإعراب الموضوعى الجمعى الماثل فى صميم السليقة اللغوية الأصلية لا يملك تعديله أو تغييره أو إسقاطه سوى الجماعة اللغوية ذاتها، وبصورة تاريخية. أما فهم النحاة وأصحاب صناعة الإعراب لهذا الإعراب، وعوامله أو أسبابه والعلاقات بين حقائقه، فهو اجتهاد قابل دوما للمزيد من الاجتهاد.
وينبغى أن يكون واضحاً أن كل محاولتنا للاجتهاد فى مسائل النحو والإعراب فى اللغة العربية القريشية أو المضرية (بالضاد) إنما تنصبّ على فهم النحاة للنحو والإعراب. والمرجع دوما هو النحو الموضوعى الجمعى والإعراب السليقى، كما يتجسدان فى كلام العرب (من نثر وشعر) كما حفظه لنا تراثهم الغنى بكل عيونه وينابيعه ومصادره.

2: المسند إليه هو المرفوع الحقيقى الوحيد
ونعود إلى الخبر..
وقد علَّمتنا كتب النحو العربى أن الخبر من مرفوعات الأسماء. وبقية مرفوعات الأسماء هى كما نعلم: المبتدأ والفاعل ونائب الفاعل واسم "كان وأخواتها" (ومنها أفعال المقاربة والرجاء والشروع).
كما علّمتنا كتب النحو العربى أن الخبر ثلاثة أنواع: 1: الخبر المفرد 2: الخبر الجملة (الاسمية أو الفعلية) 3: الخبر شبه الجملة (الظرف أو الجارّ والمجرور).
وعند "دخول" ما يسمى بنواسخ المبتدأ والخبر من أفعال وحروف على الجملة الاسمية تظل الأنواع الثلاثة للخبر "قائمة" مع اختلاف أحكام إعرابها. فإلى جانب خبر المبتدأ المرفوع رفعاً ظاهراً أو تقديريًّا أو محليًّا للمفرد أو رفعا محليًّا للجملة أو شبه الجملة، هناك خبر "إن وأخواتها" المرفوع أيضاً وبنفس التفاصيل، وخبر "كان وأخواتها" المنصوب نصباً ظاهراً أو تقديريًّا أو محليًّا للمفرد أو نصبا محليًّا للجملة أو شبه الجملة. ويُقال لنا إن "ظن وأخواتها" أفعال تنصب المبتدأ والخبر مفعولين، كما يقال لنا إن "أعلم وأرى وأخواتهما" أفعال تنصب ثلاثة مفاعيل، ثانيها وثالثها أصلهما المبتدأ والخبر.
فالخبر المرفوع إذن هو خبر المبتدأ وكذلك خبر "إن وأخواتها" (وكل خبر عندهم خبر المبتدأ لأن خبر "إن يأتى مع المبتدأ المسبوق بالحروف المسماة بالناسخة، ولأن خبر "كان" يأتى مع المبتدأ الذى "تدخل" عليه "كان وأخواتها")، والخبر المرفوع رفعاً ظاهراً هو الخبر المفرد دون غيره.
وعندهم أن المبتدأ والخبر هما الركنان "الأساسيان" للجملة الاسمية، وعندهم جملة أخرى يسمونها الجملة الفعلية وركناها "الأساسيان" هما الفعل والفاعل.
وسوف نبحث، فى القسم الثالث والأخير من هذا المقال الموجز، مسألة: هل الخبر مرفوع، وهل يجوز الحديث عن إعرابه أصلاً؟ وهى وثيقة الصلة بمسألة: ما هو الخبر؟
وليس من المنطقى أن نجيب على السؤال الأخير حول طبيعة الخبر قبل أن نبحث أولاً طبيعة المبتدأ (وهو الركن الأول تحليلياً وليس مكانياً فيما يسمى بالجملة الاسمية).
وسرعان ما نصل إلى ضرورة إعادة النظر فى كل هذه التسميات والتقسيمات والتصنيفات: هل هناك مبرر نحوى حقيقى لتقسيم الجملة العربية الواحدة إلى جملة اسمية وجملة فعلية؟ وهل تنقسم الجملة إلى ركنين أساسيين أم إلى ركنين وحيدين؟ وبعبارة أخرى: هل الركنان هما كل ما فى الجملة أم تشتمل الجملة على مكونات أخرى؟ وهل هناك مبرر حقيقى للتمييز بين المبتدأ والفاعل ونائب الفاعل واسم كان؟ أو بين الفعل والخبر؟
وإذا كانت مرفوعات الأسماء كما يسمونها تشمل إلى جانب الخبر، كما سبقت الإشارة: المبتدأ والفاعل ونائب الفاعل واسم "كان"، فمن الجلى أن الخبر يختلف عن بقية المرفوعات.
ومن الأفضل أن نبدأ من الآن فى استخدام تعبير المسند إليه الذى ينطبق على كل هذه المرفوعات دون الخبر، وتعبير المسند الذى يتطابق مع الخبر وحده دون غيره.
وفى كتاب العين تحدث الخليل بن أحمد عن "السَّنَد" والمسند إليه، وفى "الكتاب" تحدث سيبويه عن المسند والمسند إليه، والسَّنَد عند الخليل والمسند عند سيبويه عرفهما النحو العربى بعدهما بتعبير المسند إليه، أما المسند إليه كما استخدماه فهو ما عرفه النحو العربى بعدهما بالمسند.
والمسند إليه هو ذلك الاسم (أو الضمير، إلخ..) الذى نسند إليه الفعل ونصرّفه معه سواء تقدم الفعل عليه أو تأخر عنه، فهو يشمل إذن: المبتدأ والفاعل ونائب الفاعل واسم "كان". فلا جدال فى أن هذه الأشياء تشترك جميعاً فى واقع إسناد الأفعال إليها وتصريفها معها، وفى واقع أن المسند إليه، فى كل هذه الصور المتنوعة والمتمايزة من نواح أخرى، هو الفاعل النحوى للفعل المصرَّف معه. وسنرى عند المزيد من مناقشة المسند (الخبر) أن الجملة العربية لا تخلو من الفعل، باستثناء فعل واحد هو فعل الكينونة يظهر فى كل الأزمنة فى النفى والإثبات ويتم حذفه فى المضارع المثبت (مثلاً: الكتاب مفيد) فى الشكل الأكثر شيوعا لاستخدام هذا الفعل فى المضارع المثبت، ومن المفارقات أن حذف فعل واحد فى اللغة كلها فى المضارع المثبت وحده دون غيره كان الأساس الوحيد لتصنيفات أساسية للجملة ولأنواع الخبر ولغير ذلك فى النحو العربى (وليس فيه وحده على كل حال) انطلاقا من أسطورة الجملة الخالية تماماً من الفعل.
وانطلاقاً من فكرة من وضع النحاة وليست فى منطق اللغة العربية تتلخص فى البدء بوضع تعبيرين مختلفين هما المبتدأ والفاعل ثم التمييز بينهما بوضع قاعدتين غريبتين على اللغة العربية تزعم إحداهما أن الفاعل يتقدم عليه فعله "وجوباً" وتزعم الأخرى أن المبتدأ يتأخر عنه فعله "وجوباً"، اختلق النحو العربى عالمين: عالم الجملة الاسمية وركناها "الأساسيان" هما المبتدأ والخبر، وعالم الجملة الفعلية وركناها "الأساسيان" هما الفعل والفاعل.
والحقيقة أن عند العرب، على خلاف ما عند نُحاتهم، جملة عربية واحدة، ما كان ينبغى أبداً تقسيمها بما تبدأ به من اسم أو فعل أو غيرهما من أقسام الكلام، ولا بما تبدأ به من مفاهيم نحوية من فاعل أو مفعول به أو ظرف أو غير ذلك. وبإدماج المبتدأ والفاعل ونائب الفاعل واسم "كان" فى مفهوم المسند إليه (الفاعل) والفعل وعناصر أخرى فى مفهوم المسند (الخبر)، وبإطلاق التقديم والتأخير بينهما إلا فيما تمليه مقتضيات أمن اللبس، يندمج هذان العالمان النحويان الوهميان فى عالم نحوى حقيقى واحد. وعندئذ يمكن الحديث عن حقيقة أن الجملة تنقسم تحليلياً إلى المسند إليه والمسند (أو المسند والمسند إليه)، وأنهما ركناها أو قسماها الوحيدان وليسا ركنيْها أو قسميْها الأساسييْن، ذلك أن الجملة ليس فيها سوى المسند إليه (الفاعل) والمسند (الخبر).
وإذا كان الخليل بن أحمد وسيبويه قد أدمجا ما يسمى بمرفوعات الأسماء باستثناء الخبر فى مفهوم نحوى واحد استقرت تسميته فى نهاية الأمر فى مفهوم وتعبير المسند إليه، على حين صار تعبير المسند متطابقاً مع الخبر، فالحقيقة أن كل هؤلاء النحاة وكذلك النحاة المحدثون (باستثناء نادر وبالغ الأهمية رغم حدوده الضيقة) قاموا بتهميش تعبيرى المسند إليه والمسند فاستخدموهما، لكنْ إلى جانب التسميات الأخرى وعلى هامشها، مع الاحتفاظ بعالمى الجملة الاسمية والجملة الفعلية متجاوريْن ومتمايزيْن، بفضل أساطير التقديم الوجوبى والتأخير الوجوبى ومزاعم أمن الالتباس ليس فى اللغة والمعنى، بل بين مفاهيم نحوية من وضع النحاة أنفسهم مع أنها غريبة على اللغة العربية القريشية التى هى لغة إعراب أى لغة مرونة فى ترتيب كلمات أو مكونات أو عناصر الجملة، وهى مرونة تتعارض مع تقييد المسند والمسند إليه بمكان، وتعنى إطلاق التقديم والتأخير بينهما مع مراعاة المقتضيات الحقيقية لأمن اللبس.
وهناك فرق فى التصريف مع بعض الضمائر بين تقدم الفعل على المسند إليه أو تأخره عنه (مثلاً: يتفوق المجتهدون - المجتهدون يتفوقون). وهناك أيضاً فرق "إعرابى” فعندما يتقدم الفعل يكون المسند إليه مرفوعاً (باستثناءات قليلة بل نادرة). أما عندما يتأخر الفعل فإن المسند إليه يتأثر بمؤثرات سابقة على الإسناد إليه كأن تسبقه الحروف المسماة بالناسخة أو حروف الجر "الأصلية" أو حتى أن يكون مفعولا به لفعل و"فاعل" سابقيْن (وبالطبع فإن النحو العربى لا يعترف بشيء من قبيل المفعول الفاعل لأن هذا الأخير يتقدم عليه فعله "وجوبا"). غير أن هذيْن الفرقيْن "التصريفى” و"الإعرابى” لا ينبغى أن يبررا التمييز النحوى المبدئى بين المبتدأ من جانب والفاعل و"نائبه" واسم "كان" من جانب آخر. كما أن الفروق الدلالية بين أنواع المسند إليه (بين أن نصرف معه الفعل التام المبنى للمعلوم أو المبنى للمجهول أو الفعل الناقص) لا ينبغى أن تحول دون استيعاب ما يسمى بنائب الفاعل واسم "كان" فى مفهوم المسند إليه مع الفاعل والمبتدأ، مع تقديم كافة الإيضاحات اللازمة للتمييز بين دلالات شتى للمسند إليه ذاته.
وكما نجد فى واقع اللغة العربية (ولغات الإعراب الأخرى قديما وحديثاً) فإن المسند إليه (الفاعل) هو المرفوع الحقيقى الوحيد، وهو عنصر من عناصر الجملة يعنى الفاعل النحوى للحدث، أما بقية عناصر الجملة (الفعل، المفعول به، متمم الفاعل أو المفعول به، الظرف) فهى التى يتكون منها المسند (الخبر) الذى يتمثل حده الأدنى فى الفعل الذى لا يخلو منه المسند (الخبر) وبالتالى الجملة أبداً، ويتمثل حده الأقصى فى هذه العناصر الأربعة جميعاً، وسنقف عند المسند وعناصره فى القسم الثالث والأخير، وإنما نومئ هنا إلى تعدد عناصر المسند كأساس للإشارة إلى أن المسند (الخبر) خارج الإعراب من رفع أو غيره. وهناك مرفوعات عشوائية فى مواضع قليلة ويسهل الإلمام بها ومنها ما يسمى بالخبر المفرد المرفوع، أما رفع المسند إليه فلا يمكن فهمه إلا فى إطار مخالفته منطقياً ونحوياً وإعرابياً، لنصب المفعول به وهو أحد عناصر الجملة ويأخذه الفعل المتعدى ضمن المسند (الخبر) فى عدد من نماذج الجملة، وهى نماذج تتعدد بتعدد نماذج المسند (الخبر).
وسيكون علينا أن نكتفى بإشارات موجزة إلى عدد آخر من أساطير النحو العربى التى يقوم عليها عدد من أبوابه، وهى أساطير الحروف والأفعال المسماة بالناسخة.
وحروف "إن وأخواتها" أدوات تقدم جملة أو تربط بين جملتين ولهذا يأتى بعدها المسند إليه (الفاعل)، ويكفى بالتالى أن نعتبرها أدوات أو حروفاً ناصبة للأسماء (أو للمسند إليه)، بعيداً عن أسطورة الحروف الناسخة للمبتدأ والخبر.
وهناك أسطورة أن أفعال "ظن وأخواتها" تأخذ أو تنصب مفعولين. ولا شك فى أن هذه الأفعال تأخذ "منصوبين" فى الاستخدام النموذجى المميز لهذه الأفعال. غير أن أقل تأمل متحرر من تقديس النحاة يوضح أن أحد المنصوبين مفعول به وأن الآخر لا يمكن أن يكون مفعولا به. فإذا قلت: "ظننتُ محموداً قادماً"، فلا يمكن أن يكون "قادماً" هذا مفعولاً به، إنه بالأحرى: متمم للمفعول به. ذلك أن الجملة يقع فيها الحدث الذى يتضمنه فعل الظن على كلمة "محموداً" وهو المفعول به، ولكنه لا يقع على كلمة "قادماً" التى هى صفة ضرورية أو إجبارية للمفعول به لإتمام معنى الجملة فى هذا النموذج من نماذج الجملة.
وهناك أسطورة أن أفعال "أعلم وأرى وأخواتهما" تأخذ أو تنصب ثلاثة مفاعيل. والحقيقة أن المنصوب الثالث، وهو المفعول الثالث المزعوم، ليس سوى متمم المفعول به، وهذا المتمم يظهر مع أفعال "أعطى وأخواتها" أيضاً. وإذا كان بوسعى أن أقول: "أعلمتُ محموداً الخبر يقيناً" فإن بوسعى أن أقول أيضاً: "أعطيت محموداً الكتاب جديداً". وكل من كلمتى "يقيناً" و"جديداً" متمم للمفعول به وشرطهما أن يكون المفعول المباشر: "الخبر" فى الجملة الأولى، و"الكتاب" فى الجملة الثانية، معرفة، أما المفعول الأول: "محموداً" فى الجملتين فهو المفعول غير المباشر وهو "متلقى” أو "آخذ" المفعول المباشر.
وفى الاتجاه المعاكس لأدوات نصب الأسماء "إن وأخواتها" تؤثر أفعال "كان وأخواتها" فيما يسمى بالخبر غير أنها لا تؤثر فى المسند إليه، فهو مرفوع ككل مسند إليه، ما لم يخضع قبل الإسناد إليه لتأثير ناصب أو جارّ (وليس هذا تأثير "كان وأخواتها" بطبيعة الحال).
ولهذا أشرنا إلى أنه ينبغى إدماج ما يسمى باسم "كان" فى المفهوم المحدّد لعنصر الجملة المسمى بالمسند إليه (الفاعل).
وبعيداً عن أسطورة أن أفعال "كان وأخواتها" ناسخة للمبتدأ والخبر، نشير إلى أن هذه الأفعال يتكون معها نموذجان من نماذج الجملة: (المسند إليه + كان + متمم الفاعل) و(المسند إليه + كان + ظرف المكان – وظرف الزمان فى حالات بعينها). أى أن ما يسمى بخبر "كان" يدخل فى إطار مختلف تماماً بنموذجين من نماذج المسند (الخبر)، وترتبط هذه النماذج ارتباطاً وثيقاً بأنواع الأفعال: الناقص واللازم والمتعدى إلى مفعول واحد أو مفعولين وكذلك بإمكانات استخدام المتعدى إلى مفعول واحد أو مفعولين وكذلك بإمكانات استخدام المتعدى إلى مفعول واحد لازماً أيضاً واستخدام المتعدى إلى مفعولين لازما أو متعدياً إلى مفعول واحد أيضاً.
وإذا ابتعدنا عن أسطورة أن الجملة تشتمل على عناصر أخرى غير المسند إليه والمسند، وهى عناصر أسماها النحو العربى التقليدى "فَضْلة" (كما أسماها النحو الفرنسى وما يزال يسميها "تكملة" بنفس المعنى)، واعتبرنا المسند (الخبر) شاملاً لكل ما فى الجملة باستثناء المسند إليه، كما يفعل "النحو الجديد" بوجه عام، يغدو من الجلى تماماً أن المقصود بالخبر سيختلف، وأن هذا الخبر يظل خارج مسألة الإعراب لتعدد عناصره، ولعدم مخالفته نحوياً للمسند إليه، وأن العثور على مرفوع عشوائى، وإعلانه "خبراً"، ثم قياس إعراب "الخبر" ورفعه عليه، أمور ليس لها مبرر حقيقى من نحو أو منطق، كما سنرى فى القسم التالى.

3: المسند (الخبر) لا علاقة له بالإعراب
المسند (الخبر) حُكْم، فالمسند إليه "محكوم عليه"، والمسند "محكوم به"، والمسند إليه "مُتحدَّث عنه" والمسند "مُتحدَّث به"، والمسند إليه "موضوع"، والمسند "محمول".
وما دام المسند (الخبر) حُكْماً، فلا يمكن أن يتمثل الحكْم فى اقتناص "كلمة" أو "عبارة" وردت ضمن هذا الحكم والمطابقة بينها وبين الحكم كله، كما يفعل النحو العربى، والنحو التقليدى بوجه عام فى لغات أخرى، حتى عندما تتعدد الكلمات أو العناصر أو "الحيثيات" الواردة فى الحكم.
وكما سبقت الإشارة فإن الجملة العربية تنقسم إلى جزءيْن أو قسميْن أو ركنيْن "وحيدين" هما المسند إليه "الفاعل" والمسند "الخبر". والمسند إليه عنصر واحد من عناصر الجملة. ويختلف المسند عن هذا تماما، فهو كل ما تقوله الجملة عن المسند إليه، وهو كل الجملة باستثناء المسند إليه.
والمقارنة بالمسند إليه (الفاعل) الذى يتطابق - مهما تعددت كلماته أو تنوعت صيغه - مع عنصر واحد من عناصر الجملة فإن المسند (الخبر) مفهوم فضفاض يشتمل على عناصر قد تتعدد من عناصر الجملة، فيما بين مسند (خبر) الحدّ الأدنى، المكون من عنصر إجبارى واحد هو الفعل المستخدم لازماً (حتى إنْ اشتملت الجملة على كلمات أو عناصر أخرى اختيارية لاستيعاب بعض المعانى والدلالات المقصودة فى الجملة دون أن تكون إجبارية لهذا النموذج للجملة أو لهذا النموذج للمسند)، ومسند الحد الأقصى، المكوّن من أربعة عناصر إجبارية هى الفعل والمفعول به والظرف والمتمم (متمم الفاعل أو المفعول).
وعلى هذا فإن المسند (الخبر)، بحكم بداهة طابعه الفضفاض لاشتماله على عناصر ومكونات وتراكيب متعددة، يخرج من دائرة الإعراب (من رفع أو نصب أو خلافهما)، كما أنه يخرج، لنفس السبب، من دائرة المفاهيم النحوية التحليلية الفعالة التى ينبغى أن تكون أضيق نطاقاً، وهى التى ينطبق عليها مفهوم عنصر الجملة.
والحقيقة أن اللغة العربية القريشية أو المضرية (بالضاد) - بحكم بداهة كونها لغة إعراب وبالتالى لغة مرونة تركيب للكلمات (أو العناصر) فى الجملة - لا تشترط بحال من الأحوال أن يأتى المسند إليه قبل المسند، ولا أن تأتى كلمات المسند أو مكوناته أو عناصره متجاورة قبل أو بعد المسند إليه. فالمسند يأتى بعد المسند إليه أو قبله، وقد تأتى كلمة أو كلمات منه قبله وكلمة أو كلمات أخرى منه بعده فى الجملة الواحدة. وفى الجمل التالية وضعنا المسند (الخبر) بين قوسين:
(تفوقت) عزة.
عزة (تفوقت).
عزة (متفوقة).
(يتفوق) التلميذ المجتهد (لأنه يعتمد على نفسه).
(إن) حب الوطن (من الإيمان).
(كان) الناس (لا يرون بعضهم البعض من كثافة الشبورة).
هذه المرأة أعداؤها (يكثرون).
على أن الموضوع داخل القوس فى كل جملة قد لا يكون كل المسند (الخبر)، وذلك فى حالة حذف فعل الكينونة فى المضارع المثبت، مثل جملة: عزة (متفوقة)، أو جملة: (إن) حب الوطن (من الإيمان). والنحو العربى يعتبر (متفوقة) خبرا مفردا كما يعتبر (من الإيمان) خبراً شبه جملة (من جارّ ومجرور). غير أنه ينبغى اعتبار فعل الكينونة المحذوف فى المضارع المثبت جزءاً لا يتجزأ، كما يقال، من المسند (الخبر)، أما ما يعتبره النحو العربى خبراً فى الجمل التى تتكون مع أفعال "كان وأخواتها" (فى حالة ظهور هذه الأفعال جميعا كما فى حالة حذف فعل الكينونة دون غيره فى المضارع المثبت) فهو متمم للفاعل فى أحد نموذجين للجمل يأتيان مع هذه الأفعال، وهو ظرف فى النموذج الثانى.
وهنا ينبغى أن نقف بإيجاز عند أنواع الخبر، كما علّمتْنا كتب النحو العربى: 1: الخبر المفرد 2: الخبر الجملة (الاسمية أو الفعلية) 3: الخبر شبه الجملة (الظرف أو الجارّ والمجرور).
والخبر المفرد، عندهم، مثل "مفيد" فى جملة: "الكتاب مفيد". غير أن "مفيد" ليس خبراً وإنما هو جزء من الخبر مع الفعل المحذوف قبله (فعل "يكون" أى المضارع المثبت لفعل الكينونة)، كما أشرنا من قبل إلى أن "مفيد" هو متمم الفاعل وهو عنصر الجملة الذى يأتى مع أفعال كان وأخواتها لإتمام المعنى فى جملة مفيدة. فليس هذا إذن خبراً ولا مفرداً. ويقال إن هذا "الخبر المفرد" مرفوع ويُقاس عليه، باعتباره "الخبر" الوحيد الذى يقبل الرفع الظاهر، رفع باقى ما يسمى بأنواع الخبر فى إطار ما يسمى بالإعراب المحلى. والحقيقة أن متمم الفاعل (الذى يسمونه الخبر المفرد) مرفوع، ولا يملك أحد حق إلغاء هذا الرفع الذى صار أصلاً من أصول النحو الموضوعى الجمعى ذاته، غير أنه مرفوع رفعاً عشوائيا والمقصود أن متمم الفاعل هذا أصله النصب مع كان الظاهرة وأخواتها. وإنما كان رفعه ناتجاً عن التأثير التراكمى للاقتصاد اللغوى نتيجة حذف فعل الكينونة فى جملة زمنها المضارع مع هذا الفعل عندما يأتى مثبتا دون حاجة إلى ظهوره لمعرفة زمن الجملة. ولهذا لا ينبغى قياس "رفع" ما يسمى بالخبر، بكل أنواعه، على هذا الرفع العشوائى لعنصر ليس هو ذاته "خبراً" بحال من الأحوال.
والواقع أن النحو العربى أحسّ منذ القديم بمشكلة المحذوف الذى تصوره فعلاً أو اسم فاعل يدل على الكون العام، وسمّاه "مُتَعَلَّق" الظرف أو الجار والمجرور. وهذا المفهوم الصحيح فى جوهره لكن ليس فى تفاصيله، والذى جرى تهميشه أو نبذه نبذ النواة كما فعل ابن مضاء القرطبى ومن نحا نحوه، ينبغى إحياؤه وتصحيحه، فالمحذوف فعل، وهو فعل الكينونة دون غيره، وفى المضارع المثبت دون غيره، وهو لا يقتصر على الظرف والجارّ والمجرور فقط بل يمتد إلى ما يسمى بالخبر المفرد وإلى ما يعتبر من الخبر الجملة الاسمية الخالية من كل فعل ظاهر.
وعلى هذا يتضح أن ما يسمى بالخبر شبه الجملة إنما هو خبر أو مسند مع المحذوف "يكون" (ومع بقية كلمات الجملة باستثناء المسند إليه). أما الظرف أو الجارّ والمجرور المسمى بالخبر شبه الجملة فهو بالأحرى أحد عنصريْن: عنصر الظرف بألفاظه المباشرة أو بالجارّ والمجرور بمعنى الظرف، أو: عنصر متمم الفاعل فى شكل من أشكال تحقيقه (الجارّ والمجرور) بالإضافة إلى الاسم والصفة باعتبارهما شكلين أساسيين من هذه الأشكال.
أما ما يسمى بالخبر الجملة الاسمية فهو، عندهم، كالخبر كله: مفرد أو شبه جملة أو جملة (فعلية). وباعتبار الفعل المحذوف "يكون" ينطبق ما قيل أعلاه على "الخبر" المفرد وشبه الجملة، كما ينطبق ما سنقوله بعد قليل عن الخبر الجملة الفعلية على نظيره كخبر فى الجملة الاسمية. غير أن خصوصية الجملة المسماة بالاسمية هى أنها تشتمل على مبتدأ أول ومبتدأ ثان، وهذا الأخير هو ما يتم إسناد الفعل إليه فى مثل: "الكتاب غلافه يلمع" أو فى مثل: "المرأة أنصارها يكثرون"، ولهذا فهو المسند إليه دون غيره أما ما يسمى بالمبتدأ الأول أو المسند إليه الأول فليس سوى المضاف إليه الذى تأخر عنه مضافه الفاعل (غلاف الكتاب يلمع، أنصار المرأة يكثرون) أو مضافه المفعول به فى مثل: النخل نأكل ثمره (نأكل ثمر النخل). وهذا المضاف إليه "المتقدم" مرفوع عشوائياً أيضاً، ويجب أن نعتبر رفعه من أصول اللغة العربية، غير أنن ينبغى أن ندرك أن أصله الجرّ بالإضافة وأنه مرفوع عشوائياً مثل ما يسمى بالخبر المفرد، كما ينبغى أن ندرك أنه ليس المسند إليه بحال من الأحوال.
وفى الخبر الجملة الفعلية كما يسمونه، فى مثل: "الكتاب يفيد القارئ"، يعتبرون "يفيد" وحده ليس خبراً فقط بل خبراً جملة فعلية. والسر وراء اعتبار الفعل الواحد جملة (فعلية) إذا تأخر عن المسند إليه هو القاعدة التى وضعها النحاة والتى تجعل لكل فعل فاعلاً يتقدم عليه فعله وجوباً. ففى الجملة السابقة يبحثون عن فاعل للفعل "يفيد" غير "الكتاب" لأن الفعل تأخر عليه وجوباً لأنه المبتدأ عندهم. ومن هنا اخترعوا الضمير المستتر بعد الفعل والذى يعود على المبتدأ ("الكتاب")، والذى يُعرب فى محل رفع فاعلاً، ومن هنا زعمهم أن هذا الفعل مع فاعله المستتر الوهمى جملة فعلية خبراً للمبتدأ.
وهناك اختراع آخر تصبح نهايات تصريف الأفعال بمقتضاه ما يسمى بضمائر الرفع البارزة المتصلة. ومن هنا يعتبرون ما يسمونه بضمير الرفع البارز المتصل فاعل الفعل حيث يشكلان معاً جملة فعلية خبراً للمبتدأ، بدلاً من التعرف على المسند إليه (الفاعل) فى "الاسم الذى تقدم على الفعل.
والحقيقة أن "إلغاء" ما يسمى بالضمير المستتر وما يسمى بضمير الرفع البارز المتصل و"إلغاء" إعرابهما فاعلاً (نتيجة لإطلاق التقديم والتأخير بين المسند إليه والمسند فى النحو كما فى اللغة ذاتها مع مراعاة المقتضيات الحقيقية لأمن اللبس) يُلغيان جانباً هائلاً مما يسمى بالإعراب المحلى، الأمر الذى ينطوى فى حدّ ذاته على تيسير كبير.
وهكذا تتبخر أسطورة "أنواع الخبر" (خبر المبتدأ وخبر إن وخبر كان) دفعة واحدة. ويتضح أن المسند يشتمل على أكثر من عنصر من عناصر الجملة، وأن نماذج المسند تتنوع بتنوع الأفعال وارتباط كل نوع من الأفعال، فى استخدامات بالذات، ارتباطاً إجبارياً، أى: من حيث تكوين النماذج باعتبارها نماذج، ببقية عناصر الجملة التى تأتى ضمن المسند، أى باستثناء المسند إليه.
ومن الجلى أن الجملة حتى فى أبسط أشكالها تشتمل على حدث. وهذا الحدث الذى يعطى فى الوقت ذاته "زمنا" هو ما يعبر عنه عنصر الجملة الذى نسميه بالفعل. أما عنصر الجملة الذى نسميه بالمسند إليه فهو فاعل الفعل (بما فى ذلك فعل الكينونة المحذوف فى المضارع المثبت) أو فعل الأمر أو المضارع المنفى للنهى (وهنا يكون المسند إليه محذوفاً). والمسند إليه هو الفاعل "النحوى” حتى إنْ كان مفعولاً به فى المعنى سواء فى المبنى للمعلوم (مثل: "انكسر الزجاج") أو فى المبنى للمجهول (مثل: "كُسِر الزجاج")، وحتى إنْ كان الفعل مجرد فعل من الأفعال الرابطة أو الناقصة.
والمسند إليه هو المرفوع الوحيد ولا مرفوع سواه اللهم إلا رفعاً عشوائياً وفى مواضع قليلة يسهل الإلمام بها.
وعلى الجانب الآخر، منطقياً وتحليلياً وليس مكانياً، نجد فى "قلب" دائرة ما يسمى بمنصوبات الأسماء، وفى مقابل المسند إليه (الفاعل) مباشرة، عنصر الجملة الذى نسميه بالمفعول به، والذى يدخل مع المسند إليه فى علاقة مخالفة فى الوظيفة النحوية (المؤثر والمتأثر بالفعل المتعدى)، وكذلك فى علاقة مخالفة إعرابية تتمثل فى رفع المسند إليه (الفاعل) مقابل نصب المفعول به. وهذا الأخير هو المنصوب، عن كل حق، بحكم المخالفة النحوية وبالتالى الإعرابية.
ويبقى ضمن دائرة ما يسمى بمنصوبات الأسماء (وهى بمثابة جملة تأتى فى شكل من أشكال تحقيقها فى حالة النصب بالإضافة إلى الألفاظ المبنية أو التراكيب المتعددة الألفاظ فى أشكال أخرى لا تقبل الإعراب بطبيعتها) عنصران هما عنصر الجملة الذى نسميه الظرف، وعنصر الجملة الذى نسميه المتمم (متمم الفاعل ومتمم المفعول المباشر). ويجيب الظرف على أسئلة متنوعة موجهة إلى الحدث: أين حدث، ومتى، وكيف، ولماذا، إلخ إلخ .. ولهذا فإنه لا ينبغى أن يقتصر على المكان والزمان، فهو بالأحرى "وعاء" واسع لكثرة مما يسمى بمنصوبات الأسماء.
ويأتى الظرف كعنصر إجبارى (ظرف المكان وقليلاً الزمان) فى نموذج للجملة مع الأفعال الناقصة، وفى نموذجين مع الأفعال المستخدمة متعدية: نموذج مع المتعدى إلى مفعول واحد ونموذج مع المتعدى إلى مفعولين.
أما العنصر الذى نسميه المتمم فمنه متمم الفاعل وهو متمم إجبارى للمسند إليه (الفاعل) فى نموذج بعينه للجملة مع الأفعال الناقصة، ومنه متمم المفعول به وهو متمم إجبارى للمفعول (المباشر) فى نموذجين للجملة أحدهما بمفعول واحد والآخر بمفعولين.
وهذا التقسيم الخماسى تحليلياً لعناصر الجملة ينطلق من فكرة الجوانب الأكثر جوهرية وإجبارية فى النماذج الأساسية للجملة، وهى جوانب تتعلق بالحدث وزمانه أى: الفعل، بالإضافة إلى جوانبه الفاعلية والمفعولية والظرفية وإتمام الفاعل أو المفعول به. والحقيقة أن عناصر الجملة والنماذج الأساسية للجملة والنماذج الفرعية التى تنشأ من تنوعات أشكال تحقيق كل عنصر من عناصر الجملة، تُعَدُّ من أنضج ثمار النحو الجديد أو الثورة النحوية الراهنة فى اللغة الإنجليزية وفى لغات أخرى، كما أنها قابلة للتطبيق على كل نحو فى كل لغة مع أخذ السمات الخاصة والنوعية لكل لغة وبالتالى لنحوها فى الاعتبار.
وعلى أساس هذا التقسيم الخماسى لعناصر الجملة، وبافتراض تكرار عنصر المفعول به فى حالة التعدى إلى مفعولين فى الجملة البسيطة، وبصرف النظر عن تكرار أية عناصر اختيارية فى الجمل، نتوصل إلى النماذج الأساسية التالية للجملة العربية، وإذا حذفنا المسند إليه (الفاعل) تبقى لدينا النماذج الأساسية للمسند (الخبر):

النموذج مثال
1: الفاعل + الفعل اللازم: الطفل بكى، أو: غرق محمود.
2: الفاعل + الفعل الناقص + متمم الفاعل: أ: حسين كان مستنيرًا.
+ متمم الفاعل: ب: حسين كان رجلا.
3: الفاعل + الفعل الناقص + الظرف: هند كانت فى المكتبة.
4: الفاعل + الفعل المتعدى + المفعول به: عزة تحب هنداً.
5: الفاعل + الفعل المتعدى + المفعول + متمم المفعول: أ: عزت ظن محمداً كريمًا.
+ متمم المفعول: ب: عزت ظن محمدًا طبيباً.
6: الفاعل + الفعل المتعدى + المفعول + الظرف: عزت ظن الحفل فى البيت.
7: الفاعل + الفعل المتعدى + مفعولان: أعطى حسن حساماً الكتاب.
8: الفاعل + الفعل المتعدى + مفعولان + متمم المفعول: أ: أعطى حسن حُساماً الكتابَ جديداً.
+ متمم المفعول: ب: أعطى حسن حُساماً الكتابَ هديةً.
9: الفاعل + الفعل المتعدى + مفعولان + الظرف: أعطى حسن حُساماً الكتاب فى موعده.
وبأخذ أشكال تحقيق كل عنصر من هذه العناصر فى الاعتبار تتبلور أمامنا خريطة معقدة من عشرات النماذج الفرعية للجملة العربية. غير أنه من الجلى أنه لم يكن بوسع هذا المقال أن يتجاوز مناقشة بالغة الإيجاز، إلى حدّ تلغرافى، لبعض وليس لكل القضايا الملحة التى يثيرها تطوير النحو العربى فى عصر صار يستحيل فيه مجرد بقاء هذه اللغة بدون تحقيق التطوير الجذرى المنشود.










الملحق 3
لويس عوض والبحث عن أصل اللغات
"حول مقدمة فى فقه اللغة العربية"

لا يدهشنا أبدا-أو لا يدهشنا كثيرا- أن يمتد البحث العلمى الموسوعى للدكتور لويس عوض ليشمل اللغة بوجه عام، أو اللغة العربية بوجه خاص.
لا يدهشنا هذا رغم أن البحث العلمى اللغوى كان شيئا نادرا بين كبار الأدباء والمفكرين والعلماء فى جيل لويس عوض، وفى أجيال أخرى قبله وبعده.
وعلى سبيل المثال الصارخ فإن طه حسين، وهو المثل الأعلى للأدب العربى والفكر العربى، كان رغم إتقانه معرفة علوم ومسائل اللغة، ورغم رعايته وتشجيعه لجهود البحث العلمى الحر فى اللغة العربية وعلومها، ورغم إسهامه البارز؛ بل الاستثنائى مع الأجيال الأولى من الأدباء والمفكرين والعلماء فى القرن العشرين فى تطويع اللغة العربية للتعبير عن الثقافة العربية الحديثة؛ لم يكن له أى إسهام علمى مباشر فى مجال اللغة، كذلك فإن العقاد، رغم دوره الذى لا ينكر مع غيره فى تحديث اللغة العربية، لم يقدم أى إسهام علمى لغوى.
ورغم هذه القاعدة العامة هناك أفق واسع ولكنْ إسهام محدود لأمين الخولى فى مجال النحو العربى، ويبرز اسم إبراهيم مصطفى فى هذا المجال، وقد كان العقل النحوى المفكر وراء محاولة مجمع اللغة العربية بالقاهرة (عندما كان ما يزال رافعة من روافع تطوير علوم اللغة العربية) بالتعاون مع وزارة المعارف المصرية فى منتصف القرن العشرين لتطوير وتحرير النحو العربى، تلك المحاولة البالغة الأهمية لكن التى فشلت فى نهاية الأمر تحت الضربات المتلاحقة من جانب أعداء تطوير النحو العربى بالذات ولكنْ أيضا، بسبب نقاط ضعفها، ويسطع اسم إبراهيم أنيس كمثال نادر فى البحث اللغوى الذى توجته إنجازات علمية فذة فى عدد من علوم اللغة العربية.
أما جهود الأكاديميين فى مجال علوم اللغة فقد ظلت -كقاعدة عامة- داخل إطار قاس من الاجترار الكسول لنقاط ضعف تراثنا مع تفادى أو محاربة نقاط قوته، ومن العرض التعليمى للعلوم اللغوية قى الغرب، ووضع هذا وذاك فى علاقة تجاور جامدة، رغم استفادات شتى بشرط ألا تنال من أسطورة اللغة العربية المقدسة وألا تحاول أن تطبق عليها القوانين اللغوية التى تنطبق على اللغات "الأخرى" فلا تمس العربية!
مع كل هذا، لا يدهشنا كثيرا أن يشمل لويس عوض مجال اللغة أو اللغة العربية بإنتاجه الموسوعى، هذه طبيعة موسوعيته فى عصر أو قرن كان قد سار فيه البحث اللغوى محور محاور نظريات ومذاهب الفكر والفلسفة.
على أنه "يبدو" من المدهش حقا أن يكون نوع البحث اللغوى، الذى استطاع أن ينتزع لويس عوض من اهتماماته الفكرية والنقدية الكثيرة الأخرى، هو فقه اللغة، وبالأخص علاقة اللغة العربية بمسألة أصل مشترك للغات السامية والحامية واللغات الهندية الأوروﭙية وربما غيرها.
فكيف نفسر هذه العودة المباشرة إلى القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، إلى التركيز على الفيلولوچيا، ومجموعات اللغات، وأصل اللغات، بعد أن كان العلم اللغوى فى الغرب قد تحرك مبتعدا وظل مبتعدا طوال القرن العشرين عن ذلك التركيز الفيلولوچى؟
وهناك بالطبع تفسير جاهز، إنه الكيد للإسلام والعربية! على اعتبار أن هذا النوع من البحث الفيلولوچى هو المجال الطبيعى لبحث مسألة أن تكون اللغة العربية، كغيرها من اللغات، جزءًا لا يتجزأ من تفاعل لغوى هائل قد يقتصر على مجموعات لغات بعينها أو يمتد ليشمل كل لغات الأرض.
على أن هناك مجالا لتفسير أكثر إنصافا وأكثر موضوعية، وإذا كان مذهب تقديس اللغة العربية وعلومها قد حكم على هذه العلوم بالجمود الأزلى بعيدا عن إنجازاتها الكبرى فى أزهى عهود الحضارة العربية الإسلامية، فقد تمثل الواجب الإلزامى فى أن يجدّ السعى بحثا عن أسباب لتطوير علومنا العربية التى تخلفت بصورة فادحة عن العلم الغربى، فى إطار اللحاق والتعويض وسدّ الفجوة، وكان من المنطقى أن يكون من هذه الأسباب -بين أشياء أخرى- ضرورة العودة إلى علم لغوى تفادينا وحاربنا تأثيره فى علومنا اللغوية طوال القرن العشرين، وهو علم اللغة التاريخى أو المقارن أى فقه اللغة، وهكذا جاءت محاولة لويس عوض لتطبيق نتائج هذا العلم على اللغة العربية، أو بالأحرى محاولته لاستكمال هذا التطبيق الذى بدأه وطوّره العلم اللغوى الأوروپى، فى وقتها، خاصة عندما بدا ("بدا" فقط للأسف!) أن ثقافتنا العربية الحديثة صارت أنضج نسبيا للدخول فى مثل هذا الحوار العلمى عبر اللغوى حول لغتنا لتطوير علومها بدلا من تقزيمها باسم التقديس والتكريم والحماية والصون!
وهناك مدخل آخر إلى العودة أو ما يشبه العودة إلى مسألة أصل اللغات، ويتمثل هذا المدخل فى أحدث إنجازات علم الآثار، فقد أعطت هذه الإنجازات دفعة جبارة للعودة إلى بحث أصول اللغات الهند-أوروﭙية من حيث الإطار الزمنى لهذه المسألة ومن حيث النماذج المتنوعة للانتشار، وينطبق الشيء نفسه على مسألة أصول كل مجموعة من مجموعات اللغات الأخرى مع تقدم أبحاث ونتائج وإنجازات علم الآثار فى مناطق هذه اللغات، غير أن هذه الإنجازات أعطت دفعة جبارة أيضا لمسألة الأصل الأول المشترك أو الأصول الأولى المشتركة لكل اللغات التى عرفتها البشرية، ذلك أن علم الآثار يتجه فى العقود الأخيرة إلى حسم فرضية ظهور الإنسان العاقل أو الأحدث homo sapiens sapiens (وليس الإنسان العاقل أو الحديث homo sapiens وهو السلف المباشر للإنسان الأحدث) منذ حوالى أربعين أو خمسين أو مائة ألف سنة، فى منطقة واحدة من العالم بلغة واحدة، ثم انتشار هذه اللغة مع انتشاره لإنشاء مواطن جديدة فى مختلف أنحاء العالم تقوم فيها مجتمعات الصيادين-جامعى الثمار ، وهى المواطن والمجتمعات التى انتشرت إليها فيما بعد مجموعات لغات مثل مجموعة اللغات الهند-أوروﭙية جنبا إلى جنب مع انتشار الحضارة الزراعية، يتجه علم الآثار فى العقود الأخيرة إلى حسم هذه الفرضية وإحلالها نهائيا محل فرضية ظهور هذا الإنسان (الأحدث) فى مناطق متعددة بلغات مختلفة.
وتتمثل الفكرة الجوهرية فى كتاب "مقدمة فى فقه اللغة العربية" فى فرضية أو نظرية الأصل الواحد المشترك للمجموعات اللغوية السامية والحامية والهندية الأوروﭙية والطورانية وربما غيرها - كما قال: إنها فكرة أن مجموعات اللغات هذه إنما هى الفروع الرئيسية لشجرة واحدة أسبق منها جميعا، ولم يقل الكتاب مطلقا إن العربية فرع من اللغات الهندية الأوروﭙية، كما جاء فى تقرير مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر أو كما جاء فى نص الحكم القضائى بتأييد ضبط الكتاب ومنع توزيعه.
ويقع هذا الكتاب الضخم فى قسمين: الأول - ويمثل رُبْع حجمه تقريبا - مخصص لعرض الفكرة الجوهرية السابقة بالإضافة إلى قضايا كثيرة اعتقد لويس عوض أنها ضرورية فى سياق عرض نظريته، أما أنا فأعتقد أن عشرات الصفحات فى هذا القسم الأول الذى يزيد قليلا على المائة صفحة، وهو القسم النظرى، تبددت حول موضوعات شتى لا تتصل مباشرة بموضوع الكتاب وكان بوسع لويس عوض أن يَفْصلها، مكرسا تلك الصفحات لمزيد من العرض السلس للمسألة التى كانت تحتاج إلى المزيد من القول حتى يكون العرض سلسا وناجحا ومنتجا، أما القسم الثانى، أى ثلاثة أرباع الكتاب، فإنه يعرض القوانين الفونولوچية للتغيرات الصوتية للألفاظ ذات الدلالة المشتركة فى مجموعات لغوية متعددة، ويطبق هذه القوانين على مادة فونولوچية غزيرة تشمل مجموعات اللغات المعنية بكثرة من لغاتها الحية والميتة.
وليس المقصود هنا تقييم أفكار واستنتاجات وفرضيات ونظريات وتطبيقات "مقدمة" لويس عوض، فهذه مهمة بعيدة عن اهتماماتى اللغوية المباشرة التى تنحصر فى النحو العربى تقريبا كما أنها فوق طاقتى، والحقيقة أن هذه المهمة تحتاج إلى كوكبة من العلماء المتخصصين فى علوم التاريخ والثقافة واللغة أو إلى عبقرية تضارع عبقرية لويس عوض.
المقصود هنا بالأحرى هو الإمساك بالفكرة الجوهرية التى قدمها الكتاب أى فكرة الأصل المشترك لمجموعات اللغات المعنية، فى سبيل استكشاف آفاق توسيع محتمل لنطاق تطبيق هذه الفكرة، ربما ليشمل كل اللغات على وجه الأرض.
وتتسلسل عناصر الفكرة الأساسية لمسار "توالُد" اللغات فى "المقدمة"، على أساس منجزات الفيلولوچيا الأوروپية وفرضياتها، على النحو التالى:
أولا: تتراكم المعطيات الفيلولوچية والفونولوچية فتكشف عن وجود معجم مشترك ضخم بين مجموعة كبيرة من اللغات، ومعجم آخر لمجموعة أخرى، إلخ وهكذا تكتشف الفيلولوچيا كثرة من مجموعات اللغات التى قد تشمل المجموعة الواحدة منها مئات اللغات الحية والميتة، ومن هذه المجموعات تلك المسماة بالسامية والحامية والهندية الأوروپية وهى المجموعات التى يركز عليها الكتاب.
ثانيا: مع المزيد من تراكم هذه المعطيات يتضح للفيلولوچيا أن الأمر لا يقتصر على المعجم الضخم المشترك بين لغات المجموعة الواحدة كالمجموعة الهندية الأوروپية، إذ تكتشف وجود معجم مشترك ضخم بدوره بين المجموعات المعنية هنا، أى أن المسألة لم تعد مسألة لغات أصلية تنحدر من كل منها مجموعة لغات بل صارت مسألة لغة أصلية تنحدر منها تلك اللغات "الأصلية".
ويتمثل دور "المقدمة" فى العمل على تحويل هذه الفرضية التى قدمها العلم الغربى إلى نظرية تقوم على القوانين اللغوية، وكذلك فى إدخال اللغة العربية فى قلب هذا التفاعل اللغوى التاريخى الهائل الذى يتجاوز مجموعات اللغات المعنية.
ثالثا: تتكشف أمام الفيلولوچيا آفاق أرحب تعود بنا إلى ظهور الإنسان العاقل، ويتحدث الكتاب عن مذهبيْن فى العلم الغربى: ظهوره فى مناطق متفرقة من العالم أو ظهوره فى منطقة واحدة. ولأن ظهور الإنسان العاقل إنما كان بلغته فإن العلم الغربى يشتمل على مذهبيْن بهذا الصدد: ظهور لغات متعددة فى مناطق متعددة أو ظهور لغة واحدة للإنسان العاقل فى المنطقة الواحدة التى ظهر فيها أولا. ويؤيد لويس عوض مذهب ظهور الإنسان فى منطقة واحدة ومذهب ظهور اللغة الواحدة فى تلك المنطقة، ويشير لويس عوض إلى أن مذهب المنطقة الواحدة واللغة الواحدة: "يقول بأن المجموعات اللغوية القديمة والحديثة، كأجناس البشر قديمها وحديثها، تنحدر فى نهاية الأمر من منبع واحد، وأن هناك شجرة واحدة للغات الأرض كل ما هناك من لغات هى فروع لها وأغصان". ومن الجلى أنه يؤيد هذا المذهب على اعتبار أنه "الخط العلمى” فى مواجهة خط علم الأجناس والأعراق والعنصرية.
ونعرف بطبيعة الحال أن مدار بحث لويس عوض فى "المقدمة" لا يتمثل فى فرضية الأصل الواحد لكل لغات الأرض (وهو يؤيدها دون توسع فى المناقشة) بل يتمثل فى فرضية أو نظرية الأصل المشترك للمجموعات المسماة بالسامية والحامية والهندية الأوروپية.
كما أن من الجلى أن حديثه هنا عن الإنسان العاقل أو الحديث Homo sapiens وليس عن الإنسان العاقل العاقل أو العارف العارف أو الأحدث Homo sapiens sapiens، فالإنسان الذى يتحدث عن ظهوره فى منطقة واحدة بلغة واحدة هو الإنسان النياندرتالى أى السلف المباشر للإنسان الأحدث وهو الإنسان الكرومانيونى. ولا جدال فى أن المعلم العاشر كان يقصد هذا الإنسان الأحدث بدليل أنه يتحدث عن الإنسان الحالى ويشير إلى أن أرسطو يسميه بالحيوان الناطق، ولو أن لويس عوض كان قد اطلع على مراجع ربما كانت حديثة جدا فى زمن تأليف "المقدمة" وتوجز إنجازات علم الآثار فى العقود الأخيرة من القرن العشرين لكان بوسعه أن يتحدث عن الإنسان الأحدث باسمه وعن لغته الأحدث أى اللغة كما نعرفها language-as-we-know-it وليس عن ظهور أو لغة الإنسان العاقل أو النياندرتالى.
وإذا كانت علوم الآثار والأنثروپولوچيا والثقافة قادرة على أن تعيد بناء صورة للإطار المكانى والزمانى لنشأة وتطور وانتشار الإنسان الأحدث فإنها تظل عاجزة عن أن تقول لنا أى شيء عن هوية تلك اللغة أو اللغات، وإن كان بمستطاعها أن تقول لنا الكثير عن الخصائص الجوهرية للغة المتطورة التى تتلاءم مع أنماط سلوك الإنسان الأحدث كما تكشف ثقافته المادية، وهى بالضرورة لغة مفاهيم رمزية معقدة وتفكير مركب متطور، بعيدا عن بساطة وبدائية لغة أسلافه بما فى ذلك سلفه المباشر، أى الإنسان العاقل أو النياندرتالى. أما علم اللغة التاريخى فإن بمستطاعه أن يشمل بدراساته الفيلولوچية والفونولوچية وإحصاءاته المعجمية مختلف المجموعات اللغوية على وجه الأرض من خلال البحث المباشر للغة التى تُعَدّ نموذجا لكل مجموعة منها، ويمكنه من ثم أن يكتشف ويحسم مسألة ما إذا كانت الإحصاءات المعجمية الشاملة تؤيد أو لا تؤيد فرضية الأصل الواحد لكل لغات الكوكب، غير أن هذا العلم لا يستطيع بالبداهة أن يضع معطياته الفيلولوچية فى إطار كرونولوچى صارم.
ورغم سوء التفاهم المنطقى القائم بين علوم موضوعها الثقافة المادية للإنسان وعلوم موضوعها اللغات المنطوقة أو المكتوبة على الحجر أو الطين أو الجلد أو الورق أو السيليكون فإن الفرضية العقلانية تتمثل فى أن اللغة أو اللغات التى ظهرت مع الإنسان الأحدث وانتشرت مع انتشاره واستقرت مع استقراره هى الأصول الأولى السحيقة القدم لكل اللغات التى عرفها العالم الحديث خلال الآلاف الأخيرة من السنين وإلى يومنا هذا.
ومادمنا إزاء اتجاه علم الآثار إلى حسم نشأة هذا الإنسان فى منطقة واحدة من العالم ثم انتشاره منها وإلى رسم مسار هذا الانتشار بصورة كرونولوچية، ويفترض هذا - بطبيعة الحال - اللغة الواحدة للبشر، يكون بوسعنا أن نفترض انطلاقا من علم الآثار وحده (إذا صحت أحدث إنجازاته واكتملت وعود إنجازاته اللاحقة) أن كل اللغات طوال تاريخ الإنسان الأحدث، منذ ظهوره إلى الآن، إنما هى - مهما كانت الحلقات الوسيطة المحتملة ومهما كانت تشكلات المجموعات واللغات واللهجات - استمرار محوَّر بصورة تاريخية بالغة التعقيد، من خلال تواصل التمايزات والاندماجات والتفاعلات اللغوية، من خلال نماذج شتى بالغة التعقيد بدورها، ذلك أنه لا مجال لافتراض أن الإنسان، فى زمان ما، فى مكان ما، نسى لغته تماما، وابتكر لغة جديدة تماما لا صلة لها باللغة التى ترجع إلى زمن نشأته كإنسان.
ومادام الإنسان الأحدث، بلغته الأحدث، حديثا إلى هذا الحد، مجرد عشرات الآلاف من السنين [50 أو 100 أو 150 ألف سنة]، فإن تجربة استمرار لغات ما تزال حية منذ آلاف السنين أو لغات أخرى عاشت آلافا من السنين قبل موتها، تلقى الضوء على حقيقة بسيطة وهى أن استمرار اللغات عشرات الآلاف من السنين أى منذ نشأة الإنسان الأحدث أمر يسهل تصوره، رغم أن الاستمرار يتحقق عبر التغيرات المتواصلة، ورغم أن موت لغة، كاللغة المصرية القديمة، لا يعنى انقطاع صلة اللغة اللاحقة باللغة الميتة ولا باللغات التى كانت هذه اللغة قد حلت محلها فى الماضى، فالموت والحياة ليسا هنا سوى التغير، ليسا سوى التغير اللغوى.
ومهما يكن من شيء، مهما تكن هذه الفرضيات صحيحة أو خاطئة، فإن ما ينبغى أن نضعه نصب أعيننا هو إخضاع كل الظواهر (ومنها اللغة العربية بحقائقها وأساطيرها) للبحث العلمى الحر. وبدلا من تقديس اللغة العربية، وهو تقديس تمثلت ثماره المرة دائما فى الإضرار الفادح بها وبعلومها، انطلاقا من أيديولوچيا سياسية دينية لغوية بعينها تسيطر على مجتمعنا ودولتنا، وكذلك على من يتمردون عليهما تحت هذه الراية نفسها، ينبغى رفع مختلف القيود التى تكبل تطور اللغة العربية كلغة وكعلوم لغوية.
وهناك حقيقة بسيطة لم يحسب حسابها أحد؛ لا مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر، ولا مباحث أمن الدولة، ولا نيابة أمن الدولة، ولا محكمة جنوب القاهرة الابتدائية، ولا القانون المصرى ولا الدستور المصرى (بنصوصهما المقيدة لأبسط الحريات)، ولا رشاد رشدى، ولا السادات، ولا كل من تآمروا ضد كتاب "مقدمة فى فقه اللغة العربية"... هذه الحقيقة البسيطة هى أن إجراءات ضبط أو منع توزيع أو مصادرة كتاب هى قبلة الموت لهذه الإجراءات ذاتها وللقوانين التى تستند إليها، إذ أنها الضمانة الأولى لإشعال الطلب على الكتاب، ومضاعفة قرائه، ونشر أفكاره، وتجنيد أنصار جدد لتحرير البحث العلمى الحر من كل القيود التى تخنقه فى بلادنا، ومع ذلك، مع اعترافى بالفوائد السبع لضبط ومصادرة الكتب، أضم صوتى إلى أصوات كل المطالبين بالأفراج عن "مقدمة فى فقه اللغة العربية"، وعن الحرية.




الملحق 4
معجم جديد
لتصريف الأفعال العربية

هذا معجم من نوع جديد.. فهو لا يُعْنَى بدلالات الفعل بل يصبّ كل اهتمامه على التصريف "العملىّ" للفعل العربى، أىْ إسناد الأفعال إلى كافة الضمائر فى كافة أزمنة وحالات التصريف.
والواقع أن اللغات التى يمثِّل تصريف الأفعال صعوبة من صعوباتها الرئيسية كلغاتٍ (اللغة الفرنسية على سبيل المثال) قد توصلت إلى أسلوب عصرىّ فى حلّ هذه الصعوبة وذلك عن طريق إعداد هذا النوع الجديد من المعاجم. ومن المنطقى أن ينقسم هذا النوع من المعاجم إلى قسمين:
1: قسم لوحات تصريف الأفعال النموذجية: وهى تغطِّى كافة الأزمنة فى كافة الأساليب النحوية مع كافة الضمائر، وهى مرقَّمة بأرقام مسلسلة.
2: قسم الأفعال: ويشتمل على قائمة بأفعال اللغة المعنيّة مرتَّبة ترتيبا هجائيا وأمام كل فعل منها رقم اللوحة التى يجرى تصريفه على غرارها، الأمر الذى يحرِّر دارس اللغة ومستعملها (فى الكتابة والقراءة والكلام) من تعقيد القواعد وقصور الذاكرة ويجعل من السهل اليسير عليه أن يكشف عن تصريف أىّ فعل مع الضمير المطلوب فى الزمن المطلوب والحالة المطلوبة فى غضون لحظات.
وأبادر إلى تأكيد أن هذا النوع من المعاجم ليس ترفا تطمح إليه كل لغة إطلاقا مهما يكن تصريف الفعل فيها سهلا يسيرا. والحقيقة أن لغات كثيرة هى فى غِنًى عن مثل هذا المعجم (اللغة الإنجليزية عى سبيل المثال). إنه يصبح ضرورة عندما يكون تصريف الأفعال صعوبة كبرى من صعوبات اللغة (كما رأينا فى حالة اللغة الفرنسية). على أنه لابد – لكىْ يكون فى المستطاع تحقيق هذه الضرورة تحقيقا عمليا – من سمة القياسيّة والانتظام (وهى سمة يبدو أن كافة اللغات المتطورة تتميز بها).
هل تجد لغتنا العربية نفسها أمام صعوبة من هذا النوع؟ وهل تملك من السمات والخصائص ما يجعل حلّ هذه الصعوبة بمثل هذه الطريقة أمرا ممكنا وعمليا؟ وبعبارة واحدة: هل الضرورة قائمة وهل القياس قائم أيضا؟
والأمر الذى لا جدال فيه هو أن تصريف الفعل فى لغتنا العربيّة يمثل صعوبة كبرى من صعوباتها بل يمثل الصعوبة الكبرى فى كامل صرفها العلمى والعملى. وإذا حُلَّتْ هذه الصعوبة تكون العربية قد حَلّتْ جانبا خطيرا من جوانب صعوبتها كلغة، وبالأخص فى مجال الصرف والتصريف (والتصريف أصل فى الأفعال فرع فى الأسماء كما أن الإعراب بعكس ذلك أصل فى الأسماء فرع فى الأفعال – كما يقول العلماء). وتنشأ هذه الصعوبة من الكثرة الهائلة فى حالات تصريف الفعل العربى بسبب تعدد أبوابه فى الثلاثى وتعدّد أوزانه فى غيره، وبسبب تعدّد أحوال الأفعال من حيث الحروف التى تتكون منها (السلامة والهمز والتضعيف والاعتلال بكافة أنواعه).. ويؤدى كل هذا إلى كثرة الجذور التى تُستخدم مع ضمائر الرفع المتّصلة وحروف المضارعة بالإضافة إلى كثرة الضمائر التى تُسند إليها الأفعال. وهكذا تكثر الحالات النموذجية وتكثر الأشكال التصريفية لكل حالة منها. ولا يخفى أن المعجم الذى نحن بصدده يحلّ هذه الصعوبة حلا جذريا، كما سوف نرى بشيء من التفصيل.
ويؤدى بنا كل ما سبق إلى تقرير أن ضرورة هذا النوع من المعاجم فى ضوء الصعوبة الكبرى التى يمثّلها تصريف الفعل العربى ضرورة لا جدال فيها. وينقلنا هذا إلى النقطة الثانية: هل تحقيق هذه الضرورة أمر عملىّ؟ هل تملك العربية من السمات ما يجعل تحقيق هذه الضرورة أمرا عمليا؟ هل القياس قائم وشامل فى مجال تصريف الفعل العربى؟
والواقع أن السمة المميِّزة لتصريف الفعل العربى هى الانتظام والقياس بصورة شاملة. ومع ذلك يحيط الكثير من الإبهام والشكّ وسوء التفاهم بهذه السمة الحيوية، رغم أن لغتنا العربية تتميَّز بها وتتفوَّق فيها من نواح معيَّنة، ورغم أن هذه السمة قائمة بحكم الضرورة فى كل لغة متطورة.
وهناك وَهْم سائد (يتردّد صداه حتى فى كتب الصرف) مؤدّاه أن الفعل الثلاثى (وهو الأساس والأصل فى الفعل العربى كله) سماعىّ وليس قياسيًّا. والحقيقة أن منشأ هذا الوهم يرتبط ارتباطا وثيقا بالخلط الفظ بين تعدّد الأوزان وما يسمى بالسماع. ولا ينبغى أن نفهم تعدّد الأوزان فى الثلاثى (أضرب وأبواب الثلاثى) وغير الثلاثى، على أنه ضد القياس، فالقاعدة القياسية المطردة تحكم كل وزن من حيث الدلالة الواسعة، وبالأخص من حيث التصريف مع كافة الضمائر فى كافة الأزمنة والحالات. ولا معنى لأن نصف بالسماع (الذى يعنى الشذوذ على القاعدة المطردة) كلَّ تعدّد فى الأوزان (رغم أنه تعدّد محكوم قياسيًّا فى كل وزن من الأوزان). ومثل هذا الوهم يفترض وضعا خياليا غريبا تنسبك فيه أفعال اللغة على وزن "حديدىّ" واحد، لا يتغير ولا يتبدل، وهذا الافتراض ذاته سخيف من أصله، فتعدّد الأوزان تفرضه ضرورات أخرى، صوتية ودلالية، ومن هذه الضرورات ميْل لغتنا إلى تخصيص وزن واحد لدلالة عامة واحدة أو لمجوعة من الدلالات العامة المتقاربة. والحقيقة أن اللغة العربية تتباهى بسمة الانتظام والقياس فى تصريف الفعل على لغات معاصرة كثيرة بلغت أوج تطورها. وعلى سبيل المثال فإن الجذر المشترك فى كافة تصريفات الفعل العربى شامل لكافة أفعال هذه اللغة، ولَئِنْ كانت هذه القاعدة عامة فى اللغات إلا أن مئات الأفعال تشذ عليها فى لغات كثيرة (ما يسمى بالمجموعة الثالثة فى اللغة الفرنسية، وقرابة عددها فى الإنجليزية، والكثير من أفعال اللغة الألمانية فى حدود معرفتى المحدودة ببعض خصائصها). وعلى سبيل المثال يعطى الفعل الماضى "ذَهَبَ" المضارع "يَذْهَبُ" والأمر "اِذْهَبْ" ويظل هذا الجذر المشترك "ذهب" ماثلا فى كافة تصريفاته مع تغيُّر طفيف (قياسىّ بدوره) فى حركة أوّله وآخره (وأحيانا وسطه) فلا يتغيَّر سوى ضمائر الرفع المتصلة فى الماضى وحروف المضارعة (وياء المخاطبة وألف الاثنين وواو الجماعة ونون النسوة) [أىْ ضمائر الرفع البارزة المتصلة] فى المضارع وألف الوصل (الاتِّكاء) فى الأمر. وهذا أمر تشذّ عليه مئات الأفعال فى كل من الفرنسية والإنجليزية على سبيل المثال. ولا يمكنك أن تجد فى اللغة العربية فِعْلا متصرِّفا واحدا يعطيك أشكالا متنوعة لا يُلْحَظ فيها جذر مشترك ثابت أو حتى مرتبط بصورة واضحة جليّة بالأصل كما تفعل عشرات الأفعال فى اللغة الفرنسية مثلا عندما تعطى جذورا متنوعة لا صلة ملحوظة بينها للفعل الواحد فى الأزمنة البسيطة المتعددة التى تكثر فى تلك اللغة.
ويعود بنا كلّ ذلك إلى معجم التصريف الذى اتَّضح لك الآن، بمزيد من الوضوح، مدى ضرورته ومدى إمكانيته العملية، فالضرورة نابعة من العقبة الكأداء التى يمثِّلها التصريف اعتمادا على الذاكرة أو البحث المضنى فى المراجع، والإمكانية العملية لحلّ هذه الصعوبة نابعة من سمة القياس التى تحكم مجال تصريف الفعل العربى بعيدا عن الأوهام المنتشرة عن السماع المسيطر فى الفعل الثلاثى بالذات.
وهذا المعجم (معجم تصريف الأفعال العربية – الذى قام بإعداده الأستاذان حسن بيومى وأحمد الشافعى وكاتب هذه السطور) يشتمل (على النحو الذى أشرتُ إليه آنفا) على قسم اللوحات المرقَّمة بأرقام مسلسلة وقسم الأفعال المرتَّبة ترتيبا هجائيا والتى يحمل كل فعل منها رقم اللوحة التى يتصرَّف على غرارها. وقبل أن نصف هذين القسمين وعناصرهما المكوِّنة بصورة وافية نشير إلى أن واضعى المعجم أرادوا أن يعتمد معجمهم التصريفىّ على الأفعال التى حقَّقها مرجع لغوى رفيع الشأن فاعتمدوا فى ذلك على المعجم الوسيط الذى أصدره مجمع اللغة العربية بالقاهرة.
وننتقل إلى وصف المعجم ونبدأ بالقسم الأول أىْ قسم لوحات تصريف الأفعال النموذجية:
يعرف القارئ أن الفعل الثلاثى (المجرَّد) هو أساس وعماد وأصل الفعل العربى فهو يكوِّن مع مزيده (أىْ الرباعى والخماسى والسداسى من أصل ثلاثى) الأغلبية الساحقة من أفعال اللغة العربية، ولا تبقى سوى نسبة ضئيلة للفعل الرباعى (المجرَّد) ومزيده (أىْ الخماسى والسداسى من أصل رباعى) وملحقاته (ذات الأصل الثلاثى).
وإذا نظرنا إلى الفعل الثلاثى المجرَّد من حيث حركة عينه فى الماضى والمضارع (أضرُب وأبواب الثلاثى) من ناحية، ومن حيث حروفه أىْ من حيث السلامة والهمز والتضعيف والاعتلال، من ناحية أخرى، فإننا نصل إلى ما يربو على مائة حالة تصريفية للسالم والمهموز والمضعَّف والمعتلّ الواوى واليائى (فى المثال والأجوف والناقص) والأفعال التى تشكو من أكثر من علّة واحدة (بالمعنى الواسع للاعتلال الذى يمتدّ ليشمل المهموز والمضعَّف). وهكذا تأتى لوحات الثلاثى أوَّلا (101 لوحة) تتبعها لوحات مزيد الثلاثى (35 لوحة) وتأتى فى النهاية لوحات الرباعى ومزيده وملحقاته (9 لوحات).
ولوحة التصريف عبارة عن تصريف كامل لفعل نموذجى يمثِّل كافة الأفعال المحالة إلى هذه اللوحة، مع كافة الضمائر (ضميران للمتكلم، وخمسة للمخاطب، وستة للغائب = 13 ضميرا) فى الماضى، والمضارع المرفوع والمنصوب والمجزوم، والمضارع المؤكَّد بنونىْ التوكيد (الثقيلة والخفيفة)، والأمر، والأمر المؤكَّد بنونىْ التوكيد. ولا يكتفى المعجم بتصريف الفعل فى المبنى للمعلوم بل يصرِّفه أيضا فى المبنى للمجهول (فى الماضى، والمضارع المرفوع والمنصوب والمجزوم والمؤكَّد بنونىْ التوكيد).
وتقدِّم كل لوحة قوائم بمصادر الأفعال التابعة لها وكذلك مشتقاتها وأسمائها الأخرى. وهناك عناية خاصة بالمصادر (بالأنساق التى وردت بها فى المعجم الوسيط) وبالصفات المشبهة باسم الفاعل (التى لا تكتفى اللوحة بتقديم أوزانها بل تهتمّ أيضا بتأنيثها وجمعها جمع تكسير).
أمّا قسم الأفعال فهو عبارة عن قائمة مرتَّبة ترتيبا هجائيا بأكثر من عشرين ألف فعل (أىْ الأفعال التى أوردها المعجم الوسيط) ولم يستبعد القائمون بإعداد معجم التصريف شيئا من هذه الأفعال (على أساس المأنوس وغير المأنوس بمقاييس هذه الفترة التى نعيش فيها مثلا) انطلاقا من فكرة مؤدّاها أن الفعل "حىّ" ما دام تراثنا الثقافى العظيم بكل جوانبه "حيًّا" مليئا بالحياة. وأمام كل فعل رقم أو أكثر. فالرقم الواحد يمثل رقم اللوحة كما يعنى أن الفعل يأخذ المصدر الأول فى قائمة المصادر باللوحة المذكورة، أما الرقمان فالرقم الثانى يعنى رقم المصدر (أو المصادر) الخاصة بالفعل فى ذات القائمة، أمّا الرقم الموضوع بين قوسين فيدلّ على الصفة المشبّهة التى يأخذها الفعل المعنىّ (وزنها وتأنيثها وجمعها). وأمام الفعل أيضا توضيح لنوع الفعل من حيث التعدِّى واللزوم، وقد اعتبر المعجم أن الفعل الذى ينصب مفعولا به هو الفعل المتعدِّى، فهناك الفعل اللازم (ل) والمتعدِّى (م) واللازم تارة والمتعدِّى تارة أخرى (ل، م) وكذلك المتعدى الذى يُستعمل لازما أحيانا (م، ل). ولا يتسع المجال هنا لتوضيح الاعتبارات العلمية (والعملية) الخاصة بمسألة التعدِّى واللزوم، ونكتفى بالإشارة إلى أن تحديد نوع الفعل من هذه الناحية اعتمد كليًّا على استخدامات المعجم الوسيط.
على أن معجم التصريف كان له طموح آخر. فهو لم يكتفِ بمهمته المباشرة أىْ تصريف الأفعال وتقديم مصادرها ومشتقاتها وباقى أسمائها بل قدَّم أيضا من خلال جداول واضحة منسَّقة تغطية واسعة لأشكال الأفعال (الثلاثية وغير الثلاثية) وأشكال المصادر والمشتقات (وكيف تأتى مع وضع مختلف الأبواب والعلل فى الاعتبار)، بالإضافة إلى الكثير من الإحصاءات الدقيقة للأفعال والمصادر وغيرها. ويجد القارئ أمامه - على هذا النحو – صورة مُعجمية حيّة بأشكال وأعداد مختلف الصيغ والأوزان الصرفية المرتبطة بالفعل العربى بكل صوره، كما يجد أمامه قدرا هائلا من المعطيات الصرفية التى يحتاج التوصل إليها إلى جهد شاقّ طويل فى مراجع كثيرة بل يحتاج إلى القيام بدراسات مستقلة.
ويمكننا الآن – فى ضوء الوصف الموجز السابق – أن نعبِّر عن أمل واضعى المعجم فى أن يكون "معجم تصريف الأفعال العربية" قد أسهم فى إزالة صعوبة كبرى من صعوبات اللغة العربية، وفى أن يكونوا قد أسهموا بجهد متواضع فى مجال تيسير علوم اللغة العربية وبالأخص فى مجال الصرف، وصرف الأفعال بالذات، حتى تكون مهمة تعليم اللغة العربية وتعلُّمها أيسر أمام أبنائها وغيرهم، وفى كل مراحل التعليم.
وإذا كان العصر الحديث، بكل إنجازاته التقنية، هو الذى أوجد مثل هذه المعاجم فى لغات أخرى، فإنه يدعو لغتنا إلى اللحاق فى هذ المجال بتلك اللغات، كما يدعونا – نحن العرب – إلى القيام بهذه المهمة فلا نتركها للمستشرقين الذين بدأوا فى الإسهام فى هذا المجال أيضا بأعمال تجمع بين الجهد العلمى والعملىّ الذى يستحق التقدير، والقصور الفادح الذى يستحق النقد الحازم.


الملحق 5
ثلاثة أعمدة بعنوان "لغة"
فى مجلة الإذاعة والتليڤزيون

1
اللازم والمتعدى

يقسم الفكر العربى السائد الأفعال إلى أفعال لازمة لا تتجاوز معانيها فاعلها إلى مفعول وأخرى متعدية بحرف الجر على أنها أفعال لازمة أىْ غير متعدية "وهذا ما يفعله النحو الإنجليزى أيضا بخلاف النحو الفرنسى الذى ينظر إليها على أنها أفعال متعدية".
وينظر الاتجاه السائد فى النحو العربى إلى الفعل على أنه إما لازم أو متعد "مثلا شرح ابن عقيل للألفية"، يكون لازما تارة ومتعديا تارة أخرى حسب الاستخدام فى جملة.
ويعنى هذا الموقف أن اللزوم والتعدى كامنان فى الفعل ذاته وليسا متعلقين بالاستخدام، وهذا صحيح حقا فيما يتعلق بأوزان للفعل لا تكون إلا لازمة "باستثناءات محددة". غير أن هناك أفعالا وأوزانا فعلية بالغة المرونة بحيث يواجهنا استخدامها الفعلى فى جمل بضرورة تطوير مفهوم اللزوم والتعدية فى نحونا.
ويحاول الأستاذ الكبير عباس حسن، صاحب "النحو الوافى”، الخروج من الثنائية القائلة إن الفعل يكون لازما فقط أو متعديا فقط. وفى كتابه المذكور "ص 150 وما تلاها" يتحدث الأستاذ عباس حسن عن تقسيم ثلاثى للفعل من حيث اللزوم والتعدية، فهناك أفعال لازمة دائما وأخرى متعدية دائما وطائفة ثالثة تستخدم لازمة تارة ومتعدية أخرى.
ويورد عباس حسن هذا الرأى على نحو يوحى بأن هذه الطائفة الثالثة لا تمثل غير أفعال قليلة معدودة. غير أن الواقع المعجمى يثبت أن هذه الأفعال التى تستخدم لازمة تارة ومتعدية أخرى تمثل عدة آلاف من الأفعال "حسب استخدامات المعجم الوسيط الصادر عن مجمع اللغة العربية بالقاهرة".
غير أن مسألة اللازم والمتعدى تتجاوز مجرد اعتراف فكرنا النحوى بهذا التقسيم الثلاثى بدلا من الثنائية القديمة. لقد أصبح الاستخدام الفعلى أساس تحديد اللزوم والتعدى فى الفكر النحوى الحديث وبعد ذلك يأتى العمل المعجمى الضخم الذى يغربل كافة الأفعال من حيث دلالاتها واستخداماتها ونماذجها من حيث اللزوم والتعدى.

2
المعجم فى الصرف والنحو

لاشك فى أن المعاجم الموضوعة بالاستفادة من أساليب وتقنيات القن العشرين يمكن أن تسهم إسهاما جوهريا فى مجال تيسير تعليم وتعلُّم اللغة العربية وامتلاك ناصيتها .. صحيح أن النظام التعليمى يظل مكان وأداة تحقيق هذه المهمة الكبرى، غير أن نجاح هذا النظام ذاته يشترط بدوره أدوات عمل متطورة ومنها هذه المعاجم التى نتحدث عنها هنا.
وفى العقود الأخيرة ظهرت عدة معاجم "أو كتب" تقوم على "معجمة" أو "جدولة" علوم لغوية. وتستحق كل محاولة من هذه المحاولات تناوُلا خاصا بل مستفيضا. وفى حدود المجال المحدود لهذا الحديث نشير إلى "المعجم فى الصرف" من تأليف زين العابدين حسين التونسى "1888-1977" الصادر عن الدار العربية للكتاب بالمطبعة العربية بتونس.
ويعود أصل هذا المعجم الوجيز الذى يقع فى أكثر قليلا من مائتى صفحة إلى عام 1947، عندما وضع المؤلِّف "المعجم المدرسى” وقدمه إلى الأساتذة الأجلاء وتلاميذهم "النجباء" وأعيد طبعه مرات عدة. وفى عام 1952 صدر الجزء الأول من "المعجم فى النحو والصرف"، تلاه فى عام 1953 الجزء الثانى ويتضمن المصطلحات النحوية والصرفية.
يقوم هذا المعجم على فكرة تحويل مصطلحات وقواعد النحو والصرف إلى "مواد معجمية" مرتبة ترتيبا هجائيا، بحيث يمكن لكل طالب وباحث وقارئ أن يراجع المصطلح أو القاعدة بسهولة وسرعة، فهو أقرب إلى كتاب يعرض، على نحو مبسط، قواعد النحو والصرف.
ولا جدال فى أن لهذا النوع من المعجم مبرره، كما أن بمستطاع علماء وأساتذة النحو والصرف أن يضعوا معاجم من هذا النوع بالحجم والمستوى اللذين يشاءون مع الالتزام بالدقة البالغة فى المادة العلمية والنحوية أو الصرفية، إلى جانب مراعاة كافة المقتضيات الفنية-العلمية لوضع معجم من هذا النوع.
ورغم المجهود الكبير والجديد فى هذا المعجم فإنه يعانى من عيوب من الواجب معالجتها فى سياق تطوير معجم مماثل مع تفادى أخطائه. ويمكن إجمال هذه الأخطاء فى المواد الضرورية غير الواردة، أو الواردة على نحو مبتسر، أو حيث لا يتوقعها القارئ بالضرورة ..

3
تصريف الأفعال العربية

توصلت اللغات التى يمثل تصريف الأفعال صعوبة من صعوباتها الرئيسية إلى أسلوب عصرى فى حل هذه الصعوبة عن طريق إعداد نوع جديد من المعاجم يقوم على التصريف "العلمى” للأفعال.
و من المنطقى أن ينقسم هذا النوع من المعاجم إلى قسمين:
1: قسم لوحات تصريف الأفعال النموذجية: وهى تغطى كافة الأزمنة فى كافة الأساليب النحوية.
2: قسم الأفعال: ويشتمل على قائمة بأفعال اللغة المعنية مرتبة ترتيبا هجائيا.
ومن البديهى أن هذا النوع من المعاجم ليس ترفا تطمح إليه كل لغة إطلاقا مهما يكن تصريف الفعل فيها سهلا يسيرا.
هل تجد لغتنا العربية نفسها أمام صعوبة من هذا النوع؟
الأمر الذى لا جدال فيه هو أن تصريف الفعل فى لغتنا العربية يمثل الصعوبة الكبرى فى كامل صرفها العلمى والعملى. وإذا حُلت هذه الصعوبة تكون العربية قد حلت جانبا كبيرا من جوانب صعوبتها كلغة.
وتنشأ هذه الصعوبة من الكثرة الهائلة فى حالات تصريف الفعل العربى بسبب تعدد أبوابه فى الثلاثى وتعدد أوزانه فى غيره، وبسبب تعدد أحوال الأفعال وهكذا تكثر الحالات النموذجية وتكثر الأشكال التصريفية لكل حالة منها.
وينقلنا هذا إلى النقطة الثانية: هل حل هذه الصعوبة أمر ممكن وعملى؟
والواقع أن السمة المميزة لتصريف الفعل العربى هى الانتظام والقياسية بصورة شاملة. وإذا كانت هذه السمة الحيوية قائمة بحكم الضرورة فى كل لغة متطورة، فإن لغتنا العربية تتميز بها وتتفوق فيها على لغات معاصرة عديدة بلغت أوج تطورها.
وإذا كان القرن العشرون، بكل إنجازاته التقنية، هو الذى أوجد هذا النوع من المعاجم فى لغات أخرى، فإنه يدعو لغتنا إلى اللحاق بتلك اللغات فى هذا المجال كما يدعونا - نحن العرب - إلى القيام بهذه المهمة بدلا من انتظار جهود المستشرقين الذين بدأوا فعلا الإسهام فى هذا المجال.