هنا عشت و من هذا الطريق سلكت و لأنها الحياة رحلت

الأربعاء، 9 سبتمبر، 2009

نحو عربى جديد: تقسيم الجملة الاسمية




1
تقسيم الجملة إلى اسمية وفعلية
ازدواج غريب وخاطئ

يميز النحو العربى بين نوعين من الجمل: الجملة الاسمية والجملة الفعلية. ولا تخرج جملة عربية عن هذا النوع أو ذاك من وجهة نظر هذا النحو. وللجملة الاسمية ركناها الأساسيان وهما: المبتدأ والخبر. وللجملة الفعلية بدورها ركناها الأساسيان وهما: الفعل والفاعل. وتتميز الجملة الاسمية من الجملة الفعلية بأن الأولى تبدأ باسم، بينما تبدأ الثانية بفعل.
وللوهلة الأولى يبدو هذا التصنيف للجمل موضوعيا للغاية، ووصفيا للغاية، وغير قابل للجدل. فهذه جملة بدأت باسم؛ فما وجه الخطأ فى تسميتها كما بدأت جملة اسمية، وفى أن نسمى ما بدأت به المبتدأ بحكم بداهة الابتداء به؟ فلا بأس إذن بالجملة الاسمية والمبتدأ والخبر. وتلك جملة بدأت بفعل؛ فما وجه الخطأ فى أن نسميها كما بدأت جملة فعلية، وفى أن نسمى فاعل الفعل فاعلا؟ فلا بأس إذن بالجملة الفعلية والفعل والفاعل والمفعول به.
وما دمنا نسمع أو نقرأ جملة تبدأ باسم وأخرى تبدأ بفعل، فلا مجال لإنكار أن الجملة تبدأ من الناحية العملية بفعل أو اسم. ولكننا نسمع ونقرأ جملة تبدأ بحرف، وجملا أخرى تبدأ بأشياء أخرى. ومن شأن تطوير فهم النحو العربى لأقسام الكلام، بدلا من الاقتصار على الاسم والفعل والحرف، أن يبين أن هذه الأشياء إنما هى من أقسام الكلام كالاسم والفعل والحرف، وأن يبين أن الاسم فى النحو العربى مفهوم فضفاض ينطوى على أقسام كلام أخرى (الضمير، الصفة، الظرف)، بالإضافة إلى التقسيم الواجب للحرف نفسه إلى أقسام كلام متمايزة: حروف أو أدوات الجر والنصب والعطف والتعجب. فإلى أين ينتهى بنا تقسيم الجمل حسب أقسام الكلام التى تبدأ بها؟!
وقد يبدو أن النحو العربى اختار البدء بالاسم والفعل دون غيرهما معيارا لتقسيم الجملة، ليس فقط لأن الاسم والفعل قسمان من أقسام الكلام، بل لأن الفعل - إلى جانب كونه من أقسام الكلام - مفهوم نحوى أساسى يمكن أن نسميه بالاصطلاح الحديث عنصرا من عناصر الجملة وهى: 1: الفاعل (أو المسند إليه) 2: الفعل 3: المفعول به 4: متمم الفاعل أو المفعول به 5: الظرف، ولأن الاسم - إلى جانب كونه من أقسام الكلام - هو "المبتدأ"، فهو بالتالى عنصر أساسى من عناصر الجملة لأن مفهوم المسند إليه ينطبق عليه.
وإذا كان هذا يصح على "الفعل" فهو فى المعجم قسم من أقسام الكلام، وهو فى النحو عنصر من عناصر الجملة؛ فإنه لايصح على "الاسم" فهو فى المعجم قسم من أقسام الكلام(وإنْ كان مفهوما فضفاضا ينطوى بداخله على عدد من أقسام الكلام الأخرى)، غير أنه فى النحو ليس عنصرا من عناصر الجملة. فالاسم لا يأتى "مبتدأ" فقط، بل إن الجملة المسماة بالاسمية لا تبدأ فقط "بالمبتدأ" فقد تبدأ أيضا "بالخبر" أى المسند. و"الخبر" (المسند) ليس عنصرا من عناصر الجملة (إلا فى الحد الأدنى "للخبر"، وحسب مفهوم بعينه "للخبر") بل قد يشتمل "الخبر" على عدد من عناصر الجملة، وقد تبدأ الجملة المسماة بالاسمية بعنصر منها كالمفعول به، أو متمم الفاعل أو متمم المفعول به، أو الظرف.
ومعنى هذا أن تسمية الجملة بما تبدأ به من أقسام الكلام ستضيف إلى الجملة الاسمية والجملة والفعلية أنواعا أخرى من الجملة؛ كجملة الحرف، والجملة الضميرية، والجملة الظرفية، وجملة الصفة، إلخ.. إذا طوّرنا ووسّعنا - كما ينبغى - مفهوم أقسام الكلام فى النحو العربى. كما أن تسمية الجملة بما تبدأ به من عناصر الجملة ستضعنا أمام تسميات أخرى جديدة إلى جانب الجملة الفعلية؛ كالجملة الفاعلية (أو جملة المسند إليه)، والجملة المفعولية (أو جملة المفعول به)، وجملة متمم الفاعل أو متمم المفعول به، والجملة الظرفية.
وليس هناك مانع مبدئى من الاحتفاظ بالتصنيف الحالى أو من توسيعه فى هذا الاتجاه أو ذاك، بشرط أن يكون له مغزى نحوى حقيقى، حتى رغم ما ينطوى عليه هذا التصنيف من ازدواج ومن تعقيدات لا أول لها ولا آخر. غير أن العلاقات النحوية بين كلمات أو عناصر أو مكونات الجملة لا تتغير فى لغة تقوم على الإعراب ومرونة ترتيب عناصر الجملة بالبدء بهذه الكلمة أو تلك، بالاسم أو بالفعل، بالفاعل أو بالمفعول، الأمر الذى يستبعد أى مغزى نحوى لهذا التصنيف المزدوج للجملة العربية على أساس ما تبدأ به من اسم أو فعل.
والحقيقة أنه لا مجال لتقسيم الجمل بصورة تنطوى على مغزى نحوى حقيقى، إلى جملة اسمية وجملة فعلية، ولا إلى غيرهما، لا فى لغة تقوم على الإعراب ومرونة ترتيب عناصر الجملة ولا فى لغة تقوم على إسقاط الإعراب وتقييد ترتيب عناصر الجملة. وذلك لأن لغة مرونة الترتيب تعنى بالبداهة حرية التقديم والتأخير لعناصر الجملة (مع أخذ الترتيب الإلزامى لبعض الكلمات فى الجملة فى الاعتبار، مثل: حرف الجر قبل المجرور) دون أن تتأثر العلاقات النحوية بين هذه العناصر، لأن هذه العلاقات إنما تتأثر بمورفيمات وعلامات الإعراب فى أواخر الكلمات (أو فى أوائلها أو حتى بأحوالها الصفرية فى بعض اللغات). أما لغة تقييد الترتيب فتعنى بالبداهة أيضا تثبيت الكلمات التى تمثل العناصر النحوية المحورية للجملة فى أماكن بذاتها، فى ترتيب بذاته، وكثيرا ما يقوم ترتيب هذا النظام لعناصر الجملة على أسبقية الفاعل للفعل وهذا للمفعول، إلا فى أحوال كالنفى أو الاستفهام أو لأغراض بلاغية، مع مرونة بعض العناصر، فى بعض أحوالها، من حيث مكانها فى الجملة.
والنتيجة أن تصنيف النحو العربى للجمل إلى جملة اسمية وجملة فعلية يضعنا أمام عالمين للجمل يقوم بينهما سور صينى عظيم. وتنفرد الجملة الاسمية بركنين أساسيين ينفردان بلقبيهما الخاصين وهما المبتدأ والخبر، اللذين لا ينبغى أن يختلطا بالركنين الأساسيين اللذين تنفرد بهما الجملة الفعلية، واللذين ينفردان بدورهما بلقبيهما الخاصين وهما الفعل والفاعل.
ومن مبادئ هذا التصنيف أنه لا يجوز النظر إلى المبتدأ فى الجملة الاسمية على أنه فاعل الفعل الذى يليه رغم إسناده إليه وتصريفه معه، كما لا يجوز، وفقا له، النظر إلى الفاعل فى الجملة الفعلية على أنه مبتدأ تأخر عن خبره، ولا إلى فعل الجملة الفعلية على أنه خبر تقدم، وهكذا.
والجملة المسماة بالفعلية، فى أبسط أشكالها أى فى الجملة المسماة بالمستقلة، وهى أحد نوعى الجملة المسماة بالأصلية أى المقتصرة على الإسناد دون الدخول فى تركيب؛ مثل: ظَهَرَ الحقُّ ، جملة بلا تعقيدات، غير أنه عندما يغدو "الفعل" ... "خبرا" فى الجملة المسماة بالاسمية (وهنا يسمون ذلك الفعل مع فاعل يفترضون أنه ضمير مستتر جملة فعلية خبرا فى محل رفع) تبدأ التعقيدات، أما الجملة المسماة بالاسمية فهى المجال الطبيعى، حتى فى أبسط صورها أى فى الجملة المسماة بالبسيطة وهى النوع الثانى من الجملة المسماة بالأصلية؛ مثل: العلمُ نورٌ ، لتعقيدات لا أول لها ولا آخر.
فكيف أقيم هذا السور العظيم؟ وما منشأ هذا الازدواج؟ وما كل هذا التعقيد بلا مبرر حقيقى؟ وهل هناك وسيلة أو وسائل نحوية لهدم هذا السور، وإزالة هذا الازدواج، وتبسيط هذا التعقيد؟
وينبغى أن نلاحظ قبل كل شيء أن هذه المفاهيم والتصنيفات لأنواع الجمل، ولأركان كل نوع منها، إنما هى من ابتداع علم النحو، فهى تنتمى جميعا إلى النحو الوضعى أو العلمى، وهو نحو النحويين أو النحاة. فلسنا إذن إزاء عناصر متنافرة فى اللغة العربية ذاتها، ولا فيما تنطوى عليه من منطق داخلى فى تكوين الجمل، وفى تحديد العلاقات النحوية بين كلماتها أو مكوناتها أو عناصرها، أى النحو الموضوعى أو الطبيعى أو الجمعى، الماثل دوما فى صميم كل لغة تنطق و/أو تكتب بها الجماعة اللغوية المعنية (العرب فى حالتنا). وإنما نحن إزاء تناقضات مفاهيم نحو النحاة. فلا مناص إذن من محاولة قطع تلك المسافة بل الهوة القائمة دوما بين النحويْن، الموضوعى والوضعى، ذهابا وإيابا، إلى أن نهتدى إلى إدراك واضح لطبيعة وأبعاد وأضرار هذا الازدواج ولسبل إزالته.
وينبغى أن يكون واضحا أن ازدواج التصنيف للجملة العربية الواحدة، إلى جملة اسمية وجملة فعلية، إنما يرتبط بصفة خاصة بقاعدتيْن نحويتين خاطئتين من وضع النحاة تكفى كل قاعدة منهما لخلق هذا الازدواج ويكفى اجتماعهما لتأبيده.
والقاعدة الأولى هى قاعدة تقدُّم الفعل على فاعله. وبهذا فإن المبتدأ (أو المفعول به - لفعل سابق - أو المنصوب بأحد حروف إن وأخواتها أو المجرور) الذى يليه فعل مسند إليه ومصرَّف معه، ومتطابق معه فى النوع والعدد، لا يكون مع ذلك فاعله. وعندما يأتى بعد ما يسمى بالمبتدأ فعل فلابد من البحث له عن فاعل يتقدمه هذا الفعل، ولا بد من العثور على هذا الفاعل إما فى صورة أو بالأحرى فى "شبح" ضمير مستتر تقديره كذا يعود على المبتدأ، وإما فى صورة ما يسمى بضمير الرفع البارز المتصل، تاركين على كل حال ذلك الفاعل الحقيقى الذى أسند إليه الفعل من الناحية العملية، والذى هو فاعله دون شك، والذى لا مناص من ربط الفعل به بضمير مزعوم، بارز أو مستتر، يعود عليه فى نهاية الأمر.
وبالإضافة إلى هذه القاعدة التى تنطلق من الجملة الفعلية، أو تقوم بحمايتها من أن تنقلب إلى جملة اسمية (نتيجة تأخير الفعل عن الفاعل)، هناك القاعدة الأخرى التى تنطلق من الجملة الاسمية، أو تقوم بحمايتها من أن تنقلب إلى جملة فعلية (نتيجة لتقديم الفعل على المبتدأ).
وتحت عناوين، مثل: وجوب تأخير الخبر، وجوب تقديم الخبر، جواز تقديم الخبر وتأخيره، نجد موجبات حقيقية مقنعة لا أمل بدون مراعاتها فى منع التباس المعانى. غير أننا نجد بين أسباب وجوب تأخير الخبر سببا غريبا للغاية. فالفعل الذى يلى المبتدأ واجب التأخير فلا يجوز تقديمه. فهذا الفعل المتأخر، الذى يصنع مع فاعله الضمير المستتر أو ضمير الرفع البارز المتصل المزعوميْن ما يسمونه جملة فعلية هى خبر المبتدأ، لا يجوز تقديمه لأنه إنْ تقدَّم يغدو فاعلا وليس مبتدأ. فوجوب التأخير يرجع إلى خشية الالتباس بين المبتدأ والفاعل. وسبب تأخير الفعل وجوبا هنا غريب حقا لأنه لا يزيل التباسا فى فهم معنى الجملة، أى فى اللغة ذاتها من حيث هى لغة، وهو التباس غير قائم أصلا، بل يزيل الالتباس النحوى بين مفهومين نحويين من وضع النحاة أنفسهم وهما المبتدأ والفاعل. فالخوف من الالتباس ليس على اللغة أو المعنى، بل على علم النحو كما وضعه هؤلاء العلماء! وهكذا نعرف من صاحب معجم النحو السبب الثانى الموجب لتأخير الخبر وهو:
أن يُخاف التباس المبتدأ بالفاعل نحو "على اجتهد"
وهاتان القاعدتان (قاعدة تقدم الفعل على فاعله، وقاعدة تأخير الفعل الذى يلى المبتدأ وجوبا) تصنعان ازدواج تصنيف الجمل وتؤبدانه، كما أنهما تأتيان من هذا الازدواج وتتغذيان عليه. والحقيقة أنهما غريبتان على اللغة العربية وعلى منطقها الداخلى، ذلك أن اللغة ذاتها ظلت على مرونتها حيث تتقدم عناصر الجملة أو تتأخر ما شاء الناطقون أو الكاتبون بها ذلك، بشرط أمن اللبس أو التشويش أو الاضطراب فى المعانى وليس بأى شرط غريب على اللغة. أما تقييد هذه المرونة فلا أساس له إلا فى تصورات ونظريات وأوهام ومزاعم علماء النحو الذين لا يقيدون مرونة اللغة، ولا يريدون أصلا تقييدها، وإنما يقيدون فى الحقيقة أدوات الاستيعاب النحوى النظرى لهذه المرونة فى اللغة عن طريق مفاهيم نحوية متحجرة.
وبطبيعة الحال فإن هاتين القاعدتين تجدان مكانهما ضمن نسق كامل من المفاهيم النحوية التى تصنع وتؤبد تعقيدات نحوية لا تحصى ولا تعدّ. والحقيقة أن إلغاء هاتين القاعدتين يكفى (مع إعادة النظر فى النسق بكامله) لإعادة الوحدة للمفهوم النحوى للجملة العربية بعيدا عن الجملتين الاسمية والفعلية. وبهذا وحده يمكن إزالة السور والازدواج والتعقيد فى آن معا .
وأكتفى هنا بإشارة موجزة إلى تصنيف آخر للجملة العربية إلى جملة اسمية وجملة فعلية، ليس على أساس الابتداء بالاسم فى الأولى والابتداء بالفعل فى الثانية، بل على أساس أن الجملة الفعلية هى تلك التى تشتمل على فعل مهما كان مكانه فيها، وأن الجملة الاسمية هى تلك التى لا تشتمل على أى فعل مطلقا. وهذا التصنيف المزدوج لا ينطوى بدوره على مغزى نحوى حقيقى من حيث العلاقات النحوية بين عناصر الجملة بافتراض وجود جُمل تشتمل على الفعل وأخرى لا تشتمل عليه. على أننا سنعود إلى هذه النقطة فى الفصل الثانى لنبحث مسألة: هل هناك أصلا جملة لا تشتمل على فعل؟ وهى نفسها مسألة: هل هناك مسند (أو خبر) لا يشتمل على فعل؟ وذلك عندما نبحث مسألة حذف فعل الكينونة فى المضارع المثبت.
ويعنى كل هذا بطبيعة الحال ضرورة الاكتفاء بالمفهوم النحوى الأساسى المتمثل فى الجملة وإلغاء التصنيف المزدوج إلى جملة اسمية وجملة فعلية، وكذلك ضرورة أن يحل محل مفهوم الركنيْن الأساسيين لكل نوع منهما (المبتدأ والخبر فى الأولى والفعل والفاعل فى الأخرى) مفهوم ركنين وحيدين للجملة مهما كان ما تبدأ به. وهذان الركنان الوحيدان اللذان استخدمهما علماء النحو القدماء أنفسهم (على الأقل منذ الخليل بن أحمد الفراهيدى وسيبويه) ولكن جنبا إلى جنب (أو بصورة ثانوية أو فرعية) مع التصنيف المزدوج إلى جملتين اسمية وفعلية وبركنين "أساسيين" لكل منهما (وليس بالطبع بركنين وحيدين لجملة عربية واحدة وحيدة) وبكل ما يترتب على هذا التصنيف من مذاهب مضللة، واللذان أحياهما ثم أماتهما من جديد علماء محدثون نتيجة للحدود الضيقة لتصوراتهم عما يسمونه بتيسير النحو، وكذلك نتيجة لقوة أعداء كل تجديد حقيقى للنحو فى مصر والعالم العربى، ..... هذان الركنان الوحيدان للجملة هما: المسند إليه والمسند، ولا يميز بينهما ابتداء ولا تقدُّم فعل بل يميز بينهما المعنى فى المحل الأول.
وكان يجدر بنا أن نكتفى بالإشارة إلى الجملة العربية "الواحدة" بركنيها الوحيدين أى المسند إليه والمسند (بعيدا عن مفهوم الفضلة فى النحو العربى وعن مفهوم التكملة فى النحو الفرنسى)، فى سبيل الانطلاق إلى الموضوعات الحقيقية لهذا البحث، غير أن واقع سيادة التصنيف المزدوج للجملة، وما يترتب على هذا من تصنيفات أركان الجملتين، يرغمنا على تعميق المناقشة لإنقاذ المفاهيم الأصيلة، إدراكا منا لحقيقة أن عمق تأصيل هذه المفاهيم هو الأساس الحقيقى المتين للتغلب نهائيا على هجوم أعداء تجديد النحو العربى.

























2
المسند إليه والمسند

تشمل مرفوعات الأسماء كما تسمَّى فى النحو العربى: المبتدأ، والفاعل، ونائب الفاعل، واسم كان وأخواتها (بما فى ذلك أسماء أفعال المقاربة وأفعال الرجاء وأفعال الشروع)، إلى جانب خبر المبتدأ (وخبر إن وأخواتها).
وقد تعمدتُ تأخير الخبر فى العبارة السابقة للإشارة إلى أن من الواضح تماما أن الخبر يختلف عن بقية مرفوعات الأسماء فى أمر جوهرى هو أن الفعل إنما يُسند إلى هذه المرفوعات ويجرى تصريفه معها دون الخبر، الذى يُسند هو ذاته إلى المسند إليه فيما يُعْرَف بالمبتدأ. ولهذا فإن مفهوم المسند إليه يشمل كل هذه المرفوعات دون "الخبر"، فيما يندرج هذا الأخير تحت مفهوم المسند الذى يشمل، إلى جانب "الخبر"، الفعل المتقدم على المسند إليه، وهذا فى أبسط أشكال المسند.
ونقرأ فى لسان العرب، لابن منظور، فى مدخل "سَنَدَ" هذا الاقتباس الطويل إلى حد ما عن المسند إليه والمسند:
قال: وقول سيبويه هذا باب المسند والمسند إليه؛ المسند هو الجزء الأول من الجملة، والمسند إليه الجزء الثانى منها، والهاء من إليه تعود على اللام فى المسند الأول، واللام فى قوله والمسند إليه وهو الجزء الثانى يعود عليها ضمير مرفوع فى نفس المسند، لأنه أقيم مُقام الفاعل، فإنْ أكّدْتَ ذلك الضمير قلتَ: هذا باب المسند والمسند هو إليه. قال الخليل: الكلام سَنَدٌ ومُسْنَدٌ، فالسند كقولك عبد الله رجل صالح، فعبد الله سَنَدٌ، ورجل صالح مُسْنَدٌ إليه .
ويعلّق الأستاذ عبد الله على الكبير،أحد محققى لسان العرب، على ذلك بقوله فى الهامش:
هكذا فى الأصل. والمعروف أن المسند هو الفعل فى الجملة الفعلية والخبر فى الجملة الاسمية. والمسند إليه هو الفاعل أو نائبه فى الجملة الفعلية، والمبتدأ فى الجملة الاسمية .
ورغم حديث سيبويه فى "الكتاب" عن المسند والمسند إليه فقد ظل يحتفظ، كما احتفظ مَنْ بعده، بمفهومى المبتدأ والخبر، بل شاع وساد هذان الأخيران واحتلا مكان الصدارة. ويقول سيبويه فى مؤلفه "الكتاب":
هذا باب المسند والمسند إليه – وهما لا يغنى [أو: لا يستغنى - المحقق] واحد منهما عن الآخر، ولا يجد المتكلم منه بدا. فمن ذلك الاسم المبتدأ والمبنى عليه [يعنى الخبر - المحقق] .
ويقول أيضا:
هذا باب الابتداء - فالمبتدأ كل اسم ابتدئ به ليُبنى عليه كلام. والمبتدأ والمبنى عليه رَفْعٌ. فالابتداء لا يكون إلا بمبنى عليه. فالمبتدأُ الأولُ والمبنى ما بعده عليه فهو مسند ومسند إليه .
وتعريف "المعجم الوسيط"، الذى أصدره مجمع اللغة العربية بالقاهرة، مدخل: "جَمَلَ"، للجملة هو ما يلى:
الجملة (عند البلاغيين والنحويين): كل كلام اشتمل على مسند ومسند إليه .
وهنا نتخلص من التمييز الذى تتضمنه عبارة سيبويه، ومَنْ بعده، ومنهم الأستاذ عبد الله على الكبير، بين الجملة الاسمية والجملة الفعلية، وكذلك بين الفاعل (ونائبه) من ناحية والمبتدأ من ناحية أخرى. على أنه تخلُّص مؤقت ذلك أن هذا المعجم كان متأثرا بطبيعة الحال بقرارات الدورة الحادية عشرة للمجمع ومنها إلغاء التمييز بين الجملة الاسمية والجملة الفعلية، وبين المبتدأ والفاعل، وغير ذلك، وهذا ما تراجع عنه المجمع فيما بعد كما رأينا وكما سنرى. وفى سياق هذا التطور المؤقت جاء تعريف "المعجم الوسيط" (فى مدخل: سَنَدَ) للمسند والمسند إليه كما يلى:
المسند (فى العلوم العربية): المحكوم به. والمسند إليه: المحكوم عليه .
وتختفى لفظة "المبتدأ" من مدخل "بدأ"، ويختفى المعنى النحوى الاصطلاحى للفظة "الخبر" فى مدخل "خبر"، مع بقاء هذا المعنى للفظة "الفعل" و"الفاعل" فى مدخل "فعل" فى المعجم المذكور، بطبيعة الحال .
فهل هناك معنى نحوى حقيقى لإدراج كل تلك المرفوعات المتنوعة (ما عدا المسند أو الخبر) فى مفهوم واحد وحيد هو المسند إليه؟
قلنا منذ قليل إن المسند إليه يشمل كل هذه المرفوعات (بالاستثناء المذكور) لأن الفعل يُسند إليها ويُصرَّف معها (كما يُسند إليها "الخبر") وهذا معنى نحوى مشترك لا سبيل إلى الشك فى أهميته الجوهرية. غير أن الأمر يحتاج إلى المزيد والمزيد من الإيضاحات.
ونبدأ بالاختلاف البادى بين المبتدأ وبقية أنواع المسند إليه.
وهناك، أوَّلا، الواقع اللغوى الصرفى المتمثل فى أن إسناد الفعل يختلف حسب تقدمه على المسند إليه أو تأخره عنه. ويظهر هذا الاختلاف عند تصريف الأفعال مع ضمائر الغائب (فى المثنى بنوعيه والجمع بنوعيه) فى الماضى كما فى المضارع. فعندما يتقدم الفعل فاعله (وينطبق هذا على كل المرفوعات التى تندرج تحت اسم المسند إليه باستثناء ما يُسمى بالمبتدأ)، يكون تصريف الفعل فى المفرد المذكر مع كل مذكر (مفرد أو مثنى أو جمع)؛ وفى المفرد المؤنث مع كل مؤنث (مفرد أو مثنى أو جمع). وعندما يتأخر الفعل عن فاعله (أى ما يُسمى بالمبتدأ) تظهر كل نهايات التصريف فى الماضى وبوادئ ونهايات التصريف فى المضارع (وهى النهايات التى يزعم النحو العربى أنها ضمائر الرفع البارزة المتصلة، والبوادئ التى يسميها حروف المضارعة) وفقا للنوع والعدد.
ويتضح هذا الاختلاف من الأمثلة التالية:
الفعل قبل الفاعل الفعل بعد الفاعل
المثنى المذكر: تفوق/ يتفوق التلميذان التلميذان تفوقا/ يتفوقان
المثنى المؤنث: تفوقت/ تتفوق التلميذتان التلميذتان تفوقتا/ تتفوقان
جمع المذكر: تفوق/ يتفوق التلاميذ التلاميذ تفوقوا/ يتفوقون
جمع المؤنث: تفوقت/ تتفوق التلميذات التلميذات تفوقن/ يتفوقن
والحقيقة أن هذا الاختلاف فى الإسناد إلى الضمائر المذكورة بين ما يسمى بالمبتدأ وبقية أنواع المسند إليه، لا يمكن أن يبرر بحال من الأحوال الاحتفاظ بازدواج/ تعدد مفاهيم المبتدأ والفاعل ونائب الفاعل واسم كان وأخواتها وأسماء أفعال المقاربة والرجاء والشروع، بل يكفى إيضاح هذا الاختلاف فى الإسناد (التصريف) بين الفعل الذى يتقدم على فاعله والفعل الذى يتأخر عن فاعله فهو الفاعل فى الحالين مهما اختلف التصريف مع أربعة ضمائر من أصل ثلاثة عشر ضميرا، وحتى بافتراض اختلاف التصريف مع كافة الضمائر. ذلك أن العلاقة النحوية بين الفعل المسند والفاعل المسند إليه تختلف بهذه الاختلافات فى تفاصيل (وليس فى جوهر) التصريف والإسناد.
وبطبيعة الحال فإن من النتائج الإيجابية لإلغاء هذا التمييز بين المبتدأ وبقية أنواع المسند إليه حقيقة أننا نتخلص بذلك من افتراض وجود فاعل بعد الفعل الذى يلى المبتدأ يعود على هذا الأخير (فى هيئة ضمير مستتر) أو يربطه بالمبتدأ (فى هيئة ضمير رفع بارز متصل كما يسمونه وذلك مع كافة ضمائر المتكلم والمخاطب والغائب باستثناء ضمير الغائب المفرد بنوعيه)، ونتخلص بالتالى مما يسمى بالخبر الجملة الفعلية.
ولعلنا نلاحظ هنا أن هذا الفعل الذى "تأخر" عن المبتدأ قد "تقدَّم" فى الوقت نفسه على الفاعل المزعوم (الضمير المستتر أو البارز المتصل) وأن الإسناد يعامله على أساس "تأخره" على المبتدأ وليس على أساس "تقدمه" على الفاعل المفترض الذى لا وظيفة له سوى تعقيد النحو والإعراب.
وهناك، ثانيا، الواقع اللغوى النحوى الإعرابى المتثل فى أن الفاعل الذى يتقدم عليه فعله مرفوع دوما (إلا فى حالات قليلة يعتبرون فيها أن الفاعل مجرور، فى محل رفع، بحرف جر زائد، مثل: "وكفى بالله شهيدا" )، أما الفاعل الذى يتأخر عنه فعله (أى ما يسمى بالمبتدأ) فهو مرفوع ما لم يسبقه ناصب أو جارّ، وهذا كثير لأن "المبتدأ" قد يأتى منصوبا بعد حرف ناسخ أومفعولا به منصوبا لفعل سابق وقد يأتى مجرورا بحرف الجر أو الإضافة.
ومرة أخرى فإن هذا الاختلاف الإعرابى بين الحالة التى يتقدم فيها الفاعل والحالة التى يتقدم فيها الفعل لا يبرر بحال من الأحوال ذلك التمييز النحوى التقليدى بين المبتدأ وبقية أنواع المسند إليه، بكل التعقيدات التى يجلبها ذلك التمييز ويفتعلها افتعالا. ويكفى أن نعرف أن الفاعل (المسند إليه) الذى يتقدمه فعله مرفوع دوما (بالاستثناء النادر المذكور أعلاه)، وأن الفاعل الذى يتأخر عنه فعله مرفوع إنْ لم تسبقه عوامل/ أسباب/ مؤثرات نصب أو جر لفظية أو معنوية يخضع لها بدلا من الرفع الذى يمثله وضعه الإعرابى الأصلى كفاعل ينبغى تمييزه بالرفع من المفعول به المنصوب على قاعدة المخالفة النحوية الإعرابية.
وهناك، ثالثا، اختلاف يبدو فى البداية بالغ الأهمية بين ما يسمى بالمبتدأ وبقية أنواع المسند إليه. فالفاعل يُسند إليه الفعل دوما (إذا وضعنا الحذف جانبا)، بينما المبتدأ لا يُسند إليه الفعل بالضرورة فهذا لا يحدث إلا فى حالة ما يُسمى بالخبر الجملة الفعلية حيث يأتى المبتدأ يليه الفعل. وهنا يبدو من السخف التام أن نجمع فى مفهوم واحد هو المسند إليه، بين الفاعل الذى لا يستغنى عن فعل قبله والمبتدأ الذى قد يستغنى عن فعل بعده فلا يحتاج إليه إلا فى نوع واحد من ثلاثة أنواع من الخبر (أعنى الخبر الجملة الفعلية) حسب مذاهب أو مزاعم النحو العربى.
فهل تكمن الحقيقة فى هذا الذى "يبدو"، أم أن هناك "مسافة" ينبغى أن يحاول العلم "دوما" أن يقطعها بين ما يبدو وبين الحقيقة؟
وهناك، من الناحية العملية، جمل لا تحصى ولا تعد، نسمعها أو نقولها، نقرأها أو نكتبها، فلا نجدها تشتمل على الفعل أصلا. وهذا ينطبق على كل "جملة اسمية" لا يكون خبرها "جملة فعلية". فهل هناك حقا جملة خالية من الفعل فى اللغة العربية؟ وما دام المبتدأ ليس فعلا ولا يفترض فيه أن يكون فعلا (إلا فى مثل قولنا: يأكل فعل مضارع)، وما دام الخبر هو الذى يشتمل أو لا يشتمل على الفعل، فمن المنطقى أن نتوقع أن التحليل الدقيق المعمق لما يسمى بالخبر هو الذى سيقودنا إلى الإجابة عن السؤال المذكور آنفا عن حقيقة وجود أو عدم وجود جملة خالية من الفعل، ومن المنطقى أيضا أن ينقلب السؤال إلى: هل هناك خبر خال من الفعل؟
وهنا يحضرنى أن المرحوم الدكتور مهدى علام، النائب الأسبق لرئيس مجمع اللغة العربية بالقاهرة، أشار ذات مرة، ضمن تقديمه لكتاب لا أذكر الآن ماذا كان، إلى أن الجملة الاسمية لا ينبغى أن تشمل تلك التى خبرها جملة فعلية لأن هذه الجملة البادئة بالاسم تشتمل مع ذلك على الفعل، وإنما الجملة الاسمية، فى اعتقاده، هى تلك الخالية من الفعل تماما، بينما الجملة الفعلية هى تلك التى تشتمل على الفعل مهما كان مكانه داخل الجملة. وأضاف أن الجملة الاسمية الخالية من كل فعل لا وجود لها فى لغة كالإنجليزية التى لا تعرف سوى الجملة الفعلية بمعنى الجملة المشتملة على فعل مع أن مكانه ليس، نموذجيا، فى بداية الجملة.
ولا يسعنى إلا أن أتفق مع الدكتور مهدى علام فى نقطة أن مكان الفعل (فى أول أو وسط أو آخر الجملة) لا يهم "نحويا"، فلا يبرر بالتالى تقسيم الجملة إلى اسمية وفعلية. لكننى أبادر إلى إبداء الشك العميق فى أن الجملة العربية، أية جملة عربية، يمكن أن تخلو من "الفعل"، اللهم إلا فى إطار مفهوم "الحذف"، وهذا مفهوم واسع لا يقتصر على الفعل بل يمتد ليشمل المبتدأ والخبر، والفعل والفاعل (تحت مسمى الضمير المستتر)، وكل مفهوم من هذه المفاهيم يحمل لقب "عُمدَة"، كما يمتد من باب أولى من "العمدة" إلى "الفَضْلة" كالمفعول به وغيره.
وشبيه برأى الدكتور مهدى علام رأى المستشرق ج. برجشتراسّر Bergstraesser فى كتابه "التطور النحوى للغة العربية"، إذ يقول:
والجملة مركبة من مسند ومسند إليه فإن كان كلاهما اسما أو بمنزلة الاسم فالجملة اسمية، وإن كان المسند فعلا أو بمنزلة الفعل فالجملة فعلية .
وفيما كنت أتصفح بسرعة كتاب "المرجع فى قواعد اللغة القبطية" لأعرف ما إذا كان النحو القبطى يعرف هذا التمييز الغريب بين جملة اسمية وجملة فعلية، لفت نظرى أن أجد فكرة الدكتور مهدى علام موجودة فى هذا النحو. ونقرأ فى الكتاب المذكور ما يلى:
تنقسم الجملة إلى جملة فعلية واسمية. والجملة الفعلية هى التى تحتوى على فعل يجيء فى أى صيغة من الصيغ، والجملة الاسمية هى التى لا تحتوى على فعل .
ونقرأ فيه أيضا:

الجملة الاسمية البسيطة هى التى لا تحتوى على فعل وإنما تحتوى على مبتدأ وخبر فقط. ويكون المبتدأ اسما أو ضميرا، أما الخبر فيكون اسما موصوفا أو جارّا ومجرورا. والجملة الاسمية تدل على حكم عام له دلالة الحاضر .
وأنا لا أعرف اللغة القبطية ولا النحو القبطى، ومن يعرفهما يمكن ان يعلق على هذا التصنيف للجملة فى تلك اللغة، غير أن اللافت للنظر هو أن الحديث يدور حول جملة اسمية من المبتدأ والخبر باعتبارها "تدل على حكم عام له دلالة الحاضر"، وهو كل ما يمكن أن يقال عن الجملة المسماة بالاسمية فى النحو العربى (باستبعاد "الجملة الاسمية التى خبرها جملة فعلية") لأن الجملةالاسمية التى لها "دلالة الحاضر"، هى الجملة التى تعطى دلالة المضارع دون أن يكون هناك فعل ظاهر صريح (منطوقا أو مكتوبا)، وهذا ما لا يحدث إلا فى حالة الفعل الرابط المحذوف فى المضارع المثبت، لأن دلالة الزمن لا تأتى دون فعل، ولأن ظهور دلالة زمنية للجملة بدون ظهور الفعل، أى: بدون فعل صريح، إنما يعنى وجود فعل محذوف تظهر حقيقته بالمقارنة مع صياغة الماضى والمستقبل والنفى للمعنى الذى تتضمنه نفس الجملة، مع ملاحظة أن المضارع هو قبل كل شيء، وفى لغات عديدة على الأقل، هو زمن التعبير عن الحقائق العامة.
ورغم أن الإسراف فى تقدير الأشياء المستترة والمحذوفة وما إلى ذلك، كما يفعل النحو العربى، تعقيد غير مقبول، ويقوم بصفة عامة على الوهم، إلا أن هناك ما يدعو إلى افتراض فعل محذوف فى الجمل الخالية عمليا من فعل ظاهر صريح. والمحذوف هو الفعل الرابط فى المضارع المثبت.
والاستنتاج العام هو أن الجملة العربية التى تخلو من فعل غير فعل الكينونة تشتمل على فعل الكينونة ظاهرا صريحا فى الماضى والمستقبل المثبتين والمنفيين، وفى المضارع المنفى، وفى بعض صور المضارع المثبت، وتنطوى عليه غير صريح، أى: محذوفا فى المضارع المثبت، وهذا مع ما يسمى بالخبر المفرد، والخبر الجملة الاسمية الخالية من فعل تام، والخبر شبه الجملة. ومن الجلى بطبيعة الحال أن هذا الاختفاء أو الحذف لفعل الكينونة فى المضارع المثبت، وبالأحرى فى أكثر أحواله شيوعا فى المضارع المثبت، إنما يرجع إلى الاقتصاد اللغوى.
وهنا يتضح بجلاء أن ما يسمى بالخبر المفرد، وهو المرفوع عمليا فيما يسمى بالخبر، والذى قيس عليه رفع الخبر كله، بكل أنواعه، "رفعا مَحلّيا"، ليس فى الحقيقة سوى ما يسمى بخبر كان ( كما يتضح من الماضى والمستقبل مثبتين ومنفيين ومن المضارع منفيا وحتى مثبتا فى بعض الأحوال)، ولم يصبح مرفوعا إلا بصورة عرَضية وظاهرية وعشوائية لأن أصله النصب بعد كان، وعندما تم حذف هذا الأخير فى المضارع المثبت، اختفى بالتالى السبب اللفظى الصريح للنصب وصار ما يسمى بالخبر المفرد مرفوعا، فى سياق أشبه ما يكون بما يسمى بنزع الخافض المؤدى إلى النصب بعد سقوط حرف الجر، فهنا يؤدى "نزع" الناصب إلى هذا الرفع الظاهرى العشوائى.
والخلاصة أن كل مبررات تقسيم الجملة العربية إلى اسمية وفعلية تبدو ضعيفة واهية، بالإضافة إلى أن هذا التقسيم كان ولا يزال بالغ الضرر على النحو العربى، وبالتالى فإن أركان الجملتين: الاسمية (المبتدأ والخبر)، والفعلية (الفعل والفاعل) ينبغى أن تترك مكانها لمفهوم سليم لكل من المسند إليه والمسند.
ويتعارض هذا المفهوم السليم بطبيعة الحال مع الاحتفاظ إلى جانب المسند إليه والمسند بكل المسميات التى تدل على التقسيم إلى الجملة الاسمية والجملة الفعلية، والمبتدأ والخبر والفعل والفاعل كأركان أساسية لهما، وتقدم الفعل وجوبا على فاعله، وتأخر الفعل وجوبا عن المبتدأ؛ كما يفعل الكثيرون؛ من سيبويه والنحاة القدامى، إلى العقيد الركن أنطوان الدحداح ، إلى الدكتور مهدى المخزومى، رئيس قسم اللغة العربية بجامعة الرياض .
على أن بلورة المفهوم السليم لكل من المسند إليه والمسند ما تزال بحاجة إلى المزيد من النقاش، وسنبدأ بالمسند إليه.








3
المسند إليه

رأينا من قبل أن مرفوعات الأسماء كما يسميها النحو العربى، وهى تشمل إلى جانب بقية المرفوعات ما يسمى بالخبر (أى: المسند)، تختلف جميعا عن هذا الأخير فى واقع أن الأفعال إنما يتم إسنادها إليها، وتصريفها معها، الأمر الذى يجعلها جميعا، باستثناء المسند، متطابقة مع مفهوم المسند إليه، أى تلك الأسماء، والضمائر، إلخ.. التى يتم إسناد الأفعال إليها وتصريفها معها.
وبعد ذلك رأينا أن مايسمى بالمبتدأ يختلف عن بقية أنواع المسند إليه فى تفاصيل بذاتها فى تصريف الأفعال معه مع بعض ضمائر الغائب، وفى الإعراب، وفى مجيء ما يسمى بالمبتدأ دون أن يليه فعل على الإطلاق فى أنواع الخبر المسماة بالخبر المفرد، والخبر شبه الجملة، والخبر الجملة الاسمية. وانتهينا إلى أنه لا سبيل إلى الشك فى أن ما يسمى بالمبتدأ هو فى الحقيقة نوع من أنواع المسند إليه، وإلى أنه لا ينبغى أن يستقل الفاعل عندما يتقدم على فعله بلقب خاص كالمبتدأ الذى لم يدخل مفهومه إلا من باب ذلك التمييز المبدئى المبالغ فيه بين مسند إليه يتقدمه فعله ومسند إليه يليه فعله، فى ارتباط وثيق بتقسيم الجملة العربية الواحدة إلى جملة اسمية وجملة فعلية.
والخلاصة هى ان المسند إليه مفهوم ينطبق على "مرفوعات" الأسماء، باستثناء المسند المسمى بالخبر. والمسند إليه والمسند هما الركنان الوحيدان للجملة العربية (دون تمييز بين جملة اسمية وجملة فعلية)، وسنرى أنهما كل شيء فى الجملة، فكل شيء فى الجملة غير المسند إليه هو المسند، وكل ما فيها غير المسند هو المسند إليه.
على أن المسند إليه يواجهنا من جديد ببعض التناقضات التى ينطوى عليها مفهومه النحوى. صحيح أنه هو ما نسند إليه الفعل ونصرّفه معه حسب عدده ونوعه، وصحيح أنه هو المرفوع من حيث المبدأ على قاعدة المخالفة مع نصب المفعول به، وصحيح أنه هو موضوع الحديث، والمحدَّث عنه، والمحكوم عليه، وأننا نحكم عليه بالمعنى المثبَت أو المنفى الذى يتضمنه المسند الذى هو الركن الآخر للجملة، أى المحكوم به، أو المحمول، أو المتحدَّث به.
غير أننا نواجه مع ذلك مجموعة من التناقضات. وإذا استعدنا حقيقة أن المسند إليه هو فاعل الفعل، وأن لفظ "الفاعل" ربما كان بديلا موفقا عن (وحتى أفضل فى كثير من الأحوال من) تعبير "المسند إليه"، يواجهنا فى الحال ذلك السؤال الملح عن معنى "الفاعلية" وكيف تنطبق هذه الكلمة بدلالاتها اللغوية المعروفة على الفاعل ونائب الفاعل؛ باعتبار هذا الأخير فاعلا للفعل المبنى للمفعول أو المسند إلى المفعول والمصرَّف معه، وكيف تنطبق الفاعلية على فاعل كل من الفعل المتعدى والفعل اللازم، وكيف تنطبق مع الإرادة وانعدامها، مع الدلالة على الحدث ومع الدلالة على مجرد الربط (فعل الكينونة بصفة خاصة)؟ وكيف نطبق مفهوما كالمسند إليه بمعنى الفاعلية على "محمود"، على قدم المساواة، فى جمل مثل: "قَتَلَ محمودٌ اللصَّ بعد مطاردة رهيبة"، و"قُتِلَ محمودٌ فى الحادث"، و"غَرِقَ محمودٌ"، و"كان محمودٌ شاعرًا كبيرًا"؟؟!!
ولا شك فى أن الأفعال بكل أحوالها المشار إليها (التام والناقص، المتعدى واللازم، المبنى للمعلوم والمبنى للمفعول)، وبكل الدلالات المعجمية للأفعال وبكل دلالاتها فى أبنية مجرد الثلاثى والرباعى ومزيداتهما، إنما يتم تصريفها مع المسند إليه بمختلف أنواعه، غير أن السؤال يظل مطروحا فيما يتعلق بطبيعة العلاقة الدلالية القائمة بين المسند إليه وفعله، فالفاعلية فى الأفعال التى تدل على أحداث، غير الكينونة فى الأفعال التى تدل على مجرد الكينونة أو على أوقات الكينونة، بالإضافة إلى حقيقة أن نائب الفاعل إنما هو الفاعل بالمعنى النحوى الذى هو المسند إليه من حيث الإسناد الصرفى (تصريف الفعل المبنى للمفعول مع المسند إليه وتسميته نائبا للفاعل)، ومن حيث الإعراب (فهو مرفوع كما ينبغى للمسند إليه أو الفاعل أن يكون) ولكنه فى الوقت نفسه مفعول به فى المعنى، إذ يدل بناء الجملة على وجود فاعل محذوف أحدث ما أحدث فى هذا المسمى بنائب الفاعل والذى لا يمكن أن نتصور عقلا أن ينوب عن الفاعل؛ اللهم إلا فى حالات نادرة فى مثل قولنا: "أنيب محمودٌ عن رئيسه" فمحمود هنا نائب عن الفاعل (أى: عن رئيسه) إذا كان رئيسه بنفسه هو الذى أنابه عنه.
وربما ألقى ضوءًا باهرا على هذا الالتباس واقع أن الأفعال بكل الأبنية ذات الدلالات المتباينة، وبكل أحوالها من حيث التعدية واللزوم أو البناء للمعلوم أوالمجهول؛ إلخ.....، تحمل جميعا، مع كل هذا، لقب "الفعل"، ولهذا فإن التباين الدلالى لمفهوم الفعل ذاته يقود بيسر إلى فهم وتفسير التباين الدلالى لمفهوم الفاعل.
على أن تعريف الفاعل، وهو مقتصر أصلا على المفهوم الأصلى للفاعل، أى بدون بقية المسند إليه، بدون المبتدأ، وبدون نائب الفاعل، وبدون أسماء "كان وأخواتها"، يقدِّم حلا سليما لتناقضات الفاعلية كما يطرحها الفاعل بمفهومه الأصلى، فالفاعل هو مَنْ (أو: ما) قام بالفعل، أو قام به الفعل، أو اتصف بالفعل، أو أسنِد إليه الفعل (طبعا بشرط أن يكون مبنيًّا للمعلوم وهو شرط يستبعد نائب الفاعل، وأن يكون فعلا تاما وهو شرط يستبعد الأفعال الناقصة وبالتالى اسم "كان وأخواتها"، وأن يتقدم على فاعله وهذا شرط يستبعد المبتدأ). ويتمثل الحلّ فى أن الفاعل بالمعنى النحوى لا يتصف بالضرورة بالدلالة اللغوية للفاعلية. وإذا قلنا: "يجرى الماء فى النهر"، فالفاعل هنا لا يقوم بفعل إرادى، وإذا قلنا: "غرق فلان فى البحر"، فالفاعل هنا ضحية الفعل وموضوعه وليس فاعله الحقيقى (وربما كان الفاعل الحقيقى هو البحر)، وإذا قلنا: "عَظُمَ فلانٌ"، فإن المقصود هو أن الفاعل عظيم، فهو لم يفعل شيئا بل اتصف به، أى: بالعَظَمَة.
كل هذا مقبول كفاعل، ومن السهل للغاية أن يمتد هذا المعنى النحوى للفاعلية إلى المبتدأ بالذات، لأن الفاعل والمبتدأ لا يختلفان فى الحقيقة إلا فيما فرضه عليهما النحاة من تقديم وجوبى للفعل على الفاعل وتأخير وجوبى للفعل على المبتدأ انطلاقا من نظرياتهم وليس من واقع اللغة العربية ذاتها. فلا صعوبة إذن فى إدراك أن "المبتدأ" الذى يليه فعل تام، مبنى للمعلوم، إنما هو الفاعل بعينه. وهكذا نجد أن المبتدأ والفاعل بمفهوميهما الأصليين أقرب إلى بعضهما (وهما فى الحقيقة نفس الشيء) من الأنواع الأخرى للمسند إليه، لأن كل ما يصدق على أحدهما يصدق على الآخر من حيث "معنى" الفاعلية.
أما نائب الفاعل فمن الجلى أنه ذو طبيعة مزدوجة. فهو مسند إليه من حيث الإسناد والتصريف والإعراب: كفاعل يسبقه فعله المبنى للمفعول [للمجهول]، أو كمبتدأ يليه فعله المبنى للمفعول (وهو فى الحالين "فاعل" لفعل مبنى للمفعول) لأن هذا الفعل يُسنَد إليه ويُصَرَّف معه كما يقوم إعرابه بالرفع كفاعل على إسناد هذا الفعل إليه. غير أنه من ناحية أخرى [من ناحية المعنى] ليس فاعلا، فهو بالأحرى مفعول به لأنه المقتول وليس القاتل فى جملة: "قُتِلَ فلانٌ". غير أن فاعل الفعل المبنى للفاعل [للمعلوم] قد يكون بدوره ضحية للفعل الذى أُسنِد إليه بصورة لا تقلّ عن هذا المفعول الذى بُنِى له الفعل فصار نائب فاعل وفقا للنحو التقليدى. وفى جُمَل: "ماتَ فلانٌ"، أو "فلانٌ ماتَ"؛ أو: "غَرِقَ فلانٌ"، أو: "فلانٌ غَرِقَ"؛ أو: "تاهَ فلانٌ"، أو: "فلانٌ تاهَ"؛ يظلّ الفاعل هو "فلانٌ" (إذا وضعنا ما يسمى بالمبتدأ جانبا) فهو الميت، وهو الغريق، وهو التائه، وهناك فاعل مفترض، معلوم يُخْشَى منه أو عليه أو مجهول، وغير مذكور عادةً، هو الذى أماتَ (وقد يكون عزرائيل)، وأغرقَ (وقد يكون البحر أو الموج أو الدوار أو عدم إتقان السباحة)، وأتاهَ (وقد يكون الطريق أو الجهل بمسالكه). فلا فرق إذن من ناحية الفاعلية بين الفاعل لأفعال كثيرة (بحكم طبيعة هذه الأفعال) ونائب الفاعل، فهما من حيث المعنى مفعولان وليسا فاعليْن. غير أنهما يصلحان كلاهما للإدراج تحت مسمى المسند إليه أو الفاعل بالمعنى النحوى للكلمة.
فلا يبقى إذن سوى ما يُسمى اسم "كان وأخواتها" (وأفعال المقاربة والرجاء والشروع). وتدل هذه الأفعال على الكينونة، والتوقيت بالصباح أو الضحى أو النهار أو المساء أو الليل، وبيان المدة، والتحول، والنفى، والاستمرار (كان وأخواتها بالمعنى الضيق)، أو على قرب وقوع "الخبر" (أفعال المقاربة)، أو على رجاء (تَمَنِّى) وقوع "الخبر" (أفعال الرجاء)، أو على "البدء" فى وقوع "الخبر" (أفعال الشروع).
غير أن هذه الأفعال بدلالاتها المذكورة لا تزيد ابتعادًا عن الدلالة اللغوية للفاعلية عن كثرة من الأفعال اللازمة ولا عن الأفعال المبنية للمفعول. وبالإضافة إلى ذلك فإن هذه الأفعال لا تقوم بالربط فقط بين المسند إليه والمسند، بل تضيف معانى الاستمرار، أو الوشوك، أو الصيرورة، أو النفى؛ إلخ. إلخ.. إلى بقية المسند من أفعال وغيرها. والأهم من كل هذا أن فعل الكينونة بالذات يتجاوز الربط إلى تكوين عدد من الأزمنة المركبة مع الأفعال الأخرى فى اللغة العربية تماما كما يفعل فى الإنجليزية والفرنسية وكثرة من اللغات الأوروبية [بل ينفرد فعل الكينونة فى لغتنا بأنه يقوم فى مجال تكوين الأزمنة المركبة بما يقوم به فعل الكينونة وفعل الملكية معًا فى هذا المجال فى كثرة من اللغات الأوروپية].
ومعنى هذا أن الاسم الحقيقى لما يسمى باسم كان وأخواتها بكل أنواعها هو المسند إليه أو الفاعل. ولا بد من الإشارة هنا إلى أن نظرة النحو العربى إلى أفعال "كان وأخواتها" على أنها من نواسخ المبتدأ والخبر تواجهنا بمشكلة جديدة. ذلك أنه عندما يُزاح مصطلحا المبتدأ والخبر جانبا تحتاج كل "نواسخهما" المزعومة هذه من أفعال ترفع المبتدأ وتنصب الخبر (كان وأخواتها وأفعال المقاربة والرجاء والشروع)، أو تنصب المبتدأ والخبر على أنهما مفعولان، كما يدعى هذا النحو (ظن وأخواتها: أفعال القلوب وأفعال التصيير)، ومن حروف تنصب المبتدأ وترفع الخبر (إن وأخواتها) إلى إعادة نظر شاملة.
على أن الجانب الأكبر من إعادة النظر الشاملة هذه، بعد النظر كمسند إليه (كفاعل) إلى اسم "كان وأخواتها"، أو اسم "إن وأخواتها"، الذى تليه كان الصريحة أو المحذوفة أو أخواتها [تختلف أفعال "ظن وأخواتها" فى أن لها فاعلا أصلا قبل ما يسمى بدخولها على المبتدأ والخبر ونصبهما كمفعوليْن فيما يزعم النحاة]،إنما يتجه إلى المسند (الخبر)، مع ملاحظة أن ما ينطبق على ما يسمى بخبر المبتدأ ينطبق أيضا على ما يسمى بخبر "كان وأخواتها" أو ما يسمى بخبر "إن وأخواتها"، مع فارق مهم هو أن الفعل "كان" يأتى صريحا فى حالة "كان وأخواتها"، وهنا يأتى ما يسمى بخبر "كان" منصوبا، ويأتى صريحا مع "إن وأخواتها" وهنا يأتى ما يسمى بخبر "كان" منصوبا أيضا وهنا يتكون من فعل "كان" مع الفاعل المزعوم بعده من ضمير مستتر أو ضمير رفع بارز متصل، فيما يزعم النحاة، خبر "إن" وهو من النوع المسمى عند هؤلاء بالخبر الجملة الفعلية، وقد يختفى فعل "كان" محذوفا بعد "إن وأخواتها" وفى هذه الحالة الأخيرة يأتى ما يسمى بخبر "إن" مرفوعا إنْ كان مفردا؛ فى غياب الناصب الصريح.
ومعنى هذا أن "كان وأخواتها" و"إن وأخواتها" لا تمثلان عالميْن مختلفيْن متباعديْن بينهما سور صينى عظيم، بل هما متداخلتان تماما، ذلك أن "إن وأخواتها" لا تستبعد أخوات "كان" صريحة ولا فعل "كان" صريحا أو "محذوفا" (فى حالة المضارع المثبَت) بعد المسند إليه بعد "إن وأخواتها"، إلا إنْ كان الفعل المسند فعلا آخر غير "كان وأخواتها". ذلك أن بوسعنا أن نقول: "إن الليل كان طويلا"، أو: "إن الليل سيكون طويلا"، أو: "إن الليل طويل"؛ وفى الجملة الأخيرة نفترض حذف "كان" قبل "طويل" تماما كما نفترض فى جملة: "الليل طويل" حذف "كان" قبل أو بعد "الليل"، وهذا الأخير هو المسند إليه أو الفاعل فى الحالين.
وقبل أن نقف وقفة متأنية عند العبارات والتراكيب اللغوية التى يمكن أن يتحقق من خلالها المسند إليه (أو: الفاعل)، نتوقف قليلا لمقارنة عابرة مع "نحو" لغة أخرى، هو "نحو" اللغة الإنجليزية، لنرى كيف أمكن لنحو تلك اللغة، وهو بالمناسبة نحو متطور للغاية، خاصة بفضل الثورة التى شهدها فى العقود الأخيرة، أن يقرر أن الفاعلية بالمعنى النحوى متحققة بلا أدنى شك فى أشكال شتى للمسند إليه (الفاعل) وفى أنواع وأشكال ودلالات وأحوال شتى للأفعال التى يجرى إسنادها إليه.
ونعتمد هنا على كتاب: A University Grammar of English [قواعد النحو الإنجليزى للجامعات] من تأليف راندولف كويرك Randolph Quirk، الأستاذ بجامعة لندن، وسيدنى جرينباوم Sidney Greenbaum، الأستاذ بجامعة ويسكونسين (والكتاب حديث نسبيا فهو صادر فى 1988) .
والمسند إليه (الفاعل) subject هو عادة مجموعة اسمية a noun phrase (اسم أو ضمير مع أو بدون صفة أو اسم موصول مع أو بدون صلة الموصول)، أو مجموعة جُمْلِيَّة (= "جُمَيْلَة" ) a clause (بادئة ﺒ "أنَّ" that-clause) ذات وظيفة اسمية a nominal function.
* والدور الدلالى الأكثر نموذجية للمسند إليه هو أنه فاعل agentive [أداتيّ] أى: مَنْ يقوم بحدث، وهو الكائن الحى الذى يُحْدِثُ الحدث الذى يدل عليه الفعل، مثل ما بين القوسين:

(چون) فتح الرسالة.

* وبالإضافة إلى وظيفته الفاعلية يكون للمسند إليه عادة دور مساعد أو مؤثِّر، أى أنه يعبر عن السبب المادى غير المقصود (غير الحى عادة) لحدث، مثل ما بين القوسين:

(الانهيار الجليدى) دمر منازل عديدة.

* ومع الأفعال اللازمة يكون للمسند إليه عادة دور متأثر affected، وهو الدور النموذجى للمفعول به، مثل ما بين القوسين:

(چاك) وقع على الأرض.
(القلم) كان موضوعا على المنضدة.

* ويمكن أيضا أن نمدّ الوظيفة الأخيرة إلى الأفعال التوكيدية intensive verbs، مثل ما بين القوسين:

(القلم) كان على المنضدة.

* ويغدو من الممكن الآن أن نلاحظ وجود علاقة منتظمة، من حيث وظيفة " المجموعة الجُمْلِيَّة " clause function، بين الصفات أو الأفعال اللازمة والأفعال المتعدية التى تناظرها والتى تعبِّر عن معنى سببى causative، مثل ما بين القوسين:

المسند إليه الفعل المفعول به فاعل/مؤثر متأثر(چون/المفتاح) فتح الباب(الجليد) قتل الزهور ***فاعل/مؤثر متأثر(هم) ضيَّقوا الطريق(سلوكه) أغضب ............ نى ***فاعل متأثر(أنا) كنتُ أُنزِّه كلبى المسند إليه الفعل متأثر(الباب) انفتح(الزهور) ماتت ***متأثر المتمم(الطريق) صار أضيق(أنا) صرتُ غاضبا ***فاعل(كلبى) كان يتنزه

* ويمكن أن يكون للمسند إليه أيضا دور [وظيفة] المتلقِّى recipient مع أفعال مثل: "يملك"، مثل ما بين القوسين:

(سميث) يملك جهاز راديو............. [اشتراه أو اشتراه له أبوه]

* وقد تكون للمسند إليه وظيفة بيان المكان أو الزمان، مثل ما بين القوسين:

(هذا الطريق) يَعُجُّ بالنمل.
(يوم الجمعة) سيكون عيد ميلادى.

* وهناك المسند إليه الدال على ترتيب أو نشاط متفق عليه، مثل ما بين القوسين:

(الحفل الموسيقى) سيكون يوم الخميس.

وهكذا، فبفضل تراثنا النحوى الذى أعطى لفاعلية المسند إليه (الفاعل) دلالة نحوية دقيقة: قيامه بالفعل، أو: قيام الفعل به، أو: اتصافه بالفعل، وكذلك بالاستفادة بهذه المقارنة مع النحو الإنجليزى الذى شهد ثورة عميقة خلال العقود الأخيرة، نعود مطمئنين أكثر إلى إحلال مفهوم الفاعل أو المسند إليه محل كل ما يسمى بمرفوعات الأسماء باستثناء المسند (الخبر)، والحقيقة أن هذا الأخير ما كان ينبغى إدراجه أصلا ضمن مرفوعات الأسماء كما سوف نرى.
ويمكننا الآن أن ننتقل إلى بعض تجليات المسند إليه (الفاعل) للإلمام بها، ولمحاولة حلّ عدد من المشكلات التى تتعلق بالمسند إليه، فى الأقسام الثلاثة التالية قبل أن ننتقل إلى المسند (الخبر).







4
المسند إليه
بعض تجلياته أو أشكال تحقيقه

فى "معجم النحو"، الذى وضعه الشيخ عبد الغنى الدقر، نقرأ التعريف التالى "للفاعل":
هو اسم، أو ما فى تأويله، أُسند إليه فعل تام أو ما فى تأويله، مقدَّم عليه، أصلى المحلّ والصيغة .
وأما ما فى تأويل الفعل فهو ما يعمل عمل الفعل، ويشمل الصفة (وهذه تشمل اسم الفاعل، وأمثلة أو صيغ المبالغة، والصفة المشبَّهة، واسم التفضيل) والمصدر واسم الفعل والظرف (كمايقول فى المتن والهامش) . غير أننا لن نقف عند ما يعمل عمل الفعل لأننا نركز المناقشة، طوال هذا البحث، من خلال حصرها فى حدود الفعل دون المؤوَّل به.
وكذلك لن نقف عند عبارة "مقدَّم عليه، أصلى المحلّ والصيغة" لأن المقصود بها، كما ورد فى الهامش ، هو استبعاد المبتدأ والفعل المبنى للمجهول. فقد سبق أن ناقشنا مسألة أن المسند إليه (الفاعل) هو ذاته المبتدأ، وهو ذاته نائب الفاعل، وهو ذاته اسم كان وأخواتها" (بما فى ذلك أفعال المقاربة وأفعال الرجاء وأفعال الشروع).
وإنما يهمنا الآن "الاسم، أو ما فى تأويله" لأننا نتجه الآن إلى مناقشة العلاقة بين المسند إليه من ناحية، وأنواع الكلمة أو الكلمات أو العبارات أو التراكيب التى تكون، أو تصلح لأن تكون، المسند إليه من ناحية أخرى.
والمقصود بالاسم هنا هو الاسم الصريح الظاهر، أو ما يسمى بضمائر الرفع البارزة المتصلة (وهذه الأخيرة ليست فى الحقيقة ضمائر والتقدير السليم لها هو أنها نهايات تصريف الأفعال)، أو ما يسمى بالضمير المستتر (وهذا ليس سوى وهم)، أو الاسم الموصول. أما ما فى تأويله فهو التراكيب المصدرية، مثل ما بين القوسين فى الآية: "أو لم يكفهم (أنَّا أنزلنا)" ، أو فى الآية: "أو لم يأن للذين آمنوا (أنْ تخشع قلوبهم)" .
وهذا لا يختلف من الناحية الجوهرية عن تعريف المبتدأ، فى المعجم المذكور، وهو:
المبتدأ اسم صريح، أو بمنزلته، مجرد من العوامل اللفظية، أو بمنزلته، مُخْبَرٌ عنه، أو وصف رافع لمكتفٍ به .
والمقصود بالاسم هنا هو الاسم الصريح الظاهر، وكذلك ضمير الرفع البارز المنفصل، واسم الإشارة، والاسم الموصول، وأما الذى بمنزلته فهو ما بين القوسين فى الآية: "و(أن تصوموا) خير لكم" .
والمقصود بالمجرد من العوامل اللفظية (الأصلية) هو ما لم تسبقه مثلا حروف جرّ (أصلية) تخرج به عن أن يكون المبتدأ؛ مثل: إلى، على، عن، وأما الذى بمنزلة المجرد من العوامل اللفظية فهو المجرور ظاهريا بحرف جرّ زائد مثل "مِنْ" و"الباء" .
ومن الجلى أن الاسم (الصريح أو الضمير) أو الذى بمنزلته، والمجرد من العوامل اللفظية الأصلية أو الذى بمنزلته، أشياء تنطبق على الفاعل كما تنطبق على ما يسمى بالمبتدأ، فهى كلها تصلح إذن للمسند إليه، أو تكون كلها المسند إليه.
والحقيقة أن التجريد من العوامل اللفظية (الأصلية أو غير الأصلية؟!) لا ينبغى أن يكون شرطا للمسند إليه بأى نوع من أنواعه، وإنما هى نظرة النحو العربى التقليدى الذى لا يتصور مفعولا لفعل وفاعل سابقين قبل أن يصير فاعلا لفعل آخر "جديد" فى الجملة نفسها، والذى لا يتصور مجرورا بحرف جر أصلى أو بالإضافة فاعلا فى الوقت ذاته لفعل يأتى بعده، مع أنه يتصور "ازدواجات" أخرى عديدة إعرابية أو نحوية وإعرابية مثل اللفظة الواحدة منصوبة بعد "إن وأخواتها" مع أنها المبتدأ أو المسند إليه مثلا، أو مثل اللفظة الواحدة التى هى مضاف إليه باعتبار ما قبلها ومضاف باعتبار ما بعدها، مثل لفظة "حجرة" فى جملة: "بابُ حجرةِ الدراسة مفتوح"، فهى مضاف إليه بعد "باب" ومضاف قبل "الدراسة".
أما الوصف الواقع مبتدأ، والذى يستغنى عن خبره بمرفوعه الفاعل (مثل: أَمُرْتَفِعٌ البناءُ؛ ومثل: ما مُكْرَمٌ الجبانُ) حيث البناء فاعل، والجبان نائب فاعل ، بينما احتاج كل من الوصفين إلى فاعل أو نائب فاعل؛ مُرْتَفِعٌ (اسم فاعل) إلى الفاعل، ومُكْرَمٌ (اسم مفعول) إلى نائب الفاعل، فإنه فى نظرى ظاهر التكلف، ويؤكد هذا شرحُهم ذاته وفحواه أن:
بعض أنواع الوصف يُشبه الفعل فى أنه يرفع بعده فاعلا أو نائب فاعل؛ وذلك بشروط معينة ... .
وإذا كان الوصف "مرتفع" ... "يُشبه الفعل"، ويحتاج بالتالى إلى فاعل هو "البناء" - فلماذا لا يعتبرونه نوعا من الفعل والفاعل؟ أو بالأحرى - وببساطة - خبرًا متقدما (مرتفع) ومبتدأً متأخرا (البناء)؟ ولا يغير من هذا فى شيء واقع أن الجملة استفهامية (أمرتفع البناء؟ = أالبناء مرتفع؟ = هل البناء مرتفع؟) أى أننا إزاء المسند إليه (الفاعل) وهو "البناء" وما يسمى بالخبر المفرد المرفوع وهو "مرتفع"، حسب طريقة النحاة، وسوف يتأكد لنا أن هذا المسمى بالخبر المفرد المرفوع ليس خبرا (مسندا) وليس مرفوعا (بل هو ما يسمى فى النحو العربى التقليدى بخبر كان "= متمم الفاعل فى المصطلح النحوى الحديث" بعد حذف فعل الكينونة فى المضارع المثبَت).
والحقيقة أن هذه الجملة من المبتدأ الوصف والمرفوع الفاعل (أو بإيجاز: هذه الجملة من المبتدأ والفاعل) تمثل ذروة الاضطراب فى نحوهم الذى يفترض، كما يقول ابن عقيل، أن:
المبتدأ على قسمين: مبتدأ له خبر، ومبتدأ له فاعل سدّ مسدّ الخبر .
أما عبارة "مخبر عنه" فهناك بالطبع المسند (الخبر)، وهو الفعل أو الفعل وما صحبه، وبإطلاق التقديم والتأخير فى ترتيب عناصر الجملة لن يكون هناك فرق نحوى حقيقى بين الفاعل (المسند إليه) وما يسمى بالمبتدأ، كما رأينا من قبل.
وهكذا نجد أننا فى الحالين إزاء، أو إزاء ما يصلح لأن يكون، المسند إليه (الفاعل). فما هى الكلمة أو الكلمات أو العبارات أو التراكيب التى تصلح لذلك؟
وبطبيعة الحال فإن الحديث عن الكلمات أو العبارات التى تصلح أو لا تصلح لأن تكون المسند إليه (الفاعل) ينطبق بحذافيره تقريبا على كل المسميات الأصلية التى تندرج تحت مفهوم المسند إليه (من فاعل، ونائب فاعل، ومبتدأ، واسم "كان وأخواتها") كما ينطبق أيضا على المفعول به الذى يكون أيضا اسما صريحا (أو ضميرا بارزا منفصلا أو "متصلا" أو اسما موصولا) أو ما فى تأويل الاسم. على أن التجرد من العوامل اللفظية التى قد تصنع الازدواج النحوى أو الإعرابى ينطبق على بعض أنواع المسند إليه أكثر من غيرها، كما يكون انطباقه على المفعول به أقل بما لا يقاس من انطباقه على المسند إليه.
وينبغى أن يكون واضحا على وجه الخصوص أن هذا الحديث لا ينطبق على المسند (الخبر). فالمسند يختلف جوهريا عن المسند إليه فى حقيقة أن هذا الأخير عنصر من عناصر الجملة (مهما تعددت كلمات هذا العنصر) أما المسند فقد يتكون من مجموع كافة العناصر الأخرى للجملة (الفعل، والمفعول به، ومتمم الفاعل ومتمم المفعول به، والظرف). والحد الأدنى للمسند (الخبر) هو الفعل اللازم. ولأن المسند (الخبر) هو قبل كل شيء الفعل، مع أو بدون عناصر أخرى، فهو جزء من الجملة يختلف عن المسند إليه بكل أشكاله، ولا يُعقل الحديث عن كلمات أو عبارات تصلح أو لا تصلح لأن تكون المسند (الخبر) وإنما يكون الحديث النحوى المنطقى الحقيقى عن عناصر الجملة التى تشكل المسند (الخبر) وأولها الفعل. على أن من المنطقى بعد ذلك أن نلتفت إلى الكلمات أو العبارات أو التراكيب التى تصلح لأن تكون "التحقيق المباشر" لكل عنصر من عناصر الجملة التى يتشكل منها المسند. ومن هذه العناصر: "الفعل" وهو معروف ومتميز، والمفعول به وينطبق عليه بوجه عام ما ينطبق على المسند إليه من حيث تحقُّقُه بالاسم أو ما فى تأويله، وهناك تراكيب خاصة متنوعة لكل من العنصرين الباقييْن: الظرف، ومتمم الفاعل ومتمم المفعول به.
وليس من الوارد هنا بطبيعة الحال أن نستقصى كافة الكلمات أو تراكيب أومجموعات الكلمات التى تصلح أو لا تصلح لأن تكون المسند إليه (الفاعل)، أو لأن تكون عناصر أخرى. ذلك أن التركيز هنا ينصبّ على نقاط بذاتها فى سبيل تطوير النحو ولا يمكن فى مثل هذا السياق التفكير فى الإلمام بكل أبواب النحو أو فى تقديم عرض منهجى منتظم للنحو الجديد المقترح. وعلى هذا فإننا سنقف بإيجاز عند عدد من الكلمات أو أقسام الكلام أو العبارات أو التراكيب أو الصيغ التى تُستعمل عادة فى تحقيق أشكالٍ للمسند إليه (الفاعل).
وقد أشرنا، منذ قليل، إلى "الاسم"، ويمكن أن نضيف إلى الاسم ما يمكن أن يحلّ محلّه كالضمير أو اسم الإشارة المستعمل ضميرا، واسم الموصول، وكذلك التراكيب المصدرية التى يمكن تأويلها بالاسم أو القابلة للقيام بوظيفة اسمية.
على أنه ينبغى النظر إلى "كل لفظة" على أنها تصلح للاستعمال مسندا إليه (فاعلا) فى سياقات بذاتها، وبصفة خاصة فى سياق "التعريف"؛ مثل ما بين القوسين:

(الأسدُ) اسمٌ.

(يَذْهَبُ) فعلٌ.

(إلى) حرفٌ.

فالكلمات المستعملة بين قوسين هنا مستعملة وكأنها "أسماء" بتضمين معنى: "كلمة كذا" (= [كلمة "إلى"] حرف).
على أن الاسم وما فى معناه وما يحلّ محلّه هو المسند إليه (الفاعل). وهنا يمكن الحديث عن المجموعة الاسمية والمجموعة الفعلية. والمجموعة الاسمية تتضمن اسما وحدّها الأدنى هو هذا الاسم. والمجموعة الفعلية تتضمن فعلا وحدّها الأدنى هو هذا الفعل. والمجموعة الاسمية بحدّها الأدنى يمكن أن تكون: أسد، بنت، تلميذ، حسام، فرنسيون. غير أن هذا الحد الأدنى "قابل" للتوسيع بالتحلية ﺒ "ال"، أو بالوصف بكلمة أو أكثر، أو بإضافات متنوعة (بما فى ذلك تحويلها إلى مجموعة اسمية تحتوى على عناصر جملة متعددة دون أن تفقد حقيقة أنها مجموعة اسمية قابلة للقيام بوظيفتها الاسمية)، وهذه المجموعة الاسمية قابلة للاستعمال كمسند إليه لكن أيضا كمفعول به كما أنها صالحة لبعض العناصر الأخرى للجملة.
أما المجموعة الفعلية فيمكن أن تكون، فى حدها الأدنى، فعلا من الأفعال، مثل: أكل، قرأ، فهم، يستقبل. ولكنها أيضا قابلة للتوسيع بالنفى، أو بتكوين المجموعة من كلمات يتمثل رأس المجموعة فيها فى فعل.
وإلى جانب المجموعة الاسمية والمجموعة الفعلية هناك المجموعة الجُمْلية (= الجُمَيْلة) وتسمى هذه المجموعة (الجُمْلية) بالإنجليزية clause وبالفرنسية proposition وهى تتكون من مجموعة اسمية noun phrase (بالإنجليزية) أو groupe nominal (بالفرنسية) ومجموعة فعلية verb phrase (بالإنجليزية) أو groupe verbal (بالفرنسية). وتصلح المجموعة الجُمْلية ذات الوظيفة الاسمية للمسند إليه وللمفعول به، وتبدأ هذه المجموعة الجُمْلية ذات الوظيفة الاسمية بالأدوات: أَنْ، أَنَّ، ما.
والحقيقة أن تمحور النحو العربى حول الإعراب (منذ نشأته المتمحورة حول الإعراب بالذات ضد ظاهرة اللحن الإعرابى الذى كان يشكل خطرا على الإعراب فى مسار تاريخى انتهى بإسقاطه فى لغة الحياة اليومية وفى دوائر واسعة من لغة الكتابة والثقافة) أدَّى إلى تضحية النحاة فى كثير من الأحوال بالمفهوم السليم للمسند إليه كعنصر من عناصر الجملة لصالح اللفظة المفردة التى تحمل علامة الرفع (كما ظلوا يفعلون مع حالات الإعراب الأخرى كذلك)، مما أدَّى بهم إلى اعتبار المسند إليه هو اللفظة التى تحمل علامة الإعراب اللهم إلا فى حالات الإعراب المحلى والجمل التى لها محل من الإعراب، وفقا لمصطلحاتهم الشهيرة.
وعلى سبيل المثال ففى جملة: "سيأتى (معلِّم) المدرسة وليس (معلِّم) السوق"، يعتبر النحاة ما بين القوسين أى كلمة "معلِّم" هو المسند إليه بعد كل من "يأتى” و"ليس"، على حين يتمثل المنطق النحوى السليم فى أن المسند إليه هو "معلم المدرسة" فاعلا للفعل "يأتى” و"معلم السوق" فاعلا للفعل "يأتى” المنفى ﺒ "ليس"، مع إيضاح لا مناص منه هو أن اللفظة الأولى هى التى تأخذ إعراب المسند إليه (أى: الرفع، وعلامته هنا أى: الضمة) دون لفظة المضاف إليه المجرورة بالإضافة رغم أنها "جزء لا يتجزأ"، كما يُقال، من المسند إليه (الفاعل).
وعلى هذا سنورد مجموعة من الجمل وضعنا المسند إليه (الفاعل) فى كل منها بين قوسين، أما ما يرد خارج القوسين فهو المسند سواء جاء "قبل" المسند إليه أو "بعده"، أو جزء منه "قبله" وجزء آخر منه "بعده":
1: (هى) تعزف على الپيانو.
2: (هذه الفتاة الجميلة) تعزف على الپيانو.
3: (تلك الفتاة الجميلة ذات الحسب والنسب) تعزف على الپيانو.
4: (تلك الفتاة الجميلة ذات الحسب والنسب التى غضبت منى أمس عندما تحدثت معها بعصبية لم أقصدها أبدا والله العظيم) تعزف على الپيانو.
5: (هذه) تعزف على الپيانو و(تلك) على الكمان.
6: (صديقى الحميم) سيأتى معه.
7: سيأتى (صديقى الحميم) معه.
8: (أنَّك أتيتَ) كان جميلا منك.
9: (واقع أنَّك أتيتَ) كان جميلا منك.
10: كان جميلا منك على كل حال(واقع أنَّك أتيتَ).
11: (أنْ تعتذر) خير من أن تعاند وتستكبر.
12: (ما تسبب فى انقطاعه المفاجئ) ما يزال غير مفهوم.
13: "و(أنْ تصوموا) خير لكم" .
14: "أوَ لم يكفهم (أنَّا أنزلنا)" .
15: "عزيز عليه (ما عَنِتُّمْ)" .
16: "قل أُوحى إلى ( أنه استمع نفر من الجن)" .
ويمكن بطبيعة الحال مضاعفة المسند إليه (الفاعل) بالعطف مثل ما بين القوسين فى جملة: "(فلان وعلان) قاما بكذا"، أو بإضافة بدل له: "(عبد السلام، صديقى الذى حدثتك عنه أمس،) سيأتى لزيارتنا اليوم"، كما يُحذف المسند إليه (الفاعل) مع فعل الأمر، وكذلك عند تعدد الأفعال المسندة إليه فهو لا يتكرر مع كل فعل جديد.
ونعود هنا إلى نقطة بالغة الأهمية، ألمحنا إليها من قبل، فيما يتعلق بالمسند إليه (الفاعل)، ويمكن أن نصوغ هذه النقطة فى شكل السؤال التالى: هل يمكن أن يكون المسند إليه (الفاعل) شيئا آخر فى الوقت ذاته، بمعنى "نحوى” أى أن يكون عنصرا آخر من عناصر الجملة بالإضافة إلى كونه مسندا إليه (فاعلا)، وبمعنى "إعرابى” بمعنى أن يكون منصوبا أو مجرورا رغم أن حكمه الرفع على أنه المسند إليه على كل حال؟
ونحن نعلم أن النحو العربى يميز بطبيعة الحال بين المسند إليه الذى يتقدمه الفعل (وهو الفاعل ونائبه واسم "كان وأخواتها") والمسند إليه الذى يتأخر عنه الفعل "وجوبًا" (وهو المبتدأ). وما يتقدمه الفعل مرفوع دائما إلا إذا جَرَّهُ "ظاهريًّا" حرف جرّ "زائد"، ويأتى الفاعل بمفهومه فى النحو العربى التقليدى مجرورا بعد "مِنْ" الزائدة، كما فى الآية: "وأن تقولوا ما جاءنا من بشير" ، أى: "جاءنا بشيرٌ"؛ أو بعد "الباء" الزائدة، كما فى الآية: "وكفى بالله شهيدا" ، أى: كفى اللهُ؛ وهذا على كل حال قليل.
أما المبتدأ فيختلف. فهناك ما يسمى بنواسخ الابتداء أو نواسخ المبتدأ والخبر. ويصبح المبتدأ هنا اسمًا منصوبا للناسخ مع "إن وأخواتها"، ويظل مع ذلك المبتدأ أو المسند إليه. وهناك حروف الجر الزائدة، التى تجر المبتدأ بدوره ظاهريا دون أن تغير طابعه النحوى باعتباره المبتدأ أو المسند إليه. فهو مبتدأ مجرور (فى "محل رفع" طبعا) بعد "مِنْ" الزائدة، كما فى الآية: "هَلْ مِنْ خالقٍ غيرُ اللهِ" ، أو بعد "الباء" الزائدة، فى "بحسبك درهمٌ"، أو كما فى الآية: "بأيِّكم المفتون" .
وهنا يأتى الشرط الخاص بأن المبتدأ مجرد من العوامل اللفظية الأصلية (وليس منها بالطبع حروف جرّ بالذات شاءت لهم براعتهم النحوية أن يسموها زائدة).
أما العوامل اللفظية الأصلية التى تعمل عملا غير الرفع فهى غير متوقعة عندهم مع الفاعل بالمفهوم التقليدى، إلا فى إطار ما يسمونه بحرف الجر الزائد الذى قد يسبق الفاعل، كما رأينا منذ قليل. ومن شأنها، من ناحية أخرى، أن تحوِّل "المبتدأ" إذا سبقه فعل وفاعله إلى "مفعول به"، أو أن تنحرف بالمبتدأ عن معناه أو أن تدمر أصلا كل معنى للجملة (إذا سبقته حروف جر أصلية؛ مثلا: إلى، على، فى، إلخ.).
ونخرج من هذا بأن النحاة يقبلون أن يسبق المسند إليه (الفاعل أو المبتدأ) حرف جر "زائد" لا يخرج به عن مفهومه كعنصر من عناصر الجملة، مع أنه مجرور (فى "محل رفع" بطبيعة الحال). وهم يقبلون نصب (أو رفع) "المبتدأ" بالنواسخ غير أنه يصير عندئذ اسما لهذا الناسخ أو ذاك (اسم "إن" فى النصب أو اسم "كان" فى الرفع).
غير أن هناك حالة، لم يطرحوها أصلا، للتجرد من العوامل اللفظية الأصلية، وهى حالة أن يتقدم المسند إليه (المبتدأ أو الفاعل) فعل ينصبه كمفعول به فتزدوج صفته ازدواجا جذريا بالمعنى النحوى: المسند إليه (الفاعل) لفعل سيكون مفعولا به أيضا لفعل آخر وفاعل آخر، وبالمعنى الإعرابى: المسند إليه (الفاعل) سيكون هنا فى "محل رفع" غير أنه سيكون فى الوقت ذاته منصوبا نصبا حقيقيا بعامل لفظى أصلى. على أن هذا النحو لا يقبل الازدواج الذى يصل إلى حد المرفوع بعامل أصلى والمنصوب فى الوقت ذاته بعامل أصلى أيضا من الناحية الإعرابية، أو إلى حد الفاعل والمفعول به فى لفظة واحدة فى آن معا، من الناحية النحوية. أما حقيقة أن نواسخ المبتدأ والخبر من حروف وأفعال عوامل لفظية أصلية فلا مناص من الالتفاف حولها "بحيل" لا حصر لها ولا حدود لبراعتها. فالألقاب الجديدة: اسم أو خبر "إن" أو اسم أو خبر "كان"، تتكفل بتغطية الفجوة بين الحالة الواحدة التى يريد النحاة أن يفرضوها نحويا وإعرابيا على اللفظة الواحدة وبين طبيعة الحياة ذاتها التى لا تمنع المفعول به من أن يكون فاعلا أو العكس.
والحقيقة أن التحليل الإعرابى النحوى التقليدى يتسم بنفاق لا حد له فى هذه النقطة. فالفاعل الضمير المستتر يعود على (أو ضمير الرفع البارز المتصل يربط به) ما سبق الفعل من مبتدأ، او اسم ناسخ، أو المجرور، أو المفعول به. ويعود الضمير المستتر فاعلا "فى محل رفع" على ما قبله مرفوعا أو منصوبا أو مجرورا. وتدل هذه العودة على أنهم يقبلون أن يستند المرفوع ("محليا") إلى المرفوع أو المنصوب أو المجرور، بما فى ذلك أن يستند الفاعل ("المرفوع محليا") إلى المفعول به المنصوب (مثل: رأيتُ المدرسَ يشرح موضوعا معقدا بسهولة لا تُصدّق)، فالنحو العربى التقليدى، الذى لا نملك غيره، يجعل فاعل "يشرح" ضميرا مستترا يعود فى "محل رفع" على "المدرس" أى المفعول به المنصوب، بدلا من أن يقبل فكرة أن "المدرس" هو المفعول المرئى لمن رآه والفاعل الشارح لموضوعه المعقد!!
ونضرب بعض الأمثلة مع التحليل النحوى الإعرابى المختصر للنقطة التى تهمنا فى كل منها:
1. السمك يعيش فى الماء.
(يزعمون أن فاعل "يعيش" ضمير مستتر "بعده" يعود، فى محل رفع، على المبتدأ المرفوع: "السمك" = المرفوع يعود على المرفوع = الفاعل فى المعنى وهو المبتدأ = السمك هو الذى يعيش).
2. أعتقد أنّ الحبَّ يقتلُ أحيانا.
(يزعمون أن فاعل "يقتلُ" ضمير مستتر "بعده" يعود، فى محل رفع، على اسم "أنّ" المنصوب: "الحبَّ" = المرفوع يعود على المنصوب = الفاعل فى المعنى هو اسم "أنَّ" = الحب هو الذى يقتل).
3. مررتُ برجلٍ يكلمُ نفسَه.
(يزعمون أن فاعل "يكلمُ" ضمير مستتر "بعده" يعود، فى محل رفع، على المجرور بحرف الجر: "رجل" = المرفوع يعود على المجرور = الفاعل فى المعنى هو المجرور = الرجل هو الذى يكلم نفسه).
4. رأى فلانٌ مناما يدورُ فى عالم غريب.
(يزعمون أن فاعل "يدور" ضمير مستتر "بعده" يعود، فى محل رفع، على المفعول به المنصوب: "مناما" = المرفوع يعود على المنصوب = الفاعل فى المعنى هو المفعول به = المنام هو الذى يدور).
ويتضح من التحليل الموجز السابق لبعض الجمل أن النحو العربى كان يمكن أن يريح نفسه وعلماءه ودارسيه ومستعمليه لو أنه اعتبر "ما يعود عليه الضمير المستتر المُتَوهَّم أو ما يربط به ضمير الرفع البارز المتصل المعلن أنه فاعل مع أنه مجرد نهاية تصريف للفعل"... "فاعلا" للفعل الذى يليه، قابلا، بالتالى، هذين الأمرين المترابطين:
1. المسند إليه (الفاعل) قد يخضع لتأثير عامل لفظى أصلى (غير عامل رفعه كمسند إليه) فينصبه أو يجره مع أن حقه الرفع.
2. المسند إليه (الفاعل) يمكن أن يكون بالإضافة إلى كونه هذا العنصر المحدد من عناصر الجملة عنصرا آخر فى الوقت ذاته، وبالأخص أن يكون مفعولا به لفعل وفاعل سابقين (تحليليا وليس مكانيا بالضرورة) بالإضافة إلى كونه المسند إليه (الفاعل) لفعل لاحق (قد يتعدى بدوره إلى مفعول به أو إلى مفعولين).
ومعنى هذا أن يقوم تحليلنا النحوى الإعرابى، فيما يتعلق بالمسند إليه (الفاعل)، بالبحث عن كل "فعل" فى الجملة، وأن نبحث عن فاعله الذى تم إسناده إليه وتصريفه معه، قبله أو بعده، سواء كان هذا الفعل ناقصا أو لازما أو متعديا، أو مبنيا لفاعل الفعل أو مفعوله، وهنا نرفع هذا المسند إليه (الفاعل) ما لم يكن مجرورا أو منصوبا بعامل من العوامل اللفظية من أدوات أو أفعال أو غيرها.
ومن الجلى أن اعتبارنا لاسم "كان وأخواتها" فاعلا (المسند إليه) يجعل هذا الأخير فاعلا لفعلين يتلوانه أو يسبقانه أو يسبقه أحدهما ويتلوه آخر، بفاصل بينه وبين الفعل، قبله أو بعده، أو بدون فاصل، ففى الجمل:
كان (مراد) يقرأ.
(مراد) كان يقرأ.
كان (مراد) وحده يقرأ.
"مراد" هو المسند إليه (الفاعل) لكل من الفعلين: "كان" و"يقرأ". على أن المسند فى كل الأحوال هو "كان يقرأ" (مع ضم "وحده" إليهما فى الجملة الأخيرة). فنحن إذن إزاء فعلين تم تصريف كل منهما مع المسند إليه (الفاعل) غير أنهما يشكلان معا "مجموعة فعلية" من نوع خاص تضيف فيها أفعال "كان وأخواتها" (وكذلك أفعال المقاربة والرجاء والشروع) دلالاتها المتنوعة إلى دلالة الفعل "التام" معها، وبصفة خاصة فإن فعل الكينونة بالذات يشترك مع الأفعال الأخرى فى تكوين الأزمنة المركبة فى اللغة العربية.



5
ما يسمى بنواسخ المبتدأ والخبر
أ: الأفعال المسماة بالناسخة

يقرر النحو العربى أن نواسخ المبتدأ والخبر كما يسميها تدخل على جملة أصلها المبتدأ والخبر فتنسخهما أى تغيِّر إعرابهما. فهل هى حقا نواسخ للمبتدأ؟ وهل تنسخ الخبر حقا؟ وهل تدخل حقا على جملة اسمية أو على جملة أصلها المبتدأ والخبر؟
لقد حاولت المناقشة السابقة تمهيد السبيل أمام إلغاء تقسيم الجمل إلى اسمية وفعلية، وإلغاء مفهوم المبتدأ ليكون مجرد نوع من أنواع المسند إليه (أى: الفاعل)، وإلغاء إعراب المسند (الخبر) وإخراجه من مرفوعات الأسماء، باعتبار أن ما يسمى بالخبر المفرد (وهو مرفوع "عمليا" دون شك لكنه رفع ظاهرى عشوائى كما رأينا وكما سنرى) ليس خبرا لأنه لا يكون خبرا إلا مع فعل الكينونة المحذوف فى المضارع المثبت، وباعتبار أن المفهوم السليم للمسند (الخبر) يشمل كل ما هو غير المسند إليه فى الجملة، ولا يُعقل التفكير فى إعراب مجموعة من العناصر النحوية المتنوعة حتى فى حالة إقرار ما يُسمَّى بالإعراب المحلى (فالإعراب المحلى يتعلق على كل حال بالعنصر الواحد من عناصر الجملة سواء أكان مبنيا أم متعدد الألفاظ وليس بعنصرين أو أكثر من هذه العناصر النحوية معا)، وباعتبار أن قياس رفع الخبر على هذا الرفع "العملى” العشوائى "للخبرالمفرد" إنما هو قياس فاسد ظاهر الفساد.
وفى ضوء هذه المناقشة نشعر بأن نواسخ الابتداء هذه تغدو معلقة فى الهواء، بقدر ما يهتز اقتناعنا بمفاهيم الجملة الاسمية والفعلية والمبتدأ والخبر وإعراب (رفع) الخبر.
وإذا نحن تأملنا جملة مثل: "إن الله يغفر الذنوب"، فإننا نجد أن الحرف الناسخ "إن" يمكن استخدامه لتوكيد جملة: "الله يغفر الذنوب" أو لتوكيد جملة: "يغفر الله الذنوب". وفى الحالين لا يمكننا أن نستنتج سوى شيء واحد وهو أن المسند إليه (الفاعل) فى الجملة البادئة بالاسم أو الجملة البادئة بالفعل هو الذى نأتى به بعد الحرف الناسخ "إن"، كما أن التأثير الإعرابى لهذا الأخير يقتصر على المسند إليه (الفاعل) بالنصب.
وبطبيعة الحال فنحن نقرأ أو نكتب، نسمع أو نقول، الجملة التى تشتمل على "النواسخ"، وقد صيغت بالنواسخ ومعها وبافتراض الدلالات اللغوية والبلاغية والنحوية لهذه النواسخ وكذلك بافتراض آثارها الإعرابية. ويبدو من العبث بالتالى بأن نبدأ بتجريد هذه الجمل من النواسخ التى كانت ماثلة فى صميم الجمل المعنية منذ البداية.
والنواسخ على كل حال متنوعة، وينبغى الحديث عن كل نوع منها على حدة وبما يتلاءم مع خصائصه. ونقرأ فى "النحو الوافى” للأستاذ عباس حسن ما يلى:
النواسخ بحسب التغيير الذى تحدثه ثلاثة أنواع: نوع يرفع اسمه وينصب خبره فلا يرفع فاعلا ولا ينصب مفعولا؛ مثل: "كان - وأخواتها"، ونوع ينصب اسمه ويرفع خبره، مثل "إن - وأخواتها"، ونوع ينصب الاثنين، ولا يستغنى عن الفاعل؛ مثل: "ظن - وأخواتها" .
ونبدأ ببحث "كان وأخواتها" بالمعنى الضيق (أى بدون أفعال المقاربة والرجاء والشروع التى سنتناولها بعدها مباشرة).
وأفعال "كان وأخواتها" هى ما يلى:
أ: أفعال التوقيت بزمن: 1: كان 2: أصبح 3: أضحى 4: ظل 5: أمسى 6: بات.
ب: أفعال الاستمرار: 7: زال 8: برح 9: فتئ 10: انفكّ. (وهى لا تعمل عمل "كان" إلا إذا سُبقت بحرف نفى = ما زال، لا زال، لم يزل، وهكذا مع باقى هذه الأفعال).
ج: فعل الصيرورة أو التحول: 11: صار.
د: فعل النفى: 12: ليس.
ه: فعل الدوام أو بيان المدة: دام (بشرط أن يُسبق بما: ما دام).
وهى تختلف من حيث العمل:
أ: ما يعمل عمل "كان" مطلقا: 1: كان 2: أصبح 3: أضحى 4: ظل 5: أمسى 6: بات 7: صار 8: ليس.
ب: ما يعمل عمل "كان" بشرط أن يتقدمه نفى أو نهى أو دعاء: ما، لا، لم، وهى: 9: زال 10: برح 11: فتئ 12: انفكّ.
ج: فعل يعمل عمل "كان" بشرط تقدم ما المصدرية الظرفية: (وهو "دام") 13: ما دام.
كما أنها تختلف من حيث تصرفها من عدمه:
أ: أفعال لا تتصرف: 1: ليس 2: دام.
ب: أفعال تصرفها ناقص: 3: زال 4: فتئ 5: برح 6: انفكّ (لا يُستعمل منها أمر ولا مصدر).
ج: أفعال تصرفها تام: وهى باقى الأفعال.
وقبل أن نطرح على هذه الأفعال تلك الأسئلة التى تصدَّر بعضها هذا الفصل، نقرأ هذه الجمل:
كان العبء ثقيلا.
كان ثقيلا العبء.
العبء كان ثقيلا.
العبء ثقيلا كان.
ثقيلا كان العبء.
ثقيلا العبء كان.
ونلاحظ أوُلا أن هذه التنويعات كلها صحيحة ومستعملة فى اللغة العربية، لأغراض بلاغية أو عروضية أو لمجرد التلاعب بالألفاظ فى سياق يستدعيه.
والمسند إليه (الفاعل) فى كل هذه الأحوال هو "العبء" أما المسند (الخبر) فهو فى كل الأحوال أيضا "كان ثقيلا". وليس هناك شرط من أى نوع (اللهم إلا فى مزاعم النحاة) يحتم أن يتقدم فعل "كان" المسند إليه أو يليه.
وفى كل الأحوال لم ينسخ فعل "كان" شيئا على الإطلاق. و"العبء" ليس اسم "كان" بل هو فاعل "كان". و"ثقيلا" ليس خبر "كان" بل هو منصوب لأن فعل "كان" تم إسناده إلى "العبء" قبله أو بعده (مباشرة أو حتى فى وجود لفظة تفصل بينهما: "ثقيلا" كما فى بعض الجمل السابقة)، و"ثقيلا" متمم للمسند إليه (مع الأفعال الرابطة، والحقيقة أن الأفعال التى تعمل عمل "كان" أوسع عددا فى المعجم من هذا العدد الضئيل الذى يذكره النحاة)، وهذا المتمم للمسند إليه منصوب ولا يكون مرفوعا إلا عند حذف "كان" فى المضارع المثبَت، كما سبق القول.
ومن الجلى أن قاعدة إلغاء اسم وخبر "كان" ليحلّ محلهما المسند إليه (الفاعل) والمسند (وهذا الأخير أى المسند "الخبر" يتركب من: الفعل "كان" + متمم المسند إليه "المنصوب") تنطبق على كل أخوات "كان"، ولا ينفرد فعل "كان" بينها إلا بقاعدة متمم المسند (خبر المبتدأ أو خبر "إن وأخواتها" فى النحو العربى التقليدى) فى حالة حذف فعل الكينونة فى المضارع المثبَت.
فهل يجوز أن نقول، بعد كل هذا، إن فعل "كان" .. "لا يرفع فاعلا ولا ينصب مفعولا" (كما يردد الأستاذ عباس حسن وغيره قول النحاة القدماء أو النحو القديم)؟
بالعكس، "فالعبء" مرفوع لأنه فاعل (ويقول النحاة تشبيها بالفاعل!) و"ثقيلا" منصوب (ويقول النحاة تشبيها بالمفعول به!).
ونقرأ أيضا هاتين الجملتين (ونكتفى بهما اختصارا بدلا من التنويعات والبدائل الممكنة):
كان التلميذ يذاكر.
التلميذ كان يذاكر.
"فالتلميذ" هو المسند إليه (الفاعل) أما المسند (الخبر) فهو "كان يذاكر". و"التلميذ" مرفوع لأنه الفاعل، و"يذاكر" فعْل، فلا علاقة برفعه أو نصبه أو جزمه بفكرة نصب متمم الفاعل (المسند إليه) وكذلك متمم المفعول به (المباشر) بعد "كان وأخواتها"، أما القول بأن "يذاكر" فى محل نصب فإنه يتوقف على الموقف مما يُسمَّى بالإعراب المحلى ككل، وهذا أمر سنناقشه فى المكان الملائم.
إذن لا جملة اسمية (ولا فعلية)، ولا مبتدأ، ولا خبر، ولا اسم "كان"، ولا خبر "كان"، ولا نسْخ من أى نوع، بل نحن إزاء الفاعل المرفوع لفعل "كان" أو "أخواتها"، وإزاء نصب متمم الفاعل (المسند إليه) بعد تصريف أفعال "كان وأخواتها" معه. فلا ينبغى إذن أن نسمى "التلميذ" اسم "كان" أو "يذاكر" خبر "كان"، فالحقيقة أن "التلميذ" و "يذاكر"، على الترتيب، الفاعل (المرفوع) لهذا الفعل ومتمم الفاعل (المسند إليه) وهو منصوب فى بعض أشكال تحقيق هذا المتمم (شكل اللفظة المعربة المفردة التى قد يتبعها النعت أو المضاف إليه، إلخ.) وفى "محل النصب" فى حالة إقرار الإعراب المحلى، ولا يكون مرفوعا إلا فى حالة حذف فعل الكينونة بالذات فى المضارع المثبَت بالذات.
وهناك، كما نعلم، حروف تعمل عمل "كان" وبالأحرى عمل "ليس"، وهى "النافيات المشبهات بليس": 1: ما 2: لا 3: إنْ 4: لاتَ ، ومن أحكامها:
1: "ما": لا تعمل فى لغة بنى تميم وتعمل بشروط فى لغة أهل الحجاز.
2: "لا": لا تعمل فى لغة بنى تميم وتعمل بشروط فى لغة أهل الحجاز.
3: "إنْ": لا تعمل فى مذهب البصريين وتعمل فى مذهب الكوفيين.
4: "لاتَ": مذهب الجمهور أنها تعمل عمل "ليس" فى لفظ "الحين" عند بعضهم، وكذلك فيما رادفها كالساعة وغيرها أيضا عند بعضهم الآخر.
ولنقرأْ الأمثلة التالية أوّلا بافتراض عمل هذه الحروف:
1: "ما": ما زيدٌ قائمًا.
"ما هذا بشرًا" .
ما الشجاعُ خوّافًا.
2: "لا": لا رجلٌ غائبًا.
لا طائرٌ موجودًا.
3: "إنْ": إنْ المرءُ ميتًا.
إنْ هو مستوليًا على أحد إلا على أضعف المجانين.
4: "لاتَ": "ولاتَ حينَ مناصٍ" .
ولاتَ ساعةَ مندمٍ.
وإذا نحن قرأنا أمثلة "ما"، و"لا"، "إنْ"، بدون إعمالها، فلن تكون أمامنا فى كل حالة (على سبيل المثال: "ما زيدٌ قائمٌ") سوى جملة تتكون من المسند إليه (المرفوع) والمسند (الخبر) الذى سقط منه فعل الكينونة المحذوف فى المضارع المثبَت، فهو مرفوع "عمليا" رفعا عشوائيا باعتباره ما يسمى بالخبر المفرد لغياب العامل اللفظى المباشر للنصب وهو فعل "كان" المحذوف: "ما الشجاعُ خوافٌ"، "لا رجلٌ غاضبٌ"، "إنْ المرءُ ميتٌ". أما إعمال هذه الحروف فقد "فاجأنا" ببقاء النصب رغم حذف الناصب وهو فعل "كان".
أما إذا أردنا الماضى أو المستقبل فلا مناص من ظهور فعل الكينونة ولا مناص من نصب متمم الفاعل؛ مثلا:
ما كان الشجاعُ خوّافًا.
لا رجلٌ كان غاضبًا.
وليس لكل هذا معنى سوى أننا لسنا إزاء عمل أو عدم عمل "ما"، أو "لا"، أو "إنْ" النافيات بل إزاء عمل أو عدم عمل فعل "كان"، إلا أن المفاجأة كانت (بالقياس إلى ما يسمى بخبر المبتدأ وخبر "كان وأخواتها") بقاء النصب رغم حذف فعل الكينونة فى المضارع المثبَت فى حالة ما يسمى بإعمال هذه الحروف مع أن الرفع العشوائى هو القاعدة كما سبق أن رأينا، وهذا الرفع العشوائى هو الذى نلقاه فى الحالة المسماة بعدم إعمال "ما" و"لا" كما هو منسوب إلى لغة بنى تميم وعدم إعمال "إنْ" كما هو منسوب إلى مذهب البصريين.
والاستنتاج العام فيما يتعلق بهذه الأحرف الثلاثة هو أنها لا تعمل عمل "كان" لا فى لغة بنى تميم ولا فى لغة أهل الحجاز، وكل ما يميز هذه الأحرف هو أن حذف فعل "كان" معها فى المضارع المثبَت يؤدى كعادته إلى الرفع العشوائى لمتمم الفاعل عند قوم أو مذهب، ولا يؤدى إلى ذلك بل يجعل النصب قائما بشروط رغم الحذف عند قوم أو مذهب. وقد لاحظنا من قبل أن نفى الجملة التى تشتمل على مسند مرفوع عشوائيا يُظهر فعل الكينونة مهما كان الزمن الذى ننفى فيه. فالجملة: "الكتابُ مفتوحٌ" يمكن نفيها فى عدة أزمنة بصيغ منها: "لم يكن الكتابُ مفتوحًا"، "لن يكون الكتابُ مفتوحًا"، "لا يكون الكتابُ مفتوحًا"؛ وهنا، أى فى حالة النفى وظهور فعل الكينونة بالتالى يكون ما يسمى بالخبر المفرد (أى: "متمم الفاعل") منصوبا. فلعلنا نلاحظ أن نصب هذه الأحرف "النافيات المشبهات بليس" إنما أتى مع النفى أيضا فى هذه الحالة المفاجئة (حالة النصب رغم حذف فعل الكينونة) فكأن حذف فعل الكينونة اقتصادًا رغم النفى كان المبرر الموضوعى فى لغة قوم، أو المبرر الوضعى فى مذهب نحوى، لإعمال "كان"، فتصوَّر النحاة أن ما جرى إعماله هو هذه "النافيات" وليس "كان".
والدليل على أن هذه الحروف "النافيات المشبهات بليس" لا تعمل عمل "كان" (أو عمل "ليس" إلا من حيث النفى) هو الحاجة إلى ماضى ومستقبل فعل الكينونة لتغيير الزمن، بالإضافة إلى أن إدخال مضارع "كان" لا يتناقض مع وجود هذه الحروف، الأمر الذى يتسق مع كل نفى لمثل هذه الجمل محذوفة الكينونة، والمنطق وراء هذا الحذف هو الاقتصاد اللغوى فى أسلوب خاص يستند إلى منتهى الإيجاز.
أما "لاتَ" فهى: "حرف نفى بمعنى ليس، مختص بالوقت" ، وهى (وفقا للمعجم الوسيط): "كلمة معناها [ليس]، تقع على لفظ الحين خاصة عند سيبويه، فتنصبه. وهى تعمل عمل ليس، ولكن لا يُذكر بعدها إلا أحد المعمولين. والغالب أن يكون المحذوف هو المرفوع" ، وهى (وفقا للمعجم الوسيط أيضا): "أداة نفى. وهى عند جمهور النحاة كلمتان: لا النافية والتاء لتأنيث اللفظ، تعمل عمل ‘ليس‘ وفى الأزمان غالبا، ولا يُذكر بعدها إلا أحد المعمولين. والغالب أن يكون المحذوف اسمها" ، وتختص "لات" إذن: "بأنها لا يُذكر معها الاسم والخبر معًا" ، فنلقى فى: "ولاتَ حينَ مناصٍ" تقدير حذف الاسم وبقاء الخبر، فيكون التقدير: "ولاتَ الحينُ حينَ مناصٍ"، فالحينُ "اسم لاتَ" مرفوع وحينَ "خبر لاتَ" منصوب. أى أن "لات" هى "ليس" ذاتها مع خصوصية حذف "اسمها" فهى إذن أخت من أخوات "كان" ومن هنا تختلف تماما عن النافيات الأخرى "المشبهات بليس".
ويشتمل ما يسمى بخبر أفعال المقاربة والرجاء والشروع على فعل مضارع، وعندهم أن هذه الأفعال لا ترفع فاعلا ولا تنصب مفعولا، بل تنسخ المبتدأ فترفعه اسمًا لها وتنسخ خبر المبتدأ فتجعله خبرا لها فى "محل نصب" لأنه فعل مضارع.
وتدلّ أفعال المقاربة على قرب وقوع المسند، وهى: 1: كادَ 2: كَرَبَ 3: أوشكَ (ويكون المضارع مسبوقا "بأنْ" المصدرية مع "أوشك" وغير مسبوق بها مع "كادَ" و"كَرَبَ").
وتدلّ أفعال الرجاء على رجاء ("تَمَنِّى”) وقوع المسند، وهى: 1: عَسَى 2: حَرَى 3: اخلولق (ويكون المضارع مسبوقا "بأنْ" المصدرية معها جميعا).
وتدلّ أفعال الشروع على البدء فى حدوث المسند، وأشهر هذه الأفعال: 1: شرع 2: أنشأ 3: طَفِقَ 4: أخذ 5: عَلِقَ 6: جعل 7: قام 8: هبَّ (لا يكون المضارع مسبوقا معها "بأنْ" المصدرية).
ونقرأ قليلا من الجمل:
1: الرجال كادوا يبكون.
2: الرجال أوشكوا أن يبكوا.
3: الرجال عسى أن يصمدوا.
4: الرجال أخذوا يضحكون.
وفى الجملة (1) تم تصريف الفعلين "كادوا" و"يبكون" مع فاعلهما أى: الرجال، والمسند هو: "كادوا يبكون". وينطبق الشيء نفسه على الجملة (4). وعبارة "أوشكوا أن يبكوا" هى المسند فى الجملة (2)، وقد تم تصريف الفعلين "أوشكوا" وأن "يبكوا" مع فاعلهما أى: الرجال. وتختلف الجملة (3) فى أنه فيما يتعلق بفعلى "عَسَى" وأن "يصمدوا" فى عبارة المسند "عَسَى أن يصمدوا"، تم تصريف "يصمدوا" مع المسند إليه (الفاعل) أى: الرجال، أما "عَسَى" فهو غير متصرف سواء جاء قبل الفاعل أو قبل المصدر المؤول، أى: "أن يصمدوا".
والأفعال المستعملة مع أفعال المقاربة والرجاء والشروع تنحصر فى المضارع، مثلا: "كاد الجو يعتدل"، أو: "لم يكد الجو يعتدل"، والمصدر المؤول (فى صورة: أنْ + المضارع)، مثلا: "أوشك الجو أن يعتدل"، أو: "عَسَى الجو أن يعتدل". والمسند فى كل هذه الجمل خارج الإعراب ككل مسند. أما الإعراب الداخلى لمكونات المسند فإننا نكتفى هنا بالإشارة إلى أن هذا البحث لا يركز على إعراب الفعل، وقد نقف مع ذلك فى مكان ملائم عند مثل هذه التركيبات الفعلية.
ومهما يكن من شيء فإننا لسنا إزاء جملة اسمية، أو مبتدأ، أو خبر، أو نسخ من أى نوع، بل نحن إزاء الفعل والفاعل المرفوع، أما المسند (الخبر) فهو يتكون من فعلين يسبقان المسند إليه، أو يليانه، أو يضعانه بينهما، وهو خارج الإعراب كما ينبغى للمسند أن يكون فلم يحدث له نسخ أو تغيير. ولا مبرر إذن لتسمية المسند إليه (الفاعل) مع أفعال المقاربة أو الرجاء أو الشروع اسما لهذه الأفعال ولا لتسمية الفعل الآخر المصرَّف مع هذه الأفعال خبرا لنواسخ الابتداء المزعومة هذه. والحقيقة أن هذه الأفعال إنما هى أفعال تسبق أفعالا preverbs فتضيف إليها معانى اقتراب أو وشوك أو تمنِّى أو ترجِّى أو بدء حدوثها؛ ومن الصعوبة بمكان اعتبارها نواسخ.
وقبل أن نتناول ما يسمى بنواسخ المبتدأ والخبر من الحروف، أى الحروف المسماة بالناسخة، من الأفضل أن نواصل هنا مناقشة بقية الأفعال المسماة بالناسخة، ونعنى أفعال "ظن وأخواتها". وهذه المجموعة الأخيرة من الأفعال وثيقة الصلة بمجموعتين أخريَيْن من الأفعال. مجموعة أفعال "أعطى وأخواتها"، ومجموعة أفعال "أعلمَ وأرى وأخواتهما". ويمكن تلخيص هذه الصلة فى أن هناك أفعالا تتعدى إلى مفعوليْن ditransitive verbs (بالإنجليزية)، وهى موجودة فى كل اللغات، ويمكن أن نقول فى لغة إعراب كاللغة العربية إن هذه الأفعال "تنصب مفعوليْن". وأفعال "أعطى وأخواتها" هى التى تأخذ أو تنصب مفعوليْن، وأحد هذين المفعولين مفعول مباشر والآخر مفعول غير مباشر وتعريفه هو أنه متلقِّى أو مستلم أو مستقبِل أو recipient (بالإنجليزية) المفعول المباشر. ففى جملة: "أعطى الأستاذُ التلميذَ كتابًا": المفعول به المباشر هو "كتابًا"، ومتلقيه، أى: المفعول به غير المباشر، هو "التلميذَ". ولأن النحاة توهموا أن أفعال "ظن وأخواتها" تأخذ أو تنصب مفعوليْن أصلهما المبتدأ والخبر، لأنها تدخل على الجملة الاسمية فى اعتقادهم فتعمل هذا العمل، فقد ميزوها من أفعال "أعطى وأخواتها" أو هذه من تلك بالقول بأن أفعال "أعطى وأخواتها" تأخذ أو تنصب مفعوليْن ليس أصلهما المبتدأ والخبر. مع أن الفارق الحقيقى كما سنرى بعد قليل هو أن "أعطى وأخواتها" تأخذ أو تنصب مفعوليْن (فى مختلف اللغات وليس فى اللغة العربية وحدها)، على حين أن أفعال "ظن وأخواتها" لا تأخذ أو تنصب مفعوليْن، وصحيح أن لها منصوبيْن غير أن أحدهما مفعول به والآخر شيء آخر لا يُعقل أن يكون مفعولا به بل هو متمم المفعول به (المباشر). أما أفعال "أعلم وأرى وأخواتهما" فإنها ترتبط بأفعال "ظن وأخواتها" لاعتقاد النحاة أن تعدية بعض أفعال "ظن وأخواتها" (المتعدية أصلا إلى مفعوليْن كما زعموا) بالهمز أو التضعيف تعطينا أفعال "أعلم وأرى وأخواتهما" المسماة بالمتعدية إلى ثلاثة مفاعيل. والحقيقة أن هذه المجموعة الأخيرة من الأفعال، شأنها فى هذا شأن أفعال "أعطى وأخواتها" تأخذ أو تنصب مفعوليْن لا ثالث لهما. أما المنصوب الثالث الذى يظهر معها فإنه ليس سوى متمم المفعول به المباشر.
وأفعال "أعطى وأخواتها" هى: 1: أعطى 2: سألَ 3: منحَ 4: منعَ 5: كسَا 6: ألبَسَ، وهى، بلغة النحاة، تنصب مفعوليْن ليس أصلهما المبتدأ والخبر.
وهناك عدة ملاحظات ينبغى أن نكتفى بها فى هذا المجال الذى يضيق بأى توسُّع فى النقاط التى لا تُعَدّ محورية من وجهة نظر هذه المناقشة المحددة.
وأولى هذه الملاحظات هى أن أفعال "أعطى وأعلمَ وأخواتهما" (كما تنبغى التسمية لإزالة الالتباس الحالى) أىْ: الأفعال التى تتعدى إلى مفعوليْن، تصل إلى عشرات الأفعال فلا تقتصر أبدا على ستة أفعال فى مجموعة "أعطى" وسبعة أفعال فى مجموعة "أعلمَ"، والمجموعتان هما فى الحقيقة مجموعة واحدة وحيدة من حيث التعدى إلى (أو: أخْذ، أو نصْب) مفعولين.
والملاحظة الثانية هى أن ما يجعل هذه الأفعال قابلة للتعدى إلى مفعوليْن هو معناها الذى يفترض مفعولا به غير مباشر تلقَّى مفعولا به مباشرا (والمعنى مشترك بين كافة اللغات، ذلك أن المحسن يعطى "السائلَ" "مالا" مهما كانت اللغة).
والملاحظة الثالثة هى أن هذه الأفعال قابلة للاستعمال بأخذ مفعول واحد (حسب نموذج واحد للجملة) وبأخذ مفعوليْن (حسب نموذج آخر للجملة). ويصدق هذا على مجموعتى "أعطى" و"أعلمَ" فهما كما قلنا مجموعة واحدة. وهناك بطبيعة الحال حقيقة أن عشرات الآلاف من الأفعال التى تتعدى إلى مفعول واحد - وتسمى بالإنجليزية monotransitive verbs - يمكن استعمالها لازمة، أى بدون مفعول به صريح أو حتى محذوف، مع تغيير دلالة الفعل بطبيعة الحال، وعلى سبيل المثال يمكنك أن تستعمل الفعل "يأكل" متعديا: "أكل الضيوف الوجبة" ولكنك تستطيع أن تستعمله لازما فتقول: "الإنسان يأكل"، بمعنى أن هذا الفعل من خصائص وسجايا الإنسان. وكذلك يمكن استعمال الفعل المتعدى إلى مفعوليْن متعديا إلى مفعول واحد وحتى لازما أى: بدون مفعول به.
والملاحظة الرابعة هى أن التركيز على الإعراب هو الذى جعلهم يتحدثون عن "نصب مفعوليْن". والواقع أن النحو أوسع من الإعراب، ويتحقق المفعول به بأشكال منها التعدى بالنصب المباشر ومنها التعدى بحرف الجر (المفعول به المجرور)، وبأشكال منها ما يستدعى عندهم فكرة الإعراب المحلى. وينبغى أن نتعرف على المفعول به غير المباشر فى مختلف الأشكال الممكنة بما فى ذلك شكل المفعول به المجرور.
والملاحظة الخامسة، وهى التى ينبغى أن ننتقل إلى مناقشة تفاصيلها، تتمثل فى أن أفعال "ظن وأخواتها" تنتمى إلى عشرات الآلاف من الأفعال التى تتعدى إلى مفعول به واحد، غير أنها قابلة مثل أفعال كثيرة أخرى منها مجموعة "أعطى" و"أعلمَ" لاستعمال متمم المفعول به المباشر، وهذا الأخير هو ما ظنه النحاة القدامى واللاحقون (بالتبعية) مفعولا به ثانيا فى حالة مجموعة "ظن وأخواتها"، ومفعولا به ثالثا فى حالة مجموعة "أعلمَ وأخواتها"، ولم يتصوروا وروده "منصوبا ثالثا" مع مجموعة "أعطى وأخواتها" (مثلا: أعطى الأستاذُ التلميذَ الكتابَ جديدًا)، أو مع أفعال أخرى من غير هذه الأفعال التى ذكروها فى مجموعات "الأخوات".
على أن كون الأفعال لازمة أو متعدية إلى مفعول أو مفعوليْن (مع قبولها للاستعمال لازمة) أو كونها قابلة "للمنصوب" الذى نسميه متمم المفعول به المباشر (كعنصر إجبارى فى جملة نموذج "ظن")، أو متمم المفعول به المباشر (كعنصر إجبارى فى حالة استعمال هذا المتمم فى أحد أشكال نموذج "أعطى" و"أعلمَ") لا يُلغى تصنيفات للأفعال لا حصر لها يمكن وينبغى إجراؤها من نواح عديدة منها ما هو دلالى ومنها ما هو نحوى. وعلى سبيل المثال فإن ضم الأفعال المسماة بالناسخة، بكل أنواعها، إلى بقية الأفعال جميعا، من حيث أن لكل فعل منها فاعلا، لا يعنى عدم تصنيف الأفعال من حيث قبولها دائما أو فى دلالات بالذات للاستعمال فى نماذج بذاتها للجمل.
ومن هذه التصنيفات قبول أفعال "كان وأخواتها" (وهى أكثر من 13 فعلا يذكرها النحاة) لنموذج الجملة يقتضى الفعل والفاعل ومتمم الفاعل(مهما كان شكل تحقيق هذا الأخير)، ولنموذج آخر للجملة يقتضى الفعل والفاعل والظرف (مهما كان شكل تحقيق هذا الأخير أيضا)، وهذان التصنيفان يقومان على عناصر إجبارية فى كل نموذج من نموذجى الجملة المذكوريْن. ومن هذه التصنيفات نموذج جملة: الفعل والفاعل والمفعول (وهذا ينطبق على كل فعل متعدٍّ يُستعمل مع مفعول واحد حتى إنْ كان قابلا للتعدى إلى مفعوليْن)، ونموذج جملة: الفعل والفاعل والمفعول به ومتمم المفعول به (وهذا ينطبق على كل فعل مستخدم مع مفعول واحد، مثل: "ظننتُ الخبرَ يقيناً"، أو "أعطيتُ الكتابَ جديدا"، أو "أعلمتُ الخبر يقينا"، وفى كل من الجملتين الأخيرتين فعل يتعدى إلى مفعولين غير أنه مستخدم هنا مع مفعول واحد مع متممه). وهناك بالطبع نماذج أخرى؛ نموذج: الفعل والفاعل والمفعول غير المباشر والمفعول المباشر، ونموذج: الفعل والفاعل والمفعول غير المباشر والمفعول المباشر مع متممه، ونموذج: الفعل اللازم او المستعمل لازما وهو لا يقتضى سوى الفعل والفاعل. وإذا كانت تلك النماذج تشتمل على عناصر إجبارية (أى ضرورية للنموذج من حيث هو نموذج مهما كان مدى قبول الفعل الواحد للاستعمال فى عدة نماذج للجمل)، فهناك عناصر جملة اختيارية قابلة للاستعمال (دون تغيير خصائص النموذج) مع أى نموذج من النماذج المذكورة.
وتنقسم أفعال "ظن وأخواتها" وهى من الأفعال المسماة بالناسخة للابتداء إلى قسمين:
1. أفعال القلوب.
2. أفعال التحويل أو التصيير.
وتنقسم أفعال القلوب إلى قسمين:
أ. ما يدل على اليقين: 1. رأى (وقد تُستعمل للظن) 2. عَلِم 3. وجد 4. دَرَى 5. تَعَلمْ (وهى التى بمعنى اعلمْ).
ب. ما يدل على الرجحان: 1. خالَ (وقد تستعمل لليقين) 2. ظن (وقد تستعمل لليقين) 3. حسب 4. زعم 5. عَدّ 6. حَجا 7. جعل (الذى كاعتقد وليس بمعنى صيّر من أفعال التحويل أو التصيير) 8. هَبْ.
وأفعال التحويل أو التصيير هى:
1. صيَّر 2. جعل 3. وهب 4. تخذ 5. اتخذ 6. ترك 7. ردّ.
فهل تنصب هذه الأفعال المسماة بالناسخة مفعولين (أصلهما المبتدأ والخبر) حقا؟ ولنضع مسألة الجملة الاسمية والمبتدأ والخبر جانبا. فأين المفعولان؟ الحقيقة أن هذه الأفعال لا تنصب مفعولين بحكم بداهة أنه يتم استعمالها مع "منصوبين" يصلحان كمسند إليه ومسند. فالمفعولان لفعل واحد إنما يكون أحدهما مفعولا مباشرا ويكون الآخر مفعولا غير مباشر، أى متلقيا لهذا المفعول المباشر (مثلا: أعطى المدرسُ التلميذَ كتاباً)، وهذا لا يصلح مع المسند إليه والمسند. وإذا قلنا: "الهرم عريق" فلا مجال لتصور أن يتلقى المسند إليه "الهرم" المسند "العريق"، أو العريق الهرم، ولهذا لا يصح أن نقول: "أعطيت الهرمَ العريقَ"، كما أننا لا يصح أن نقول "أعطيتُ التلميذَ يذاكر"، فالحقيقة أن "التلميذ" (المسند إليه فى الجملة الاسمية الأصلية المفترضة) و"يذاكر" (المسند فى الجملة الأصلية ذاتها) لا يبدو أحدهما ملائما لتلقى الآخر.
ولنأخذ بعض أمثلة نصب أفعال "ظن وأخواتها" لمفعولين من كتاب "تجديد النحو" للدكتور شوقى ضيف، الرئيس السابق لمجمع اللغة العربية بالقاهرة:
1. رأى عمرو (السماءَ ممطرةً).
2. حسب زيد (الشمسَ طالعةً).
3. جعل على (زيداً متفوقاً).
4. ظن خالد (الجوَّ حارًّا).
5. رأيتُ (عمرًا يقرأ).
6. حسبت (خالداً يحاضرُ) .
فالمنصوبان الموضوعان بين قوسين فى كل من الأمثلة من 1 إلى 4، وكذلك المنصوب والفعل بعده ( فى "محل" نصب) والموضوعان بين قوسين فى كل من المثالين 5، 6، يرى النحو العربى أنهما مفعولان لأفعال "ظن وأخواتها". ويمكن للقارئ أن يتأكد من أقل تدقيق، من أن المنصوب الأول مفعول به دون شك، ومن أن المنصوب الثانى لا يمكن أن يكون مفعولا به بحال من الأحوال، فإنما هو فى الحقيقة متمم للمفعول به، فالألفاظ المنصوبة "ممطرةً"، و"طالعةً"، و"متفوقاً"، و"حارًّا"، إنما هى أوصاف متممة للمفعول به. فالجملة الأولى لا تريد الاكتفاء بمعنى أن عمرا رأى السماء، بل تريد بالذات معنى أنه رآها ممطرة، وهكذا فى الباقى، وهذا ينطبق بوجه عام على الفعلين "يقرأ" و"يحاضر".
بل يذهب هذا النحو إلى حد اعتبار أن: "أن" واسمها وخبرها "سدت مسد مفعولى ظن وعلم وأخواتهما" فى جملة "ظننتُ أنَّ زيداً مسافرٌ" ، مع أن من الجلى أن "المجموعة الجُمْلية": "أنَّ زيداً مسافرٌ" مفعول به واحد، ذلك أن "سفر زيد" هو بالضبط ما ظنه المتكلم، بغض النظر عن الإعراب الداخلى "للمجموعة الجُمْلية"، وهى خالية على كل حال من أى مفعول به من أى نوع.
لسنا إذن إزاء مفعولين لأفعال "ظن وأخواتها"، كما يزعم النحو العربى، الذى لم ينتبه إلى أن ما يسميهما "المبتدأ والخبر" لا يصلحان مفعولين لفعل واحد فى الجملة، كما لم ينتبه إلى أن أفعال "أعطى وأخواتها" التى تأخذ مفعولين (لا شك فى أنهما كذلك) تحتاج إلى مفعولين ليس أصلهما "المبتدأ والخبر" بالذات، لأن هذين لا يصلحان مفعولين، لأن "المبتدأ" لا يصلح متلقيًا "للخبر"، ولا الثانى للأول، وهذا شرط تعدى الفعل الواحد (عن غير طريق العطف) إلى مفعولين، ليس فى اللغة العربية بل فى مختلف اللغات.
ويتمثل فى أحكام النحو العربى بشأن "أعلم وأرى وأخواتهما" خطأ لا يقل فداحة عن اعتبار منصوبى "ظن وأخواتها" مفعولين فى النحو العربى. فقد ظن النحو العربى أولا أن "المبتدأ والخبر" يصلحان مفعولين لأفعال "ظن وأخواتها"، ثم ظن أن بعض هذه الأفعال قابلة للمزيد من التعدية بالهمز أو التضعيف لهذا المتعدى المزعوم إلى مفعولين، ثم ظن أنه إزاء أفعال تتعدى بالتالى إلى ثلاثة مفاعيل، رغم أن هذه الأفعال وهى "أعلم وأرى وأخواتهما" (وهى: 1. أرى 2. أعلم 3. أنبأ 4. نبّأ 5. أخبر 6. خبّر 7. حدّث) "تنصب مفعولين" تماما مثل أفعال "أعطى وأخواتهما"، أما المنصوب الثالث فليس سوى متمم المفعول به المباشر مع مجموعة "أعلم" تماما كما مع مجموعة "أعطى".
والاستنتاجات التى نخرج بها من التحليل السابق لما يسمى بنواسخ المبتدأ والخبر من الأفعال يمكن إيجازها فيما يلى (مع إلغاء اعتبارها أفعالا ناسخة):
1: أفعال "كان وأخواتها" لها فاعل كباقى الأفعال ولا ينبغى أن يسمى "اسم كان"، أما ما يسمى "خبر كان" (وهو فى النحو العربى التقليدى كخبر المبتدأ وخبر "إن وأخواتها": مفرد، أو جملة اسمية، أو جملة فعلية، أو شبه جملة) فهو إما متمم للفاعل (صفة أو اسم أو جار ومجرور فى غير معنى الظرف أو أى شكل يتحقق به متمم الفاعل)، وإما ظرف (ومنه الجار والمجرور الدالان على الظرف). فهذه الأفعال تقدم إذن (بعد توسيع عددها وتدقيق دلالاتها) نموذجين للجملة، كما سبق القول، وهما نموذج: فعل + فاعل + متمم الفاعل؛ ونموذج: فعل + فاعل + الظرف.
2: أفعال "ظن وأخواتها" تتعدى إلى مفعول واحد وليس إلى مفعولين، أما "المنصوب" الثانى فهو عند استعماله متممٌ للمفعول به. وهكذا يمكن استخدام هذه الأفعال مثل بقية الأفعال المتعدية إلى مفعول واحد، وحتى لازمة مثلها جميعا. فهى قابلة إذن للاستعمال فى نموذج الجملة: الفعل المتعدى لمفعول + الفاعل + المفعول به، وفى نموذج الجملة: الفعل اللازم + الفاعل، غير أن النموذج الأمثل والأكثر شيوعا وتمييزا لهذه الأفعال هو نموذج الجملة: الفعل المتعدى إلى مفعول + الفاعل + المفعول به + متمم المفعول به.
3: أفعال "أعطى وأخواتها" تتعدى إلى مفعولين وهى قابلة طبعا للاستعمال لازمة فى نموذج الجملة: الفعل اللازم + الفاعل، ومتعدية إلى مفعول واحد فى نموذج الجملة: الفعل المتعدى إلى مفعول واحد + الفاعل + المفعول به، أو فى نموذج الجملة: الفعل المتعدى إلى مفعول واحد + الفاعل + المفعول به + متمم المفعول به، ومتعدية إلى مفعولين فى نموذج الجملة: الفعل المتعدى إلى مفعولين + الفاعل + المفعول به غير المباشر + المفعول به المباشر، وكذلك فى نموذج الجملة الذى يضيف إلى هذه العناصر عنصر: متمم المفعول به المباشر.
4: أفعال "أعلم وأرى وأخواتهما"، بكل خصوصياتهما الدلالية (المرتبطة بأفعال "ظن وأخواتها") جزء من أفعال "أعطى وأخواتها"، فهى جميعا، ويضم المعجم العربى عشرات منها وليس القليل الذى يذكره النحاة، أفعال تتعدى إلى مفعولين.
لقد توقفنا فى سياق هذا الفصل عند نماذج شتى للجملة العربية، فبالإضافة إلى المسند إليه (الفاعل) والفعل (مسند الحد الأدنى) واللذين لا تخلو منهما جملة، فهما الحد الأدنى للجملة، هناك عناصر إجبارية لا تقوم بدونها قائمة للجملة فى نماذج شتى منها. وإذا كان النحو العربى قد جعل من المسند إليه "عُمْدَة" ومن المسند "عُمْدَة"، بمعنى أن الجملة لا تستغنى عنهما، وإذا كان قد اعتبر المكونات الأخرى للجملة "فَضْلة" يمكن الاستغناء عنها أو التكملة بها، وإذا كان النحو الفرنسى التقليدى قد سمى تلك المكونات بدوره تكملات أو مكملات، فإن نماذج الجملة التى تجعل عناصر بذاتها إجبارية فى نموذج بذاته من حيث هو نموذج تجعل من الضرورى إلغاء مفاهيم العمدة والفضلة والتكملة (وهذه الكلمة الأخيرة هى التى استعارها مجمع اللغة العربية بالقاهرة من النحو الفرنسى التقليدى فى محاولته الكبرى مع وزارة المعارف لتيسير النحو، وهى المحاولة التى انتهت إلى الفشل الذريع للسبب المزدوج المتمثل فى نقاط ضعف المحاولة من داخلها وفى قوة أعدائها من خارجها، وقد ألصق أعضاء لجنة التيسير كلمة التكملة بالكثير من المفاهيم النحوية وذلك بحكم الثقافة الفرنسية لبعضهم وللدكتور طه حسين بالذات، ويبدو أن كلمة التكملة تتشبث بمكانها بعناد حتى فى أحدث ما أخرجته المطابع الفرنسية فى التسعينات حتى بالنسبة للمفعول به الذى لا يزالون يلصقون به كلمة التكملة).
ومهما يكن من شيء فإن علينا أن ننتقل إلى الحروف المسماة بالناسخة: "إن وأخواتها" و"لا النافية للجنس".
***
أودّ أن أضيف هنا بعض الملاحظات بشأن أعداد بعض أنواع الأفعال التى ناقشناها فى هذا الفصل فى علاقاتها الوثيقة بنماذج بعينها للجمل. وأعتقد أن من شأن دراسة موسَّعة للأفعال العربية أن توضح، بين أشياء أخرى، حقيقة أن أعداد هذه الأفعال أكثر كثيرا مما يُعتقد.
أفعال "كان وأخواتها" أو الأفعال الرابطة: وهى: 1: كان 2: أصبح 3: أضحى 4: ظل 5: أمسى 6: بات (وهى أفعال التوقيت بزمن) 7: زال 8: برح 9: فتئ 10: انفكّ (مسبوقة بـ ما / لا / لم وهى أفعال الاستمرار) 11: صار (فعل الصيرورة أو التحول) 12: ليس (فعل النفى) 13: دام (مسبوقا بـ ما وهو فعل الدوام أو بيان المدة).
ويضيف معجم الدقر ، ومعجم الدحداح ، اثنىْ عشر فعلا بمعنى الصيرورة: 1: آض 2: ارتدّ 3: استحال 4: انقلب 5: تبدَّل 6: تحوَّل 7: حار 8: راح 9: رجع 10: عاد 11: غدا 12: قعد. وانفرد معجم الدقر بفعل "قعد" فيما انفرد معجم الدحداح بفعليْن هما "انقلب"، و "تبدَّل". ويضيف معجم الدحداح فعلىْ "أقبل" و "عَلِق" إلى أفعال الشروع.
وتضيف مراجع أجنبية إلى هذا النوع من الأفعال أفعالا أخرى كثيرة مقاربة لها فى المعنى باعتبارها أفعال الحالة المتغيرة (مثل: صار، زاد، مضى، تحوّل، إلخ) أو أفعال الحالة غير المتغيرة (مثل: بقى، مكث، بدا، ظهر، إلخ) .
وهكذا فإن تحديد متمم المسند إليه (الفاعل) المرتبط بنموذج "كان" للجملة يتوقف على معرفة كاملة بالأفعال التى تُستعمل بهذه المعانى فتطلب المتمم (أو الظرف) كعنصر إجبارى مع الفعل الرابط. ويمكن أن يترتب على هذا اعتبار الكثير مما يُعتبر "حالا" ... "متمما للفاعل" عند توسيع أعداد الفعل الرابط، أما قبل ذلك فلا مناص من أن يحلل الناس أو يُعربوا وفقا للمعانى دون استرشاد كامل بنتائج استقصاء معجمى شامل.
أفعال "ظن وأخواتها": وتتعدى هذه الأفعال إلى مفعول به واحد غير أنها "تطلب" متمم المفعول به المباشر أو الظرف، وهى أفعال القلوب ومنها ما يدل على اليقين: 1: رأى 2: عَلِم 3: وجد 4: درَى 5: تَعَلَّمْ، ومنها ما يدل على الرجحان: 6: ظن 7: حسب 8: زعم، وأفعال التحويل والتصيير: 9: صيَّر 10: جعل 11: وهب 12: تخذ 13: اتَّخذ 14: ترك 15: ردَّ.
ويضيف كتاب القواعد الأساسية إلى أفعال اليقين "أَلْفَى" وإلى أفعال التحويل "حوَّل" . كما يضيف الدكتور شوقى ضيف "أَلْفَى" . ويضيف معجم الدحداح إلى أفعال القلوب أفعالا توافقها فى المعنى وتُلْحَق بها وهى: 1: نظر 2: أبصر 3: تفكَّر 4: سأل ("يسألون أيّان يومُ الدين" ) 5: استنبأ ("ويستنبئونك أَحَقٌّ هو" ).
ويمكن أن يضيف البحث عن هذا النوع من الأفعال فى المعجم العربى على اتساعه بالاستفادة من النحو المقارن المزيد من الأفعال بمعانٍ تتوافق مع هذه المعانى، مثلا: أفعالا بمعنى يعتبر/ ينتخب / يختار / يرشِّح / يُعيِّن / يسمِّى / يتوِّج / يُعلن (شخصا مّا رئيسا / ملكا إلخ)، وكذلك أفعالا بمعنى ظن، مثل: تصوَّر، تخيَّل، توهَّم، وغير ذلك. ويجد القارئ فى المراجع الأجنبية المذكورة منذ قليل قوائم طويلة بأفعال القلوب والتصيير ("ظن وأخواتها").
أفعال "أعطى وأخواتها": وهذه الأفعال التى تتعدى إلى مفعولين هى: 1: أعطى 2: سأل 3: منح 4: منع 5: كسا 6: ألبس، ويضيف الدكتور شوقى ضيف أفعالا أخرى مثل: 1: زوَّد 2: أهدى 3: وهب 4: أطعم 5: سقى ، ويوضح أن المتعدِّى إلى واحد يصير متعديا إلى مفعولين بالهمزة أو تضعيف الحرف الأوسط، مثل: "مَلَكَ" الذى يصير "أَمْلَكَ" أو "مَلَّكَ" .
ويؤكد معجم الدحداح أن أفعال "أعطى" "كثيرة لا يمكن ضبطها"، ويذكر "أكثرها استعمالا" وهى: 1: كسا 2: رزق 3: أطعم 4: سقى 5: زوَّد 6: أسكن 7: أعطى، ويضيف: 1: أنسى 2: حبَّب 3: جزى 4: أنشد 5: استصنع، كما يذكر ضمن أفعال "تنصب" مفعولين يُستعاض فيها عن "المفعول الثانى" بالجار والمجرور، مثل: 1: أمر (أمر الناس خيرا / بالخير) 2: استغفر 3: اختار 4: كنَّى 5: سمَّى 6: دعا 7: صدَّق 8: زوَّج 9: كال . ويضيف تحرير النحو العربى : "علَّم" ("علَّم الإنسان ما لم يعلم" )، و"آتى" ("وآتيناه الحكمة وفصلَ الخطاب" ).
ويمكن دون شك إضافة الكثير من الأفعال، مثل: "أفهم" (أفهمه المسألة بوضوح)، أو "سلب" (سلبه اللصُّ مالَه)، ، "أَدْخَل"َ (أدخله المدرسة عندما بلغ السادسة)، أو "عرَّف" (عرَّفه الخير)، أو نَقَدَ (نقده مالا)، وغيرها وغيرها.
ويقدم النحو المقارن أفعالا كثيرة فى هذا الباب منها الأفعال القليلة التى يشيع إيرادها فيه فى كتب النحو العربى، مثل: "أعطى" give, و "سأل" ask، و "زوَّد" provide، إلخ، ومنها أفعال أخرى كثيرة، ومنها بالمناسبة الأفعال التى نسميها "أعلم وأرى وأخواتهما"، ومنها "أعلم" inform و "أرى" show، كما نجد فى المراجع الإنجليزية المذكورة منذ قليل.
أفعال "أعلم وأرى وأخواتهما": وهى الأفعال التى يُقال إنها تنصب ثلاثة مفاعيل، وقد أوضحنا أنها "تأخذ" مفعولين فقط، وهى أفعال: 1: أرى 2: أعلم 3: أنبأ 4: نبَّأ 5: أخبر 6: خبَّر 7: حدَّث. ويُقال إن بعض هذه الأفعال تأتى بتعدية أفعال "ظن وأخواتها" المتعدية إلى مفعولين إلى ثلاثة مفاعيل، غير أن هذا يقتصر، فى حدود الأفعال التى يشيع إيرادها فى هذين البابين، على فعليْن اثنين هما "رأى" الذى يصير "أرى" و "عَلِمَ" الذى يصير "أعلمَ". والأهم هو أن أفعال "أعلم" مزدوجة الارتباط بأفعال "ظن" من حيث إنها "تحتاج" مثلها إلى متمم المفعول به المباشر، وبأفعال "أعطى" من حيث إنها "تأخذ" مثلها مفعولين. وهنا مسألة دقيقة: إذا كانت أفعال "أعلم" "تطلب" متمم المفعول به المباشر أو الظرف، فهل ينطبق هذا الشيء ذاته على أفعال "أعطى"؟
ولا شك فى أن الاستقصاء المعجمى عن هذه الأفعال من شأنه أن يوضح ما إذ كان المتمم والظرف يشملان كل أفعال "أعطى" أم لا، غير أن من الواضح أن الكثير من هذه الأفعال تكتمل لها خصائص نموذج أفعال "أعلم وأرى وأخواتهما" من حيث أخذ المتمم والظرف، وعلى سبيل المثال فإن فِعْل "أفهمَ"، الذى لم يقل أحد إنه من أفعال "أعلم" (وإنْ كان على كل حال قريب المعنى من أفعال "ظن" المتعدية إلى مفعول به واحد وأفعال "أعلم" المتعدية إلى مفعولين قبل المتمم فى الحالتين)، قابل للاستعمال مثل نموذج "أعلم"، مثل: "أفهمته الخبر يقينا"، وبالطبع فإن "علَّم" (الذى لا يُذكَر مع "ظن" أو "أعطى" أو "أعلم") هو مثل "أعلم" فى المعنى ويمكن استعماله بالطريقة نفسها.
ومن المحتمل أن يكون الكثير مما يُعتبر "حالا" متمما كما فى نموذج "أعلم"، بشرط أن يكون متمما للمفعول به المباشر فلا يكون مرتبطا بالمفعول به غير المباشر: على سبيل المثال قد يُعتبر "صبيًّا" فى: "وآتيناه الحكم صبيًّا" "حالا"، لأن صاحب الحال أىْ المفعول به غير المباشر هو المقصود بلفظة "صبيًّا" وهو "يحيى" فى الآية، فيما يمكن اعتبار "خالصا" فى مثل: "أعطيناه الحكم خالصا" متمما لأن "الحُكْمَ" أىْ المفعول به المباشر هو المقصود بلفظة "خالصا".
وعلى كل حال فإن هذه المسألة الدقيقة لن يحسمها سوى العمل الدءوب من جهتين: الاستقصاء المعجمى الشامل كأساس للتصنيف الواسع النطاق لأفعال اللغة العربية من جهة، وبحث طبيعة ومفهوم "الحال" واحتمال ردّ الكثير من حالاته إلى الظرف بالذات، واحتمال ردّ كثير منها أيضا إلى نوع من أنواع المتمم، وكل هذا مع التفاعل العميق مع منجزات النحو المقارن. كذلك فإن تطوير بحث اللزوم والتعدى والأفعال المتعددة الكلمات multi-word verbs ، التى تتعدى دون أن "تنصب" بحال من الأحوال، يمكن أن يضيف الكثير إلى فهمنا لهذه الأنواع الخاصة من الأفعال ونماذج الجمل التى ترتبط بها.